← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

ويقتضي ثلاثة رجال لحمله ويحتوي عَلَى ٣٩٠ صفحات ينقصها ٧ صفحات وفي كل صفحة عمودان وقد حسبوا ما اقتضى لهذا المخطوط من الرق فكان جلد ٤٦٠ حماراً. وجلده من البلوط الفارغ سمكه أربعة سنتمترات ونصف وله لسان من المعدن. وفي سان فرنسيسكو بأميركا كتاب يعد من مردة الكتب أيضاً وهو الذي عرضته تلك المدينة أيام معروضات كليفورنيا ليكون سجلاً توضع عليه أسماء الزائرين الذين بلغوا ١٣٥ ألفاً وضعوا تواقيعهم عَلَى سبعة آلاف صفحة. وطول كل صفحة ٧٧٥ سنتمتراً ووزنه ٢٥٠ كيلوغراماً. نفقات حرب عامة حسب الأستاذ شارل ريشه ما تكلفه حرب عامة إذا نشبت في أوربة فكانت كل يوم ٢٧٤ مليوناً ونصف مليون من الفرنكات تنفقها الدول العظمى فقط. نجاح أميركا كانت رؤوس الأموال التي وضعتها الولايات المتحدة منذ سنة ١٩٠٠ إلى ١٩١٠ في الأعمال الزراعية فقط ٢٠٤٣٩٠٠٠ دولار فبلغت ٤٠٩٩١٠٠٠ دولار أي أنها تضاعفت وتجاوزت رؤوس الأموال التي وضعت في المشاريع الزراعية في العشر سنين المذكورة من ٨٩٧٥٠٠٠ دولار إلى ١٨٤٢٩٠٠٠ دولار أي زادت عن الضعف أما الأموال التي استخدمت في السكك الحديدية فكانت سنة ١٩٠٠ ١٢٦٣٠٠٠ دولار فأصبحت سنة ١٩١٠ ١٤٣٧٠٠٠ فتأمل. جرحى الحروب قالوا أن الخرطوش في العهد الجديد يقل القتل به أكثر من الخرطوش قديماً ولكن الإحصاء دل عَلَى خلاف ذلك فقد قتل في حرب ألمانيا سنة ١٨٧٠ واحد من كل خمسة أشخاص واليابان في منشوريا قتل لهم واحد من كل ثلاثة فقد كان المحاربون الألمان عَلَى ذلك العهد ٦٥٠ ألفاً فبلغ مجموع جرحاهم ١١٦ ألفاً ومجوع محاربي الروس ٥٩٠ ألفاهم فبلغ جرحاهم ١٧٠٦٠٠ واليابان في منشوريا ٥٤٠ ألفاً جرح منهم ٢٢٠ ألفاً. مالية الدولة العثمانية

стр. 5602

ها قد مضى زهاء نصف قرن عَلَى عقد الدولة العثمانية قرضاً لها وذلك عَلَى عهد حرب القريم فكثرت سنداتها في العشرين سنة التالية في أسواق الشرق ولما بهظتها ديونها توقفت سنة ١٨٧٦ عن الدفع خمس سنين تألفت إدارة الديون العمومية فكان أول حجر أساس المالية العثمانية. وبمناسبة الحرب بين الدولة وحكومات البلقان الأربع كثر تحدث الاقتصاديين في مالية دولتنا وهاك خلاصة ما قالوه مؤخراً قال بعضهم: لا تزال مواد القراطيس العثمانية في أسواق غريزة ويؤخذ من الخزينة العثمانية الأخيرة أن الدين العثماني الموحد كان في أول آذار الماضي ١٢٦ مليوناً و٩٣٩١ ليرة يضاف إليها مليون ليرة اقترضته بلدية الآستانة والشطر الرابع من قرض ولاية بغداد وهذا بيانه: ٥٠. ١٤٦. ٧٥٧ الدين الموحد والسندات ١٨. ٢٧٥. ٦٢٠ دين مضمون بجزية مصر وقبرص ٢. ٣١٩. ٩٤٤ قرض تتناول ضمانته مباشرة ٣٠. ٧٦٣. ٤١٤ قرض مضمون بدخل صندوق الدين ٢٤. ٦٠٣. ٦٥٦ قروض تديرها الحكومة. وينبغي أن يحذف من هذه القروض قرض سنة ١٨٥٥ وفائدته ٤ في المئة وقرض ٩١ وفائدته ٤ بالمئة أيضاً وقرض ٩٤ وفائدته ٣ ونصف بالمئة لأن هذه مضمونة بجزية مصر وزيادة دخل جزيرة قبرص وهي من أضمن القروض في نظر حملة القراطيس. ثم أن قروض ٩٣ و٩٤ تدفع شركة حصر التنباك وشركة السكك الحديدية الشرقية ضمانتها للمصارف مباشرة وعليه يكون الباقي قرض الموحد العثماني وقروض سندات اليانصيب العثماني وهذا قد خص بهما بموجب أمر سلطاني بعض الموارد كالثمغة ورسوم الكحول والحرير والملح والدخان يتولى إدارتها صندوق الديون العمومية وقد أربى الدخل كثيراً عَلَى النفقة اللازمة للصندوق والأسهم. ففي سنة ١٩١٠ إلى ١٩١١ بلغ دخل صندوق الدين ٥ ملايين و٦١. ٣٣٥ ليرة أخذ منها لنفقات الإدارة ٩٦٤. ٢٣٧ ليرة وبقي ٤ ملايين و٩٧. ٠٩١ ليرة يؤخذ منها لاستهلاك الأسهم المخصصة بهذه الموارد ولدفع سندات اليانصيب مليونان و١٥٧. ٣٧٥ ليرة فتكون زيادة الدخل مليوناً و٩٣٩. ٧٢٣ تعطي الحكومة الثلاثة الأرباع والربع الآخر يعطى لخزانة صندوق الدين. هذا ويظل الدخل أكثر من النفقة ولو حذفنا نقص دخل الصندوق من الولايات التي احتلتاه

стр. 5603

الحكومات البلقانية فقد جاء في الكتاب الذي قدم للسفراء في شهر ك١ الماضي أن معدل دخل تلك الولايات في العام ٧١٣٠٥١ ليرة يضاف إليه مبلغ ٤٨٩٩٠ ليرة من أثمان الملح فيكون المجموع ٧٦٢٠٠٥ ليرات أي عبارة عن ٢٢ بالمئة من مجموع الدخل وإذا افترضنا نقص الدخان من هذه النسبة كان مجموع النقص مليوناً و٤٨٣٠٥ ليرات وقد ذكرنا قبلاً أن زيادة دخل الدين الصافية هي مليون و٩٣٩٧٢٣ ليرة وعليه تكون الزيادة الباقية حتى بعذ حذف دخل الولايات التي يحتلها البلقان ٨٦٥٤١٨ ليرة. وقال بعضهم: لا ينكر أن الدولة العلية بفقدها الولايات الأوربية قد خسرت ٢٠ في المئة من دخلها لكن من عرف أن هذه الولايات كانت تستهلك في السنوات الثلاث الأخيرة ٢٣ في المئة من مجموع نفقات السلطنة يرى أن خسارة مدخولها لا تؤثر في حال الخزينة. ثم أن الحرب الأخيرة لم تضطر العثمانية إلى أن تنفق أكثر مما كانت تنفقه عندما كان لها ٦٠ ألفاً من الجنود في ألبانيا لإخماد ثورتها و٥٠ ألفاً في أزمير ومن ٦٠ إلى ٧٠ ألفاً في طرابلس الغرب ومثلهم في اليمن ولم يتأخر رعايا الدولة عن دفع الأموال المفروضة عليهم حتى أن زيادة الدخل في بيان نظارة المالية الأخيرة بلغ ٢. ٥٠٩. ٧٣١ ليرة عثمانية وبلغ مجموع ضريبة الحرب في شهر واحد ٤٢٢. ٤٩٥ ليرة عثمانية. وعليه إن الحكومة العثمانية تحتاج إلى المال فما ذلك إلا لسد العجز السابق. مدارس الفلاحة في الدانيمرك نشرت المجلة الفرنسوية مبحثاً مهماً تحت هذا العنوان بقلم العقيلة لونر كروبي فآثرنا ليضم إلى ما سبق لنا نشره من نوعه في سني المقتبس السابقة قالت الكاتبة: عَلَى شاطئ بحر البلطيق بلاد صغيرة سعيدة وأعني بها الدانيمرك التي تضاعفت تجارتها الخارجية في الخمس عشرة سنة الأخيرة لتوفرها عَلَى استثمار أرضها وقيامها عَلَى تربية الماشية حتى أصبح لديها الألبان دافقة كالسيل المنهمر وجمعت بواسطة معامل اللبن منها ما تجعله جبالاً من الزبدة والسمون ترسله إلى إنكلترا فتتناول أثمانه ذهباً وهاجاً. تقسمت في هذه البلاد الثروة تقسيماً كثيراً ومع هذا لا ترى الفلاح يعجز عن القيام بالأعمال الكبرى التي يقتضي لها رؤوس أموال عظيمة قد تألفت شركة تعاون ضمت إليها نحو تسعة أعشار أرباب الأراضي وغدت البلاد تستثمر بأدق قواعد العلم الحديث فيحلل اللبن مرتين في الشهر في

стр. 5604

معامل التحليل التي تشعر صاحب الملك بأقل تغيير يحدث في حالته وتبين له ما يجب إدخاله من التعديل في تغذية الماشية. وبهذه العناية والحذق في اختيار أجناس البهائم أصبح معدل السنوي للبقرة الدانيمركية يزيد عن واحد من خمسة في خلال العشر سنين الأخيرة. وهكذا تفحص التربة أيضاً فحصاً في المعامل ويجري إصلاحها عَلَى هذا النحو والفلاحون هم الذين يتولون أعمال هذه الشركات بأنفسهم يحاسبون أربب الأملاك ولا يقع حيف عَلَى أحد ولذلك لا تقام دعوى ولا يحد خصام بينهم. وهؤلاء الفلاحون العاملون عَلَى غاية الأخلاق يرأسون بيوتاً وأسرات وكل ولد يولد لهم يكون مادة رزق جديدة ودرجة تعلمهم أرقى من عملة المدن بل أرقى من أهل الطبقة الوسطى. فتجد لكل قرية حتى الصغرى منها قاعة لإلقاء المحاضرات يتباحث فيها الفلاحون عَلَى الدوام في المسائل الاجتماعية والزراعية السياسة والدينية وأحياناً تجد لكل قرية قاعة للاستحمام وداخل بيوتهم عَلَى غاية من الذوق والنظافة. والفلاح الدانيمركي المتعلم يفهم المصالح الاقتصادية فيدل عَلَى ذكاء وبعد نظر في مستقبل بلاده الذي هو في الألبان والسمون والبيض. وقد استطاع الفلاحون الدانيمركيون الذين يؤلفون السواد الأعظم من الأغنياء وأرباب الأملاك أن يقبضوا بذكائهم عَلَى قياد بلادهم وأن يكون لهم في مجلس النواب الأكثرية المطلقة التي تتصرف بالبلاد كما تريد وتتولى مناصب الحكومة وكم من فلاح يبحث في أعوص المسائل فيحلها في حقل عقل وتجارب. فالفلاح الدانيمركي وحيد في هذا الباب في أوربا بفضل التربية التي ربيها أولئك الفلاحون في المدارس العليا فدخل فيها ٤٧ في المئة من مجموع السكان وتلقنوا التربية العقلية والأخلاقية اللازمة للحقول. وما القائمون بالشركات الزراعية إلا تلامذة تلك المدارس التي بنيت بأموال الفلاحين فهي مدارس خاصة يبذل لها الفلاحون عن سعة مع ما عرف به الفلاح من الاقتصاد في كل هذه البلاد. ولذا ترى كل كورة من كور الدانيمرك أن من موجبات شرفها أن يكون لها مدرسة عليا ومن لم يدخلها في عرف الفلاحين يكون من الطبقة الدنيا ليس له من أسباب الشرف لا قليل ولا كثير. أنشئت المدرسة العليا في الدانيمرك ممثلة لأفكار ممثلها غروندفيج الذي عاش من سنة ١٧٨٣ إلى ١٨٧٢ ولقب بنبي الشمال وبروحه قامت وارتقت وإنك لترى إلى اليوم في المدارس التي أحدثها خطبه وأشعاره وكتاباته تقرأ وتشرح باحترام يوازي ما تقرأ به

стр. 5605

التوراة وتفسر به. حتى أن الأساتذة يرون أن من الواجب الاحتفاظ بتعاليمه وإنك لترى صورته معلقة في كل قاعة من تلك المدارس وهو شيخ يجري أبيض اللحية كبيرة السحنة تظهر عليه الشهامة والنشاط. وكان هذا الرجل من بيت أدب وعلم وكتب في التاريخ والأساطير والشعر القديم والتراجم ما بلغ ثلاثين ألف صفحة وهو عمل عظيم حتى عَلَى من عاش ٩١ سنة مثله ممتعاً بصحته وتقواه. وكانت أمه من بيت علم وأبوه واعظاً دينياً فتعلم من والدته في صباه حب القديم والميل إلى القصص ولطالما غنت له الأغاني الوطنية والأناشيد الدينية التي كان بها في حياته الفرد المقدم فأصبح شاعراً بما لقنته إياه أمه من الشعور وبواسطة الأناشيد الدينية التي ينشدها الفلاحون كل يوم أثر في أفكار فلاحي بلاده وتعلم اللاتينية وكان يحمله معلمه عَلَى الاختلاف إلى بيوت الفلاحين فاستفاد من هذه الزيارات أكثر مما استفاد من دروس النحو والصرف فتعلم كيف يحب الفلاح وكان إذ ذاك عَلَى غاية الفقر وشعر بتنمية حبه للطبيعة والخلاء مما كان أحد مصادر شعره. لبس ثياب الوعظ وانخرط في سلك المبشرين وبعد سنين خلع ثيابه وذهب إلى لندرا فأثرت هذه الرحلة تأثيراً شديداً فيه إذ لم يكن قبلها يعيش إلا عيش الكتب والدفاتر فأخذت نفسه بما رآه في الإنكليز من الحياة العملية والنشيطة وما خصوا به من الذوق في الرياضات الطبيعية وتأصل فيهم حب الاستقلال الشخصي ولاسيما ما عرف عن مدارسهم من حيث إعداد الخلاق شبانهم ورجع من هذه السياحة والشمس في عينه وعالم جديد في قلبه وأخذ ينسج في أشعاره باللغة الدانيمركية الدارجة عَلَى مثال قدماء شعراء الإنكليز وهي ترمي إلى أنه ليس من شعور وطني بدون شعور ديني وأن الأدوار التاريخية التي خلت من الإيمان هي أدوار لا مجد لها وكل يقظة مسيحية هي يقظة وطنية وعلى هذا المحور يدور المترجم به في أشعاره وكتاباته كلها وأعماله الاجتماعية ولقد صرح في إحدى المجتمعات أنه من العبث أخذ السلاح للدفاع عن الوطن إذا لم يكن المرء متشبعاً بالشعور الديني. فمن ثم كان يرى إثارة الشعور الوطني والإيمان في مدارسه الجديدة. وفي سنة ١٨٣٢ نشر لأول مرة في مقدم كتابه الميثولوجيا الكبرى فكرة مدرسته وفي سنة ١٨٤٤ في اجتمع حضره بضعة ألوف من الفلاحين الوطنيين خطب القوم فأثرت خطبته

стр. 5606

في النفوس فراح وهو عَلَى أبواب الشيخوخة يعزي نفسه بأنه سيرى أعماله تكلل بالنجاح ولو كان في هذه السن إذ له أسوة حسنة يستوف كولمب الذي ذهب ففتح العالم الجديد وقد ابيض فوده وعارضه. دعا بخطابه امته إلى إحياء الشعور الديني والوطني وإن أنقى مصادر الحياة العقلية والأدبية يجب أن تكون منه عَلَى طرف الثمام تتناولها عَلَى أسرع وجه وأن ينشأ في المدارس الجديدة تعليم حي عصري وطني لنسى الدانيمرك ما أصابها من المصائب والهزائم وانسلاخ أراضيها وانفصال النروج عنها وضياع مقاطعة شلشويق وكانت الدانيمرك تشعر بحاجتها إلى النهوض وأن تدافع عن الفكر الوطني في النفوس لأن تيار الشعور الألماني يدفق عليها فاقتضى لها أن تحمي حمى لغتها الدانيمركية وعلى هذا الفكر أنشئت مدرسة روديج التي أصبحت بعد كلية أزوف ومنها انبعث نغمة الوطنية الدانيمركية واللغة الدانيمركية ورأى غروندويج في مدرسته أن تجري عَلَى غير الأسلوب الفني المتعارف وأن يقصد منها تربية العقول وتفتح أمام التلاميذ كل السبل الجديدة ويقوي الشعور الوطني والديني والأخلاقي والجمالي ويعلم وطنيين مستنيرين مستعدين إذا خرجوا من بيوتهم أن يتعلموا الزراعة أو صناعة أخرى ولذلك سمى مدارسه كلية الشعب تعلم تعليماً جديداً ولا تخول المتخرج منها امتيازاً ولا تعطيه شهادة. فلم يطلب هذا الرجل من مدرسته أن تخرج تلامذة عَلَى النحو الذي تخرجه مدارس الحكومة فيمتاز متخرجها بما ناله من الدرجة بين أقرانه ومجتمع أخوانه بل يكون من تخرج منها عَلَى استعداد للرجوع إلى المكان الذي غادره ولكن بروح غير روحه الأولى. أفق غروندويج ونجح وإخفاقه لم يزده إلا مضاءً حتى بلغ عدد مدارسه العليا من سنة ١٨٦٤ إلى ١٩٠٤ (٧١) مدرسة ولطالما شكا من أن الأشعار التي نشرها محتذاة من الإنكليزية أو من اللغة الدانيمركية القديمة لم تؤثر إلا في طبقة مستنيرة من الشعب في حين يؤثر أن تراها تفعل في عقول الفلاحين ولكن نفعت في إحياء لغة القوم عَلَى نحو ما نفعت كليات الحكومة ومدارسها عَلَى أن تلك الأشعار لم يكن يمض يوم ولا ليلة إلا وتنشد في البلاد اشتركت في الإقبال عليها مدارسه ومدارس الحكومة وكنائس الدانيمرك وأديارها. يبقى التلميذ إلى الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من سنه في المدرسة يتقن فيها اللغة الدانيمركية ثم يعود إلى المدرسة العليا فيزيدها إحكاماً كما يبالغون في تعليم التاريخ

стр. 5607

الدانيمركي وبذلك انبعثت الوطنية الدانيمركية من مرقدها ولا يسأل كل تلميذ في مدارسه سوى سؤالاً بمفرده بل يوجه إلى التلاميذ كلهم سؤال واحد يجيبون عليه ومدارسه تدفع أجورها وأجرة كل تلميذ من ٢٠٠ إلى ٢٥٠ كوروناً (الكورون فرنك واحد وأربعون سنتيماً) ويجتهد المعلمون أن لا يضغط التلامذة عَلَى أولادهم ويضطروهم إلى الذهاب للمدرسة حتى المعلمين إذا رأوا التلميذ يريد الهرب يفتحون له الباب ولا يسألون عنه عَلَى أن ذلك من النوادر. وصف غروندويج فكر مدرسته بما يلي: يجب أن تحسن تعليم التلامذة معنى الحياة البشرية وطبيعتهم الخاصة وأن يلقنوا الفروض المتجثمة عَلَى الوطني ويعرفوا واجبات الوطن وأن يؤثر فيهم ببسيط الكلام فيعلمهم التاريخ والإنشاد الحي والإعجاب بما هو عظيم وجميل وبالاجتماع يلقنهم العمل المتبادل المشترك والابتهاج السليم واللذة واللعب. وقد قاوم طريقته كثير من أهل العلم والطبقة العليا والفلسفة في بلاده وقالوا أن طريقته تخرج تلامذة محدودة عقولهم في حين يجب تعليمهم تعليماً أوربياً يحتوي أموراً كثيرة ولطالما هز بهذه الطريقة الفيلسوف العظيم كيركجارد وقال عبثاً يحاول غروندويج نشر التعليم عَلَى هذا الأسلوب ولذا أخفقت طريقته في المدن ولم تجد لها مكاناً إلا في قلوب الفلاحين وهذا ما كان يتناغى به صاحبها. ز رت إحدى مدارس الفتيات عَلَى طريقة غروندويج في فريدريكسبورغ وفيها مائتا فتاة وكان الوقت شتاءً وفي الشتاء تعمر المدارس لأن الحقول لا عمل فيها فرأيت الدار ساذجة لا زينة فيها ولكنها البهجة بين النضرة والخضرة والنباتات المعرشة ويدخل الهواء العطر من النوافذ المفتحة والتلميذات يستمعن إلى ما يقلى عليهن من المنبر وهن في الغالب لا جمال لهن بل هن شقر الوجوه والشعور فيهن ظرف ولطف وحسن صحة وكلهن عَلَى غاية من النظافة وحسن الهندام ويلبسن فساطين من القماش الزاهي. وهن من طبقة لا تجد فيهن شريفة ولا من بنات الأعيان بل هن أجيرات في الحقول والمزارع وخادمات وترى أيديهن مسمرة عَلَى نحو مما تشاهد أيدي كل الفتيات في بلاد السكندنافيا حتى تلميذات الكليات العليا لأنهن عرفن بحبهن للرياضيات البدنية فيتلو عَلَى مسامعهن الأستاذ قطعة في تاريخ الدانيمرك كوصف معركة فريدريسيا التي قضى فيها القائد ري وكان فيها الظفر

стр. 5608

مؤقتاً وعقبه ضياع مقاطعة شلشويق هولستاين ويذكر الخطيب تذكارات مؤلمة وقد حضر الاجتماع مستمعات من مقاطعة شلشويق عَلَى الرغم من حظر الحكومة الألمانية عليهن الحضور. حضرن ليأخذن ما لا يتيسر لهن في مقاطعتهن من الآداب الدانيمركية فكن موضوع التأثر كما كان كلام الخطيب وانكفأن كلهن يبكين وينتحبن ويرفعن أصواتهن متأثرات ولاسيما عندما يختمن الجلسة بإنشاد النشيد الدانيمركي القديم وبعد ساعة عادت البهجة إلى المدرسة إذ انتقل الفتيات إلى قاعة الألعاب الرياضية لهذه الألعاب في هذه المدارس العليا كما هو في جميع سكندينافيا مكانة عظمى في حياة كل فرد عَلَى نحو ما يرى في الألعاب الأولمبية في استوكهلم. ومنذ عشر سنين زاد الإقبال عَلَى الرياضات الجسمية حتى أنك لتجد العملة والمستخدمين والفلاحين ذكورهم وإناثهم يعمدون إلى التريض بعد عملهم واقتنع القوم بفائدة هذه التربية الطبيعية حتى أخذ كثير من أساتذة الألعاب الرياضية في الدانيمرك يلقون دروساً مجانية في الليل عَلَى من يريد إنسانية منهم ووطنية. ومن عرف أن هؤلاء الفتيات يصبحن بعد أمهات وتلد الواحدة من ستة إلى ثمانية أولاد وهي في صحة تامة يوافق بأن للألعاب الرياضية مكانة وطنية حقيقية. وكما أن للعب مقاماً سامياً في المدارس العليا للبنات فكذلك الإنشاد والغناء يروحن ب نفوسهن ويتعلمن الأفكار السديدة بما يتسرب إليهن من الحكم خلال النغم. ويتعلمن بالإنشاد الصوتي كيف يكون النظام والاجتماع وما أناشيدهن إلا مظهراً من مظاهر حسن أخلاقهن وصحتهن واتفاق إرادتهن ومتى انتهت الرياضة يتفرقن في الحديقة فيأخذ بعضهن يخيط وأخريات يقرأن وغيرهن يركبن الدراجات وهي الرفيقات التي لا تفارقها المرأة الدانيمركية. ولا يشتغلن بالحديقة لأن مؤسس هذه الطريقة كان يرى أنهن إذا تعاطين هملاً يدوياً لا يبلغن العمل العقلي إلا وهن متعبات. ويدققن في هندامهن ولا شيء يحول دونهن أو يحظر عليهن فحريتهن تامة مطلقة يعشن مع أساتذتهن ومعلماتهن وأسرات معلميهن ومعلماتهن عيشاً بيتياً مشتركاً لا شيء يشق عليهن ويحسن استعمال ما يخولن من الحقوق. قال أحد أساتذة هذه المدارس أنني قضيت حياتي برمتها في هذه البيوت فلم أسمع فيها قط كلمة هجر تنافي الأدب ولم أشهد خصاماً رديئاً وهذا ناشيء من شيئين وهما امتياز هذا الشعب الوديع اللطيف المعتدل واللسان المهذب الذي يستعمله الأساتذة منذ أول يوم مع التلاميذ

стр. 5609

والتلميذات فيبلغون به شغاف القلوب ولامرأة مدير المدرسة تأثير في جعل حياة الفتيات مفرحة لطيفة والمدير يكون مستشار الأسرات عَلَى كثرتها لأن أولادهم درسوا في مدرسته. أما مواد التعليم فتدور عَلَى التاريخ والجغرافيا وعلم الأدب واللغة الدانيمركية والرياضة البدنية وحفظ الصحة والاقتصاد الاجتماعي ومبادئ التاريخ الطبيعي والنفسي والكيمياء وتعطى دروس خاصة لم يتأخرن وهم نوادر في نفوس النحو والحساب وإذ كان من الصعب في بضعة أشهر من السنة تعليم مختصرات من هذه العلوم دع المطولات كانت الدروس تلقى بصفة محادثات تنبه شعور التلميذ وتبعثه أن يدرس بواسطة المكاتب العامة المملوءَة بأنواع الكتب كل ما يغلب عليه من الفنون وتكون المحاضرات مما يعين عقله عَلَى التفكير والعمل ولذلك كانت المسامرات والأحاديث التي يلقيها القائمون عَلَى تلك المدارس منوعة الأساليب. وشخصية المدير تؤثر في إدارة المدرسة بنوع خاص فمن المديرين من يغلب عليه التاريخ فيخاطبون العواطف في طلبتهم ومنهم من تغلب عليهم الاجتماعيات فيخاطب العقل ومنهم الدين ومنهم العلم فالتعليم منوع الأساليب ويرجع إلى دائرة واحدة. وتقبل بعض المدارس تلاميذ من كلا الجنسين اللطيف والنشيط وقد أكدت مدرسة أسكوف وفيها أربعمائة تلميذ وهي في مدينة وعليها شيء من مسحة الارستوقراطية أن تعليم الجنسين قد أسفر عن نتائج حسنة عَلَى نحو ما أكد غيرها من المدارس التي اتبعت هذه الطريقة وبين معلمي مدارس الحكومة ومعلمي هذه المدارس صلات كبرى ومن أو لئك من يحضر دروس معلمي المدارس العليا عملاً بقاعدة مؤسسها من أن التعليم العلمي عند من أخذوا أنفسهم بتعلم الأدب وتمحضوا له يضل جادة الصواب أن لم يشفعه تعليم حالة الشعب فيتعلم المتعلم الحياة ويقف عَلَى الحركة الحاضرة قال وهكذا الحال في التعليم الأهلي فإنه يفقد مكانته عَلَى أسرع ما يمكن ويكون قشوراً ل لباب فيه إن لم يمزج عَلَى الدوام بالدرس العلمي. يعيش المعلمون في هذه المدارس مع أسراتهم ويذهبون خلال العطلة المدرسية وهي ثلاثة أشهر في السنة إلى جميع أماكن الاجتماع. يختلفون إلى الأعياد الدينية والمحاضرات والأسواق الكبرى وإلى كل مكان يعلمون أن أناساً فيه يجتمعون فيتكلمون عن مدرستهم ويدعون الفلاحين إليها في الخريف. وبذلك يستكثرون من الطلبة والحكومة لا تراقب هذه

стр. 5610

المدارس وتدفع لكل واحدة أتى عليها ثلا سنين إعانة نقدية من ٣ إلى ٤ آلاف كورون والمعلمون من الطبقة الراقية في علمهم ويكونون في الغالب ممن شعروا بميل إلى صناعة التعليم وهم في سن العشرين ولهم اجتماعات ونقابات فلا يدخل في سلكهم ضعيف ولا ساقط في فضائله وعلمه والشعب يعرض عن كل من لا يسوغ أن يتولى تربية بنيه ممن عرف بالإلحاد ولم يترب بآداب الدين. وفي كل سنة تدعو المدرسة من تخرجوا في مدارسها من الفتيان والفتيات وأسراتهم فيأتون من كورتهم مسرعين يصرفون اليومين والثلاثة في الغناء والرقص وسماع المحاضرات ومن كان منزله بعيداً ينام في المدرسة. وبهذه الطرق التي تعمد إليها المدارس العليا وفقت للتأثير في الأفكار فصار الفلاحون في الدانيمرك ألف كورون وأعطيت لمدير المدرسة لقاء وصل بسيط يتصرف فيها كما يشاء نعم إن المعلمين والمديرين يعيشون عَلَى ما يجب في هذه المدارس التي نجحت بأفضالهم وفضائلهم فأخذوا يحتكون بالفلاح عَلَى حين تجد أمثالهم في الممالك الأخرى قد يترفعون عنه واستماتوا في تربية الشعب فبذلوا كل قوتهم وبإرادتهم المتجمعة ودعواتهم التي لم يملوا من بثها نبهوا الفلاح الدانيمركي من غفلته التي كان فيها منذ قرون. وكل بلد يقوم فيها مثل هذا النشاط تخصب في ربوعها العلوم والآداب لا محالة. مدينة لا ذباب فيها أجمعت الآراء عَلَى ضرورة قتل الذباب ولكن لم يظفروا حتى الآن بالطرق للخلاص من هذا الضيف الثقيل المخطر الذي ينشر جراثيم العدوى بدخوله في كل مكان وتلقيحه في كل مادة مضار عدواه. وقد وضع مؤتمر الصحة في ولاية إنديانا إحدى الولايات المتحدة قاعدة أوصى فيها بإبادة هذه الآفة وهي اقتلوا الذباب بأي صورة كانت ولكن اقتلوه جملة يرددونها في كل صفحة من صفحات كتاب الصحة. وكانت مدينة ويلمنتون في أركانساس أكثر البلاد ابتلاء بهذه الهوام تنشر من الأوبئة أشياء منها فعمد رجال الصحة فيها إلى استعمال الأدوية كلها للوقاية فيها فخابت مساعيهم. وقد قررت لجنة خاصة أن الواسطة الوحيدة أن تطهر أماكن العدوى وأن يحارب الذباب بكل حيلة فعهدت البلدية إلى أحد الأخصائيين أن يعد دواءً ناجعاً للقضاء عَلَى العفن فأكثر في المدينة من حب حمض البيرولنجين ويحدد رشه أربع مرات في النهار ودامت هذه الحرب شهراً فلم يبق بعده أثراً

стр. 5611

لهذا العدو الهائل وتخلصت المدينة من الذباب فخفت حمى التيفوس بذلك عَلَى التدريج وجادت الصحة أي جودة وبذلك يفهم أن الحكومات إذا أرادت أن تعمل الحسن للأمم توفق له مهما كان صعب الطريقة. نادي المعمرين أنشئ حديثاً في طوكيو عاصمة اليابان ناد للشيوخ الذي لا يقل عمرهم عن التسعين سنة برئاسة الكونت إوليما الياباني ويقال أن بين من يضمهم النادي الآن اثني عشر عضواً عمر الواحد منهم ١١٠ سنوات وقد قيل شبيه الشيء منجذب إليه. إن الطيور عَلَى أشكالها تقع. إزالة الحبر عن البسط إن أسهل طريقة يمكنك بها إزالة الحبر عن الطنافس أو البسط أن تأخذ شيئاً من الملح الناعم وتذره عَلَى الحبر وتى اسود الملح ترفعه وتضع غيره مكانه. أحياء الأزهار ميتة إن الطريقة لإحياء الأزهار بعد ذبولها هي أن تقطع قليلاً من أصولها ثم تغمس هذه الأصول في ماء يغلي فالحرارة الشديدة تنبه الزهرة تعد إليها الحياة التي أوشكت أن تفقدها وتجعلها كأنها مقطوفة منذ هنيهة. أكلة الخبز في الإحصاءات الأخيرة أن كل دانيمركي يأكل في السنة ٢٨٧ كيلوغراماً من الخبز والبلجيكي ٢٧٤ كيلوغراماً والفرنسوي ٢٣٤ والسويسري ٢١٢ كيلوغراماً والألماني ٢٠٩ كيلوغرامات والإسباني والنمساوي ١٩٥ كيلوغراماً والإيطالي والبرتقالي ١٠٢ كيلوغرامين. أما العربي فليس له محل من الإعراب في هذا الإحصاء ولعله من أكثر الأمم تنازلاً للخبز إذ ليس عنده الآن إلا الخبز القفار وربما جاء زمن لا يحصله فيكتفي بأكل البقول والثمار. ثروة سويسرا أحصى الأستاذ ستيجر ثروة سويسرا عَلَى وجه التقريب فكانت نحو ١٤٥٢٨ مليون فرنك

стр. 5612

وأغنى مقاطعاتها مقاطعة برن التي بلغت ثروتها العامة ٢٤٤٤ مليوناً ثم مقاطعة فود ١٧٤٢. نساء فنلندة تبين بالاستقراء أن المرأة في فنلندا لما صار له شأن في توظيف الشرطة في بلادها قل الفجور بل كاد يقضى عليه كل القضاء وذلك أن من وظيفة الشرطيات الفنلنديات أن يسهرن عَلَى أخلاق الفتيات وأن يسعين في إيجاد أعمال ومحال يأوي إليها المهملون أو اللقطاء والعجائز. العناية بالمرأة لما كان للمرأة بولاية كولورادو في الولايات المتحدة حق الانتخاب كالرجل منذ زمن طويل فقد وفقت إلى وضع قانون لحماية الأمومة في البلاد ذلك أن كل الأمهات اللائي لا مورد لهن يعشن سواء كن عازبات أو متزوجات أو أيامى يقبضن من خزانة الحكومة معاونات مالية مهمة تسمح لهن بتربية أولادهن عَلَى ما يجب. الأنسجة الجديدة آخر الأزياء الجديدة من ألبسة النساء الفساطين المصنوعة من الخرز المنسوج الذي يشبه الحرير بلمعانه ومرونته وقد اخترع هذا النسيج في النمسا وألوانه عَلَى غاية من اللطف تختلف بين الأبيض والأخضر والوردي والبجلي (الليلكي) والأصفر وله لمعان كلمعان الماس. وتصنع أيضاً أقمشة من ألياف معدنية معمول من أحجار ليفية لطيفة عَلَى اللمس جداً ومتينة للغاية. ولهذه الألبسة امتيازاتها يمكن تنظيفها عندما تتجعد أو تتسخ ويكفي لذلك أن تكوى. ويصنعون أيضاً جوخاً يدعونه جوخ الحديد يستعمله الخياطون لعمل قبات الثياب. ويعمل هذا الجوخ من الصوف المعمول من الحجر الكلسي وهذا الحجر يمزج ببعض المواد الكيماوية وينشف في تنور أو يطلق عليه مجرى هواء شديد الحرارة فيستحيل إلى مادة بيضاء صوفية تكون عند إخراجها من التنور ملونة الأشكال معمولة طويلة وقصيرة عَلَى نحو ما يعمل الجوخ والثوب أو السروال المعمول من هذا الجوخ الحديدي لا يتلوث بلوثات من الدهن ومرونته تشبه مرونة أدق صوف الماعز. ومن جملة الأصناف الجديدة من هذا النوع نسيج الورق أو الحطب أو القنب فإن نسيج الورق قد خدم

стр. 5613

اليابانيين خدمة نافعة خلال حربهم مع الروس وهو أحسن ما يكون لصنع الأزياء العسكرية الرسمية وتعمل منه اليوم فساطين للسهرات وألبسة للحمامات وأن مدينة طوكيو عاصمة اليابان لتصدر إلى إنكلترا وألمانيا وفرنسا كميات وافرة منه. ويعمل اليابانيون من هذا القماش قفافيز للأيدي أيضاً. أما قماش القنب والحطب فيكون متيناً للغاية يمزج مع بعض المواد الكيماوية التي كتم مخترعوها أسرارها فيباع بكميات رابحة في المستعمرات البريطانية. ذكاء الحيوان كان للناس منذ القديم آراء متناقضة في مسألة ذكاء الحيوان فقد قال بيكورس الفيلسوف اليوناني أن للحيوانات روحاً كالإنسان وقال أرسطو والرواقيون من فلاسفة اليونان أن ليس للحيوانات ذكاء يعتد به ورأت النصرانية مثل هذا الرأي الأخير فأثبت لهم الغريزة ونفت عنهم العقل الذي لا حاجة لهم به واعتبر الفيلسوف ديكارت الحيوانات بأنها أدوات بسيطة تعمل من نفسها ولا تعرف ما تعمل وكانت فلسفة القرن الثامن عشر مناقضة لهذا الرأي ونسب الفيلسوف لايبنز للحيوانات عملاً نفسياً منحطاً عن القوى الإنسانية وذهب الماديون من الفلاسفة مذهب أبيكورس مثبتين أن النفس متعلقة بالدفاع وأن النفس البشرية غير خالدة كالحيوان وذهب مثل هذا المذهب أيضاً ملاحدة القرن التاسع عشر فأثبت كارل فونت ولويزنجتر فكراً سامياً للحيوان في الذكاء وقال داروين وهو الذي يرى أن الإنسان مرتق عن الحيوان بترقي الأنواع بأن غريزة الحيوان هي الممثلة لصفاته القوية التي هي قوية في الحيوان وقد بلغت في الإنسان أرقى طبقاتها. واقترب العلم الحديث من هذه النظريات بان أثبت للحيوان قوى ودرجه بحسب أجناسه وأصوله بأن وضع في الدرجة ذوات الثديين التي هي سلم الكائنات قريبة من الجنس البشري فاعترفوا بأن للكلب شعوراً من العقل والذكاء اللذين طالما أقام البراهين عليها وثبت أن حصان هانس يحسب ويجمع ويطرح بلا غلط ويجيب عَلَى المسائل العويصة بإشارات لا خطئُ وذبك ثبت بأن للحيوان نفوساً كما للإنسان وإنها من الذكاء عَلَى جانب. الإتحاد الأوربي تكتب المجلات الكبرى في الغرب الحين بعد الآخر مقالات في الدعوة إلى اتحاد أوربي

стр. 5614

عام تكون به دول أوربا يداً واحدة في الخصام والسلام ومن ذلك ما نشرته إحدى المجلات الإنكليزية الخطيرة قالت مؤخراً أن من الأمور الثابتة أن الحالة الحاضرة في أوربا ليست مما يبعث عَلَى الرضى فهي تفقد عَلَى التدريج المكانة وإن كانت لها فيما سلف من الأيام عَلَى حين تنشأُ أمم أخرى أمامها ونبلغ بالتدريج الدرجة الأولى. والسبب في هذا الانحطاط هو أن ممالك أوربا لا تبرح عَلَى الدوام مسلحة بعضها عَلَى الآخر سواء كان للدفاع أو للإغارة. والإفراط في التسليح عَلَى هذا النحو يدل بصراحة عَلَى ما بينهن من الحذر والحسد فإن أوربا تنفق كل سنة عشرة مليارات من الفرنكات لإطعام جيوشها فإذا نشبت الحرب تحتاج إلى ثلاثة أضعاف هذا المال لنضرب العدو المفاجئ. والطريقة التي جرت عليها أوربا ستقودنا لا محالة إلى حرب وإنا إذا نظرنا إلى حالة الأمم المختلفة نجد ألمانيا بعد حروب كثيرة قد وفقت إلى تأييد سلطانها ولكن من يحميها من المشاكل مع البلاد الخارجية إن لم تكن قوائم سيوف أبنائها. وهكذا الحال في فرنسا وغيرها من الممالك. فإن نزع السلاح من أوربا لا يمكن الحصول عليه إلا بعقد اتفاق عام وائتلاف ثم إذا فرضنا أن ذلك ميسور فكم ينبغي له من الوقت وكم تدوم مدته عَلَى أن المتحتم عَلَى أوربا أن تشبه من حيث الاقتصاد الولايات المتحدة الأميركية فيكون إذ ذاك نفوذها عظيما ويتيسر لها أن تقاوم المهاجمات وتخرج ظافرة من جميع حروبها. يبحث الآن في عقد اتفاق بريدي عام في تأليف مكتب للعمل دولي وأشياء من هذا القبيل مما يكون من وراءه إعداد المواد لعقد التحالف الأوربي العام ونحن نقترح الجمع بين أُسرة كبيرة أوربية تكون ممالكها الجنوبية أبناء ذاك فسكون هذا مؤلفاً من ست دول وهي تدعو سائر الدول إلى الاشتراك معها ويدور محور التحالف عَلَى الاحتفاظ بالحالة الحاضرة ولا شك أن كثيراً من الأمم تفادي بمصلحتها العامة وإذ كانت الحكومة لا تحكم بدون مظاهرة الشعب فعلى الشعب أن يعد الأفكار لقبول هذه الدعوة للإتحاد العام. تبدل المناخ تنبأ كثير من العلماء بإمكان تبدل يطرأ عَلَى الأرض وقدروا بأن كثرة ما ينفق من حامض الكربون في الهواء لكثرة إنفاق الفحم سيكون السبب في ذلك وقد أكد أحد أساطين العلم مؤخراً بأن المناخ يتغير والحرارة تشتد مستشهداً لذلك بترقي البشرية في صرف الفحوم

стр. 5615

وزيادته سنة عن سنة وأن كمية الحامض الكربوني تنمو عن ذلك المعدل وقد أُحصي ما أنفق من الفحم سنة ١٨٩٩ فكان ٨٢٣. ٢٨٧. ٤٥٤ طناً ولم يكن المنفق منه قبل عشر سنين أكثر من ٥١١. ٥١٨. ٢٥٨ في القرن العشرين بمليار طن عَلَى سرعة الزياد ويدعو إلى تقدير ما سينفق من الطنات في القرن العشرين بمليار طن فتتضاعف كمية الكربون في الهواء وتحفظ الكرة حرارتها فتكون الحرارة في الأرض كلها أكثر من الأول. والعلماء يتوقعون فيما إذا كانت هذه الزيادة في الحرارة تضر بوجود الهواء. الأشجار التاريخية في سنة ١٨٦٠ غرس البرنس دي غال في حديقة نيويورك الوسطى بيده شجرة دردار أميركية وشجرة بلوط إنكليزية احتفالاً بمرور خمسين سنة عَلَى معاهدة غاند ومنذ ذلك العهد نجحت هاتان الشجرتان وأصبحتا من الجمال بحيث لا تضاهيهما شجرة من نوعهما وعمرهما. ومن الأدواح الضخمة التاريخية في العالم شجرة البارون همبولد القائمة في وادي أرغوا في جمهورية فنزويلا فإنها اكتشفت في القرن السادس عشر ولا تزال إلى اليوم عَلَى مثل ضخاتها يوم اكتشافها وكانت استدارة أغصانها ٥٦١ قدماً وهي الآن كذلك. ومن الشجار الضخمة في العالم الشجرة المعروفة بشجرة التين في أوروتثا التي ما برح طائفة الكواتش في تنريف تعظمها وقد ثار إعصار هائل سنة ١٨٧١ فألقى بها إلى الأرض وكان قطر جذعها ٤٦ قدماً. ويقال أن يونان لم تبرح فيها الشجرة التي كانت تظلل بأغصانها أفلاطون وهو يحادث سقراط. ومن الشجار التاريخية ثلاثة شجرات في جزيرة القديسة هيلانة التي نفي إليها نابليون وبين جذوعها قضى هذا الفاتح. ومنها نخلة جورج واشنطن محرر أميركا ولا يقل عمرها عن قرنين وهي أجمل مثال في الأشجار التاريخية. سكر النبا النبا نوع من النخيل ذو ورق كبير مركب عل شكل ريش أو مشط مجتمع في رأس ساقها. وهو يكثر في عدة أصقاع من الأرض ولاسيما في جزائر الفلبين ويستخرج منه الكحول بلغ دخله في العام الماضي زهاء ٨٠ ألف هكتولتر ويستعمل ورقه في نسج الحلفاء كما تصنع منه أغطية للدور وورق للفائف ويؤكل ثمره نيئاً أو مطبوخاً وقد أنبأ المكتب العلمي في مانيلا جمهور الزراع والصناع أنه اكتشف طريقة يمكن معها استخراج مادة سكرية

стр. 5616

تنافس سكر القصب وتفوقه بالرخص. وتعيش شجرة النبا خمسين سنة وكل فدان زرع من النبا يعطي غلات وافرة جداً. ولعل بهذا السكر يرخص سكرنا. أعاجيب الحاسبين ظهر في المكسيك حيسوب من أعاجيب الدهر هو فتى الآن في الثامنة من عمره اسمه ميشيل ألبرتو مانتيلا وهو ابن صراف في تلك البلاد ومنذ سنتين كان كأقرانه ليس فيه شيء من خوارق العادات بينا كان أبوه ذات ليلة يجتهد في حساب أحد التواريخ ليكون مطابقاً ليوم أحد دهش لما رأى ولده يجيبه في الحال عَلَى هذه الأشكال وإذ رآه يحسن الإجابة عاد فسأله عن يوم ٢٤ كانون الثاني ١٨٣٩ أي الأيام كان فأجابه الطفل بعد تفكر ثانيتين أنه كان يوم خميس. وعند ذلك دعا والد الطفل جيرانهما لإلقاء الأسئلة عليه فكان من جملة ما سألوه عنه أي يوم يكون يوم ٢٤ كانون الثاني سنة ٢٠٠٠ فأجاب يوم الاثنين وقد فحصت المجامع العلمية هذا الولد فأعجب به إذ لم تجد في قواه النفسية شيئاً فوق العادة لأنه كاد يقرأ ويكتب قراءَة وكتابة بسيطة. ولهذا الولد أمثال فإن في جامعة هارفرد الأميركية تلميذاً اسمه ويليام جايمس سيديس كان منذ الخامسة من سنه يحسب الأيام والسنين بحساب سريع عقلي وفي إيطاليا ولد أُمي جاء باريز فأدهش العلماء بسرعته في الحساب وقد سأله ومن جملة الأسئلة أن يخرج لبهم الجذع المكعب للرقم ٢٧ فحل هذا الإشكال في عشر ثوان. وجاء في القرن الماضي حيسوب زيراه كولبورون اشتهر أي شهرة فسئل وكان في السادسة من عمره إذا كانت الساعة الدقاقة تدق ١٥٦ مرة في اليوم فكم دقة تدق في مائتي سنة. وسألوه عن مكعب الرقم ١٤٤٩ وأي مبلغ إذا ضرب بنفسه يكون حاصله ٩٩٨٠٠٠ فكان جوابه لا يطول عَلَى كل سؤال من هذه الأسئلة أكثر من أربع ثوان. وجاءَ في الفرنسويين هنري موندر فأدهش لمجامع العلمية وكان مرة ذاهباً إلى تور من طريق الحقول فصادف فتاتين غريبتين وكان هو في الخامسة عشرة من سنه فسألهما هل لكما أن تقولا لي سنكما بتقدير السنين وأنا أقول لكم كم يبلغ من الثواني فقالت له إحداهن أن سني تسعة عشرة سنة فقال لها في الحال إنك عشت ٥٩٩ مليون ثانية و١٨٤ ألف ثانية. وممن يحشر في هذه الزمرة فيتو مانجيا ميل الذي حرز في نصف دقيقة ما هو

стр. 5617

الجذر المكعب من عدد ٣. ٥٩٦. ٤١٦ والحيسوب المشهور الألماني زخريا داز الذي كان في الخامسة عشرة من عمره يعمل جلسات عامة يسأل فيها هذه الأسئلة المشكلة مع القلم والدواة. ومثلهما جديدياه بركسثون الذي كان يجد بواسطة الحساب العقلي الجذع المكعب من عدد ٦٠ رقماً. ومن الغريب أن هؤلاء الأولاد الخوارق الذين يحصرون أبداً أذهانهم في هذه الموضوعات ليسوا في الأغلب إلا أبناء فلاحين لا يقرأُون في لا يكتبون وهم بينما يعرفون ما لا يتصور العقل أصعب منه من المسائل لا يحسنون معرفة طريق البلدة التي عاشوا فيها وهم يعمرون حافظين لقواهم العقلية فسبحان من خص ما شاء بما شاء. فن الإعلانات لا يعرف منشأ الإعلانات حق المعرفة فقد اكتشف في ثيبة إعلانات عَلَى ورق البردي كتبت منذ زهاء ثلاثة آلاف سنة. واستعمل اليونان واسطة لطيفة للإعلان فكانوا يخرجون منادياً ينادي في الشوارع يكون من أهل الفصاحة والبلاغة ليأخذ بمجامع القلوب في الأزقة والجواد ويختارونه ممن خفت مشيته وكان جميل الشكل ويصحبونه مع هذا بموسيقار ليلفت الأنظار عَلَى طول الشوارع بأدواره ونغماته وهذه العادة بقيت في أوربا بقية إلى اليوم عند المعلنين. واستعمل الرومانيون الإعلانات ليعلنوا عن دور التمثيل وقتال المتصارعين وكانوا يلصقونها في بومبي تحت الأروقة. ولقد تألفت في فرنسا منذ القرن الثاني عشر نقابة للمنادين ينوبون عن الإعلانات وعن السماسرة وتستخدمها الحوانيت والحانات للمبالغة بمديح بضائعها فيسير المنادون في الشوارع العظمى ومصباح في أيديهم وقد ملؤا سروراً وظرفاً وزاد اختراع الطباعة في انتشار الإعلانات كثيراً فمنذ انتشرت الصحف الأولى زادت الإعلانات. وافتتح بارتولوزي واشياعه في القرن السابع عشر عهد الصور والنقوش بماء الفضة وظلت طريقتها وحيدة بصنعها. ثم جاء فاتو الذي تفنن في الإعلانات عَلَى ما رزق من قريحة وقادة وأحسن ما صنع من هذا القبيل لرجل إسكافي بيع مؤخراً من إمبراطورية ألمانيا. ونحو سنة ١٨٧٠ ظهر جول شيريه وكان آية في فن الإعلانات ورسمها وجاء بعده غراسه الذي برع وأي براعة في نقش الزجاج وجلود الكتب والبطاقات فانتشر فن الإعلان عند الفرنسيس سنة ١٨٩٠ وعنهم شاع في إسبانيا وألمانيا وبلجيكا وإنكلترا كم شاع في أميركا وهكذا كان تفنن الإفرنج في الإعلانات حتى صار

стр. 5618

البارع في وضعها وصنعها يعد من المفضلين عَلَى الإنسانية مثل مخترع الطباعة ومخترع البخار ويعيش عيشة حسنة بما ينهال عليه من الأجور والرواتب.

стр. 5619

العدد ٨٣ - بتاريخ: ١ - ١ - ١٩١٣

стр. 5620

التربية الاجتماعية أخواني الأعزاء لا بد أنكم قرأتم أموراً كثيرة عن ذلك الفيلسوف الإنكليزي الشهير داروين. اصطدمت مخيلة هذا العالم الطبيعي صاحب الفكر الثاقب والنظر النافذ بحادثة فجائية تجلت أمامه أينما حل وحيثما ذهب، حادثة عامة وجدها تتناول جميع ما يدخل تحت عنوان الحياة نباتاً كان أم حيواناً: تلك الحادثة، كما تعلمونها عي التنازع عَلَى البقاء أو بتعبير أخص من عزم عَلَى محافظة حياته. وجب عليه أن يتجهز لرد طوارق الحدثان التي لا بد من أن يصطدم بها في كل آن. جلبت نظره تلك الحادثة العامة فابتدأ من ساعته يبحث عن دواعي ذاك النزاع والأسباب التي تؤدي لتقوية بعضهم وتفوقهم وإضعاف الآخرين وتقهقرهم. فمكن جملة الأسباب التي وجدها، الصبر عَلَى شدائد الطبيعة، والتفوق من جهة الاقتدار المادي والمعنوي، وتزايد النسل عند فريق أكثر من الآخر غير أنه لم يقف عند هذا الحد بل واصل البحث والتنقيب حتى ظهر له بأن نتيجة هذا النزاع الدائم بين العناصر الحية هو بقاءُ الأنسب في العالم وأن السيادة مع تقلب الزمان تبقى في أيدي أولي العزم والتدبير فوجد عَلَى توالي الأيام أن الضعيف محكوم عليه والقوي حاكم، أو بعبارة أقرب إلى الحقيقة، الضعيف يموت والقوي يسود. فهذه حقيقة قد أيدها علماء كثيرون قبل داروين، وفي جملتهم الفيلسوف العربي الشهير ابن رشد فإنه قال: (ليس عَلَى الضعيف عَلَى مر الأزمان إلا حالتان، إما أن يموت مذلولاً وإما أن يتمثل بأقوى منه فيكتسب صفاته وبذلك يقوى فيسهل عليه النزاع مع معامع الحياة) ولكن داروين، أيها الأخوان، لم يكتف بإثبات ما ذكر بل تدرج من القانون العمومي، قانون بقاء الأنسب، وظهر بنظريته المسهورة التي طالما تجاذبتها العقول وتشاحذت بها القرائح والأذهان وهي: الارتقاء في العالم. سردت لكم أيها الأخوان هذه العبارات لا لأنني أريد شرح نظرية ذاك العالم المدقق، ولو أردت ذلك حقيقة لأضحككم حالي لعلمكم أن الوقت ضيق جداً وأن شرح تلك النظرية يتوقف عَلَى معرفة مسائل جمة لا تدخل في موضوعنا كما أني لست بقادر عَلَى إتيانها، وإنما أردت أن أذكركم والذكر لا تنفع، أن الحياة ليست كما يتوهمها كثير منا. فالطفل لدى

стр. 5621

خروجه من حجر أمه يقع في ارتباك ظاهر لما يتهاجم عليه من العوارض الكثير: فلمسة يد تؤذيه ولفحة قر تؤثر فيه. فيربو وينمو بين حرص الطبيعة وصعوبة المعيشة وكلما تقدم في السن كثرت احتياجاته وتراكمت عليه المشاكل وتضاعفت عَلَى جانبيه الرقباءُ حتى إذا ما أراد شيئاً وجد ألوفاً مع الموانع تزاحمه. فهذه المناقشة أو بالأحرى هذا النزاع والتزاحم يتجلى بكل سعته وشدته عندما يخرج الإنسان من المدرسة إذ يكون حينئذ قد قبض عَلَى زمام إرادته وافلت من الحماية العائلية فيدخل إذ ذاك في حياة جديدة يطلب الرغيف والزاد متكلاً عَلَى قوة ساعديه وقيمة كسلبه فالوسط الذي يلجه يجد فيه أناساً كثيرين يزاحمونه عَلَى مرغوبه ويحولون بينه وبين مطلوبه. وهناك الطامة الكبر إذا لم يكن قادراً عَلَى دفع المشكلات وإزالة العثرات. فحالة الأمم في وقتنا هذا لا تختلف عن حالة الأفراد إن لم تكن أشد وطأة وأعظم خطراً. فالأمة لا تنظر إلى حقائق الأمور بعين الاعتبار وتهمل نفسها بمجاراة مجاوريها في سبيل الرقي الأدبي والمادي تمسي ولا شك متدهورة في هاوية الدمار من حيث لا تشعر تختار السر وهو أشأم أصناف الانتحار وأفظعه. قلنا أنه يجبعلى الأمة أن تنظر إلى عواقب الأمور وتسعى بكل جهدها وطاقتها وتستعمل جميع الوسائط لترقية أبنائها لا لترقيتهم بصورة مطلقة إذ أن ذلك لا يكفي، بل لإيصالهم إلى درجة يقدرون بها، بواسطة التعاون والتضامن بينهم، عَلَى الاحتفاظ بحريتهم وشخصيتهم لا جرم أنكم تعلمون أيضاً أن بعض الأمم في حالة من الرقي تختلف درجاته غير أن الرقي النسبي لا يجهل أحد منكم أن فرنسا تجتهد كل الاجتهاد لتزييد نفوسها ويحق لها أن تضطرب كل الاضطراب في الوقت الحاضر. أو بينا ترى نفوسها تزداد مائة وثلاثة آلاف في خمس سنين أي من تاريخ ١٩٠٥ إلى ١٩٠٩ فألمانيا قد زادت في الوقت نفسه، بما يربو عن الأربعة ملايين ومائتين وسبعة وأربعين ألفاً في حين أن إنكلترا وعدد سكانها ٣٦ مليوناً ما عدا نفوس إيرلاندا واسكوتلاندا قد زادت سنة ١٩٠٩ فقط بما يقدر بأربعمائة وثلاثة عشر ألفاً فالزيادة المطلقة التي وقعت في فرنسا في هذه المدة هو سبب ضعفها لعدم كفايتها بالنسبة لمجاوريها فهذه الزيادة العظيمة في ألمانيا تدعوها إلى أن تزيد عسكرها إلى ٧٠٠ ألف مقاتل في وقت السلم وأن تتداخل في مسائل أغادير وغيرها

стр. 5622

مضطرة لا مختارة وتحتل أصقاعاً جديدة لتعينها وقت الشدة. ذكرت لكم هذه الأمثل لألفت نظركم إلى أننا في ضيق وأن الوقت حرج جداً ومن ضيع الفرصة لا ينفع أن يعض أصابعه ويندم حيث لا ينفعه الندم. فيكتفي بمدح ماضيه ويعقد يديه أمام المستقبل. فمن أحب وطنه وعشقه حقيقة وجب عليه قبل كل شيء أن يصلح نفسه ويزينها بالعلوم العصرية ثم يفكر بأن هناك أمة له عليها حقوق عديدة منها حق بقائه فيجتهد إذ ذاك للقيام بواجبه نحوها وإيصالها إلى درجة الرقي والإسعاد، درجة تمنحها حق البقاء بين الأمم الحية. أخواني، لا تظنوا بأني أعرض بالذين يفاخرون بماضيهم لأني أعتقد أن الإنسان لا يمكنه تسلق سلم المعالي إلا إذا عرف نفسه ومعرفة النفس لا تتم إلا بمعرفة الآباء والأجداد وما تركوا من الآثار. لأن الإنسان ليس ابن يومه بل ربيب أمه وأن هناك سلسلة تربطه، شاء أم أبى بالماضي. وما أصدق ما قاله الفيلسوف الشهير رنان الأمة مؤلفة من أمواتها أكثر من أحيائها فمن أراد خدمة أمته كان جديراً بأن يبحث عن ماضيها ويدرس تاريخها ويكشف التراب عن تلك الجذور التي تسنده في حياته دون أن يراها ثم يستعين بها لخدمة مبدأه وتعزيز غايته، غير أنني قصدت بقولي إذ ذاك من يتحمس مفاخراً بقوميته مع أنه يجهل أصلها وفرعها يجهل رجالها وآثارها، قصدت بقولي من يصرخ دائماً، أمتي، أمتي، كانت صاحبة علم ومجد، صاحبة مدنية عظيمة، أوليست هي مهد المدنية الغربية؟. . . . وكلها جمل مفخمة سمعها من رفيقه واكتفى بتردادها في كل محفل ومحضر دون أن يفكر بأن الألفاظ لا قيمة لها إذا لم تستند عَلَى دلائل علمية وأدلة حية. من حب أمته فليبحث عن أحوالها وآثارها وليجتهد في تلقيح ما هو موفق من المدنية الغربية فيها. نحن العرب، يقال عنا أننا أذكياء، فلو سمعنا بهذه القضية أليس يجدر بنا أن نفهم الآن أننا في القرن العشرين، قرن الجهاد المتمادي والسعي المتوالي وإن الذكاء وحده لا يكفل للإنسان حياته إذا لم يأخذ بالأسباب بإرادة أشد من الحديد. نعم عن هذه الصفات صعبة المنال غير أنه يجب عَلَى الإنسان أمام المصاعب أن لا يقنط إن الأمة لا تعمد عَلَى حالها وليس لها ثقة بأفرادها تكون قد أساءت الظن بنفسها ومن أساء الظن بنفسه تدرج إلى اليأس وهناك الطامة الكبرى إذ ليس بنتيجة اليأس إلا الفتور والخمول.

стр. 5623

فحينئذ يجب عَلَى كل أمة أن تنتبه كالأفراد إلى شخصيتها وتتأهب إلى يوم معلوم. يوم لا بد أن تختبط مع غيرها فيه فإذا كانت خبيرة متيقظة في أمورها حازت قصب السباق وإلا وقعت كما هي حالتنا الآن في هوة الذل والهوان. تذكرون ولا ريب قول ذاك الحكيم الاجتماعي مونتسكيو بحق القوة: القوة تجري إلى أن تجد مانعاً فيصدها فهذا القول ينطبق عَلَى جميع القوات طبيعية كانت أم اجتماعية. أليست تشكلات أوربا السياسية وتجمعها حول الاتفاق والائتلاف مستندة عَلَى هذه النظرية أوليس ضعفنا وتشتت شملنا هو الذي أطمع الحكومات البلقانية أن تزحف علينا بقواتها وترغب في ابتلاعنا. التساهل بالأمور وحسن النية والاتكال عَلَى الغير أمور لذيذة. لأنها هينة التناول ولكن يا للأسف إننا نرى السياسة متلونة ولا تلون الحرباء لا ثقة بها مطلقة. وما التساهل وحسن النية بالأمور إلا بلاهة ومسكنة. كنت أظن أننا قد اعتبرنا بما قد أتى عَلَى رؤوسنا من الدروس التي أوشكت أن تضي علينا بتاتاً، كنت اظن أنه لم يبق أحد في المملكة العثمانية إلا وقد اعتبر بما انتهت إليه سياستنا العنصرية التي بعثرت قوانا وكادت تفرق قلوبنا بعضها عن بعض ولكني وجدت ويا للأسف - بالرغم عما كنت آمل - منشئاً يكتب السطر الآتية في جريدة تنشر في العاصمة: العناصر المختلفة التي تعيش في السلطنة العثمانية لا يمكنها أن يكون لها قوة نافذة بجانب العنصر التركي. منذ خمسة عصور ونحن عائشون تحت عنوان العثمانية، ففي القرن العشرين ينبغي أن نعيش تحت عنوان الترك؟. لم اذكر لكم معشر الشبان الكرام هذه الأمثولة إلا عَلَى سبيل الاستطراد وليس جديراً بالإنسان أن يغالي بسوءِ الظن، لأن التسامح واجب والتعاضد ضروري خصوصاً في الهيئات الاجتماعية - غير أنه ينبغي علينا أن لا يحسن الظن بما يستحقه وأن ينظر إلى المستقبل بعين الدقة خصوصاً إذا كانت حياة أمة في موضع البحث وأن يعتمد عَلَى نفسه واجتهاده وعند الحاجة يكون مقتدراً عَلَى العمل بوصية الشاعر: وإذا بليت بظالم كن ظالماً ... وإذا لقيت ذوي العدالة فاعدل أخواني الكرام، أريد الآن أن أتكلم عن التربية الاجتماعية أو بالأحرى عما تحتاج إليه التربية الديمقراطية.

стр. 5624

والذي دفعني لتخصيص هذا البحث في هذا الموضوع ظاهر عَلَى ما أظن. لأن هذا الفرع من التربية هو الذي شغل أكثر المفكرين لتناوله جميع الأفراد وله في وقتنا الحالي مكانة عظمى عند الأمم الراقية. إن الوقت الذي كانت تستعد به الأمم بمجيءِ رجل ذي دهاء يتولى أمورها قد قل حظه وسيدفن عن قريب بين صفحات التاريخ وإن الدور الذي كان الأمر فيه بيد شخص واحد يتصرف كيف يشاءُ قد مضى وانقضى وها نحن الآن في زمن، لصغير القوم وكبيرهم حقوق يطالب بها ووظائف يدعى إلى القيام عليها، يشترك برأيه بمهام الأمور ويضع إصبعه في كل مسألة تتعلق بحياة أمته وارتقائها فمن ثم وجب عليه أن يكون قادراً عَلَى تمييز الغث من السمين ليفيد الهيئة الاجتماعية التي ينتمي إليها بسعيه وعلمه. هذه المسألة من أهم المسائل الاجتماعية قدرتها المم الغربية حق قدرها وهي تشتغل ليلاً ونهاراً بتطبيقها، بنشر العلم وتعميم الفائدة بين جميع أبنائها حتى يكون كل فرد مفيداً لأمته برأيه وسعيه وعلمه وماله. إن من الأفراد من يعلقون آمالهم وترقية أمتهم عَلَى حياة شخص واحد. إن الأمة التي لا يمكنها أن تكون معجن الرجال والتي تعلق شقاءَها وسعادتها عَلَى شخص واحد ليس لها الحق في أن تدخل مصاف الأمم الحية. الأمة الحية هي من إذا فقدت بالمرستون أتاها بيكونسفيلد ومن إذا أضاعت بيكونسفيلد داءها غلادستون ثم شامبرلين، فساليسبوري، فالبسفور فاسكويس من الرجال الدهاة والأمة الحية هي التي تملك أمثال هؤلاء الرجال ولا يهمنا إذا سقط واحد فإن هناك جماً غفيراً قادراً عَلَى أن يخلفه. فالروح الأساسية هي التي تأتي بالأعمال العالية هي روح الأمة من حيث المجموع ولا تظنن أن بسمارك كان يمكنه أن يفعل ما فعل ويوحد العنصر الجرماني تحت يد واحدة لو لم يكن مستنداً عَلَى أمة غذاؤها العلم والانتظام وأعني بهما التربية المدرسية والروح العسكرية ولا تظنن بأن تيير الفرنسوي كان يستطيع دفع الخمسة مليارات ويخلص وطنه بمدة وجيزة لو لم يكن وراؤه أمة تعودت الاقتصاد وتأصلت فيها مزايا الاستثمار. فحري بنا نحن أبناء العرب أن نقتفي إذا أردنا لنفسنا حياةً حرةً أثر تلك المم وأن نبث روح التربية الديمقراطية بكل صقع من أنحاء جزيرة العرب وسورية.

стр. 5625

إن الأخصائيين في هذا الفن قد عرفوا التربية بصور عديدة فقال الفيسلوف الألماني (كانت) التربيثة تنمية الصفات الكمالية في الإنسان بقدر ما تستطيع طبيعته أو بقدر ما يتحمل استعداده. وتقول مادام نكور دوسو سور وهي آنسة اشتهرت بهذا الفن: تربية الطفل، هو إيصاله الحالة يقدر بها أن يفي بوظائفه الحيوية بأحسن صورة، ويرى هربرت سبنسر أن التربية هي إحضار الطفل للحياة الكاملة، وعرفها جيمس ميل الفيلسوف الأميركاني هكذا المقصد من التربية هي جعل الطفل آلة سعادة لنفسه ولغيره. وبعد فإن جميع ما ذكرناه من التعاريف في التربية يتعلق بغايتها لا بذاتها ويخلو أحدها من الإبهام. لأنه إذا سئلنا ما هي الحياة الكاملة وما هي السعادة يصعب علينا أن نجاوب جواباً شافياً لأن هذه الكلمات تدل عل أشياء نسبي لا يمكن حصرها ثم فهمها. عرف جان جاك روسو التربية بذاتها فقال: التربية هي صنعة لتنمية الأطفال وإعداد الرجال فحسن هذا التعريف أنه قصير ومختصر غير أن قصره المفرط ولد فيه نوعاً من الإبهام. ولذلك أرجح التعريف الآتي وإن كان مطولاً غير أنه يدل عَلَى المقصود ويؤلف بين التعارف التي ذكرناها التربية هي مجموع الأعمال المفكرة لمعاونة طبيعة الإنسان في ترقية خصائصه الجسمية والعقلية والأخلاقية، بقصد تكامله وإسعاده وإيفاء وظيفته الاجتماعية فهذا التعريف يجلو للأنظار بأن التربية ينبغي لها أن تنطبق عَلَى الصفات الثلاث المتمم بعضها بعضاً في الإنسان وهي الصفات الجسمية والفكرية والأخلاقية. أستأذنكم أن أتبع كلمتي في التربية الديمقراطية بما يتعلق بالمعلومات الأساسية والصفات الفكرية والإرادية التي يجب أن تؤسس في عقل الطفل من حيث أنه عضو فعال وأن يكون بحثي بصورة خاصة في الولد الذي دخل مدرسة لتكميل ما تعلمه لأجل ذلك خصصت بحثي بالتربية وتركت تربية الأسرة والتربية اللا مدرسية (إن صح التعبير) أي التربية الذاتية بعد الخروج من المدرسة. ولي بذلك مأرب يهم الحياة العربية. لا بد أنكم اطلعتم عَلَى بعض المقالات التي نشرت في المدة الأخيرة عَلَى صفحات الجرائد في دمشق تحت هذا العنوان المبادئِ العالية فتوالت المقالات عَلَى إثر انتشار المقالة الأولى حتى ظن أنه يوجد اختلاف بين آراء الكتاب في هذا الشأن ولكن الخلاف لم يكن إلا اختلافاً وهمياً لمن ادعى أنه لا صلاح إلا بإصلاح الأسرة فقد نطق بالصواب لأن العائلة

стр. 5626

عَلَى التحقيق هي أساس كل جمعية وقوامها. غير أنه إذا سئل كيف تصلح الأسرة، فماذا يكون إذاً الجواب؟ أيتمكن الأبوان أن يتوفرا عَلَى تربية ابنهما أو بنتهما مع أنهما لا يفقهان ما هي التربية وما معناها، وهل يكفي أن يلقن الآباء والأمهات معنى التربية بواسطة المحاضرات والمؤلفات والجرائد وهل هم يحسنون القراءة وإذا قرؤ أو توصلوا لفهم معنى التربية هل يتمكنون من تطبيقها وهل يمكننا أن نغير طبائعهم وعاداتهم بعد أن وصلوا إلى تلك السن ونعلمهم الثبات والدوام في العمل لأجل أن يتيسر لهم اقتطاف الثمرات أن يمكننا أن ندخل البيوت ونأخذ النفس بتربية الأطفال. كل هذا وهم باطل إذاً فلنوجه أنظارنا إلى المدارس لأن هناك آمالنا وهناك مستقبلنا هناك يمكننا أن نؤثر في الطفل وأن نغرس فيه بقدر الإمكان بعض الطبائع الحسنة ونعلمه الثبات والمضاء إنني لا أنكر ما للمؤلفات والمحاضرات من الخدم العظيمة بهذا الشأن كما أنني أعتقد أن تلك الخدم بالرغم من مكانتها ثانوية بالنسبة لتربية أمة كأمتنا. قلت أن المكتب هو الذي يجب أن يكون المبدأ لتربيتنا: لأن الولد الذي يتيسر له نيل تربية حقيقية في المدرسة يمكنه أن يؤثر في إصلاح أسره وأن يكون سبباً لإسعاد أولاده وترقية أمته في المستقبل. ولكن من لنا بأن يربى تلك التربية التي أشرنا إليها في مدارسنا. أولئك الرجال الذين يعلمون فيها الآن؟ فكفى بنا ذهولاً واسمحوا لي بأن أهتف إلى الغرب الغرب. لنرجع إلى موضوعنا أي إلى كيفية المعلومات الأساسية والصفات التي تتعلق بالفكر والإرادة والتي يجب عَلَى المعلم أن يلقنها تلميذه بصفته عضو من أعضاء هيئة اجتماعية وديمقراطية ولذا فلنبدأ بالتربية العقلية لأن التربية الجسمية المدرسية وضررها معلوم عند الجميع. قلت فلنبدأ بالتربية الفكرية لأن الطبيعة الأخلاقية في الرجل وإن كانت هي التي تعطيه القوة اللازمة لاقتحام المصاعب غير أن الذكاء هو الذي ينير طريقها ويعين لها وظيفتها. وعليه فلتربية يجب أن يكون أساسها العلم وأن تستند في جميع أوقاتها عَلَى مكتشفاته وأصوله الثابتة. لأننا في قرن الحقائق العلمية والخرافات الناشئة عن الجهل، التي تدرس في مدارسنا بدون أن يشعر بها المعلم هي لائقة بعصر كان للخرافات والتخريفات فيه حظ

стр. 5627

وجال. فالعقل البشري في عصرنا هذا خاصة لا يطأطئ لسهولة أمام البداهة العلمية. ولكن ماذا يفهم من قولنا أن العلم يجب أن يكون روح التربية الفكرية في مجمع ديمقراطي؟ هل يمكننا أن نطلب من الخلق بان يملكوا كلهم فنون العلم بحذافيرها ويتمثلوا بها. كلا! فإن ذلك لا يدخل تحت دائرة الإمكان. وحيث أن الجمعية مرتبة من أعضاء مختلفين في استعداداتهم وطبائعهم فقسم منهم بطبيعة الحال يبرع مثلاً بالعلوم الاجتماعية وآخر بالعلوم الرياضية وآخر بالتجارة والصنائع والزراعة. . . الخ. وعلى كل منهم أن يكون عالماً في صنعة آمراً كان أو مأموراً وما العالم إلا من أخصى في شعبة من شعب الفنون الحاضرة فعليه ليس المقصد، كما قال رنان، أن يكون كل الأفراد علماء بل المقصد أن يشترك الكل بثمرات العلم أو بعبارة أجمل كما قال نوسيديد ليس المقصود أن يكون فرد قادراً عَلَى حل كل المعادلة بل يكتفي أن يقتدر عَلَى إدراك النتيجة من حلها. فعليه ماذا يترتب لاستحصال هذه النتيجة العامة التي يجب أن تشمل الجميع بدون استثناء؟ أو بعبارة أخص وأوضح ما هي الأمور الضرورية التي يلزم نشرها بين جميع أبناء العرب تلك الأمور ثلاثة. أولاً نشر الحد الأصغر من المعارف الأساسية بين جميع أبناء الناطقين بالضاد ثانياً تأسيس عادات فكرية حسنة ثالثاً نشر بعض المعلومات التي تتعلق بالاكتشافات الفنية. الحد الأصغر الذي يجب نشره من المعارف لا يمكن تحديده بصورة قطعية، لأنه يتغير بتغير الأحوال والاستعدادات فمنهم من يبرعون ومنهم من يتأخرون غير أن القاعدة العامة هو أن يبتدأَ بنشر المعلومات الابتدائية التي هي بمثابة الآلات الضرورية لترقية الفكر في المستقبل كالقراءة والكتابة وبعض قواعد اللسان العربي والحساب بإضافة بعض المعلومات التي تتعلق بالتاريخ وبما يحيط بالإنسان إذ لا بد لها لمعرفة الماضي والحال وإنارة طريق المستقبل فإذا دعمت هذه المعلومات الابتدائية بصورة مختصرة معقولة وبواسطة المدارس عَلَى الخص تمكن الرجل من أن يوسع معارفه فيما بعد بدرس المؤلفات وسماع المحاضرات هذا إذا لم يدخل في إحدى المدارس العليا ولم يساعده الحظ عَلَى إتمام عقبات التعليم. غير أن المقصد الأساسي من تلقين هذه المعلومات الابتدائية يلزم أن ينصرف لتأسيس

стр. 5628

عادات وطبائع فكرية حسنة بحيث يكون الرجل صاحب فكر سليم في جميع أفعاله ومحاكاته وأن يتعود فهم الحقائق بدون أن ينخدع بالظواهر وأن يرى، كما قال المسيو ألفرد كروازي، مدير كلية العلوم الأبية بباريس، من وراء الكلمات المعاني، ومن وراء المعاني، الأشياء بذاتها. المقصد من المعرفة أن يستطيع الإنسان فهم الحقائق والحكم عَلَى الأشياء لا يتيسر إلا بالاطلاع عَلَى كنهها ومعرفة القوانين التي تدار بها. سلامة الفكر تقتضي نفوذ النظر وشدة الثبات لنيل المقصد والذي يجب أن يولد عند الطفل الميل لمعرفة الحقائق لأجل أن يستخدمها، يجب كما يقول ديكارت الفيلسوف، أن نتمثل بالأشياء بدل من أن نقودها بميولنا الهوائية. الطبيعة لا تنقاد لمن يغضب عليها بحمق وجهالة، لأن الغضب وسواه عندها سواءٌ. وماذا يا ترى، نفع كيكاوس عندما أخذ السوط بيده وجلد به البحر ليؤدبه عَلَى هيجانه أمامه. فعليه يجب علينا أن نعود الطفل النظر في الأشياء بعين البصيرة والتروي وأن نولد عنده طبيعة البحث عن حقائق الأمور والمثابرة عَلَى العمل ليتلذذ بثمراته. قلت أن المثابرة عَلَى العمل والبحث ضروريان لكل شخص إذا أراد أن يتمتع بثمرات حياته ويا للأسف معاشر أبناء الشرق واخص أبناء العرب تنقصنا هذه الفضيلة الاجتماعية؟ لأن لذة التحصيل ومعنى الحياة لم تمازج أرواحنا فالذي يخرج منا من إحدى المدارس العالية يعد نفسه أنه وصل إلى منتهى الكمال في العلم؟ فيعقد يديه ويتمدد عَلَى سريره كأنه بلغ الغاية القصوى. هذه حالتنا الآن وهذه حالتنا في زمن ليس بقريب. درس كلوت بك أحد المستشرقين أخلاق العرب عَلَى عهد محمد علي باشا الكبير بمصر وسورية فامتدح منهم وأعجب بذكائهم وسرعة انتقالهم وقال إنهم لا يقصرون عن أبناء الغرب شيئاً غير أنهم يملون بسرعة ولا يداومون العمل بصورة جدية. فهذه الخصلة، أيها الأخوان، من أتعس النقائص الاجتماعية في زمننا هذا ولقد ثبت أن الألمان لم ينجحوا ويبرزوا أكثر الأمم إلا لأن هذه الصفة امتزجت بطبائعهم وقبضوا عليها أكثر من غيرهم. فيمكننا نحن العرب، والأمثال عديدة احتذاء مثال الناهضين بأن نعطي للحياة حقها ونتخلق بهذه الصفة الضرورية لنا إذا أردنا أن نخدم أنفسنا ونقوم بأمتنا. بقي عليّ أن أقول كلمة في القسم الثالث ألا وهي الأفكار العامة التي يجب أن تلقن للطفل

стр. 5629

في صغره. أول شيءٍ يمكننا أن نعلمه للطفل أن يعرف شخصه ومن هو وإلى أي أسرة ينتمي، وبأي لسان أمة ينطق ومن هي تلك ألأمة التي يرتبط بها بعاداته وطباعه ثم ننتقل به إلى الأمم الأخرى بحيث تدخل في ذنه النقطة الأساسية وهي الفرق بين الماضي والحاضر فنشا له بذلك فكرة عامة وهي فكرة الترقي الدائم في العالم. يلزم أن يعرف أن العالم لا يتبع الأهواء والأهوية في تقلباته ودورانه بل هناك نظام وقوانين يدار بها يخضع لها لا بد أنكم توهمتم بعظم هذه التعابير التي ذكرتها كالرقي الدائم والنظام في العالم، وسألتم أنفسكم كيف يمكن تلقين ولد حديث السن فهم هذه الحقائق العالية ولربما ضحك بعضكم في سره من هذا الفكر. نعم ليس المقصد أن يدخل المعلم في تفاصيل هذه المسائل لأنه يستحيل عليه إفهامها كلها للطفل ولكن يمكنه أبداً أن يوضح ما أشرنا إليه بيان الخطوط الأولى فقط المدونة في التواريخ والكتب الاجتماعية. وعلى وجه الاستدلال أريد أن أنقل لكم عبارة للمؤرخ العالم الكبير المسيو لافيس أحد أعضاء المجمع العلمي بباريز قال: إن التقلبات التي أتت عَلَى الإنسانية مرئية محسوسة ولا حاجة للإنسان لأن يكون عالماً نحريراً أو فيلسوفاً كبيراً ليتمكن من التوقف عَلَى سرير الروح البشرية التي تقلبت بين الأعصر الغابرة لا يكتف المعلم بتفهيم شروط الحياة بين الأدوار المهمة فقط وليقل مثلاً أن الإنجيل يفرق بين كليتمنستر ولاسيل وأتالي لرسين والحروب الصليبية بين أشيل والسيد والصليب بين أفلاطون وباسكال ويبن الفروق الأساسية بين القسمين فعندها يحس الولد من نفسه بأنه منقاد بتاريخ الإنسانية عَلَى الدوام. وفي الوقت نفسه يقوده معلم التاريخ من الجمعيات الابتدائية إلى أن يوصله إلى الجمعيات الحاضرة بشرط أن يوقفه عَلَى الأصول ويهمل ما دون ذلك من الفروع. وبديهي أنه لا يمكن استحصال هذه الشروط ولا يتيسر توسيع الفكرة وإنارة الذهن إذا لم يكن هناك حرية فكرية مطلقة. فالحري هي غذاء الفكر وقوامه وبدونها يصبح الفكر كالعضو المعطل عن الحركة فبعد أن يمضي عليه مدة من الزمن يتحضر ثم يعجز عن الإتيان بعمل واحد أحب أن أذكر لكم هذه الأمثولة التاريخية بهذا الشأن. دخلت الدجة دورليان ذات يوم سنة ١٨٤٢ ومعها ولدها عَلَى فيكتور هوجو وسألته ماذا

стр. 5630

يجب أن تعلم ولدها فقال: يجب أن تعلميه أن فرنسا تقيد العالم بأسره وأن الذكاء يقيدها. ماذا كان القصد من هذا الجواب يا ترى؟ القصد، هو أنه إذا ساعد الحظ ابنها الدوج دي باري وجلس عَلَى سرير السلطنة بعد والده لوي فيليب، يعرف أن الفكر حاكم عَلَى كل شيءٍ وأن مراعاته واجبة حتى عَلَى الملوك فبالحقيقة لا يقف شيءٌ أمام الإنسان إذا كان متبصراً مستنداً عَلَى حرية الفكر وقوة الإرادة. وهاءَنذا أختم حديثي بكلمات عن التربية الأخلاقية فأقول: تعرفون ولا بد أن قسماً من الأخلاق تكون عَلَى مدى الأزمان وسير الأيام بصورة قطعية فالمذاهب والأديان العالية كلها تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر مثل: يلزم عليك أن تطيع والديك وتع ين جارك وتحافظ عَلَى ح رمتك وتصبر عَلَى الأجن والآلام وتفتش عن السعادة باكتساب الفضائل فهذه الأحكام هي أحكام ثابتة، تتعلق بغايات عالية وبمقاصد شريفة. غير أن هناك صفات أخرى من الأخلاق بالنسبة إلى التشكلات الاجتماعية الحاضرة يجب أن تضاف إلى القسم الأول وأن ترسخ في عقول الأطفال وهذه الصفات تدعى بالأخلاق المدنية فأريد أن أجعلها كلمتي الأخيرة. المقصد من الخلاق المدنية مزدوج فمن جهة، هو توليد فكر الاستقلال الشخصي في الطفل وجعله قادراً عَلَى أن يأتي بأعمال شخصية مثمرة، من الجهة الأخرى السقاءُ حسن التأليف بين الأعمال واستقلال الإرادة وسوقها إلى هدف معين. فالمراد من الأول هو الشخص ومن الثاني الجمعية. فالأول يقوي الفرد عَلَى السعي والعمل والثاني يحمله عَلَى إشراك مساعيه مع غيره فنقول بذلك لتأمين منفعة الشخص ومنفعة الهيئة الاجتماعية معاً. ولا شك بأنه يتيسر للأمة رقيها ونجاحها إذا كان الأفراد أقوياء متقدمين عَلَى فكر التعاون والتضامن. الرجل القوي صاحب الاستقلال الشخصي والجرأة المدنية هو، عَلَى مذهب سقراط، من تغلب العقل فيه عَلَى الأميال والذي إذا تحقق لديه عمل نافع وغاية شريفة مشى نحوهما بقدم ثابتة دون أن يبالي بكثرة الموانع وازدحام المهالك. المستر روزفلت، رئيس جمهورية أميركا الشمالية سابقاً، هو مثال مجسم في هذا الشأن ومن درس حياته ومناقشاته الاجتماعية إلى الآن يدرك أنه هو ذاك الرجل الذي يقول في كتابه (الحياة المتينة): الأمة لا يمكنها النجاح إذا لم تعود أولادها بذل الجهد. لا لاجتناب

стр. 5631

المصاعب، بل لقمعها، ولا للبحث عن الراحة فقط، بل عن معرفة إحراز الظفر من أيدي المشاكل والمخاطر. يجب عَلَى الرجل أن يفرح إذا أتى بعمل الرجال ويسر إذا تجرأ عَلَى تحمل الصعوبات وكد وجد وحافظ عَلَى نفسه وعل من يلوذ به، يجب عَلَى المرأة أن تكون مديرة لبيتها، رفيقة لزوجها، عاقلة لا تجزع من كثرة الأولاد الأقوياء الأشداء حولها. فرجاؤنا إلى أبناء العلم والتعليم عَلَى الأقل أن يبذلوا الجهد في إنشاء هذه الصفات العالية بين الناشئ الجديدة ومن يليها. ويكفي أن يكون الأفراد أقويا إذا لم تنور أفئدتهم بحب المنفعة العامة وتعلق آمالهم وغاياتهم برقي الشعب الذي يرجعون إليه؟ الرجل المتفرد لا قيمة له وما قيمة المرء إلا بقيمة الهيئة الاجتماعية التي ينتسب إليها. وهل ينكر أحد أن مبدأ الترقي والمدنية هو التعاون والإخلاص المتقابل بين الأفراد! ليست هي الجمعية التي تحمل الفرد أن يتجول بكل حرية ويظهر استعداده ولياقته أينما كان. إذاً عَلَى كل فرد أن يحب أمته ويسعى لإرضائها وإسعادها، تلك الأمة التي ضمته إلى حجرها ضمنت له الحياة ثم دربته إلى أن تيسر له استنارة مداركه وأعماله. الرجل الذي تبرأ من أمته ويهمل أمرها بعد أن أخذ غذائه منها هي ولا شك، غنية عنه وعن أمثاله ومن يقدر المنفعة العامة ويخدمها ولو كان ذلك يؤدي في بعض الأحيان إلى ضرره الذاتي، فهو مبجل في جميع الأزمنة في نظر أمته ونظر الإنسانية. حكمت أثينة ظلماً عَلَى سقراط بشرب السم. فبدلاً من أن يركب العار ويفر من قانون أمته رضي بحكم الجمهور وتجرع كأس المنون صابراً غير جازع فحب الأمة وحسن المفاداة بمنافعنا الحسيسة بحبها يجب أن تنير أفئدتنا ويعلي مقاصدنا وما أحسن ما كتب عَلَى نصب قبر أحد أولئك الأبطال الذين فادوا بأرواحهم في حرب ترموبيل حباً بأمتهم: أيها العابر اذهب وخبر إسبارطة إننا لم نمت في هذا المكان إلا حباً بإعلاء شرفها وتأييد حريتها! وهل فعلت الأعراب أقل من ذلك وما السائق الذي دفع طارق بن زياد أن يحرق المراكب وينادي بعسكره: الموت أو الظفر، وما الذي ساق محمداً المنصور الوزير الأندلسي الشهير أن يتمدد عَلَى الطريق ويصد الفارين بنفسه إذا لم يكن حب الوظيفة وحب الأمة والوطن. الفضيلة التي تأمر الإنسان أن يضع نفسه دون مبادئه العالية هي من أول الفضائل التي

стр. 5632

سطرها التاريخ عَلَى صفحاته. فلنجد أيها الأخوان، لاكتسابها فإن لنا باكتسابها الفوز العظيم.

стр. 5633

ترعة السويس وتجارة الشرق عرف أن التجارة أول نشأتها لم تتجاوز البحر المتوسط بل حصرت في سواحل فينيقية وبلاد الكلدان والعربية وغيرها من بلاد المشرق أيام توفرت لديها المعارف والعلوم وأينعت فيها ثمار الصنائع والفنون حتى صارت محط رحال التجارة بين المشارق والمغارب وزينة الأموال وموارد الخيرات والمكاسب ويهرع إليها الفاتحون من كل فج وصوب ليشاطروها الأرباح العظيمة ويسلبوها الصنائع العجيبة ويتهافت عليها الغزاة تهافت الفراش عَلَى السراج ولكنهم ما كانوا ينتفعون بذلك بل كان تهافتهم وبالاً عليهم في كل آن. وبقيت شآبيب المرابح والخيرات تنهل عَلَى الشرقيين فتتدفق عليهم سيول الثراءِ من سحاب الكد والجد إلى أن نظر إليهم الزمان بعين ملؤها الحسد فألهم الإفرنج أن يكتشفوا طريقاً جديداً إلى الهند فآل الأمر إلى فاسكودي غاما ذلك الرجل العظيم الذي وجد طريقاً حول رأس الرجاء الصالح وحوّل بذلك المشروع جانباً كبيراً من تجارة الهند والصين ليسقي به ربوع الغرب فارتشفت من معينه إنكلترا وإسبانيا والبرتقال وهولاندة حتى عمت الفائدة أغلب أقسام أوربا وبقي للشرقيين من ذاك الوقت جزء يسير من التجارة يطرد بطريق حلب ودمشق ومصر نظراً لما كانوا يملون أنفسهم من المخاوف والأخطار ويركبون الغرر والأهوال في طريقهم حول رأس الرجاء الصالح أو أفريقية واخذ يتزايد يوماً فيوماً إلى أن فتحت ترعة السويس سنة ١٨٦٩ عَلَى يد دي لسبس المهندس الفرنسوي الشهير فدار بذلك دولاب التجارة وعم نفعها العالم غير أنها مع كثرة منافعها إليه ما كانت لتخلو من مضار للسلطنة التي فتحت فيها وذابت مهج رجالها في حفر رمالها وعطلت من أجلها تجارتها بل كانت منفعتها لمن قاوم أشد المقاومة ألا وهي السلطنة الإنكليزية التي استأثرت بأكثر فوائدها. أجل إن فتح تلك الترعة كان سبباً من أهم الأسباب لتوسيع تجارة العالم وامتدادها لكن الذين باشروا ذلك المشروع ومابدوا فيه عرق القربة قد قلب لهم الدهر ظهر المجن وتبدل نعيمهم بالبؤس كما يشهد لهم بذلك شرقي سورية وأسفل العراق ومدينة حلب التي كانت مركز المواصلات التجارية بين أوربا والهند فقد فقدت واردات تجارتها وعكس ذلك البصرة إذ صار لها بطريق السويس أوسع الأبواب لتصدير حاصلاتها كما تدل الآثار عَلَى ذلك.

стр. 5634

كان طريق فاسكودي غاما إلى الهند حول رأس الرجاء الصالح طريقاً خطراً يتجرع فيه المسافرون كأس الضيم وتقتحم فيه السفن قحم الهلكات حتى كانت تتراخى مدة السفن الذاهبة إلى الهند فكانت تقضي في سفرها أكثر السنة ولم يكن وصولها معروفاً حق المعرفة ولذلك أجبرت التجار أن تخزن جانباً كبيراً من البضائع في مخازنها حذراً من أن لا يكون في مخازنها ما يفي بالمطلوب إذا ما أُعيقت السفينة عن الوصول إليهم في الوقت المعين. أما الآن وقد صارت مدة السفر ثلاثين يوماً لا غير فاستغنى التجار عن المخازن الكبيرة وابتدأت تطلب بضائعها من الشرق وهي عَلَى يقين من وصولها في الوقت المعين وزد عَلَى ذلك فإن نقل الحنطة من الهند واللحم من أوستراليا وزيلندا الجديدة لم يكن ممكناً قبل فتح الترعة أما الآن فقد صار من أوسع أبواب التجارة. وقد أدرك كثيرون من رجال عظماء العالم كرعمسيس ونخو ودارا هتاسب وبطليموس ونابليون وغيرهم مكانة تلك الترعة التجارية فحفر رعمسيس الثاني سنة ١٣٠٠ ق. م ترعة وصل بها فرع النيل البلوسي بالبحر الأحمر وما كانت تصلح إلا لتسريب المياه وربما كان ذلك مقصده الأكبر. وعزم نحو سنة ٦٠٠ ق. م عَلَى تتميمها لولا ما أنبأه العرافون أن بحفرها ينتفع بها أعداء بلاده وما قرره أيضاً مهندسوه من أن مياه البحر الأحمر أعلى من سطح مصر فخاف عندئذ عَلَى بلاده وتوقف عن حفرها بعد ما أهلك فيها نحو ٢٠٠٠٠ نفس من المصريين. ثم اشتغل بها دارا هشتاسب وبطليموس الثاني كما أنبأنا التاريخ فحفرا تلك الترعة وبقيت إلى أن ردمتها الرمال قبل أيام طريانوس فأصلحها في القرن الثاني وعادت الرمال فردمتها مرة أخرى إلى فتوح العرب من سنة ٦٣٨ إلى ٦٤٠ فأصلحها عندئذ عمرو بن العاص قائد جيوش عمر بن الخطاب وسماها ترعة أمير المؤمنين. ثم طمها بعده الخليفة المنصور أبو جعفر ثاني الخلفاء العباسيين ليقطع الطعام عن محمد بن عبد الله حينما خرج عليه في المدينة فبقيت مطمورة من ذلك الحين إلى أن احتفرها الحاكم بأمر الله من الخلفاء الفاطميين في مصر وجعلها صالحة للملاحة حتى ردمتها الرمال مرة أخرى وبقيت الآثار تدلنا عَلَى ذلك. ثم جاء نابليون إلى مصر ورأى آثار تلك الترعة فجال في خاطره أن يحتفرها فيقدر عندئذ أن ينقل جنوده إلى الهند فيجبر الإنكليز عَلَى الخروج من تلك الديار وهكذا عرض

стр. 5635

مشروعه هذا عَلَى المهندس المسيو لوبير ووقع فغيما وقعت به المصريون من قبل وقال أن سطح البحر الأحمر أعلى من سطح البحر المتوسط بعشرة أمتار فإذا فتحت الترعة خشي من طغيان الماء. فبقيت المسألة عَلَى بساط البحث إلى أن قضت الأحوال بخروج نابليون من مصر فسقط طبعاً مشروعه وخرج وهو يردد هذه الكلمات: إن هذا العمل العظيم لم يقدر لي عمله ولعل الدولة العثمانية تسترجع عظمتها يوماً ما بإتمامه. وظل مهندسو ذلك العصر يعتقدون بارتفاع سطح البحر الأحمر عن البحر المتوسط إلى أن قام المهندس الفرنساوي الشهير بوردالو سنة ١٨٦٤ وقرر ألا فرق بين ارتفاع البحرين فأنفذت فرنسا وإنكلترا والنمسا لجنة مؤلفة من المسيو تلايوت والمستر ستيفنس والسينيور بخرلي فتحقق الأمر عندئذ غير أن المهندس الإنكليزي لم يستصوب لسياسة فتح تلك الترعة ولخوفه انهيال الرمال عليها وخسارة الهند بذلك المشروع فعاد إلى وطنه وأضعف عزيمة مواطنيه فأثر فيهم كلامه وعدلوا عن إنشائها. وبقيت تلك المسألة موضوع البحث إلى أن قضت الأمور بأن يتم هذا المشروع الخطير عَلَى يد دي لسبس المهندس الفرنساوي بد أن استقرى طويلاً ووقف عَلَى فحوى ما ارتآه المهندسون في ذلك المشروع وعرف أن تجارة البلاد تتضاعف بها كل عشر سنوات. وهكذا آلى عَلَى نفسه بأن يفتح تلك الترعة فألف شركة غنية تحت عنوان (شركة ترعة السويس العامة) لتقوم لهذا العمل فذهب إلى الآستانة للسعي في هذا المشروع فلم يلق هناك إلا ما يميت الآمال ويثبط العزائم وهذا آب إلى بلاده خجلاً وبقي مدة في وطنه إلى أن بلغه تولية سعيد باشا عَلَى مصر سنة ١٨٥٤ فأسرع إليه إذ كانت بينهما صداقة متينة العرى وأقنعه بوجوب فتح تلك الترعة التي بها يتوسع نطاق التجارة وتجر مصر ذيول الثراء فأثر فيه كلامه واقتنع بما قاله دي لسبس وعقد امتيازاً مع تلك الشركة يليه اثنا عشر بنداً أهمها أن مدة الامتياز ٩٩ سنة تبتدئ من يوم فتح الترعة وعند انتهاء المدة تستلم الحكومة جميع أعمال الشركة فتقوم مقامها في كل عمل وأضيف لهذا البند بأن يجوز للشركة إطالة المدة أو تجديد الامتياز بشرط أن تزيد ما تدفعه للحكومة من صافي الأرباح وأنها (أي الحكومة) تأخذ ١٥ في المئة من صافي الأرباح عدا ربحها من الأسهم التي تكون لها والخمسة والثمانين الباقية من المائة يعطى منها ٧٥ للمساهمين و١٠ في المئة للمؤسسين ثم

стр. 5636

أن الشركة تعين بالاتفاق مع الحكومة المصرية ما يؤخذ عَلَى السفن من رسم المرور من الترعة ويجري هذا الرسم عَلَى سفن جميع الدول بلا تمييز. وفي ١٧ تشرين الثاني سنة ١٨٦٩ فتحت الترعة لمرور المراكب فاجتازها خمسون سفينة باحتفال عظيم أعد فيه إسماعيل باشا معدات عظيمة ودعا إليه ملوك أوربا وأمراءها فصرف لذلك الاحتفال أموالاً طائلة كانت سبباً من أهم الأسباب لتأخر صندوق الحكومة المصرية في ذلك الحين. وهكذا ابتدأت الشركة ورأس مالها ٢٠٠. ٠٠٠. ٠٠٠ فرنك مؤلفة من ٤٠٠. ٠٠٠ سهم سعر السهم ٥٠٠ فرنك بعد ما تعددت عليها المعاكسات وتوقفت عن العمل مدة سنتين وحكموا بتلك المسألة إمبراطور فرنسا في ذلك العهد فرجع الأمر إلى من يقوم به وعادت الشركة للعمل بهمة ونشاط ونجحت نجاحاً عظيماً لم تنجحه قط شركة مساهمة مثلها. وبعد فإن ما أنفقه إسماعيل باشا عَلَى الاحتفال عند فتح الترعة ١٠٠. ٠٠٠. ٠٠٠ فرنك وهو السبب الأكبر الذي بعثه عَلَى بيه حصة مصر من أسهم السويس وهكذا سنة ١٨٧٥ قد باع إسماعيل باشا تلك الأسهم وعددها ٧٦٦٠٢ من الأسهم ثمن السهم ٥٠٠ فرنك فأسرع الكولونل ستانتن قنصل إنكلترا في مصر واشترها باسم الحكومة الإنكليزية بقيمة أربعة ملايين جنيه التي قدر ثمنها سنة ١٩٠٦ بإحدى وثلاثين مليوناً من الجنيهات. وهنا يجاب أن يضاف اقتراح الشركة للحكومة ألا وهو أن تعطي الشركة للحكومة المصرية أربعة ملايين من الجنيهات مقابلة إطالة امتيازها وأن تقسطه أقساطاً أقساطاً يكون آخرها سنة ١٩١٢ وأن تعطيها أيضاً أربعة في المئة من صافي ربحها السنوي في العشر سنوات الأولى من سنة ١٩١٢ إلى سنة ١٩٣٠ وستة في المئة في العشر سنوات الثانية وثمانية في المئة في العشر سنوات الثالثة وعشرة في المئة في العشر سنوات الرابعة و١٢ في المئة في المدة الباقية للامتياز أي سنة ١٩٦١ إلى سنة ١٩٦٨ ثم تعطيها نصف صافي ربحها السنوي مدة الأربعين سنة التي يطال فيها الامتياز ولكن إذا قلَّ الربح سنة من السنين عن مئة مليون فرنك فالشركة تأخذ أيضاً أن ربحها ٥٠ مليوناً والباقي للحكومة وإذا صادف في سنة من السنين أيضاً أن ربحها ٥٠ مليوناً فالشركة تأخذ الربح كله ولا تتداخل الحكومة فيه.

стр. 5637

ونظراً لما صار للحكومة من قسم الأرباح قد سمح لها أن يكون في الشركة عضوان نائبان عن الحكومة فيها وهكذا انتخبت الحكومة نائبين عناه يمثلانها في الشركة. وهذا بيان عدد البواخر التي مخرت الترعة في كل سنة منذ فتحها إلى سنة ١٩٠٨ وبيان الرسوم التي حصلتها الشركة في كل سنة. سنة عدد البواخرالرسوم المحصلة بالفرنكات ١٨٦٩١٠ ٥٤٤٦٠ ١٨٧٠٤٨٦ ٥. ١٥٩. ٣٢٧ ١٨٧١٧٦٢ ٨. ٩٩٣. ٧٣٢ ١٨٧٢١٠٧٥ ١٦. ٤٠٧. ٥٩١ ١٨٧٣١١٧٣ ٢٢. ٨٩٧. ٣١٩ ١٨٧٤١٢٦٤ ٢٤. ٨٥٩. ٣٨٣ ١٨٧٥١٤٩٤ ٢٨. ٨٨٦. ٣٠٢ ١٨٧٦١٤٥٧ ٢٩. ٩٧٤. ٩٩٨ ١٨٧٧١٦٦٣ ٣٢. ٧٧٤. ٣٤٤ ١٨٧٨١٥٩٣ ٣١. ٠٩٨. ٢٢٩ ١٨٧٩١٤٧٧ ٢٩. ٦٨٦. ٠٦٠ ١٨٨٠٢٠٢٦ ٣٩. ٨٤٠. ٤٨٧ ١٨٨١٢٧٢٧ ٥. ١٧٤. ٣٥٢ ١٨٨٢٣١٩٨ ٦٠. ٥٤٥. ٨٨٢ ١٨٨٣٣٣٠٧ ٦٥. ٨٤٧. ٨١٢ ١٨٨٤٣٢٨٤ ٦٢. ٣٧٨. ١١٥ ١٨٨٥٣٦٢٤ ٦٢. ٢٠٧. ٤٣٩ ١٨٨٦٣١٠٠ ٥٦. ٥٢٧. ٣٩٠ ١٨٨٧٣١٣٧ ٥٧. ٨٦٢. ٣٧٠ ١٨٨٨٣٤٤٠ ٦٤. ٨٣٢. ٢٧٣

стр. 5638

١٨٨٩٣٤٢٥ ٦٦. ١٦٧. ٥٧٩ ١٨٩٠٣٣٨٩ ٦٦. ٩٨٤. ٠٠٠ ١٨٩١٣٢٠٧ ٨٣. ٤٢٢. ١٠١ ١٨٩٢٣٥٥٩ ٧٤. ٤٥٢. ٤٣٦ ١٨٩٣٣٣٤١ ٧٠. ٦٦٧. ٣٦١ ١٨٩٤٣٣٥٢ ٧٣. ٧٧٦. ٨٢٧ ١٨٩٥٣٤٣٤ ٧٨. ١٠٣. ٧١٧ ١٨٩٦٣٢٠٩ ٧٩. ٥٦٩. ٩٩٤ ١٨٩٧٢٩٨٦ ٧٢. ٨٣٠. ٥٤٥ ١٨٩٨٣٥٠٣ ٨٥. ٢٩٤. ٧٦٩ ١٨٩٩٣٦٠٧ ٩١. ٣١٨. ٧٧٢ ١٩٠٠٣٤٤١ ٩٠. ٦٢٣. ٦٠٨ ١٩٠١٣٦٩٩ ١٠٠. ٣٨٦. ٣٩٧ ١٩٠٢٣٧٠٨ ١٠٣. ٧٢٠. ٠٢٠ ١٩٠٣٣٧٦١ ١٠٣. ٦٢٠. ٢٦٨ ١٩٠٤٤٢٣٧ ١١٥. ٨١٨. ٤٧٩ ١٩٠٥٤١١٦ ١١٣. ٨٦٦. ٧٩٦ ١٩٠٦٣٩٧٥ ١٠٨. ١٦١. ٨٩٦ ١٩٠٧٤٢٦٧ ١١٦. ٠٠٠. ٠٩٦ ١٩٠٨٣٧٩٥ ١٠٨. ٤١٣. ٤١٠ بيروت حبيب جرجي كحالة

стр. 5639

أوضاع الدولة الفاطمية مقتبسة من الدروس التي يلقيها الشيخ محمد الخضري مدرس تاريخ الأمم الإسلامية في الجامعة المصري الصناعة والأسطول الصناعة هي المكان الذي أعد لإنشاء المركب البحرية وهي بمصر عَلَى قسمين نيلية وحربية فالحربية هي التي تنشأ لغزو العدو وتشحن بالسلاح وآلات الحرب والمقاتلة فتمر من ثغر الإسكندرية وثغر دمياط وتنيس والفرما إلى جهاد الروم والفرنج وهي التي كان يقال لها الأسطول وأما النيلية فإنها تنشأ لتمر في النيل صاعدة إلى أعلى الصعيد ومنحدرة إلى أسفل الأرض لحمل الغلال وغيرها. ولم يكن غزو في عهد الرسول ﷺ ولا في عهد الشيخين أبي بكر وعمر وكان عمر يكره الغزو فيه ويراه مخاطرة وكتب إلى عمرو بن العاص وهو عَلَى مصر أن صف لي البحر وراكبه فإن نفسي تنازعني إليه وأنا أشتهي خلافها فكتب إليه يا أمير المؤمنين إني رأيت البحر خلقاً كبيراً يركبه خلق صغير ليس إلا السماء والماء وإن ركد حزن القلوب وإن أزل أزاع العقول يزداد فيه اليقين قلة والشك كثرة هم فيه كدود عَلَى عود إن مال غرق ون نجا برق. فقال عمر: لا والذي بعث محمداً بالحق لا أحمل فيه مسلماً أبداً. وأول غزو فيه كان في عهد عثمان وأول غاز معاوية بن أبي سفيان أذن له به عثمان عَلَى شرط أن وينتخب الناس ولا يقرع بينهم فمن اختاروا الغزو طائعاً حمله وأعانه وغزا عبد الله بن سعد أمير مصر سنة ٣٤ في وقعة ذات الصواري وكانت له. وكان ذلك سبباً لاهتمام المسلمين بإنشاء المراكب الحربية فبعث عبد الملك بن مروان لما ولي الخلافة إلى عامله عَلَى أفريقية حسان بن النعمان بأمره باتخاذ صناعته بتونس ومنها كانت غزوة صقلية في أيام زيادة الله الأول بن إبراهيم بن الأغلب عَلَى يد شيخ القنيا أسد بن الفرات. قال ابن خلدون وذكر تعليل امتناع المسلمين ركوب البحر للغزو في أول الأمر والسبب في ذلك أن العرب لبداوتهم لم يكونوا أول الأمر مهرة في ثقافته وركوبه والروم والفرنجة لممارستهم أحواله ومرباعم في التقلب عَلَى أعواده مرنوا عليه وأحكموا الدربة بثقافتهم.

стр. 5640

فلما استقر الملك للعرب وشمخ سلطانهم وصارت أمم العجم خولاً لهم وتحت أيديهم وتقرب كل ذي صنعة إليهم بمبلغ صناعته واستخدموا من النواتية في حاجاتهم البحرية أمماً وتكررت ممارستهم للبحر وثقافته واستحدثوا بصراً بها فتاقت أنفسهم إلى الجهاد فيه وأنشئوا السفن والشواني وشحنوا الأساطيل بالرجال والسلاح وأمطوها العساكر والمقاتلة لمن وراء البحر من أمم الكفر واختصوا بذلك من ممالكهم وثغورهم ما كان أقرب إلى هذا البحر وعلى ضفته مثل الشام وأفريقية والمغرب والأندلس. وأول ما أنشئ الأسطول في مصر في خلافة المتوكل عَلَى الله العباسي عندما نزل الروم عَلَى دمياط سنة ٢٣٨ فملكوها وقتلوا بها جمعاً كثيراً من المسلمين وسبوا النساء والأطفال ومضوا إلى تنيس فأقاموا بأشتومها فوقع الاهتمام من ذلك الوقت بأمر الأسطول وصار من أهم ما يعمل بمصر وأنشئت الشواني برسم الأسطول وجعلت الأرزاق لغزاة البحر كما هي لغزاة البر وانتدب الأمراء له الرماة فاجتهد الناس بمصر في تعليم أولادهم الرماية وجميع أنواع المحاربة وانتخب له القواد العارفون بمحاربة العدو وكان لا ينزل في رجال الأسطول غشيم ولا جاهل بأمور الحرب هذا وللناس إذ ذاك رغبة في جهاد أعداء الله وإقامة دينه. لا جرم أن كان لخدم الأسطول حرمة ومكانة وكان ولكل أحد من الناس رغبة في أنه من جملتهم فيسعى بالوسائل حتى يستقر فيه. وكانت الغزوات بين المسلمين والروم سجالاً ينال المسلمون من العدو وينال العدو منهم وياسر بعضهم بعضاً لكثرة هجوم أساطيل المسلمين عَلَى بلاد العدو فإنها كانت تسير من مصر ومن الشام ومن أفريقية فلذلك احتاج الخلفاء العباسيون إلى الفداء ولم يقع فداء في عهد الدولة الأموية وإنما كان ينادى بالنفر بعد النفر في سواحل الشام ومصر والإسكندرية وبلاد ملطية وبقية الثغور الخزرية إلى أن كانت خلافة الرشيد. فوجد أول فداءٍ بين المسلمين والروم سنة ١٨٩ وآخر فداء كبير كان سنة ٣٣٥ في خلافة المطيع فهي عهد الدولة الإخشيدية بمصر والذي شرع فيه هو الإخشيد محمد بن طغج. وقويت العناية بأمر الأسطول في مصر منذ قدم المعز لدين الله وأنشأ المراكب الحربية واقتدى به بنوه وكان لهم اهتمام بأمور الجهاد واعتناء بالأسطول وواصلوا إنشاء المراكب بمدينة مصر والإسكندرية ودمياط من الشواني الحربية والشلنديات والمسطحات وتسييرها
следующие страницы →