Полный текст (6 802 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.
стр. 5006
كلوني السود ورهبان سيتو البيض. وكان هؤلاء الرهبان المصلحون هم الذين اضطروا بقية رجال الدين أن يصلحوا أخلاقهم وهم الذين عضدوا البابا أحسن عضد وحملوا المسيحيين كافة عامتهم وخاصتهم أن يحنوا رؤوسهم لسلطته. فقد كان غريغوريوس السابع العظيم المصلح الحاكم من رهبان كلوني والقديس برنارد اللاهوتي العظيم في القرن الثاني عشر من رهبان سيتو.
كان من العادة القديمة في الكنيسة إذا أقرأ أحد المؤمنين بخطيئة ارتكبها أن يقضي عليه القسيس بالتوبة قبل أن يغفر له ويدعه يدخل الكنيسة بين الناس وتجري هذه التوبة علنية إذا كانت الخطيئة ارتكبت كذلك. وكتبت في القرن الثامن كتب توبة فيها العقوبة المقدرة لكل خطأ. . مضت قرون وهذه التوبات مثال القسوة وإذلال النفس ففي بعض التوبات التي تطول سبع سنين كان يتحتم عَلَى التائب في السنة الأولى أن يقف حافياً أمام باب المدينة يركع أمام الداخلين يتوسل إليهم أن يصلوا له. والتوبات عبارة عن الصيام وترديد صلوات وضرب البدن بالعصي ثم انتظمت هذه الطريقة فرأى رجال الكنيسة أن ثلاثة آلاف ضربة بالعصا تعادل سنة في التوبة. وقد اشتهر أحد نساك الطليان في القرن الحادي عشر واسمه دومينيك ولقب بالدارع بأنه يتمكن في خمسة عشر يوماً أن يقوم بمئة سنة من التوبة وأقروا أيضاً عَلَى ابتياع التوبة بالأعمال الصالحة مثل الحج ومنح العطايا إلى الكنائس وكانوا يقولون أن للقديسين من الفضائل أكثر مما يجب لخلاصهم وهذه الفضائل الزائدة قد تألفت منها كنز الغفرانات التي بها تشترى خطيئات المخطئين. ولدى الكنيسة هذا الكنز في الغفران تنفق منه عَلَى المؤمنين وفي وسعها أن تفضل منه عَلَى أرواح الموتى التي يراد تطهيرها وتطلب لقاء ذلك بعض المال. فالخاطئ لا يشتري الغفران (كما قيل ذلك خطأ) بل يبتاع التوبة فقط وبعبارة أخرى أن الكنيسة تعطيها له. هذه هي نظرية الغفرانات. فقد قال داميانوس إننا بما نأخذه من أراضي التائبين نمنحهم كمية من التوبة بحسب ما يعطوننا. وعلى هذا كانت التوبة قسمين أحدهما وهي السهلة (ما ينال الغفران من العطايا والحج) وهكذا يكفي الأرواح الفاترة وأوقات السكون والآخر وهو بربري (ضرب العصي) تطمئن إليه الأرواح المتحمسة وقد كان الغيورون من المسيحيين مثل القديس لويس والقديسة إليزابثة يلبسون قميصاً من الشعر ويضربون بعصا يد من يعترفون له. وفي أوقات الفزع
стр. 5007
الديني خلال الأوبئة والحروب تتألف عصابات من المضروبين بالعصي يجتازون البلاد وأكتافهم عريانة وهم يضربون أنفسهم حتى تسيل دماؤهم.
انفصال الكنيسة الرومية - مضى دهر طويل لم يؤلف المسيحيون الروم في بلاد الشرق سوى كنيسة واحدة مع مسيحيي الرومان في الغرب فكان لهم عدة بطارقة في الآستانة والإسكندرية والقدس وأنطاكيا ويعترفون أيضاً بتقدم أسقف رومية ولكن بعد أن فتح العرب مصر وسورية لم يبق في الإمبراطورية سوى سوى بطريرك واحد هو بطريرك القسطنطينية الذي أخذ ينافس البابا. ولما قطع البابا العلائق مع الإمبراطور في القرن الثامن بشأن عبادة الصور بدأ المسيحيون الروم أن لا ينظروا إلى مسيحيي الغرب أخوانهم وكان بين الفريقين من أهل العالم المسيحي بعض فروق خفيفة في أمور التعبد والمعتقد فالروم يعتقدون أن روح القدس لم ينبثق إلا من الأب والغربيون يعتقدون أنه ينبثق من الآب والابن معاً وأن الابن من مادة الآب نفسها. والروم يستعملون الخبز في المناولة والغربيون خبزاً بدون خمير والروم يسمحون بزواج القسوس والغربيون يحظرونه.
وظهرت تلك العداوة الخفية بين الكنيستين جهاراً في القرن التاسع فعزل الإمبراطور أغناس بطريرك القسطنطينية وأقلم عوضاً عنه فوتيوس أحد قدماء الساسة والقواد وهو أكثر الناس تعلماً في زمنه ولم يكن راهباً بل اجتاز درجات الكهنوت كلها في بضعة أيام فتحزب البابا نقوى للبطريرك المقال وحرم فوتيوس وأشياعه فجمع فوتيوس في الآستانة مجمعاً حكم عَلَى معتقدات اللاتين الخاصة بأنها إلحاد وحرم نقولا (٨٦٧) فاغتنم البابا فرصة تبديل الإمبراطور ليجمع في القسطنطينية مجمعاً مسكونياً (٨٦٩) قضى بعزل فوتيوس وفسخ أعماله. وفي سنة ٨٧٩ فسخ مجمع جديد أوامر مجمع سنة ٨٦٩ وأعلن أن البابا ليس سلطاناً عَلَى الكنيسة إلا في الغرب فأجاب عَلَى ذلك بجرم فوتيوس الذي انقطع إلى أحد الأديار وبدا بذلك أن التقاطع بين الكنيسة أصبح مبرماً ولكن الباباوات في أواخر القرن التاسع أصبحوا في أيدي بارونات رومية فأمسوا من الضعف بحيث لا يستطيعون المقاومة في هذا الباب ولما شعر البابا أواسط القرن الحادي عشر بتوطيد مركزه في رومية والغرب بعث بنائبين من قبله يضعان باحتفال في كنيسة القسطنطينية براءة الحرم الذي صدر من البابا عَلَى البطريرك وأشياعه (١٠٥٤) فأبت كنيسة الشرق أن تخضع وظل
стр. 5008
المسيحيون منذ ذاك العهد منقسمين إلى كنيستين الكنيسة اللاتينية أو الكاثوليكية التي خضعت للبابا والكنيسة الرومية أو الأرثوذكسية التي اعترفت ببطريرك القسطنطينية وليس الروم فقط هم أتباع هذه الكنيسة بل الروس والبلغار والصرب والرومانيون.
الإلحاد - كان الملاحدة (الهراطقة) نادرين متفرقين في القرون الأولى والوسطى فبدأوا في القرن الثاني عشر يتكاثرون ولاسيما في جنوبي فرنسا وشمالي إيطاليا وانقسموا إلى شيع مختلفة يصعب علينا تمييزها ولا نعرفها إلا بما ينقله عنها أعداؤها فمنهم من اقتبسوا من ملاحدة بلغاريا مذهب المانوي الفارسي القديم في تنازع الخير والشر وآخرون هم الكاتاريون (الأطهار) فقراء ليون الفورديون كانوا ملاحدة بغضاً بمفاسد رجال الكهنوت في عصرهم وزعيم شيعة الفوديين فالدوس تاجر غني من أغنياء ليون كان ترجم له الكتاب المقدس باللغة العامية فأحب عملاً بحكمة الإنجيل أن يوزع جميع ما يملك عَلَى الفقراء وأخذ يدعو إلى الدين عَلَى رغم منع الأسقف عليه ذلك وكان أنصاره يرفضون كل ما لا يرونه مسطوراً عندهم في التوراة مثل الصور والماء المقدس والقديسين والذخائر والمطهر والصوم والغفرانات وكانوا يقولون أن الكنيسة الرومانية ليست كنيسة المسيح بل كنيسة الشيطان وما الأحبار إلا فريسيون يجب أن لا يملكوا شيئاً من حطام الدنيا بل أن يعملوا كل عمل الحواريون وأن لا يقودوا إذ ليس في الكنيسة الحقيقة إلا أهل التساوي فالعامة ليست دون الخاصة ولهم الحق أنة يبشروا كما كان يبشر الرسل والعامي التقي هو أشد عراقة في الرهبنة ويحسن أن يناول القربان من رجال الكهنوت أهل الخطيئات الحاكمين المتحكمين بالكنيسة فسر القربان المقدس والغفرانات لا فائدة فيه لأن الإيمان والتوبة يكفيان في السلامة. وكانت قوة هؤلاء الملاحدة باختلاطهم مع الشعب مباشرة يلكمونه بلسانه ويعيش وعاظهم عيش الفقر والشدة المخالفة لأخلاق أحد رجال الدين الأغنياء الفاسدين أحياناً ولكن معظم المسيحيين كانوا يفزعون من اسم إلحاد وطفقوا عن رضى يخدمون رجال الكهنوت ليقضوا عَلَى الملاحدة ودعا البابا فرسان فرنسا فأعلنوا عليهم حرباً صليبية كما أعلنوا عَلَى المسلمين فذبحوا جميع سكان بزيير عَلَى نحو ما فعل الصليبيون في الشرق من ذبح الرجال والنساء في أورشليم. وقد حرم البابا الإمبراطور فريدريك الثاني في ألمانيا وهو نصف عربي بشدته فاحرق كل من اشتبه فيهم أنهم ملحدون.
стр. 5009
ديوان التفتيش الديني - بعث البابا إلى مدن إقليم لانكدوك بموظفين عهد إليهم البحث عمن يشتبه بهم بالإلحاد وذلك ليستأصل الملاحدة عن بكرة أبيهم ومنحهم كل سلطة في إلقاء القبض عَلَى كل شخص ومحاكمته والحكم عليه وأطلق لهم الحرية أن يعملوا بما يرونه مناسباً مبيحاً لهم أن يغفر بعضهم لبعض إذا بدرت منهم بادرة وهؤلاء المفتشون (وفي العادة أن يكونوا قسوساً) يستقدمون الرجال الذين يرمون بالزندقة ويسألونهم بدون أن يقولوا لهم أسماء من أظهر أمرهم فإذا أبى المشتبه به الكلام يسجنونه ويضيقون عليه الخناق ولقد قال أحد هؤلاء المفتشين ولطالما رأيت أناساً حبسوا عَلَى تلك الصورة سنين كثيرة فانتهى بهم الحال أن اقروا أيضاً بأجرام لهم قديمة وعادوا أيضاً ليحملوهم عَلَى الإقرار يستعملون معهم طريقة التعذيب التي تركت منذ عهد الرومان وأخذت بالاستعمال عند ظهورهم وكانت محكمة التفتيش تحكم بطريقة عرفية بدون استئناف تحكم عَلَى بعضهم بغرامات فاحشة أو بحج بعيد وعلى غيرهم أن يحملوا عَلَى ثيابهم صلباناً صفراء تخاط عليها فتشعر بأنهم مشتبه بأمرهم أمام القوم ويقضى عَلَى الآخرين أن يطوفوا تائبين يحملون العصي ليجلدوا. وغيرهم يسجنون مؤبداً في مطبق صغير مظلم عَلَى خبز الكرب وماء العذاب وبعضهم يحرقون في وقود الحطب وديوان التفتيش لا ينفذ الحكم عليهم بنفسه بل يكتفي بان يدفعهم إلى القاضي المدني العامي وهو يعيدهم إلى الجلاد.
الرهبان الشحاذون - أصبحت الرهبنات الدينية التي حملت في القرن الحادي عشر عَلَى الفساد المستحوذ غنية عنىً فاحشاً فكان رئيس دير كلوني يسيح في موكب مؤلف من ثمانين فارساً والرهبان البيض الذين أرسلوا لتنصير الملاحدة قد حملوهم عَلَى العصيان بما رأوه من بذخهم ولذا دعت الحال إلى وضع نظام جديد وذلك بما قام به القديس فرانسوا الإيطالي والقديس دومينيك الإسبانيولي.
فكان القديس فرانسوا (ولد سنة ١١٨٢) ابن تاجر غني في آسيز تخلى عن المال وراح إلى المدن يستوكف الأكف ويدعو الناس. فظنه القوم مختل الشعور ولعنه أبوه ولكن لين جانبه ولطفه وحماسته لم تلبث أن عقدت القلوب عَلَى حبه فأعجبت به وجاءه من تلقوا دعوته زرافات فعزم أن يضم شتاتهم وأنشأ رهبنة الأخوان القاصرين (الفرنسيسكان) وكان القديس فرانسوا يعيش عيش التنسك يسهر ويصلي ويصوم ويلبس مسحاً ويمزح رماداً في
стр. 5010
طعامه لئلا يلذه طعمه ويجلد نفسه كل ليلة بسلاسل من حديد (ثلاث مرات واحدة عن نفسه وأخرى عن أرباب الخطايا الأحياء وثالثة عن أرواح المطهر) ومات مضجعاً عَلَى الأرض بلا وطاء وكان خلافاً للحبساء منخفض الجناح راغباً في خلاص غيره يريد أن يكون من جماعته الفرنسيسكان نساك أبداً فقراء ولكن نساك يعيشون بين أظهر الناس ليحرضوهم عَلَى التقوى قال لتلامذته: اذهبوا اثنين اثنين مبشرين الناس بالسلام والتوبة للعفو عن خطيئاتكم. لا تخافوا شيئاً لأننا نبدو للناس كالأطفال أو المعتوهين ولكن بشروا فقط بالإنابة والتجدد وكونوا عَلَى ثقة بأن روح الله الذي دبر العالم ينطق بلسانكم. وكانت قاعدته بسيطة للغاية وهو أن لا يملك الأخوان شيئاً بل أن يمضوا في هذا العالم كالحجاج والغرباء يخدمون الله بالفقر له والضراعة إليه والصدقات قصارى ما يتبلغون به ولا يخجلون من حالهم لأن السيد المسيح سن لنا من سنة الفقر. ويلبس الفرنسيسكان لباس الحاجين وهو عبارة عن ثوب من الصوف الغليظ له قبعة ومن هنا اشتق اسمهم (الكبوشيون) ويلبسون في أرجلهم نعالاً ويتمنطقون بحبل (ومن هنا سموا أيضاً بالحباليين) ولا يعيشون إلا من الصدقات.
وكان القديس دومينيك (ولد سنة ١١٧٠) من النساك أيضاً لا يشرب الخمر ويلبس مسحاً مع سلسلة حديد ومات مضطجعاً عَلَى الرماد وكان واعظاً وعظ عشرين سنة في البلاد الألبية لهداية الملاحدة وهناك رأى كيف يطمع الشعب لسماع كلام الله وهو يتألم لما يرى من بذخ رجال الكهنوت. وسن سنة السير عَلَى القدم بألبسة ساذجة للغاية وأراد أن يكون عَلَى شاكلته في الأمة رسل مبشرون فأنشأ جمعية الأخوان الواعظين جعل شأنهم أن يتكلموا في كل مكان بما فيه سلامة الأرواح ووضع الفقر قاعدة لهم.
وهكذا كان الفرنسيسكان شحاذين فأصبحوا واعظين والدومنيكيون واعظين فأصبحوا شحاذين وكانت الرهبنتان تتشابهان من وجوه كثيرة وكانتا كلتاهما منظمتين ولهما قائد يقودهما يطيع البابا مباشرة ولكن الدومنيكيين كانت علاقتهم بالسادة والملوك أكثر والفرنسيسكان بجمهور الشعب وامتدت كلمة هاتين الجمعيتين امتداداً لا يكاد يصدق فلم تدخل سنة ١٢٧٧ إلا وكان للدومنيكيون ٤١٦ ديراً وكان للفرنسيسكان سنة ١٢٦٠ - ١٨٠٨ أدياراً وفي كل دير اثني عشر راهباً عَلَى الأقل وإذ كان اعتمادهم عَلَى الله الذي
стр. 5011
كان هريهم وخوانتهم كانوا يقبلون في جملتهم من الإخوان ما جاءهم فمن يقصدونهم يعطونهم ثوباً وحبلاً وما عدا ذلك فيكلون أمره للعناية الإلهية. ولقد عاش قدماء الرهبان خارجين عن العالم أما الرهبان الشحاذون فاختلطوا بالمجتمع وأذن لهم البابا أن يبشروا ويعرفوا ويدفنوا فاخذ المؤمنون يهرعون إليهم تاركين قسوسهم المعتادين وكان بذلك ثورة عظيمة وطدت سلطة البابا كل التوطيد.
عدل الكنيسة - كان في كل أبرشية منذ القرن الثالث عشر محكمة للكنيسة يجلس فيها مندوب الأسقف للحكم فينظر فيها في عامة القضايا التي لها مساس بأحد الإكليريكيين إذ لم يكن يقبل أن عامياً يرفع يده عَلَى رجل من رجال الله فالإكليريكي إذا ارتكب جرماً لا يحاكم عليه إلا مثله وهذا من جملة امتيازات رجال الدين امتيازات يرغب فيها لأن قضاة الكنيسة لا يحكمون بالإعدام بتاتاً وكثيراً ما كان أحد الأشقياء فراراً بنفسه من المشنقة يدخل في درجة من درجات الإكليروس ويتعلم صلاة باللاتينية ويظهر بمظهر ديني وقد امتدت سلطة المحاكم الكنائسية عَلَى العامة. فالكنيسة التي تدير أسرارها القربان المقدس يجب أن تبت في كل المسائل التي لها علاقة بهذا الشأن ومثل هذه المسائل ليست بقليلة. فقد أصبح الزواج منذ ظهور الدين المسيحي سراً من أسرار القربان فيأتي الزوجان في شهودهما يقفان تحت دهليز الكنيسة فيسألهما الكاهن فيما إذا كانا يقبلان الزواج فيقول الزوج أنا يا هذه أرضاك زوجة وتقول العروس أنا يا هذا أرتضيك بعلاً ويأتي أهل المرأة ويضعون يدها في يد زوجها ويبارك القسيس خاتم الزواج إشارة العقد ثم يدخلون كلهم الكنيسة فيتلو القسيس القداس عَلَى الزوجين الراكعين المستورين بشعار خاص وهذه الحفلة جعلت الزواج في يد الكنيسة وكانت تكفي في عهد الرومان إرادة الزوجين لعقد القران كما يكفي إرادتهما لفسخه أما المسيحيون فعلى العكس لا يستطيعون الزواج إلا إذا سمحت الكنيسة (وكثيراً ما تحظره حتى بين الأهل البعيدين) فإذا تزوجوا كان زواجهم طول العمر لأن سر الزواج لا ينحل. وهكذا بطل الطلاق وإذا تعذر التئام الزوجين لا تسمح الكنيسة إلا بالتفريق بينهما ولا تحل رابطة الزواج مطلقاً.
والكنيسة تحكم أيضاً في الوصايا لأن الرجل لا يتأتى له أن يوصي إلا بعد الاعتراف والاعتراف سر من الأسرار وتأبى الكنيسة أن تدفن من لم يعترف ولم يوص والعادة
стр. 5012
تقضي أن يكون في كل وصية وقف يحبس للكنيسة وترجع جميع القضايا في الوصية إلى محكمة الكنيسة. والكنيسة تحكم أيضاً عَلَى العامة المتهمين بجريمة تخالف الدين أمثال الزنادقة والمجرمين والمرابين (وذلك لأن الكنيسة تحظر الربا) وزعم أينوسان الثالث أن من واجب الكنيسة أن تحكم في جميع الخطايا وكانت محاكم الكنيسة إلى القرن السادس عشر أكثر عملاً من المحاكم العادية.
البابوية
البابوية - الباباوات في القرن العاشر كسائر أساقفة إيطاليا سقط تحت سلطة العامة من السادات الذين هم نصف لصوص في رومية فكانوا يخلون بعضهم بعضاً في خرائب المعاهد القديمة ويتوافرون عَلَى اختيار البابا الذي يشاؤن. فكان الكرسي المقدس ملكاً لأسرة من البارونات زمناً طويلاً ونساء تلك الأسرة تيودورا وماروزيا تنتخبان الحبر الأعظم فشوهد بابا في الثانية عشرة من عمره وآخر باع البابوية من خلفه وقد جعل الإمبراطور هنري الثالث حداً لهذه الفضائح وذلك بأن أخذ عَلَى نفسه تعيين البابا وما كان أنصار الإصلاح يرضون أن تكون أرقى مناصب الكنيسة خاضعة لسلطة رجل من العامة وقد وقف ليون التاسع الذي نصبه ابن عمه الإمبراطور بابا عَلَى أبواب رومية بصفة حاج وأراد أن يجري انتخابه بحسب القانون من قبل رجال الإكليروس وشعب رومية ثم قرر مجمع لاتران سنة ١٠٦١ أن يجري انتخاب الباباوات في المستقبل بمعرفة أساقفة المدن الصغرى في بلاد الأقاليم الرومية وأن يصدق الإمبراطور عَلَى انتخابه ولكن لم يلبث هذا القرار أن صرف النظر عنه. وهذه القاعدة في الانتخاب التي جرى العمل عليها بعد قد جعلت للبابوية استقلالاً عن شعب رومية والملوك الأجانب. ولما أصبح البابا مستقلاً أخذ يطهر الكنيسة من روح العصر بمنع زواج الرهبان وبيع الأشياء الروحية وتولية العامة للبابا.
خصام عَلَى التولية - تقضي القوانين القديمة في الكنيسة أن ينتخب الأسقف بمعرفة الكهنة القانونيين ورئيس الدير بمعرفة رهبانه وإذ كان لكل أبرشية ولكل دير أملاك واسعة أعطاها له الملك عَلَى سبيل الإقطاع وكان الملك ولاسيما في ألمانيا يطالب بحق تعيين من يستمتعون بهذه الإقطاعات فإذا مات أسقف أو رئيس دير يحملا الكهنة القانونيون أو
стр. 5013
القساوسة إلى الملك علامات المنصب الأسقفي أو الرئيس وهي العكاز رمز السلطة والخاتم رمز اتحاد الحبر مع الكنيسة فيختار الملك من يريده وفي العادة أنه يختار أحد رجال الكنيسة في قصره ويحلفه يمين التابعية له ويوليه أي يملكه زمام منصبه بان يدفع إليه العكاز والخاتم. وهذه العادة قد ثار لها المصلحون في الكنيسة. قال البابا أوربانوس الثاني أمن الممكن أن تكون الأيدي التي تشرفت بالشرف العالي في إيجاد الخلق (كذا) بحيث يؤول أمرها إلى العار بالخضوع إلى أيد ملوثة بالسم والدم. وما معنى قبول منصب كنائسي من عامي إلا الاتجار بالأشياء المقدسة وبذلك ارتكاب الخطيئة المميتة في بيع هذه المقدسات فطالب البابا من ثم أن يتخلى الإمبراطور عن انتخاب الأساقفة ورؤساء الأديار ليكون انتخابهم بحسب القواعد القانونية. وكان الإمبراطور يجيب عَلَى هذا المقترح بان الأبرشيات والأديار جزء من الأملاك الإمبراطورية وللإمبراطور وحده الحق في أن يوليها من أراد. وعلى هذا الوجه ثار بين الإمبراطور والبابا خصام عَلَى التولية. وأنصار البابا في مطالبه القسيسون وأنصار الإصلاح وأنصار الإمبراطور الأساقفة ورؤساء الأديار في ألمانيا ولومبارديا أتباعه والقساوسة المتزوجون وعندما حضر أسقف كوار سنة ١٠٧٥ ليبلغ رئيس أساقفة مايانس الأمر البابوي في حظر الزواج عَلَى القسيسين قام جميع الإكليروس الذين كانوا حاضرين المجلس مغاضبين شاتمين رئيس الأساقفة ومانعيه من قبول هذا الأمر. ودام الأخذ والرد في ذاك نصف قرن (١٠٧٥ - ١١٢٢) وتعذر التوفيق فيه بسبب حقوق مداخيل الكنيسة أو سلطة الأساقفة السياسية وقد حل البابا باسكال الإشكال بأن قرر تنازل الأساقفة عن المدن والكونتيات والنقود والمكوس والقصور والأملاك والحقوق التي يعطيها الإمبراطور لهم فلم يرض رجال الإكليروس عن هذا النظام ولما عقد الصلح سنة ١١٢٢ احتفظ الأساقفة بحقوق مداخيلهم وسلطتهم السياسية فسمح الإمبراطور بانتخاب الأساقفة ورؤساء الأديار من قبل الكهنة القانونيين أو القسوس وأن يعطوهم العكاز والخاتم ولكنه أبقى حق توليتهم بالعلم كالأمراء من العامة.
مناوشات البابا مع الإمبراطور - كان البابا والإمبراطور متفقين عَلَى أن يحكموا مشتركين كما وقع عَلَى عهد شارلمان فلم يكن من حاجة لتمييز سلطة أحدهما عن الآخر وتحديد حقوق كل منهما وكان يقال أن الله أعطى سيفين سيف السلطة الزمنية للإمبراطور وسيف
стр. 5014
السلطة الروحية للبابا ليحكموا العالم معاً ولكن عندما استعلت جذوة الخلاف بين البابا والإمبراطور اقتضى أن يتساءل الناس ما هي حقوق السلطة الروحية والسلطة الزمنية وعند أي حد تقف. وهي مسالة صعبة لم يتيسر للعصور المقبلة أن تحل عويصها ولا تزال تتناقش فيها تحت اسم صلات الكنيسة بالحكومة.
ولقد كان الناس في العصور الوسطى يسيئون فهم سلطتين متساويتين مستقلتين وهل البابا أو الإمبراطور هو الذي يحكم عَلَى الآخر وكل منهما يزعم أن سلطته رفيقة سامية فكان الإمبراطور وارث القياصرة والملقب بألقابهم يطالب بحق الزعامة عَلَى العالم أجمع والبابا يقول أن الله بإعطائه إلى القديس بطرس الحق المطلق أن يحل ويربط في السماء وعلى الأرض لم يستثن أحداً بل أخضع إليه الأمراء وجميع دول العالم وولاه أميراً عَلَى ممالك الدنيا. والبابا أسمى مقاماً من جميع الأمراء وهو قاضيهم ففي وسعه إذا رآهم غير لائقين للحكم أن يحرمهم وأن يعزلهم وأن يجعل رعاياهم في حل من إخلاص البيعة لهم. وقد نفذ غريغوريوس السابع هذه الحكمة بعزل هنري الرابع. فطال الخصام بين السلطتين فبدأ في القرن الثاني عشر عَلَى التولية ودام بشأن حقوق الإمبراطور عَلَى مدن لومبارديا إلى سنة ١٢٥٠ فغلب الإمبراطور لأن سلطته عَلَى العالم وهمية ولم تكن له سلطة في ألمانيا وإيطاليا ثم أنه عجز عن أن يبذل له الطاعة أمراء الألمان ومدن الطليان.
نفوذ البابا - أصبح البابا في القرن الثالث عشر وسنده رجال الكهنوت الذي قوي بالإصلاح والتهذيب زعيم العالم المسيحي بلا منازع فهو بصفته نائب المسيح يحكم عَلَى رجال الإكليروس كافة وهؤلاء يحكمون عَلَى جمهور من المؤمنين وحفظ لنفسه الحق أن يجمع المجامع ويعزل الأساقفة ويغفر لكبار المجرمين ويعطي ما يلزم من النفقات فيتناول القربان عَلَى عرش عالٍ ويقبل جماعته رجليه ولرسائله قوة الشريعة في الكنيسة كلها وإليك كيف تحدد سلكته قال إينوسان الثالث: لقد وضع الخالق في سماء الكنيسة منصبين أعظمهما البابوية فهي تحكم عَلَى الأرواح كما تحكم الشمس عَلَى النهار واقلهما الملك فهو عَلَى الأجسام كالقمر والليل فالبابوية مفضلة عَلَى الملك كما تفضل الشمس عَلَى القمر. وقد عهد إلى القديس بطرس أن يحكم لا الكنيسة العامة فقط بل العالم فكما أن جميع مخلوقات السماء والأرض والجحيم تثني ركبتيها أمام الله. هكذا كلهم يجب أن
стр. 5015
يخضعوا لنائبه حتى لا يكون في الأرض سوى قطيع واحد وراع واحد.
وقد كتب بونيفاس الثامن سنة ١٢٩٦ إلى ملك فرنسا يقول: اسمع يا ولدي كلام أب شفوق وإياك أن تعتقد بأن ليس فوقك يد وأنك غير خاضع لزعيم رجال الدين. وكتب سنة ١٣٠٠ في المنشور المشهور أن الكنيسة واحدة هي جسم واحد ليس له إلا رأس واحد لا رأسان كالمسخ هو خليفة القديس بطرس علمنا الإنجيل أن في الكنيسة سيفين زمني وروحي تستعمل الكنيسة ويد البابا أحدهما والثاني الكنيسة ويد الملوك بأمر البابا.
مضتى القرون الأولى وليس في الكنيسة سوى قوانين أي قواعد وضعتها المجامع وعندما عرف البابا سلطته إلى جميع رجال الإكليروس أصبحت أوامره قوانين للكنيسة عَلَى نحو ما كانت قديماً أوامر الإمبراطور الروماني شرائع للملكة وقد جميع كراتين الراهب الإيطالي في القرن الثاني عشر الأوامر التي نسبت لقدماء الباباوات وألف منها كتاباً سماه الديكري أي الأمر. فزاد عليه الباباوات في القرن الثالث عشر عدة مجاميع جديدة مؤلفة من رسائل الباباوات التي ظهرت بعد جميع الرسائل الأولى وهكذا فكما أن يوستينيانوس ألف مادة الشريعة المدنية ألف الباباوات مادة الشريعة القانونية التي ظلت قانوناً للكنيسة.
المدنية الشرقية في الغرب
تقدم شعوب الشرق في القرون الوسطى - ليمثل القارئ لعينيه المدنيتين اللتين كانتا في القرن الحادي عشر تقتسمان العالم القديم ففي الغرب مدن حقيرة صغرى وأكواخ فلاحين وقلاع لا هندسة لها وبلاد مضطربة عَلَى الدوام بالحرب لا يتأتى أن يسير فيها السائر عشرة فراسخ بدون أن يسلب وينهب في الشرق مدن القسطنطينية والقاهرة ودمشق وبغداد وجميع مدن ألف ليلة وليلة بما فيها من قصور المرمر والمعامل والمدارس والأسواق والحدائق الممتدة عَلَى بضعة فراسخ وبرية تروي أحسن إرواء غاصة بالقرى والضياع وحركة التجار التي لا تنقطع فتراهم يذهبون بسلام من إسبانيا إلى فارس ولا شك أن العالم الإسلامي والعالم البيزنطي كانا أغنى وأحسن نظاماً ونوراً من العالم الغربي فكان المسيحيون يشعرون بنقصهم في التهذيب ويعجبون ببلاهة بما يبدو لهم من غرائب الشرق ومن يحب التعلم يقصد إلى مدارس العرب. وبدا العالمان الغربي والشرقي في القرن الحادي عشر يتعارفان ودخل المسيحيون البرابرة إلى حمى المسلمين الممدنين من طريقين
стр. 5016
الحرب والتجارة.
الحروب الصليبية - انتهى المسلمون من جهادهم المقدس فتسرع النصارى بجهادهم فكانت الحروب الصليبية. وقد دبر شأن الحروب الصليبية البابا أوربانوس الثاني في كلرمون وكان فرنسوياً. وكان يقصد من هذه الحرب إنقاذ البيت المقدس (أي قبر المسيح) من أيدي غير المسيحيين فمن يسافرون يجعلون عَلَى أكتافهم صليباً أو صليب البابا ومن هنا اشتق اسم الصليبيين. فكان الصليبي حاجباً مسلحاً ووعد البابا كل من يشترك بهذه الحملة أن يعفو عنه من كل التوبات التي تحملها لقاء خطاياه. وانضم إلى هؤلاء التائبين أناس من تجار الطليان وفرسان رغبت أنفسهم بالغنيمة وانتفعوا من غلبات الصليبيين عَلَى المسلمين ليقيموا في سورية حيث أنشئوا أربع إمارات (كانت تسمى الإفرنج) وفي سنة ١٢٠٤ سير البنادقة حملة عَلَى القسطنطينية وفتحوا إمبراطورية الروم ولقد بدأت هذه الحرب أواخر القرن الحادي عشر ودامت إلى القرن الثالث عشر وكثيراً ما كانوا يتحدثون حتى القرن الخامس عشر بمعاودتها. وكانت آخر حملة من حملات الصليبيين في إسبانيا سنة ١٤٩٢ انتهت بأخذ غرناطة.
صفة الحروب الصليبية - كانت الحروب الصليبية حملات مؤلفة من المسيحيين منظمة بمعرفة البابا زعيم النصارى العام فكان كان صليبي حاجاً مسلحاً تعفو الكنيسة عن جميع الذنوب التي وقف فيها فكان الحاجون يجمعون جيوشاً ضخمة حول السادات القادرين أو حول نائب البابا ولكن لا نظام في صفوفهم فهم أحرار أن يتنقلوا من جيش إلى آخر أو أن يتركوا الحملة عندما يرون أن نذرهم قد تم. فالجيش الصليبي لم يكن سوى اجتماع عصابات تسير إلى مقصد واحد من طريق واحد فكانوا يسيرون مشوشاً نظامهم عَلَى مهل راكبين خيولاً ضخمة لابسين دروعاً ثقيلة يحملون أثقالهم فينؤون بها كما ينؤون يخدمهم وبالنهابين معهم فكانوا يضيعون أشهراً في اجتياز الإمبراطورية البيزنطية وقتال فرسان الأتراك في آسيا الصغرى والرجال والخيول تموت في القفار التي لا ماء فيها ولا سبيل إلى أخذ الميرة جوعاً وظمأ وكانت الأوبئة التي تحدث في المعسكرات التي ينزلونها من قلة العناية والصوم المتعاقب بعد الإفراط في الطعام والشراب تحصد أرواحهم بالألوف. وكان من يبلغون سورية قليل عددهم ففي الرجال وأي فناء في القرن الثاني عشر عَلَى هذه
стр. 5017
الصورة عَلَى طريق الأرض المقدسة فضاق صدر الصليبيين من هذه الرحلات القاتلة في البر واخذوا يعدلون عنها وفي القرن الثالث عشر قصدوا كلهم البلاد المقدسة من طريق البحر فكانت السفن الإيطالية تقلهم وخيولهم إلى الأرض المقدسة في بضعة أشهر حيث يجاهدون الجهاد الحقيقي.
كان الفرسان في قتالهم المسلمين إذا تساوى عدد المقاتلين قد يكتب النصر لهم وذلك لأنهم كانوا بخيولهم الضخمة وسلاحهم الذي لا يتأتى خرقه يؤلفون كتائب متراصة لا يستطيع فرسان العرب الراكبون عَلَى خيول صغيرة أن يخرقوها بسهامهم وسيوفهم. نعم عن حروبهم لم تسفر عن نتيجة فعاد الصليبيون الظافرون إلى أوربا ورجع المسلمون. وهذه الجيوش المتقطعة كانت تستطيع فتح الأرض المقدسة ولكن لم تكف لحفظها بيد أنه كان ينضم إلى أهل الصليب الذين أتوا للنجاة بأنفسهم من الخطايا رجال من الفرسان والتجار الذين قصدوا البلاد ليغتنوا فكانوا يعنون بحفظ البلاد وبهؤلاء كتب التوفيق التام في الحروب الصليبية باستخدامهم القوة المؤقتة التي كان يوليها سواد الصليبيين. فكانوا يديرون الأعمال الحربية وينشئون أدوات الحصار ويأخذون المدن ويتحصنون فيها بحيث يتوقعون عودة العدو. ولو ترك أولئك الصليبيون وأنفسهم لما استطاعوا أن يقاتلوا في تلك البلاد القاصية فإن الحملات ذات الأبهة التي كان الملوك قوادها (مثل لويس الثاني عشر وكونراد وفريدريك بربروس وفيليب أغسطس وملك المجر وسان لوي) قد أخفقت كلها إخفاقاً ذليلاً. والحروب الصليبية الوحيدة التي نجحت حقيقة (الأولى التي فتحت سورية والرابعة التي فتحت إمبراطورية الروم) وكان قواد الأولى النورمانديين من إيطاليا والأخرى البنادقة. وكانت حماسة الصليبيين وشجاعتهم قوة عمياء لا ينتفع بها إلا إذا كان المدبرون لها أناساً من أهل التجربة. وما كان الصليبيون سوى معاونين والمؤسسون الحقيقيون للمالك المسيحية هم المتشردون والتجار ممن كانوا يشبهون المهاجرين المحدثين الذين كانوا يسافرون لاستيطان الشرق. وما كان هؤلاء المهاجرون قط من الكثرة بحيث تأهل بهم البلاد بل ينزلوها متخذين لهم معسكرات بين أهلها الوطنيين ولم تكن الإمارات الإفرنجية سوى عبارة عن حكم أشراف يقوم به بضعة ألوف من الفرسان الفرنسويين والتجار الإيطاليين فليس لها من تماسك الأجزاء ما كان لممالك الغرب التي تستند عَلَى
стр. 5018
الأمم والشعوب. فأشبهت هذه الإمارات الممالك التي أسسها زعماء المحاربين العرب أو الأتراك حيث تمتزج الحكومة والجيش وتهلك وإياه. وطال عمر هذه الإمارات قرنين وهي حياة تعد طويلة في الممالك الشرقية ولو تيسرت هجرة قوية لها لتوطدت أسسها إزاء آسيا الإسلامية والبيزنطية ولكن أوربا في القرون الوسطى لم تستطع أن تقوم بهذه الهجرات.
مضى نصف قرن ولم يشتغلوا بغير حرب صغار الأمراء في سورية وكان مسلمو مصر يعيشون معهم بسلام وهذا زمن نجاحهم ولما أتى صلاح الدين عَلَى الخلافة بمصر فقرضها وتألف بدلاً منها حكومة عسكرية في القاهرة وهوجم المسيحيون من جهة مصر فلم يستطيعوا أن يقاوموا زمناً طويلاً (كما دلت عَلَى ذلك انتصارات صلاح الدين) فإذا كانوا احتفظوا بممالكهم قرناً آخر فذلك لأن السلاطين لم يحرصوا أن يبيدوهم. لا جرم أن هذه الحرب كانت في نظر المسلمين جهاداً مقدساً ولكنها انقطعت بمهادنات بضع سنين ولا ينبغي لنا أن نتصور جميع أمراء المسيحيين متحدين عَلَى أمراء المسلمين بل كانت المصالح السياسية أشد قوة من البغضاء الدينية وما برح أمراء النصارى يتقاتلون بعضهم مع بعض كما كأمراء المسلمين يقتل بعضهم بعضاً وقد حدث أن أميراً مسيحياً تحالف مع أمير مسلم عَلَى أمير مسيحي. وما قط كان الاتفاق تاماً في جيش النصارى فالحماسة التي كانت تجمعهم لم تأت عَلَى منافستهم في التجارة ولا عَلَى تباغضهم الجنسي وكان النزاع دائماً بين الأمراء من مختلفي الممالك بين الفرنسيس والألمان والإنكليز بين تجار جنود جنوة وتجار البندقية بين التامبلية والإسبتالية (فرسان الهيكليين والمقرين) وكثيراً ما تقاتلوا. ومثل ذلك الخلاف بين الصليبيين القادمين من أوربا والإفرنج المقيمين في سورية. ولقد اتخذ الإفرنج عادات الشرقيين لما عاشوا بين أظهرهم فاستعملوا الحمامات والألبسة المسترسلة ونظموا خيالة مسلحين عَلَى الطريقة الإسلامية وانشئوا يعاملون المسلمين معاملة المجاورين ولا يحاربونهم بدون داعٍ. وأراد فرسان الغرب القدمين وقد ملئت صدورهم غيظاً من المسلمين أن يبيدوا كل شيءٍ وقد حنقوا من هذا التسامح فكانوا إذا خرجوا من البحر ينقضون عَلَى الأرض الإسلامية ويهرعون للتقاتل والنهب وكثيراً ما كانوا لا يسمعون لما ينصح لهم به مسيحيو البلاد الواسع اختبارهم في الحرب في الشرق أكثر منهم. ولقد وصف مؤرخو الغرب نصارى الأرض المقدسة بالنذالة والخديعة والفساد
стр. 5019
ونسبوا إليهم خرائب ممالك سورية. وليت شعري ماذا يكون منة الصدق في هذه التهم؟ ولا جرم في أن أولئك المتشردين من الإفرنج قد اغتنوا عَلَى أسرع وجه وأخذوا يعيشون في بذخ باحتكاكهم بشعوب فاسدين قد سرت إليهم مفاسد كثيرة ولاسيما من ولد منهم في سورية وكانوا يدعونهم المهارى ولكن الصليبيين لم تكن لهم من المكانة ما يخولهم إصدار مثل هذه الأحكام فإنهم أنفسهم بفعلهم قد أحدثوا من المصائب أكثر مما أحدث نصارى سورية بترفههم.
стр. 5020
يا شرق
لا الصبر ينفعه ولا الجزع ... قلب يكاد شجاه يطلع
يا ليل هذا ساهر قلق ... يرعى النجوم وقومه هجعوا
هل فيك ذو شجن يشاركني ... أشكو له ما بي فيستمع
سرت الهموم فقمت أدفعها ... وإذا هموم ليس تندفع
حلت بصدري لا تفارقه ... إن ضاق عنها فهي تتسع
من بات تدمع عينه أسفاً ... فأنا فؤادي بات يدمع
أشفقت من دهري عَلَى أملي ... واليوم أنظر كيف ينقطع
ويلي عليه وهو يخدعني ... أدري حقيقته وأنخدع
يا شرق لج بك العداة هوى ... يا شرق أغراهم بك طمع
عاشوا يؤلف بينهم وطن ... فتخالفوا فيه وهم شيع
يتفرقون عَلَى مذاهبهم ... وعلى الإخاء الناس تجتمع
جهلوا فأخضعهم تعصبهم ... والله لو علموا لما خضعوا
أنذرتهم يوماً صوادعه ... لو مست الأفلاك تتصدع
واريتهم زمناً ألم بهم ... يبري لهم السهام وينتزع
هنأتهم بالأمس إذ نهضوا ... واليوم أرثيهم وقد وقعوا
أهديتهم ودي فما قبلوا ... أخلصتهم نصحي فما اتبعوا
والشيء يرخص حين تبذله ... والشيء يغلو حين يمتنع
ماذا عَلَى الأقدار لو نزعت ... عن حربها فعداتها نزعوا
واسترجعت عهد الصفاء لهم ... وإذا تشاء فذاك يرتجع
قد أجهدتهم وهي عادمة ... وأظنها يوماً سترتدع
أبني بلادي قد مضت أمم ... هذا طريقهم الذي اشترعوا
إنا حللنا في منازلهم ... وقد انتجعنا حيثما انتجعوا
ولئن بطرنا مثلما بطروا ... فلسوف نصرع مثلما صرعوا
إن تصبروا فلطالما صبروا ... أو تجزعوا فلشد ما جزعوا
لم تعدنا حال لهم عرضت ... فحياتهم وحياتنا شرع
стр. 5021
أبداً تعيش عَلَى مغالبة ... الدهر يخفضنا ويرتفع
ونراه يبتدع الخطوب لنا ... حتى تفانت عنده البدع
لم تنتفع بتجارب سلفت ... وأخال لسنا بعد ننتفع
أشياخنا يمشي بهم كلف ... وشبابنا يجري بهم ولع
يتحاربون عَلَى فؤادهم ... والحرب تأخذ ضعف ما تدع
ماذا لهم لله درهم ... الناس قد عفوا وهم جشعوا
إن القصور بهم مقتعد ... مثل القبور بهن مضطجع
أبني المسيح وأحمد انتبهوا ... ودعوا رجالاً منكم هجعوا
جاؤوا الورى والأمر ملتئم ... ثم انتثنوا والأمر متصدع
لم يرض أحمد والمسيح بما ... صنعوا فلا ترضوا بما صنعوا
أرواحكم من بعضها قطع ... وجسومكم من بعضها بضع
لا تحسبن خلافكم ورعاً ... إن ائتلافكم هو الورع
الملك تعليه مدارسه ... تلك المساجد فيه والبيع
ويحب تموز (لعاشره) ... لا تذكر الآحاد والجمع
لمن الطلول كان عرصتها ... للموت منحرث ومزدرع
آياتها ورسومها درست ... وخلا بها مشتى ومرتبع
سكانها عن محلها نزعوا ... ولطالما في خصبها رتعوا
أسلافها في غابها أمنوا ... وبنوها في سوحها فزعوا
شمخ الزمان بهم وقد شمخوا ... واليوم يخشع إذ هم خشعوا
وقد زل عنه الصفو أجمعه ... وانتاب فيها الأزلم الجذع
كم عاش في آجامها بطل ... كالليث لا وإن ولا طلع
ثبت نجرد في مفاضته ... يلفي الدجا درعاً فيدرع
يلقى الردى والبيض مصلته ... وأسنة الخطى تشترع
والخيل غضبها في أعمتها ... والنطق منطبق ومنقشع
تمشي اللواحظ منه في ملك ... يسو الجلال به فيتضع
стр. 5022
حتام هذا الجهل مطرد ... ولي م ذاك ألغي منبع
وكأن ريب الدهر في يده ... سيف عَلَى الأعناق يلتمع
ما يرتجي الأحرار من زمن ... يزداد تيهاً كلما ضرعوا
أوفي عَلَى المضمار مرتقباً ... يتسابقون به ويقترع
إن بلغوا غاياتهم هنئوا ... أو قصروا من دونها فجعوا
هل تحت هذا الأفق من أمم ... جرعت كؤوسهم التي جرعوا
أحشاؤهم حرى فما ابتردوا ... وكبودهم ظمأى فما انتقعوا
إنا لأقوام لنا همم ... للمجد تدفعنا فتندفع
العمر أهون أن يضيق بنا ... والموت للأحرار متسع
القاهرة
ولي الدين يكن
стр. 5023
أدب الدارس والمدرس
من استقرأ ما كتب في هذا الباب الواسع قديماً وحديثاً يرَ عدداً من المؤلفات والمقالات لا يأتي عليها الحصر، ولا يخفى أن لروح كل عصر مظهراً فيما كتب في واجباته ومطالبه، وكثير منها يتبدل بغيرها لمسيس الحاجة إلى ما هو أهم منها أو اختلاف العادات في أطوارها وشؤونها إلا أن ما يتقاضاه العلم من آداب القائمين عليه درساً وتدرساً تتلاقى أصوله مع كل زمان ومكان، لذا رأيت من المهم نقل أبدع ما كتب في هذا الباب، غذ الأمة لا تبلغ أوج المجد إلا بالعلم ولا علم إلا بصلاح الدارس والمدرس والعالم والمتعلم إذ هم القائمون عَلَى تهذيب الملكات وإرشاد العقول، والهادون إلى صراط الحق وميزان العدل والصدق.
وقد رأيت من أحسن ما جمع في مقاصد هذا البحث الجليل ما أَورده محيي الدين النووي - أحد أئمة الرواية والدراية المشاهير - في مقدمة (شرح المهذب) فآثرت عنه خلاصة ما أثره عن أساطين الحكمة المتقدمين وجعلته مقالة موجزة.
أحكام درس العلوم الشرعية - أنواع العلوم الشرعية لا تعد وفي أحكامها ثلاثة أقسام.
القسم الأول فرض العين منها ويقال له الضروري وهو درس المكلف ما تصح به عقيدته وتجزئ معه عباداته، وتنفذ عقوده ومعاملته، وما لا غنى له عنه مما يتناوله ويستعمله.
ويدخل في ذلك درس أمراض القلب كالحسد والعجب والبخل وأمثالها من المهلكات فقد قال الغزالي: معرفة حدودها وأسبابها وطبها وعلاجها فرض عين:
القسم الثاني فرض الكفاية ويقال له الِحاجي وهو درس ما لابد للناس منه في إقامة دينهم كحفظ القرآن والأحاديث وعلومها والصول والفقه والنحو واللغة ومعرفة رواة الحديث والإجماع والخلاف.
ومنه يحتاج إليه في قوام أمر الدنيا كالطب والحساب والهندسة.
ومنه تعلم الصنائع التي هي سبب قيام مصالح الدنيا كالزراعة ونحوها.
القسم الثالث النقل ويقال له التحسيني وهو كالتبحر في أصول الأدلة والإمعان فيما رواه القدر الذي يحصل به فرض الكفاية والتوسغ في فنون الأدب والمعقول.
آداب المدرس
стр. 5024
أهم ما يطلب منه أن يعتني به أدبه في نفسه وأدبه في درسه
القسم الأول أدبه في نفسه - وذلك في أمور (منها) أن يقصد بتعليمه وجه الحق لا توسلاً إلى غرض دنيوي كمال أو جاه أو شهرة أو تكثير المختلفين إليه أو نحو ذلك كما كان عليه سلف الأمة فقد قال الشافعي ﵀: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم عَلَى أن لا ينسب إليَّ حرف منه: وقال أيضاً: ما نظرت أحداً قط علي الغلبة ووددت إذا ناظرت أحداً أن يظهر الحق عَلَى يده:
(ومنها) أن يتخلق بالمحاسن التي ورد الشرع بها وحث عليها والخلال الحميدة والشيم المرضية التي أرشد إليها كالحلم والصبر والسخاء والجود وطلاقة الوجه من غير خروج إلى حد الخلاعة وملازمة الورع والوقار والتواضع والتنظف في البدن واللبسة.
(ومنها) الحذر من الحسد والرياء والإعجاب وتزكية النفس وإزراء الناس وإن كانوا دونه بدرجات.
(ومنها) أنه إذا ترخص في أمر جائز وخيف أن يظن خلافه أن يخبر أصحابه ومن يراه حقيقة ذلك الفعل لينتفعوا ولئلا يأثموا بظنهم السيئ.
القسم الثاني أدبه في درسه - وذلك أن لا يزال مجتهداً في الاشتغال بالعلم قراءة ومطالعة وتعليماً ومباحثة ومذاكرة وتصنيفاً.
وأن لا يستحي من السؤال عما لم يعلم روي أمير المؤمنين عمر أنه قال: من رق وجهه رق علمه: وروى البخاري عن عائشة أم المؤمنين قالت: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين:
وأن لا يمنعه منصبه وشهرته من استفادة ما لا يعرفه فقد كان كثير من السلف يستفيد من تلامذته ما ليس عنده، قال الإمام النووي: قد ثبت في الصحيح رواية جماعة من الصحابة عن التابعين وروى جماعة من التابعين عن تابعي التابعين، وهذا عمرو بن شعيب ليس تابعياً وروى عنه أكثر من سبعين من التابعين، وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قرأ لم يكن الذين كفروا عَلَى أُبي بن كعب وقال أمرني الله أن أقرأ عليك: ويسمون هذا النوع وراية الأكابر عن الأصاغر.
وأن تكون ملازمة الاشتغال بالعلم هي مطلوبة به ورأس ماله فلا يشتغل بغيره فإن اضطر
стр. 5025
إلى غيره في وقت فعل ذلك الغير بعد تحصيل وظيفته من العلم.
أدبه في تصنيفه
قال النووي: ينبغي أن يعتني بالتصنيف إذا تأهل له فيه يطلع عَلَى حقائق العلم ودقائقه ويثبت معه لأنه يضطره إلى كثرة التفتيش والمطالعة، والتحقيق والمراجعة، والاطلاع عَلَى مختلف كلام الأئمة ومثقفه، وواضحه من مشكله، وصحيحه من ضعيفه، وجزله من ركيكه، وما الاعتراض عليه من غيره، وبه يتصف المحقق بصفة المجتهد.
وليحذر كل الحذر أن يشرع في تصنيف ما لم يتأهل له فإن ذلك يضره في دينه وعلمه وعرضه.
وليحذر أيضاً من إخراج تصنيفه من يده إلا بعد تهذيبه وترداد نظره فيه وتكريره.
وليحرص عَلَى إيضاح العبارة وإيجازها فلا توضح إيضاحاً ينتهي إلى الركاكة ولا يوجز إيجازاً يفضي إلى المحق والاستغلاق.
وينبغي أن يكون اعتناؤه من التصنيف بما لم يسبق إليه أكثر والمراد بهذا أن لا يكون هناك مصنف يغني عن مصنفه في جميع أساليبه فإن أغنى عن بعضها فليصنف من جنسه ما يزيد زيادات يحتفل بها مع ضم ما فاته من الأساليب.
وليكن تصنيفه فيما يعم الانتفاع به ويكثر الاحتياج إليه.
آداب تعليمه
التعليم هو الأصل الذي به قوام الدين والدنيا وبه يؤمن أمحاق العلم وفي التنزيل الحكيم: وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتموه وقال النبي ﷺ ليبلغ الشاهد منكم الغائب.
يجب العلم لأن يقصد بتعليمه وجه الله تعالى، وأن أي جعله وسيلة إلى غرض دنيوي لأن ما كان خالصاً كان مستمراً غضاً في كل حين وما كان لغرض زال عند الظفر به فقات ما قصد له.
ولا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية فإنه يرجى له حسن النية. وربما عسر في كثير من المبتدئين وتصحيح النية فالامتناع من تعليمهم يؤدي إلى تفويت كثير من العلم مع
стр. 5026
أنه يرجى له تصحيحها إذا أنس بالعلم وقد قال بعض السلف طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله:: معناه أن كانت عاقبته أن صار لله.
وينبغي أن يؤدب المتعلم بالتدريج بالآداب السنية والشيم المرضية، ويحرض عَلَى الإخلاص والصدق وحسن النية.
وينبغي أن يرغبه بالعلم ويذكره بفضائله وفضائل علماءه.
وينبغي أن يحنو عليه ويعتنى بمصالحه كاعتنائه بمصالح نفسه وولده، ورجي مجرى ولده في الشفقة، عليه والاهتمام بمصالحه، ويعذره في سوءِ أدب وجفوة تعرض معه في بعض الأحيان فإن الإنسان معرض للنقائص.
وينبغي أن يكون سمحاً ببذل ما حصله من العلم سهلاً عَلَى متبعيه متلطفاً في إفادته طالبه مع رفق ونصيحة وإرشاد إلى المهمات وتحريض عَلَى حفظ لم يبذله لهم من الفوائد.
ولا يذخر عنهم من أنواع العلم شيئاً يحتاجون إليه إذا كان الطالب أهلاً لذلك.
ولا يلقي إليه الشيء لم يتأهل له لئلا يفسد عليه حاله فلو سأله المتعلم عن ذلك لم يجبه ويعرفه أن منعه ليس شحاً بل شفقة ولطفاً.
وينبغي ألا يتعظم عَلَى المتعلمين بل يلين لهم ويتواضع وفي التنزيل الحكيم واخفض جناحك للمؤمنين.
وينبغي أن يكون حريصاً عَلَى تعليمهم مهتماتً به مؤثراً له ويرحب بهم عند إقبالهم إليه ويظهر لهم البشر وطلاقة الوجه، ويحسن إليه بعمله وماله وجاهه، ولا يخاطب الفاضل منهم باسمه بل بكنيته.
وينبغي أن يتفقدهم ويسال عمن غاب منهم.
وينبغي أن يكون باذلاً وسعه في تفهمهم وتقريب القائدة إلى أذهانهم حريصاً عَلَى هدايتهم.
ويفهم كل واحد بحسب فهمه وحفظه فلا يعطيه ما لا يحتمله ولا يقصر به عما يحتمله بلا مشقة، ويخاطب كل واحد عَلَى قدر درجته وبحسب فهمه وهمته، فيكتفي بالإشارة لمن يفهمها فهماً محققاً ويوضح العبارة لغيره ويكررها لمن لا يحفظها إلا بتكرار.
ويذكر الأحكام موضحة بالأمثلة من غير دليل لمن لا ينحفظ له الدليل فإن جهل دليل بعضها ذكره له ويذكر الدلائل لمحتملها.
стр. 5027
ويذكر ما يرد عَلَى المسألة وجوابه إن أمكنه.
ويبين الدليل الضعيف لئلا يغتر به فيقول: استدلوا بكذا وهو ضعيف لكذا ويبين الدليل المعتمد ليعتمد.
ويفهمهم عَلَى غلط ما غلط فيها من المصنفين فيقول مثلاً: هذا هو الصواب وأما ما ذكره فلان فغلط أو فضعيف قاصداً التضحية لئلا يغتر به لا تنقيص القائل فإن الانتقاد إنما يكون للقول لا لقائله.
ويبين له جملاً من أسماء المشهورين من الصحابة ﵃ أجمعين فمن بعدهم من الأئمة المشاهير وأنسابهم وكناهم وأعصارهم وطرق حكايتهم ونوادرهم، وضبط المشاكل من أنسابهم وصفاتهم، وتمييز المشتبه من ذلك، وجملاً من الألفاظ اللغوية والعرفية ضبطاً لمشكلها ومخفي معانيها فيقول هي مفتوحة أو مضمومة أو مكسورة مخففة أو مشددة. مهموزة أولاً، عربية أو أعجمية أو معربة وهي التي أصلها عجمي وتكلمت بها العرب، معروفة أو غيرها، مشتقة أولاً، مشتركة أم لا، مترادفة أم لا، وإن المهموز والمشدد يخففان أم لا، وأن فيها لغة أخرى أم لا.
وإذا وقعة مسألة غريبة لطيفة أو مما يسأله عنها في المعاياة نبه عليها وعرفه حالها في كل ذلك ويكون تعليمه إياهم كل ذلك تدريجاً ليجتمع لهم طول الزمان جمل كثيرات.
وينبغي أن يحرضهم عَلَى الاشتغال في كل وقت ويطالبهم في أو قات محفوظاتهم ويسألهم عما ذكره لهم من المهمات فمن وجده حافظاً مراعياً له أكرمه وأثنى عليه وأشاع ذلك، ومن وجده مقصراً لامه ويعيد له حتى يحفظه حفظاً واضحاً.
وينبغي أن يصنفهم في البحث فيعترف بفائدة يقولها بعضهم وإن كان صغيراً.
وينبغي أن يقدم في تعليمهم إذا ازدحموا السبق فالأسبق ويتحرى تفهيمهم بأيسر الطرق ويذكره مترسلاً مبيناً واضحاً ويكرر ما يشكل من معانيه وألفاظه حتى يفهموه، وإذا لم يكن البيان إلا بالتصريح بعبارة يستحى في العادة من ذكرها فيذكروها بصريح اسمها ولا يمنعه الحياء ومراعاة الأدب من ذلك فإن إيضاحها أهم من ذلك، وإنما يستحب الكناية في مثل هذا إذا علموا المقصود منها علماً جلياً وعلى هذا التفصيل يحمل ما ورد في الأحاديث من التصريح في وقت والكناية في وقت، ويؤخر ما ينبغي تأخيره ويقدم ما ينبغي تقديمه،
стр. 5028
ويقف في موضع الوقف، ويصل في موضع الوصل.
ويحسن خلقة مع جلسائه ويوقر فاضلهم بعلم أو سن أو شرف أو صلاح، ويتلطف بالباقين.
وينبغي أن يصرف يديه عن العبث وعينيه عن تفريق النظر بلا حاجة، ويعم الحاضرين بالتفاته ويجلس في موضع يبرز وجهه لهم.
ويقدم من دروسه أهمها فيقدم التفسير ثم الحديث ثم الأصولين ثم الأهم فالأهم، ولا يقرأ الدرس وبه ما يزعجه كمرض أو جوع أو مدافعة الحدث أو شدة فرح أو غم.
ولا يطيل مجلسه إطالة تملهم أو تمنعهم فهم الدرس أو ضبطه، وليكن مجلسه واسعاً ولا يرفع صوته زيادة عن الحاجة ولا يخفضه خفضاً يمنع بعضهم كمال فهمه.
ويصون مجلسه من اللغط والحاضرين عن سوء الأدب في المباحثة، وإذا ظهر من أحدهم شيء من مبادئ ذلك تلطف في دفعه قبل انتشاره ويذكرهم أن اجتماعنا ينبغي أن يكون لله تعالى فلا يليق بنا المناقشة والمشاحنة بل سبيلنا الرفق والحياء واستفادة بعضنا من بعض واجتماع قلوبنا عَلَى ظهور الحق وحصول الفائدة.
وإذا سال سائل عن أعجوبة فلا يسخرون منه.
وإذا سئل عن شيء لا يعرفه أو عرض في الدرس ما لا يعرفه فليقل لا أعرفه أو لا أتحققه ولا يستنكف عن ذلك قال ابن مسعود ﵁: يا أيها الناس من علم شيئاً فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فمن العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم قال الله لنبيه ﷺ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكفلين رواه البخاري.
قالوا: وينبغي للعالم أن يورث أصحابه لا أدري: معناته يكثر منها، ولا يضع ذلك من منزلته بل يدل عَلَى وقور عقله وعظم محله لأن المتمكن لا يضره عدم معرفته مسائل معدودة، بل يتمنع من لا أدري من قل علمه وقصرت معرفته وضعفت تقواه لأنه يخاف لقصوره أن يسقط من عين سائليه أو سامعيه وهو جهالة منه بإقدامه عَلَى الجواب فيما لا يعمله يضر نفسه وغيره وقد يبوء بالخزي العاجل أولاً ثم الآجل وفي الحديث المتسبع بما لا يعطه كلابس ثوبي زور.
آداب الدارس المتعلم
أما آدابه في نفسه فكآداب المدرس وقد أوضحناها
стр. 5029
وينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول العلم واستثماره، أن يقطع العلائق الشائكة عن كمال الاجتهاد، ويرضي باليسير من القوت ويصبر عَلَى ضيق العيش قال أبو حنيفة ﵁: يستعان عَلَى العلم بجمع الهم ويستعان عَلَى حذف العلائق بأخذ اليسير عند الحاجة.
وقال الخطيب البغدادي: يستحب للطالب أن يكون عزباً ما أمكنه لئلا يقطعه الاشتغال بحقوق الزوجة والاهتمام بالمعيشة عن إكمال طلب العلم.
وأن يتواضع للمعلم وينقاد له ويأتمر بأمره كما ينقاد المريض لطبيب حاذق ناصح.
ولا يأخذ العلم إلا ممن كم لت أهليته وظهرت ديانته وتحققت معرفته وكانت له دربة وخلق جميل وذهن صحيح واطلاع تام.
وينبغي أن ينظر معلمه بعين الاحترام والرجحان عَلَى أكثر طبقته فهو أقرب إلى انتفاعه به ورسوخ ما تسمعه منه في ذهنه وقد قال الشافعي: كنت اصفح الورق بين يدي مالك ﵀ صفحاً رفيقاً هيبة له لئلا يسمع رفعها. وقال الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليّ هيبة له.
ويروى عن علي كرم الله وجهه قال: من حق العالم عليك أن تسلم عَلَى القوم عامة وتخصه بالتحية، وأن تجلس أمامه، وتشير عنده بيدك ولا تغمزن بعينيك غيره ولا تقول قال فلان خلاف قوله ولا تغلبن عنده أحداً ولا تسار في مجلسه ولا بأحد بيوته ولا تلح عليه إذا كسل ولا تشبع من طول صحبته فإنما هو عليك كالنخلة تنتظر متى يسقط عليها منك شيء.
ومن آداب المتعلم أن يتحرى رضاء العلم وإن خالف رأي نفسه ولا يفشي له سراً وأن يرد غيبته إذا سمعها فإن عجز فارق المجلس وأن لا يدخل عليه بغير إذن وإذا كان معه غيره قدم الأفضل والأسن وأن يدخل كامل الهيبة فارغ القلب من الشواغل متطهراً متنظفاً بسواك وقص ظفر وإزالة ريح ويسلم عَلَى الحاضرين بصوت يسمعهم ويخص الشيخ بزيادة إكرام وكذلك يسلم إذا انصرف.
ولا يتخطى رقاب الناس ويجلس حيث انتهى به المجلس إلا أن يأذن المعلم أو الحاضرون بالتقدم والتخطي أو يعلم من حالهم إيثار ذلك ولا يقم أحداً من مجلسه فإن آثره غيره بمجلسه لم يأخذ إلا أن يكون في ذلك مصلحة للحاضرين بأن يقرب من الأستاذ ويذاكره
стр. 5030
مذاكرة ينتفع منها الحاضرون بها ولا يجلس وسط الحلقة إلا لضرورة ولا بين الصالحين إلا برضاهما وإذا فسح له وقعد ويحرض عَلَى القرب من الأستاذ ليفهم كلامه فهماً كاملاً بلا مشقة عَلَى شريطة أن لا يرتفع في المجلس عَلَى أفضل منه.
ويتأدب مع رفقته وحاضري المجلس فإن تأدبه معهم تأدب مع الأستاذ واحترام لمجلسه ويقعد قعدة المتعلمين ولا يضحك ولا يكثر الكلام بلا حاجة ولا يعبث بيده ولا غيرها ولا يلتفت بلا حاجة بل يقبل عَلَى الأستاذ منصتاً إليه ولا يسبق إلى شرح مسالة أو جواب سؤال إلا أن يعلم رضاه فيستدل عَلَى فضيلة المتعلم.
ولا يقرا عَلَى أستاذه عند شغل قلبه وماله وغمه ونعاسه ونحو ذلك مما يشق عليه أو يمنعه استيفاء الشرح ولا يسأله عن شيء في غير موضعه إلا أن يعلم من حاله أنه لا يكرهه ولا يلحح في السؤال إلحاحاً مضجراً ويغتنم سؤاله عند طيب نفسه وفراغه ويتلطف في سؤاله ويحسن خطابه ولا يستحي من السؤال عما أشكل إليه بل يستوضحه أكمل استيضاح فمن رق وجهه رق عمله ومن رق وجهه عند السؤال ظهر نقصه عند اجتماع الرجال.
وإذا قال له الأستاذ فهمت فلا يقل نعم حتى يتضح له المقصود إيضاحاً جلياً لئلا يكذب ويفوته الفهم ولا يستحي من قوله لم أفهم لأن استيثاقه يحصل له مصالح عاجلة وآجلة فمن العاجلة حفظ المسألة وسلامته من كذب ونفاق بإظهاره فهو ما لم يكن فهمه منها ومنها وثوق الأستاذ باعتنائه ورغبته وكمال عقله وورعه وملكه لنفسه وعدم نفاقه ومن الآجلة ثبوت الصواب في قلبه دائماً واعتياده هذه الطريقة المرضية والأخلاق الرضية وعن الخليل بن أحمد منزلة الجهل بين الحياء والأنفة.
وينبغي إذا سمع الأستاذ يقول مسألة أو يحكي حكاية وهو يحفظها أن يصغي لها إصغاء من لا يحفظها.
وينبغي أن يكون حريصاً عَلَى التعلم مواظباً له في جميع أوقاته ليلاً ونهاراً حضراً وسفراً ولا يذهب من أوقاته شيئاً في غير العلم إلا بقدر ما لا بد له من أكل ونوم وراحة وما أجمل قول الشافعي: حق عَلَى طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من العلم والصبر عَلَى كل عارض دون طلبه وإخلاص النية لله تعالى في إدراك علمه نصاً واستنباطاً والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه.
стр. 5031
يقال: أجود أوقات الحفظ الإسحار ثم الغداة وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار لفراغ البال وهدوء الحركة ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع وأجود أماكن الحفظ الغرف وكل موضع عن بعد المهيبات ولا يحمد الحفظ بحضرة النبات والخضرة والأنهار وقوارع الطرق لأنها تمنع غالباً خلو القلب.
وإذا جفاه الأستاذ رجع إليه بالاعتذار واظهر ندمه وخطأه فذلك أنفع له ديناً ودنيا وأبقى لقلبه قالوا: من لم يصبر عَلَى ذل التعلم بقي دهره في عماية الجهل.
ومن آدابه الحلم والأناة وأن تكون همته عالية فلا يرضي باليسير من إمكان الكثير وأن لا يسوف في اشتغاله ولا يؤخر تحصيل فائدة وإن قلت إذا تمكن منها لأن للتأخير آفات ولا يحمل نفسه ما لا تطيق مخافة الملل.
وإذا جاء مجلس أستاذه ولم يجده انتظر ولا يفوت درسه.
وإذا وجحده نائماً لا يستأذن عليه بل يصبر حتى يستيقظ أو ينصرف والأحسن الصبر كما كان السلف يفعلون.
وينبغي أن يغتنم التحصيل في وقت الفراغ والنشاط وحال الشباب وقوة البدن وبداهة الخاطر وقلة الشواغل قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة فقد قال الشافعي: تفقه قبل أن ترأس فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقه:
ويعتني بتصحيح درسه الذي يحفظه تصحيحاً متقناً ويكرره مرات ليرسخه رسوخاً متأكداً ثم يراعيه بحيث لا يزال محفوظاً جيداً، وليذاكر محفوظاته وليدم الفكر فيها.
وينبغي أن يبدأ من دروسه وفي الحفظ والتكرار والمطالعة بالأهم فالأهم، وأول ما يبتدئ به حفظ القرآن العزيز فهو أهم العلوم، وكان السلف لا يعلمون الحديث والفقه إلا لمن حفظ القرآن وإذا حفظه فليحذر من الاشتغال عنه بالحديث والفقه وغيرهما اشتغالاً يؤدي إلى نسيان شيء منه أو تعريضه للنسيان، وبعد حفظ القرآن يحفظ من كل فن مختصراً ويبدأ بالأهم، ومن أهمها الحديث والأصول والنحو ثم الباقي.
وكلما أتقن مختصراً انتقل إلى أكبر منه مع المطالعة المتقنة والغاية الدائمة المحكمة وتعليق ما يراه من النفائس والغرائب وحل المشكلات مما يراه في المطالعة أو يسمعه من الأستاذ.
ولا يحتقرن فائدة يراها أو يسمعها في أي فن كانت بل يبادر إلى كتابتها ثم يواظب عَلَى
стр. 5032
مطالعة ما كتبه.
وليعتن بكل الدروس ويعلق عليها ما أمكن فإن عجز اعتنى بالأهم.
وينبغي أن يرشد رفقته وغيرهم من الطلبة إلى مواطن الاشتغال والفائدة ويذكر لهم ما استفاده عَلَى جهة النصيحة والمذاكرة.
ثمرة ذلك
قال الإمام النووي إثر ما تقدم: وإذا فعل ما ذكرناه، وتكاملت أهليته، واشتهرت فضيلته، اشتغل بالتصنيف، وجد في الجمع والتأليف، محققاً كل ما يذكره، ومبيناً في نقله واستنباطه، متحرياًُ لإيضاح العبارات، وبيان المشكلة مجتنباً العبارات الركيكات، والأدلة الواهيات، مستوعباً بعظم أحكام الفن غير مخل بشيء من أصوله منبهاً عَلَى القواعد فبذلك تظهر له الحقائق وتنكشف له المشكلات، ويطلع عَلَى الغوامض وحل المعضلات، ويعرف مذاهب العلماء والراجح من المرجوح، ويرتفع عن الجمود عَلَى محض التقليد، ويلتحق بالأئمة المجتهدين أو يقاربهم إن وفق الله وبالله التوفيق اهـ كلام النووي.
آداب يشترك فيها العالم والمتعلم
ينبغي لكل منهما أن لا يخل بوظيفته لعروض مرض خفيف ونحوه مما يمكن معه الاشتغال وأن لا يسأل أحداً تعنتاً وتعجزاً فالسائل تعنتاً وتعجزاً لا يستحق جواباً.
وأن يعتني بتحصيل الكتب شراءً واستعارة وليشتغل بنسخه أو استنساخه إذا كان نفيساً وليعتن بتصحيحه، ولا يرتض الاستعارة مع إمكان تحصيله، فإن استعاره لم يبطئ به لئلا يفوت الانتفاع به عَلَى صاحبه ولا يكسل عن تحصيل الفائدة منه، ولا يمتنع من إعارته غيره لأنه أعانه عَلَى العلم مع ما في مطلق العارية من الفضل (روي) أن رجلاً قال لبي العتاهية: أعرني كتابك قال: إني أكره ذلك قال: أما علمت أن المكارم موصولة بالمكاره: فأعاره، ويستحب شكر العير لإحسانه وليحذر من الإبطاء بها عن أربابها قال الزهري: إياك وغلول الكتب: يعني حبسها عن أصحابها، وبسبب حبسها امتنع غير واحد من إعارتها وانشدوا من ذلك أشياء كثيرة.
(خاتمة)
هذه النبذة من آداب المدرس والدارس أو المعلم والمتعلم مختصرة بالنسبة إلى ما جاء فيها
стр. 5033
وقد اردت إحياء ما قاله الأئمة المتقدمون في هذا وتطرية ذكره لما فيه من الفوائد والحكم والنصائح التي هي نتيجة ما أوصى بها السلف أيام استبحار العلوم ونضارتها في حضارة القرون الأولى، فليحرص المدرس والدارس عليها وليحافظ العالم أو المتعلم عَلَى التخلق بها والاهتداء بها، فثمرة العلم العمل وبالله الاستعانة وعليه المتكل.
دمشق
جمال الدين القاسمي
стр. 5034
مخطوطات ومطبوعات
مجموعة
المحررات السياسية والمفاوضات الدولية عن سورية ولبنان من سنة ١٨٤٠ إلى سنة ١٩١٠ المجلد الثالث من ٢٦ تشرين الأول سنة ١٨٦٠ إلى ٥ آذار سنة ١٨٦١ ص ٤٨٠ تعريب الشيخين فيليب وفريد الخازن صاحبي جريدة الأرز طبع بمطبعة الصبر في جونية (لبنان) سنة ١٩١١
أحسنا لتاريخ هذه البلاد كل الإحسان معرباً هذا السفر النافع فإن جميع الناس لا يتيسر لهم الوصول إلى المظان الإفرنجية التي أخذ عنها والبلاد في حاجة إلى الاطلاع عَلَى ما دار بشأنها وعن أفكار الجانب فينا. وإن هذه المجموعة إذا كانت تفيد لبنان خاصة فإن سورية عامة تستفيد من تعريبها لأن حياة هذه البلاد كالسلسلة ترتبط حلقاتها بعضها ببعض. وكنا نود أن لا يتوسع المعربان في نقد إعمال معتمدي الدول ذوات الشأن في حوادث ١٨٦٠ في سورية وأن لا ينظر لها كل ما أتته فرنسا في ذاك الحزين بأن الحكمة والإنسانية وحب الخير والتجرد عن كل طمع سياسي فإن آمال فرنسا في سورية معروفة منذ القديم وحمل أعمالها عَلَى مجرد الإحسان للبلاد ضرب من التجوز لا يحسن صدره ممن يقف موقف المؤرخ والأيام تدل عكس دعواه. وقد اجاد المعربان في الترجمة عن الإنكليزية والإفرنسية واكثر مصادرهما فرنسوية فجاء الكتاب مستوفى لولا وقوع بعض هنات لغوية واستعمالات غير مألوفة يسقط فيها أكثر كتاب العصر خصوصا من لا يساعدهم الوقت عَلَى النظر البليغ فيما ينشئون وينقلون كأرباب الصحف ولو كان في البلاد شيء من الرقي العلمي لتناورت عدة أيدي ما تخطه الأقلام بالنظر فيه قبل نشره كما هو الحال في بعض بلاد الغرب إلى اليوم ولاسيما قبل أن يكون أهل كل لغة من اللغات الإفرنجية محكمين لملكة الانشاء في لسانهم ويا حبذا نرى في كا مطبعة من مطابعنا عالماً مصححاً يعني بقويم الهفوات اللغوية والبيانية وغيرها ليخرج جميع كما نكتبه ونعربه سالماً من العيوب من كل وجه. وفي هذا المقام نعيد شكرنا للمعربين عَلَى نشاطهما وحسن بلائهما ونرجو لهما التوفيق إلى إتمام بقية أجزاء الكتاب ونحث محبي الاطلاع ودرس تاريخ هذه البلاد أن يقتنوه ويتدارسوه فهو أول كتاب سياسي يتعلق بحياة هذه الديار.
стр. 5035
دروس الجغرافيا
للسيد عبد الهادي الأعظمي طبع بمطبعة دنكور في بغداد سنة ١٣٣٠ ص٥٥
نرحب بكل كتاب علمي يصدر بالعربية في مصر وتونس والشام والعراق لأنه دليل النهوض الحقيقي والأمة العربية لا ترقى إلا إذا كان فيها كتب ابتدائية ووسطى وعليا في كل فن من فنون الحضارة. وقد اعتمد مؤلف هذه الرسالة عَلَى الكتب التركية وفقاص لبرنامج المعارف وتوسع في القسم الآخر وهو المتعلق بالبلاد العثمانية والقطر العراقي منها خاصة وخاطب فيه التلميذ الصغير خطاباً يروقه ويغرس فيه غرسة الوطنية ولسنا في رأي المؤلف في كلامه عَلَى تونس ولا في كلامه عَلَى طرابلس وبنغازي فقد قال في الأخيرتين وهي التي عليها تحاربنا بل تحاربها اليوم إيطاليا تريد اغتصابها وهيهات فستبوء بالخسران عاجلاً إن شاء الله. . . وهناك أخوانكم المجاهدون يدعونكم الآن للاشتراك معهم في هذه السعادة الأبدية الشهادة في سبيل حفظ الدين والوطن قال هذه العبارات لا دخل لها في وصف البلدان تعلم للصبيان كما أن القصيدة التي اقتبسها في الأسطول آخر الرسالة لا صلة بينها وبين الموضوع بمحال.
وقد وقعت في الرسالة تحريفات مطبعية ونحوية وجغرافية وغيرها شوهت وجه المعنى وأخرجته عن القصد أحياناً وكنا نود لو يعرى منها مصنف من ألف للأحداث حتى ينطبعوا منذ نشأتهم عَلَى الصواب. منها قوله الجغرافيا الطبيعي والجغرافيا الرياضي والجغرافيا السياسي والصواب الطبيعية الرياضية السياسية لأن لفظة الجغرافيا مؤنثة وقد طبع بذلك التركية ومنها قوله البر العتيق (لأوربا وآسيا وأفريقية) والاصطلاح أن يقال العالم القديم كما يقال العالم الجديد لا البر الجديد ومنها قوله (ص١٦) ساورينا سلجيا للجزيرتين المعروفتين في البحر الأبيض والصواب سردينيا وصقلية ومنها أن اسم عاصمة الجبل الأسود شتنبه والصواب ستنية أو جتنية وقوله جنوة في بلاد تركستان والصواب خيوة وجنوة في إيطاليا ومنا قوله أن مساحة سورية تبلغ ١٠٠ ألف كيلومتر مربع والأصح ١١٥ ألفاً وفي تقويم غوتا أن مساحة لواء القدس ١٦ ألف كيلومتر مربع ومساحة متصرفية لبنان ٣١٠٠ ولواء الزور ٧٨ ألفاً (ويعد معظمه من سورية) وولاية سورية ٩٥٩٠٠ وولاية بيروت ١٦ الفاً وولاية حلب ٨٦٦٠٠ ونحو نصفها من بلا سورية. واخطأ في قوله
стр. 5036
أن الجزائر دخلت في حوزة فرنسا منذ قرن تقريباً والصحيح أنها بدأت بامتلاكها سنة ١٨٣٠. ومن التحريفات في الإعلام قوله أن قصة جرابوب أهم مدن السنوسيين في أفريقية والصواب جغبوب وتابع اصطلاح بعض الكتاب في استعاضتهم عن ﷺ بصلعم والأجدر بمقام النبوة أن يذكر اللفظ كله فإن بعض علماء المشرقيات في مطابع الغرب جروا عَلَى هذا الاصطلاح حب الاقتصار بادئ بدءٍ ثم رجعوا عنه فعسى أن يصلح ذلك في طبعة ثانية ويعارض أسماء البلدان عَلَى ما طبع من كتب الجغرافيا لعلماء العرب في أوربا ليتابعهم في اصطلاحهم وذلك مثل كتاب معجم ما استعجم للبكري وتقويم البلدان لأبي الفدا ومعجم البلدان لياقوت والمسالك والممالك لابن حوقل والتنبيه والإشراف للمسعودي ومسالك الممالك للإصطخري وصفة جزيرة العرب للهمداني والأعلاق النفيسة لابن رسته وأحسن التقاسيم للمقدسي وكتاب البلدان لابن الفقيه ومسالك الممالك لابن خرداذبة وزبدة كشف الممالك للظاهري وعجائب البر والبحر لشيخ الربوة وغيرها من الكتب الممتعة التي نفهم منها اصطلاحات العرب وتعابيرهم ومعظم ما ذكروه لم يطرأ عليه تغيير عَلَى كثرة ارتقاء علم الجغرافيا في العهد الأخير. وفي الخاتم لا نرى بداً من الثناء عَلَى المؤلف راجين أن يظل عَلَى نشر كل ما يبث المعارف بين الناشئة العربية.
كتاب خالد
هو مجلد في ٣٤٩ صفحة نشر بالإنكليزية في نيويورك صديقنا أمين أفندي ريحاني وهو رواية فلسفية اجتماعية جموع فيها عن الكلام عن المدنية الشرقية والدنية الغربية أتى عَلَى ذكر الأوضاع الدينية والسياسية بلسان رشيق مفرط في الحرية شهد له العارفون بآداب اللغة الإنكليزية أنه يعد في الطبقة الأولى من أحكام بيانها وأنه شاعر غير مدافع في منظومه ومنثوره فعسى أن يكون لكتابه بين العارفين بتلك اللغة من الواقع ما كان لكتبه باللغة العربية من الأثر في إزالة غشاوة الأوهام وعساه ينقله إلى العربية فيستفيد منه المشارقة والمغاربة عَلَى حد سوى فالأقربون أولى بالمعروف ومثله من يغار عَلَى إنهاض الأمة العربية ويتوفر عَلَى تعليمها مما علم.
العقود اللؤلؤية
стр. 5037
- ; ' '
لليمن تواريخ كثيرة مختلفة الأزمان ومن أكبر مؤرخيها أبو الحسن علي بن حسن الخزرجي النسابة المعروف بابن وهاس المتوفي سنة ٨١٢ قال كاتب جلبي أنه عني بأخبار اليمن فجمع تاريخاً عَلَى السنين وآخر عَلَى الأسماء وآخر عَلَى الدول وغيرها. ومن جملة مصنفاته كتاب العقود اللؤلؤية فهو خاص تقريباً بتاريخ الدولة الرسولية نسبة لعلي بن رسول التي حكمت بلاد اليمن زهاء قرنين (٦٢٦ - ٨٤٥) وقد ظهر بعض علماء المشرقيات بنسخة منه في الهند فترجموه بالإنكليزية ونشرت الآن جمعية تذكار جب ثلاث مجلدات من الترجمة وسينشر الأصل العربي عما قريب وقد ترجمه ونشره أربعة من أئمة المشرقيان في إنكلترا وهم ريدهوس وبراون ونيكلسون وروجرس وسنفيض في الكلام عَلَى هذا التاريخ متى صدرت النسخة العربية منه ونكتفي الآن بإسداء أطيب الثناء من تمحضوا لخدمة الآداب والتواريخ العربية من العارفين بلغات الشرق من الغربيين ومن يعنون بنشرها أمثال لجنة تذكار جب.
دروس التاريخ الإسلامي
تالي فالشيخ محي الدين الخياط القسم الرابع ص٢٤٨ طبع بالمطبعة الأهلية في بيروت وبنفقة المكتبة الأهلية فيها سنة ١٣٢٩
تكلمنا عن الأجزاء الأولى من هذا الكتاب وهذا الجزء يشتمل عَلَى مجمل تاريخ الدولة العباسية وقد جعله المؤلف جملاً كل جملة أو قطعة تحتوي خبراً يصح السكوت عليه وجعل في آخر كل درس أسئلة للطالب يجيب عليها فيدل بذلك إن كان فهم ما مر معه من الحوادث أو لم يفهمه. وذلك بتنسيق حسن وعبارة سهلة فصيحة لا شائبة فيها بحيث جاء كتابه مستوفى في موضوعه لصغار الطلاب في التاريخ وقد جعل في الأخير صفحات فيها زبدة ما مر بالدارس ثم اتبعه بجدول يبين فيه أزمنة دولة الخلفاء الراشدين والأموية والعباسية بالتاريخين الهجري والميلادي كل ذلك بحرف جلي وطبع مشرق ويا حبذا لو شكل بعض الأعلام التي قد تشبه عَلَى أكثر الطلاب وعساه يتدارك ذلك في الطبعة التالية وفقه الله لإتمام هذه السلاسل النافعة.
أريج الزهر
стр. 5038
تأليف الشيخ مصطفى الغرييني طبع بالمطبعة الأهلية في بيروت سنة ١٣٢٩ - ١٩١١ ص٢٤٠
وهو كتاب أخلاقي اجتماعي أدبي حوى ما كتبه المؤلف من المقالات في الموضوعات المختلفة في الصحف والمجلات بعبارات سليمة من التعقيد عارية من الغلط اللغوي والبياني ترضاها الخاصة ولا تنبو عنها أسماع العامة كما اعتاد قلم المؤلف في الكتب المدرسية وغيرها مما نشره حتى الآن من منظومه ومنثوره. وكتابات مثل صديقنا المؤلف هي الحلقة الموصلة بين أكثر طبقات القراء والكتب العالية في الدب والاجتماع والأخلاق ومسهلة طرق تفهمها.
وقد قدم لهذا الكتاب الشيخ محي الدين الخياط الفاضل المشهور مقدمة رائقة بناها عَلَى حب الظهور وشرح ماله من الدخل في ارتقاء الأمم بعبارات تجمع المتانة سلاسة ثم عرف بصاحب المجموع واتى بنموذج من ادبه الغض وعرف المجموع وصاحبه بهذه الجملة هذا المجموع هو زهرة شبيبة فاضلة فاح أريجها غذ لم تدنسها أوضار الغرب ولم ينهكها ذبول الشرق فهو زهر أخلاق وفضائل بل هو غيرة مجسمة وحماسة تريد النهوض بناشئة الشرق والإشراف بهم عَلَى مدنية الغرب شأن أصحاب النفوس الكبيرة التي تريد الصعود من مدارج المجد والظهور من شرفات العلاء. .
ومن مقالات هذا السفر اللطيف. نهج البلاغة أو أساليب الكلام العربي. أيها الإنسان. أقحط رجال أم قحط وجدان. إلى الأمة العربية. التربية أساس النجاح. الأنانية وحب الذات. رجال الإصلاح. الإدارة. الألقاب والرتب. حديث مع النابتة. الانتقاد ومشارب المنتقدين. سعادة الحياة. دلائل التوحيد. أم القرى. مجلس الأمة. المال والشرف. العادات. الميسر. الاستقلال الشخصي. القابلية والفاعلية. النظامات والأمم. الثورة الأدبية. السد الاجتماعي. الرابطة الدينية. الخرافات والبدع الدينية. العرب والترك. اللغة العربية وغير ذلك مما لا يخلو من الخطابيات للتأثير في الجمهور وهي تشف عن غيرة وطنية وإرادة قوية في السعي لإنهاض العقول من كبوتها في الشرق الإسلامي. فتحث المتأدبين عَلَى اقتناء هذا الكتاب وفق الله مؤلفه إلى إتمام ما يريد من التأليف والنشر فإن المؤلفين من المسلمين في بلاد الشام قلائل جداً والمجيد فيهم أقل وبعض من يقتدرون عَلَى الوضع والنقل شغلوا
стр. 5039
بالخوض في الموضوعات السياسية الزمنية في الصحف فأضاعوا ملكاتهم إلا قليلاً وهيهات أن ترتقي أمة يكون معظم أهلها ساسة ولذا وجب علينا تكريم كل من يتصدى لنفع أمته من طريق الإصلاح العلمي والأدبي والديني من أهل هذه الديار وفي جملتهم مؤلف أريج الذهب.
البصائر
مجلة جديدة تصدر في بيروت مرة في الشهر لمنشئها جميل بك العظم وقيمة اشتراكها ريالان وعدد صفحاتها ٤٠ ومن مقالاتها مقالة في التنجيم والمنجمين وأخرى في الخط ومشاهير الخطاطين وهي تطبع كل شهر ملزمة من مخطوط قديم وبدأت الآن بنشر كتاب تحبير الموشين في التعبير بالسين والشين للفيروز آبادي صاحب القاموس. والمؤلف من الفاضل الذين يحسنون الكاتبة بالتركية والعربية له اطلاع مهم عَلَى المخطوطات العربية ووقوف عَلَى الأدب وما ينبغي له ولذلك يرجى أن ينفع الآداب العربية بمجلته لأنه يعرف الانتقاء ويحسن التأليف ويعد في جملة الأكفاء الذين أفدوا عَلَى نشر المجلات في الشام بعد حرية المطبوعات فعسى أن يثبت في خطته التي اختطها في مجلته والثبات أس النجاح في كل الأعمال ولاسيما العلمية التي قلما يجد عليها صاحبها تنشيطاً مادياً أو معنوياً في بلاد تسعة أعشار أهلها أميون والمتعلم منهم لا يعرف غير القشور دع عنك من كتب لهم الدروس العالية ومعظمهم لا يهتمون بغير التجارة والوظائف.
стр. 5040
أخبار وأفكار
العرب والتجارة
بين تخوم آسيا وأفريقية تيقظ شعب يعهد سكوتاً لكنه سيستولي عَلَى البحر الرومي ثم يتدخل لينافس الغربيين ونحن الآن لا يمكننا أن نقول شيئاً عن الحروب الصليبية قبل أن نذكر طرائف تلك الأمة ونبيها محمد ﷺ حتى البعثة المحمدية. كان العرب أنسباء اليهود يعيشون العيشة الرعائية غير أنهم عشاق سفر امتازوا بحب التجول وقوة الهجوم وشدة الانفعال وليس لهم إلا الشرف وحب الشعر والأدب وبغض الكذب مذهب يدينون به عَلَى أن أكثر الأديان التي وجدت قبل البعثة المحمدية كانت تشابه العقيدة الفتشية وتجير الاستلاب لا رابطة بين القبائل تضم الشعث سوى احتفالهم العام في أم القرى كل عام.
كان الأنبياء الحنيفيون منذ القرن السادس من التاريخ المسيحي تثرى عَلَى العرب لقطع شأفة الوثنية وإرجاعهم لملة أبيهم إبراهيم ومحمد أحد هؤلاء الحنيفيين بيد أنه أفصحهم لساناً وأكثرهم إقناعاً للعقول.
ولد محمد في مكة عام ٥٧٠ بين القرشيين سدنة الكعبة ومروجي سلع عقائدهم القديمة فما قام ينذر ويكبر حتى خاصمه أهل قبيلته بل اقرب الناس إليه وقاوموه جد المقاومة فلم ير بداً من المهاجرة إلى يثرب التي سميت بعدئذ بالمدينة وهنا ابتدأ تاريخ المسلمين الهجري موافقاً ١٦ تموز ٦٢٢م.
وبعد دخول يثرب وجد بلداً طيباً لبذر بذور دعوته فاتخذ له أنصاراً مخلصين اشتد بهم أزره فأعلن الحرب عَلَى المكيين ثم دخل مكة وطنه ظافراً وكسر فيها الأصنام ونشر الحكمة والكتاب وجمع شملهم بآصرة الوحدة الإسلامية العربية ثم توفي بعد أداء وظيفته العظمى عام ٦٣٢.
الإسلام أو الاستسلام إلى الله بعث إلى أتباع محمد وأنصاره روح النشاط والغيرة وعصبية ملكتهم زمام العالم وجعلتهم أساتذة إذ في قرن واحد أي من ٦٣٢ إلى ٧٣٢ استولى خلفاؤه الصحابة الراشدون والأمويون الوارثون ومن بعدهم عَلَى سورية وفلسطين والجزيرة سنة ٦٣٨ ومصر ٦٣٩ وفارس ٦٤٢ ثم تتابع استيلاؤهم عَلَى تركستان وقطعة من الهند وبلاد
стр. 5041
الأرمن وقبرص وإقيريطش (كريت) وطرابلس الغرب وأفريقية الشمالية كلها وعلى صقلية وسردينيا والجزائر البالبارية ثم هجم تيارهم عَلَى بلاد غاليا الإفرنجية وهدد هناك كيان النصرانية إلا أنه وقف هذا التيار الجارف في بواطيه عام ٧٣٢م
وإن استبحار عمرانهم وسرعة انتشار سلطتهم في المسكونة لما يساعد كثيراً عَلَى فهم مكانة المدنية العربية تلك المدنية التي يعتقد بدينها اليوم أكثر من ٣٠٠ مليون من البشر فقد كانت هذه الحضارة الباهرة في القرون الوسطى مزيجاً من المدنية البيزنطية والمسيحية وتم هذا المزيج المدني بأمرين الأول عشق العرب للتجارة والثاني غرامهم بالاستعمار وقد قال نبي العرب الذي كان قائد قوافل في حداثته ثم صار تاجراً: (إن الله يحب المؤمن المحترف) وأمر العرب أن يدرسوا فنون الأدب والعلوم قائلاً (الناس عالم ومتعلم ولا خير فيما بينهما) ولذلك أصبحوا لذكائهم الوقاد وحب اطلاعهم عَلَى كل شيء يخوضون غمار العلوم الطبيعية والرياضية فابتدعوا الكيمياء وبرعوا بها وطبقوا تلك العلوم عَلَى الزراعة والصناعة ولهم المنة عَلَى سائر الأمم بأرقامهم العربية النائبة مناب الرومانية وباستنباطهم فن الجبر والمقابلة واختصارهم الهندسة وأعمالهم الجميلة الفلكية في أبحاث سميت الشمس ومعادلة الليل والنهار والبقع الشمسية فقد اصطنعوا الآلات العجيبة الفلكية كالإسطرلاب ونحوه واكتشف كيماويوهم وأطباؤهم خواص الألكحول والنشادر وحامض الآزوت والكبريت والمياه المعدنية وأدخلوا في كثير من علاجاتهم مواد من نبات بلادهم الوطنية كالكافور والراوند والسنامكي وقد أوصلتهم قرائحهم التاريخية لإنشاء عمل شعري بديع وهو ألف ليلة وليلة أقول وهم أسرع الناس إلى تدوين أنسابهم وملاحمهم وأبطالهم ورواية أشعارهم والكتابة في الفلسفة والتاريخ وفنون الاجتماع كابن خلدون وغيره من جهابذة الإسلام.
أما الفنون الجميلة فإن العرب نهجوا فيها نهج البيزنطيين ولم يخالفوهم إلا بعدم تجسيم الحيوان ولكنهم استعاضوا عنه بالنقش النباتي من تشبك أوراق وأقواس باهرة وفصفصة زاهرة وآطام ومعاهد ساحرة كقصور تونس ومصر وبغداد وجامع عمر في القدس وجامع قرطبة والقصر في أشبيلية والحمراء في غرناطة الخ.
والعرب عمال زراعة ورجال براعة فقد برعوا في سقي الجنائن واخترعوا النواعير
стр. 5042
العجيبة بل ووطنوا النباتات والأشجار الأفريقية والآسيوية في أوربا كالنخل والبرتقال والتوت والقطن وقصب السكر والذرة والأرز والحنطة السوداء والزعفران والهندباء والخرشوف والسبانخ والباذنجان والطرخون والبصل والياسمين الخ.
وينسب إليهم اختراع طواحين الهواء ونواعير الماء وهم هم الصناع المجيدون الأولى صنعوا الجلود القرطبية وعملوا البسط الفاخرة ونسيج الشف (برنجك) والحرير سيما الأقمشة الموصلية والأقمشة والأسلحة الدمشقية وبخارى دمشق وبلنسية ومعامل الزجاج الملون ومصانع الفخار اللامع والأواني المغربية وموارد أخرى عديدة بها أثرت بغداد طليطلة وقرطبة.
وفي التجارة أحرز العرب فوق النضال عَلَى سواهم فقد رقوا الصناعة البحرية ووضعوا قوانين لحقوق الملاحة واستعاروا بيت الإبرة من الصينيين (بوصلة) وضبطوا التجارة بفن مسك الدفاتر أي ضبط وشرحوا الكفالة وأنشأوا المصارف للفقراء ووضعوا السفاتج (كمبيالة) المألوفة وردود التمسك (بروستو) وبعثوا روح الحركة في مصارفنا الحديثة.
وكنت تراهم حيثما سكنوا مهدوا السبيل وعمروا المرافئ والفرض وأصلحوا وأنشأوا الفنادق والرباطات ورتبوا سير القوافل الاقتصادية ولم تكن المدن الإسلامية غير أوساط تجارية كبرى وبغداد دار السلام لم تكن من القرن الثامن للعاشر وميناؤها الصرة غير مستودعات للشرق بحذافيره فقد كان بها مليون من السكان وكان لتجارها الكبار علائق مع الموصل والبلاد الأرمنية وفارس وتركستان (بخارى وسمرقند) والهند وجزائر الصوند (جاوة وسومطرة) التي كانت تبيع الأخشاب الثمينة وكانوا يواصلون الصين بطريقتين بري وهو ما نهجه الرومانيون ممتد في سهول البابير ووادي تاريم والآخر بحري وهو المحيط الهندي ومحطاته مرفأ قانطون وستيغارة القديمة التي كانوا يجلبون منها الأقمشة الحريرية والأواني الصينية وقطن نانكين والورق الأرزي وصمغ اللك ثم يرجعون أدراجهم إلى بغداد لتوزيعها عَلَى سائر الجهات التي يستعمل أهلوها سكة الخلفاء. والدرهم الفضي كان يساوي نحو فرنك والدينار الذهبي مقدار ١٣ أو ١٤ فرنكاً وقد أهدى هارون الرشيد خليفة بغداد لشارلمان الأقمشة الحريرية والعطور وشمعداناً مشعباً من القلز (برونز) وساعة مائية كانت سبباً لإعجاب فرنجة إيكس لاشابل فقابله عَلَى ذلك بالخيول المطهمة
стр. 5043
والبغال المزينة وكلاب الصيد وأقمشة مدنية فريز الصوفية.
وكانت بغداد متصلة بكابل لأسواقها الشهيرة مع سمرقند وحلب المرتبطتين بحبل من القوافل السيارة متين. وهكذا كان ينقل شال كشمير وأقمشتها ومسك التبت وتركستان وعقاقيرها عَلَى ظهور الجمال في الغدو والآصال. وكانت دمشق مدينة الصناعة الجميلة مركز تجارة شبه جزيرة العرب ومصر وسورية. وبواسطة ثغر السويس كانت تصل العرب بضائع عدن وجدة. وقد تحول لمصر قسم عظيم من الحركة التجارية وذلك من البلاد التي نبتت فيها البذور الإسلامية كالشرق الأقصى ومنه الصين وماليزيا وأصقاع قروناندل ومالابار وجزيرة مدغسكر وقد أنشأ الخلفاء الفاطميون مصر القاهرة أي مدينة النصر ولا تبعد عن منفيس القديمة كثيراً.
واحتفظت مدينة الإسكندرية ملياً بمكانتها السابقة وجرفت عربها نهر تراجان مرة ثانية وبه شدد وثائق النيل بالبحر الأحمر وسبروا بأسفارهم أغوار بلاد الحبشان وكردوفان وأسسوا المكاتب التجارية في أقطار أفريقية الشرقية ومونباسا وكيلوا وموزامبيق وصوفيا وميلندا وجلبوا منها المسحوق الذهبي والعاج وحراشف السلاحف البحرية وأصبح في المغرب من العواصم الشهيرة كالقيروان ومرفأها السوس الصغير وأرغلا وواحتها الغنية في الصحراء الجزائرية وتلمسان وفاس وغيرها من المدن الكبرى التي كانت ينابيع البيع والشراء والأخذ والعطاء.
وكان سكان فاس ٥٠٠ ألف وتصدر مختلف الأصواف والجواهر (المعادن) والعطور والجلود المراكشية واستعمرت مستعمرات في فزان وطواط والسودان وكانت طمبكتو التي يقطعها نهر النيجر مجمعاً كبيراً من مجامع الوكلاء التجارية. وأما قرطبة عاصمة الأندلس فقد كانت تحتوي عَلَى مليون من البشر وعلى ٢٧٣ ألف بيت و٦٠ ألف قصر (خلعت عليه جمالها الأيام) وكانت في أشبيلية ٣٠٠ ألف نسمة وطليطلة ٢٠٠ ألف وكذلك غرناطة وقادس ومالقة والمرية ومرسية وجيان وطليطلة وسرقسطة وبرشلونة فقد كانت هذه البلاد تضم بين جوانحها مختلف الشعوب الإسبانية ومتباين الأمم الغربية التي كانت ترد حياضها لتناول أقداح العلوم والصنائع والفنون ولجلب صنائع التبرج والزينة ودامت العلائق الاقتصادية زمناً بين بيزر ومونبليه الفرنسويتين وبين إسبانيا المسلمة.
стр. 5044
وأما برشلونة وأشبيلية فكانتا من أكبر الموانئ الإسبانية وكانت الأولى ترسل سفنها للمغرب وآسيا الصغرى ورودس والقسطنطينية وعقدت في مصر معاهدات شتى مع بيزا وجنوة الإيطاليتين في مسائل الحوالات وسائر أعمال المصارف. وأما أشبيلية فكانت تبعث أساطيلها وعماراتها للأوقيانوس الأطلانطيكي لمداهمة الجزائر البريطانية وبلاد القاع (هولاندة).
وإن تعجب فأعجب للعرب كيف نبغ بينهم لأسفارهم المترامية أساتذة جغرافيون شذبوا بأقل وقت كتاب بطليموس واكتشفوا بلاداً أخرى بغير أقدامهم لم توطأ ووسعوا المصورات التقويمية للغربيين وأشربوهم ذوق التنقل وحب الترحال نخص بالذكر منهم المسعودي وابن حوقل وابن بطوطة والإصطخري ونرفع بين مشاهير الرواد راية سليمان وأبي زيد حسان اللذان عاشا للقرن التاسع ولقبا بالمحمديين وجاب أولهما شبه جزيرة مالقا واكتشف سلسلة الجبال المسماة باسمه لليوم وسبر طول نهر السند واطلع ثانيهما عَلَى أحوال ماليزيا والتبت وأقطار المحيط الهندي الأفريقية. وكم وكم عادت الحروب الصليبية عَلَى الغرب بخيرات لا تستقصى ولو لم يكن منها غير تحطيم قيود التعصبي الكنيسي لكفى. وذلك لما رآه الصليبيون من تسامح المسلمين وتساهل مشاهير أمرائهم مثل صلاح الدين الأيوبي والملك العادل اللذين لقي منهم أهل الصليب كل شرف ولطف وتفضل وبضدها تتميز الأشياء ولذلك يمكننا أن نقول أن الكنيسة ورؤساءها كبطرس الراهب الذين أرادوا تقويتها ورفعة شأنها لم يسعوا لحتفهم إلا بظلفهم لأن تلك الحروب لم تجدهم إلا شراً.
وإذا تألم الوجدان من تصالح الغرب مع الشرق وانقطاع ينابيع الدماء لذلك فقد اكتسبت هاتان الأمتان من الفوائد المادية والأخلاقية التي أذاقتهم طعم السعادة ما نساهم أيام الشقاء. وهكذا ترى البحارة انتشرت بعد الحروب الصليبية أكثر من انتشارهم أيام الممالك الرومانية فتعودت أوربا من العرب عادات الفضيلة والمدنية وكل ما يهون الحياة ويحليها للأنفس وابتدأ الغربيون يطوفون اقتباساً عن العرب مختلف أنواع النبات والحيوان واخذوا يصنعون الأقمشة القطنية والحريرية وسكر القصب والألكحول وقلدوا العرب في أزيائهم وعمل الأسلحة العربية ثم توطد الأمن واتحدت العلائق والإسلاميون وذاق الصليبيون لذة الأسفار بعد حروبهم حتى صار الآسيويون من الرأس الأصفر لا يخشون من رحيلهم إلى
стр. 5045
رومية وليون وبرشلونة وباريس بل ولوندرا العصيبة.
انقلب مجن الزمان بعد تلك الحروب وزالت الريب والمخاوف وابتدأ المتصالحون يمتلكون هذه الأرض يسبرونها ويشكون في هيئتها حتى جرهم ترقي الجغرافيا لاكتشافات عديدة في العلوم الطبيعية والفلسفية بله نقول أيضاً أن تلك الحروب الصليبية وإن سبقت رواج أسواق النجارة غير أن هذه التجارة قد قربت متفرق المتحاربين ورأبت منهم الصدع وأسقطت السلاح من أيديهم وقدمت الهيئة الاجتماعية كثيراً.
دمشق
المترجم: عز الدين شيخ السروجية
أخوان روح القدس
كل دعوة تجد في أميركا بلاد الغرائب أنصاراً وكل مذهب يصادف أخواناً وأخداناً. وقد قرأنا في المجلة مقالة في مذهب جديد نشأ منذ بضع عشرة سنة يزعم أربابه أن المرضى مأخوذون لا يشفون إلا بطرد الشيطان عن أجسامهم بضربات من التوراة. نشأ هذا المذهب في ولاية مين في دورها. ثم انتشر بفضل رئيسه فرانك ستانفورد الذي يدعوه أشياعه إلياس الثاني ويرونه ظل الله عَلَى الأرض عَلَى أن من لا يعتقدون فيه يرونه من أبرع المشتغلين بالروحانيات أما الملحدون فيعتبرونه متعصباً محتالاً.
ولما شرع هذا الرجل بتأسيس معبد لشيعته لم يكن يملك قرشاً فتبرع أحد الأخوان بالأرض وعمروها في مدة قليلة ومنهم المهندس والبناء ومنهم الذي أتى بالأحجار وآخر بالأخشاب وغيره بمواد البناء ومنهم من وقف ماله كله بحيث لم يمض عَلَى تأسيس هذه الشيعة ١٥ سنة إذ تأسست سنة ١٨٩٦ حتى أصبح رأس المال لها نصف مليون فرانك أتت كلها من صلوات يتلوها صاحب المذهب والأخوان يعتمدون عَلَى الله ولذلك يرون أنهم يغنيهم رب السماوات وقد زعموا أن الله بذاته أوعز بإنشاء هذا المعبد وقدر انجازه عَلَى أتم صوره مع ما يتبعه من مستشفى ذو أربع طبقات ومدارس ومساكن وغير ذلك فكانت الدراهم إذا نضبت يأتيهم الفرج من حيث لم يحتسبوا فيغادرون العمل ويزعمون أن مئات أووا إلى هذا المستشفى فشفوا من أوصابهم من فالج وغيره بضرب كتاب التوراة عَلَى الحائط فما هو إلا أن تغادر أجسامهم الشياطين التي تلبستها وقد ثبت ذلك فيما قالوا بألوف من
следующие страницы →