Полный текст (6 802 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.
стр. 5636
أن الشركة تعين بالاتفاق مع الحكومة المصرية ما يؤخذ عَلَى السفن من رسم المرور من الترعة ويجري هذا الرسم عَلَى سفن جميع الدول بلا تمييز.
وفي ١٧ تشرين الثاني سنة ١٨٦٩ فتحت الترعة لمرور المراكب فاجتازها خمسون سفينة باحتفال عظيم أعد فيه إسماعيل باشا معدات عظيمة ودعا إليه ملوك أوربا وأمراءها فصرف لذلك الاحتفال أموالاً طائلة كانت سبباً من أهم الأسباب لتأخر صندوق الحكومة المصرية في ذلك الحين. وهكذا ابتدأت الشركة ورأس مالها ٢٠٠. ٠٠٠. ٠٠٠ فرنك مؤلفة من ٤٠٠. ٠٠٠ سهم سعر السهم ٥٠٠ فرنك بعد ما تعددت عليها المعاكسات وتوقفت عن العمل مدة سنتين وحكموا بتلك المسألة إمبراطور فرنسا في ذلك العهد فرجع الأمر إلى من يقوم به وعادت الشركة للعمل بهمة ونشاط ونجحت نجاحاً عظيماً لم تنجحه قط شركة مساهمة مثلها.
وبعد فإن ما أنفقه إسماعيل باشا عَلَى الاحتفال عند فتح الترعة ١٠٠. ٠٠٠. ٠٠٠ فرنك وهو السبب الأكبر الذي بعثه عَلَى بيه حصة مصر من أسهم السويس وهكذا سنة ١٨٧٥ قد باع إسماعيل باشا تلك الأسهم وعددها ٧٦٦٠٢ من الأسهم ثمن السهم ٥٠٠ فرنك فأسرع الكولونل ستانتن قنصل إنكلترا في مصر واشترها باسم الحكومة الإنكليزية بقيمة أربعة ملايين جنيه التي قدر ثمنها سنة ١٩٠٦ بإحدى وثلاثين مليوناً من الجنيهات.
وهنا يجاب أن يضاف اقتراح الشركة للحكومة ألا وهو أن تعطي الشركة للحكومة المصرية أربعة ملايين من الجنيهات مقابلة إطالة امتيازها وأن تقسطه أقساطاً أقساطاً يكون آخرها سنة ١٩١٢ وأن تعطيها أيضاً أربعة في المئة من صافي ربحها السنوي في العشر سنوات الأولى من سنة ١٩١٢ إلى سنة ١٩٣٠ وستة في المئة في العشر سنوات الثانية وثمانية في المئة في العشر سنوات الثالثة وعشرة في المئة في العشر سنوات الرابعة و١٢ في المئة في المدة الباقية للامتياز أي سنة ١٩٦١ إلى سنة ١٩٦٨ ثم تعطيها نصف صافي ربحها السنوي مدة الأربعين سنة التي يطال فيها الامتياز ولكن إذا قلَّ الربح سنة من السنين عن مئة مليون فرنك فالشركة تأخذ أيضاً أن ربحها ٥٠ مليوناً والباقي للحكومة وإذا صادف في سنة من السنين أيضاً أن ربحها ٥٠ مليوناً فالشركة تأخذ الربح كله ولا تتداخل الحكومة فيه.
стр. 5637
ونظراً لما صار للحكومة من قسم الأرباح قد سمح لها أن يكون في الشركة عضوان نائبان عن الحكومة فيها وهكذا انتخبت الحكومة نائبين عناه يمثلانها في الشركة.
وهذا بيان عدد البواخر التي مخرت الترعة في كل سنة منذ فتحها إلى سنة ١٩٠٨ وبيان الرسوم التي حصلتها الشركة في كل سنة.
سنة عدد البواخرالرسوم المحصلة بالفرنكات
١٨٦٩١٠ ٥٤٤٦٠
١٨٧٠٤٨٦ ٥. ١٥٩. ٣٢٧
١٨٧١٧٦٢ ٨. ٩٩٣. ٧٣٢
١٨٧٢١٠٧٥ ١٦. ٤٠٧. ٥٩١
١٨٧٣١١٧٣ ٢٢. ٨٩٧. ٣١٩
١٨٧٤١٢٦٤ ٢٤. ٨٥٩. ٣٨٣
١٨٧٥١٤٩٤ ٢٨. ٨٨٦. ٣٠٢
١٨٧٦١٤٥٧ ٢٩. ٩٧٤. ٩٩٨
١٨٧٧١٦٦٣ ٣٢. ٧٧٤. ٣٤٤
١٨٧٨١٥٩٣ ٣١. ٠٩٨. ٢٢٩
١٨٧٩١٤٧٧ ٢٩. ٦٨٦. ٠٦٠
١٨٨٠٢٠٢٦ ٣٩. ٨٤٠. ٤٨٧
١٨٨١٢٧٢٧ ٥. ١٧٤. ٣٥٢
١٨٨٢٣١٩٨ ٦٠. ٥٤٥. ٨٨٢
١٨٨٣٣٣٠٧ ٦٥. ٨٤٧. ٨١٢
١٨٨٤٣٢٨٤ ٦٢. ٣٧٨. ١١٥
١٨٨٥٣٦٢٤ ٦٢. ٢٠٧. ٤٣٩
١٨٨٦٣١٠٠ ٥٦. ٥٢٧. ٣٩٠
١٨٨٧٣١٣٧ ٥٧. ٨٦٢. ٣٧٠
١٨٨٨٣٤٤٠ ٦٤. ٨٣٢. ٢٧٣
стр. 5638
١٨٨٩٣٤٢٥ ٦٦. ١٦٧. ٥٧٩
١٨٩٠٣٣٨٩ ٦٦. ٩٨٤. ٠٠٠
١٨٩١٣٢٠٧ ٨٣. ٤٢٢. ١٠١
١٨٩٢٣٥٥٩ ٧٤. ٤٥٢. ٤٣٦
١٨٩٣٣٣٤١ ٧٠. ٦٦٧. ٣٦١
١٨٩٤٣٣٥٢ ٧٣. ٧٧٦. ٨٢٧
١٨٩٥٣٤٣٤ ٧٨. ١٠٣. ٧١٧
١٨٩٦٣٢٠٩ ٧٩. ٥٦٩. ٩٩٤
١٨٩٧٢٩٨٦ ٧٢. ٨٣٠. ٥٤٥
١٨٩٨٣٥٠٣ ٨٥. ٢٩٤. ٧٦٩
١٨٩٩٣٦٠٧ ٩١. ٣١٨. ٧٧٢
١٩٠٠٣٤٤١ ٩٠. ٦٢٣. ٦٠٨
١٩٠١٣٦٩٩ ١٠٠. ٣٨٦. ٣٩٧
١٩٠٢٣٧٠٨ ١٠٣. ٧٢٠. ٠٢٠
١٩٠٣٣٧٦١ ١٠٣. ٦٢٠. ٢٦٨
١٩٠٤٤٢٣٧ ١١٥. ٨١٨. ٤٧٩
١٩٠٥٤١١٦ ١١٣. ٨٦٦. ٧٩٦
١٩٠٦٣٩٧٥ ١٠٨. ١٦١. ٨٩٦
١٩٠٧٤٢٦٧ ١١٦. ٠٠٠. ٠٩٦
١٩٠٨٣٧٩٥ ١٠٨. ٤١٣. ٤١٠
بيروت
حبيب جرجي كحالة
стр. 5639
أوضاع الدولة الفاطمية
مقتبسة من الدروس التي يلقيها الشيخ محمد الخضري مدرس
تاريخ الأمم الإسلامية في الجامعة المصري
الصناعة والأسطول
الصناعة هي المكان الذي أعد لإنشاء المركب البحرية وهي بمصر عَلَى قسمين نيلية وحربية فالحربية هي التي تنشأ لغزو العدو وتشحن بالسلاح وآلات الحرب والمقاتلة فتمر من ثغر الإسكندرية وثغر دمياط وتنيس والفرما إلى جهاد الروم والفرنج وهي التي كان يقال لها الأسطول وأما النيلية فإنها تنشأ لتمر في النيل صاعدة إلى أعلى الصعيد ومنحدرة إلى أسفل الأرض لحمل الغلال وغيرها.
ولم يكن غزو في عهد الرسول ﷺ ولا في عهد الشيخين أبي بكر وعمر وكان عمر يكره الغزو فيه ويراه مخاطرة وكتب إلى عمرو بن العاص وهو عَلَى مصر أن صف لي البحر وراكبه فإن نفسي تنازعني إليه وأنا أشتهي خلافها فكتب إليه يا أمير المؤمنين إني رأيت البحر خلقاً كبيراً يركبه خلق صغير ليس إلا السماء والماء وإن ركد حزن القلوب وإن أزل أزاع العقول يزداد فيه اليقين قلة والشك كثرة هم فيه كدود عَلَى عود إن مال غرق ون نجا برق. فقال عمر: لا والذي بعث محمداً بالحق لا أحمل فيه مسلماً أبداً.
وأول غزو فيه كان في عهد عثمان وأول غاز معاوية بن أبي سفيان أذن له به عثمان عَلَى شرط أن وينتخب الناس ولا يقرع بينهم فمن اختاروا الغزو طائعاً حمله وأعانه وغزا عبد الله بن سعد أمير مصر سنة ٣٤ في وقعة ذات الصواري وكانت له. وكان ذلك سبباً لاهتمام المسلمين بإنشاء المراكب الحربية فبعث عبد الملك بن مروان لما ولي الخلافة إلى عامله عَلَى أفريقية حسان بن النعمان بأمره باتخاذ صناعته بتونس ومنها كانت غزوة صقلية في أيام زيادة الله الأول بن إبراهيم بن الأغلب عَلَى يد شيخ القنيا أسد بن الفرات.
قال ابن خلدون وذكر تعليل امتناع المسلمين ركوب البحر للغزو في أول الأمر والسبب في ذلك أن العرب لبداوتهم لم يكونوا أول الأمر مهرة في ثقافته وركوبه والروم والفرنجة لممارستهم أحواله ومرباعم في التقلب عَلَى أعواده مرنوا عليه وأحكموا الدربة بثقافتهم.
стр. 5640
فلما استقر الملك للعرب وشمخ سلطانهم وصارت أمم العجم خولاً لهم وتحت أيديهم وتقرب كل ذي صنعة إليهم بمبلغ صناعته واستخدموا من النواتية في حاجاتهم البحرية أمماً وتكررت ممارستهم للبحر وثقافته واستحدثوا بصراً بها فتاقت أنفسهم إلى الجهاد فيه وأنشئوا السفن والشواني وشحنوا الأساطيل بالرجال والسلاح وأمطوها العساكر والمقاتلة لمن وراء البحر من أمم الكفر واختصوا بذلك من ممالكهم وثغورهم ما كان أقرب إلى هذا البحر وعلى ضفته مثل الشام وأفريقية والمغرب والأندلس.
وأول ما أنشئ الأسطول في مصر في خلافة المتوكل عَلَى الله العباسي عندما نزل الروم عَلَى دمياط سنة ٢٣٨ فملكوها وقتلوا بها جمعاً كثيراً من المسلمين وسبوا النساء والأطفال ومضوا إلى تنيس فأقاموا بأشتومها فوقع الاهتمام من ذلك الوقت بأمر الأسطول وصار من أهم ما يعمل بمصر وأنشئت الشواني برسم الأسطول وجعلت الأرزاق لغزاة البحر كما هي لغزاة البر وانتدب الأمراء له الرماة فاجتهد الناس بمصر في تعليم أولادهم الرماية وجميع أنواع المحاربة وانتخب له القواد العارفون بمحاربة العدو وكان لا ينزل في رجال الأسطول غشيم ولا جاهل بأمور الحرب هذا وللناس إذ ذاك رغبة في جهاد أعداء الله وإقامة دينه. لا جرم أن كان لخدم الأسطول حرمة ومكانة وكان ولكل أحد من الناس رغبة في أنه من جملتهم فيسعى بالوسائل حتى يستقر فيه.
وكانت الغزوات بين المسلمين والروم سجالاً ينال المسلمون من العدو وينال العدو منهم وياسر بعضهم بعضاً لكثرة هجوم أساطيل المسلمين عَلَى بلاد العدو فإنها كانت تسير من مصر ومن الشام ومن أفريقية فلذلك احتاج الخلفاء العباسيون إلى الفداء ولم يقع فداء في عهد الدولة الأموية وإنما كان ينادى بالنفر بعد النفر في سواحل الشام ومصر والإسكندرية وبلاد ملطية وبقية الثغور الخزرية إلى أن كانت خلافة الرشيد. فوجد أول فداءٍ بين المسلمين والروم سنة ١٨٩ وآخر فداء كبير كان سنة ٣٣٥ في خلافة المطيع فهي عهد الدولة الإخشيدية بمصر والذي شرع فيه هو الإخشيد محمد بن طغج.
وقويت العناية بأمر الأسطول في مصر منذ قدم المعز لدين الله وأنشأ المراكب الحربية واقتدى به بنوه وكان لهم اهتمام بأمور الجهاد واعتناء بالأسطول وواصلوا إنشاء المراكب بمدينة مصر والإسكندرية ودمياط من الشواني الحربية والشلنديات والمسطحات وتسييرها
стр. 5641
إلى بلاد الساحل مثل صور وعكا وعسقلان وكانت جريدة قواد الأسطول في آخر أمرهم تزيد عَلَى خمسة آلاف مدونة منهم عشرة أعيان يقال لهم القواد وتصل جامكية كل واحد إلى ٢٠ ديناراً ثم إلى ١٥ ثم إلى عشرة ثم إلى ثمانية ثم إلى دينارين وهي أقلها.
ولهم إقطاعات تعرف بأبواب الغزاة بما فيها من النطرون وكان يعين من القواد العشرة واحد فيصير رئيس الأسطول ويكون معه المقدم والقادس فإذا سار إلى الغزو كان هو الذي يقلع بهم وبه يقتدي الجميع فيرسون بإرسائه ويقلعون بإقلاعه ولا بد أن يقدم عَلَى الأسطول أمير كبير من أعيان أمراء الدولة وأقواهم نفساً ويتولى النفقة في غزاة الأسطول الخليفة بنفسه بحضور الوزير فإذا أراد النفقة فيما تعين من المراكب السائرة (كانت في أيام المعز تزيد عن ٦٠٠ قطعة وآخر ما صارت إليه في آخر الدولة نحو ٨٠ شونة وعشر مسطحات وعشر حمالة فما تقصر عن مائة قطعة) فيتقدم إلى النقباء بإحضار الرجال فيجتمعون وكانت لهم المشاهرات والجرايات في مدة أيام سفرهم وهم معروفون عند عشرين عريفاً يقال لهم النقباء فإذا اجتمعوا أعلم النقباء المقدم فأعلم بذلك الوزير فطالع الخليفة فيقرر يوماً للنفقة فيحصر الوزير بالاستدعاء من ديوان الإنشاء عَلَى العادة ويجلس الخليفة عَلَى هيئته في مجلسه ويجلس الوزير في مكانه ويحضر صاحباً ديوان الجيش وهما المستوفي والكاتب فيجلس المستوفي من داخل عتبة المجلس وبجانبه من وراء عتبة الباب كاتب الجيش في قاعة الدار وشرط هذا المستوفي أن يكون عدلاً من أعيان الكتاب وأما الكاتب فكان في غالب الأمور يهودياً.
فإذا تهيأ المال أدخل الغزاة مائةً مائة فيقفون في أخريات من هو واقف للخدمة من جانب واحد نقابة نقابة وتكون أسماؤهم قد رتبت في أوراق لاستدعائهم بين يدي الخليفة فيستدعي المستوفي من تلك الوراق المنفق عليهم واحداً واحدا فإذا خرج اسمه عبر من الجانب الذي هو فيه إلى الجانب الآخر فإذا تكملت عشرة وزن الوازنون لهم النفقة لكل واحد خمسة دنانير فيسلمها له النقيب وتكتب باسمه ويده وهكذا إلى الآخر وإذا تم ذلك ركب الوزير بين يدي الخليفة وانفض الجمع.
وإذا تكاملت النفقة وجهزت المراكب وتهيأت للسفر ركب الخليفة والوزير إلى ساحل النيل بالمقس عند منطرة المقس فيجلس فيها الخليفة يرسم وداع الأسطول ولقائه فإذا جلس
стр. 5642
للوداع جاءت القواد بالمراكب من مصر للحركات بين يديه وهي مزينة بأسلحتها ولبودها وما فيها من المنجنيقات فيرمي بها وتنحدر المراكب وتقلع وتفعل سائر ما تفعله عند لقاء العدو ثم يحضر المقدم والرئيس بين يدي الخليفة فيودعهما ويدعو للجماعة بالنصر والسلامة ويعطي للمقدم مائة دينار وللرئيس عشرين وينحدر الأسطول إلى دمياط ومن هناك يخرج إلى البحر فيكون له ببلاد العدو صيت عظيم ومهابة قوية.
والعادة أنه إذا غنم الأسطول ما عسى أن يغنم لا يتعرض السلطان إلى شيء منه إلا ما كان من الأسرى والسلاح فإنه للسلطان وما عداهما من المال والثياب ونحوهما فإنه لغزاة الأسطول ولا يشاركهم فيه أحد. وإذا قدم الأسطول خرج الخليفة أيضاً لمنظرة المقس وجلس فيها للقائه.
ولم يزل الأسطول عَلَى ذلك إلى أن كانت وزارة شاور ونزل ملك الإفرنج عَلَى بركة الحبش فأمر شاور بتحريق مصر وتحريق مراكب الأسطول فحرقت ونهبها العبيد فيما نهبوا. ولها ذكر يعود في ذكر الدولة الأيوبية وقد كان بمصر صناعات (ترسانات)
(١) وهي أقدم الصناعات صناعة الجزيرة بنيت سنة ٥٤هـ ثم اعتنى أحمد بن طولون بإنشاء المراكب الحربية في هذه الصناعة وأطافها بالجزيرة ولم تزل هذه الصناعة إلى أيام الإخشيد فحول موضعها إلى بستان المختار.
(٢) صناعة مصر بناها الإخشيد وكان موضعها يعرف بدار بنت الفتح بن خاقان زوج أحمد بن طولون والسبب في نقل الصناعة أنه رأى أن صناعة يحول بينها وبين صاحبها الماء ليست بشيءٍ فحول الصناعة إلى ساحل مصر سنة ٣٢٥ وكان إذ ذاك عندها عندها سلم ينزل منه إلى الماء وكانت مراكب الأسطول مع ذلك تنشأ في الجزيرة وفي صناعتها إلى أيام الآمر فلما ولي المأمون بن البطانحي أنكر ذلك وأمر أن يكون إنشاء الشواني والمراكب النيلية الديوانية بصناعة مصر وأنشأ بها منظرة لجلوس الخليفة يوم تقدمه الأسطول ورميه فأقر إنشاء الحربيات والشلنديات بصناعة الجزيرة وكان بهذه الصناعة دهليز ماء بمصاطب مفروشة بالحصر العبدانية بسطاً وتأزيراً وفيها محل ديوان الجهاد وكان يعرف في الدولة الفاطمية أن لا يدخل من باب هذه الصناعة أحد راكباً إلا الخليفة أو الوزير إذ ركبا يوم فتح الخليج عند وفاء النيل ولم تزل هذه الصناعة عامرة إلى ما قبل
стр. 5643
سنة ٧٠٠ ثم صارت بستاناً.
(٣) صناعة المقس بناها عَلَى قول ابنة أبي طي في تاريخه المعز لدين الله وأنشأ بها ستمائة مركب لم ير مثلها في البحر عَلَى مينا.
وقال المسبحي أن العزيز بالله بن المعز هو الذي بنى دار الصناعة التي بالمقس وعمل المراكب التي لم ير مثلها فيما تقدم كبراً وحسناً وفي سنة ٣٨٦ وقعت نار في الأسطول وقت صلاة الجمعة فاحترقت خمس عشاريات وأتت عَلَى جميع ما في الأسطول من العدة والسلاح حتى لم يبق منه غير ستة مراكب فارغة لا شيء فيها.
وكان العزيز قد أمر قبل موته بتحديد عمارة الأسطول فأنشئت مراكب بدل المحترقة بغاية السرعة وقد طرحت في البحر بين أيدي الحاكم.
وكان في البهنساوية وسفط يشن والأشمونين والأسيوطية والأخمينية والقوصية أشجار لا تحصى من سنط لها حراس يحمونها حتى يعمل منها مراكب الأسطول فلا يقع منها إلا ما تدعو الحاجة إليك وكان فيها ما تبلغ قيمة العود الواحد منه مائة دينار.
الخراج
لم يكن مقدار ما يجيء من الأراضي المصرية لعهد هذه الدولة متساوي المبلغ في جميع أدوارها بل كان يزيد وينقص حسب الاهتمام بالإصلاح الذي هو أساس كثرة الجباية.
فقد كان الخراج في السنة التي دخل فيها جوهر القائد ٣. ٤٠٠. ٠٠٠ دينار في عهد الوزير الناصر للدين الحسن بن علي اليازوري وزير المستنصر أراد أن يعرف قدر ارتفاع الدولة وما عليها من النفقات ليقايس بينهما فتقدم إلى أصحاب الدواوين بأن يعمل كل منهم ارتفاع ما يجري في ديوانه وما عليه من النفقات فعمل ذلك وسلمه إلى متولي ديوان المجلس وهو زمام الدواوين فتنظم عليه عملاً جامعاً وأحضره إياه فرأى ارتفاع مصر ١. ٠٠٠. ٠٠٠ دينار يقف منها عن معلول ومنكسر عَلَى موتى وهراب ومفقودين ٢٠٠. ٠٠٠ دينار ويبقى منها ٨٠٠. ٠٠٠ دينار يصرف منها:
٣٠٠. ٠٠٠ دينار للرجال عدا واجباتهم وكساويهم.
١٠٠. ٠٠٠ دينار ثمن غلة للقصور.
٢٠٠. ٠٠٠ دينار نفقات القصور.
стр. 5644
١٠٠. ٠٠٠ دينار عمائر وما يقام للضيوف الواصلين من الملوك وغيرهم.
٧٠٠. ٠٠٠ الجملة.
١٠٠. ٠٠٠ بأن يحمل كل سنة إلى بيت المال المصون.
فحظي بذلك عند سلطانه وخف عَلَى قلبه وهذا هو ديوان الخاص وبعد موت اليازوري انتهى ارتفاع الأرض السفلى إلى ما لا نسبة له من ارتفاعها الأول وكانت قبل الفتن ٦٠٠. ٠٠٠ دينار فاتضع الارتفاع وعظمت الواجبات.
ولما صلحت البلاد في عهد أمير الجيش وولده الأفضل أمر الأفضل بعمل تقدير ارتفاع مصر فجاء خمسة ملايين دينار وكان متحصل الأمراء مليون أردب.
وفي وزارة المأمون بن فاتك البطانحي سنة ٥٠١ وهو وزير الآمر رأى من اختلال أحوال الرجال العسكرية والموظفين تضررهم من كون إقطاعاتهم قد خس ارتفاعها وإن في كل ناحية الفواضل للديوان جملة تجبى بالعسف وتتردد الرسل من الديوان الشريف بسببها فخاطب الأفضل بن أمير الجيوش في أن يحل الإقطاعات ويروكها وعرفه في أن المصلحة في ذلك تعود عَلَى المقطعين والديوان لأن الديوان يتحصل له من هذه الفواضل جملة يحصل بها بلاد متورة فأجاب إلى ذلك وحل جميع الإقطاعات وراكها وأخذ كل من الأقوياء والمميزين يتضررون ويذكرون أن لهم بساتيناً وأملاكاً ومعاصر ونواحيهم فقال له من كان له ملك فهو باق عليه لا يدخل في الإقطاع وهو محكم إن شاء الله باعه وإن شاء الله آجره فلما حللت الإقطاعات أمر الضعفاء من الأجناد أن يتزايدوا فيها.
فوقعت الزيادة في إقطاعات الأقوياء إلى أن انتهت إلى مبلغ معلوم وكتبت السجلات بأنها باقية بأيديهم إلى مدة ٣٠ سنة لا يقبل عليهم فيها زيادة وأحضر الأقوياء وقال لهم: ما تكرهون من الإقطاعات التي كانت بيد الأجناد قالوا: كثرة عبرتها وقلة متحصلها وخرابها وقلة الساكن بها فقال لهم: ابذلوا في كل ناحية ما تحمله وتقوي رغبتكم فيه ولا تنظروا في العبرة الأولى فعند ذلك طابت نفوسهم وتزايدوا فيها إلى أن بلغت الحد الذي رغب كل منهم فيه فاقطعوا وكتب لهم السجلات عَلَى الحكم المتقدم فشملت المصلحة الفريقين وطابت نفوسهم وحصل للديوان بلاد متورة بما كان مفرقاً في الإقطاعات بما مبلغه ٥٠٠٠ دينار.
وفي سنة ٥١٥ في عهد المأمون صدر سجل يتضمن المسامحة بالبواقي إلى سنة ٥١٠
стр. 5645
ويبلغ ما نتهت إليه هذه المسامحة إلى حين ختم السجل.
٢٠٧٢٠. ٧٦٧ دينار.
٦٧. ٠٠٥ ورق.
٣. ٨١٠. ٢٣٩ أردب غلة.
وغير ذلك كثير من الأصناف التي كانت تقبل بها الأرض وقد ذكرت متصلة في هذا السجل.
ولما انتهى إلى المأمون ما يعتمد في الدواوين من قبول الزيادات وفسخ عقود الضمانات وانتزاعها ممن كابد فيها المشقة والتعب وتسليمها إلى باذل الزيادة من غير كلفة ولا نصب أنكر ذلك ومنع من ارتكابه وخرج أمره بإعفاء الكافة أجمعين والضمناء والعاملين من قبول الزيادة فيما يتصرفون فيه ويستولون عليه ما داموا مغلقين وبأقساطهم قائمين وتضمن ذلك منشور قرئ في الجامعين الأزهر بالقاهرة والعتيق بمصر وديواني المجلس والخاص الأميرين السعيدين الخ.
الخراج
أصدر المأمون بن فاتك البطائحي وزير الخليفة الآمر بالله منشوراً بمساحة الأرض بعد أن تجاوز للزراع عن الديون التي عليها للحكومة. وبعد أنة مسح الأرض وصل إليه مكاتبة من الوالي والمشارف ومن كان في صحبته لكشف الأراضي والسواقي ومساحتها متضمنة ما أظهر الكشف وأوضحته عَلَى من بيده السواقي وهم عدة كثيرة ومن جملتها ساقية مساحتها ٣٦٠ فداناً تشتمل عَلَى النخل والكروم وقصب السكر وخراجها في السنة عشرة دنانير وما يجري الأعمال هذا المجرى وأنهم وضعوا يد الديوان عَلَى جميعها وطلبوا من أرباب السواقي ما يدل عَلَى ما بين أيديهم تذكروا أنها انتقلت إليهم ولم يظهروا ما يدل عليها وقد صيروا ملاكها إلى الباب تحت الحوطة ليخرج الأمر بما يعتمد عليه في أرهم وعند وصولهم وقع الترسيم عليهم إلى أن يقوموا بما يجب من الخراج عن هذه السواقي فإن هذه الأملاك برمتها لا تقوم بما يجب عليها فوقف المذكورون للمأمون يوم جلوسهم للمظالم فأمر بحضورهم بين يديه وتقدم إلى القاضي جلال الملك أبي الحجاج يوسف بن أيوب المغربي هو يومئذ قاضي القضاة لمحاكمتهم فجرى معهم مع مفاوضة أوجبت الحق
стр. 5646
عليهم وألزمتهم بالقيام ما يستغرق أموالهم وأملاكهم فحصل من تضررهم ما أوجبت العاطفة عليهم وأخذهم بالخراج من بعد وأن يضرب صفحاً عما تقدم. وكتب بذلك المنشور يصح أن يسمى مبدأ إصلاح عظيم. وقد أباح فيه لكل من يرغب في عمارة أرض حلفاء دائرة ودائرة بئر مهجورة معطلة أن يسلك ذلك إليه، ويقاس عليه ولا يؤخذ منه خراج إلا في السنة الرابعة من تسلميه إياه.
وكان ذلك المنشور سبباً لحصول الاجتهاد في تحصيل مال الديوان وعمارة البلاد وترقية الفلاحين.
وفي المنهاج في أحكام الخراج أن ارتفاع البلاد المصرية والفلسطينية والطرابلسية سنة ٤٨٣ الهلالية الموافقة لسنة ٤٨٠ الخراجية كان ٣. ١٠٠. ٠٠٠ دينار عيناً وأن الذي كان يؤدي في سنة ٤٦٦ الهلالية الموافقة ٤٦٦ الخراجية قبل عهد بدر أمير الجيوش كان مبلغه ٢٠٨٠٠. ٠٠٠ دينار وكان الزائد للسنة الجيوشية عما قبلها ٣٠٠. ٠٠٠ دينار أعرب عن حسن العمارة وشمول العدل.
وجبى القاضي الموفق أبو الكرم بن معصوم التنيسي عيناً خالصاً إلى بيت المال بعد المؤن والكلف ١. ٢٠٠. ٠٠٠ دينار ثم بعده لم يجبها أحد هذه الجباية حتى انقرضت الدولة الفاطمية.
وفي أواخر الدولة أعيدت الأموال الهلالية التي كان ابن طولون أسقطها وطارت تعرف بالمكوس وكانت نحو مئة ألف دينار وهي التي أبطلها صلاح الدين.
ومما يبين اهتمام الأفضل بن الجمالي بعمارة البلاد أن أبا البركات بن أبي الليث رئيس ديوان المجلس رغب أن يتبحبح عَلَى الأفضل بكثرة ما توفر عنده من الأموال وسأله أن يشاهده قبل حمله وذكرانه ٧٠٠. ٠٠٠ ديناراً خارجاً عن نفقات الرجال فجعلت الدنانير في صناديق بجانب وجعلت الدراهم في صناديق بجانب آخر وقام ابن أبي الليث بين الصفين فلما شاهد الأفضل ذلك قال لابن أبي الليث يا شيخ تفرحني بالمال وتربة أمير الجيوش إن بلغني أن بئراً معطلة أو أرضاً بائرة أو بلداً خراب لأضربن عنقك فقال: وحق نمتك لقد حاشى لله أيامك أن يون بها بلد حراب أو بئر معطلة أو أرض بور فأبى أن يكشف عما ذكر.
стр. 5647
دواوين المال
كان في الدولة الفاطمية جملة دواوين لبيان ما يرد عَلَى الدولة من المال وما ينصرف وكان بها نظام يسيرها عَلَى السداد فأولها ديوان المجلس (الخاص).
وصاحبه هو المتحدث في الإقطاعات ويخلع عليه ينشأُ له السجل والمرتبة والسند والدواة والحاجب ومعه جملة كتّاب وفيه يحصر ما يخرج من الأنعام في العطايا والرسوم المعتادة في غرة السنة والضحايا والمرتب من الكسوات للأولاد والأقارب والجهات وأرباب المراتب عَلَى اختلاف الطبقات وما يرد من ملوك الدنيا من التحف والهدايا وما يرسل إليهم من الملاطفات ومقادير الصلات للمترسلين بالمكاتبات ثم يضبط ما ينفق في الدلة من المهمات ليعلم ما بين كل سنة من التفاوت وهذا بيان:
دينار
٣٠٠٠ الصرة المنعم بها في أول العام
٢٠٠٠ ثمن الضحايا
٧٠٠٠ ما ينفق في دار الفطرة فيما يفرق عَلَى الناس
١٠٠٠٠ ما ينفق في دار الطراز للاستعمالات الخاص وغيرها
٢٠٠٠ ما ينفق في مهم فتح الخليج غير المطاعم
٣٠٠٠ ما ينفق في سماط شهر رمضان
٤٠٠٠ ما ينفق في سماط الفطر والنحر
٣١٠٠٠ المجموع
وهذا خارج عما يطلق للناس أصنافاً من خزائنه من المآكل والمشارب والمواصلة من الهبات وما تخرج به الخطوط من التشريفات والمسامحات وما يطلق من الأهراء من الغلات.
وفي هذه الخدمة كاتب مستقل بين يدي صاحب ديوانه صلي ومعه كاتبان آخران لتنز يل ذلك في الدفتر.
ديوان الرواتب
يشتمل هذا الديوان عَلَى أسماء كل مرتزق وجار وجارية وفيه كاتب أصيل لطراحة وفيه
стр. 5648
من المبيضين والمعينين نحو عشرة أنفس والتعريفات واردة عليه من كل عمل باستمرار من هو مستمر ومباشرة من استجد وموت من مات ليوجب استحقاقه عَلَى النظام المستقيم وفي هذا الديوان عدة عروض.
الأول: يشتمل عَلَى راتب الوزير وهو في الشهر ٥٠٠٠ دينار ومن يليه من ولد وأخ من ٣٠٠ دينار إلى ٢٠٠ دينار ولم يقرر لولد الوزير ٥٠٠ دينار سوى شجاع بن شاور ثم حواشيهم عَلَى مقتضي عدتهم من ٥٠٠ إلى ٤٠٠ إلى ٢٠٠ خارجاً عن الإقطاعات.
الثاني: حواشي الخليفة وأولهم الأساتذة المحنكون عَلَى رتبهم وجواري خدمهم التي لا يباشرها سواهم فزمام القصر وصاحب بيت المال وحامل الرسالة وصاحب الدفتر ومشاد التاج وزمام الأشراف والأقارب وصاحب المجلس لكل واحد منهم ١٠٠ دينار ومن دونهم ينقص عشرة دنانير حتى يكون آخرهم من له في الشهر عشرة دنانير وتزيد عدهم عَلَى ألف نفس ولطبيبي الخاص لكل واحد خمسون ديناراً ولمن دونهما من الأطباء برسم المقيمين في القصر لكل واحد عشرة دنانير.
الثالث: يتضمن أرباب الرتب بحضرة الخليفة فأوله كان الدست الشريف وجاريه ١٥٠ ديناراً ثم حامل السيف وحامل الرمح لكل منهما ٧٠ ديناراً وبقية الأزمة عَلَى العساكر السودان من ٥٠ إلى ٩٠ إلى ٣٠ ديناراً.
الرابع: يشتمل عَلَى المستقر لقاضي القضاة ومن يليه لقاضي القضاة ١٠٠ دينار ومثله داعي الدعاة ولكل من قرأ الحضرة عشرون ديناراً إلى ١٥ إلى عشرة ولخطباء الجوامع من عشرين ديناراً إلى عشرة وللشعراء من عشرين ديناراً إلى عشرة.
الخامس: يشتمل عَلَى أرباب الدواوين ومن يجري مجراهم وأولهم من يتولى ديوان النظر وجاريه ٧٠ ديناراً وديوان التحقيق وجاريه ٥٠ ديناراً وديوان المجلس أربعون وصاحب دفتر الحبس ٧٠ ديناراً وكاتبه خمسة دنانير وديوان الجيش وجاريه ٤٠ ديناراً والموقع بالقلم الجليل ٣٠ ولجميع أصحاب الدواوين الجاري فيها المعاملات لكل واحد عشرون ديناراً ولكل معين من عشرة دنانير إلى سبعة إلى خمسة.
السادس: يشتمل عَلَى المستخدمين بمصر والقاهرة لكل واحد منهم في الشهر خمسون ديناراً والحماة بالأهراءِ والمناخات والجوالي والبساتين والأملاك وغيرها لكل منهم عشرين ديناراً
стр. 5649
إلى ١٥ إلى ١٠ إلى خمسة دنانير.
السابع: الفراشون بالقصور برسم خدمتها وتنظيفها خارجاً وداخلاً ونصب الستائر المحتاج إليها وخدمة المناظر الخارجة عن القصر فمنهم خاص برسم خدمة الخليفة وعدتهم ١٥ رجلاً منهم صاحب المائدة وحامي المطابخ من ٣٠ ديناراً إلى ما حولها وله رسوم متميزون ويقربون من الخليفة في الأبسطة التي يجلس عليها ويليهم الرشاشون داخل القصر وخارجه ولهم عرفاء ويتولى أمره أستاذ من خواص الخليفة وعدتهم نحو ٣٠٠ رجل وجاريهم من ١٠ إلى خمسة دنانير ومقدموهم أصحاب ركاب الخليفة وعدتهم اثنا عشرة مقدماً منهم مقدم المقدمين وهو صاحب الركاب اليمين ولكل هؤلاء المتقدمين في كل شهر ٥٠ ديناراً ولهم نقباء من جهة المذكورين يعرفونهم وهم مقررون جوقاً عَلَى قدر جواريهم. جوقة لكل منهم خمسة عشر ديناراً وجوقة لكل منهم عشرة دنانير وجوقاً لكل منهم خمسة دنانير ومنهم من ينتدب في الخدم السلطانية ويكون لهم نصيب في الأعمال التي يدخلونها وهم الذين يحملون الملحقات لركوب الخليفة في المواسم وغيرها.
وأول من قرر العطاء لغلمانه وخدمه وأولادهم الذكور والإناث ولنسائهم وقرر لهم أيضاً الكسوة العزيز بالله. هذه كانت العروض أو بعبارة أخرى فصول الميزانية.
الميزانية
إذا انقضى عيد النحر من كل سنة تقدم بعمل الإستيمار لتلك السنة تمام ذي الحجة منها فيجتمع كتاب ديوان الرواتب عند متوليه وتحمل العروض إليه فإذا تحررت نسخة التحرير بيضت بعد أن يستدعي من المجلس أوراق بالإدرار الذي يقبض بغير خرج وفي الإدرار ما هو مستقر بالوجهين فيضاف هذا المبلغ بجهاته إلى المبالغ المعلومة بديوان الرواتب وجبهاتها حتى لا يفوت من الإستيمار شيء من كل ما تقرر شرحه ويعلم مقداره عيناً وورقاً وغلة وغير ذلك فيكتب ذلك مكله بأسماء المرتزقين وأولهم الوزير ومن يلوذه به وعلى ذلك إلى أن ينتهي الجميع إلى أرباب الصر فإذا أكمل استدعي له من خزائن الفرش وطاء حرير يشده وشرابة لإمساكه إما خضراء أو حمراء. ويعمل له صدر من الكلام اللائق بما عده فإذا فرغ من ذلك حمل إلى صاحب ديوان النظر إن كان. وإلا فلصاحب ديوان المجلس ليعرضه عَلَى الخليفة إن كان مستبداً أو الوزير لاستقبال المحرم من السنة
стр. 5650
الآتية في أوقات معلومة فيتأخر في العرض وربما يستوعب المحرم ليحيط العلم بما فيه فإذا كمل العرض أخرج إلى الديوان. وقد شطب عَلَى بعضه وكان ينتقص قوم للاستكثار يزاد قوم للاستحقاق ويصرف قوم ويستخدم آخرون عَلَى ما كانت تقتضيه الآراء في ذلك الوقت ثم يسلم لرب هذا الديوان وعلامة الإطلاق خروجه من العرض.
وقيل أنه عمل مرة في أيام المستنصر فلما استؤذن عَلَى عرضه قال هل وقع أحد بما فيه فقيل له معاذ الله يا مولانا ما تم إنعام إلا لك. ولا رزق من الله إلا عَلَى يديك فقال ما ينتقض به أمرنا. ولاحظنا ما صرفناه في دولتنا بإذننا. وتقدم إلى كاتب الإنشاء بإمضائه للناس من غير عرض. ووقع عن الخليفة بظاهره. الفقر مر المذاق، والحاجة تدل الأعناق، وحراسة النعم بإدرار الأرزاق، فليجروا عَلَى رسومهم في الإطلاق، ما عندكم ينفذ وما عند الله باق.
ووقع عَلَى خلافة الحافظ عَلَى استيمارة الرواتب ما نصه: أمير المؤمنين لا يستكثر في ذات الله كثير لإعطاء ولا يكرره بالتأخير له والتسويف والإبطاء ولما انتهى إليه ما أرباب الرواتب عليه من القلق للامتناع عن إيجاباتهم وحمل خروجاتهم قد ضعفت قلوبهم وقلقت نفوسهم وساءت ظنونهم شملهم برحمته ورأفته وأمنهم مما كانوا وجلين من مخافته وجعل التوقيع بذلك بخط يده تأكيداً للأنعام والمن. وتهنئة بصدقة لا تتبع بالأذى والمن. فليعتمد في ديوان الجيوش المنصورة إجراء ما تضمن هذه الأوراق ذكرهم عَلَى ما ألفوه وعهدوه من رواتبهم وإيجاباتها عَلَى سياقها لكافتهم. من غير تأويل ولا تعنت ولا استدراك ولا تعقب ويجروا في مسبباتهم عَلَى عاداتهم لا ينحل من أمورهم ما كان مبرماً. ولا ينسخ من أمرهم ما كان محكماً. كرماً من أمير المؤمنين وفعلاً مبروراً وعملاً بما أخبر به في قوله تعالى إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا ولينسخ في جميع الدواوين في الحضرة إن شاء الله تعالى اهـ.
قال المقريزي نقلاً عن كنز الدرر في سنة ٤٦هـ عرض عَلَى الحاكم بأمر الله الإستيمار باسم المتفقهين والقراء والمؤذنين بالقاهرة. ومصر (الفسطاط) وكانت الجملة كل سنة ٧١. ٣٣٣ ديناراً وثلث أو ربع دينار فأمضي جميع ذلك.
ديوان التحقيق
стр. 5651
هو ديوان مقتضاه المقابلة عَلَى الدواوين وكان لا يتولاه إلا كاتب خبير وله الخلع والمرتبة والحاجب ويلحق برأس الديوان وهو متولي النظر ويفتقر إليه في أكثر الأوقات.
ديوان النظر
هو أجل دواوين الأموال وصاحبه يتولى النظر عَلَى العمال والعزل والولاية ومن يده عرض الأوراق في أوقات معلومة عَلَى الخليفة أو الوزير ولم يرى فيه نصراني إلا الأحزم ولم يتوصل إليه إلا بالضمان.
ولصاحب هذا الديوان الجلوس بالمرتبة والمسند وبين يديه حاجب من أمراء الدولة وتخرج له الدواة بغير كرسي وهو يندب المترسلين لطلب الحساب والحث عَلَى طلب الأموال ومطالبة أرباب الدولة ولا يعترض فيما يقصد من أحد من أرباب الدولة.
وكانت دواوين المال بدارة الإمارة بجوار مسجد ابن طولون إلى أن بنى الوزير يعقوب بن يوسف دار الوزارة الكبرى فنقلت إليه الدواوين وبعد موته نقلت إلى القصر ولم تزل به حتى استبد الأفضل أمير الجيوش وعمر دار الملك بمصر فنقل إليها الدواوين فلما قتل عادت إلى القصر ولم تزل به حتى انتهت الدولة الفاطمية.
ديوان الإنشاء
لما كانت مصر دار إمارة كان بها ديوان البريد ويقال لمتوليه صاحب البريد وإليه مرجع ما ورد من دار الخلافة عَلَى أيدي أصحاب البريد من الكتب وهو الذي يطالع بأخبار مصر وكان للأمراء كتاب ينشئون عنهم الكتب والرسائل إلى الخليفة وغيره فلما صارت مصر دار خلافة كان القائد جوهر يوقع عَلَى قصص المرافعين إلى أن قدم المعز لدين الله فوقع بنفسه وجعل أمر الأموال وما يتعلق بها إلى يعقوب بن كلس وعسلوج بن الحسن فوليا أموال الدولة ثم فوض العزيز بالله أمر الوزارة ليعقوب فاستبد بجميع أحوال المملكة وجرى مجرى جعفر بن يحيى البرمكي مع الرشيد وكان يوقع ومع ذلك ففي أمراءِ الدولة من يلي البريد وجعل الأمر فيما بعد عَلَى أن الوزراء يوقعون وقد يوقع الخليفة بيده فلما كانت أيام المستنصر بالله وصرف ابا جعفر محمد بن جعفر المغربي عن وزارته أفرد له ديوان الإنشاء فوليه مدة طويلة وأدرك أيام أمير الجيوش بدر الجمالي. وصار يلي ديوان الإنشاء بعده الأكابر إلى أن انقرضت الدولة الفاطمية وهو بيد القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي
стр. 5652
البيساني الذي صار صاحب ديوان الإنشاء في الدولة الصلاحية.
قال المقريزي وكان لا يتولى ديوان الإنشاء إلا أجل كتاب البلاغة ويخاطب بالشيخ الأجل ويقال له كاتب الدست الشريف ويسلم المكاتبات الواردة مختومة فيعرضها عَلَى الخليفة من بعده وهو الذي يأمر بتنزيلها والإجابة عنها الكاتب وللخليفة يستشيره في أكثر أموره ولا يحجب عنه من قصد المثول بين يديه وهذا أمر لا يصل إليه غيره وربما بات عند الخليفة ليالي. وكان جاريه ١٢٠ دينار في الشهر وهو أول أرباب الإقطاعات وأرباب الكسوة والرسوم والملاطفات ولا سبيل أن يدخل إلى ديوانه بالقصر ولا يجتمع بكتابه أحد إلا الخواص وله حاجب من الأمراء والشيوخ وفراشون وله م رتبة هائلة والمخاد والمسند والدواة ولكنها بغير كرسي وهي من أخص الدوي ويحملها أستاذ من أستاذي الخليفة.
وكان للخليفة كاتب التوقيع بالقلم الدقيق وهو كاتب يذاكر الخليفة فيما يحتاج إليه من كتاب الله وتجويد الخط وأخبار الأنبياء والخلفاء فهو يجتمع به في أكثر الأيام. ومعه أستاذ من المحنكين مؤهل لذلك ولهذا الكاتب رتبة عظيمة تلحق برتبة كاتب الدست.
ويكون صحبته للجلوس دواة محلاة فإذا فرغ من المجالسة ألقى في الدواة كاغداً فيه عشرة دنانير وقرطاسً فيه ثلاثة مثاقيل من مثلث خاص ليتبخر به عند دخوله عَلَى الخليفة ثاني مرة. وله منصب التوقيع بالقلم الدقيق وله طراحة ومسند وفراش بقد ألبه ما يوقع عليه. وله موضع من حقوق ديوان المكاتبات لا يدخل إليه أحد إلا بإذن وهو يلي صاحب ديوان المكاتبات في الرسوم والكساوي وغيرها.
أما التوقيع باسم الجليل فهي أيضاً رتبة جليلة ويقال لها الخدمة الصغرى ولها طراحة والمسندان بغير فراش لترتيب ما يوقع عليه.
النظر في المظالم
كانت الدولة إذا خلت من وزير صاحب سيف جلس صاحب الباب في باب الذهب بالقصر وبين يديه النقباء والحجاب فينادي المنادي بين يديه يا أرباب الظلامات فيحضرون فمن كانت ظلامته مشافهة أرسلت إلى الولاة والقضاة رسالة يكشفها من تظلم ممن ليس من أهل البلدين (مصر والقاهرة) أحضر قصة بأمره فيتسلمها الحاجب منه فإذا جمعها أحضرها إلى الموقع بالقلم الدقيق فيوقع عليها ثم تحمل إلى الموقع بالقلم الجليل فيقف عَلَى باب القصر
стр. 5653
ويسلم كل توقيع لصاحبه. فإن كان الوزير صاحب سيف جلس للمظالم بنفسه وقبالته قاضي القضاة ومكن جانبيه شاهدان معتبران ومن جانب الوزير الموقع بالقلم الدقيق ويليه صواحب ديوان المال وبين يديه صاحب المال واسفسلار العساكر وبين أيديهما النواب والحجاب عَلَى طبقاتهم ويكون الجلوس بالقصر في مجلس المظالم في يومين من الأسبوع وكان الخليفة إذا رفعت إليه القصة وقع عليها (يعتمد ذلك إن شاء الله) ويوقع في الجانب الأيمن منها (وقع بذلك) فتخرج إلى صاحب ديوان المجلس فيوقع مكان جليلاً فيعلم عليها الخليفة وثبت وكانت علامتهم أبداً والحمد لله رب العالمين وكان الخليفة يوقع في المسامحة والتسويغ والتحبيس (قد أنعمنا بذلك) و (قد أمضينا بذلك) وكان إذا أراد أن يعلم ذلك الشيء الذي أنهي وقع (ليخرج الحال في ذلك) فإذا أحضر إليه إخراج الحال علم عليه فإذا كان حينئذ وزير وقع الخليفة بخطه (وزيرنا السيد الأجل وذكر نعمته المعروف به أمتعنا الله ببقائه يتقدم بنجاز ذلك إن شاء الله تعالى) وثبت في الدواوين خط الخليفة (يتمثل أمير مولانا صلوات الله عليه) ويثبت في الدواوين.
وكان بالقصر الكبير موضع يقال له السقيفة يقف عنده المتظلمون وكانت عادة الخليفة أن يجلس هناك كل ليلة لمن يأتيه من المتظلمين فإذا ظلم أحد وقف تحت السقيفة ونادى بصوت عال (لا إليه إلا الله محمد رسول الله) عليه علي ولي الله فيسمعه الخليفة فيأمر بإحضاره إليه أو يفوض أمره إلى الوزير أو القاضي أو الوالي.
ومن غريب ما وقع من المظالم في أيام الحافظ لدين الله أنه خرج من انتدب بعد انحطاط النيل من العدول والكتاب إلى الأعمال لتحرير ما شمله من الري وزرع من الأراضي وكتابة المكلفات فخرج إلى بعض النواحي من يمسحها من شاد وناظر وعدول وتأخر الكاتب ثم لحقهم وأراد التعدية فنفر فيه الكاتب وسبه وقال أنا ماسح هذه البلدة ومني حق التعدية فقال له الضامن إن كان زرع فخذه وقلع لجام بغلة الكاتب وألقاه في معدتيه فلم يجد بداً في دفع الجرة إليه حتى أخذ لجام بغلته فلما تمم مساحة البلد وبيض مكلفة تلك المساحة ليحملها إلى دواوين الباب وكانت عادتهم كتب الجملة بزيادة عشرين فداناً وترك بياضاً في بعض الأوراق وقابل العدول عَلَى المكلفة وأخذ الخطوط عليها بالصحة ثم كتب بالبياض الذي تركه - أرض اللجام باسم ضامن المعدية عشرين فداناً قطعية - كل فدان أربعة
стр. 5654
دنانير عن ذلك ثمانون ديناراً وحمل المكلفة إلى ديوان الأصل وكانت العادة إذا مضى من السنة الخراجية أربعة أشهر ندب من الجند فيه حماسة وشدة ومن الكتابة العدول كاتب (نصراني) فيخرجون إلى سائر الأعمال لاستخراج ثلث الخراج عَلَى ما تشهد به المكلفات المذكورة فينفق في الأجناد وكل من العادة أن يخرج إلى كل ناحية ممن ذكر من لم يكن خرج وقت المساحة بل ينتدب قوم سواهم.
فلما خرج الشاد والكاتب والعدول لاستخراج ثلث مالية الناحية استدعوا أرباب الزرع ومنهم ضامن المعدية فلما أحضر ألزم بأداء ٢/ ٣ ٢٦ دينار عن نظير ثلث المال الثمانين ديناراً عن خراج أرض اللجام فأنكر الضامن أن تكون له زراعية بالناحية وصدقه هل البلد فلم يقبل الشاد ذلك وكان عسوفاً وأمر به فضرب بالمقارع واحتج بخط العدول عَلَى النمطكلفة ومازال به حتى باع معديته وغيرها وأورد ثلث المال الثابت في المكلفة وسار إلى القاهرة فوقف تحت السقيفة وأعلن بما تقدم ذكره فأمر الخليفة الحافظ بإحضاره فلما مثل بحضرته قص عليه ظلامته مشافهة وقص له ما اتفق منه في حق الكاتب النصراني وما كاده به فاحضر المتحدث في الدواوين وهو الموفق ابن الخلال وجميعه أرباب الدواوين وأحضر المكلفات التي عملت للناحية في عدة سنين ماضية وتصفحت بين يديه سنة فلم يوجد لأرض اللحام ذكر البتة فحينئذ أنمر الحافظ بإحضار ذلك الكاتب وأمر بأن يطاف به وأن يشهر في سائر الأعمال.
الحسبة والعيار
نقل المقريزي عن ابن طوير - وأما الحسبة فإن من تستند إليه لا يكون إلا من وجوه المسلمين وأعيان المعدلين لأنها خدمة دينية وله استخدام النواب عنه بالقاهرة ومصر وجميع أعمال الدولة كنواب الحاكم وله الجلوس بجامعي القاهرة ومصر يوماً بعد يوم ويطوف نوابه عَلَى أرباب الحرف والمعايش ويأمر نوابه بالختم عل قدور الهراسين ونظر لحمهم ومعرفة من جزارهم وكذلك الطباخون ويتتبعون الطرقات ويمنعون من المضايقة فيها ويلزمون رؤساء المراكب أن لا يحملوا أكثر من وسق السلامة وكذلك مع الحمالين عَلَى البهائم ويلزمون السائقين بتغطية الروايا بالأكسية ولهم عيار وهو ٢٤ دلواً وكل دلو أربعون رطلاً وأن يلبسوا السراويلات القصيرة الضابطة لعورتهم وهي رزق
стр. 5655
وينذرون معلمي الكتاتيب بأن لا يضربوا الصبيان ضرباً مبرحاً ولا في مقتل وكذلك معلمو العلوم بتحذيرهم من التغرير بأولاد الناس ويقفون من يكون سيء المعاملة فينهونه بالردع والأدب وينظرون المكاييل والموازين وللمحتسب النظر في صاحب العيار ويخلع عليه ويقرأ سجله بمصر والقاهرة عَلَى المنبر ولا يحال بينه وبين مصلحة إذا رآها والولاة تشد معه إذا احتاج إلى ذلك وجاريه ٣٠ ديناراً في كل شهر.
وكان للعيار مكان يعرف بدار العيار تعير فيه الموازين بأسرها وجميع الصنج وكان ينفق عَلَى هذه الدار من الديوان السلطاني فيما تحتاج إليه من الأصناف كالنحاس والحديد والخشب وغير ذلك من الآلات وأجر الصناع والمشارفين ونحوهم ويحتضر المحتسب أو نائبه إلى هذه الدار ليعير المعمول فيها بحضوره فإن صح ذلك أمضاه وإلا أمر بإعادة همله حتى صح وكان بهذه الدار أمثلة يصحح بها العيار فلا تباع الصنج والموازين والأكيال إلا بهذه الدار ويحضر جميع الباعة إلى هذه الدار باستدعاء المحتسب لهم ومعهم موازينهم وصنجهم ومكاييلهم فتعير في كل قليل فإن وجد فيها الناقص استملك واخذ من صاحبه بهذه الدار وألزم بشراء نظيره مما هو محرر بهذه الدار ثم سومح الناس وصار يلزم من يظهر في ميزانه أو صنجه خلل بإصلاح ما فيها من فساد والقيام بأجرته.
قاضي القضاة
لم يتسم قاضي مصر بقاضي القضاة إلا في عهد الدولة الفاطمية تشبهوا في ذلك ببغداد.
وكان الخليفة هو الذي يعين القاضي إلا إذا كان هناك وزير رب السيف فإنه هو الذي يقلد القضاة نيابة عنه.
وتكون رتبة القاضي أجل رتب أرباب العمائم وأرباب الأقلام ويكون في بعض الأوقات داعياً فيقال له حينئذ قاضي القضاة وداعي الدعاة ولا يخرج شيء من الأمور لدينية عنه ويجلس السبت والثلاثاء بزيادة جامع عمرو بن العاص عَلَى طراحة ومسند حرير ويجلس الشهود حواليه يمنةً ويسرة بحسب تاريخ عدالتهم وبين يديه خمسة من الحجاب اثنان بين يديه واثنان عَلَى باب المقصورة وواحد ينفذ الخصوم إليه.
وله أربعة من الموقعين بين يديه اثنان يقابلان اثنين وله كرسي الدواة وهي دواة محلاة بالفضة تحمل إليه من خزائن القصور.
стр. 5656
ويقدم إليه من القصور بغلة شهباء وهو مخصوص بهذا اللون من البغال دون أرباب الدولة وعليها من خزانة السروج سرج محلى ثقيل وراءه فترفضه ومكان الجلد حرير وتأتيه في المواسم الأطواق ويخلع عليه الخلع المذهبة.
ولا يتقدم عَلَى القاضي أحد في محضر هو حاضره من أرب سيف أو قم أو لا يحضر أملاكاً ولا جنازة إلا بإذن ولا سبيل إلى قيامه لأحد وهو في مجلس الحكم ولا يعدل شاهد إلا بأمره ويجلس في القصر يومي الاثنين والخميس أول النهار للسلام عَلَى الخليفة.
وكان له النظر في ديوان الضرب لضبط ما يضرب من الدنانير وكان القاضي لا يصرف إلا بجنحة ولا يعدل أحد إلا بتزكية عشرين شاهداً عشرة من مصر وعشرة من القاهرة ولا يحتمي أحد عَلَى الشرع ومن فعل ذلك أُدب.
وكان القضاة عَلَى مذاهب الشيعة الإسماعيلية في الفروع إلا في عهد الوزير أبي علي بن الأفضل فأنه عين أربعة قضاة يقضي كل منهم بمذهبه إمامي وإسماعيلي وشافهي ومالكي.
داعي الدعاة
داعي الدعاة يلي قاضي القضاة في الرتبة ويتزيا بزيه في اللباس وغيره ووصفة بأن يكون عالماً بمذاهب آل البيت ويقرأ عليه ويأخذ العهد عَلَى من ينتقل من مذهبه إلى مذهبهم وبين يديه نقباء من المعلمين ١٢ نقيباً وله نواب كنواب الحكم في سائر البلاد ويحضر إليها فقهاء الدولة ولهم مكان يقال له دار العلم ولجماعة منهم عَلَى التصدير بها أرزاق واسعة وكان الفقهاء منهم ينفقون عَلَى دفتر يقال له مجلس الحكمة في كل يوم اثنين وخميس ويحضر مبيضاً إلى داعي الدعاة فيأخذه ويدخل به إلى الخليفة في هذين اليومين فيتلوه عليه إن أمكن ويأخذ علامته بظاهره ويجلس بالقصر لتلاوته عَلَى المؤمنين في مكانين للرجال عَلَى كرسي الدعوة بالديوان الكبير وللنساء بمجلس الداعي فإذا فرغ من تلاوته حضروا إليه لتقبيل يده فيمسح عَلَى رؤوسهم بمكان العلامة (خط الخليفة) وله أخذ النجوى من المؤمنين بالقاهرة ومصر وأعمالها لاسيما الصعيد ومبلغها ثلاثة دراهم وثلث فيجتمع من ذلك شيء كثير يحمله إلى الخليفة بيده فيفرض له الخليفة منه ما يعينه لنفسه وللنقباء وفي الإسماعيلية من يحمل ٣٣ ٢/ ٣ دينار عَلَى حكم النجوى وكانت الدعوة تلقى إلى المدعوين مرتبة كما سبق فإذا تمت الدعوات حسب الترتيب أخذ عَلَى المريد العهد والميثاق
стр. 5657
وأن يستر جميع ما عرف إلا ما أطلق له أن يتكلم به وأن ينصح ويخلص للإمام.
ومن اشهر من قلد وظيفة داعي الدعاة أبو نصر هبة الله بن موسى بن أبي عمران الذي له مع ابي العلاء المعري مراسلات تدل علو كعبه في العلم والعرفان والجدل وسببها أنه سمع بيت المعري المشهور وهو قوله:
غدوت مريض العقل والرأي فألقني ... لتخبر أنباء العقول الصائح
فكتب إليه من رسالة. فشددت إليه رحلة العليل في دينه وعقله إلى الصحيح الذي ينبئني أنباء الأمور الصحائح وأنا أو ملب لدعوته معترف بميزته وهو حقيق أن لا يواطئني العشواءَ فيسلك في المجاهل ولا يعتمد فيما يورده تلبيس الحق بالباطل وأول سؤالي عن أمر خفيف فإن استنشقت نسيم الصبا سقت السؤال إلى المهم أسأله عن العلة في تحريمه عَلَى نفسه اللحم واللبن وكل ما يصدر إلى الجود من منافع لحيوان الخ.
стр. 5658
حول كربلاء
١ً وصف جامع الحسين
إن الذي يجلب المسلمين إلى كربلاء هو وجود قبر الحسين بنت رسول الله وأخيه العباس بن علي ﵃ وقبور أصحابه واعوانه الذين استشهدوا معه في واقعة الطف أو يوم عاشوراء سنة ٦١هـ ٦٨٠م وبذلك أصبحت كربلاء مقدس الشيعة ومزارهم فيأتي إليها كل سنة لزيارة التربتين - تربة الحسين وتربة العباس - من كل حدب وصوب زرافاتٍ زرافات وجماعاتٍ جماعات قادمين إليها من ديار قاصية وربوع نائية كديار العجم وربوع الهند وآسيا الوسطى حيث يكثر الشيعيون ولهذا ترى كربلاء لا تخلو من غرباء يعدون بالألوف للغرض نفسه.
وها نحن نصف للقراء ما في جامع الحسين من الأبنية الضخمة والتزيينات الفاخرة التي هي من أفخر ما يجود به الشيعة في تدينهم وحبهم لآل البيت مستغنين عن وصف جامع العباس لقرب المشابهة بين الجامعين إن وضعاً وإن زخرفاً فنقول:
جامع الحسين من المساجد الرائقة البديعة الصنع، الفائقة الحسن وهو من أعظم المساجد في العراق شأناً، وأتقنها هندسة وصناعة، وأبدعها حسناً وبهجة، وهو عَلَى شكل مستطيل طوله قرابة ٧٠ متراً في عرض يقارب ٥٥ متراً وللمسجد ٦ أبواب فخمة جميلة الوضع وعلى كل باب طاق مرتفع معقود بالحجر القاشاني وكل باب ينتهي بك إلى حي من أحياء المدينة، وفناء المسجد كله فضاء واسع فسيح الأرجاء مفروشة أرضه بالرخام البيض الناصع وكذلك جداره فإن وجه أسفله مغشى بالرخام إلى طول مترين، وما أقول ذلك مبني بالقاشاني الجميل القطع والنحت، ويحيط بفناء الصحن جدار يحصنه قد أقيم عليه طبقتان وفي الطبقة السفلى قرابة ٦٥ غرفة جميلة أمام كل غرفة إيوان قوسي الشكل معقود بالحجر القاشاني.
في وسط فناء الصحن الروضة المقدسة وهي من أعجب المباني وأتقنها وأبدعها شكلاً، وفي حظها بالمحاسن، وأخذت بكل بديعة بطرف يدخل إليها من عدة أبواب ليس هنا محل ذكرها وأشهر أبوابها الباب القبلي وهو من الفضة النفيسة الصياغة وفي جوانبيه سهوات محكمة البناء بديعة الشكل عَلَى هيئة النجاريب مرصعة بقطع من المرائي تأخذ بمجامع
стр. 5659
القلوب، أمامها صفة مفروشة أرضها بالرخام وكذلك جدارها الأدنى فإنه مؤزر به إلى مترين مرصع كله بزجاج ترصيعاً هندسياً يقل نظيره وسقف هذه الصفة قائم عَلَى دعائم محكمة من الساج وهذا الباب ينتهي من الداخل إلى رواق يحيط بالحرم - الروضة - من شرقيها أو جنوبيها أو غربيها وعن يمينك تجد قبر حبيب بن طاهر وعليه مشبك من الشبه فتدخل باستقامة إلى باب آخر من الفضة الناصعة العجيبة الصياغة إلى مقام محكم الصنع ملون بألوان زاهية بديعة، وهو الروضة أو الحرم الذي فيه قبر الحسين وطوله ١٠ أمتار و٤٠ سنتيمتراً وعرضه ٩ أمتار و١٥ سنتيمتراً وفي داخله من أنواع التزاويق ورائق الصنع ما يحير العقول وأكثر ذلك مغشى بالذهب الوهاج فهي تتلألأ نوراً وتلمع لمعان البرق، يحار بصر متأملها في محاسنها، ويقصر لسان رائيها عن تمثيلها، ومما زادها بهجة وزخرفة وجود الجواهر النفيسة، وقناديل ذهب وفضة، وغير ذلك من المعلقات الغالية الثمن عَلَى القبر الشريف التي أهداها إليه ملوك الفرس وسلاطين الهند في عصور مختلفة مما يعجز قلم البليغ عن وصفها والإحاطة بكل ما هنالك من نفائس المجوهرات ونوادر الآثار.
وفي أقصى الحرم مصطبة نفيسة تحتها رمم الإمام، والمصطبة بديعة الصنع والنقش والحفر عجيبة الصبغ والتلوين ترى من وراء مشبك من الفضة الناصعة وهو ذو أربعة أركان وفي جانب الطول منه ٥ شبابيك وعرش كل شباك منها ٨٠ سنتيمتراً ويتفرع من وسط الجانب الشرقي منه مشبك صغير من الفضة أيضاً عَلَى ضريح ابنه علي الأكبر الذي قتل معه - وهو غير علي زين العابدين الذي فقيد مع الأسرى إلى الشام - وطول مشبك الحسين ٥ أمتار ونصف المتر في عرض ٤ أمتار ونصف متر وارتفاعه ٣ أمتار ونصف متر وطول مشبك الابن متران و٦٠ سنتيمتراً في عرض متر و٤٠ سنتيمتراً، وفي أعلى مشبك الحسين ١٦ آنية مستطيلة الشكل كلها من الذهب الإبريز وفي كل ركن من المشبكين رمانة من الذهب يبلغ طولها قرابة نصف متر وسماء ذلك الحرم مغشاة بقطع من المرئي عَلَى شكل لا يقدر أن يصفه واصف.
وفي الزاوية الجنوبية من الحرم قبر الشهداء وهم ملحودون عَلَى ضريح واحد وعلى وجه تلك الزاوية مشبك من الفضة الناصعة طوله أربعة أمتار و٨٠ سنتيمتراً وهو عبارة عن ٤
стр. 5660
شبابيك عرض كل واحد منهم ٧٥ سنتيمتراً وارتفاعه متر و٧٠ سنتيمتراً، ويغطي الحرم كله قبة شاهقة مغشاة من أسفلها إلى أعلاها بالذهب الإبريز، وفي محيطها من الأسفل ١٢ شباكاً عرض كل شباك متر واحد من الداخل ومتر و٣٠ سنتيمتراً من الخارج ويبلغ ارتفاع القبة من أسفلها أي من سطح الحرم إلى أعلاه قرابة ١٥ متراً.
وفي هذا الجامع ثلاث مآذن كبيرة يناطحن السحب بذهلهن صعداً في الهواء اثنان منها مطليتان بالذهب الوهاج وهما حول الحرم والثالثة مبنية بالقاشاني وهي ملتصقة بالسور الخارجي من الجانب الشرقي وهناك أيضاً ساعة كبيرة مبنية عَلَى برج شاهق يراهما المرء من مكان قصي، وصفوة القول أن الكاتب مهما أوتي من البلاغة والفصاحة والإجادة في الوصف لا يمكنه أن يصف كل ما في هذا المسجد الضخم من الأبنية والأروقة والتزيينات وما كتبناه ليس إلا ذرة من جبل أو نقطة من بحر زاخر.
٢ً لمحة تاريخية في بناء المسجد والقبر
يرتقي تأسيس القبر إلى أيام مقتل الحسين ومما يؤخذ من كلام جعفر بن قولويه في كتابه كامل الزيارة أن الذين دفنوا الحسين ﵁ أقاموا رسماً لقبره ونصبوا له علامة وبناء لا يدرس أثره وفي سنة ٦٥هـ ٦٨٤م قدم لزيارة رمسه سليمان بن صرد الجزاعي مع الثائرين لأخذ ثارات الحسين وأصحابه، وقد ازدحموا عَلَى قبره كازدحام الناس عَلَى الحجر الأسود ولم يكن إذ ذاك ما يظلل قبره الشريف وجاء في كتاب كنز المصائب أن المختار بن أبي عبيدة الثقفي قام بتشييد قبره واتخذ قرية حولهن وذكر صاحب كنز المصائب عن أبي حمزة الشمالي - المتوفى في عهد المنصور العباسي - عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ما نصه. . فإذا أتيت الباب الذي يلي الشرق فقف عَلَى الباب وقل. . ثم تخرج من السقيفة وقف بحذاءِ قبور الشهداء. . . وأيد لهذا المعنى لخبر المجلس الطوسي في المجلد ٢٢ من البحار ٨٠ - ١٠٢ طبع إيران والسيد ابن طاووس في إقبال الأعمال صفحة ٢٨ طبع عجم وهذا ما يدلك عَلَى أن له باباً شرقياً وغربياً وخلاصة القول أنه كان في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية بناء ذو شأن عَلَى قبره ومع هذا فقد كان الأمويون يقيمون عَلَى قبره المسالح لمنع الوافدين إليه من زيارته.
ولم يزل القبر بعد سقوط بني أمية وهو بعيد عن كل انتهاك لاشتغال الدولة العباسية بغدارة
стр. 5661
شؤون الملك ولظهورها بادئ الأمر مظهر القائم بإرجاع سلطة الهاشميين وغير خفي أن القائمين بالدعوة كانوا من أهل خراسان، وأكثر هؤلاء إن لم نقل كلهم كانوا من أنصار آل هاشم، ولما رسخت قدم العباسيين في البلاد وقمعوا الثورات وجهروا بمعاداة شيعة علي ﵁ ولكنها كانت خفيفة الوطأة أيام المنصور والمهدي والهادي، وثقلت وطأتهم عليهم أيام الرشيد فإنه تظاهر بمناهضة العلويين فسجن كبارهم وفتك بسادتهم وأهان عظمائهم حتى أنه سجن عدد كبير من سادات آل البيت وخرب قبر الحسين وقطع السدرة وكرب موضع القبر ولعل ذلك كان لارتيابه من شيعة علي، ولما جاء دور المأمون تنفس الشيعة الصعداء واستنشقوا ريح الحرية الرطيب وكان المأمون يتظاهر بحبه لآل البيت حباً جماً حتى أنه استعاض بلبس السواد وهو شعار العباسيين بلبس الخضرة وهو شعار العلويين وأوصى بالخلافة من بعده لعلي بن الرضا بن موسى الكاظم ولعل ذلك كيد منه لأخيه الأمين واسترضاء لمناصريه الخراسانيين، وفي زمن المأمون أعيد موضع القبر وأقيم عليه بناء شامخ.
وبقي الحال عَلَى هذا المنوال والشيعة في حالة حسنة إلى أن جاء دور المتوكل فضيق الخناق عليهم وطاردهم في الآفاق وأمر بهدم قبر الحسين وحرث أرضه وإسالة الماء إليه وأقام في المسالح أناساً يترصدون لمن يأتي لزيارته أو يهتدي إلى موضع قبره فحصل للشيعة من ذلك كرب عظيم، وقد نالت فرقة الشيعة شيئاً من الحرية عَلَى عهد المنتصر وكان هذا محباً لآل البيت ومقرباً لهم رافعاً مكانتهم معظماً قدرهم ومن حسانه إليهم أنه شيد قبر الحسين ووضع ميلاً عالياً يرشد الناس إليه، وفي خلافة المسترشد بالله ضاقت الأرض عَلَى رحبها بالشيعة لما أخذ المسترشد جميع ما اجتمع في خزانة القبر من الأموال والمجوهرات فأنفق عَلَى جيوشه قائلاً أن القبر لا يحتاج إلى خزينة إلا أنه لم يتعرض للبناء ولم يمسسه بسوء من ذلك الحين أخذت كربلاء بالاتساع فاتخذت الدور وشيدت القصور وأقيمت الأسواق.
وكان البناء الذي سيد في عهد المنتصر قد سقط في ذي الحجة سنة ٢٧٣هـ ٨٨٦م فقام إلى تجديده محمد بن زيد القائم بطبرستان في خلافة المعتضد العباسي سنة ٢٨٣هـ ٨٩٦م وقد زار القبر عضد الدولة بن بويه ٣٧٠هـ ٩٨٠م بعد أن بالغ في تشييد الأبنية حول
стр. 5662
الضريح وكان عدد من جاور القبر في ذلك العهد من العلويين ٢٢٠٠ نسمة فأجزل لهم عضد الدولة من العطايا وكان ما بذل لهم مائة ألف رطل من التمر وكان آل بويه من أنصار مذهب الشيعة واستفحل التشيع عَلَى عهدهم حتى أن معز الدولة أمر سنة ٣٥٢هـ ٩٦٣م بإقامة المأتم في عاشوراء فكان ذلك أول مأتم أقيم في بغداد وفي سنة ٤٠٨هـ ١٠١٧م شبت النار حول الضريح من شمعتين كبيرتين سقطتا عَلَى المفروشات فالتهمت النار القبة وتعدتها إلى الأروقة ولم يبق من المسجد إلا السور وشيء من الحرم فرمم وهو الذي وصفه ابن بطوطة في رحلته وفي سنة ٧٦٧هـ ١٣٦٥م شيد السلطان إدريس الأيلكاني المسجد والحرم وأتمه وأكمله ولده السلطان حسين وقد وجد تاريخ هذا البناء عَلَى المحل المعروف عند أهالي كربلاء بنخل مريم فيما يلي الرأس وقد شاهده محمد بن سليمان بن زوير السليماني وقد كان أنزل هذا التاريخ سنة ١٢١٦هـ ١٨٠١م وفي سنة ٩٣٢هـ ١٥٢٥م أهدى الشاه إسماعيل الصفوي صندوقاً بديع الصنع إلى القبر الطاهر وفي سنة ١٠٤٨هـ ١٦٣٨م شهد السلطان مراد الرابع القبة المنورة وجصص خارجها وفي سنة ١١٣٥هـ ١٧٢٢م نهضت زوجة نادر شاه وكريمة حسين الصفوي إلى تعمير المسجد المطهر وأنفقت عَلَى ذلك أموالاً لا تحصى، وفي أوائل القرن التاسع عشر أهدى فتح علي شاه أحد ملوك إيران شبكة من الفضة وهي اليوم موجودة عَلَى القبر وفي ١٢١٦هـ ١٨٠١م أمر محمد علي خان بتزيين الحرم الشريف وتعميره وبذل لذلك مبالغ وفيرة، ويوجد اليوم في أعلى أبواب الفضة فوق الآيات القرآنية فيما يقابل الوجه الشريف، وحوالى هذا التاريخ أمرت زوجة فتح علي شاه بتذهيب المأذنتين، وفي سنة ١٢٧٣هـ ١٨٦٥م غشيت قبة الحرم بالذهب عَلَى نفقة ناصر الدين شاه كما هو مكتوب عَلَى حائطها فوق الشبابيك بسطر من ذهب فيه بعض الآيات ولم يحدث بعد ذلك ما يهم تدوينه سوى ما جددت إنشاءه في العهد الأخير إدارة الأوقاف، هذا مجمل ما يمكن الوقوف عليه من تاريخ المسجد والقبر وربك علام الغيوب.
٣ً وصف خزائن الأئمة في النجف وكربلاء
يوجد في كربلاء والنجف خزائن قديمة العهد فيها آثار ذات قيمة لا تثمن نذكر منها خزانتين للحسين والعباس ﵄ في كربلاء وخزانتين للإمام علي كرم الله
стр. 5663
وجهه وقد حوت هاتان الأخيرتان من الآثار التاريخية النفيسة ما لا يمكن وصفه لأنهما بقيتا بعيدتين عن أذى الوهابيين إبان حملتهم عَلَى العراق في أوائل القرن التاسع عشر، وأما خزائن الحسين والعباس فقد أتلفها يد الضياع وذهب أكثر ما فيها أثناء الغارة الوهابية عَلَى كربلاء.
أما خزينتا الإمام علي في النجف فقديمتان منها واحدة لم تفتح ولم ترى عينها إنسان إلا مرة واحدة حينا أتى ناصر الدين شاه أواخر سنة ١٨٧٠ لزيارة قبور الأئمة في العراق، وكان ذلك بإرادة سنية استحصلها من السلطان عبد العزيز خان وقد حضر احتفال فتحها كمال باشا ناظر الأوقاف، وبناءً عَلَى التماس ناصر الدين شاه من السلطان عبد العزيز أُخرج منها قنديل مرصع بالحجارة الكريمة قيمته ٦٥٠٠ ليرة فعلق عَلَى المصطبة التي تحتها رمم الإمام وهذا القنديل لا يزال موجوداً إلى اليوم، وقد أهدى ناصر الدين شاه الخزانة سيفاً ثميناً مرصعاً باليواقيت والجواهر وبعد أن تفقد ناصر الدين شاه ما فيها من الآثار النفيسة أقفلت وختم عَلَى قفلها مدحت باشا والي بغداد وكمال باشا ناظر الأوقاف، وقد اختلف الناس في تخمين ما في هذه الخزانة من الجواهر فالبعض يدعي أن ما حوته من المجوهرات تناهز قيمته ٣٠ مليوناً من الجنيهات حتى قيل أن هناك درة كبيرة لا تُثمَّن محفوظة في ظرف من الزجاج ومن الأقوال المأثورة فيها أنها تقوم بإعمار العراق ولو خرب وهذه تعد اليوم من جملة المعلقات الفاخرة عَلَى ضريح الإمام علي ومما يؤخذ من أقوال القيم عَلَى أموال وخزائن الإمام وهو ما يسمى عندهم كليد دارأن ما في هذه الخزانة وحدها تساوي قيمته من ٦٠٠ ألف ليرة إلى ٧٠٠ ألف ليرة.
أما الخزانة الثانية فليست مفتوحة في كل وقت ولا يدخلها كل احد ومن نفائس ما حوته تاج ثمين عريق في القدم كان أهداه أحد سلاطين الهند قيل أن ثمنه يساوي ١٠٠٠ جنيه عثماني وهناك سيف مرصع بالزمرد يقدر ثمنه بألفي ليرة، وفيها سجادات ثمينة دقيقة الصنع كان يجلس عليها ملوك الفرس وكل قطعة منها تساوي ألف جنيه، وأما ما فيها من شالات الكشمير والأنسجة التي تحار لها العقول وتستوقف الأبصار فما لا يحصيه أحد ولا يحيط به واصف مهما أوتي من البلاغة.
ويوجد اليوم عَلَى ضريح الإمام علي تحف نفيسة ومعلقات لا نظير لها منها ظرف من
стр. 5664
الزجاج فيه تاج مرصع بالحجارة القديمة يقال أنه تاج ملك من ملوك إيران المتأخرين، هذا عدا ما هناك من القناديل الذهبية والمعلقات بديعة الشكل، ومما يدخل في عداد ذلك مكتبة مخطوطة حوت نفائس المخطوطات العديمة النظير منها نسخة من القرآن الكريم بخط الحسين بن علي بن أبي طالب إلى غير ذلك من نوادر الكتب والمخطوطات.
وأما خزانة العباس فهي أغنى الخزائن بعد خزانتي الإمام علي وهي عبارة عن مستودع أسلحة هو عبارة عن غرفتين مملوءتين أسيافاً ذات غرارين قامته ذات حدٍ واحدٍ، والذي يؤسف له إهمال ولاة الأمر هذه الأسلحة القديمة التي أصبحت أثراً بعد عين، وفيها صناديق عديدة مشحونة بأنواع الشالات الثمينة وأستار من الحرير المقصب، ومسارج شمعدانات ذهبية فاخرة، وسيف ذهبي فاخر مرصع محلى بالنقوش الدقيقة، وإبرة كبيرة من الألماس ذات قيمة غالية، ومسرجة شمعدان فاخرة مرصعة بالحجارة القديمة قيل أنها تساوي ألف جنيه، هذا عدا السجاد الجميل المزدان بأبدع التصاوير وأغرب النقوش، منها سجادة مصنوعة من الحرير دقيقة الصنع أهداها إلى الخزان الشاه عباس وقد كتب عَلَى حاشيتها كلب أستانة حضرة عباس أي كلب عتبة حضرة العباس.
أما خزانة الإمام الحسين فلم يبق منها عَلَى ما علم شيء جدير بالذكر، وكل ما هناك ١٦ إناءً مستطيلاً كلها من الذهب الإبريز وهي الآن موجودة في أعلى مشبك الحسين وقد مر ذكرها، وسبب فقر خزانة الحسين ناشئ من وقوعها بين أيدي الوهابيين وسنصف في غير هذا الموطن ما نهبه الوهابيون من خزانهة الحسين من مجوهرات وغيرها.
اظنك تتعجب من غنى هذه الخزائن ولكن لو علمت أن كربلاء عَلَى اتساعها وكثيرة سكانها لا يوجد فيها اليوم مدرسة ثانوية لازداد عجبك، ولو طفت قرى كربلاء واحدة بعد أخرى لرأيت كلها - عدا النجف الأشرف التي هي اليوم مقر العربية وموطن أدبائها وفضائلها - وفي أسوء حال بل: لرأيت الجهل متفشياً بن أبنائها، عَلَى أني أقول ما أقول لو أن أهل الحل والعقد في العراق يؤلفون جمعية يثق بها الناس لبيع هذه الآثار في أسواق أوربا ويشترون بأثمانها عقارات أو يشقون جدولاً أو يفتحون بها مصرفاً زراعياً أهلياً يساعد الفلاحين عَلَى قضاء حاجاتهم، وترويج مصالحهم، وينشئون مدرسة عالية في النجف أو كربلاء تدرس فيها العلوم الحديثة بالعربية بشرط أن يستقدموا أساتذة من علماء مصر
стр. 5665
والشام وينفقوا عليها من ريع تلك العقارات أو من مكاسب المصرف لخدموا المجتمع العراقي خدمة تذكر فتشكر وكانت الفائدة عامة، بل إن هناك ما هو أكثر فائدة وأعظم شأناً وهو أنهم ينشئون بأثمانها بواخر يسيرونها في نهر الفرات أو يمدون سكة حديدية بين بغداد وكربلاء فتقرب البلاد بعضها من بعض وتنمو الثروة وتزداد التجارة، ومن ريعها ينفقون عَلَى المدرسة، إذ هذا الزمن زمن التفكر بالمستقبل والعمل إلى ما فيه خير المجتمع لا وقت الكسل والخمول والانعكاف عَلَى القديم، وأي خير من خزائن لا تفيد الأمة في وقت الحاجة والضيق، في وقت يتسابق الأقوام إلى الاستضاءة بنبراس الحضارة ونحن في ظلمات الجهل تائهون، وتتراكض الشعوب إلى اقتطاف ثمار الفنون اليانعة ونحن عن ذلك لاهون، ولا أظن أحداً يعارض هذه الفكرة أو يحول دون إبرازها إلى الوجود سواء كان من رجال الحكومة أو من رجال الجعفرية هذا وإني أحث أدباء النجف عَلَى أن يكونوا أول القائمين بهذا الأمر لأنهم قادة العراق وذوو الأمر والنهي فيه، فينشئون مقالات في هذا الشأن مظهرين ارتياحهم لذلك، وربك الهادي إلى طريق الصواب.
٤ً نبذة من تاريخ كربلاء القديم والحديث
لم تكن كربلاء في العهد العيهد قبل الفتح الإسلامي بلدة تستحق الذكر، ولم يرد ذكرها في التاريخ إلا نادراً وأكثر ذلك في عرض الكلام عما كان يقع في الحيرة وقرى الطف من الوقائع. وكانت قبل أن يفتحها المسلمون قرية حقيرة عليها مزارع وضياع لدهاقين العجم. وكان سكانها أهل حراثة وزراعة وظلت كذلك إلى أن افتتحها المسلمون في عهد عمر ابن الخطاب سنة ١٤هـ ة٦٣٥م وكان الفاتح لها ابن عرفطه بأمر سعد بن أبي وقاص قائد جيوش المسلمين في حرب القادسية، وقد كانت العرب صممت عَلَى أن تجعلها مباءَة لجيوشها ومركزاً لإدارة ما فتحوه من ديار الحيرة فاتخذوها بادئ بدءٍ معسكراً ثم رحلوا عنها عندما أنكروا وخامة هوائها وكثرة ذبالها فنزلوا الكوفة. وإلى ذباب كربلاء أشار رجل من أشجع في قصيدته:
لقد حبست كربلاء عن مطيتي ... وفي العين حتى عاد غثاً سمينها
إذا رحلت من منزل رجعت له ... لعمري وايهاً إنني لأهينها
ويمنعها من ماء كل شريعة ... رفاف من الذبان رزق عيونها
стр. 5666
ولما رحل المسلمون عنها قلَّ شأنها وكادت تعفو رسومها ويخفى ذكرها ومازالت إلى أن عاد ذكرها ما حدث حولها ٦١هـ ٦٨٠م من الحوادث الخطير التي أدهشت العالم الإسلامي إلا وهي وقعة كربلاء والطف المحزنة التي قتل فيها الحسين بن علي ونفر قليل من أصحابه ﵃ لمطالبته بالخلافة وأنفة من مبايعة يزيد بن أبي سفيان لأنه يرى نفسه أحق بها منه، ومن ذلك الحين ذاع صيت هذه المدينة في الآفاق وانتشر في الأقطار، وقد جاء ذكرها في أشعار العرب ودواوينهم ومع هذا لم تكن في القرن الأول الهجري عامرة، ومع ما كان في أنفس الهاشميين وشيعتهم من مجاورة قبر الحسين لم يتمكنوا من اتخاذ الدور وتشييد البنايات خوفاً من سلطان بني أمية، وقد أخذت في التقدم في أوائل الدولة العباسية ورجعت القهقرى أيام الرشيد وقد ازداد خرابها في أيام المتوكل لأنه هدم قبر الحسين فرحل عنها سكانها، ثم أخذ الشيعة أيام المنتصر يتوافدون إلى كربلاء أفواجاً أفواجاً ويعمرونها ثم ضخمت في القرن الرابع للهجرة وقد زارها عضد الدولة بن بويه سنة ٣٧هـ ٩٨٠م وكانت مدينة عامرة آهلة بالسكان يقطنها آلاف النفوس وقد وصفها ابن بطوطة قال:
هي مدينة صغيرة تحفها حدائق النخل ويسقيها ماء الفرات، والروضة المقدسة داخلها، وعليها مدرسة وزاوية كريمة فيها الطعام للوارد والخارج وعلى باب الروضة الحجاب والقومة لا يدخلها أحد إلا بإذنهم فيقبل العتبة الشريفة وهي الفضة وعلى الضريح المقدس قناديل الذهب والفضة وعلى الأبواب أستار الحديد، وأهل هذه المدينة طائفتان أولاد دخيل وأولاد فائز ينهم القتال أبداً وهم جميعاً أمامية ولأجل فتنهم تخربت هذه المدينة اهـ.
ولم تزل كربلاء بين صعود وهبوط ورقي وانحطاط تارة تنحط فتخضع لدول الطوائف وطوراً تعمر متقدمة بعض التقدم إلى أن دخلت في حوزة الدولة العثمانية سنة ٩٤١هـ ١٥٣٤م وأخذت تتنفس الصعداء مما أصابها نكبات الزمان وحوادث الدهر التي كادت تقضي عليها، وبقيت وهي مطمئنة البال مدة طويلة تزيد عَلَى ثلاثة قرون لم ترى في خلالها ما يكدر صفو سكانها حتى جاءت سنة ٢١٦هـ ١٨٠١م جهز الأمير سعود الوهابي جيشاً عرمرماً مؤلفاً من ٢٠ ألف مقاتل وهجم بهم عَلَى مدينة كربلاء وكانت عَلَى غاية من الشهرة والفخامة ينتابها زوار الفرس والترك والعرب فدخل سعود المدينة بعد أن ضيق
стр. 5667
عليها وقاتل حاميتها وسكانها قتالاً شديداً، وكان سور المدينة مركباً من أفلاق نخيل مرصوصة خلف حائط من طين، وقد ارتكب الجيش فيها من الفظائع ما لا يوصف حتى قيل أنه قتل في ليلة واحدة ٢٠ ألف نسمة وبعد أن تم الأمير مسعود مهمته الحربية التفت نحو خزائن والقبر وكانت مشحونة بالأموال الوفيرة وكل شيء نفيس فأخذ كل ما وجد فيها. وقيل أنه فتح كنزاً كان فيه أموال جمة جمعت من الزوار، وكان من جملة ما أخذ لؤلؤة كبيرة وعشرون سيفاً محلاة جميعها بالذهب ومرصعة بالحجارة الكريمة، وأوان ذهبية وفضية وفيروز وألماس وغيرها من الذخائر النفيسة الجليلة القدر، وقيل أن من جملة ما نهبه سعود أثاثات الروضة وفرشها منها ٤٠٠٠ شال كشميري و٢٠٠٠ سيف من الفضة وكثير من البنادق والأسلحة وقد صارت كربلاء بعد هذه الواقعة في حال يرثى لها.
وقد عاد إليها بعد هذه الحادثة من نجا بنفسه فأصلح بعد خرابها وأعاد إليها العمران رويداً رويداً وقد زارها في أوائل القرن التاسع عشر أحد ملوك الهند فأشفق عَلَى حالتها وبنى فيها أسواقاً حسناء وبيوتاً قوراء أسكنها بعض من نكبوا، وبنى للبلدة سوراً حصيناً لصد هجمات الأعداء وأقام حوله الأبراج والمعاقل ونصب له آلات الدفاع عَلَى الطرز القديم وصارت عَلَى ما يهاجمها أمنع من عقاب الجوفامنت عَلَى نفسها وعاد إليها بعض الرقي والتقدم.
وفي سنة ١٢٤١هـ ١٨٢٥م وقعت واقعة عظيمة تعرف بوقعة المناخور - أمير الأخور أي أمير الاصطبل، وذلك أن الدولة العثمانية كانت في ذلك الزمن ضعيفة لاختلال الجيش الإنكشاري واستقلال البلاد القاصية واشتغالها بمحاربة العصاة في البلقان وطموح محمد علي والي مصر إلى الاستقلال واستقلال علي باشا لنلي تبه في ألبانيا، وكان والياً عَلَى العراق إذ ذاك داود باشا وكان تقياً عادلاً ورعاً مشهوراً بالدهاء وفرط الذكاء إلا أنه كان شديد الحرص عَلَى الانسلاخ من جسم الدولة والاستقلال بالعراق أسوة بمن تقدمه. فسعى بادئ بدءٍ إلى جلب قلوب الأهالي بما أنشأه من العمارات والبنايات والجوامع والتكايا. وقرب علماء العراق وبالغ في إكرامهم ونظم جيشاً كبيراً وأسلحة عَلَى الطراز الجديد حينئذ، فقاوم بعد ذلك يدعو الناس إلى بيعته، ولكثرة ما كان لديه من الأعوان بايعه أكثر مدن عراق العرب إلا كربلاء والحلة فرفعا راية العصيان وعند ذلك سير جيشاً ضخماً بقيادة أمير إصطبله وكانت عشيرة عقيل تعضده فأخضع القائد الحلة واستباح جاها ثم جاء
стр. 5668
كربلاء فحاصرها ثمانية عشر شهراً ولم يقو عَلَى افتتحاها لحصانة سورها ومناعة معاقلها، ولما رأى ذلك أقلع عنها ثم كر عليها ثانياً وثالثاً فلم يفز بأمنيته إلا بعد حصار طالت مدته أربع سنوات من سنة ١٢٤١هـ ١٨٢٥م إلى سنة ١٢٤٥هـ ١٨٢٩م وكانت نتيجتها أن أسر الجيش نقيب كربلاء فسجنه داود باشا في بغداد.
وفي سنة ١٢٥٨هـ ١٨٤٢م شق أهالي كربلاء عصا الطاعة عَلَى الدولة وأبوا أداء الضرائب والمكوس وكان والي العراق نجيب باشا فجهز جيشاً بقيادة سعد الله باشا وسيره إلى كربلاء فحاصرها حصاراً شديداً وأمطر المدينة بوابل قنابله ولم يساعده الحظ عَلَى افتتاحها لأن سو رها كان منيعاً جداً وقلاعها محكمة لا يمكن للقائد الدنو منها، ولما أعيت به الحيل الحربية التجأ إلى الخداع فأعطى الأمان للعصاة وضمن لهم عفو الحكومة فأخلوا القلاع وجاؤه طائعين فقبض عليهم وسلط المدافع عَلَى جهة السور الشرقية فهدمها وأصلى المدينة ناراً حامية، ففتحها وارتكب فيها فظاعة وشناعة، ودخل بجيشه إلى صحن العباس وقتل كل من لاذ بالقبر وبهذه الموبقات أعاد سلطة الحكومة إلى تلك الربوع.
وفي سنة ١٢٩٣هـ ١٨٤٢م ظهرت فتنة بكربلاء تعرف بفتنة (علي هدلة) وذلك أن جماعة من المفسدين حرضت من الأهالي عَلَى مناوأة الحكومة وكانت أفكار الأهالي مستعدة لقبولها فألفت عصابة بقيادة علي هدلة وقابلت الجيش العثماني ودحرته في مواقع متعددة. ولما رن صدى هذه الحادثة في الآستانة قلقل السلطان المخلوع وأصدر إرادة سنية بإرسال الجيوش إلى كربلاء وهددها وقتل من فيها عن بكرة أبيهم. وناط تنفيذ الإرادة بعاكف باشا والي بغداد والمشير حسين فوزي باشا وكان هذا القائد عاماً للجيش فجاء الاثنان كربلاء يصحبهما نقباء بغداد السابقين وضربوا المضارب قرب المدينة، فلم ير الوالي في المدينة آثار العصيان والتمرد. وقد علم بعد البحث الطويل أن العصاة عصابة ارتكبت إثماً واقترفت ذنباً يطاردها الجيش وليس من العدل هدم المدينة وتنفيذ الإرادة السنية عَلَى سكانها وأخذ البريء بجريرة المذنب فأحجم عن تنفيذ ذلك وفاتح القائد العام فأبى هذا إلا الإصرار عَلَى تنفيذ الأوامر فنجم من ذلك خلاف بينهما فرجعا إلى الآستانة وخاطباها بالأمر وبعد أخذ ورد صدر الأمر بالعفو، فرحل الجيش عنها بعد أن قبض عَلَى مثيري الفتنة وموقدي نيرانها قادهم إلى بغداد ومن هناك ألقاهم في أعماق السجون.
стр. 5669
بغداد // إبراهيم حلمي
стр. 5670
فجر العلم الجديد
أفق إذ شارف الدجى أجله ... وودعته النجوم مرتحله
وفحمة الليل علقت سحراً ... شرارة النور فهي مشتعلة
ومقلة الفجر في انتباهتها ... ما برحت بالظلام متكحلة
لا سائر في السبيل منصرف ... في طاعة أو مباكر عمله
إلا خفير يمشي عَلَى مهل ... حمى عليه نعاسه العجله
يحيل في كفه هراوتهِ ... أو ينتفخ البوق طارداً ممله
والغيث غمر الحياء سادلة ... خيوطه من سحائب هطله
يغزل الأرض سندساً بهجاً ... فتكتسي في الربيع ما غزله
والريح رعناء تهجمها ... عَلَى زجاج الكوى ومقتتله
تشتد في عصفها لتسكله ... مقبلة تارة ومنفتله
ترومه عنوة فيعجزها ... والنور باللين نافذ خلله
ذكرت أيامنا التي سلفت ... فداخلتني صبابة ووله
كم غدوة نرشف الصبوح منها ... أطرافها بالظلام متصلة
يدير كأس الطلى مشعشعة ... فتصبح الشمس في الضحى خجله
فتحسيها من كف فاتنة ... عصيت فيها اللوام والعذله
وحتى نخال النجوم هاوية ... والأرض في مشيها بنا ثمله
ونحسب الدهر في كهولته ... والشيب غض الشباب مقتله
وأطيب العمر ما انطوى وطوى ... وقائع المرء ما عليه وله
وليس مستقبلاً نشك به ... أمانه قد تصيب أو وجله
كيف يهز الغد الفتى جذلاً ... وربما كان فجره أجله
لولا التمني لهاله غده ... وحقه أن يخاف ما جهله
أطل طفل الزمان فابتسمت ... له ثغور الخلائق الجذله
فهل يطيل ابتسامهن وهل ... يرعى الرجاء الذي لنا قبله
مروحاً حانياً عَلَى أمل ... غض أبوه الزمان قد نجله
وهل يؤاسي الجراح منعطفاً ... عَلَى أخي الوجد شافياً علله
стр. 5671
إذا جن الظلام أنسه ... بالبدر أو حمل الصبا قبله
وأن يخنه في نفسه عرضاً ... حقق فيمن يحبه أمله
وهل يفي أو نرى لياليه ... غاشية بالخطوب مشتمله
تمر بالناس غير مشفقة ... وبالأماني غير محتفله
سر عن العالمين محتجب ... عليه ستر للغيب قد سدله
دمشق // جرجي الحداد.
стр. 5672
مطبوعات ومخطوطات
الإشارات الإلهية للتوحيدي
في المكتبة الظاهرية بدمشق الجزء الأول من هذه الكتاب لأبي حيان التوحيدي صاحب المقابسات (المقتبس م١ ص٣٠٢) من كبار المنشئين في عصره وأئمة العلم والأدب وكتابه في مخاطبة النفس جاء في أوله: اللهم إنا نسألك ما يُسأل لا عن ثقة بياض وجوهنا عندك وأفعالنا معك وسوالف إحساننا قبلك ولكن عن ثقة بكرمك الفائض وطمعاً في رحمتك الواسعة نعم وعن توحيد لا يشوبه إشراك وعرفة لا يخاطبها إنكار وإن كانت أعمارنا قاصرة عن غايات حقائق التوحيد والمعرفة نسألك أن لا ترد علينا هذه الثقة بك فتشمت بنا من لم يكن له هذه الوسيلة إليك يا حافظ الأسرار ويا مسبل الأستار ويا واهب الأعمار ويا منشئ الأخيار ويا مولج الليل والنهار ويا مصافي الأخيار ويا مداري الأشرار ويا منقذ الأبرار من النار والعار وعد علينا بصفحك عن زلاتنا وأنعشنا عند تتابع صرعاتنا وحطة حالنا معم في اختلاف سكراتنا وصحواتنا وكن لنا وإن لم نكن لأنفسنا لأنك أولى بنا وإذا خفنا منك فابرح خوفنا منك برجائنا فيك وإذا غلبت علينا بأسنا منك فتلقه بالأمل فيك الخ.
وقال من فصل: أيها المحاور والصديق المجاور كيف أتكلم والفؤاد هائم بكل واد والخاطر خال من كل حاد وهاد كيف أشكو والسر ظاهر باد أم بأي شيء أتعلل وكل ما أجده مردد ومعاد أم عَلَى من اعتمد وكل أحد أراه فهو لي ضد ومعاد. أنفاسي محترقة بالحسرات ودموعي مترقرقة بين النغمات والزفرات وكبدي مشتعلة عَلَى المناظر والهيئات ويقظتي جارية عَلَى الرسوم والعادات وأحلامي عارية من كل ما له حاصل وثبات ونفسي رهينة بالسيئات مفتونة بالحسنات بالسوانح والخطرات مغبونة عن الحسنات والصالحات. الجهات من دوني منسدة والوجوه أمامي مسودة إن قلت قيل هذا زور وبهتان وإن شربت قيل هذا غرور وعدوان وإن سكت قيل هذا سهو ونسيان قليت من ابتلائي بما لا طاقة لي به ارحمني مما لا غنى لي عنه أو ليت منة طردني عن بابه أهلني لعتابه أو ليت من جرعني مرًّ من فراقه أخطر عَلَى بالي حلاوة لقائه أو ليت من غمسني في بحر البلوى طرحني إلى ساحل المنى أو ليت من حطني عن درجات المخدومين رقاني إلى قامات الخدم الخ.
وقال من رسالة: حرام عَلَى قلب استنار بنو الله أن يكفر في غير عظمة الله حرام عَلَى
стр. 5673
لسان تعود ذكر الله أن يذكر غير الله حرام عَلَى نفس طهرت من أدناس الدنيا لله أن تدنس بشيء مخالفة لله حرام إلى عين نظر ت إلى مملكة الله أن تحدق إلى غير الله حرام عَلَى كبد ابتلت بالثقة بالله أن تطمئن إلى غير الله حرام لع== عَلَى من لم يجد الخير إلا من الله أن يجد طمعاً في غير الله حرام عَلَى من شرف بخدمة الله أن يتضع بخدمة غير الله حرام عَلَى من ألف فَنَاء الله أن يعرج إلى غير الله حرام عَلَى من تلذذ بمناجاة الله أن يناجي غير الله حرام عَلَى من رتع في نعمة الله أن يعبد غير الله الخ.
وأكثر الكتاب عَلَى هذا النمط وهو في مجلد ضخم يغلب عليه التحريف والتصحيف.
التحفة الظريفة
في خزانة كتب عبد القادر بك المؤَيد من فضلاء دمشق.
نسخة من كتاب التحفة الظريفة الحاوية من كل نكتة لطيفة المسماة بمجموعة الحكيم جمع السيد حسن بن السيد عثمان الحكيم جمعه سنة ١٨٨٨ في عصر بارت فيه صناعة الأدب وجدت القرائح وتراجعت العلوم ومن أحسن ما رأينا في آخر الكتاب تقارظ بعض أدباء عصره وفقهائه في دمشق وأكثرها شعر ضعيف ركيك فمنها تقريظ لحمزة أفندي زاده وآخر للسيد علي العمادي ولأحمد أفندي العمادي والسيد كمال الدين البكري ومحمد شاكر أفندي العمري والسيد أحمد الشمسي العمري والشيخ عمر العمري والشيخ محمد العمري والسيد عبد الفتاح مغيزل والسيد علي الشمعة والسيد خليل بن قرا مصطفى والشيخ محمد البصيري والسيد مصطفى اللوجي والسيد عبد الخالق اللوجي والسيد يحيى العطار والسيد محمد أمين العطار والشيخ محمد البصير وخليل أفندي المحاسني والشيخ محمد الطباع الحلبي والشيخ علي المجلد والشيخ صالح بن الشيخ محمد الدسوقي والحاج أحمد الرباط ومن أرق الشعر الوارد بيتان للشيخ علي الشمعة وهما قوله:
ابدى لنا حسن الشريف لطائفاً ... قد صاغها لذوي النهى مجموعا
كل المفرق من محاسن عصره ... أضحى لدى مجموعه مجموعا
وقد رتب الجامع كتابه عَلَى خمسة عشر باباً الأول في نوادر العرب والثاني في المغفلين الثالث في القضاة الرابع في المعلمين الخامس في المتنبين السادس في النحاة السابع في الأطباء الثامن في الشعراء التاسع في الأهاجي والرسائل العاشر في الأجوبة المسكنة
стр. 5674
الحادي عشر في نوادر النساء والجواري والمغنيات الثاني عشر في نوادر الغلمان والخدم الثالث عشر في نوادر البخلاء الرابع عشر في نوادر الطفيلية وأخبار الطعام والأكل الخامس عشر في نوادر شتى مختلفة المعنى.
ومن نوادره: خرج الحجاج بن يوسف الثقفي يتصيد فرأى أعرابياً فقال له أيها الأعرابي كيف تقول في الحجاج وأفعاله فقال الأعرابي: إيش أقول في رجل غشوم ظلوم مشؤوم ما ولي هذا القطر اشر منه لعنه الله ولعن من ولاه علينا فبينما هو كذلك إذ أحاطت به الجند فقال الحجاج: خذوا لهذا قال الأعرابي لمن يليه: من هذا فقالوا له: الحجاج فحرك دابته حتى صار بالقرب منه ثم ناداه يا حجاج قال: قل ما تشاء قال له: السر الذي كان بيننا أحب أن يكون مكتوماً فضحك الحجاج وأطلقه.
وخرج الحجاج ذات يوم متنزهاً فرأى أعرابياً فقال له: ايها العرب من خير القرب قال قريش قال ولم ذلك قال: لأن النبي ﷺ منهم قال: فمن أشر العرب قال: ثقيف قال: ولم ذلك قال لأن الحجاج منهم قال أتدري من أنا قال لا قال أنا الحجاج قال الأعرابي جعلت فداك أتعرف من أنا قال لا قال أنا مولى بن عامر أجن في كل سنة ثلاثة أيام وهذا اليوم أشدها فضحك ووصله وأطلقه.
وقيل خطب المنصور يوماً بالشام فقال في خطبته ينبغي لكم أن تحمدوا الله عَلَى ما وهب لكم في أيامكم فإني منذ وليتكم صرف الله عنكم الطاعون الذي كان يجيئكم في أيام بني مروان فقام إليه أعرابي كان في المسجد فقال إن الله أكرم من يجمع علينا أنت والطاعون معاً.
وقف المأمون عَلَى باب طحان فنظر إلى حمار له بدور الرحى وفي عنقه جرس فقال للطحان: لم جعلت هذا الجرس في عنق الحمار فقال ربما أدركني النوم فإذا لم أسمع حس الجرس علمت أن الحمار قد وقف فأصيح عليه ليدور قال أرأيت لو وقف وحرك رأسه بالجرس فقال ومن أين للحمار عقل مثل عقلك أيها الأمير حتى يفعل مثل هذا.
وحكي أنه أمَّ رجلٌ من الظرفاء قوماً أياماً وكانوا من التغفل بمكان عظيم وكانوا يطعمونه الخبز والكامخ لا يزيدونه شيئاً فصلى بهم يوماً الصبح فقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولا تطعموا أئمتكم الكامخ بل لحماً وإن لم تجدوا لحماً فبيضاً
стр. 5675
وسمناً ومن يفعل ذلك منكم فقد خسر خسراناً مبيناً.
وقرأ في الركعة الثانية بعد الفاتحة فإن لم تجدوا بيضاً وسمناً فسمكاً فإن لم تجدوا سمكاً فلبناً أو حليبا ولا تمخضوه تمخيضاً ومن لم يفعل ذلك فقد افترى إثماً عظيماً فلما فرغ من صلاته جاؤوا واعتذروا له عن التقصير في حقه وإنه لم يكن عندهم خبر بهذه الآيات العظيمات المومى بها في الأئمة ثم سألوه في أي سورة هذه الآيات الشريفات فقال لهم في سورة المائدة في حزب الأكل لأي شيء سميت سورة وهي تنبئ عن مثل هذا كثير.
والكتاب عَلَى هذا النمط وفيه من الحكايات ما لا يصح أنم يقرأ لكل إنسان لعدم الإلف بأمثاله في هذا العصر ومن الأشعار التي رواها قصائد هجوية لمصطفى بك الترزي وأهاجي عبيدي باشا وفيه رسالة لرجب الحريري مداعباً صديقاً له يقال له ابن الخليفة في بعلبك ورسالة الوهراني التي كتبها عَلَى لسان بغلته وعلقها في عنقها وسيبها في دار الأمير عز الدين ابن منوسك (المقتبس المجلد الأول) ورسالة أبي نواس الهزلية إلى بعض أصحابه ورسالة ابن الطليوني إلى القاضي عمر المغربي ورسالة أبي بكر الخوارزمي إلى البديهي إلى غير ذلك من النوادر والأشعار.
لغة العرب
يسرنا أن نرى الأعمال العلمية تنمو النمو المطلوب في بلاد العرب ولاسيما في مصر وتونس والعراق والشام أكثر الأقطار العربية مدنية وأقدمها في الأخذ بمذاهب العلم والتعليم. ومجلة لغة العرب لصديقنا الأب أنستاس الكرملي هي في مقدمة ما يفاخر به من الأعمال التي ظهرت في عهد الحرية الصحافية في الشام والعراق فإن المقالات التي تنشرها رصيفتنا في اللغة والنقد الأدبي وتاريخ العراق وعمرانها عَلَى جانب عظيم من التحقيق حري بأن يخلد في خزائن الكتب دليلاً عَلَى حالة العراق العلمية في هذا العهد وقد بلغ فيها صاحبا في مدة لم تبلغ الحولين مبالغ المجلات التي مضى عليها سنين كثيرة تعاني البحث والنقل وزادت أنها علمية محضة لا تتعرض للأبحاث الدينية فجدير بالمتأدبين والمستنيرين أن يستفيدوا مما تنشره الشهر بعد الشهر لخدمة الآداب العربية وأن تعد في الندية العلمية في جملة حسنات المحسنين في التأليف الذين يقدمون عَلَى خدمة العلم والأدب بعد أن يدرسوا موضوعاتهم ويمرنوا فيها أعواماً طويلة ليدخلوا البيوت من أبوابها ولو
следующие страницы →