Полный текст (6 802 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.
стр. 5706
راعية الخيل لا راعية الجبل
١ تمهيد
لغتنا قليلة الاصطلاحات بالنسبة إلى العصر فشوها وزهوها وغضارتها إلا إن الذي وصلنا منها جاءنا مبهماً أو ناقص التعريف والتحديد أو مصحفاً ومحرفاً. وهنا الطامة الكبرى والبلوى العظمى. ومن هذا القبيل الكلمة التي نريد إن نبحث عن حقيقتها وهي راعية الخيل فقد جاءت في كتبهم مصحفة بصورة راعية الجبل فهل هذا التصحيف مقبول؟ - قلنا:
٢ قول اللغويين في هذه الكلمة وأسماؤها المختلفة
قال في القاموس: راعية الجبل: طائر. ولم يزد على هذا القدر. وقال في المخصص ٨: ١٥٥: الراعية يقال لها: راعية الخيل: طائرة صفراء صغيرة تراها أبداً تحت بطون الخيل والدواب كأنما خضب جناحاها وعنقها بالزعفران فيها كدرة وسواد وظهرها أصفر وزمكاها لا طويلة ولا قصيرة. وقال صاحب تاج العروس: راعية الجبل كذا في النسخ. والصواب: الخيل بالخاء المعجمة والتحتية كما هو نص التكملة: طائر أصفر يكون تحت بطون الدواب. هكذا هو في التكملة. وقال النضر بن شميل: طائرة صغيرة مثل العصفور تقع تحت بطون الخيل والدواب صفراء كأنما خضب عنقها وجناحها بالزعفران وظهرها فيه كدرة وسواد ورأسها أصفر وزمكاها ليست بطويلة ولا قصيرة. انتهى. فأنت ترى من هذه النصوص أن صحيح الرواية هو راعية الخيل لا راعية الجبل لأنها ترعى هناك أرواثها كما هو مشهور عنها وإما في الجبل فلا يمكنها إن ترعى فيه شيئا إذ لا ترى فيه إلا الخضرة إن كانت هناك خضرة والخضرة لا تفيد هذه الطويئرات فائدة ولهذا يظهر لك فساد هذا التصحيف إذ تتضافر روايات اللغويين الكبار مع الدواعي العقلية على تأييد هذا اللفظ أي راعية الخيل ودفع الرواية المصحفة وهي راعية الجبل.
وقال التاج في مستدرك ر ع ي: والراعية: طائر. ورعاءة الخيل: لغة في راعية الخيل. عن الصاغاني. قلت أنا: أما الراعية فهي نفس راعية الخيل كما تقدم نصه من عبارة صاحب المخصص إذ جعل الراعية وراعية الخيل شيئا واحدا. وإما رعاة الخيل فقد قال اللغوي الانكليزي لين صاحب مد القاموس: هكذا وردت هذه اللفظة بدون ضبط في تاج
стр. 5707
العروس. والظاهر إن هذه الكتابة مخطوءة لأننا إذا نظرنا إليها نراها داخلة في عداد اسم الجنس وحينئذ يجب أن تضبط هكذا رعاة الجبل. فانظر إلى هذا الكلام مع ما فيه من الغرابة. والأصح إن تضبط اللفظة رعاة الخيل وزان شدادة. فعالة بمعنى فاعلة للمبالغة فكما أنه قيل لها راعية الخيل سميت أيضاً رعاة الخيل لكثرة رعيها وإلا فلو كانت جمعاً لراعية لقيل رواعي الخيل لا رعاة الخيل كما قال لين اللغوي المذكور.
وسميت هذه الطويئرة أيضاً الرعوة فعلة بمعنى فاعلة. قال في مستدرك التاج: الرعوة: هنية تدخل في الشجرة لا تراها الدهر إلا مذعورة تهز ذنبها. نقله السيوطي. قلت أنا: وهذه صفة راعية الخيل. ولهذا سماها الإفرنج هزازة الذنب كما سموها أيضاً طويئرة الرعاة
ومن أسمائها أيضاً الذعرة أو الزعرة. وسميت كذلك لأنهم توهموا فيها الخوف والذعر ظانين إن اهتزاز ذنبها على الدوام هو من شدة ارتعاشها الحاصل من خوفها. قال ابن سيد: الذعرة: هنية تكون في الشجرة تدخل فيها لا تراها إلا مذعورة تهز ذنبها. وقال صاحب التاج: الزعرة كتؤدة طائر في الشجرة لا يرى إلا مذعوراً خائفاً يهز بذنبه ويدخل في الشجرة وهو الذعرة التي تقدمت.
ومن أسمائها أم عجلان والقوبع والفتاح. قال الدميري: أم عجلان طائر قاله الجوهري. وقال ابن الأثير: طائر أسود يقال له قوبع. وقيل طائر أسود أبيض الذنب يكثر تحريك ذنبه يقال له الفتاح. والقوبع طائر أسود أبيض الذنب يكثر تحريك ذنبه.
ويقال في الفتاح: الفتاحية بتخفيف الياء إلا أن بعض اللغويين ينكرون كون الفتاحية والفتاح شيئاً واحداً. والصحيح أنهما واحد المدلول.
ومن أسمائها: الصفرد قال في اللسان: الصفرد طائر أعظم من العصفور. . . وهو طائر جبان يفزع من الصعوة وغيرها. وقال الليث: هو طائر يألف البيوت وهو أجبن طائر.
وهذه الأسماء وإن كانت تقع على جنس واحد من هذا الطير إلا إن الاسم الواحد لا يقع على المدلول الآخر. فالصفرة كثير الصفرة اسمه بالفرنسية وبلغة العلماء وهو كثير الوجود في العراق يكون طول السنة. وأما راعية الخيل أو رعاة الخيل أو الراعية أو الرعوة فأسمها بالفرنسية وأما بلغة العلم فهو وأما القوبع فهو والذعرة وأم عجلان
стр. 5708
والفتاح والفتاحية والزعرة شيء واحد وأسمها بالفرنسية وبلسان العلماء أو ويشملها كلها أسم الذعرة أو الزعرة وهو أسم الجنس.
ومن أسمائها عند العوام أم صفيدة ذكرها صاحب محيط المحيط في مادة ذعر. وأعاد الكلام في دائرة المعارف في مادة ذعر. قال: الذعرة طائر يهز ذنبه دائماً.
والعامة تقول له أم صفيدة - ومن أسمائها العامية ما ذكره الدكتور أمين المعلوف في معجم الحيوان ٣٦: ٤٥٨: من المقتطف) قال: الذعرة طائر صغير يكثر تحريك ذنبه ويسمى أبا فصادة في مصر وأم سكعكع في الشام قلت: وأسمه زيطة عند العراق وصفرد أبو المليح عند الأعراب.
فمع كثرة هذه الأسماء لا ترى المعاجم الفرنسوية أو الإنكليزية العربية تذكر إلا القليل منها. أو لا تذكر شيئاً. فهذا المعجم الفرنسوي العربي الكبير للأب بلو اليسوعي على ضخامته وتبجح صاحبه في المقدمة إذ يقول: وهناك معاجم مطولة لكنها كثيرة النقص في ما يتعلق بالتدقيق والضبط إذ تجتزي في أغلب الأحيان بما يقرب من المعنى الحقيقي دون اللفظ الواجب له ومع ذلك ترى فيه من النص في المصطلحات العملية ما يسقط هذا الديوان في عيون الأدباء أطلب مثلاً كلمة تراه يقول: عصيفير، طيير ونسي أن طائر الرعاة أي هو نفس هزاز الذنب أي الذي يقول في نقلها إلى العربية: ذعرة (أم صفيدة) مع أنه يقول بالفرنسوية هي شيء واحد. ويفسرها بها. - وأما بادجر صاحب الكتاب الإنكليزي العربي المعجم الكبير فيقول في هزاز الذنب، ذعرة. ولا يزيد على هذا القدر. وقد سبقه إلى هذا التعبير بقطر في معجمه الفرنسوي العربي.
فأنت ترى من هذه الشواهد أن معاجمنا العربية ومعاجم اللغات الأجنبية إلى اللغة الغربية تحتاج إلى نظر لتضبط وتصحح ويدقق فيها حتى تجاري دواوين لغات أهل الغرب الذين يبالغون في تهذيبها وتحسينها على الدوام. وأما أصحابنا فأنهم ينقلون أقوال من تقدمهم بدون ترو أو تدقيق النظر ولهذا معاجمنا العربية الحديثة لا تمتاز عن معاجم الأقدمين بشيء يذكر.
وصف هذه الطويئرة على ما جاء به العلماء
راعية الخيل من الطويئرات القواطع من رتبة العصافير المسننة المنقار الراجعة إلى جنس
стр. 5709
الدقيقات المنقار وإلى صنف هزازات الأذناب. وتمتاز بمنقار دقيق مستقيم وبمنخرين ملوزين يكونان عند قاعدة المنقار ومغشيان إلى نحو منتصفهما بغشاوة جرداء ولها إبهام به ظفر طويل قليل التقوس وعرف بذنب ليس بالطويل ولا بالقصير دائم الحركة تهزه الطائرة من فوق إلى الأسفل.
والطويئرات المسماة بهذا الاسم تشمل صنفين وهما: رواعي الخيل وبالفرنسوي
وبلسان العلم والصفارد وبالفرنسوية وبلسان العلماء وكلها من أكلة الحشرات. وتعشش تحت أكوام الحجارة وفي ثقوب الأشجار الكبار وفي تخاريب الأجراف أو في المزارع والمروج. واذاجاء الربيع حسرت (أي سقط ريشها ونبت غيره) وإذا جاء وقت الهيج تتحلى ذكورها بأفخر الريش فتتميز به عن إناثها. وفي غير هذا الأوان يصعب على الرائي أن يميز الذكور من الإناث والفرق الفارق بين الرواعي والصفارد إن الرواعي تختلف إلى المروج والزروع ومجتمعات الخيل والمواشي والغنم وتتبع الرعيان أينما ذهبوا وتتأثر الحراثين لتلقط ما تقع عليه بعد الكراب من ديدان ودويبات. - وأما الصفارد فتحاور المياه والبطائح والغدران والمغتسلات. ولهذا سماها الفرنسيون: الغسالة أو المغتسلة وهذه اللفظة العربية زنة ومعنى أو تكاد. وهذا الاسم يعرفه بعض النساء اللواتي يغسلن الثياب على حافة دجلة. فتأتي هذه الطويئرات ويحمن حول هؤلاء النساء سحابة النهار وتدنو منهن بكل انس وتلتقط ما يتساقط من الفتات. وهذه الطويئرات تحاكي الغسالات بأنها تخطر بذنبها الأرض والنساء يقصرون الثيات بضربها بالميحنة.
والرواعي تلتقط طعامها بسرعة البرق الخاطف إن كان من الأرض وإن كان في الهواء. وإما طيرانها فمتموج وبخفقات ونقزات. وإذا طارت الصفارد أسمعت صوتا حادا قصيرا تردده كأنها تقول: كي كي فتجاوبها التي على الأرض بمثل هذا الصوت.
ولكل من الرواعي والصفارد ضروب وأشكال تختلف بعضها عن بعض بالنعوت فيقولون الصفرد الأرمد والصفرد الأصفر والراعية الرمداء والراعية الصفراء إلى آخر ما هناك. وبهذا القدر كغاية للغوي والأديب. ومن أراد الزيادة فليرجع إلى كتب الفن وقد سيرت عليه المراجعة بعد معرفة الألفاظ العلمية. والله ولي التيسير.
بغداد:
стр. 5710
ساتسنا
стр. 5711
الإفادات والإنشادات
وقفت في إحدى دور الكتب في النجف على مجلد يوجد درجة عدة كتب نحيفة منها مختصر تاريخ للشام في القرن السابع فقط أوله فلم أعرف مؤلفه ومنها كتاب (الفوائد الوفية بترتيب طبقات الصوفية) تأليف يوسف بن شاهين سبط ابن حجر العسقلاني الشافعي والظاهر إن نسخته هذه نسخة المؤلف ومنها الكتاب (الإفادات والإنشادات) من إملاء الشيخ الإمام النحوي اللغوي العروضي أبي اسحق إبراهيم بن موسى الشاطبي الأصل الغرناطي من رجال أواسط القرن الثامن في الأندلس وهذا الكتاب مخطوط خطا مغربيا يصعب هجاؤه وقد شذ آخره وهو ما أردنا إن ننشر شطرا منه نختاره للقراء قال المؤلف:
إما بعد أيها الأخ الصفي الصديق الوفي أعزك الله وسددك فأني جمعت لك في هذه الأوراق جملة من الإفادات المشفوعة بالانشادات مما تلقيته عن شيوخنا الأعلام وأصحابي ذوي النبل والإفهام قصدت بذلك تشويق المتعبد في العقول ولنقول ومحاضر المسترشد من نتائج القرائح والعقول والله المستعان وعليه التكلان.
إفادة
حدثني الشيخ الفقيه القاضي الجليل الشهير الخطير أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد ابن بكر بن علي المغربي رحمة الله تعالى أملاه علينا عن الإمام الكبير أبي حيان محمد بن يوسف بن حيان قال ورد كتاب من الأستاذ أبي عبد الله بن شبث الغرناطي إلى صاحب له يسمى حمزة وفيه سئل الشيخ (قال أبو حيان يعنيني) وجدت على ظهر نسخة من المفصل بخط عتيق إن رجلا سأل ابن الأخضر بمحضر ابن الابرش عما انتصب قوله.
مقالة أن قد سوف أناله
فقال (ولا تصحب الأزدي فتردى مع الردي) فقال سألتك عن أعراب كلمة فأجبتني نصف بيت فقال ابن الابرش قد أجابك لو كنت تفهم قال أبو حيان فوقعت عليه للحين إن هذا الشطر من قول النابغة:
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي تشك منها السامع
مقالة إن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع
يروي (مقالة) بالرفع على أنه بدل من (أنك لمتني) الفاعل بأني وبالفتح على ذلك إلا انه
стр. 5712
بناء لما أضافه إلى مبني.
إنشاده
أنشدني الشيخ الفقيه القاضي الاعدل الفاضل أبو بكر محمد بن عمر بن علي القرشي الهاشمي إبقاء الله في السابع والعشرين لذي حجة من عام تسعة وخمسون وسبعمائة قال أنشدني تاج الدين الاموري قال أنشدني الإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي لنفسه:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذي ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وكم من رجال قد رأينا ودولة ... فبادوا جميعا مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فماتوا والجبال جبال
إفادة
حدثنا الأستاذ الفقيه الجليل الأصولي أبو علي منصور بن علي الزواوي رحمه الله تعالى إن الفخر ابن الخطيب سأل سيف الذين الآمدي رحمه الله تعالى فقال له لم أجاز الشرع ذبح الحيوان في حق الإنسان وهو تعذيب له وتعذيب الحيوان على خلاف المعقول فقال له سيف الدين أن إتلاف الخسيس في حق النفيس من مناهج العقول فقال له الفخر لو كان كذلك لجاز أن تذبح أنت في حق الرئيس ابن سينا.
إنشاده
أنشدنا الشيخ الأستاذ القاضي أبو عبد الله المغربي لنفسه:
أنبت عوداً بنعمان بدأت به ... فضلاً وألبسته بعد اللحا الورقا
فظل مستعراً مستدثراً أرجاً ... وبات ذا بهجةٍ يستوقف الحدقا
فلا تشنه بمكروه الجنى فكم ... عودته من جميل من لدن خلقا
إنشاده
أنشدني الأستاذ الكبير أبو سعيد بن لب أبقى الله بركته عشية يوم الأربعاء الثالث لشعبان عام تسعة وخمسين وسبعمائة لنفسه:
وهبك وجدت العفو عن كل زلة ... فأين مقام العفو من مقعد الرضا
стр. 5713
وكيف بثوب حالك اللون رمت أن ... يصير كثوب لم يزل قط أبيضا
إفادة
حدثني الشيخ الفقيه الأستاذ الكبير النحوي الشهير أبو عبد الله محمد بن علي الفخار البيري رحمة الله عليه أن بعض الشيوخ كان إذا أتى بأجازة ليشهد فيها سأل الطالب المجاز عن لفظ أجازه ما وزنه وما تصريفه & قلت ولما حدثنا بذلك سألناه عنها فأملى علينا ما نصه: وزن أجازة في الأصل أفعاله وأصلها أجوزه فأعلت بقل حركة الواو إلى الجيم حملا على الفعل الماضي لا أستسقالا فتحركت
الواو في الأصل وأنفتح ما قبلها في اللفظ فانقلبت ألفا فصارت أجازه فحذفت الألف الثانية عند سيبويه لأنها زائدة والزائد أولى بالحذف ووزنها في اللفظ عند سيبويه أفعله وعند الأخفش أفاله لأن العين عنده محذوفة.
إنشاده
أنشدني الفقيه الصوفي المتخلق أبو محمد بن الناظر قال أنشدت في النوم هذين البيتين:
نحن قسمنا الرزق بين الورى ... فأدب النفس ولا تتعرض
وسلم الأمر لأحكامنا ... فكل عبد رزقه قد فرض
إفادة
لما توفي الأستاذ الكبير العلم الخطير أبو عبد الله بن الفخار سألت الله تعالى أن يرينه في النوم فيوصيني بوصية أنتفع بها في الحالة التي أنا عليها من طلب العلم فلما نمت في تلك الليلة رأيت كأني أدخل عليه في داره التي كان يسكن فيها فقلت يا سيدي أوصني فقال لي: لا تتعرض على أحد. ثم سألني بعد ذلك في مسألة من مسائل العربية فأجبته عنها ولا أذكرها الآن.
إنشاده
حاذر طباع الصاحب السوء لا ... تعدو إلى طبعك أو تطرق
والماء ضد النار لكنه ... يعود إن جاورها يحرق
إفادة
حدثنا الأستاذ أبو عبد الله البلنسي قال حدثنا الأستاذ الخطيب أبو عبد الله محمد ابن مرزوق
стр. 5714
قال سألت أبي ونحن نطوف باليت الحرام زاده الله تشريفاً فقلت له لم كان البيت يجعل في الطواف إلى جهة اليسار ولم يجعل إلى جهة اليمين وهي أشرف فقال لي سريعاً يا بني إن القلب على جهة اليسار فجعل الشق الذي هو محل القلب إلى جهة البيت ليكون أقرب موافقة لقوله تعالى (واجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) فقلت له أن الطبيعيين وأهل التشريح أطبقوا على أن محل القلب الحقيقي هو الوسط لا للجهة اليسرى ولا اليمنى نعم وضع رأسه مائلاً ذات اليمين قليلاً وابرته مائلة ذات اليسار قليلاً ثم وقفت المسألة فأنهيتها إلى الطبيب العارف أبي عبد الله الشفوري فقال لي ما قلت للأستاذ حتى قلت ثم ذكر وجهين لحل الإشكال.
إنشاده
أنشدني الفقيه الأديب أبو جعفر بن عبد العظيم في الرابع لرمضان المعظم سنة تسع وخمسين وسبعمائة قطعة له:
تتوق إلى الراحات نفسي وأنني ... لأعصي هواها تارةً وألومها
وتأبى سوى ما تشتهي فأطيعها ... وأعلم أني في رضاها ظلومها
إفادة
كثيراً ما كنت أسمع الأستاذ أبا علي الزواوي يقول قال بعض العقلاء لا يسمى العالم بعلم ما عالما بذلك العلم على الإطلاق (يريد الإخصاء) حتى تتوفر فيه أربع شروط أحداها أن يكون قد أحاط معرفة بأصول ذلك العلم على الكمال والثاني أن تكون له قدرة على العبارة عن ذلك العلم والثالث أن يكون عارفا بما يلزم عنه والرابع أن تكون له قدرة على دفع الإشكالات الواردة على ذلك العلم قلت (المؤلف) وهذه الشروط رأيتها منصوصة لأبي نصر بن محمد الفارابي الفيلسوف في بعض كتبه.
إنشاده
أنشدني الفقيه الأديب أبو جعفر بن عبد العظيم لنفسه في العشر الأواسط لربيع الأول عام ستين وسبعمائة:
لا يخدعنك في امرئٍ ... لبس الحلي والحلل
في الناس من تلقاهم ... حمر الوجوه من الخلل
стр. 5715
إنشاده
أنشدني الفقيه القاضي أبو بكر بن القرشي لنفسه في السابع والعشرين لذي حجة من عام تسعة وخمسين وسبعمائة.
إذا ما تبدي منهج الحق واضحا ... تعامى أناس في الضلالة زاغوا
جلت لهم الدنيا محاسنها التي ... بزخرف منها ذروها ويصاغ
فهم نحوها مثل الفراش تساقطت ... على النار ما غير الممات بلاغ
وليس صبا الإنسان غدراً فكيف إذ ... مضى منه شرخ واستحال صباغ
إلى الله أشكو أمر نفسي فإنها ... عن الرشد فيها حيرة ومراغ
ويا أسفي للنعمتين أضيعتا ... فهل عائد لي صحة وفراغ
إفادة
جرى لنا يوماً بين يدي الأستاذ الكبير أبي سعيد بن لب أنه حكى أن طعام فرعون كان محاح البيض ليقل برازه فإنها قليلة الفضلة فأنهيت المسألة إلى الفقيه الطبيب أبي عبد الله الشفوري فقال الدليل على قلة فضلتها ثلاثة أشياء أحدها أن في غيرها سرعة الانفعال للمضغ وهو دليل عام عند الأطباء في الأغذية فأنهم يقولون كل ما عسر مضغه عسر هضمه وإذا عسر هضمه فضل أكثره وبالضد الثاني أن ابن سينا جعل محاح البيض من أدوية القلب فأنها تكثر دم القلب ودم ألطف من كل دم يكون في البدن وما كان هكذا حقيق بأن لا تكون له فضلة يعتد بها والثالث أنه غذاء الطير عند تكوينه من البياض في جوف البيضة مع أنك لا ترى له فضلة عند خروجه منها فهذا دليل قلة فضلته.
إنشاده
أنشدني الفقيه الفاضل أبو محمد عبد الله بن حزلم قال أنشدني الفقيه الأجل الكاتب أبو عبد الله بن إبراهيم بن الشيخ الأجل الأستاذ العالم المتفنن الشهير أبي عبد الله بن الرقام قال أنشدي أخي محمد لنفسه:
لم يشتر الشهد شخص ضوءه الكسل ... فلست أول صب خانه الأمل
لا عتب أن خلفوني في الحضيض لما ... أشدو به عم صباحاً أيها الطلل
ورافقوا الغير دوني في مسيرهم ... فربما قصرت بي دونهم علل
стр. 5716
كم أنجدوا كلما أنهمت وانتهضوا ... نحو اليفاع وبالعلياء قد نزلوا
يجدوا قرائح منهم عزهم وأنا ... لا ناقة لي أحدوها ولا جمل
من لي بإدراك آثارٍ لأبلغهم ... وكيف ذاك وطرفي طالع عزل
إنشاده
جل في البلاد تنل عزاً ومكرمة ... في أي أرض تكن تلقى مناك بها
جل الفوائد في الأسفار مكتسب ... والله قد قال فامشوا في مناكبها
قال لي الفقيه أبو محمد بن حزلم فقلت له أني أحفظ للإمام الشهير أبي حيان يوسف بن حيان المغربي بهذا المعنى والقافية من التزم التجنيس وهي:
يا نفس مالك تهوين الإقامة في ... أرض تعذر كل من مناك بها
أما تلوتِ وعجز المرءٍ منقصةٌ ... في محكم الذكر فامشوا في مناكبها
قال فقضينا العجب من هذا الاتفاق الغريب قلت ووجدت أنا بخط الفقيه الأديب البارع المحدث أبي عبد الله محمد بن الشيخ الأستاذ الشهير أبي القاسم بن جزي قطعة له وهي:
ومعسول اللمى عادت عذاباً ... على قلبي ثناياه العذاب
وقد كتب العذار بعارضيه ... كتاباً خط قارئه اكتئاب
وقالوا لو سلوت فقلت خيراً ... وأني لي وقد سبق الكتاب
ثم كتب بعدها ما معناه إني عرضتها على شيخنا القاضي أبي القاسم الشريف بعد نظمها بمدة يسيرة فقال لي قد نظمت هذا المعنى بالعروض والقافية.
وأحور زار خديه عذار ... سبى الألباب منظره العجاب
أقول لهم وقد غابوا غرامي ... به إذ لج للدمع انسكاب
أبعد كتاب عارضة يرجى ... خلاص لي وقد سبق الكتاب
وهذا غريب.
إفادة
حدثنا الأستاذ القاضي أبو عبد الله المغربي قال كان أبو زيد بن الإمام يصحف قول الخونجي في الجمل والمقارنات التي يمكن اجتماعه معها فيقول والمفارقات قال ولعله في هذا كما قال أبو عمرو بن العلاء للأصمعي لما قرأ عليه:
стр. 5717
وغررتني وزعمت أنك لابنٌ في الصيف تامر.
فقال
وغرزتني وزعمت أنك لاتني بالضيف تأمر
فقال: أنت في تصحيفك أشعر من الحطيئة.
إنشاده
أنشدني الفقيه الفاضل أبو عبد الله بقي لنفسه قال ونظمتها ارتجالا وقد دعيت إلى نزهة أثر تشييع جنازة:
كم أرى مدمن لهو ودعه ... لست أخلو ساعة من تبعه
كان لي عذر لدى عهد الصبا ... وأنا آمل في العمر السعة
فدعوني ساعة أبكي على ... عمر أمسيت فيمن ضيعه
إنشاده
أنشدني الفقيه الفاضل أبو عبد الله بن بقي قال أنشدت في النوم مقطوعة منها هذان البيتان:
قم إذا القوم ذكروا ... وابتكر حين بكروا
إن في كل لمحة ... نفحاتٍ تكرر
إنشاده
أنشدني القاضي أبو عبد الله قال أنشدني محمد بن إبراهيم بن الحاج البلفيقي قال: أنشدني محمد بن رشيد الفهري قال أنشدني أبو حفص بن الخيمي لنفسه.
لو أرى وجه حبيبي عاذلي ... لتفاصلنا على وجه جميل
إفادة
سألنا الشيخ القاضي أبو عبد الله المغربي ﵀ عن أسم كتاب الجوهري في اللغة فقلت له من الناس من يقول الصحاح بالكسر ومن الناس من يفتح فقال إنما هو الفتح بمعنى الصحيح قالوا يحتمل أن يكون مصدر صح كحنات.
إنشاده
أنشدني الفقيه الفاضل أبو عبد الله الشريشي قال أنشدني الشيخ القاضي أبو عبد الله المغربي قال أنشدني الحاج أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد الرباطي قال أنشدني تقي
стр. 5718
الدين لنفسه:
تمنيت أن الشيب عاجل لمتي ... وقرب مني في صباي مزاره
لآخذ من عصر الشباب نشاطه ... وآخذ من عصر المشيب وقاره
إنشاده
أنشدني الفقيه أبو عبد الله بن تقي قال استيقظت من نومة نمتها في القائلة في شهر رجب من عام ستة وخمسين وسبعمائة وأنا أنشد هذا البيت:
ولا يبلغ القصاد كل مرادهم ... إذا عدموا زادا من العلم نافعا
إفادة
أفادني صاحبنا الفقيه الكاتب أبو عبد الله بن زمرك أثر إيابه إلى وطنه من رحلة العدوة في علم البيان فوائد أذكر الآن منها ثلاثا أحدها الفقه في اللغة وهو النظر في مواقع الألفاظ وأين استعملتها العرب ومن مثل هذا الوجه قولهم قرم وعام إذا اشتهى لكن لا يستعمل إلا مع اللحم ولا يستعمل عام إلا مع اللبن فتقول عمت إلى اللبن وكذلك قولهم أصفر فاقع وأحمر قان ولا يقال بالعكس وهذا كثير والثانية تحري الألفاظ البعيدة عن طرفي الغرابة والابتذال فلا يستعمل الحوشي من اللغات ولا المبتذل في السن العامة والثالثة اجتناب كل صيغة تخرج الذهن عن أصل المعنى أو تشوش عليه إذ المقصود الوصول في بيان المعنى إلى أقصاه والإتيان بما يحصله سريعاً ويمكنه في الذهن وتحري كل صيغة تمكن المعنى وتحرض السامع على الاستماع واخبرني أن كتاب المغرب يحافظون في شعرهم وكتابتهم على طريقة والعرب ويذمون ما عداها من طرق المولودين وإنها خارجة عن الفصاحة وهذه المعاني الثلاثة لا توجد إلا فيها.
إنشاده
أنشدني الفقيه أبو عبد الله الشريشي قال أنشدني المغربي قال أنشدني الرباطي قال أنشدني تقي الدين بن دقيق العيد لنفسه من صدر رسالة كتب بها لبعض إخوانه بالحجاز الشريف:
يهيم قلبي طرباً عندما ... استلمح البرق الحجازيا
ويستميل الوجد قلبي وقد ... أصبح لي ثوب الحجى زيا
يا هل اقضي من منى حاجتي ... وأنحر البز المهاريا
стр. 5719
وارتوي من زمزم فهي لي ... ألذّ من ريق المهى ريا
إنشاده
أنشدني الفقيه الرحالة أبو اسحق بن الحاج قال أنشدني الأستاذ الإمام أبو حيان يوسف بن حيان لنفسه:
عداي لهم فضل علي ومنة ... فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فأجتنبها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
إفادة
وقع بيني يوما وبين من يتعاطى النظر في العلم من اليهود كلام في بعض المسائل إلى أن جرى الكلام إلى عيسى ﵇ فأخذ ينكر خلقه من غير أب ويقول وهل يكون شيء من غير مادة، فقلت له فيلزمك إذا أن يكون العالم مخلوقاً من مادة وأنتم معشر يهود لا تقولون بذلك (الظاهر أن القول بخلق العالم ابتداء من غير مادة مسلم عند أهل الأديان الإلهية) واحد الأمرين لازم أما صحة خلق عيسى من دون أب وأما بطلان خلق العالم من غير مادة فبهت.
إنشاده
أنشدنا صاحبنا الفقيه الأديب أبو محمد بن حذلم لنفسه:
يقولون خل عنك الأسى ... ولذا بالسرور فذا يوم عيد
فقلت لهم والأسى غالب ... ووجدي يحي وشوقي يزيد
توعد في مالكي بالفراق ... فكيف أسر وعيدي وعيد
إنشاده
أنشدني الفقيه الأديب البارع أبو محمد بن حذلم لنفسه:
شان المحبين في أشجانهم عجب ... وحالتي بينهم في الحب أعجبها
قد كنت أبعث من ريح الصبا رسلا ... تأتي فتطفي أشواقي وتذهبها
والآن أرسل دمعي أثرها ديماً ... فتلتظي نار وجدي حين أسكبها
فأعجب لنار اشتياق في الحشا وقعت ... والريح تذهبها والماء يلهبها
إفادة
стр. 5720
كتب لي بخطه شيخنا الجليل القاضي أبو عبد الله المغربي ﵀ على ظهر التسهيل لابن مالك الذي كتبته بخطي بعدما كتب لي بخطه روايته فيه عن أبي الحسين بن مزاحم عن بدر الدين بن جماعة عن المؤلف فكتب بعد ذلك ما نصه:
قال محمد بن محمد المغربي بدر الدين بن جماعة المذكور يدعى بقاضي القضاة على ما جرت به عوائد أهل المشرق في تسمية مثله وأنا أكره هذا الاسم محتجا بقول النبي ﷺ أن أخنع اسم عند الله يوم القيامة رجل تسمى ملك الملوك لا ملك إلا الله
إنشاده
أنشدنا شيخنا الفقيه القاضي المتفنن أبو عبد الله المغربي لنفسه:
وجد تسعره الضلوع ... وما تبرده المدامع
أمل إذا وصل الرجا ... أسبابه فالخوف قاطع
بالله يا هذا الهوى ... ما أنت بالعشاق صانع
النجف // محمد رضا الشبيبي
стр. 5721
سيرة صلاح الدين
لو كان تاريخ العرب يدرس في مدارسنا على أصوله لوجب أن تدرس سيرة السلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب صاحب مصر والشام واليمن والجزيرة كما تدرس سيرة الخلفاء الراشدين فقد مضت القرون بعد الخليفة المأمون العباسي ولم ينشأ للعرب ملك كصلاح الدين بعقله وعدله وحلمه وحسن بلائه وقد دونت سيرته في عهده فكان عند المشارقة والمغاربة أنموذج الملك الحازم العاقل وأحق ما يرجع إليه في سيرته ﵀ من الكتب كتاب النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لبهاء الدين بن شداد من قضاة الملك الناصر وكتاب الفتح القسي في الفتح القدسي لعماد الدين الكاتب أحد كتاب ديوانه ثم يؤخذ عمن كان في عصره أو قريبا منه أمثال ابن الأثير صاحب الكامل وتاج الدين شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة أو عن صاحب تاريخ الروضتين في أخبار الدولتين.
أما كتاب النوادر فهو على أسلوب المؤرخ كتب بعبارة مرسلة لا تكلف فيها صيغ فيه اللفظ على قدر المعنى بخلاف الفتح القسي فإنه راعي فيه السجع من أوله إلى آخره حتى يكاد يمل قارئه وتشغله الألفاظ والجناسات والترصيع وعويص اللغة عن تدبر المعنى ودخوله الآذان بلا استئذان على أن له من سجعه في الأحيان ما يجئ عفو القريحة فيكون المعجب المطرب مثل فصل ذكر حال نساء الفرنج فإنه أبدع فيه كل الإبداع وإن كان ما يظهر ركب مركب الغلو في تمثيل حالهن.
ولقد تدبرنا سيرة الملك الناصر صلاح الدين منذ ولد في قلعة تكربت (٥٣٢ هـ) وكان والده أيوب بن شاذي والياً بها إلى أن جاء الموصل مع والده وقد ترعرع إلى أن انتقل معه إلى الشام وأعطي بعلبك إلى أن اتصل بالملك نور الدين محمود بن زنكي إلى أن ذهب مع عمه أسد الدين شيركوه إلى مصر إلى أن ملك مصر وأزال دولة العاضد الفاطمية وخطب للدولة العباسية إلى أن فتح الشام واستخلص أكثر بلاد الساحل الشامي والقدس من الإفرنج إلى أن توفاه الله في دمشق بعد جهاد أربع سنين في الصليبيين - تدبرنا كل هذا فلم نحص له ولا شهدنا له إلا ما ينطبق على مكارم الأخلاق والعدل المتناهي والحلم الذي دونه حلم أحنف ومعاوية ولولا ما دسه الفقهاء عليه من تزيين قتل الشهاب السهروردي الفيلسوف لخرجت صحيفة حياته كلها بيضاء نقية قال ابن شداد أن هذا السلطان كان مبغضا للفلاسفة والمعطلة ومن يعاند الشريعة ولقد أمر ولده صاحب حلب الملك الظاهر أعز اله أنصاره
стр. 5722
بقتل شاب نشأ يقال له السهروردي قيل عنه أنه كان معاندا للشرائع معطلا وكان قد قبض عليه ولده المذكور لما بلغه من خبره وعرف السلطان به فأمر بقتله فطلبه أياما فقتله هذه رواية ابن شداد وهو من الفقهاء أورد هذه القصة في معرض أن السلطان يعظم شعائر الدين وإثبات أنه يقول بالعبث والنشور ومجازاة المحسن بالجنة والمسيء بالنار.
إلا أن ابن أبي أصيبعة قال في حقيقة قتل الشهاب السهروردي أنه لما أتى إلى حلب وناظر بها الفقهاء ولم يجاره أحد كثر تشنيعهم فاستحضره الملك السلطان الظاهر غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب واستحضر الأكابر من المدرسين والفقهاء والمتكلمين ليسمع ما يجري بينهم وبينه من المباحث والكلام فتكلم معهم بكلام كثير وبأن له فضل عظيم وعلم باهر وحسن موقعه عند الملك الظاهر وقربه وصار مكينا عنده مختصا به فازداد تشنيع أولئك عليه وعملوا محاضر بكفره وسيروها إلى دمشق على الملك الناصر صلاح الدين وقالوا إن بقي هذا فإنه يفسد اعتقاد الملك الظاهر وكذلك إن أطلق فإنه يفسد أي ناحية كان بها من البلاد وزادوا عليه أشياء كثيرة من ذلك فبعث صلاح الدين إلى ولده الملك الظاهر بحلب كتابا في حقه بخط القاضي الفاضل وهو يقول فيه أن هذا الشهاب السهروردي لابد من قتله ولا سبيل إلى إطلاقه ولا يبقى بوجه من الوجوه ولما بلغ شهاب الدين السهروردي ذلك وأيقن أنه يقتل وليس جهة إلى الإفراج عنه اختار أن يترك مكان مفرد ويمنع من الطعام والشراب إلى أن يلقى الله تعالى ففعل به ذلك وكان في أواخر سنة ست وثمانين وخمسمائة بقلعة حلب وكان عمره نحو ست وثلاثين سنة. قال صاحب طبقات الأطباء أن السهروردي صار له شأن عظيم عند الملك الظاهر وبحث مع الفقهاء في المذاهب وعجزهم واستطال على أهل حلب وصار يكلمهم كلام من هو أعلى قدرا منهم فتعصبوا عليه وأفتوا في دمه حتى قتل وقيل أن الملك الظاهر سير إليه من خنقه ثم أن الملك الظاهر بعد مدة نقم على الذين أفتوا في دمه وقبض على جماعة منهم واعتقلهم وأهانهم وأخذ منهم أموالا عظيمة.
هذه الغلطة الوحيدة هي التي أحصيت لصلاح الدين وهي في الحقيقة انتقام المتفقهة من المتفلسفة أو النقل من العقل - وهذا الانتقام ما برح على أشده في كل زمان ولا سيما منذ القرن السادس إلى آخر العاشر فإنه قتل في بلاد الإسلام كثير من الأعاظم أو اضطهدوا
стр. 5723
وأوذوا من قبل أعداء الفلسفة وما عدا ذلك فإن صلاح الدين لا يلام على قتل أحد من الصليبيين لأنهم أفحشوا هم في أسره وعاهدوا فخانوا ومثل من قتلهم من المصريين للقضاء على الدولة العبيدية أو من قاموا يدعون إليهم بعد أن زالت دولتهم وفي جملتهم عمارة اليمني الشاعر (المقتبس م٣ ص ١٦٩) كل ذلك يغتفر له لأنه في سبيل تأييد سلطانه والملك عقيم كما قيل.
ومما ذكره ابن شداد في عدله أنه كان رؤفاً رحيماً ناصراً للضعيف على القوي ولكن يجلس للعدل في كل يوم اثنين وخميس في مجلس عام يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير وعجوز هرمة وشيخ كبير وكان يفعل ذلك سفرا وحضراً على أنه كان في جميع زمانه قابلا لجميع ما يعرض عليه من القصص في كل يوم ويفتح باب العدل ولم يرد قاصداً للحوادث والحكومات. وكان يجلس مع الكاتب ساعة إما في الليل أو في النهار ويوقع على كل قصة بما يجريه الله على قلبه ولم يرد قاصداً أبداً ولا منتصلاً ولا طالب حاجة وما استغاث إليه أحد إلا وقف وسمع قضيته وكشف ظلامته واعتنى بقصته ولقد رأيته وما استغاث إليه إنسان من أهل دمشق يقال له ابن زهير على تقي الدين ابن أخيه فأنفذ إليه ليحضر إلى مجلس الحكم وكان تقي الدين من أعز الناس عليه وأعظمهم عنده ولكنه لم يحابه في الحق.
وأعظم من هذه الحكاية مما يدل على عدله قضية جرت له مع إنسان تاجر يدعى عمر الخلاطي وذلك أني كنت يوما في مجلس الحكم بالقدس الشريف إذ دخل عليّ شيخ مسن تاجر معروف يدعى عمر الخلاطي معه كتاب حكمي يسأل فتحه فسألته من خصمك فقال: خصمي السلطان وهذا بساط العدل وقد سمعت أنك لا تحابي قلت: وفي أقضية هو خصمك فقال: إن سنقر الخلاطي كان مملوكي ولم يزل على ملكي إلى أن مات وكان في يديه أموال عظيمة كلها لي ومات عنها واستولى عليها السلطان وأنا مطالبه بها فقلت له: يا شيخ وما أقعدك إلى هذه الغاية فقال: لا تبطل بالتأخير وهذا الكتاب الحكمي ينطق بأنه لم يزل في ملكي إلى أن مات فأخذت الكتاب منه وتصفحت مضمونه فوجدته يتضمن حيلة سنقر الخلاطي وأنه قد اشتراه من فلان التاجر بارجيش اليوم الفلاني من شهر كذا وأنه لم يزل في ملكه إلى أن شذ عن يده في سنة كذا وما عرف شهود هذا الكتاب خروجه عن
стр. 5724
ملكه بوجه ما وتم الشرط إلى آخره فتعجبت من هذه القضية وقلت للرجل: لا ينبغي سماع هذا بلا وجود الخصم وأنا أعرفه وأعرفك ما عنده فرضي الرجل بذلك واندفع فلما اتفق المثول بين يديه في بقية ذلك اليوم عرفته القضية فاستبعد ذلك استبعاداً عظيماً وقال: كنت نظرت في الكتاب فقلت نظرت فيه ورأيته متصل الورود والقبول إلى دمشق شهود معروفون فقال: مبارك نحن نحضر الرجل ونحاكمه ونعمل في القضية ما يقتضيه الشرع.
ثم اتفق بعد ذلك جلوسه معي خلوة فقلت له: هذا الخصم يتردد ولابد أن نسمع دعواه فقال: أقم عني وكيلاً يسمع الدعوى ثم يقيم الشهود شهاداتهم وأخر فتح الكتاب إلى حين حضور الرجل هاهنا ففعلت ذلك ثم أحضر الرجل واستدناه حتى جلس بين يديه وكنت إلى جانبه ثم نزل من طراحته حتى ساواه وقال: إن كان لك دعوى فاذكرها فحرر الرجل الدعوى على معنى ما شرح أولا فأجابه السلطان أن سنقر هذا كان مملوكي ولم يزل على ملكي حتى أعتقته وتوفي وخلف ما خلفه لورثته فقال الرجل: لي بينة تشهد بما أدعيه ثم سأل فتح كتابه ففتحه فوجدته كما شرحه فلما سمع السلطان التاريخ قال عندي من يشهد أن سنقر هذا في هذا التاريخ كان في ملكي وفي يدي بمصر وأني اشتريته مع ثمانية أنفس في تاريخ متقدم على هذا التاريخ بسنة وأنه لم يزل في يدي وملكي إلى أن أعتقته ثم استحضر جماعة من أعيان الأمراء والمجاهدين فشهدوا بذلك وذكروا القصة كما ذكرها والتاريخ كما ادعاء فأبلس الرجل فقلت له: يا مولاي هذا الرجل ما فعل ذلك إلا طلباً لمراحم السلطان وقد حضر بين يدي المولى ولا يحسن أن يرجع خائب للقصد فقال: هذا باب آخر وتقدم له بخلعه ونفقة بالغة قد شذ عني مقدارها قال ابن شداد فانظر إلى ما في طي هذه القضية من المعاني الغريبة العجيبة والتواضع والانقياد إلى الحق وإرغام النفس والكرم في موضع المؤاخذة مع القدرة التامة.
مثل هذا الفاتح العظيم مات ولم يحفظ ما تجب عليه به الزكاة فان صدقة النفل استرقت جميع ما ملكه من الأموال فملك ما ملك ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ناصريا وجرما واحدا ذهبا ولم يخلف لملكا ولا دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا قرية ولا مزرعة ولا شيئا من أنواع الأملاك وكان ﵀ يهيب الأقاليم وفتح آمد (ديار بكر) وطلبها منه ابن قره أرسلان فأعطاه إياها وهو يعطي في وقت الضيق كما
стр. 5725
يعطي في حال السعة وكان نواب خزائنه يخفون عنه شيئا من المال حرا من أن يفاجئهم مهم لعلمهم بأنه متى علم به أخرجه قال ابن شداد: وكان يعطي فوق ما يؤمل الطالب فما سمعته قط يقول: أعطينا لفلان وكان يعطي الكثير ويبسط وجهه للعطاء بسطه لمن لم يعطه شيئا وما سمعته قط يقول: قد زدت مراراً فكم أزيد وأكثر الرسائل كانت تكون على لساني ويدي وكنت أخجل من كثرة ما يطلبون ولا أخجل منه من كثرة ما أطلبه لهم لعلمي بعدم مؤاخذته في ذلك وما خدمه أحد إلا وأغناه عن سؤال غيره وقد سمعت من صاحب ديوانه يقول لي: قد تجارينا عطاياه فحصرنا عدد ما وهب من الخيل بمرج عكا فكان عشرة ألاف رس ولم يكد يركب فرساً إلا وقد وعد بأن يعطيها لأحد طلاب عطاياه. وبالجملة فإن ما ذكره العماد وابن شداد عن خلال صلاح الدين ومواظبته على القواعد الدينية وملاحظته للأمور الشرعية وعدله وكرمه وشجاعته واهتمامه بأمر الجهاد وصبره واحتسابه وحلمه وعفوه ومحافظته على أسباب المروءة هو العجب العجاب وقرة عين المسلمين والعرب على مر السنين والأحقاب.
يرى الناظر في كتاب العماد الكاتب الأصفهاني أنه لم يكد يغفل تفاصيل الوقائع الصلاحية أو يشذ عنه نادرة من النوادر اليوسفية الأيوبية على ضيق عطن النثر والسجع عن قبول هذه المعاني بجملتها ويعاب على الأصفهاني كثرة تبجحه بكتابته فقد ذكر غير ما مرة من كتابه أنه كان هو الفرد العظيم المقدم في الديوان الصلاحي مع أن ابن شداد ذكر عن نفسه شيئا من ذلك بالعرض أورده كما رأيته في معرض الكلام على منائح صلاح الدين ولكن صاحبنا العماد جرى على عادة الفرس في المبالغة سامحه الله فقال في فتح بيروت: وكنت يومئذ في مرض قد أزعجني ومضض أجفاني ولعيون العواد أبرزني وانقطعت عن الحضور عند السلطان وضعفت عن تحرير كتاب الأمان فطلب السلطان كل كاتب في ديوانه وكل من يمسك قلما من أفاضل الملك وأعيانه فلم يرضه ما كتبوه ولم يكفه ما رتبوه فجاءني في تلك الحالة من استملاه مني ومرضت أذهان الأصحاء ولم يمرض ذهني فتسلم بيروت بخطي وأصبحوا وأنا الآخذ والمعطي وكان الناس قد أنسوا بما أسطره وأبرزه وأنسوا سوى ما أذكره وأحبره والغوا الصحة فيه فألفوا ولقوا السقم في غيره فانفوه فلم يكن في ذلك التوقيع تعويق بل كله بتوفيق من الله توثيق فما فتح فتح إلا بمفتاحه ولا رتق فتق
стр. 5726
إلا بصلاحه ولا جلي ظلام إلا بإصباحه ولا وري زند إلا باقتداحه.
وقال من فصل: وكان قد عرض له مرض فانقلب إلى دمشق يداوي مزاجه فلما عاد إلى الحضرة سأله السلطان: أين كنت ولم أبطأت وحيث أصبت في المجيء فما أخطأت وقد كنا في انتظارك والسؤال عن أخبارك وهذا أوان إحسانك فأين إحسان أوانك فأجر بنانك بجرأة بيانك واجز في ميدانك وما للبشائر (بفتح القدس) إلا واصفها وللفرائد إلا راصفها وللفصاحة إلا قسها وللصحافة إلا قيسها وكان قد جمع أمس كتاب دواوينه على إنشاء كتب ما ارتضاها واقتضاب معان ما اقتضاها وكانوا سألوه في كتاب الديوان العزيز فقال: لهذا من هو أقوم به وعناني فلما ساءني ناداني واستدناني فصرفت إلى امتثال أمره عناني وسلم إلي الكتب التي كتبوها بالألفاظ التي رتبوها وقال غيرها ولا تسيرها وغرضه أني أعدل معوجها وأبدل مثبجها وافترع المعنى البكر للفتح البكر وأوشح ذكر آياته بآيات الذكر فاستجديها فما استجدتها واستلمحتها فما استملحتها وشممتها وبها سهك وكشفتها وسترهاهتك وكانوا قد تعاونوا عليها وفيها لهم شرك فشرعت في افتضاض الأبكار واقتضاء الأفكار واقتراح القريحة وافتراء رحاب الكلم الفصيحة الفسيحة وافتتحت في بشرى الفتح بكتاب الديوان العزيز وأوردت المعنى البليغ في اللفظ الوجيز ووشحت ووشعت وشعبت وأشبعت وأطلت وأطبت وصبت وأصبت وأعجزت وأعجبت ووافقت وأنست. . . . .
وقال في الوقعة العادية: ولما عرفت بالواقعة والنصرة الجامعة صدرت ثلثين أربعين كتابا بالبشارات فأبلغ المعاني وأبرع العبارات وقلت إذا نزل السلطان وجد الكتب حاضرة ورأى البشائر شائرة وركبت أنا والقاضي بهاء الدين بن شداد لمشاهدة ما هناك من أشلاء صرعى وأجساد فما أعجل ما سلبوا وعروا وفروا وقروا وقد بقرت بطونهم وفقئت عيونهم ورأينا امرأة مقتولة لكونها قاتلة وسمعناها وهي خامدة بالعبرة قائلة وما زلنا نطوف عليهم ونعبر ونفكر فيهم حتى ارتدى العشاء بالظلام فعدنا إلى الخيام وأخذت الكتب التي نمقتها بالبشائر التي حققتها وإذا السلطان قد استبطاني وعدم إجابتي لما دعاني فما صبر ولا انتظر ولا ترقبني أن أحضر ولا أمهل أن أعطى بالبشارة حقها وأجلو بأنوار المعاني فقها وأبلغ بالبلاغة مداها بتقليص الضلالة ثوب هداها وأصف بحدود الأقلام ما صنعته حدود السيوف وأروج نقودي عند السلطان وأغنيه عن الزيوف فأبصرت عنده مشرفي المطانج
стр. 5727
والأبيات ومدوني الجرائد بالإثبات وقد كتبوا تلك البشارة الثقيلة الجليلة في رقاع خفيفة بعبارات سخيفة وقد عطلت الحسناء من حيلتها وعروها من بزتها وشوهوا جمالها وأحالوا حالها فذهب المبشرون وسار القاصدون فما كان لتلك الوقعة عند من وقع عليها وقع ولا تم لغليل من رام الاطلاع على حقيقتها نقع وأرادوا بدمشق قراءتها على المنبر فما استحسنوها ولو وردتهم بزينة عبارتي وبراعتي زينوها وفي تلك الحال التفت السلطان إليّ وقال اكتب بهذه البشارة إلى بغداد وعجل بها الانفاذ فقلت على سبيل العتب انتم تريدون ما أكتبه ولا ترغبون فيما أرتبه وأهذبه فقال كأنك كتبت البشائر فهاتها حتى تهدى إلى طرقاتها فقلت ما فات فات وهيهات هيهات وأخرجت له ما بقي من بشارات البلاد التي أنشأتها بالألفاظ والمعاني التي ابتدعتها وابتدأتها فسارت فسرت البعيد والقريب وخصت من جداها بالخصب الجديب وصدحت بأسجاعها المنابر وصمت بسماعها المفاخر وظهرت بعباراتها العبر وبهرت بزبرها الزبر وعمرت بمعانيها وعمت مباهجها مناهج الأقاصي والأداني.
وقال من هذا البحر والقافية في ذكر لطف من الله في حقي خفي كان السلطان قبل استيلاء الفرنج على عكا بسنة قد عمل ترجمة تفرد بها القاضي ابن قريش لمكاتبة الأصحاب ليكتب بها إليهم ويعود بها الجواب فلم يبقى المكاتبة ابتداء وجوباً بخطي وخرج حكم عكا في الكتابة عن شرطي فقلت لأصحابي ما صرف الله قلمي عن عكاء إلا وفي علمه أن الكفر إليها يعود وأن النحوس تحلها وترحل عنها السعود واستعاذني الله من استعادتها وردها إلى شقاوتها بعد سعادتها ولقد عصم الله قلمي وكلمني وعرف شيم مخايل الطاقة من شيمي وهذا قلم جمعت به أشتات العلوم مدة عمري وما أجراه الله إلا بأجري فالحمد لله الذي صانه وعظم شأنه وما ضيع إحسانه وهو للفقه والفتيا ومصالح الدين في الدنيا وما عرف إلا بعرف فما صرف إلا عن صرف وما سفارته إلا في نجح وما أسفاره إلا عن صبح وما تجارته إلا لربح فهو يمين الدولة وأمينها ومعين الملة بل معينها بمداده يستمد إمدادها وبسداده للثغور سدادها ودواته دواء المعضلات وبعقده حل المشكلات وبخطه حط عوادي الخطوب وبقطه قط هوادي القطوب وببريه برء الأمراض وبدرءه درء الأعراض وبدره انتظام عقود العقول وبدراريه ابتسام الإقبال والقبول وبجريه جرى الجياد للجهاد وبسعيه سعي الأمجاد للإنجاد وبحركته سكون الدهماء وببركته ركون الرجاء فما كان الله
стр. 5728
ليضيعه في صون مالا يصونه من لا يعنيه فخفقت على عكاء من وقوف قلمي عنها وكان قد ألهمني الله فإنه صانه ولم يصنها وشكرت الله على هذه اللطيفة والعارفة الطريفة.
وقال من فصل في وفاة السلطان وكيف كانت حاله بعد: وبقيت تلك الأيام لا أفرق بين الدجى والضحى ولا أجد قلبي من سقم الهم وسكره صح ولا صحا وحالت حالي وزال أدلالي وزاد بلبالي وبطل حقي واتسع خرقي وتنازل جاهي وتنازق أشباهي وأعضلت أدواء الدواهي وبقيت المعارف متنكرة والمطالع مكفهرة والعيون شاخصة والظلال قالصة والأيدي يابسة والوجوه عابسة وعادت أبكار خواطري عانسة ونجوم قرائحي وشواردها الآنسة خانسة كانسة وبقي باب كل مرتجى مرتجا ومنهج كل معروف منهجاً وظعن الغنى واختلف في حسن الاخلاف بي ظني حتى تولى الملك الأفضل بدمشق مقام أبيه وقام بالأمر بعزم تأنيه وحزم تأتيه وعز تأبيه فعرف افتقاره إلى معرفتي وفقري وإلى عطل الملك ومحله من غزارة حلب دري ونضارة حلي دري فكتبت له وحليت من الملك عطله ووشيت الكتب ووشعتها وجليت الرتب ووسعتها وهززت اليراعة وأغزرت البراعة وهجرت الجماعة ولزمت القناعة.
هذا هو الإعجاب بالنفس بل إعجاب الفرس تراه ماثلا من أول كتابه إلى آخره فقد قال في مقدمته: وأودعته من فوائد الكلام والفرائد الفذ والتؤام دار السحاب ودر السحاب وسميته الفتح القدسي تنبيها على جلالة قدرة وتنويها بدلالة فخره وعرضته على القاضي الأجل الفاضل وهو الذي في سوق فضله تعرض بضائع الفضائل فقال لي سمه (الفتح القسي في الفتح القدسي) فقد فتح الله عليك بفصاحة قس وبلاغته وصاغت صيغه بيانك فيه ما يعجز ذوو القدرة في البيان عن صياغته.
أظن أن القاضي الفاضل على جلالة شأنه ما كان يستحق هذا الإعظام من العماد لو لم يكن نوه له بكتابه على أن للعماد من المزايا التي يفاخر بها ما قد يغفر له هذا التبجح ولكن كثيرين يفاخرون وليس عندهم شيء من المزايا. نشأ العماد بأصبهان وقدم بغداد في حداثته وتفقه بالمدرسة النظامية وأقام بها مدة (ابن خلكان) ولما تخرج ومهر تلق بالوزير عون الدين يحيى بن هبيرة ببغداد فولاه النظر بالبصرة ثم بواسط فلما توفي أقام العماد مدة في عيش منكد وجفن مسهد ثم انتقل إلى دمشق (٥٦٢ هـ) وسلطانها يومئذ الملك العادل نور
стр. 5729
الدين وعرفه والد صلاح الدين فأحسن إليه وأكرمه وميزه عن الأعيان والأماثل وعرفه صلاح الدين ومدحه بقصيدة ثم إن القاضي كمال الدين الشهروزي نوه بذكره عند السلطان نور الدين وعدد عليه فضائله وأهله لكتابة الإنشاء قال العماد فبقيت متحيرا في الدخول فيما ليس من شأني ولا وظيفتي ولا تقدمت لي به دراية ولقد كانت مواد هذه الصناعة عتيدة عنده لكنه لم يكن قد مارسها فجبن عنها في الابتداء فلما باشرها هانت عليه وأجاد فيها واتى فيها بالغرائب وكان ينشأ الرسائل باللغة المعجمية أيضا وحصل بينه وبين صلاح الدين في تلك المدة مودة أكيدة وامتزاج تام ولما اخذ صلاح الدين دمشق حضر بين يديه وأنشده قصيدة أطال نفسه فيها ثم لزم الباب ينزل لنزول السلطان ويرحل لرحيله فاستمر على عطلته مديدة وهو يغشى مجالس السلطان وينشده في كل وقت مدائح ويعرض بصحبته القديمة ولم يزل على ذلك حتى نظمه في سلك جماعته واستكتبه واعتمد عليه وقرب منه فصار من جملة الصدور المعدودين والأماثل المشهورين يضاهي الوزراء ويجري في مضارهم وكان القاضي الفاضل في أكثر أوقاته ينقطع عن خدمة السلطان ويتوفر على مصالح الديار المصرية والعماد ملازم للباب بالشام وغيره وهو صاحب السر المكتوم وصنف التصانيف القائمة من ذلك كتاب جريدة القصر وجريدة العصر جعله ذليلا على زينة دمية الدهر تأليف أبي المعالي سعد بن علي الوراق الخطيري والخطيري جعل كتابه ذليلا على دمية القصر وعصره أهل العصر للباخرزي والباخرزي جعل كتابه ذليلا على يتيمة الدهر للثعالبي والثعالبي جعل كتابه ذليلا على كتاب البارع لهرون بن علي المنجم.
وقد ذكر العماد في جريدة الشعراء الذين كانوا بعد المائة إلى سنة اثنين وسبعين وخمسمائة وجمع شعراء العراق والعجم والشام والجزيرة ومصر والمغرب ولم يترك أحدا إلا النادر الخامل وأحسن في هذا الكتاب وهو في عشر مجلدات وصنف كتاب البرق الشامي في سبع مجلدات وهو مجموع تاريخ وبدأ فيه بذكر نفسه وصورة انتقاله من العراق إلى الشام وما جرى له في خدمة السلطان نور الدين محمود وكيفية تنقله بخدمة السلطان صلاح الدين وذكر شيئا من الفتوحات بالشام وهو من الكتب الممتعة وانما سماه البرق الشامي لأنه شبه أوقاته في تلك الأيام بالبرق لطيبها وسرعة انقضائها وصنف كتب الفتح القسي في الفتح
стр. 5730
القسي في مجلدين يتضمن كيفية فتح البيت المقدس وصنف كتاب السيل على الذيل جعله ذليلا على الذيل لابن السمعاني وهو ذيل على كتاب جريدة القصر وصنف كتاب نصرة الفترة وعصرة القطرة في أخبار الدولة السلجوقية (مطبوع) وله ديوان رسائل وديوان شعر في أربع مجلدات ونفسه في قصائده طويل وله ديوان صغير جميعه دوبيت وكان بينه وبين القاضي الفاضل مكاتبات ومحاورات لطاف.
ولم يزل العماد الكاتب على مكانته ورفعة منزلته إلى أن توفي السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى فاختلت أحواله وتعطلت أوصاله ولم يجد في وجهه باباً مفتوحا فلزم بيته وأقبل على الاشتغال بالتصانيف وكانت ولادته يوم الاثنين ثاني جمادى الأخرى سنة تسع عشرة وخمسمائة بأصبهان وتوفي يوم الاثنين مستهل سهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة بدمشق ودفن في مقابر الصوفية خارج باب النصر.
أما ابن شداد مؤلف السيرة الصلاحية فقد ولد بالموصل سنة ٥٣٩ وحفظ بها القرآن الكرين في صغره وتخرج بضياء الدين القربطي وبابن الشيرجي والطومي الخطيب وغيرهم قرأ عليهم القرآن القراءات والتفسير والحديث والفقه والخلاف والأدب واللغة وأعاد بالمدرسة النظامية وحج في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وزار بيت المقدس والخليل ثم دخل دمشق والسلطان صلاح الدين محاصر قلعة كوكب فذكر أنه سمع بوصوله فاستدعاه إليه فظن أنه يسأله عن كيفية قتل الأمير شمس الدين فإنه كان أمير الحاج في تلك السنة من جهة صلاح الدين وقتل على جبل عرفات فلما دخل عليه ذكر انه قابله بالإكرام التام وما زاد على السؤال عن الطريق ومن كان فيه من مشايخ العلم والعمل وسأله عن جزء من الحديث ليسمعه عليه فأخرج له جزءاً جمع فيه أذكار البخاري وأنه قرأه عليه بنفسه فلما خرج من عنده تبعه عماد الدين الكاتب الأصبهاني وقال له: السلطان يقول لك إذا عدت من الزيارة وعزمت على العود فعرفنا بذلك فلنا إليك مهم فأجلبه بالسمع والطاعة فلما عاد عرف بوصوله فاستدعاه وجمع له في تلك المدة كتابا يشتمل على فضائل الجهاد وما أعد الله للمجاهدين يحتوي على مقدار ثلاثين كراسة خرج إليه واجتمع به ببقعة حصن الأكراد وقدم له الكتاب الذي جمعه وقال إنه كان عزم على الانقطاع في مشهد لظاهر الموصل إذا وصل إليها ثم أنه اتصل بخدمة صلاح الدين في مستهل جمادى الأولى
стр. 5731
سنة أربع وثمانين وخمسمائة ثم ولاه قضاء المعسكر والحكم بالقدس الشريف ولما توفي صلاح الدين كان حاضرا وتوجه إلى حلب لجمع كلمة الأخوة أولاد صلاح الدين وتحليف بعضهم لبعض وكتب الملك الظاهر غياث الدين ابن صلاح الدين إلى أخيه الملك الأفضل نور الدين علي بن صلاح الدين صاحب دمشق يطليه منه فأجابه إلى ذلك فأرسله الملك الظاهر إلى مصر لاستخلاف أخيه الملك العزيز عماد الدين عثمان بن صلاح الدين وعرض عليه الظاهر الحكم بحلب فلم يوافق على ذلك ثم ولي قضائها ووقوفها وكانت حلب في ذلك الزمان قليلة المدارس وليس بها من العلماء الأنفر يسير فاعتنى ابن شداد بترتيب أمورها وجمع الفقهاء بها وعمرت في أيامه المدارس الكثيرة وكان الملك الظاهر قد قرر له إقطاعاً جيداً يحصل منه جملة مستكثرة ولم يكن له خرج كثير فإنه لم يولد له ولا كان له أقارب فتوفر له شيء كثير فعمر مدرسة للشافعية وداراً للحديث في حلب ولما صارت حلب على هذه الصورة قصدها الفقهاء من البلاد وحصل بها الاشتغال والاستفادة وكثر الجمع بها.
وكان ببدء القاضي أبو المحاسن بن شداد حل الأمور وعقدها لم يكن لأحد معه في الدولة كلام وكان سلطانها الملك العزيز أبو المظفر بن الملك الظاهر بن السلطان صلاح الدين وهو صغير السن تحت حجر الطواشي شهاب الدين أبي سعيد طغرل وهو أتابكه وتولى أمور الدولة بإشارة القاضي أبي المحاسن لا يخرج عنهما شيء من الأمور وكان للفقهاء في أيامهم حرمة تامة ورعاية كبيرة خصوصا جماعة مدرسته فإنهم كانوا يحضرون مجالس السلطان ويفطرون في شهر رمضان على سماطة.
قال صاحب وفيات الأعياد بعد إيراد ما تقدم تحصيله وكان القاضي أبو المحاسن المذكور سلك طريق البغاددة في ترتيبهم وأوضاعهم حتى أنه كان يلبس ملبوسهم الرؤوساء والرؤوساء يترددون إليه وكانوا ينزلون عن دوابهم على قدر أقدارهم لكل واحد منهم مكان معين لابتعاده ثم أنه تجهز إلى الديار المصرية لإحضار ابنه الملك الكامل بن الملك العادل للملك العزيز صاحب حلب وكان قد عقد لهم عليها فار في أول سنة تسع وعشرين وستمائة وعاد وقد جاء بها ولما وصل كان قد استقل الملك العزيز بنفسه ورفعوا عنه الحجر ونزل الأتابك طغرل من القلعة إلى داره تحت القلعة واستولى على الملك العزيز جماعة من
стр. 5732
الشباب الذين كانوا يعاشرونه ويجالسونه فاشتغل بهم ولم يرى القاضي ابن المحاسن وجها يرضيه فلازم داره إلى حين وفاته وهو باق على الحكم وإقطاعه جار عليه غابة ما في الباب إنه لم يبقى له حديث في الدولة وكانوا يراجعونه في الأمر فكان يفتح بابه لإسماع الحديث كل يوم بين السلاطين واستمر على ذلك حتى توفي سنة اثنتين وثلاثين وستمائة في حلب وصنف كتابه ملجأ الحكام عند التباس الأحكام بتعليق بالأقضية في مجلدين وكتاب دلائل الأحكام تكلم فيه على الأحاديث المستنبط منها الأحكام في مجلدين وكتاب الموجز الباهر في الفقه وكتاب سيرة صلاح الدين وغير ذلك وجعل داره خانقه للصوفيه.
هذان هما الرجلان اللذان تعلقا بخدمة صلاح الدين وحرص عليهما على أدلالهما عليه فنفقت بضاعتهما في سوقه والدولة سوق يحمل إليها ما يروج فيها ومع ما كانا فيه من السعة لم تلهما الدنيا عن التأليف والتدريس وإحياء معالم العلم والأدب فأثرا بفضلهما في حياتهما وبعد موتهما كتب العماد السيرة الصلاحية ممزوجة بالأدب ومع ذلك لم يفته الغرض من التاريخ حتى أنه قال فيما تم عليّ الأسطول من فصل فانشقت مرائر الفرنج وأزاحت سفنها عن النهج وقرنصت بزاة البيزانية وتقلصت جناة الجنوية وكرثت أدواء الداوية وكثرة أسواء الاسبتارية وزادت آلام الألمانية وعادت أسقام الافرنسسيية.
مما دل على أنه كان يعلم أجناس المحاربين ومما ذكره أيضا في ذكر ما تجدد لملك الانكتير (انكلترا) من المراسلة والرغبة في المواصلة قال: وصلت رسل ملك الانكتير إلى العادل بالمصافحة على المصفاة والمواتاة في الموافاة وموالاة الاستمرار على الموالاة والأخذ بالمهداة والترك للمعاداة والمظاهرة بالمصاهرة وترددت الرسل أيام وقصد التئاما وكادت تحدث انتظاما واستقر تزوج الملك العادل بأخت ملك الانكتير وأن يعول عليهما من الجانبين في التدابير على أن يحكم العادل في البلاد ويجري فيها الأمر على السداد وتكون المرأة في القدس مقيمة مع زوجها وشمسها من قبوله في أوجها ويرضي العادل مقدمي الفرنج والداوية والاسبتار ببعض القرى ولا يمكنهم من الحصون التي في الذرا ولا يقيم معها في القدس الأقسسيون ورهبان ولهم منا أمان وإحسان واستدعاني العادل والقاضي بهاء الدين بن شداد وجماعة من الأمراء من أهل الراية والسداد وهم علم الدين سليمان بن جندر وسابق الدين عثمان وعز الدين بن القدم وحسام الدين بشارة وقال لنا تمضون إلى
стр. 5733
السلطان وتخبرونه عن هذا الشأن وتسألونه أن يحكمني في هذه البلاد فلما جئنا إلى السلطان عرف الصواب وما أخر الجواب وشهدنا عليه بالرضا وعاد الرسول إلى ملك الانكتير بفضل أمر الوصلة وإراحة الجملة وإزاحة العلة واعتقدنا أن هذا الأمر قد تم إلى أن قال وبلغ الخبر إلى مقدميهم ورؤسائهم فقصوه على قوسهم وعثروا على عروسهم فجبوها بالعذل واللذع ثم رضيت على شرط الموافقة في الدين فأنف العادل إلى آخر ما ذكر.
بيد أن الصراحة في كلام ابن شداد أكثر لأنه لم يتقيد بالسجع والترصيع وأنواع البديع المريع فقال في ذكر ملك الانكتار: وهذا ملك الانكتار شديد البأس بينهم عظيم الشجاعة قوي الهمة لهم وقعات عظيمة وله جسارى علي الحر وهو دون الفرنسيس عندهم في الملك والمنزلة لكنه أكثر مالاً منه وأشهر في الحرب والشجاعة وكان من خبره أنه وصل إلى جزيرة قبرص ولم يرى أن يتجاوزها إلا وأن تكون له وفي حكمه فنازلها وقاتلها فخرج إليه صاحبها وجمع له خلقاً كثيراً وقاتلهم قتالاً شديداً. . . . ولما كان يوم النبت ثالث عشر الشهر قدم ملك الانكتار بعد مصالحته لصاحب جزيرة قبرص والاستيلاء عليها وكان لقدومه روعه عظيمة ووصل في خمس وعشرين ثانية مملوءة بالرجال والسلاح والعدد وأظهر الإفرنج مسروراً عظيماً حتى أنهم أوقدوا تلك الليلة نيراناً عظيمة في خيامهم ولقد كانت النيران مهولة عظيمة تدل على عدة عظيمة كبيرة وكان ملوكهم يتواعدوا أننا به فكان المستأمنون منهم يخبروننا عنهم أنهم متوقنون فيها يريدون أن يفعلوا من مضايقة البله (عكا) حتى قدومه فإنه ذو رأي في الحرب مجرب وأثر قدومه في قلوب المسلمين خشية ورهبة. . . .
وقال من فصل: كنت ذكرت وصول رسول منهم يلتمسون من جانب الانكتار أن يجتمع بالسلطان وذكرت عذر السلطان عن ذلك وانقطع الرسول وعاد معاوداً في المعنى وكان حديثه مع الملك العادل ثم هو يلقيه إلى السلطان واستقر أنه رأى أن يأذن له في الخروج ويكون الاجتماع في المرج والعساكر محيطة بهما ومعهما ترجمان فلما أذن في ذلك تأخر الرسول أياماً عنده بسبب مرضه واستفاض أن ملوكهم اجتمعوا عليه وأنكروا عليه ذلك وقالوا هذه مخاطرة بدين النصرانية ثم بعد ذلك وصل رسول يقول لا تظن تأخري بسبب
стр. 5734
ما قيل فإن زمان قيادي مفوض إليّ وأنا أحكم ولا يحكم عليّ غير أني في هذه الأيام اعترى مزاجي التياث منعني عن الحركة فهذا كان العذر في التأخير لا غير وعادة الملوك إذا تقاربت منازلهم أن يتهادوا وعندي ما يصلح للسلطان وأنا استخرج الأذن في إيصاله إليه فقال له الملك العادل قد أذن في ذلك بشرط قبول المجازاة على الهدية فرضي الرسول بذلك وقال الهدية شيء من الجوارح قد جلب من وراء البحر وقد ضعف فيحسن أن يحمل إلينا طير ودجاجة حتى نطعمها لتقوى ونحملها فداعبه الملك العادل وكان فقيهاً فيما يحدثهم به فقال الملك قد احتاج إلى فراريج ودجاج ويريد أن يأخذها منا بهذه الحجة ثم انفصل حديث الرسالة في الآخر على أن قال الرسول ما الذي أردتم منا أن كان لكم حديث فتحدثوا به حتى نسمع فقيل له عن ذلك نحن ما طلبناكم أنتم طلبتمونا فإن كان لكم حديث فتحدثوا به حتى نسمع وانقطع حديث الرسالة إلى سادس جمادى الأخرى فخرج رسول الانكتار إلى السلطان ومعه إنسان مصري قد أسروه من مدة طويلة وهو مسلم قد أهداه إلى السلطان فقبله وأحسن إليه وأعاده مشرفاً مكرماً إلى صاحبه وكان غرضه بتكرار الرسائل تعرف قوة النفس وضعفها وكان غرضنا بقبول الرسائل تعرف ما عندنا من ذلك أيضاً.
وقال في مشورة ضربها في التخيير بين الصلحين بين الانتكار والمركيس: واصل التعاقد أن الملك (الانتكار) قد بذل أخته للملك العادل بطريق التزويج وأن تكون البلاد الساحلية الإسلامية والإفرنجية لهما فإما الإفرنجية فلها من جانب أخيها والإسلامية له من جانب السلطان وكان آخر الرسائل من الملك في المعنى أن قال أن معاشر دين النصرانية قد أنكروا عليّ وضع أختي تحت مسلم بدون مشاورة البابا وهو كبير دين النصرانية ومقدمة وها أنا أسير إليه رسولاً يعود من ستة أشهر فإن أذن فيها ونعمت وإلا زوجتك ابنة أخي وما أحتاج إلا أذنه في ذلك هذا كله وسوق الحرب قائم والقتال عليهم ضربة لازم.
وقال في عود الرسول من قبل ملك الانتكار: وادي الرسالة وهي أن الملك يسأل ويخضع لك أن تترك له هذه الأماكن الثلاثة عامرة وأي قدر لها في ملكك وعظمتك وما من سبب لإصراره عليها إلا أن الإفرنج لم يسمحوا بها وقد ترك القدس بالكلية فلا يطلب أن يكون فيه رهبان ولا قسوس إلا في القمامة وحدها فأنت تترك له هذه البلاد ويكون الصلح عاماً فيكون لهم كل ما في أيديهم من الدارون إلى أنطاكية ولكم ما في أيديكم وينتظم الحال
стр. 5735
ويروج وأن لم ينتظم الصلح فالإفرنج لا يمكنوه من الرواح ولا يمكن مخالفتهم فأنظر إلى هذه الصناعة في استخلاص الغرض باللين تارة والخشونة أخرى وكان مضطراً إلى الرواح وهذا عمله مع اضطراره والله الولي في أن يقي المسلمين شره فما بلونا أعظم حيلة وأشد إقداماً منه.
стр. 5736
تاريخ السياسة الأوروبية الحاضرة
يفرد الغربيون كل العلوم بتأليف خاصة بل يفردون العلم الواحد بفروع كما هو الحل في التاريخ فقد وضع المسيو شارل سينوبوس أستاذ التاريخ في كلية باريز وصاحب كتاب تاريخ الحضارة الذي عربنا أكثره ونشرناه بين أهل العربية هذا الكتاب في تاريخ السياسة الأوروبية الحاضرة:
أفاض في نشوء الأحزاب السياسية وأشكال الحكومات وتقلبات السياسة في أوروبة منذ سنة ١٨١٤إلى سنة ١٨٩٦ أي منذ سقوط نابليون أيام كان الحاكم المتحكم على كثير من بلاد أوروبا يتدخل في شؤونها الداخلية والخارجية ويحكمها حكماً عسكرياً قاسياً بل كان ببسط نفوذه مباشرة أو بالواسطة على جميع شعوب أوروبا فيحكم الإمبراطورية الفرنسوية مباشرة وهي ليست فقط فرنسا القديمة والبلاد المضافة إلى الجمهورية (كالبلجيك وولايات الريم) بل أجزاء من سويسرا وثلث ايطايا وبلاد القاع والولايات الألمانية الواقعة على شواطئ بحر الشمال والولايات الايليرية (الأسبانية) فيحكم هذه البلاد حكما مطلقاً كما كان يحكم الممالك المجاورة التي ارتبط معها بمعاهدات هجومية ودفاعية مثل ممالك اسبانية ونابولي وإيطالية وفستوفالية التي ولي عليها أقاربه وممالك ألمانية المنضمة تحت لواء اتحاد الريم وسويسرا والدانمارك واضطر سنة ١٨١٢ المملكتين الألمانيتين المستقلتين النمسا وبروسيا إلى الانضمام إليه ضد روسيا ولم يبقى خارجاً عن سلطانه إلا أطراف أوروبة مثل انكلترا وروسيا والسويد وصقلية والبرتغال وكان عصاة أسبانية يناوشونه القتال وهكذا كانت أوروبا بأجمعها منقسمة إلى معسكرين: نابليون وأعداؤه.
بدأ المؤلف بالكلام على انكلترا وذلك لأنها كما قال كانت في القرن التاسع عشر المثال السياسي لأوروبا فالشعب الانكليزي هو الذي أنشأ الطريقة السياسية التي اتبعتها أوروبا المعاصرة والحكم الدستوري والحكم النيابي وضمانات الحرية واقتدت به بقية الأمم والأحزاب التي اتصفت بها الحياة السياسية في القرن التاسع عشر (مثل الدستوري والنيابي والمتطرف والاشتراكي) قد تألفت في انكلترا قبل أن تظهر في الممالك الأخرى ولذا بدأ بانكلترا في الكلام على التاريخ السياسي في أوروبا.
تكلم على الحومة المركزية في انكلترا والسلطات المحلية وطريقة انتخاب النواب والكنائس
стр. 5737
وتأليف الجمعيات وحالة إيرلاندا وحالة الإصلاح وتحرير الكاثوليك والإصلاح في الانتخابات وذكر البواعث التي حملت أهل إيرلاندا على المطالبة بحقوقهم وكان منها انتشار مرض البطاطا سنة ١٨٤٥ والمجاعة التي حدثت هناك سنة ١٨٤٦ فكان الجياع يقصدون المدن يجمعون نفايات البقول ويأكلون الأعشاب أو مسواك القرود والطرق وقد بعثرت فيها الجثث فهلك الشعب بكثرته من الشقاء أو هاجر إلى أميركا فلم تلبث إيرلاندا أن سقطت نفوسها من ٨١٧٠٠٠٠ نسمة إلى ٦٥٠٠٠٠٠نسمة سنة ١٨٥١ وأخذ الشعب منذ ذلك الحين يقلّ فبلغ ٥١٠٠٠٠٠ نسمة سنة ١٨٨١ و٤٧٠٠٠٠٠ نسمة سنة ١٨٩١. وتكلم على الطرق السياسية التي عمد إليها الايرلنديون لمداواة هذا الأمراض.
وجود الكلام على انكلترا بين الاصطلاحين سنة ١٨٣٢ - ١٨٦٧ وفيه فصول في الإصلاح الإداري وهياج العملة وثورة ايرلندا وهياج حرية المقايضة والأزمة الايرلندية والنشوء الديمقراطي وغير ذلك. وكلام طويل على الأحزاب الانكليزية بعد سنة ١٨٦٨ وما قامت به من جلائل الأعمال وكيف تألف حزب استقلال إيرلاندا الإداري وما أتاه للوصول إلى غرضه وكيف تألفت الأحزاب الاشتراكية وما قام به وزراء انكلترا في السياسة الداخلية والخارجية مثل الوزير ديزرائيلي الذي كان يهيج العواطف الوطنية الانكليزية باتخاذ سياسة الحرب والضرب باسم الشرف الانكليزي الذي أهين بسياسة الحياد الذي جرى عليها غلادستون وأهاج الشعور الوطني بأمرين: المستعمرات الانكليزية والمسألة الشرقية فكان الأحرار يرمون في سياستهم إلى الزهد في المستعمرات وإرادة انفصالها عن بريطانيا العظمى لأنها تكلف نفقات باهظة وصرح الحزب المحافظ بأنه يريد سلامة المملكة البريطانية وحاول ان يقوي الصلات بين المستعمرات وانكلترا بوحدة عسكرية وتجارية فنادت الحكومة ببيعة الملكة إمبراطورة على الهند وحاولت إنشاء وحدة أو اتحاد في إفريقيه الجنوبية انتهى بحرب الترنسغال. وصرح ديزرائيلي في المسألة الشرقية بأنه يود سلامة المملكة العثمانية فأوقفه غلادستون زمناً بإهاجة الرأي العام ضد العثمانيين لارتكابهم الفظائع في بلغاريا وعقدت سنة ١٨٧٦ في المدن الكبرى بانكلترا عدة احتجاجات يظهر فيها الشعب الانكليزي سخطه على مرتكبي تلك المظالم فاستحسن مجلس النواب سياسة التداخل فعمدت انكلترا إلى نفس السياسة التي اتخذتها في حرب القريم وهي
стр. 5738
سياسة العداء وقامت بعمل فعلي في أوروبا.
وختم المؤلف كلامه بالفصل الآتي تعريبه وهو في النشوء السياسي في انكلترا: ان انكلترا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي اجتازت القرن التاسع عشر بدون ان تقوم بثورة فاحتفظت بدستورها القويم ولم تمسه وكذلك بأصول حكومتها وقد نسي الأجانب الثورات التي نشبت في القرن السابع عشر واستنتجوا من ذلك ان الثبات السياسي ملازم للأخلاق الانكليزية ومع هذا فان نحت هذه الصور الباقية غير المتحولة قد تبدلت الحياة السياسية من حيث العمل تبدلاً مهماً وذلك من ابتداء القرن إلى أواخره بحيث خرجت انكلترا من طريقة حكمها القديمة فقد كانت الأمة الانكليزية سنة ١٨١٤ خاضعة بعد لطبقة من الإشراف هي القابضة على زمام المجتمع والإدارة المحلية والحكومة المركزية فجدد القرن التاسع عشر النظام الاجتماعي بسنه سنة المساواة أمام القانون فألغيت القوانين والعادات التي كانت تقضي على الطبقات النازلة ولقول بعدم الكفاءة السياسية في المخالفين في الدين مثل الكاثوليك والإسرائيليين ومثل شقاء الملاحين وسقوط المحاويج المعانين ومنع عقد جمعيات العملة وسلبت الإدارة المحلية من طبقة الأشراف من أهل البلاد وجعلت في يد مجالس ينتخبها السكان. فأبقت الحكومة المركزية على مظاهرها ولكن تبديل الجماعات المنتخبة قد اختط لها خطة جديدة فأصبح مجلس العموم بعد ان كان طائفة من المقننين الأشراف مجلسا يضم نواب الأمة وأخذ بالتدريج يقضي على حكومة الملك والنبلاء (اللوردات) حتى كاد يمسي مجلساً ذا سلطة مطلقة وصيرت الوزارة التي يجب ان تكون مجلس الملك جمعية تنفيذية لمجلس النواب وهكذا انتقلت انكلترا من الحكم الدستوري إلى الحكم النيابي وطرية حكمها النيابي تتحول إلى طريقة الحكم الشعبي أو جمهورية يحكمها مجلس منتخب انتخاباً ديمقراطياً.
وكان هذا النشوء في المجتمع والحكومة على قاعدة ديمقراطية مناقضا مناقضة صريحة للدستور الارستوكراطي في المجتمع الانكليزي الذي لم تحفل به زمنا طويلا فقد بدئ بتنفيذ هذا الدستور منذ أربعين سنة بحيث ان العالم تين (سنة ١٨٧٠) لم يتكلم عليه على انه لم يحدث من تحول داخلي في المجتمع الانكليزي بل جاء به من الخارج ولم ينشأ إلا من كيفية تأليف المملكة الانكليزية المؤلفة من أجزاء متخالفة متباينة.
стр. 5739
ليست المملكة المتحدة بريطانية العظمى وإيرلاندا التي يدعوها بانكلترا على غير حقيقتها أمة كفرنسا بل هي مجتمع أمم قديمة (غاليون وايكوسيون وإيرلانديون) خضعت لسلطان أمة متغلبة وظلت مباينة لها في نظامها الاجتماعي والديني وربما ساغ ان تدعى أمة جديدة ذاك المجتمع الصناعي الذي نشأ منذ أوائل القرن الثامن عشر في الأصقاع المقفرة في الغرب والشمال من انكلترا.
فانكلترا القديمة أي انكلترا الجنوب والشرق التي نظمت الحكومة والكنيسة كانت ارستوكراطية وانكليكانية ولا تزال كذلك اليوم خاضعة لإشرافها وكهنوتها وقد ظلت سياج الحزب المحافظ وحصنه الحصين أما سائر أمم المملكة فلم تكن لها صلة بالأشراف ولا بالكنيسة الانكليكانية بل كانت ايكوسيا من الشيعة البرسبتارية ديمقراطية في مناحيها وإيرلاندا كاثوليكية معادية لنبلاء الانكليز وبلاد الغال وانكلترا الجديدة الصناعية في الشمال والغرب يسكنها ناس من المخالفين. فكانت هذه المجتمعات الديمقراطية والمخالفة معادية بالطبع للحكم الذي يبعدها من السلطة ويجعل أديانها غير معتبرة رسمياً وهي التي تألفت منها الأحزاب المعارضة للنبلاء الانكليز والكهنوت الانكليكاني. والايكوسيون والايرلانديون والغاليون وانكليز الشمال والغرب هم الذين ألفوا ويؤلفون بعد سواد الحزب الحر والحزب الراديكالي وهم الذين أدخلوا على انكلترا القديمة تغييراً ديمقراطياً.
بيد ان انكلترا القديمة التي كان فيها بلاط الملك والحكومة قد انتفعت من ذلك للمحافظ على طريقة الحكم القديمة ومد سلطانها على رعايا بريطانيا العظمى وبمقاومتها للجديد من الحالات حتى ينفذ صبر رعاياها قد توصلت إلى ان تخفف كثيراً التحول نحو الديمقراطية وهكذا كان التبديل البطيء في الأوضاع الانكليزية على نسبة القوى الهائلة التي استخدمها المعارضون.
لم يبدأ الحزب الديمقراطي ببث دعوته في مملكة من ممالك أوروبا قبل ان يبثها في انكلترا فان هذه سبقت العالم لأول مرة في القرن التاسع عشر وذلك انه بواسطة الراديكاليين سنة ١٨١٩ قد وضعت الخطة السياسية لجميع الأحزاب الديمقراطية في أوروبا. وما من حزب ديمقراطي قد استجاش له أنصاراً وأعواناً أكثر من الراديكاليين والشارتيين والايرلنديين والمتظاهرين من العملة سنة ١٨٦٦ فقد كانت انكلترا بلاد الاضطرابات والتظاهرات
стр. 5740
الهائلة بيد ان هذه الجماهير الديمقراطية المحترمة بمشروعية مطالبها قد وقفت أمام مقاومة الحكومة الارستقراطية التي كانت قابضة على زمام الأمر فكبحت جماح مخالفيها من دون عناء بتوقيف المشاكسين وسن قوانين استثنائية والاستكثار من الجند.
ونال هؤلاء الجماعات في نصف قرن بما قاموا به من التظاهرات أكثر مما نالته حفنة من الجمهوريين الفرنسويين في يوم واحد وقد عمدت إلى القوة بل انها رأت لإكراه الارستقراطيين المحافظين على التنازل عن شيءٍ من حقوقهم انه من اللازم ان يحالفوا الارستقراطيين الأحرار ويندمجوا فيهم واضطروا إلى الاكتفاء بالإصلاحات الجزئية التي رضي حلفاؤهم بإعطائها وهكذا وضع في صورة تحكيم قانون الانتخاب النصف العام والتعليم الابتدائي النصف إجباري ونصف المساواة بين الأديان في إيرلاندا والإدارة المحلية النصف انتخابية وقانون العملة النصف ديمقراطي.
وقد دبر الأمر رؤساء الأحرار في هذه الإصلاحات وكان لسواد الديمقراطيين من العملة الإيرلانديين بادئ الرأي في الإصلاح بد طولى ثم جرت التظاهرات النهائية بإخافة جماعة المحافظين فطلب قدماء الراديكاليين إصلاح الانتخاب من حيث الجملة ونزعوا الإصلاحات الانتخابية الجزئية التي جرت سنة ١٨٣٢ و١٨٦٧ التي أعقبتها جملة من الإصلاحات الديمقراطية والعامية. وطالب الايرلانديون وحصلوا على المساواة السياسية في المعتقدات الدينية.
وبعد ان نال الراديكاليون والايرلانديون جزءاً من السلطة السياسية بواسطة حق الرأي العام في الانتخاب دخلوا تدريجياً في الحزب الحر الانكليزي وانتهى بهم الأمر ان عرضوا عليه برنامجهم في الاستقلال الإداري والإصلاح الديمقراطي بحيث أصبح من الصعب التمييز بين الحر والراديكالي أو الايرلندي وقد سرت دعوة الراديكاليين الاتحاديين حتى إلى الحزب المحافظ نفسه بحيث أخذ يطالب بمطالب ديمقراطية.
وهكذا تداعى بناء الحكم القديم الذي كان يدافع دوله أكثرية الانكليز الممتازة وذلك بضربات سواد المعارضين من غير الانكليز فانهار البناء قطعة قطعة وحل النظام الجديد أيضاً ب \ ون ان تكون له خطة مجموعة بالاحتفاظ بالملكية واللوردات المتوارثين خلفاً عن سلف وكنيسة الحكومة الممتازة ومجانية الوظائف الانتخابية وقيود حق الانتخاب العام فامتزجت
стр. 5741
أوضاع الأنقاض القديمة بطعم الجديدة في مجموع حوى المتناقضات حيث لا يمكن التبوء على التحقيق فيما سيزول أو يبقى قائماً وهكذا من الصفات المشوشة في الحياة السياسية في انكلترا الحالية.
تكلم المؤرخ على سياسة الأحزاب بعد إخفاق أعلام نابليون الأول وتاريخ الانقلابات الفرنسوية أشبه بتاريخ الانقلابات العثمانية ولعلنا نحن المقلدون لها المتشعبون بآراء أهلها. مثال ذلك معاملة حكومة فرنسا للجرائد هناك بعد سنة ١٨١٩ وما أصدرته من القوانين لإرهاقها فقد جعلت على الصحف ضمانة باهظة وضربت عليها كما في الصحافة الانكليزية ضريبة وضع طابع بعشرة سنتيمات عن كل نسخة وخمسة سنتيمات أجرة البريد ولم تكن تباع الجرائد أعداداً مفردة بل لم يكن لها سوى مشتركين بأسعار غالية إذ انه يقضي على كل نسخة ان تدفع ١٥ سنتيما ضريبة. وكان الاشتراك من علائم الظرف خاصاً بالكبراء أو أهل اليسار وربما اشتراك بضعة منهم ليتقاسموا قيمة الاشتراك بينهم وكانت الصحف قليلة جداً ثلاثة أو أربعة لكل حزب ومجموع ما يطبع منها نحو سنة ١٨٣٠ لم يتجاوز الخمسة عشر ألفاً. وقد جاء في تقرير سري سنة ١٨٢٤ ان مجموع عدد نسخ الصحف السياسية المعارضة بلغ ٤١ ألفاً ومجموع ما تطبعه الصحف الموالية للحكومة ١٥ ألفاً. وقد عدوا من علائم النجاح الكبير سنة ١٨٣٠ ان كان عدد مشتركي جريدة الكونستيتوسيونل ٢٣ ألفاً وما كانت هذه الصحف تحتوي إلا على مقالات سياسية وأدبية غير موقع عليها على الطريقة الانكليزية وقد عدوا انقلابا شروع جريدة البريس بنشرها سنة ١٨٣٦ مقالات في موضوعات مختلفة وعد من العار العظيم ما أتته جريدة البريس من نشر إعلانات مأجورة لتغطية نفقاتها وكانت الجرائد على عهد الحكومة الملكية غالية الثمن فارغة من المادة متشابهة المآل قلما تشبه صحف هذه الأيام ومع هذا كان لها بعددها القليل تأثير كبير في مشتركيها وإذ كان الفرد لا يطالع سوى جريدته كان رأيه رأي جريدته فقط.
سن مجلس النواب الفرنسوي سنة ١٨٢٢ قانونا للصحافة يقضي باستحصال رخصة قبل إنشاء الجريدة وان يكون للحكومة الحق بإيقافها وان تنظر في دعاويها محاكم عادية مؤلفة من حكام مستقلين عن الحكومة وألغيت المراقبة ولكن الوزارة يحق لها ان تعيدها بأمر منها
стр. 5742
وقد جرى البحث أيضاً لمنع إنشاء جريدة جديدة وان تبتاع الجرائد القديمة واحدة بعد أخرى. وبالحقيقة ان الصحافة كانت خاضعة لطريقة غريبة من الدعاوي والأحكام بحيث أصبحت المعارضة مستحيلة تقريباً حتى ان الحكومة إذا لم تجد مادة لمحاكمة الصحيفة تقيم على مديرها دعوى ترميه فيها بهوى في النفس وتحكم عليه بسلسلة مقالات لا سبيل إلى الحكم بها مفردة ولكنها إذا وضعت بعضها مع بعض تدل على أهواء مهيجة.
قال سينويوس من فصل في النشوء السياسي في فرنسا خلال القرن التاسع عشر: يظهر التاريخ السياسي في فرنسا منذ قرن لأول وهلة سلسلة غير مرتبطة الأجزاء من الثورات ومن ذلك وقر في صدور العالم خارج فرنسا ان الفرنسيس وحدهم شعب ذو أهواء في السياسة لا يعرفون ما يريدون وهذا عين ما كان يقال في الانكليز أواخر القرن التاسع عشر واليك مع هذا نظرة في تلك الثورات المغمضة التي بدت فيها في مظهر نشوء مدرك للغاية فقد كانت الأمة الفرنساوية في أواخر القرن الثامن عشر ملكية وان كانت أخذت تسير نحو الديمقراطية والعامية ولا سيما في المدن وأصقاع الشرق والجنوب حيث المجتمع أقرب إلى ان يكون ديمقراطياً والفلاحون أكثر عدداً وكبار المالكين أقل نفوذا ومن هذه السواد القائل بالملكية والديمقراطية انشق سنة ١٧٩٢ بما قام من شق عصا الطاعة للملك والبلاط الملكي حزب ثوري صغير لم يلبث ان أصبح جمهورياً على خلاف إرادته إلا قليلا وهو حزب قليل العدد عقد العزم ان يتولى زمام الأمر وبالقوة ان اقتضى الحال فاستولى على الحكم من سنة ١٧٩٢ إلى ١٨٧٠ أربع مرات وكان توليه له بطريقة واحدة وهو ضرب مركز الحكومة في باريز وإذ كان أشياعه قلائل لم يتيسر له ان يستولي كل الاستيلاء بصورة قطعية وذلك لان الأكثرية من الملكيين تعزم في الحال على تأسيس حكومة ملكية فتبدد الجمهوريين وهكذا كان يتبع كل انقلاب جمهوري إعادة الحكم الملكي فيدوم ريثما يقوم جيل جديد يتقوى به رجال الجمهورية ويكثرون سوادهم للقيام بانقلاب جديد ولكن كانت كل ثورة تحمل معها شطرا من أهل الحكم القديم (الملكية) ممن لا يستطيع البقاء بإعادة سلطانه وهذا التقلب حدث مرات أربعاً.
وهكذا أفاض المؤلف في الكلام على كل دولة في أوروبا فتكلم على بلاد القاع (بلجيكا وهولاندة) وسويسرا وثوراتها السلمية البديعة واسبانية والبرتغال وايطاليا وألمانيا قبل
стр. 5743
الوحدة الألمانية والنمسا على عهد حكومتها المطلقة ومملكة بروسيا قبل غليوم الأول على الوحدة الألمانية والإمبراطورية الألمانية وكل ذلك بلسان المؤرخ المنصف الذي لا تأخذه العصبية لقومه ما أمكن وأفاض في النظام الدستوري في النمسا والمجر وذكر بلاد السكنديناف ومملكة بروسيا وبولونيا والمملكة العثمانية والأمم النصرانية في البلقان أي رومانيا واليونان والصرب والجبل الأسود والبلغار وعقد فصولاً في آخر سفره البديع في تحول الشروط المادية في الحياة السياسية وفي الكنيسة والأحزاب الكاثوليكية وفي أوروبا على عهد حكم مترنيخ من سنة ١٨١٥ - ١٨٣٠ وفي منافسة روسيا لانكلترا ١٨٣٠ - ١٨٥٤ وفي تفوق فرنسا والحروب الأهلية سنة ١٨٥٤ - ١٨٧٠ وفي تفوق ألمانيا والسلام المسلح.
ومما قاله في مملكة النمسا والمجر وما قام فيهما بشان مسائل اللغات ان بلاد المجر والنمسا قد أصبحت منذ ١٨٦٧ مملكتين مختلفتين لكل منهما حياته السياسية الداخلية الخاصة ولكن اشتراكهما في الملك والسياسة الخارجية كان موطداً للتضامن بينهما ومؤثراً في سياستهما الداخلية وكان من احتلال النمسا لبلاد البوسنة سنة ١٨٧٨ معدلا للنشوء الداخلي في البلادين وعلى ذاك العهد كانت بلاد النمسا مزيجاً مختلف الجنس والطبائع من الشعوب وكانت الحياة السياسية بعد سنة ١٨٧٨ مستغرقة في الجهاد بين تلك الشعوب وكانت الأحزاب وطنية فانقسمت إلى مركزين أشياع الحكومة العامة التي يدير دفتها الألمان واتحاديين أشياع الحكومات المحلية التي يتولى إدارتها الصقالبة (السلافيون) أي التشك والبولونيون والسلافيون والخرواتيون وينقسم الألمان إلى أحزاب سياسية حزب الحكم القديم الارستقراطي الكاثوليكي أي المحافظ وحزب الديمقراطيين المحررين أي الأحرار ومما كان يزيد في تعقيد الحياة السياسية ان الأمم ليست شعوباً صريحاً تخالفها فما كان العناصر في بلاد النمسا والمجر يمتازون في العمل إلا بلغاتهم فتقوم جنسية المرء بلغته التي يستعملها وأصبح جزء من الألمان صقالبة جرمانيين ولذلك كانت الأمم في كل ولاية (أي الناس الذين يتكلمون بلسان واحد) غير متصلة الأجزاء بعضها بالأخر ممزوجة مزجاً ومنضدة تنضيداً فكانت اللغة الألمانية شائعة في معظم البلاد التي يرفرف فيها العنصر السقلبي اللسان الذي تتخاطب فيه المدن وكبار أرباب الأملاك والطبقة المتعلمة إذ كانت
стр. 5744
الألمانية لغة التجارة والبلاط الملكي والعلم والأدب وكان للغة الايطالية نفس تلك المكانة على شواطئ البحر الادرياتيكي وكان ثمة بلاد ألمانية برمتها أي مجرمنة لا أثر فيها للمنازعات الوطنية ولكن كان الاختلاف في اللسان في البلاد الأخرى منشأ عداوات بين السكان من أهل إقليم واحد بل بين أهل المدينة الواحدة وما كان النزاع يقوم فقط في المركز بين النواب في المجلس بشان السياسة العامة التي تتبعا الحكومة الملكية بل بين مجالس كل ولاية بمناسبة حقوق كل عنصر أي بسبب استعمال اللغات فان القانون الأساسي الذي أعلن مبدأ المساواة في الحقوق بين الأمم واللغات في المدرسة والوظائف والحياة السياسية قد وضع مسألة اللغة موضع النظر ولم يحلها فكان يحق لأهل كل لسان ان يكون لهم مدارس ابتدائية تعلم فيها لغاتهم (وذلك بصعوبة في القرى المختلطة اللغات والمدن التي يتكلم فيها أبناء الأسرة الواحدة لغات مختلفة ويعيشون مشتتين) أما التعليم الثانوي فيكون باللسان المحلي بحسب مبدأ المساواة وتعلم الألمانية تعليماً راقياً حباً بمصلحة التلامذة لأنها تفسح لهم السبيل إلى تلقف العلوم الحديثة وقد نشأت ارتباكات أخرى في تطبيق مبدأ المساواة بين اللغات في الوظائف والحياة السياسية وذلك لان وحدة الحكم تتطلب لغة واحدة للملكة للقيام بالأعمال العامة فكانت اللغة الألمانية في كل زمن في النمسا لغة الملك والحكومة والجيش بل اللغة الوحيدة التي يتفاهم بها أهل العناصر المختلفة فاقتضى ان يترك له هذا الامتياز ويقلل من المساواة في الإدارة المحلية والمحاكم ولكن ذلك مما يصعب تطبيقه بالعمل فلا يكفي إنشاء اللوائح ويجيبوه بلسانه وان يقدم المحاضر بلغته ويحاكم بها وليس في الأماكن ان يتكلم كل موظف بجميع لغات الولاية بسهولة ولذا كانت مسائل المدارس الابتدائية المختلطة والتعليم الثانوي والعالي واعتماد اللغات في المحاكم والإدارة أهم مواضع الخلاف في إمبراطورية النمسا والمجر.
стр. 5745
في بلاد الغرب
(كتبنا في جريدتي القبس والمقتبس زهاء أربعين رسالة من ديار الغرب وضفنا فيها رحلتنا الأخيرة إليها وما لحظناه من أسباب ارتقائها واقتبسناه من فوائدها وعلومها وقد رأينا ان ننظر في أكثرها ونحذف ما ليس له علاقة بموضوع هذه المجلة وان ننشرها تباعا عسى ان تكون عليها هنا مسحة غير التي كانت لها في الصحف الطيارة وان يراجعها ويمعن النظر فيها من تهمهم هذه الموضوعات الاجتماعية).
دواعي الرحيل وجهلنا ببلادنا
كان من طاف بلادنا وقابل بين حالها وحال الأقطار الراقية يدرك لأول وهلة اننا عيال على الغرب والغربيين في كل شيء وأنهم إذا قطعوا عنا أقل صادراتهم نعود أدراجنا على النحو الذي كنا عليه منذ بضعة قرون. وهذا مما يصدق علينا في عامة شؤوننا والعلم هو أول بضاعة يجب علينا ان نستبضعها من الغرب وهو رأس الحاجيات وبدونه الممات.
وما كنا نظن بعد ان أحفينا مكاتب مصر والشام لدرس موضوع اننا كلما أوغلنا في تضاعيفه يتجلى كل التجلي جهلنا ببلادنا وأننا سنحتاج بعد بحث نحو خمسة عشرة سنة إلى ان نقصد إلى مكاتب أوروبا نأخذ منها ما فاتنا في أرضنا من المواد التي لم يحولها المطبوع ولا المخطوط مما كتب لنا الاطلاع عليه في مكاتبنا الخاصة والعامة أي غضاضة على الشرقي ان يرحل باحث في شؤونه حباً بإتقان عمله إلى غير أهله وبلده وان يتسقط الفوائد من الغريب والقريب في معزل. بيد ان يوما طويلا امتدت لياليه السود على هذا الشرق سلبت منا بحكم تنازع البقاء وبقاء الأنسب تراث أجدادنا في هذا الوجود وجردنا من منافعنا ومرافقنا وكتب أسلافنا العرب كانت أول ما رحل عنا غير آسف إذ لم يعرف لها الخلاف قيمتها الحقيقية والأسفار في كل الإعصار هي مفتاح فتح الأمصار والعلة الأولى في سعادة الشر ونقل المدنيات من النظريات على العمليات.
هاجت الخواطر في النفس خصوصا عندما ذكرت ان أميرا واحدا من أمراء ايطاليا وهو البرنس ليوني كايتاني مؤلف تاريخ الإسلام الكبير هو الذي جمع بسعيه وتنشيط حكومته مكتبة له منقطعة النظير في الغرب نفسه فيها كل ما يحتاجه باحث في تاريخ الإسلام والعرب وبلادهم فاستنسخ من المكاتب الخاصة والعامة في أوروبا وأميركا واسيا وإفريقيه
следующие страницы →