← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

أوضاع الأنقاض القديمة بطعم الجديدة في مجموع حوى المتناقضات حيث لا يمكن التبوء على التحقيق فيما سيزول أو يبقى قائماً وهكذا من الصفات المشوشة في الحياة السياسية في انكلترا الحالية. تكلم المؤرخ على سياسة الأحزاب بعد إخفاق أعلام نابليون الأول وتاريخ الانقلابات الفرنسوية أشبه بتاريخ الانقلابات العثمانية ولعلنا نحن المقلدون لها المتشعبون بآراء أهلها. مثال ذلك معاملة حكومة فرنسا للجرائد هناك بعد سنة ١٨١٩ وما أصدرته من القوانين لإرهاقها فقد جعلت على الصحف ضمانة باهظة وضربت عليها كما في الصحافة الانكليزية ضريبة وضع طابع بعشرة سنتيمات عن كل نسخة وخمسة سنتيمات أجرة البريد ولم تكن تباع الجرائد أعداداً مفردة بل لم يكن لها سوى مشتركين بأسعار غالية إذ انه يقضي على كل نسخة ان تدفع ١٥ سنتيما ضريبة. وكان الاشتراك من علائم الظرف خاصاً بالكبراء أو أهل اليسار وربما اشتراك بضعة منهم ليتقاسموا قيمة الاشتراك بينهم وكانت الصحف قليلة جداً ثلاثة أو أربعة لكل حزب ومجموع ما يطبع منها نحو سنة ١٨٣٠ لم يتجاوز الخمسة عشر ألفاً. وقد جاء في تقرير سري سنة ١٨٢٤ ان مجموع عدد نسخ الصحف السياسية المعارضة بلغ ٤١ ألفاً ومجموع ما تطبعه الصحف الموالية للحكومة ١٥ ألفاً. وقد عدوا من علائم النجاح الكبير سنة ١٨٣٠ ان كان عدد مشتركي جريدة الكونستيتوسيونل ٢٣ ألفاً وما كانت هذه الصحف تحتوي إلا على مقالات سياسية وأدبية غير موقع عليها على الطريقة الانكليزية وقد عدوا انقلابا شروع جريدة البريس بنشرها سنة ١٨٣٦ مقالات في موضوعات مختلفة وعد من العار العظيم ما أتته جريدة البريس من نشر إعلانات مأجورة لتغطية نفقاتها وكانت الجرائد على عهد الحكومة الملكية غالية الثمن فارغة من المادة متشابهة المآل قلما تشبه صحف هذه الأيام ومع هذا كان لها بعددها القليل تأثير كبير في مشتركيها وإذ كان الفرد لا يطالع سوى جريدته كان رأيه رأي جريدته فقط. سن مجلس النواب الفرنسوي سنة ١٨٢٢ قانونا للصحافة يقضي باستحصال رخصة قبل إنشاء الجريدة وان يكون للحكومة الحق بإيقافها وان تنظر في دعاويها محاكم عادية مؤلفة من حكام مستقلين عن الحكومة وألغيت المراقبة ولكن الوزارة يحق لها ان تعيدها بأمر منها

стр. 5742

وقد جرى البحث أيضاً لمنع إنشاء جريدة جديدة وان تبتاع الجرائد القديمة واحدة بعد أخرى. وبالحقيقة ان الصحافة كانت خاضعة لطريقة غريبة من الدعاوي والأحكام بحيث أصبحت المعارضة مستحيلة تقريباً حتى ان الحكومة إذا لم تجد مادة لمحاكمة الصحيفة تقيم على مديرها دعوى ترميه فيها بهوى في النفس وتحكم عليه بسلسلة مقالات لا سبيل إلى الحكم بها مفردة ولكنها إذا وضعت بعضها مع بعض تدل على أهواء مهيجة. قال سينويوس من فصل في النشوء السياسي في فرنسا خلال القرن التاسع عشر: يظهر التاريخ السياسي في فرنسا منذ قرن لأول وهلة سلسلة غير مرتبطة الأجزاء من الثورات ومن ذلك وقر في صدور العالم خارج فرنسا ان الفرنسيس وحدهم شعب ذو أهواء في السياسة لا يعرفون ما يريدون وهذا عين ما كان يقال في الانكليز أواخر القرن التاسع عشر واليك مع هذا نظرة في تلك الثورات المغمضة التي بدت فيها في مظهر نشوء مدرك للغاية فقد كانت الأمة الفرنساوية في أواخر القرن الثامن عشر ملكية وان كانت أخذت تسير نحو الديمقراطية والعامية ولا سيما في المدن وأصقاع الشرق والجنوب حيث المجتمع أقرب إلى ان يكون ديمقراطياً والفلاحون أكثر عدداً وكبار المالكين أقل نفوذا ومن هذه السواد القائل بالملكية والديمقراطية انشق سنة ١٧٩٢ بما قام من شق عصا الطاعة للملك والبلاط الملكي حزب ثوري صغير لم يلبث ان أصبح جمهورياً على خلاف إرادته إلا قليلا وهو حزب قليل العدد عقد العزم ان يتولى زمام الأمر وبالقوة ان اقتضى الحال فاستولى على الحكم من سنة ١٧٩٢ إلى ١٨٧٠ أربع مرات وكان توليه له بطريقة واحدة وهو ضرب مركز الحكومة في باريز وإذ كان أشياعه قلائل لم يتيسر له ان يستولي كل الاستيلاء بصورة قطعية وذلك لان الأكثرية من الملكيين تعزم في الحال على تأسيس حكومة ملكية فتبدد الجمهوريين وهكذا كان يتبع كل انقلاب جمهوري إعادة الحكم الملكي فيدوم ريثما يقوم جيل جديد يتقوى به رجال الجمهورية ويكثرون سوادهم للقيام بانقلاب جديد ولكن كانت كل ثورة تحمل معها شطرا من أهل الحكم القديم (الملكية) ممن لا يستطيع البقاء بإعادة سلطانه وهذا التقلب حدث مرات أربعاً. وهكذا أفاض المؤلف في الكلام على كل دولة في أوروبا فتكلم على بلاد القاع (بلجيكا وهولاندة) وسويسرا وثوراتها السلمية البديعة واسبانية والبرتغال وايطاليا وألمانيا قبل

стр. 5743

الوحدة الألمانية والنمسا على عهد حكومتها المطلقة ومملكة بروسيا قبل غليوم الأول على الوحدة الألمانية والإمبراطورية الألمانية وكل ذلك بلسان المؤرخ المنصف الذي لا تأخذه العصبية لقومه ما أمكن وأفاض في النظام الدستوري في النمسا والمجر وذكر بلاد السكنديناف ومملكة بروسيا وبولونيا والمملكة العثمانية والأمم النصرانية في البلقان أي رومانيا واليونان والصرب والجبل الأسود والبلغار وعقد فصولاً في آخر سفره البديع في تحول الشروط المادية في الحياة السياسية وفي الكنيسة والأحزاب الكاثوليكية وفي أوروبا على عهد حكم مترنيخ من سنة ١٨١٥ - ١٨٣٠ وفي منافسة روسيا لانكلترا ١٨٣٠ - ١٨٥٤ وفي تفوق فرنسا والحروب الأهلية سنة ١٨٥٤ - ١٨٧٠ وفي تفوق ألمانيا والسلام المسلح. ومما قاله في مملكة النمسا والمجر وما قام فيهما بشان مسائل اللغات ان بلاد المجر والنمسا قد أصبحت منذ ١٨٦٧ مملكتين مختلفتين لكل منهما حياته السياسية الداخلية الخاصة ولكن اشتراكهما في الملك والسياسة الخارجية كان موطداً للتضامن بينهما ومؤثراً في سياستهما الداخلية وكان من احتلال النمسا لبلاد البوسنة سنة ١٨٧٨ معدلا للنشوء الداخلي في البلادين وعلى ذاك العهد كانت بلاد النمسا مزيجاً مختلف الجنس والطبائع من الشعوب وكانت الحياة السياسية بعد سنة ١٨٧٨ مستغرقة في الجهاد بين تلك الشعوب وكانت الأحزاب وطنية فانقسمت إلى مركزين أشياع الحكومة العامة التي يدير دفتها الألمان واتحاديين أشياع الحكومات المحلية التي يتولى إدارتها الصقالبة (السلافيون) أي التشك والبولونيون والسلافيون والخرواتيون وينقسم الألمان إلى أحزاب سياسية حزب الحكم القديم الارستقراطي الكاثوليكي أي المحافظ وحزب الديمقراطيين المحررين أي الأحرار ومما كان يزيد في تعقيد الحياة السياسية ان الأمم ليست شعوباً صريحاً تخالفها فما كان العناصر في بلاد النمسا والمجر يمتازون في العمل إلا بلغاتهم فتقوم جنسية المرء بلغته التي يستعملها وأصبح جزء من الألمان صقالبة جرمانيين ولذلك كانت الأمم في كل ولاية (أي الناس الذين يتكلمون بلسان واحد) غير متصلة الأجزاء بعضها بالأخر ممزوجة مزجاً ومنضدة تنضيداً فكانت اللغة الألمانية شائعة في معظم البلاد التي يرفرف فيها العنصر السقلبي اللسان الذي تتخاطب فيه المدن وكبار أرباب الأملاك والطبقة المتعلمة إذ كانت

стр. 5744

الألمانية لغة التجارة والبلاط الملكي والعلم والأدب وكان للغة الايطالية نفس تلك المكانة على شواطئ البحر الادرياتيكي وكان ثمة بلاد ألمانية برمتها أي مجرمنة لا أثر فيها للمنازعات الوطنية ولكن كان الاختلاف في اللسان في البلاد الأخرى منشأ عداوات بين السكان من أهل إقليم واحد بل بين أهل المدينة الواحدة وما كان النزاع يقوم فقط في المركز بين النواب في المجلس بشان السياسة العامة التي تتبعا الحكومة الملكية بل بين مجالس كل ولاية بمناسبة حقوق كل عنصر أي بسبب استعمال اللغات فان القانون الأساسي الذي أعلن مبدأ المساواة في الحقوق بين الأمم واللغات في المدرسة والوظائف والحياة السياسية قد وضع مسألة اللغة موضع النظر ولم يحلها فكان يحق لأهل كل لسان ان يكون لهم مدارس ابتدائية تعلم فيها لغاتهم (وذلك بصعوبة في القرى المختلطة اللغات والمدن التي يتكلم فيها أبناء الأسرة الواحدة لغات مختلفة ويعيشون مشتتين) أما التعليم الثانوي فيكون باللسان المحلي بحسب مبدأ المساواة وتعلم الألمانية تعليماً راقياً حباً بمصلحة التلامذة لأنها تفسح لهم السبيل إلى تلقف العلوم الحديثة وقد نشأت ارتباكات أخرى في تطبيق مبدأ المساواة بين اللغات في الوظائف والحياة السياسية وذلك لان وحدة الحكم تتطلب لغة واحدة للملكة للقيام بالأعمال العامة فكانت اللغة الألمانية في كل زمن في النمسا لغة الملك والحكومة والجيش بل اللغة الوحيدة التي يتفاهم بها أهل العناصر المختلفة فاقتضى ان يترك له هذا الامتياز ويقلل من المساواة في الإدارة المحلية والمحاكم ولكن ذلك مما يصعب تطبيقه بالعمل فلا يكفي إنشاء اللوائح ويجيبوه بلسانه وان يقدم المحاضر بلغته ويحاكم بها وليس في الأماكن ان يتكلم كل موظف بجميع لغات الولاية بسهولة ولذا كانت مسائل المدارس الابتدائية المختلطة والتعليم الثانوي والعالي واعتماد اللغات في المحاكم والإدارة أهم مواضع الخلاف في إمبراطورية النمسا والمجر.

стр. 5745

في بلاد الغرب (كتبنا في جريدتي القبس والمقتبس زهاء أربعين رسالة من ديار الغرب وضفنا فيها رحلتنا الأخيرة إليها وما لحظناه من أسباب ارتقائها واقتبسناه من فوائدها وعلومها وقد رأينا ان ننظر في أكثرها ونحذف ما ليس له علاقة بموضوع هذه المجلة وان ننشرها تباعا عسى ان تكون عليها هنا مسحة غير التي كانت لها في الصحف الطيارة وان يراجعها ويمعن النظر فيها من تهمهم هذه الموضوعات الاجتماعية). دواعي الرحيل وجهلنا ببلادنا كان من طاف بلادنا وقابل بين حالها وحال الأقطار الراقية يدرك لأول وهلة اننا عيال على الغرب والغربيين في كل شيء وأنهم إذا قطعوا عنا أقل صادراتهم نعود أدراجنا على النحو الذي كنا عليه منذ بضعة قرون. وهذا مما يصدق علينا في عامة شؤوننا والعلم هو أول بضاعة يجب علينا ان نستبضعها من الغرب وهو رأس الحاجيات وبدونه الممات. وما كنا نظن بعد ان أحفينا مكاتب مصر والشام لدرس موضوع اننا كلما أوغلنا في تضاعيفه يتجلى كل التجلي جهلنا ببلادنا وأننا سنحتاج بعد بحث نحو خمسة عشرة سنة إلى ان نقصد إلى مكاتب أوروبا نأخذ منها ما فاتنا في أرضنا من المواد التي لم يحولها المطبوع ولا المخطوط مما كتب لنا الاطلاع عليه في مكاتبنا الخاصة والعامة أي غضاضة على الشرقي ان يرحل باحث في شؤونه حباً بإتقان عمله إلى غير أهله وبلده وان يتسقط الفوائد من الغريب والقريب في معزل. بيد ان يوما طويلا امتدت لياليه السود على هذا الشرق سلبت منا بحكم تنازع البقاء وبقاء الأنسب تراث أجدادنا في هذا الوجود وجردنا من منافعنا ومرافقنا وكتب أسلافنا العرب كانت أول ما رحل عنا غير آسف إذ لم يعرف لها الخلاف قيمتها الحقيقية والأسفار في كل الإعصار هي مفتاح فتح الأمصار والعلة الأولى في سعادة الشر ونقل المدنيات من النظريات على العمليات. هاجت الخواطر في النفس خصوصا عندما ذكرت ان أميرا واحدا من أمراء ايطاليا وهو البرنس ليوني كايتاني مؤلف تاريخ الإسلام الكبير هو الذي جمع بسعيه وتنشيط حكومته مكتبة له منقطعة النظير في الغرب نفسه فيها كل ما يحتاجه باحث في تاريخ الإسلام والعرب وبلادهم فاستنسخ من المكاتب الخاصة والعامة في أوروبا وأميركا واسيا وإفريقيه

стр. 5746

كل مخطوط عربي فيه شيء من هذا القبيل وما لم يقدر على نقله اخذ له بالتصوير الشمسي فمن زار هذه المكتبة فكأنه زار مكاتب العالم أجمع واطلع على ما فيها من المواد التاريخية والجغرافية في هذا الباب. شبهتني وأنا أشد الرحال إلى رومية للبحث في مكتبة الأمير الايطالي بطلاب العلم في أوروبا في القرون الوسطى وكان بعضهم من الإسرائيليين يقصدون بلاد الأندلس ليقرؤوا على علماء العرب علومهم ويرجعوا من كتب المسلمين ببله تروي غلة جهلهم فسبحلت وحوقلت قائلا ما أغرب تبدل الأمم والبلاد وما أهنأ الغرب بما صار إليه من دواعي المنعة وأسباب اعلم وما أشقانا بما فعل السفهاء منا. يشقى رجال ويشقى آخرون بهم ... ويسعد الله أقواما بأقوام وليت شعري يعود ذاك العهد السعيد بالعلم على العرب ويصبح أبناء اليوم يفاخرون بالقاهرة والقيروان وفارس ودمشق وبيروت وحلب وبغداد والموصل وصنعاء ومكة كما يفاخرون بغرناطة واشبيلية ولشبونة وغيرها من مدن الاندلس وصقلية التي استعمرها العرب بالعقل والعلم وأضاعها بعد ذلك جهل أبنائهم وغرورهم؟ أيظل الشرقي يا ترى يعتقد في نفسه الكفاءة والغناء ويقلع عن القول بان الغربي يغمطه حقه باستباحته حماه واكتساحه دياره الحين بعد الأخر؟ أم يهب باحثا عن جميع علل هذا الارتقاء عندهم والتدلي عندنا ويتعلم ما جهل مع الشكر لكل من يعلمه وينعشه من سقطته. حكوماتنا هي السبب الرئيسي في إظلام العقول واشتغالها بالفضول وأهل الغرب هم الذين قوموا معوج حكوماتهم فهل ندرك جيلا من الناس يقوم اعوجاج حكومات الشرق ونتمتع على الأقل بمعرفتنا بأنفسنا ومن عرف نفسه عرف ربه. دار الدعوة والإرشاد في القاهرة اغتنمت فرصة مقامي بضعة أيام في القاهرة لقضاء بعض المشاكل أثناء شخوصي إلى ايطاليا لازور دار الدعوة والإرشاد التي أنشأها صديقي السيد محمد رشيد رضا منشئ المنار في السنة الماضية وكان ينوي إنشاءها في الأستانة أولا لو صادف من القابضين على زمام الأمر تنشيطاً على مشروعه وغرضه الأول من إنشائها إيجاد هيئة صالحة بالعمل من رجال الدين يجمعون إلى معرفة الدين النقي وأسراره وحكمه المطابق لأحوال

стр. 5747

الزمن معرفة أحوال العصر حتى تحل هذه الطبقة محل الهيئة القديمة التي كادت الأمة تنزع ثقتها منها. انشأ هذه المدرسة الصديق الرصيف أو جماعة الدعوة والإرشاد وهي جمعية مؤلفة من ظاهر الفضل والعقل والتدين لتخريج علماء مرشدين قادرين على الدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه والإرشاد الصحيح وإرسالهم إلى البلاد الشديدة الحاجة إليهم ويرسل الدعاة إلى البلاد الوثنية والكتابية التي فيها حرية دينية ولا يرسلون إلى بلاد الإسلام إلا حيث يدعى المسلمون جهرا إلى ترك دينهم والدخول في غيره مع عدم وجود علماء مرشدين يدفعون الشبهات عن الإسلام ويبينون حقيقته لأهله. وقد جاء في النظام الأساسي لجماعة الدعوة والإرشاد انه تتكون أموال الجمعية من الاشتراكات الموقوتة والإعانات والتبرعات والهدايا والوصاية والأوقاف التي توقف أو ما تناله من ريع أوقاف أخرى ومن ريع رأس مالها ويضاف ربع دخل الجمعية السنوي إلى رأس المال للاستغلال وهذا ماعدا المبلغ الاحتياطي وكان تبرع لهذه الجمعية بعض الأجواد من العرب وفي مقدمتهم الشيخ قاسم آل إبراهيم من كرماء جزيرة العرب بالغي جنيه مباشرة ولعله يتبرع بغيرها كل سنة. في جزيرة الروضة المشهورة الآن بالنيل حيث قام في جنوبها مقياس النيل المبارك بين جسر (كوبري) عباس وجسر الملك الصالح أو بين القاهرة المعزية ومديرية الجيزة قامت اليوم دار الدعوة والإرشاد في أحد مصايف أبناء شريف باشا الوزير المثري المشهور وقد ضمت في حجرها إلى الآن صنفين عدد طلبتهما الداخليين ٣٥ والخارجين بين ٢٠ إلى ٣٠ يعلمهم عشرة معلمين منهم أناس من رجال الدين وآخرون أساتذة علوم صرف وطعام الطلبة ونظافتهم ونظامهم في قيامهم ونومهم مما لم يعهد طلبة العلوم الدينية اللهم إلا ان يكون طلبة مدرسة القضاء الشرعي الحكومة والحكومة أقدر على البذل من الأفراد. ويستفاد من نظام مدرستنا هذه أنها تدرس العلوم والفنون التي تدرس عادة في الكليات مع التربية الدينية وزيادة العناية بالعلوم الإسلامية تنشأ أقسامها بالتدريج يبدأ منها بقسم عال لتخريج الدعاة إلى الإسلام والمرشدين للمسلمين بالوعظ والتدريس ولسان التدريس فيها اللسان العربي ويتحتم فيها تعلم لغة من لغات العلم الأوروبية ويجوز ان تدرس فيها عدة

стр. 5748

من اللغات الشرقية والغربية ولاسيما لغات الشوب الكبيرة من المسلمين كالتركية والفارسية والاوردية والملاوية. ومدة صنف المرشدين ثلاث سنين وكذلك صنف الدعاة ويختار طلابه من متخرجي صنف المرشدين يمكثون ثلاث سنين أيضا وذلك ماعدا السنة التمهيدية الأولى. التعليم في قسم الدعاة والمرشدين من المدرسة مجاني والمدرسة تنفق على الطلاب الداخلين فيه وتكفيهم كل ما يحتاجون إليه فيها وتعطيهم إعانة شهرية بحسب الحاجة والاجتهاد والتهذيب لا تقل عن ريال مصري في الشهر وأما الطلاب الخارجيون فلا تنفق عليهم شيئا. ومما يشترط في قبول الطلبة الداخلين ان تثق المدرسة بان طالب الدخول حسن السيرة وتكون سنة بين ٢٠ و٢٥ وان يكون حافظا لطائفة من القران الكريم بحيث يسهل عليه إتمام حفظه قبل إتمام دراسة الصنف الأول وان يكون قد حصل قدرا صالحا من النحو والصرف والفقه وعرف القواعد الأربع من الحساب على الأقل وان يكون صحيح الإملاء وحسن الخط في الجملة جيد المطالعة في الكتب العربية ومن أصل قديم في الإسلام وتتحرى المدرسة ان يكون طلابها من الأقطار المختلفة وتمرنهم على القيام بالفرائض والسنن وعلى الرياضة البدنية والتخاطب باللغة الفصحى داخل المدرسة وخارجها وإذا وفقت هذه المدرسة إلى تطبيق فصل العلوم والفنون التي تدرس فيها حق التطبيق يجيء ولاشك من متخرجيها طلاب يشبهون دعاة الكثلكة والأرثوذكسية والبروتستانتية في علمهم واستعدادهم خصوصا ومن غرض المدرسة في باب تربية الأخلاق ان يعلم الطالب الفرق بين زماننا وزمان القرون الأولى من المسلمين في الحاجة إلى سعة الثروة وتوقف حياة الأمة عليها الآن وعدم توقفها في ذلك الزمن وكون الزهد الصحيح والقناعة الفضلى لا يتنافيان تحصيل الثروة وعمارة الدنيا لأنهما من صفات القلب وفائدتها ان يجعل الإنسان فضل ماله لنفع أمته ومجد ملته انه لا ينبغي تعمد ترك تحصيل الثروة إلا لعمل نفع للأمة والملة. ويعلمون في باب انتقال الأمم والدول من حال إلى حال مثل قوله سبحانه: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وقوله: وتلك الأيام نداولها بين الناس. هذا ما أمكنني التقاطه مما عساه يفيد واني لأرجو لرئيس جماعة الدعوة والإرشاد محمود

стр. 5749

سالم بك أحد علماء مصر العاملين وسائر مؤازريه الفضلاء الخير في الدارين لعلمهم المبرور وآمل ان يكتب البقاء لهذا العمل العظيم بهمة جامع شمله الأستاذ محمد رشيد رضا ناظر المدرسة ووكيل الجمعية وان يكون أساسه على صخر متين سداه الماديات ولحمته المعنويات فيكون من مادياته مخرجا إلى معنوياته والسلام. في طريق رومية أول ما يلاحظ المسافر من الأرض العثمانية إلى الديار الأوروبية ان كل ما يقع نظره عليه هو غريب عنه ليس له منه إلا النظر فسبحان من جعلنا في بلادنا وبلاد غيرنا غرباء مساكين. ركبت هذه المرة القطار من دمشق إلى بيروت وهو لشركة فرنساوية ثم أبحرت من ثغر الشام على باخرة ايطالية (تيفرا) حتى إذا بلغت الإسكندرية وأردت الركوب منها إلى نابل ميناء رومية ركبت الباخرة البرنس هتري من بواخر شركة نوردتش لويد الألمانية وهكذا كنت عالة في تنقلي على الفرنساوي والايطالي والألماني ولو قصدت وجهة أخرى لكنت في ضيافة الروسي والنمساوي والانكليزي والروماني! حالة يأسف لها وأيم الحق كل من ينبض فيه عرق الوطنية لانها تصغر نفسه في عينه ومن ساء ظنه بنفسه انحطت عن كل عمل. نعم يتألم الفؤاد من هذه الحركة الاقتصادية المباركة لان العثمانيين عامة والسوريين خاصة بعيدون عنها كل البعد ليس لهم علم الغربي يذكرون به ما ينهضهم من كبوتهم ليتمثلوا به في جهاد الحياة الراقية ولا أسبابه المادية التي تبعثهم على تقليد الناهضين من شعوب العالم المتحضر في هذا العصر. نحن ويا للآسف نريد ان نعيش في القرن العشرين عيش ابن القرن العاشر ونرى لسوء حظنا ان مجدنا القديم يكفي تذكره وحده ليحيينا إلى الأبد حياة طيبة رشيدة ونتطاول إلى ان نقنع العالم بأنفسنا بأننا شعب راق بمجرد إيراد الشواهد على أيامنا الغر المحجلة في تاريخ المدينة السعيدة ولكن حضارة الغرب اليوم لا تبقي على ضعيف في قوته ومعرفته ومادته وحكومته. هي تبتلع العالم والشاهد على ذلك استصفاؤها قارة إفريقيه وتوشك قارة آسيا لولا بقايا شعوب مستقلة عظيمة كاليابان والصين. مدنية أوروبا هي التي حملتنا في البحر المتوسط من بيروت إلى الإسكندرية في ٣٢ ساعة

стр. 5750

ومن الإسكندرية إلى نابل في ٧٠ ساعة ومن نابل إلى رومية في أربع ساعات على السكة الحديدية والبخار والكهرباء هما صفوة العلم الأروبي بل المثال الحي من هذه المدينة الحية التي سيعم فضلها كل بقعة من بقاع الأرض شاء أهلها أم أبوا. فتحيا الأمم التي تقوم بما قامت به أمم الحضارة الحديثة وتموت لا محالة الأمم التي لها من حكومتها أو من تقاليدها أو من ضعفها ما يعوقها عن الانبعاث والحركة. تهتز نفس الشرقي وأي اهتزاز عندما يدوس ارض الغرب وتتوارد الخواطر عليه والتذكارات والمؤلمات وتتنازع عوامل المنشطات والمثبطات. هكذا كان حالي يوم أزعجني القدر منذ أربع سنين فنزلت مرسيليا ثغر الفرنسيين وهكذا أنا اليوم وقد وافيت نابل ثغر الطليان. وليس في هذه الفرضة من جديد فان حركة المدن الساحلية والعواصم الغربية واحدة إجمالا تكاد تتشابه لأنها قائمة بالعمل قوامها انتظام أحوال تلك الحكومات وتناغي سكانها بوطنيتهم وذهابهم بفضل العلم والنشاط وتميزهم بالذوق واللطف. من أجل هذا كانت نابل مماثلاً مصغراً من حضارة الطليان ورومية وهذه هي العاصمة المثال المكبر والفرع يدل على أصله والكتاب يقرأ من عنوانه. لم يتسع لي الوقت وقد قضيت يوما في نابل ان أزور معالمها وكليتها وآثار بومي الرومانية خصوصاً وهي على مقربة منها لأنني في صدد البحث عن تاريخ أجدادي وبلادي لاتهمني أولا إلا الغاية التي أنا قاصد لها من البحث عن المخطوطات حتى إذا كان في الزمن متسع ازور من معاهد هذه الديار ومصانعها ما نستفيد منه عبرة لنا ولامتنا وينفعنا في الأخذ بمذاهب الرقي ان صحت نياتنا عليه. إلى ساعة كتابة هذه السطور لم أتمكن من معرفة شيء من أحوال ايطاليا اللهم إلا ما هو معروض في الأزقة والشوارع والساحات ومحال القهوة والمنتزهات وهذا لا يبني عليه حكم ومع ان البقة الراقية تكلمك باللغة الفرنسية وكذلك تتخاطب مع أهل الفنادق والمخازن الكبرى وبعض الأماكن العمومية فانك تجد صعوبة في التفاهم مع جميع طبقات القوم لجهلك لغتهم الوطنية. هذا تقارب مع اللغتين الفرنسية والايطالية إحداهما من الأخرى واللغات اللاتينية أي الفرنسية والايطالية والاسبانية والبرتغالية متشابهه لأنها من أصل واحد كما ان اللغتين الألمانية والانكليزية متشابهتان لأنهما من أصل سكسوني واللغة

стр. 5751

الروسية والرومانية والبلغارية والصربية متشابهة لأنها من أصل سلافي. ومع أن جليسك تنقبض نفسه منك في العادة إذا لم تكن لك معه لغة مشتركة لا تجد فيها تسمعه في المحال العامة ودور التمثيل والموسيقى هنا ثقلا على سمعك من لغة الطليان وان كنت لا تفهمها بل تبلغ نبراتها صماخ أذنك كأنها أوتار موسيقار تتكلم ألحانها أكثر من ألفاظها. ولا عجب فإيطاليا مهد الصناعات النفسية بل هي بلاد الموسيقى والشعر والتصوير والبناء عرفت بذلك منذ أوائل عهد الإسلام وباعت على الغرب بل وعلى الشرق من موسيقاها وشعرها وتصويرها وهندستها وهي بلاد النهضة منها نشأت وانتقلت إلى فرنسا وأوروبا كلها وطليان الجنوب يشبهون السوريين في كثير من عاداتهم وملامح سحناتهم وكلما تقدمت نحو الشمال تزيد المدنية ويفخم العمران. وعلى ذكر الجنوب والشمال لا بأس بان يعرف القارئ ان البلاد الأوروبية كلما قربت من سمت الشمال كانت اقرب في الجملة إلى الأخذ بأسباب الرقي والحضارة. وهذا مشاهد محسوس. فنك تجد شمال ايطاليا أرقى وأعمر من جنوبها وكذلك فرنسا بل ان ألمانيا في جنوبها أحط منها في شمالها وهو سر غريب من أسرار هذا الكون ولعل الباحثين في طبائع الأقاليم بحسب القرب والبعد من خط الاستواء لا يعدمون تعليلا لذلك. أما رومية فهي مجموعة بدائع الطليان ولا جدال لأنها معدودة من أواسط ايطاليا على ما سنذكره. الأمير كايتاني كان الأغنياء والأمراء في الغرب قبل ان تتقرر قواعد المدنية الحديثة وترسخ أصولها يدلون على شعوبهم بحكم التغلب وقوة المال وأرجحية القدم. أما الآن فان أمثال هذه الطبقة أدركت ان كل تلك الامتيازات والاعتبارات قد ألغتها القوانين الدستورية في الأمم الحرة النيابية فلم يبقى من أسباب الفخر إلا شخصية المرء وعلمه معمله ولذلك لا تسمح بأمثال هؤلاء الناس إلا إذا أتوا عملا ينفع المجتمع ويخدم الحضارة أو يرقيها درجة أخرى. وممن جمع فضيلتي المجد القديم والمجد الحديث فعد عصامياً عظامياً الأمير ليوني كايتاني من كبار الأسر القديمة في رومية التي يرد تاريخها إلى زهاء ألف سنة ومنها خرج رجال خدموا أمتهم على اختلاف العصور والمنازع فكان الباباوات ورؤساء الدين والقواد والحكام ولقد سار سليل هذا البيت على سنة كثير من أمراء الغرب فلم تبطره الزخارف ولم يستهوه

стр. 5752

المال والمجد القديم وتنكب عن الرفاهية منذ صغره فدرس في كلية رومية الآداب وأتقن من اللغات الايطالية والفرنسية والانكليزية والألمانية واللاتينية والفارسية والعربية. ولما أحرز حظاً وافراً من العلم والآداب سمت به همته وهو قبيل الخامسة والعشرين أي منذ زهاء عشرين سنة أن يضع لأمته كتابا في التاريخ الإسلامي بلغتها يغنيها عن أكثر الكتب ويرفع كثيراً من المشاكل في تاريخ العرب الذي أدهش العالم. فجمع لذلك مكتبة ضخمة باللغة العربية وغيرها من اللغات واستنسخ واخذ بالتصوير الشمسي كل ما عرف من تاريخ العرب من المخطوطات وكان مبعثرا في مكاتب أوروبا وغيرها فجاءت مكتبته خير مكتبة في الشرق والغرب في موضوع التاريخ الإسلامي خاصة ومن رآها فكأنما زار مكاتب الغرب للبحث عن آثار العرب ومدنيتهم. ولقد نشر حتى الآن من تاريخه ستة مجلدات ضخمة ولم ينجز بها أكثر من عشرين سنة من تاريخ الإسلام وهو يرجو أن يفسح الله في أجله عشرين سنة أخرى ليكمل القرن الأول من الإسلام فيقع في خمسة وعشرين مجلداً ولا يطبع من تاريخه أكثر من مائتين وخمسين نسخة يوزعها على المجامع العلمية في بلاده والغرب وعلى بعض أصحابه من العلماء فقط وقد جعل سعاره فيها فيقول الشاعر العربي: كفاف عيش كفاني ذل مسألة ... وخدمة العلم حتى ينقضي عمري يقول كفاف عيش وثروته وثروة أبيه فيما بلغني تقدر بمائة مليون فرنك فرنسي دع ثروة حليلته الأميرة وهي غنية أيضا ولهم المزارع الواسعة في ضواحي رومية إذا استثمرت حق الاستثمار على احدث الطرق تزيد ثروتهم أضعافاً في ضواحي رومية والأمير مع هذا تفرغ إلى العمل في مزارعه ويتعهدها كما يتعهد رياض العلم كل يوم ويصرف على إتقان عمله الذي صرف شبابه وهو يصرف الآن فيه سن الكهولة وسيصرف فيه أيضا سن الشيخوخة بحول الله شطرا ليس بقليل من المال فعنده ثلاثة مترجمين من اللغات المختلفة ينظر فيما يترجمون لكتابه من المواد ما عدا ما ينفقه في الكتب وطبع كتابه ولكن كل ما ينفقه في سنة لا يعادل ما ينفقه غني واحد من فساق أغنياء الأمريكان أو الروس مثلا في ليلة واحدة في باريس أو مونت كارلو فسبحان من أودع في كل قلب ما شغله. طاف الأمير كثيراً من بلاد الشرق ولا سيما الهند وفارس والشام ومصر ودرس أحوالها

стр. 5753

وطابق بين ماضيها وحاضرها فإذا تكلم في تاريخنا صدر عن علم نظري وعملي. ولقد ذهب منذ ست سنين إلى بلاد الشام ليرى بعينه المكان الذي كانت فيه الوقعة الفاصلة بين العرب والروم في اليرموك. وهذا قلما يتيسر إلا لمن أوتي همة شماء واستسهل ركوب كل صعب في سبيل تحقيق رغائبه. ومازال منذ بدء في التأليف وهو يدأب وراء منضدته في مكتبته كأنه عامل بسيط فإنه يبدأ في عمله كل يوم الساعة الخامسة صباحا ولا يزال أكثر النهار يعمل ويطالع لا تعرو همته ملل ولا ينظر في سفساف الأمور. ولقد كان نائبا في الانتخاب الماضي في مجلس النواب فأضاع في النيابة شيئا من وقته ولكن لم ينتخب هذه المرة فكان ذلك من حظ العلم والآداب لأنه توفر بجملته على خدمتهما. وعدم انتخابه ناشئ من أن خصومه السياسيين اتخذوا من خطة الأمير في مسألة فتح ايطاليا لطرابلس وبرقة حجة أثاروا الرأي العام حتى لا يعودوا لانتخابه وذلك أن الأمير أحب أن يتكلم بلسان العالم المنصف ولم يعقه حبه لامته عن أن يقول لها وقت قامت حكومته لفتح تلك البلاد أن هذا العمل منها ضرب من ضروب اللصوصية لا يليق بأمة متمدنة وليس له مسوغ معقول قال هذا بالتلميح في المجلس وكتبه في الصحف الايطالية وغيرها بالتصريح فحنق عليه من حنق وأثاروا الخواطر من جهته وقد بذل مالا كثيرا للنيابة عن أمته قيل أنه عشرون ألف ليرة ولكن خصمه بذل خمسة وثلاثين ألف ليرة ففاز عليه. والأمير على ما رزق من الشهرة العلمية لجمعه بين المجد التالد والطارف رقيق الحاشية يغلب عليه عدم التكلف ولما قابلته لأول مرة حاملا إليه من صديقه أحمد زكي باشا العالم المصري كتاب توصيه ليقبلني للبحث في مكتبته اعتذر عن كونه قابلني بثياب عمله وقال أن عنده شيئا من المخطوطات العربية أخذت بالتصوير الشمسي ولا يدري إن كان فيها حاجتي على انه تفضل ودلني على مظانها وما برح اليوم بعد الأخر يشير علي بالرجوع إلى كتاب كذا فقيه وهو يبش ويقول في الأحايين انه مسرور لعثوري على شذرات تهمني كل هذا وهو لا يضيع دقيقة من وقته الثمين ناهيك بارتفاع الصحف والمجلات ومنشؤها مثلا.

стр. 5754

لئن امتازت التيمورية في مصر بأنها تحوي أمهات كثيرة من مخطوطات علماء الاسلام في علوم مختلفة وامتازت الخزانة الزكية بالقاهرة بجمعها أنفس المطبوعات العربية في الغرب فان الخزانة الكايتانية في رومية تحتوي على الغالب أهم كتب التاريخ الإسلامي أو ماله علاقة فيه وذلك باللغات المختلفة ولا سيما العربية مما هو جدير أن يرحل إليه من الصين لا من دمشق. وقديما كان أمراء المسلمين وعلماؤهم يفتحون خزائنهم للباحثين والمؤلفين ينزلونهم على الرحب والسعة كما فتح منصور بن نوح الساماني خزانة لأبي منصور الثعالبي فألف فقه اللغة وكما فتح علي بن يحيى المنجم من أهل القرن الثالث في قرية له نفسية بكركر من ضواحي القفص خزانة كتب عظيمة في قصره الجليل وسماها خزانة الحكمة فاخذ الناس يقصدونها من كل بلد فيقيمون فيها ويتعلمون منها صنوف العلم والكتب مبذولة في ذلك لهم والصيانة مشتملة عليهم والنفقة في ذلك من مال علي بن يحيى وكما وقع من غيرهما كثير أما اليوم فان هذا المعنى كاد يتفرد به علماء الغرب وأمراؤه وأصبح الشرق بلقعا حتى من كتبه وآثاره وانتقل تراثه بحكم الطبيعة إلى من أحسن تعهده واستثماره سنة الله في خلقه.

стр. 5755

الهجرة أربعة أحوال تعمل في تكثير سواد الأمم: الهجرة والاستيطان والولادات والوفيات وبنقيضها تفتقر البلاد وتقل الأمم. ومحور الهجرة يدور في الأكثر على تحصيل القوات والفرار من ظلم خصوصا أيام كانت المجاعات في القرون الأولى والوسطى من اكبر العوامل المهددة للشعوب وكانت تغذية الجماعات الكبرى مناطة بفصول السنة حتى كان تأخر وصول الحبوب المشحونة في البر والبحر يحدث مخاوف هائلة ويثير مناوشات وثورات. وكانت الفوضى والحروب تجعل المواصلات صعبة أو متعذرة ويهلك سكان المدن جوعاً. وتحتكر المدن الحبوب في أماكن خاصة وتدخرها لحين الحاجة أما سكان القرى والأرياف فكانوا يقاسون الأمرين ولا يجدون غير الهجرة باباً لنجاتهم بأرواحهم وأرواح ذرياتهم وهذا ما دعا إلى إفقار كثير من الأصقاع في الشرق والغرب لأن من ولد من الأسر المهاجرة لم يواز عدد من فقدتهم البلاد بهجرتهم لها. جاءت أزمان على البشر كان الشرق وآسيا أعمر من الغرب وكانت آسيا تقدم كثيراً من أبنائها ليكونوا جنداً في الجيش الروماني ورومية كانت حاكمة على معظم أصقاع أوروبا وجزء كبير جداً من آسيا وافريقية وسلطانها فوق كل سلطان وما ملوك تلك الأيام إلا أقيال يخضعون لصولجان رومية وقد كنت ترى سوريين من بلاد الشام في كل مكان كما تراهم الآن وكان منهم في جيش جرمانيكوس القائد الروماني عدة كتائب عندما حمل حملته على الرين. قال سكريتان: إن القرون الوسطى بإقطاعها وما كان فيها من اللصوصية والأخلاق الوحشية وقلة المواصلات والحياة الزراعية والصناعية الأهلية وتنوع اللهجات وحكومة الجماعات والاشمئزاز من الحياة والتشتت السياسي الذي هو من خصائص تلك القرون كل ذلك مما يتمثل لعيني بقلة الرجال وطول إقفار البلاد فأفقر العالم الروماني وظلّ الشعب زمناً على نسق واحد ثم زاد بإنشاء المدن وتوطيد دعائم المركزية السياسية التي تسهلت أسبابها بنمو الموارد الاقتصادية والأيدي العاملة التي أنشأتها. ومن المدن تنبعث أبداً حركة تنظيم القوة العاملة فصاحب الأملاك يعيش بما تدر عليه أملاكه على حين تضطر المدن ان تطلب ذلك من التجارة وأن تضمن حقوقها في البلاد القاسية بتأمين السبل والتجارة. قال وما المصانع العظمى التي قامت في القرن الثالث عشر للميلاد وما تلك البيع والمعابد

стр. 5756

إلا أثر من آثار زيادة السكان في أوروبا وإن الناس أصبحوا يهتمون لأمور أخرى غير حفظ حياتهم مباشرة والسكان من العوامل الضرورية في التبدلات السياسية وعندنا أن الشعب هو أرض التاريخ الذي تنبت فيه الأوضاع والأفكار ولما نمت النفوس منذ القرن الحادي عشر في حمى أسوار المدن والمقاطعات المنظمة ظهرت قوة جديدة أمام الإقطاعات وانتهى التماسك السياسي بقيام المدينة الحديثة وأدى نمو السكان نمواً عاماً بقاعدة الانتخاب الطبيعي أي الأفضل والأحسن إلى شكل جديد في الحياة وتحسين الأخلاق وتدميثها وكثرة السكان شرط في قيام المدنيات العليا وفي تأسيس الأملاك العظمى وهي التي تزيد حياة البشر حركة وغنى وبهجة. نعم كثرة السكان شرط في الحضارة ولكنها إذا بلغت درجة تؤدي إلى قلة سريعة في المواليد ربما كان فيها الخطر على المدنية والمدنيات لا تقوم إلا في بعض أدوار التاريخ على أن الرفاهية العامة والأمن اللذين هما من أهم العوامل في المدنيات الكبرى قد يكون منها قلة عدد المواليد وهذه القاعدة تجري في كل مكان اليوم في ألمانية وايطالية وانكلترا وقد كانت فرنسا أول من وصلت إلى هذا المعدل فتعدلت وفياتها مع ولادتها مع أن فرنسا كان عدد سكانها في أواسط القرن الثامن عشر عشرين مليوناً وانكلترا ثمانية ملايين واسبانية ثمانية وايطاليا عشرة وألمانية كلها مع النمسا وتوابعها اثنين وعشرين مليوناً وروسيا في أوروبا اثني عشر مليوناً وقد زادت كلها على كثرة من هاجر منها إلى أمريكا في القرون الثلاثة الأخيرة ومع هذا زادت كل مملكة ولكن زيادة بلاد الانكليز والجرمانيين كانت أهم وأعظم فبلغت بريطانية العظمى اليوم نحو خمس وأربعين مليوناً وفرنسا نحو أربعين مليوناً وألمانيا خمس وستين مليوناً والنمسا والمجر خمسة وخمسين مليوناً وايطاليا خمسة وثلاثين مليوناً واسبانية ثمانية عشر مليوناً فمنها ما تضاعف ثلاث مرات ومنها مرة ومنها مرتين. وقد نفى سكريتان أن يكون قلة السكان ناشئة من فساد الآداب وقال أن الرؤوس بإقرارهم أنفسهم من أعظم الموغلين في المفاسد والموبقات ومع هذا يزيد سكان الأرياف عندهم والسبب في قلة المواليد هو في الحقيقة إرادة الرفاهية الولادة لا تشكو من الفقر ولا من حرية الفكر ولا من حرية الأخلاق وما خرابها آت الأمن كثرة الحذر الذي هو ابن الطمع.

стр. 5757

عرف السوري منذ القديم بحب الهجرة للكسب وإحراز المجد والفينيقيون أو سكان الساحل الأوسط من هذا القطر كانوا رواد الحضارة وربابنة البحار في سواحل البحر المتوسط حتى بلغوا شطوط الجزر البريطانية في أقصى شمال أوروبا وأنشئوا لهم المكاتب التجارية في جنوبي القارة الأوروبية وشمالي افريقية وكان من أخلافهم ما يشبه هذه الأعمال والهجرات ولا سيما على عهد الحكومة الرومانية حتى إذا جاء الإسلام كانت منهم جيوش وقواد وقضاة تسافر إلى القاسية ورجال الشام كانوا في مقدمة الفاتحين للأندلس في الغرب وهم الذين فتحوا الفتوح في الشرق وأوغلوا فيها حتى وصلوا إلى بكين عاصمة الصين وضربوا الجزية على صاحبها. وبعد فان فتن التتار والصليبيين أضعف حال البلاد وقللت سكانها خصوصا على عهد حكومات الإقطاعات الظالمة فقلت الولادات وكثرة الوفيات والأمة المظلومة في الغالب يضعف تناسلها ويكثر الموتان في أولادها بل تندر النضرة في وجوه أهلها ولم تقصر الحوادث السماوية في انتياب هذه البلاد فكانت الزلازل والأوبئة تحصد أهلها بالألوف وما بقي منهم يهلكه الظلم وقلة العلم. حتى إذا جاء القرن الماضي ونشر خط كلخانة ووضعت التنظيمات الخيرية ودخلت البلاد العثمانية في طور أحبت فيه احتذاء مثال الغربيين في إدارتها وضعفت سلطة العمال بعض الشيء وقوي ارتباطهم بالمراكز خصوصا بعد إنشاء الأسلاك البرقية التي سهلت وصول الشكاوي إلى العاصمة بعد التسهيل وأخذ الفلاح يأمن على زرعه وضرعه بالنسبة للماضي والتاجر في المدن قد تنجو من البوائق متاجرة وكثر بعد حوادث سنة ١٨٦٠ اختلاط أهل هذا القطر بالغربيين وأنشأت الجمعيات الدينية مدارسها الراقية في المدن والقرى بعد كل هذا عادت النفوس تنمو خصوصا في لبنان بعد نظامه الجديد وارتفاع أعلام الأمن في ربوعه وأصبح من الندرة الاغتيال والاقتتال فيه فكثرت نفوسه. وإذ كانت زراعة لبنان ضعيفة تعد بين الزراعات في الدرجة الثالثة أو الرابعة لم يقم بمعاش سكانه فأخذوا يهاجرون أولاً إلى البلاد القريبة منهم ولما تنوقلت الأنباء عن نجاح جماعة من تجار بيت لحم في أمريكا سمت الهمة في بعضهم إلى السير على أثار من سبقوهم وساعد على ذلك اتصال آسيا بافريقية وأوروبا وأمريكا بالبواخر ففوق بعض من

стр. 5758

هاجروا من لبنان إلى جمع جانب من المال فاشتهر بين قومهم نجاحهم وأخذ يتبعهم في خطتهم الأقرب فالأقرب من سكان البلاد وكان أهل الجبال وهم معتادون القلة وشظف العيش من الجملة هم الناهضون لهجرة بلادهم ولم تمضي سنين حتى سرى داء الهجرة على الأصقاع المخصبة من أرض سوريا مثل وادي الأردن ووادي العاصي وسهل البقاع وسهل حوران فجارت هذه البقاع جبل لبنان وجبل عامل وجبل حرمون وجبال عكار وجبال اللكام وجبال الخليل واشترك السهل والوعر في الهجرة ونال من أثارها دمشق وبيروت وحلب والقدس كما نال أحقر قرية. واشتهر في الأكثر من ارتاشو واغتنوا وآبوا إلى بلادهم فعمروا لهم دورا على الطرق الغربية واقتنوا الأملاك وأقاموا العقارات وأخذوا بحظ من الرفاهية ونسي الناس أو لم يذكروا من هلكوا وتشتتوا فما عتمنا وقد حسبنا الراحل عنا والراجع إلينا إلا وقد أصبح المهاجرون زهاء أربعمائة ألف رجل على أقل تقدير من السكان مهما بالغنا في تقديرهم وعددنا في جملتهم بعض البوادي لا يبلغون أكثر من أربعة ملايين وقدر بعض الصحفيين عدد المهاجرين من السوريين بخمسمائة وسبعين ألفاً وغالى بعضهم فقدرهم بزهاء مليون ويمكن أن يجاب عن هذا التقدير الكبير بالأثر الحادث عنه أي بالإضافة عدد من الأولاد الذين كانوا يولدون لهذا القدر من المهاجرة لو بقوا في بلادهم مع أزواجهم أو تزوج العذب منهم في السن المعينة للزواج في هذه البلاد. خسرت البلاد من وجهين في الجملة وربحت من وجهين خسرت البلاد من عمل هؤلاء الشبان المتغيبين سنين عن أوطانهم وعن تعطلهم عن التناسل وربحت مما حملوه إلى سوريا من النقود والتهذيب الغربي ولكن الخسارة أعظم بديل أن الثروة هي العمل لاً رفعت من شمعهم فلم يعد يستطيع المهاجر أن يقيم في قريته إذا آب إليها بعد تغيبه عنها بضع سنين إذ يرى الفرق محسوساً بينما شاهد في بلاد غيره وعهد في بلاده ويتأفف من عمله الصغير في الزراعة أو الصناعات الضعيفة فلا يلبث أن يعود أدراجه إلى أمريكا ويختار الموت هناك على البقاء في أرض ذلة وقلة. ولذا لا تعجب إذا رأيت مئات من الدور الفخمة التي عمرت بدراهم أمريكا في هذه الديار خالية من سكانها يلعب فيها الجرذ والفأر ولا من يقطنها لأن بناتها عادوا فرحلوا أما طلباً

стр. 5759

لثروة غير التي نالوها وصرفوها كلها في إنشاء دورهم وأما لضيق صدر نالهم من سوء إدارة وفساد نظام وهذا قليل. قال قنصل فرنسا في تقريره الأخير على بلاد الجليل إن هؤلاء المهاجرين ينفعون بالأجور التي يؤدونها لشركات الملاحة ولكنهم يضرون البلاد في ارتقائها الاقتصادي إذ يحرمونها من الأيد العاملة وقد نجحوا بأن أسسوا في البلاد التي هاجروا إليها (أمريكا الشمالية والجنوبية واستراليا وافريقية الجنوبية أو مصر) مستعمرات مهمة للغاية وكثيراً ممن غادروا بلادهم حفاة لا يملكون أجرة المركب الذي يقلهم وهم في الدرجة الرابعة قد عادوا إليها يحملون الدنانير في جيوبهم أو الأوراق المالية. وقد اقتبسوا الأذواق والعادات الغربية وأنشؤوا يستخدمونها في بيوتهم وهم يبتاعون الأراضي وينشؤون الزراعات الكبرى وأكثر العائدين منهم على ما أظن هم اللبنانيون والبقاعيون. قال وأما سبب الهجرة فلارتفاع وصاية الحكومة عليهم ولعدم قوانين لحماية الزراعة ولندرة المعاهد المعاونة والإحسان ولإرهاق العشارين والمرابين ولكسل لا ينفض غبارة إلا بالإقلاع عن البلاد وحباً بالأرباح السهلة واقتداء بمواطنيهم المغتنين ولجذب البلاد الجديدة لهم وبين نرى الوطنيين ولا سيما من سوريا يهاجرون نرى الأجانب يهاجرون إليها ولا سيما إلى فلسطين (أي الصهيونيين). وبعد فقد كانت الهجرة مقصورة بادي بدء على المسيحيين فأخذ أخوانهم المسلمون يقتفون أثارهم وكثر المهاجرون من جميع الطوائف في الأربع سنين الأخيرة عندما طبقت الحكومة قانون الجندية على عامة شعب هذا الوطن فكان الوالد يسفر ولده في العشرين والخامس والعشرين فأنشأ يرحله اليوم في الخامسة عشرة بل وفي الثانية عشرة لينجو من الخدمة العسكرية أو ليجمع بدله النقدي قبل أن تصيبه القرعة وبعد أن تفاقم شر الهجرة في العهد الأخير أرادت الحكومة أن تمنع الشبان من السفر فكان ذلك مورد عيش جديد لارتشاء بعض الولاة والمتصرفين والقائم مقامين ورجال الشرطة وكثرة سماسرة المهاجرة حتى لم يتركوا مزرعة إلا ولجوها وأخرجوا منها أعزة أهلها وسهلوا لهم سبل الهجرة ووجد حتى الفقير المعدم من يقرضه على أن يفيه من عمله في ديار المهجر وزادت المنافسة بين

стр. 5760

شركات الملاحة فأصبح السفر ميسوراً من بيروت إلى نيويورك بعشر ليرات وزاد الصادر وقل الوارد وكلما أمل المؤملون أن تهدأ أحوال البلاد تعقدت مشاكلها الداخلية والخارجية وانتشرت عن البلاد أخبار السوء فتأخر عن العودة إليها أبنائها الذين هجروها. هذا والحكومة لم تتذرع بأدنى سبب لنزع هذا الخلل في حياة البلاد من أصوله بل أن النوائب الأخيرة التي صادف وقوعها في عهد الدستور لم تزد البلاد إلا فقراً إذا اضطرت الحكومة أن تزيد الضرائب والعثور والرسوم فضعفت الزراعة وأكثر من ثلاثة أرباع هذه الأمة تعيش من أرشها وارتقت أجرة العامل إلى أعلى من منسوبها فأصبح في بعض الأصقاع الزراعية من المتعذر القيام بأعمال الزراعة على ما ينبغي لصاحب ملك ومزرعة لأنه إذا أعطى العامل في اليوم ثلاثة أرباع الريال أو الريال لا يبقى له في أخر السنة ما يوازي نصف إيجار ارضه ولولا أن بعض البلاد التي أعوزتها اليد العاملة مثل القاع استعاضت عنها بما جلبته من الآلات الزراعية الحديثة كالحصادة والدراسة والحراسة والذراية والطحانة لامست زراعتها بائرة وأكثروا من الأدوات الحديثة لتم لهم الغنى وعوضوا ما فاتهم من عمل العاملين والعادة جديبها خصيباً ونالوا من أسباب الثروة حظاً عجيباً. إذا قدرنا ثروة السوريين في مصر والسودان وأمريكا وكندا واستراليا والترنسفال ومدغشقر والسنغال بمئة مليون جنيه وهو أقل تعديل لأن نصف هذا المبلغ يملكه السوريون في مصر فقط وفرضنا أن نصف المهاجرين أحبوا العودة إلى أصقاعهم يحملون خمسين مليون من النقود وما زكنوه وتعلموه من أساليب الصناعة والزراعة والتجارة تفتح بالطبع موارد اقتصادية جديدة في البلاد إذا صحت قبل كل شيء نية الحكومة على توطيد دعائم الأمن وإحقاق الحق وذلك باختيار طبقة راقية من العمال والضرب على أيدي الجاهلين والمرتشين منهم. نعم إذا قامت الحكومة بواجبها الإداري تستميل المهاجرين إلى العودة وتحبب إليهم بلادهم التي يؤثرون أن يكون لهم في ربوعها من المغانم نصف ما يتمنون به في ديار الهجر فتقوم سوريا وحدها بعد بضع سنين بسد العجز من ميزانية الدولة العامة مهما كان مقدارها.

стр. 5761

العدد ٨٥ - بتاريخ: ١ - ٢ - ١٩١٤

стр. 5762

مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت قليل من الناس بل من غلاة الكتب من يعرف من أمر هذه الخزانة الغنية الموجودة في المدينة المنورة شيئاً لعدم وجود فهرس مطبوع لها حتى أنك لا تجدها في ترجمة حياة صاحبها في كتاب قاموس الأعلام المؤلفة شمس الدين بك سامي الألباني كأنها ليست من الأعمال التي تجدر بالذكر أو أن يكون المترجم عرض بها فرفعوا قلم المراقبة في عهد السلطان السابق وقد كنا في عداد جاهليها إلى أن كتبت مجلة المقتبس بعض أسماء المخطوطات فيها وفي مكاتب المدينة المنورة نقلاً عن الشيخ جمال الدين القاسمي في الصفحة ٧١٨من السنة الرابعة ثم عادت فنشرت قائمة أخرى بتوقيع إبراهيم أفندي حمدي خربطلي في الصفحة ٣٧٩ من السنة الرابعة. والذي زادنا تعريفا بها هو وصف صديقنا المتقبس لها في رحلته إلى طيبة إذ يقول وأحسنها أي خزائن كتب المدينة المنورة وربما كانت خير مكتبة في البلاد العثمانية كلها بنظامها وانتقاء أمهاتها هي مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت أفندي ففيها نحو عشرة ألاف مجلد كتبت بخطوط المشهورين من الخطاطين كأن تجد الكتاب ذا العشرين جلداً مكتوباً بخط مشرق بديع في مجلد أو مجلدين وفي هذه المكتبة من التسهيل على المطالعين والعناية براحتهم مالا تكاد تجد مثله في دار الكتب الخديوية بمصر لعهدنا وما ذلك إلا لكثرة ريعها وإنفاقها في سبله واختيار القيمين عليها وادرار المشاهرات الكافية عليهم. فلما قصدت إلى البلد الطيب صيف السنة الفائتة كان غابة مارميت إليه بعد زيارة الحجرة المعطرة زيارة هذه المكتبة فأخذني الدليل من زقاق ضيق عن يسار باب السلام وما كدنا نجتاز منعطفا هناك حتى كنا أمام دار المكتبة وهي ذات طابقين ومبنية من الجرار الحجر الأسود خلافاً لأكثر دور المدينة المبنية من اللبن فدخلناها من باب امتلأت حوله أصاحي الرياحين والأزهار واجتزناه إلى الغرفة الكبرى المتخصصة بحفظ الكتب فألفينا بعض المطالعين والنساخ يطالعون وينسخون كأن على رؤوسهم الطير إلا حركة خفيفة تنبعث مرة بعد أخرى من أهواء المهواة التي بأيديهم دفعاً لشدة حمارة القيظ. ولما استتب بنا الجلوس أتى إلينا حافظ الكتب بفهارس المكية الخطية وطلب غلينا معرفة اسمنا فلسمنا بطاقتنا وصرنا نطالع الفهارس المرتبة على أنواع العلوم والفنون والمنسقة تنسيقاً جميلاً يدل على ذوق سليم مما يعد عنواناً على نظام هذه المكتبة كما تراه في المثال

стр. 5763

المحرر أدناه تقلاً على أحد الفهارس. نمرة ١٧٥ اسم الكتاب تذكرة الشعراء المسماة بجمع الخواص المؤلف الصادق الكيلاني خط تعليق سطر ١٩ أوراق ١٠٥ جلد ١ جدول خالي ملاحظات بالتركي وبعد هنيهة قدم علينا مدير المكتبة عبد القادر أفندي حوار وغدا يرشدنا إلى أمهات الكتب النفسية الموجودة في الكتب فاطلعنا على تفسير انكشاف للزمخشري وبهامشه الكشف على الكشف وقد كتب التفسير أولاً بمجلد واحد بخط مشرق جميل وجداول مذهبة ثم أضيف إليه الهامش بإلصاقه على جوانب المتن الثلاثة إلصاقاً يكاد لا يظهر إلا على الناقد البصير وقد قيل أن هذا التفسير كلف صاحب المكتبة ثلاث مئة جنية مما يدل على مبلغ تأنق الرجل في انتقاء كتبه. وأرونا أيضاً كتاب تقويم الأبدان في الطب لابن جزله البغدادي وقد نسخه ناسخه سنة ٢٩٧ أي منذ نيف وألف سنة كما أننا رأينا ديوان شعر بالفارسية اسمه غزليات شاهي كتب سنة ٦٥٥ بحروف من ورق قطعت تقطيعا بديعاً وألصقت على صحائف من الورق الملون فجاءت غاية في الدقة. وقيل لنا أن فيها محاضرات ومحاورات الإمام السيوطي بخط يده إلا أن الوقت لم يتسع معنا لمطالعته وترى جميع الكتب مجلده تجليداً متيناً ومحفوظة ضمن غلافات من جلد أيضاً مصفوفة في القماطر بنظام معجب ومطرب والمجلد يشهدها كل يوم وبصلح ما فسد منها أما المكتبة فقد أسست سنة ١٢٦٠ كما هو مؤرخ في سقف قاعتها وهي السنة التي أقيل فيها من المشيخة ولعل لإقالته علاقة بتأسيس المكتبة وأوقف عليها من الكتب في اللغات

стр. 5764

الثلاث العربية والتركية والفارسية ٥١٣٥ مجلد وورد إليها بعد تأسيسها إلى يوم الناس هذا ٤٠١ فيكون مجموع كتبها اليوم ٥٥٣٦ مجلداً وزهاء ألفي رسالة محررة على هوامش هذه الكتب وبينها نذر يسير باللغة الهندية أردو. وقلة الكتب الواردة عليها التي لا يزيد معدلها السنوي على سبعة كتب تؤيد ما قلناه آنفا من أن عارفي مكتبة عارف قلائل جداً. ولقد اقترحنا على المدير أن يطبعوا فهرساً للمكتبة وينثروة بين الناس ويحذوا حذو المكاتب الراقية فيطلب من مؤلفي الكتب ومترجميها نسخة من كتبهم لتوضع في المكتبة وتعم الفائدة لاعتقادنا أن هذه الطبقة المنورة لا تضن على تلك المكتبة ببنات أفكارها ونتاج قرائحها فاستحسن منا هذا الاقتراح ولكنه اعتذر عن تقريره لأنه من خصائص متولي الوقف يحيى أفندي قاضي مصر السابق الذي يتوقع منه كل محب للعلم والأدب أن يحل هذا الاقتراح محله ويعمل على تعريف الناس بهذه الخزانة النافقة فإن عمال المكتبة الكثيرين هم كفء ويكفؤون للقيام بأعمالها كما ستراه. المشاهرة العدد العنوان قرش صحيح ٧٠٠ ١ مدير ٧٠٠ ١ حافظ كتب أول ٦٠٠ ١ حافظ كتب ثاني ٥٥٠ ١ حافظ كتب ثالث ٥٠٠ ١ حافظ كتب رابع ٥٠٠ ١ مجلد ٥٠٠ ١ بواب ٥٠٠ ١ سقا ٥٠٠ ١ كناس ٥٠٥٠ المجموع وللمرحوم أوقاف أخرى في المدينة تأتي من عاصمة السلطنة مع مرتبات المكتبة بواسطة

стр. 5765

الخزانة النبوية إليك بيانها: المشاهرة العدد الموقوف عليه قرش صحيح ٦٠٠ ٢ قارئ الشفافي الحرم النبوي ٦٠٠ ٢ قارئ دلائل الخيرات النبوي ١٢ ١ سقافي الحرم ٩٠٠ ١ امرأة الواقف المقيمة في المدينة ٢١١٢ المجموع ومما قلله لنا مدير المكتبة أن المرحوم كان ينوي إبلاغ كتب المكتبة إلى عشرة ألاف مجلد كانت تحت يده إلا أنه لم يتمكن من تحقيق أمنيته لأنه حين عزم على الحضور إلى المدينة المنورة يصحب بقية كتبه عاجلته المنية في دار الملك فبيعت كتبه فيها مع تركته بأبخس الأثمان ومنها كتاب الأغاني الذي بيع بخمسة عشر جنيها ثم باع من اشتراه من آخر بستين جنيها وطبع بعد ذلك عن تلك النسخة وانتشر بين القراء ويقولون أنه لو تمكن من جلب تلك الكتب وإضافتها إلى المكتبة لكانت اليوم من أحفل وأغنى مكاتب الشرق على أنها الآن تضم بين جدارها ألوفاً من الأمهات التي تفتقر إلى رجالات علم وعمل ليمثلوها للطبع ويبرزوها من خدرها وبعد أن قضينا بالمكتبة ما تيسر لنا من الوقت عدنا إلى الحرم النبوي من طريق آخر لا يبعد بضعة أذرع ودخلناه من باب جبريل. حيفا: فلسطين // عبد الله مخلص

стр. 5766

في بلاد الغرب نساء الإفرنج الانكليز أعجب أمم الحضارة في أخلاقهم وعاداتهم لا يقبلون الجديد إلا بشق الأنفس ولكنهم إذا قبلوا تناغوا فيه وحرصوا عليه وبرزوا على من سبقهم وسابقهم. والغالب أن كل الحاجيات تمت أو كادت في هذه المدنية الغربية حتى قامت بعض نساء الأمم وطالبت بإشراكهن في حقوق المدنية فأصبحن ينتخبن نائبات في المجالس النيابية ويشركن الرجل في أعمال السياسة ومن الفائزات السابقات في هذا السبيل نساء فنلندا واستراليا وزيلاندة الجديدة والنروج. رأى النساء الراقيات من الانكليزيات ذلك ورأينا حقوقهن مهضومة مع الرجل وغرن الغيرة من خصائصهن من اللاتي سبقهن من بنات جنسهن وقمن منذ ثلاثين سنة يطالبن حكومة بريطانية العظمى بحقوق بنات حواء وما زلن منذ عقدت العقيدتان كوب وميلنر احتجاجا في لندرا سنة ١٨٨٤ وهن على وتيرة واحدة من السعي وراء مقصدهن لم يدخل الملل على نفوسهن. خطبت إذ ذاك العقيلة ميلنر وقالت أنها أزمعت أن لا تدفع الخراج الذي عليها للجابي بحيث تضطره إلى أن يكسر بابها ويحجز متاعها وهكذا تقاوم الحكومة وكل سنة تزيد قسوة وإملالا فضحكت الصحف من هذا القول إذ ذاك ومن الغد أرسل إليها من جميع أطراف انكلترا ابر للخياطة إشارة إلى أن المرأة هذا شأنها ولا يليق بها أن تخرج عن هذا الحد. ولكن المطالبات بهذا الحق ظللن يجمعن قواهن هذا وهن على الملكة فيكتوريا التي سنت للملكات دع نساء الطبقات المختلفة من السوقة سبنة توفر النساء على تربية أولادهن وتدبير منازلهن والقيام على أسراتهن وبيوتهن حتى قالت في مفكرتها أن أحن امرأة هي التي تبدو صالحة لزوجها وأولادها. ولقد ربت ملكة انكلترا وإمبراطورة الهند بناتها على التربية البيتية الراقية حتى أن الأميرة أليس دي هيس درامستاد كتبت إلى أمها تقول: ها قد صنعت الفساتين اللازمة لبناتي الصغيرات في الشتاء فعملت منها سبعة ولم أطرزها فقد بل فصلتها وخطبتها وعملت أيضاً

стр. 5767

رداء من الصوف للطفل الذي ننتظر قدومه وأنا التي أتولى حسابات الدار ولذلك تريني مستغرقة في العمل إن أسرتنا الصغيرة تزداد بسرعة وستقضي علينا الحال بضع سنين أن نعيش باقتصاد زائد. في مثل هذه الأمة التي ملكتها وأميرتها على هذا الطرز من حب الانصراف إلى الأعمال البيتية يقوم ربات الحجال في أقصى بلاد الشمال ويعمدن إلى القسوة في المطالبة في حقوقهن السياسية حتى لقد لجأن كما قالت جريدة المئتين من مقالة افتتاحية إلى استعمال القوة في مقاومة رجال الضبط والربط بل أن تلك الأيدي اللطيفة التي يجب ان تكون رباتها ملكية الأخلاق بلغها ودعتها هي التي أنشأتها التيمس بأنها تشعل الحريق في بعض بلاد الانكليز لتحمل الحكومة على بابه تلك المطالب وإنه قد حرق في شهر تشرين الأول الماضي في بريطانيا من الأملاك ما يقدر بنحو ستة ملايين فرنك ونصف وثبت بالتحقيق أن للمطالبات بحقوق النساء يداً في نحو عشر حرائق منها ران النساء المتحمسات لهذه الفكرة يطلبن شيئاً من المال فلا يلبس أن يحمل إليهن فقد طلبن مرة مئة ألف جنية وأخرى ربع مليون جنية وكلما طلبن مالاً يأتيهن عفواً ويقدر ما يصرف النساء الانكليزيات في الشهر بنصف مليون فرنك على تحقيق مطالبهن. هذه هي أعمال النساء الانكليزيات ومعظم البشر لا يرافقونهن على استعمال القوة في مقاومة القوة ولكن هذا السبات يدل على روح غريبة لا أثر لها في الشرق وكيف تكون حال نساؤنا مرضية وهن راضيات عن تقهقرهن فرحات بجهلهن العاقل لا يطلب لنساء الشرق أن يشاركن الرجال كما هن في الغرب فإن تقاليدنا وأدياننا وعاداتنا لا تنطبق مع هذا ولكن كل ما تتقيد به من قديم لا يحول بين نسائنا وبين التعليم وليت شعري كم مدرسة فتحت لتربية البنات في عهد الدستور في القطر السوري وكم رجل فكر أن يعلم بناته فن تدبير المنزل كما يعلم في الغرب. القشور التي يتلقفها بعض بناتنا في الأمريكان ولفرنسيس والألمان ومدارس الحكومة لا ترقي أمة تشكو الليل والنهار من مجهلها وجاءتها وتخبيئها جميع المصائب من تعشيشه في صدور كبرائها فما بالك بالصغار أن ما يراه السائح في أوروبا من مظاهر تربية المرأة ومضاهاتها الرجال في جلائل الأعمال يبكيه على الشرق ولا سيما الشرق الإسلامي يأتيه

стр. 5768

العبر عن إيمانه وشمائله ولا يعتبر. تسعى إيطاليا اليوم لإعطاء المرأة حقها في التصرف بمالها كما تحب دون أن تكون مقيدة بإرادة زوجها أو وليها كما كانت حتى الآن وفي الشمال حاز بنات نوعهن كل هذه الحقوق وهن يطالبن بحقوقهن السياسية ونحن حتى الساعة لم يفكر نساؤنا ورجالنا في شيء لإنهاض المرأة من كبوتها فما أبعد الفرق بين الجنوب والشمال في تربية الرجال وربات الحجال. وبعد فإنا نشاهد كل آن العجب العجاب في هذه الديار الغربية من مشاركة الرجل للمرأة في أعمال الحياة مشاركة هي على غير الطريقة التي جرى عليها الشرق الأقرب الذي جعل المرأة في منزلة يصح أن يقال أنها أقصى دركات الانحطاط وهيهات أن تنجح أمة نصفها عاطل لا يعمل ولا يفكر ينظر إليه بغير العين التي يجب أن ينظر إليه بها وينزل منازل الجهل والخمول. قلنا أن العاقل لا يطلب لبلادنا أن تكون المرأة فيها كما هي في الغرب فإن هذا أشبه بمريض يحتاج إلى جرعة من الدواء قدر درهم فتعطبه رطلاً وبذلك تقتله لا محالة نعم لا نريد لنسأل الآن أن يكون لهن حق المشاركة في السياسة ولا الاختلاط بالرجال على مثل هذه الحال ولا أن يكن منقطعات إلى العلم والآداب فقط بل تزيد تعليمهن التعليم الابتدائي الراقي الذي يكون محوره ترقيه عواطفهن الدينية والمدنية ليكونوا من المرأة أم تحسن التوفر على تعهد بينها وبيتها وتتدخل السرور على قلب بعلها ومحارمها وأن نقتطع فئة من هؤلاء المتعلمات للتعليم ليتخرج بهن البنات والصبيات على السواء وهن يكن من الدراسات العلوم العالية بالطبع. قرأت الآن في الجورنال مقالة افتتاحية لأحد المشتغلين بالتعليم عند الفرنسيس جاء فيها بمناسبة القانون العسكري الجديد وجعل الخدمة ثلاث سنسن أن فرنسا استاقت ألفاً وستمائة معلم في سن القرعة للخدمة العسكرية وأنها ستستعيض عنهم بالمعلمات علمن الصبيان قال الكاتب أنه ساح في أوقات مختلفة في عدة بلاد كانت فيها المدرسة الابتدائية تقبل الفتيات كما تقبل الفتيان معاً على نحو ما تقبل المدارس العليا الطالبات مع الطلاب فرأى أن ذلك لا يضر بالآداب بل ينفعها فإن الرجال لما كان شأنهم أن يعيشوا مع النساء فمن السخف أن

стр. 5769

يفصل بعضهم عن بعض عشراً وخمس عشرة سنة وأن يعود كل جنس أن يعتبر الجنس الأخر دخيلاً وخطراً فإن التعليم المشترك يغرس في الفتيان الشعور بالرجولية وفي الفتيات حياء بدون أن يكشرن عن أنيابهن. فإنا نجد في البيوت التي يكون للبنات فيها أخوة والأخوة أخوات يحرزن صفات ليست أصلا لغيرهن من الأولاد ونحن لا نريد مدارس مختلطة بل مدارس للصبيان تسلم أزمة التعليم فيها للنساء. المرأة تحب الأولاد وتعرف مراميهم فإن فطرة الأمومة التي تتنبه في الفتاة تحبب إليها الأولاد وتعرفها بهم ويكون الأولاد في الحال على ثقة مع معلمة فتاة كانت أو عجوز في حين أن الشبان المعلمين لا يتيسر لهم أن يحبوا الأولاد وذلك لأن المتزوج رب الأسرة ربما توسع في حبه أولاده فأحب أولاد غيره على ما يوحي إليه العقل ولكن معلما في العشرين لم يتزوج لا يحب الأطفال بل يضربهم ولا يبالي بهم لأنه يعتقد نفسه بأنه أشبه بالمرضعة وأن درجته انحطت فيجب مراعاة مصلحة التعليم والأولاد معاً أن يوسد أمر التعليم في مدارس الأطفال إلى النساء بدون استثناء فإن الطفل الذي يبدو شيطانا أمام معلمه يحاول أن يرضي معلمته كما هو الحال في المقاطعات المتوحشة في غرب الولايات المتحدة فيستبدل بمعلمة كل معلم لا يحسن التصرف مع الأولاد فيعود نظام المدرسة إلى أحسن مما كان. قال إن للمرأة أسرارا في اللطف والصبر والثبات الممزوج بحب وحسن النظر يجهلها حتى المعلم الخبير فما بالك بالمبتدئ بالتعليم. المرأة تعلم وتفهم ألف أمر لا يستطيع الرجل أن يفهمها ولا يحزرها. إنها رزقت جميع أسباب اللطف التي ترافق الإحسان. هذا ما له تعلق بموضوعنا نقلناه فمتى تنشأ لنا مدرسة في كل حاضرة من حواضر بلاد العرب تعلم الفتيات ليكن معلمات للبنات أولا وإن أمكن للصبيان أيضا تتم هذه الأمنية يكتفى اليوم بمتخرجات من مدارس المبشرين أو المدارس الطائفية ويوسد إليهن تعليم البنات والبنين. وما أظن إلا القليلات من المتعلمات في بعض المدن العربية والقليل من المتعلمين يفكرون في هذا المطلب الجليل الذي هو أهم الأدواء القاتلة في جسم مجتمعنا وهيهات أن يحصل على شيء من البرء إلا بتعليم البنين والبنات بل إنه بدون العناية أولا بتعليم البنات لا

стр. 5770

تستقيم لنا مدنية وتكون تعليمها الأمور النافعة بحسب ما تقضي به عاداتنا ومعتقداتنا فينهض المجتمع العربي بإنهاض شان المرأة وبدون ذلك لا أمل لنا بإصلاح بيوتنا. المدنية لا تشفق أحببت أن أخدر أفكاري مؤقتا عن النظر في أخبار بلادي فأخذت أطالع بكثرة صحف هذه الديار ولا سيما باريز منها وأعني عناية خاصة بالحوادث الداخلية مما لا يتيسر للصحافي الشرقي كل حين فأتلو كل يوم مرات أخار القتل والانتحار والاعتداء والفجائع والفظائع بتفاصيلها وكلها تدل على استهانة الغربي بالحياة جريا على ما ورد في المثل العربي احرص على الموت توهب لك الحياة. لا ينكر أن من الحوادث الطارئة هنا ما يسوق إليه اختلال الشعور من الإكثار من الخمور وانحلال العقيدة باليوم الأخر ولكن منها ما يدل على شمم وعزة نفس وتوقع المجد والشهرة. وبينا نجد أن ابن البادية عندنا يقتل عابر سبيل ليذهب ببندقيته أو فرسه أو كيسه أو ثوبه ترى الغربي ينتحر هو وزوجه أو ولده تخلصا من شقاء الحياة أو تفاديا من الوقوع في فضيحة أو لسائق غضب أو غير ذلك من الأسباب ومنها التافه ولكنها كلها تدور على احتقار الغربيين للحياة. قرأت الآن في البيتي جورنال إن العلماء بدؤوا يتحركون بفقد بعض أجناس من الحيوان كادت تضمحل بسوء تدبير الإنسان وظلمه وقسوته وان المجمع العلمي الباريزي قد حصر جلسته الأخيرة في البحث عن أسباب حماية الفيل والكركدن والحوت والطيور التي تكثر في البلاد الحارة وتصاد بلا شفقة ليتزين نساء الغرب بريشها وإذا لم ينظر في طريقة تحفظ بها أنسال هذه الحيوانات تنقرض بعد بضع سنين لا محال فيكون الناس أشبه حالا بحكاية من قتل الدجاجة اعتقادا منه أن في بطنها بيضة ذهب. قال صاحب المقالة: منذ عرف العالم مازال الإنسان يظلم ويطمع في القضاء على الحيوانات ويسيء استعمال الأسباب التي جعلتها الفطرة أمامه فلا جل نفع معجل بل وربما كان لجلب سرور بربري يقتل بدون خشية أنواع من الحيوانات النافعة التي يحدث من فقدها اختلال في ميزانية هذا الوجود هو يقتل الفيل لأن العاج ثمين جدا ويذبح كلب البحر لأن جلده يباع بثمن غال ويصيد الجوارح والطيور لأن ريشها تزدان به رؤوس النساء

стр. 5771

المتبرجات الخ. وبينا أتصفح هذا وأعجب من رقة شعور القائمين بهذا الأمر وعطفهم على الحيوان وخوفهم من انقراضه مخافة ان يحدث منه خلل في ميزانية عالم الكون والفساد إذا بي أرى في الصفحة الثانية أخبارا من فجائع الطيارات وهلاك الطيارين مما يحدث مثله كل بضعة أيام في الغرب لأن مدنيته لا تشفق بل لا تقوم إلا ببذل بعضهم أرواحهم في سبيل إعلاء كلمة العلم. كان بعض رجال الرحلات من الغربيين منذ قرون يهلكون في الصحاري والقفار أو في القطبين وتجشم أخطار وبحار أما اليوم فبعد ان اكتشفوا العالم الأرضي أصبحوا يريدون ان يكتشفوا العالم السماوي كانوا بالأمس يعملون في البسيطة وهم اليوم يريدون ان يسخروا الجو وما ندري غدا ماذا يخبئ العلم والاختراع من بدائع المستحدثات التي تباع في تحقيقها الأرواح بيع السماح. كنا بالأمس تقول إذا تلون سياحة احد أرباب الرحلات من الغربيين ان كاتب الرحلة في حلم يملي من عالم الخيال ليري انه لقي أهوالا في سفره ويشتهر بين جيله وقبيلة ونرجح ان معظمها أشبه بقصة السندباد البحري وحكاية ألف ليلة وليلة بيد ان ما نقراه اليوم بل نشاهده عيانا من أخبار الطيارين في أخبار السماء كاد يدعونا إلى تحسين الظن بأكثر ما أورده أرباب الرحلات وأن هذه المدنية التي نتمتع بها أن هي إلا ثمرة الاستهانة بالحياة في سبيل الأغراض الشريفة. مدنية الغرب تقتل الحيوان لفائدة الإنسان بل تقتل الإنسان لفائدة الإنسان وهذه التجارب التي خص الغربي بطول الروح عليها هي التي نشأت منها أكثر الاختراعات والاكتشافات الماثلة حسناتها للبشر اليوم منادية للأمم التي قام أبناؤها بشيء من هذه الأعمال حرية بان تنال ذروة المجد لأن من سخر قوة الطبيعة الصعبة لمنفعته لا يعثر عليه ان يسخر الإنسان للإنسان. مدنية الغرب لا ترحم أحدا ومتى رحم من لا يرحم نفسه. والغرب لا يحزن لفقد ألف أو ألوف من أبنائه قذفا من الجو وهم يطيرون لأنه موقن بان هذه التجارب في النتيجة عن خير بهذا المضمون فمتى نرى أناسا من الشرقيين ينهجون هذا المنهج ويقلدون الغرب في

стр. 5772

صالح أعماله فان مما يخجل الشرق من ان يعمل الغرب كل هذه الأعمال المدهشة وهو نائم باهت وان يقتل الشرقي إخاء في غرض تافه ولا يقتل نفسه في تحقيق عمل مجيد ومجد مؤثل: وبعض خلائق الأقوام داء ... كداء البعض البطن ليس له دواء يريد المرء أن يعطي مناه ... ويأبى الله إلا ما يشاء وكل شديدة نزلت بقوم ... سيأتي بعد شدتها رخاء ولا يعطى الحريص غنى لحرص ... وقد ينمى على الجود الثراء وبعض الداء ملتمس شفاه ... وداء النوك ليس له دواء تكريم الرجال عرف الغربيون حسن الانتفاع من كل شيء فصاروا إلى زمن من هم في العالم كل شيء لا قول إلا قولهم ولا مدنية إلا مدنيتهم التي هي خلاصة مدنيات العالم بأسره فيها اندمجت مدنية رومية وأثينة وبابل وأشور ومصر وفينيقية والأندلس وبغداد وفارس أن هذه المدنية التي تتمثل لنا كل يوم في صور شتى قامت بعقول الرجال وأعمال الأبطال ولذلك كان الحري بالتبجيل مصدر هذا الفضل والمعول الذي كان عليه المعوّل في نبث المدفون واختراع المعدوم. يكرم الغربيون رجالهم حتى ليخال الشرقي أنهم على شيء من المبالغة وأكثر الأمم ايغالاً في ذلك الفرنسيس على ما رأيت فان رجالهم لقوا من التكريم والتنويه مالا يكاد يراه أمثالهم في الأمم الغربية نفسها. وأن المرء ليعجب كل العجب من تغنيهم حتى اليوم بجان دارك إحدى فتيات القرون الوسطى التي برزت الرجال بشجاعتها ودافعت عن وطنها أمام جيوش الفاتحين من الانكليز وإلى اليوم هي المهماز الأعظم لفتيات فرنسا لشبانها تقام باسمها المعابد وتسمى الشوارع وتنصب التماثيل وتؤلف القصص التمثيلية وغيرها في وصف سيرتها. ولا بدع فإن الفرنسيس كما قال برزباين - أشهر رجال الصحافة الأميركية - ورثوا عن اليونان والرومان نبوغاً كانوا به أدلة وموحين بالأفكار للعالم منذ عهد شارلمان فقد كانوا الأولين في الحركة العقلية السابقين في شجاعة القلب وشجاعة الفكر المجلين في فن

стр. 5773

الحرب وفن الهندسة وفن الجرأة الطبيعية الخارقة في إنشاء السيارات والطيارات وفي عامة الأعمال التي تحتاج إلى عقول لا تخاف وتطلب إقداما عليها لساعتها. قرأت أمس في الماتين مقالة جاء فيها الفرنسويين يتأهبون للاحتفال بعيد مرور مئة سنة على موت بارمانتيه يوم (١٣ كانون الأول ١٩١٣) وربما يقل في قراء العربية من يعرفون هذا الرجل ويودون الاطلاع على طرف من ترجمه حياته ليذكنوا على الأقل من هو الذي يعاد ذكره بعد أن نصبت له التمايل وصيغة باسمه الصفائح التذكارية وأنشأت الجواد الشوارع بل أنشئت قرية باسمه في الجزائر. بارمانتيه هو مخترع البطاطا في فرنسا أو مدخلها إليها على صورة عم استعمالها جميع طبقات الناس فخدمتهم في اقتصادهم وبيوتهم وتغذيتهم مدة القرن الماضي كان هذا الرجل من أبناء العامة سافر من ببلده مونتيديه إلى باريز ليسابق في وظيفة صيدلة في الجيش فقبل وأرسل مرات إلى ساحات القتال ومنذ سنة ١٧٩٣ حتى يوم وفاته كان يتولى أعظم الوظائف الصحية العسكرية مثل عضو في مجلس الصحة ومفتش عام وصيدلي أول في الجيش الفرنسوي وفي خلال حرب السبع سنين أخذ أسيراً وفي أسره تسنى له أن يدرك ما في البطاطا من المواد المغذية وكانت في معظم الأوقات الغذاء الوحيد له ولا صحابة الأسرى. حملت البطاطا من أمريكا إلى أوروبا من سنة ١٥٨٠ إلى ١٥٨٥ نقلها الأسبانيون لولا ثم الانكليز من فرجينيا وكانت غير معروفة كثيراً في فرنسا وينظر إليها في الجملة نظرة ازدراء وما زال بارمانتيه منذ استقرار مرة في صيدلية الانفاليد بباريز يكرر في منثورات منوعة فوائدها ويدفع اعتراض المعترضين بشدة لأنهم كانوا يحملون عليه حملات منكرة قائلاً أن رأي الناس في البطاطا أنها غير صالحة لغذاء الإنسان ساقط لا يؤديه له وكذلك دعوهم أنها تضعف الجسم وتحوي الأخطار وعلى العكس فهي لذة الأغنياء ومعوان للفقراء وسلوى في الشدائد. وكان هذا المحسن مدفوعاً إلى ذلك بالعامل الذي وضعه بقوله: لا يكفي من أراد أن يكون نافعاً لأبناء جنسه أن يقول لهم مرة واحدة ما رآه وما عمله وما يجب أن يعمل بل يجب عليه أن لا يمل من تكرار دعوته على صور مختلفة وطرق منوعة اللهم إلا القوة فإنها لا

стр. 5774

تستحب ولا تنفع العلوم إلا إذا عمت الطبقات كلها هكذا كان شأن بارمانتيه حتى انتشرت البطاطا بفضل مساعيه المتواصلة وأصبحت تزرع في أرض تبلغ مساحتها مليوناً وستمائة ألف هكتار في وطنه. ولم يقتصر بارمانتيه على الدعوة إلى البطاطا وتحبيها إلى الناس بل كان له أثر محمود في الخبز والخبازة ودرس الأغذية الرئيسية عند هذه الأمة وله العمل المهم في تنظيم المستشفيات الثابتة والنقالة العسكرية والمدنية إلى غير ذلك من أعماله في تمشيط الأشغال العلمية والصحية والزراعية والصناعات الوطنية ونشر التطعيم وطبخ الأحسية الاقتصادية هذا إلى جمعيات البيطرة والإحسان والمأوي التي كان عضواً فيها أو مديراً لأعمالها مباشرة بحيث كان كما قال فيه أحد واصفيه السابق إلى كل مكان يمكن العمل فيه كثيراً وأن يخدم بدون عوض ويجتمع لعمل الخير ويتأتى لمن يدعوه أن يكون على ثقة من أنه بإشراكه بارمانيتيه في العمل يتسلط إلى وقته وقلمه وعلى ماله عند الاقتضاء. هذا هو عمل الرجل وربما يتساءل القارئ وكيف وجد من قلبه متسعاً للقيام بهذه الأعمال التي تحتاج إلى بضعة رجال والجواب بارمانتيه كان يصحو باكراً ويجلس إلى منضده عمله في الساعة الثالثة بعد نصف الليل صباحاً قالت (الماتين) وما أحق مدارسنا الابتدائية أن تتخذ من هذا للوالدين والشعب مثالا يبعث الهمم على العمل فإنه قد خرج من مسقط رأسه مستخدما صغيراً في الصيدلة لا سند له ولا مال بل ولا تعليم إلا التافه القليل وتمكن بعمله المتواصل من بلوغ المناصب العالية وجلس في الصف الأول بين المحسنين إلى الإنسانية. أبعد هذا نلوم الفرنسيس إذ غالوا بحمد رجالهم وهل نشأ لنا نحن يا ترى معشر العرب نصف رجل مثل بارمانتية منذ بضعة قرون وكان بسيرته وعمله حرياً بأن نحتفل به ونذكره بكل شفة ولسان ونخلد اسمه في سجلات الأزمان. صناعة الفنادق لعل بعضهم يعترض على هذا العنوان فيقول وهل أصبحت الفنادق والإنزال صناعة حتى تحدثنا بها ولكن من رأى الفنادق في الغرب ولا سيما في البلاد التي بكثير إليها اختلاف السياح كفرنسا وإيطاليا وسويسرا مثلا يهون عليه ان يتصور معنى الفنادق فيرى قصوراً

стр. 5775

شاهقة ذات حدائق غناء مجهزة بأجهزة قصور الملوك أو أكثر وفيها من التحف والألطاف وبدائع الصناعات ما يلفت عقل البليد دع الحساس الذكي. صناعة الفنادق لا لتمثل حق التمثل إلا لعين من كثرت سياحته إلى الأقطار المختلفة وهناك يدرك خطرها كما يدرك قدر الصحف فيرى إدارة كل نزل أشبه بديوان كبير من دواوين الدول أو مصرف عظيم أو جريدة منتشرة وإتقان تلك الصناعة متوقف على العلم الحديث فكلما تأمل في الشرق والغرب وكثرة الترف والنعيم زاد رواءً واتقاناً. إن ما تراه في مصر والشام من إتقان بعض الفنادق أن هو إلا جزء مما أوجده العلم في القارة الأوروبية والأمريكية وفي مقدمة الأمم التي استفادت من فنادقها وأحسنت القيام عليها الأمة السويسرية حتى سمى بعض الفرنسيس أهل سويسرا الفندقيين تحقيراً لهم مع أن هذه الصناعة كغيرها مما لا يثلم الشرف ولا بعبث بالمروءة شريفة في ذاتها ولا يعد التوفر عليها سبة وعاراً. وكفى السويسريين بأن أهم الفنادق في ايطاليا وغيرها هي بأيديهم يديرونها ولا يفوقهم أحد في هذا الشأن. ليس الفندق أو النزل الحديث كما يتخيل بعضهم عبارة عن خان من الخانات متقن بعض الشيء فإنه قد يوجد في الفنادق الحديثة من أسباب الرفاهية والنعيم مالا يوجد مثله في قصور العظماء الفندق الحديث هو معهد مؤلف من عدة أمور يحتاج حسن سيرها إلى عناية وملاحظة خذ لك فندقاً متوسط الكبر تجد فيه بحسب طبقته ومساحته أعمال الكهربائية مراجل ودينامو وآلات التدفئة والتهوية وأدوات لاستخراج الجليد وحجر مبردة وأفران للخبز والحلويات وآلات للتصعيد ومطبعة ومكتباً للبريد والبرق واصطبلات ومحال لحفظ المركبات والسيارات وأقبية وقد يساوي ما يحويه الفندق من المواد مئات الألوف من الفرنكات تكفي النزل الشهرين والثلاثة ومعملا للتصليح محمل نجارة وحدادة إلى آخر ما هنالك مما لا مقابل له بالعربية للتعبير عنه. وللفندق خدام يقومون على غاباته وحدائقه ومنتزهاته وطرقاته وسواق تامة أدواتهم لنق الأمتعة والأثقال منه واليه على الخيل والسيارات ورجال إدارته أكثر من رجال الوزارة فمنهم المستقبلون والقائمون على إعطاء التعليمات لمن يطلبها ومنهم العارفون بالسكك الحديدية وآخرون للمحاسبة وبعضهم للضجة وغير ذلك.

стр. 5776

فالفندق مستعمرة صغيرة ينقسم أقساما قد يختلف عدد القائمين بأعماله من ١٠٠ إلى ٣٥٠ شخصاً. ومدير الفندق سواء كان مالكه أو مديره مسئول عن كل ما فيه مديره ويعنى به ويمونه ويلاحظه ويسأل عن كل غلط يأتيه رجاله العاملون بإشارته أو النازلون عنده والقانون يسأله وحده فقط عن كل ما يحدث. ولذا لا يكون صاحب الفندق ق في العبر رجلا عاديا يكتفي منه أن يكون حسن البذة عارفا بالقراءة والكتابة والحساب بشوشا مؤنسا بل هو رجل متعلم من الدرجة الأولى يحسن إدراك ألوف من التفاصيل في إدارة تحتوي غرائب معقدة بحيث يكون أهلا لان يتصرف في الحوادث اليومية التي قد تقع اضطرارا في عمل يحوي في حملته أعمالا صناعية وتجارية مختلفة وليست الأدوات التي يقوم بها الفندق ميكانيكية بل عقلية قد تتعارض فلا بدع إذا طلب هنا من صاحب الفندق أن يكون مهندساً نقاشاً سياسياً تاجراً بل طبيباً للأرواح والأشباح. عرفت الأمم المتمدنة مكانة هذه الصناعة فجعلت لها المكان الأول في حياتها الاقتصادية والتجارية والصناعية وفتحت المدارس لتعلمها كما فتحت مدارس لتدبير المنزل الذي تتوقف عليه حياة البيوت وسعادتها وغبطتها ولقد كانت النفس تحدثني وأنا أشهد من لذاذة الحياة في فنادق الغرب ومساكنه (بانسيون) وحذاقة طهاتها ونظافة خدامها وخادماتها من لي بأن يأتي أناس من الطبقة المستنيرة المثرية من أبناء بلادي ليروا شاهداً عيانياً محسوساً على ترقي الغرب وتدني الشرق ويفاضلوا إذا رجعوا إلى أهلهم بين حالنا وحال غيرنا وينقل بعض ما يمكن نقله من أسباب النظافة وحسن تحضير المأكل وتنويعها وجمال السرر وبساطتها والغرف وفرشها والمقاعد والخزائن والمغاسل والحمامات وأماكن الاطمئنان وغير ذلك من أساليب الراحة والنعيم الذي لم يظفر يبعضه أغنى الأغنياء فينا اللهم إلا بعض عقلاء الكبراء في الحواضر الكبرى وخصوصا في مصر. ولكم كنت اشتهي أن يأتي بضعة شبان ممن سبق لهم الخدمة أو النظر في فنادق مصر والشام واختلطوا بالإفرنج وعرفوا خصائصهم وتأنقهم في مطعمهم ومنامهم وملبسهم أن يقضوا ولو أشهرا في الفنادق الكبرى ويحضرون ولو سنة دروس مدروسة الفنادق وتدبير المنزل في سويسرا وأظن أن من يفتح فندقاً ويحسن النظر فيه بحيث يضاهي به أو يكاد

стр. 5777

فنادق الغرب المتوسطة ينفع نفسه وأمته في اقتصادياتها أكثر من ألف موظف في الحكومة متوسط المعارف لا يهمه إلا رضا من سبقه في الدرجة وانتظار آخر الشهر لقبض الراتب. سوريا بمناخها تشبه سويسرا ولكن هذه تأخذ في السنة من المصطافين والمشتين فيها قناطير مقنطرة من الذهب وذلك لأنها عرفت من أين تؤكل الكتف في خدمة الناس وتوفير أسباب الهناء والصفاء لهم بحيث يتأتى للمرء أن يكون في الفندق سعيداُ كما هو في بيته وزيادة وأن أتاهم بعضهم الدماشقة بأنهم لا يفكرون في غير إلا كل والنوم وان هذه العادة غالبة عليهم ولكن يشفع في ذلك حالة الغرب واهتمامه في هذه الشؤون الحيوية أيضا وأن يكن الفرق بيننا وبين غيرنا أننا نذكر التفكر في ذلك وهم يجعلون له وقتا لا يبحثون فيه بغيره والسلام. رجال الكثلكة يجدر بنا ونحن في مهد انتشار الدين المسيحي وكل ساعة يقع نظرنا على قساوته ورهبانه ونرى بيعه ونسمع أجراسه أن نحدث قومنا بعمل هؤلاء الرجال وتفانيهم في واجبهم. من يمر في شوارع رومية يجد الرهبان والقسوس سائرين زمراً زمراً ويجدهم على الجملة يحلقون شواربهم ولحاهم ويلبسون لباسا اسود في الاكثر على عاداتهم في الشرق ويختلف هذا اللباس فالألمان والمجربون منهم يلبسون أردية حمراء فقط والفرنسيس والانكليز يلبسونها سودا والايكوسيون سودا مع زنانير زرقاء وياقات سوداء والبلجيكيون يلبسون سواداً فيه شيء من الحمرة والبولونيون يكتسون السواد وغيارا اخضر البوهميون سواداً وغياراً ممزوجاً بزرقة فاتحة واليونان الروتنيون يلبسون زرقة وزنانير حمراء مبقعة بزرقة وقسوس أميركا الجنوبية يلبسون الأسود مع غيار ازرق وبطانة زرقاء الأميركان يلبسون لباساً أسود واسع الأكمام والأردان غياراً أحمر وأعضاء الدعوة إلى الدين يلبسون أردية سوداء مع غيار وبطانة هما إلى الحمرة. هذا هو الشكل الظاهر في طلاب المدارس الاكليريكية الذين يأتون من أنحاء العالم الكاثوليكي ليدرسوا ويتخرجوا بآداب دينهم ثم يعودوا إلى بلادهم أو غيرها يعلمون ويرشدون. وهم قسمان قسم القسوس وهؤلاء يتعلمون في مدارسهم وبعد الدرس يذهبون إلى منازلهم وقد يعيش بعضهم بين أهله وذوي قرباء فمن هؤلاء لا يطلب إلا أن يسيروا

стр. 5778

بموجب القواعد المقررة وهم أحرار فيما عدا ذلك أما الرهبان فدائرتهم أضيق لأنهم يعيشون في مدرسة واحدة مع أقرانهم ويطعمون طعاماً واحدا ويكون في الاكثر طعام تقشف ولا يخرجون إلا برخصة أي أن هؤلاء مقيدون كثيراً ولا قيد صغار الطلبة في المدارس الداخلية. والرهبنات أقسام منها الفرنسيسكانيون والدومنيكيون واليسوعيون واللعازريون وغيرهم ولهم أنظمة وقوانين مشوا عليها منذ قرون وأفادوا النصرانية بنشرها في البلاد التي لم تدخلها ولا سيما في الصين والهند واليابان وأواسط أفريقية وغيرها من البلاد النائية. وكان لليسوعيين يد طولى في هذا الشأن وهم بين الرهبان والقسوس أي أنهم يترفهون ويأكلون ما يشاؤن لكنهم يأوون إلى بيت خاص خلافاً للرهبان الذين يأكلون أكلاً معيناً وخلافاً للقساوسة الذين يأوون إلى بيوتهم واليسوعيون بجند منظمون على نظام غريب لم يختل على كثرة ما نالهم من اضطهاد الحكومات في الأزمان السالفة. قال الأمير بورغزه في كتابه ايطاليا الحديثة: إن تأسيس طغمة اليسوعيين المشهورة هو من غرائب النظام الحقيقي فتراها جمعية مؤلفة من عناصر مختارة تخضع على الدوام لأداة الرئيس مباشرة والداخل فيها يربى على الطاعة بالتدريج والخروج المطلق عن شخصيته وإرادته. ويتراءى للناظر في نظامهم أن واضعه جندي فإن كل شيء فيه يشعر بالنظام. وقال أن نظام هذه الرهبنة ربما جرى في وضعه أغناس لويولا مؤسس اليسوعية على قواعد بعض الجمعيات الإسلامية التي كانت مشهورة في الأندلس فبنى نظام رهبنته على طاعة لا نهاية لها فتوصل بهذه الصورة أن يؤلف جيشاً يتصرف به رؤساؤه تصرفاً مطلقاً وتفنى إرادة صغيرهم في كبيرهم. ولمعظم الرهبان والقسوس أعمال علمية وغيرها يتعاطونها ويبرزون فيها فإذا انقطعوا للتدريس تخرج بهم طلاب كانوا صورة صحيحة منهم وإذا أخذوا بالتأليف قد يعدون من كبار المؤلفين ولذا ترى الناس في ايطاليا وفي غيرها كثيراً ما يفضلون أن يربى أولادهم على أيدي القسوس وإن كان آباؤهم ملاحدة مارقين من دينهم. ترى الرهبان إذا أخذوا بالزراعة والصناعة بما سبقوا من تخرجوا فيها أعمارهم والحكومة هنا قد جعلت رواتب لقسوس الطليان كما عينت راتباً للحبر الأعظم منذ يوم أخذت حكومة

стр. 5779

الوحدة الايطالية أزمة الأمر بيدها واستولت على أموال الرهبنات وكنائسهم وأوقافهم سنة ١٨٧٠ لأن جميع مرافق البلاد المهمة كانت بأيديهم إذ ذاك فغيرت بعض المعاهد وجعلت بعضها مدارس ومتاحف ودواوين حكومة وثكناً للجند وغير ذلك وحظرت على أي جمعية دينية امتلاك ملك إلا أن لرئيس الجمعية أن يملك ما يشاء وقد عادت الملة النصرانية فأخذت تدر المال على رجال الدين بعد الوحدة الجديدة ولذا تراهم يعيشون عيشاً حسناً وأديارهم وكنائسهم منظمة وإرادتهم دارة نامية والفضل في ذلك يرجع إلى المتدينين من أغنياء الكاثوليك في العالم. قلنا أن الحكومة الايطالية عينت منذ زهاء أربعي سنة راتباً لإمام الأحبار ولكنه لم يقبله بعد أن رعت منه السلطة الزمنية وكانت بيده هي والسلطة الروحية بيد أن الحكومة وضعت المبلغ تحت أمره في المصارف وفي كل خمس سنين ترفع منه الفائدة فقط وتبقي رأس المال بحاله الذي يزيد كل سنة حتى بلغ فيما بلغني ١٨٠ مليون فرنك وحضرة البابا لا يريد أن يتناوله وهكذا عف هو وأسلافه وسيتعفف أخلافه عن أخذ مال ممن يرونهم غاصبين حقهم معتمدين على سلطتهم. إن انشقاق ألمانيا وانكلترا وغيرهما عن الكنيسة الكاثوليكية بقيام أمثال جان هوس وكلفن ولو ثيروس في أوائل القرون الحديثة وتلك الأزمة التي دخل فيها المقام البابوي إذ ذاك لم تؤثر كثيراً في سلطته على الأرواح والأشباح وكذلك تغلب الحكومة الزمنية في إيطاليا على جيش البابا يؤثر كثيراً فبقي مقام حضرته مقدساً وكذالك الكرادلة والأساقفة والقس والرهبان وذلك لأن عمل هؤلاء الرجال قائم على أنظمة وقواعد معينة لا تغيرها الطوارئ والرزايا ولأن هذه السلاسل في مراتب الكهنوت لا يصل إليها المريد إلا بالتعلم والتهذيب على الأصول المتبعة وكل ما جعلت التربية والتعلم أساسه يثبت وبعم أثره ويوفق الناهضون به. ولقد لاحظنا أن الفتن الدينية التي أثارها التعصب الديني في القرون الوسطى كانت في ايطاليا أقل مما هي في فرنسا واسبانية حتى أن الإسرائيليين في اسبانية لما ذاقوا العذاب الأليم جلوا عن بلادهم فكان من إيطاليا أن قبلتهم وهذا ناشئ من لين أخلاق الشعب هنا ويرجح أن كل ما وقع من الاضطهادات لم يكن مما وقف الرؤساء على حقيقته ولو رجعنا

стр. 5780

إلى تراجم أكثر عظماء هذه الملة من باباوات وكرادلة ورؤساء أساقفة لوجدنا كثيرين منهم خدموا المدينة والآداب خدمة تذكر فتشكر كانوا كذلك يوم كانوا ملوكاً زمنيين وروحيين ويوم أمسوا روحيين فقط حدثنا التاريخ أن الباباليون العاشر في القرن الثالث عشر للميلاد وهم من أسرة ميديسيس المفضلة على العلم قد وسع نطاق الآداب وبث كلمة العلم حتى عد قرنه القرن الذهبي وكان يبسط جناح حمايته للمصورين والنقاشين والمهندسين والأدباء ويفضل عليهم بالطبع أن من يأتي بعده في الدرجة يحاول أن يقلده في محامده. والله أعلم. العرب والطليان وصل العرب إلى بلاد الأمة التي هي وارثة الرومان منذ القدم أوائل عهد فتح افريقية وما برح العرب يطمعون في فتح جزيرة صقلية لقربها من الشاطئ المقابل لأفريقية حتى تم لأسد بن الفرات فتحها سنة ٢١٢هـ -. قال المؤرخون كان ابتداء حصار بلرم عاصمة صقلية في جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين ومائتين ودام إلى شهر رجب سنة عشرين ومائتين وفتحي بالأمان وفي سنة خمس وعشرين ومائتين أستأمنت قلاع كثيرة من قلاع جزيرة صقلية منها حرصه وقلعة البلوط واللاطنوا وقلعة ماروب ومرنا وغير ذلك. وهذه القلاع ما زال بعضها إلى اليوم أسماء مدن تبدأ بلفظة قلتا أي قلعة فيقولون جيرونة زقلتا بلونة وقلتا لستا وكلها من تلك الحصون والقلاع بقيت أسماؤها كما بقيت أسماء كثيرة عربية في لغة سكان هذه الجزيرة فيقولون مثلاً منديللو للمنديل وغير ذلك مما يشهد بأن العرب حكموا هذه الجزيرة قرنين ونصفاً وأثرت في أهل مدينتهم ولسانهم وعاداتهم كما هي عاداتهم في كل ما ملكوه. راجت حضارة العرب زمناً في صقلية ومنها تسربت إلى البلاد المجاورة فكان يرشح منها شيء كثير إلى الأقرب فالأقرب من البلاد ولعل تلك الحضارة راجت أيضاً في جزيرة قورسقة وأهلاه يتكلمون الايطالية أيضاً وهم اليوم تحت حكم فرنسا وملك العرب جزائر ميورقة ومنورقة المعروفة بجزائر البالايار ويابسة وكانوا يغزون شطوط اسبانية وفرنسا ولا عجب بعد ذلك إذا دخلت كلمات عربية كثيرة في لغات الفرنسيس والطليان والاسبان والبرتغال. ومن يعلم أن تلك الجزائر مما ارتفع عليه علم الإسلام وأن أقريطش (كريت) وقبرص
следующие страницы →