Полный текст (6 802 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.
стр. 5986
جنيف أما اليوم فلم تنشأ لهم مثل تلك الطبقة بل ينشأ لهم أهل عمل أقرب إلى الحقائق متشبعين بالحق عارفين المداخل والمخارج فخلف رجال الأعمال رجال الخيال.
امتاز السويسريون بالصناعات فاستفادوا من ذلك فوائد جمة في بلاد شحيحة بخيراتها صبعة المراس بطبيعتها الاقتصار على الزراعة فيها لا تسير به الحركة الاقتصادية على محورها. فليس فيها فحم حجري ولا معادن للصناعة ولا شواطئ بحرية ولا أنهار عظمى للتجارة فيها عقاب من جبال صعبة المرتقى أقيمت على التخوم في الجنوب والشرق والشمال وربعها غير صالح للزراعة لأنه مألف الثلوج والجليد طول السنة أو صخور لا ترتقي وتربة قاحلة وثلثيها صالح للغابات والشتاء يطول ويشتد في بعض مقاطعاتها ويغمرها بالثلوج برمتها وبحيرات هي كالخال في عنق ذات الجمال والدلال ولكن الإنسان العاقل يغلب الطبيعة أو يعرف كيف يستخدمها. فإن تلك الحواجز الجبلية قد خرقتها السك الحديدية بحيث أن سويسرا بعد أن كانت تحول دون الاتصال بين فرنسا والنمسا وبين إيطاليا وألمانيا أصبحت الصلة اللازمة بينها فشق القطار جميع الأصقاع وتسلل بخطوطه المنوعة حتى الأصقاع البعيدة عن التركيب الاجتماعي يحمل إليها مائية الحياة الاقتصادية ورشاشة من بحر المدينة واستعاضت سويسرا عن الفحم الحجري الأسود بما عندها من الفحم الأبيض وأحسنت ضبط المياه فدورت بها المعامل والمواد الأولية تجلب من الخارج ولكنها تعود بأرباح فائقة فإن ثلاثة أرباع صادراتها هي من حاصلات بدلت فيها اليد السويسرية وغيرت مثل القطن والحرير والشكولاتا وأنوع المطرزات والساعات.
أحسنوا هنا استخدام جميع أنواع التربة الصالحة للزراعة على أحدث الطرق الزراعية المنوعة فوفرت كرومها ومراعيها وكثرت فيها تربية البقر بما يلحقه من اللبن الزبدة والجبن حتى أن بعض مقاطعاتها الشرقية تبلغ حاصلاتها ٨٠في المئة من البقر وما يشتق منه والثلوج والجمد والصخور والشقيف وكانت من المعونات على الاستكثار من إقامة الفنادق والإنزال ليأوي إليها السياح الذين ملوا من رؤية الحضارة ويريدون أن يرجعوا شهراً أو شهرين إلى الطبيعة فليس في سويسرا حيوانها وجمادها وإنسانها شيء لم يحسن استخدامه ويجر في سبيله.
السويسريون عمليون في حياتهم الخاصة وهم كذلك في حياتهم العامة فلا تجد في الممالك
стр. 5987
مكاتب أشغال تنظر إلى الجواهر لا إلى العرض مثل مكاتبهم ولا إدارات أقل تشبثاً بالأعمال القرطاسية من إداراتهم. فهم في هذا الباب يصلحون أساتذة للفرنسيس والطليان والألمان. دخلت كثيراً من المصارف والبيوت المالية في مصر والشام وباريز ورومية فلم أشهد لمصارف سويسرا تلك الدهشة في مصارف الشرق والغرب على الغالب.
وهكذا هم في كل أعمالهم الاشتراكية الاجتماعية. ومن أغرب ما يسمع أن مدينة بال ارتأت أن تستوفي الضرائب من الآهلين في بطاقات بريدية قتم هذا العمل في أسرع من يمكن ولم ينتظر المكلف في شباك البريد أكثر من عشر دقائث فاحتذى هذا المثال كثير من المدن السويسرية تخفيفاً من أجور الجباة وتيسيراً على الناس.
اختار السويسريون السهولة حتى في أصول التعليم في مدارسهم فلا يخرجون اليوم من ست كليات راقية لهم سوى رجال أعمال لا رجال آمال وخيال. يخرجون رجل الغد على ما ينبغي له في جهاد الحياة فيتخرج من مدارسهم قليل من العلماء والأدباء وكثير من الزراع ولاتجار والعاملين. يعملون أموراً تنفع الطالب في الحال ويلقنونه العمليات وحب الأعمال المنتجة. يرى السويسيون الآن في الأمة كثيراً من المخترعين المتوسطين والمتفنين الجائعين والكتاب الذين لا قرائح لهم وكلهم لا فائدة منهم ولكن البقال والصانع وموظف السكة الحديدية وإن كان متوسطاً أفيد للحياة الاجتماعية من شاعر شقي لا ينتفع به في شيء.
ولذلك ترى الكليات تطبق علومها على حسب أقطارها فكلية بال مثلاً يتفنن أساتذتها في تعليم الطلاب حسن استخدام الألوان في كل أبحاثهم الكيماوية لأن البلاد صناعية ولكليتي زوريخ وفريبورغ فرعان تجاريان. ولكل فروع التعليم مقام محمود التعليم الصناعي في سويسرا يوافق ضروريات الحياة والمصالح في كل مقاطعة. فالمدارس الزراعية منوعة وهي مرتبطة بالمديريات مثل المعارف العمومية ولكن حكومة الاتحاد السويسري تمنحها إعانات كثيرة تقوم بحاجتها وفي سويسرا مدارس نظرية وعملية زراعية ومدارس زراعية للشتاء ومدارس لتربية الكرمة ومدارس لاستدرار الألبان وغير ذلك وفيها كثير من المدارس التجارية للمديريات أو البلديات وتقيم شركة التجارة السويسرية كثيراً من الدروس التجارية ولكثير من المدارس الوسطى فروع تجارية هذا عدا المدارس الخاصة مثل
стр. 5988
مدارس الساعات ومدارس التطريز ومدارس الفنادق ومدارس تدبير المنزل.
بين تلك الجبال الصعبة الخطرة رسولة الشتاء الطويل التي لا يستطيع فيها المرء بمفرده أن يعمل ما يقاوم الطبيعة التي لا تشفق أحس السويسري بضرورة التضامن وشعر بالحاجة إلى التساند والعمل يداً واحدة ترتيب الجهاد على ما يجب. الجبلي قاس وفطري وهو كريم المثوى وأقراء الضعيف سنة قديمة عند السويسريين كما هي عند الأيكوميين في إنكلترا أو العرب في بلادهم ولا تزال هذه السنة إلى اليوم كما كانت أمس ولكن الأجيال الجديدة مالت إلى الحقائق أكثر من أجدادها فاخترعوا من الضيافة صناعة وهي صناعة الفنادق والإنزال.
وربما يبلغ التضامن عند أمة ما بلغه عند السويسريين فإن حركة جمعيات التعاون والشركات والنقابات أكبر دليل على رسوخ عادة الاجتماع في عقول السويسريين منذ أحقاب. فالنقابات الصناعية استعادت تقاليد الأخويات القديمة حتى أصبح المستخدمون والتجار والصناع والزراع في سويسرا مربوطين بنقابات لا ليكون من أثرها ضرر على المجموع من مثل الاعتصابات والإضراب عن العمل بل ليكون منها عموم النفع. والشركات المحلية متحدة كل مديرية بمديريتها ثم ترتبط مديرات البلاد كلها وهذا في جماعات العملة والمعلمين. وأصحاب الفنادق بل القهاوي متحدة بعضها مع بعض. وما الحكومة السويسرية إذا نظرنا إليها من حيث المجموع إلا اتحاد واسع من النقابات السياسية لا تزال يقابل الملك المشترك الذي كان معروفاً في القرون الوسطى في الغرب ولم يبرح معروفاًُ بعضه في الشرق قائمة على أتمها ولا سيما في الأصقاع التي بقيت على فطرتها فإن السكان إلى الآن في وادي أنيفرس يحلبون الأبقار بالاشتراك ولك الحق على نسبة ملكه في حصته من اللبن والزبدة والجبن ولم ترتفع من ذلك خلال عشرين سنة سوى شكويين. وكثيراً ما تكون بقرة أو بغل أو بيت مشاعاً بين عدة مالكين وكثير من المراعي الجبلية هي أملاك بعض رؤساء الأسر وفي كل قرية تملك الأسرة بيتاً خاصاً أو مشاعاً بين أهلها.
وصناعة الجبن في أكثر بلاد سويسرا على أيدي شركات مرتبطة بجماعات المستخرجين للجبن وفي مقاطعة الفالي حيث تقل المياه تروي البلاد بأقنية جلبت مياهها من بعيد على
стр. 5989
مسافة ٤٨كيلو متراً وكل قناة عملت وأديرت على يد جماعة من أرباب الأملاك ينتخب رئيس شركتها أصحاب الأراضي التي هي آخذة بالتقسيم والتجزئة.
وبعد فإذا كان الشعور بالتضامن العملي والنظري هو على أتمه في سويسرا فإن الفكر الوطني والنظام الاختياري والضمير الإفرادي المشاهد في أخلاق الوطني السويسري جدير بالإعجاب من كل وجه. فالسويسري يعرف واجبه نحو المجتمع والحكومة ويخالف في ذلك الشعوب اللاتينية التي تحب الخلاف بفطرتها والشعب الألماني الذي يخنع للسلطة إدارية وعسكرية على صورة غريبة وذلك بإطاعته الرؤساء طاعة عمياء والخضوع لأوامر الإمبراطور ولكن الوطني السويسري يخضع لنفسه ويرضى بنظام ارتضاه بحريته. والفكر الوطني في سويسرا الألمانية أشد منه في سويسرا الفرنساوية هي مديريات نوشاتل وفريبورغ وجنيف ولوزان وسويسرا الإيطالية مقاطعتها التسين والغريزون وما عدا هذه الست مديريات أي الأربع عشرة مديرية فهي ألمانية.
السويسري الألماني خصوصاً لا يستنكف من أن يشكو كل من يخالف الأمر والنظام لأن لكل شاك الحق بنصف الغرامة وقليل جداً من يشتكي منهم ولذا فليس من العبث ما تقرأه على المنعطفات وفي مداخل الحدائق والمنتزهات من الكتابات بحروف غليظة لجعلها تحت ملاحظة الجمهور ومعانة الوطنيين فإن هؤلاء قد عرفوا منزلتهم من بلادهم وما ينالهم من شرفها وما وضعته فيهم حكومتهم من الثقة فلا يريدون بحال أن يشوهوا وجوه مرافقهم ومتنزهاتهم وجناتهم بل يعملون بما فيه حفظها على ما يستلزمه حبهم لبلادهم وإعجابهم بها. ورجال الإدارة يجتهدون أن يعلموا الشعب وإن يؤهلوه ليخدم نفسه بنفسه بدلاً من أن يعتبروه ولداً يجب على الدوام الأخذ بيده وقيادته ولهذه أمثال كثيرة تعد بالعشرات مما لا مثيل له عند الأمم الأخرى.
وندر جداً في السويسريين من يستحلون أكل مال خزينة الأمة أي أن يخفوا عن الحكومة ما يحق لها أخذ رسوم وضرائب منه ولا سيما في سويسرا الألمانية وإن كان بعض أرباب الغايات وهم لا تخلو منهم أمة مهما طهرت نفسها قد يقفون عثرة أحياناً في سبيل بعض الأعمال كما وقف بعضهم سنة ١٨٨٦ لما أرادت الحكومة احتكار اللالكحول ووقفوا ستة ١٩٠٧لما أرادت منع شراب الابسنت المضر وحسنت صحة البلاد.
стр. 5990
لا جرم أن هذا الشعب الذي صورنا هنا صفاته الاجتماعية هو شعب عظيم فإن من يضرب صفحاً عن شهواته المادية لنفع المصلحة العامة ومن يفادي براحته وحب ذاته وهو راض ساكن باسم لأجل مصلحة وطنه بعد من الشعوب التي تحيا حياة طيبة.
أللهم إني أحسد الشعب السويسري حسد غبطة على هذه الأخلاق الفاضلة واطلب إليك أن ترزق شرقنا المسكين مثلها حتى لا يموت بفساد أخلاقة وقلة علمه ميتة جاهلية وقد خسر الدنيا والآخرة.
سويسرا: قيودها في الحرية
منذ قام الهلفسيون وكانوا يسكنون في شمالي سويسرا الألمانية الحالية أي في أرض ألمانيا وانضموا نحو القرن الأول قبل المسيح إلى التوتونيين والسميريين وهم مثلهم يحبون الغزو والغارة وأخلاق الحرية تبدو على هذا الشعب الهلفسي الذي سميت سويسرا باسمه هلفسيا وضع هذا الخلق مع لبن أجداده وتسلسل فيه على اختلاف القرون. وما كان أشراف القرون الخالية ولا حكومة الرومان التي استولت على سويسرا نحو خمسة قرون ولا النمسا بعد ولا الأساقفة ورجال الدين وكانوا هم الحاكمين في كثير من بلاد أوروبا ولا دوجات ميلانو وسافوا وبورعونيا ممن حكموا سويسرا يستطيعون أن يشددوا الوطأة على السويسريين لأنهم أشداء من وراء النشأة الجبلية متضامنون بينهم أخوان في السراء والضراء.
من قرأ تاريخ سويسرا يعجب من صبر السويسري ويرى أن حروبه حتى زمن القسوة كانت لطيفة وكثيراً ما كان السويسريون يردون غارات جيرانهم بفزيعهم وتشتيتهم فقط أو بأمطارهم الأحجار من الأعالي أو إلقائهم في البحيرات إرهاباً وما أظن أنه سبق في التاريخ أن محارباً يجيء معتدياً على بلد ويحاصرها ثلاثة أشهر ويضيق خناقها ثم تخدم المحصروين الأقدار ويفيض نهر فيحمل جسراً عليه كمية من عسكر عدوهم فيتركون الحصار ويأخذون بإنقاذ الغقرى كما رقع لمدينة سولور السويسرية فإن صاحب النمسا حاصرها لتخضع له وهي مستقلة ثلاثة أشهر فطاف نهر الآر وحمل طائفة من جنده فبدلاً من أن يغتنم المحصورون هذه الفرصة تنادوا لمساعدة الغرقى فأنقذوا منهم عدداً كثيراً فلما رأي الملك ليولولد من السلوريين هذه الشهامة تأثر جداً وعقد معهم الصلح ورفع عنهم
стр. 5991
الحصار وكان ذلك في القرن الرابع عشر.
تعلم الهفلسيون الاحتفاظ بحقوقهم والاعتياد على الشورى وحكم أنفسهم بأنفسهم وكره الملوك منذ قال زعيمهم ديفكوليوليوس قيصر عامل الرومان تلك الجملة البديعة وقد أراد أن يعقد معه صلحاً فطلب قيصر إلى الهلفسيين رهائن فقال ديفييكو. تريد رهائن وقد علمنا آباؤنا أن نأخذها لا أن نعطيها وكان على الرومان أن يذكروا ذلك. ولكنك ترى اليوم هذه الأمة مع ما بلغته من الحرية التي لم تعهد لغيرها تتساهل بحقوقها مع حكومتها فيما تراه نافعاً لبلادها علماً منها بأن الحرية المطلقة لا يمكن حصولها في مكان من لمجتمع وهي بالضرورة محدودة بحقوق الغير وبالمصلحة العامة.
السويسريون يرون في كل مكان المصلحة العامة ويتركون لها برضاهم صغار مطالبهم النفسية ويطالبون خاصة بتطبيق حقوق الفرد الأولية فلا يسيئون استعمال حريتهم الوجدانية وحريتهم القولية ليتخلصوا من عبءٍ فيه مصلحة عامة.
السويسري لا يستطيع مع ما نال من الحرية أن يقطع شجرة من غابته إلا بإذن حكومته ولا أن يضمن داره من الحريق إلا عند حكومته لأنها هي ضامنه من الحريق ولا أن يلقي ورقاً ولا قصناً في إحدى البحيرات فضلاً عن الأقذار والأوخام فسويسرا التي احتفظت بحقوقها في عصور الظلمة قد زادت منذ خمسين سنة تدخل الحكومة في مصالحها على ما هي الطريقة المتبعة في إدارة البلاد الجرمانية وذلك بأن يكون للحكومة إشراف قليل على بعض شؤون لا تضر بحرية الأفراد والمجتمع.
حرية الضمير والرأي والعبادة مضمونة في ارض سويسرا بموجب قانون الاتحاد السويسري الأساسي ولكن لا بصورة مبهمة بل إن لكل مديرية قانونها الخاص للاجتماع والدين والصحافة ينظر فيه الحين بعد الآخر ويطبق بحسن ارتقاء الشعب وأخلاقه. وحرية الصحافة لم تنقلب قط إلى عداء ومماحكات ومع شدة الانتقاد والجدال في المنازع السياسية فإن لها حداً تقف عنده لا تتعداه أعظم الصحف السويسرية ولذلك كانت صحافتهم على صورة لا تشبه صحافة الأمم الأخرى وربما كانت هي والصحف الإنكليزية صحف الحرية الحقيقية مع الاعتدال الغريب. أما نشر السفاهات والغراميات والخلاعيات فهذا لو جسر على نشره صحافي لا يجد من الأمة من يقرأه فيسقط بطبيعته. ومن الغريب أنك تجد في
стр. 5992
سويسرا كنيسة يصلى فيها أهل مذهبين من مذاهب النصرانية وجريدة هي لسان حال حزبين مختلفين الحزب المحافظ والحزب المتطرف الاشتراكي فالقارئ يحكم على آراء الفريقين المتخاصمين من العدد الواحد.
لا جرم أن القرون الخالية وحوادث الأيام قد دربت السويسريين طويلاً على الحرية وقلبتهم بين الشدة والتسامح أزماناً فصاروا يقدمون نعمة السلام والوئام وما تعقلهم الحال إلا ثمرة نضجت على مهل بعد أن ذاق أصحابها في انتظارها وتكييفها على هذه الحالة نصباً. حرية العمل وحرية الاشتراك في سويسرا متعادلتان فمن هذه نشأ الاعتراف بنقابات العمال وبحقوق اعتصابهم ومن تلك نشأ احترام المعتصبين لحق المخالفين لهم في الإضراب عن العمل ومع هذا تجد الاعتصابات أقل مما هي عند الأمم الصناعية الأخرى والأجور تزيد بزيادة غلاء الحاجيات وارتفاع أسعار الكماليات لأن العملة يتفاهمون ويجتمعون على الدوام مع زعمائهم. وكذلك حق حماية سويسرا للمظلومين ولا سيما السياسيين فإنه أرقى مما عند الأمم الأخرى ولكن سويسرا لا تحمي القاتل وكثيراً ما تعمد بعض مقاطعاتها إلى إخراج السفاكين وأرباب الدعارة من غير أبنائها إلى خارج الحدود.
يبدأ تلقين الحرية وتطبيق حقوق الوطني عند السويسريين منذ عهد المدرسة الابتدائية. وليس في سويسرا على الجملة مدارس داخلية بل إن الطلبة الذين يرحلون من قراهم وبلادهم للتعليم يدخلون بيوت الأسر حتى لا يعيش التلميذ منذ صغره عيشاً متكلفاً كعيش المدارس الداخلية لا مثيل له في الحياة ولا يخضع لقوانين جائرة وهو الذي يحتاج في بدء نموه إلى الهواء والشمس والانطلاق. ومن علماء التربية هنا من بالغوافي منح إعطاء الطلبة حريتهم وأنشأوا لهم مدارس التربية الذاتية أو الحكم الذاتي فيتألفون أولاداً من سن الثانية عشرة إلى السادسة عشرة جمهوريات حرة ينظمون بينهم أمرهم والمعلمون لا يعملون إلا أن يلقوا عليهم الدروس وذلك لتلقين الأولاد الاستقلال والحياة العمومية. فالأولاد يختارون رئيسهم وهيأتهم الإدارية وأمين صندوقهم ويكون اختيارهم حسناً جداً في الأغلب ويجيدون في مناقشة القانون الذي يضعه مديرهم وتصح أحكامهم في عقوبة المخالفين لنظامهم فلا يسرق شيء من مال الصندوق ولو كان الأمين عليه في الثانية عشرة من عمره تحدثه نفسه أن يبتاع ببعض الدريهمات حلواء أو شكولاتا أن ملبساً يأكلها أو كرة
стр. 5993
يلعب بها. فكأن سويسرا خلقت بدون أولاد أو أن التربية جعلت أولادها رجالاً ونساءها كذلك.
حرية الصيد البري والصيد النهري والبحيري محدودة مقيدة في بعض الأوقات وعلى بعض المحال. ورجال الصحة يمنعون كل شيء إذا اقتضت الصحة العامة ذلك ولو كان فيه خراب عدة مقاطعات كأن يقيمون الحجر الصحي على الإنسان والحيوان فيمتنع أحد من الدخول إلى تلك المحال الموبوءة أو الخروج منها ولا ينبس أحد ببنت شفة اعتراضاً على ما حصل. وقانون العمل وتحديد أوقاته يشغل المستخدمين والعمال والعملة على صورة معقولة فيتمتعون به بشيء من الراحة والحكومة تتدخل في حياة الوطنيين الخاصة لتقدير الضريبة على دخل الأفراد الذين يقدرونها بأنفسهم أولاً وللحكومة الحق أن تراقبهم وكذلك كتابة كشف بعد وفاة الميت بملفاته.
لكل عمل في سويسرا موانع ومحظورات فالماهر من يقرأ ما يقع نظره عليه من المكتوبات في الطرق والمحطات لئلا يغرم شيئاً بتعديه حمى لا ينبغي السير فيه أو إتيانه عملاً يعد منكراً في عرف القوم وهو عند غيرهم مباح وأي مباح. مثل منع دوس العشب في المروج عندما تنبت وقطع عدة زهور من جبال الألب وسير المرء في بعض المقاطعات على بعض طرق الكروم يتناول المنع في ذلك الأولاد والرجال مخالفة أن تحدث أحد الشرهين نفسه بأن يقطف خصلة من الكرم. واقتطاف العشب يجري بمعرفة الحكومة كل جهة بمفردها. ويمنع على بعض الجسور الخشب في بعض المقاطعات أن يدخن المرء أو يحمل قداحة ويوقف حيوانات اجتماعات. وهكذا تراهم يفرضون فروضاً ربما لا تقع مرة في العمر ويكتبون لها اللوحات ويضعون على من تعدى عليها الغرامات.
هذه قيود الحرية وضمانات لها في آن واحد لأن الشعب مهما بلغ من رقيه هو كقطيع الغنم لا يخلو من جرباء وفي الأكثر يكون المقصود من هذه القيود الأجانب ليسوا على مستوى واحد في عقولهم وعاداتهم. عادة البصق ممنوعة قطعاً في كل مكان ولا سيما في القطارات حتى أن بعض الكنائس ككنيسة فريبورغ كتبت العبارة الآتية بحرف غليظ: احتراما لبيت الله المرجو الامتناع عن البصاق ويمنع التدخين من بعض المركبات في القطارات وللمدخنين مركبات خاصة كما أن للسكارى كذلك. وإذا حدث اختلاف بين راكبين في قطار
стр. 5994
أحدهما يريد فتح النافذة والآخر يأباه فالحكم في ذلك لرئيس القطار فهو الذي يحكم بني المختلفين وهذه أيضاً من جملة ما قدروه من الاحتمالات في أنواع الحريات.
سويسرا أرض الحرية منذ القديم ولكنها كما رأيت حرية من نوع آخر خاص لا تخلو من قيد في كل حال خلافاً لما يتصوره بعض الخياليين.
سويسرا: حياتها السياسة
ليست سويسرا جمهورية بل فسيفساء مؤلفة من عدة جمهورات صغرى ملونة براقة غربية في حجمها ونظامها وأفكارها وأخلاقها السياسية. فمن مقاطعاتها ما هو صغير ومنها ما هو كبير ومنها ما تدار المدينة فيه بإدارة غير إدارة القرى المجاورة لها ومنها ما هو عبارة عن مدينة وبضع قرى حولها أو أرباض. ومنها من يدين أهلها بالكثلكة وأخرى بالبرتستانتية وغيرها مزيج من المذهبين ومنها ما ينتمي إلى الحزب الإكليركي وأخرى محافظة متنطعة في مذهبها وغيرها متطرفة في اشتراكيتها ومنها التي تقدم نوافذ للعذراء مثل فريبورغ في حين جارتها جنيف فصلت بين الكنيسة والحكومة.
وفي الجبال الوسطى وجبال الشمال لا تزال الحكومة المعروفة بحكومة البطارقة على الحالة التي كانت على عهد الألمان والفرنك والقوة التشريعية بيد مجلس الوطنيين ومن الجمهوريات جمهوريات صناعية مثل زوريخ وبال احاطتا علماً بكل دقائق المجالس النيبابية فتضعان ضرائب على الدخل وضرائب على رأس المال وتحكران بعض الأصناف للحكومة وتختاران طريقة الانتخاب على نسبة العدد. عادات نروفدية قديمة إلى جنب الاختراعات السياسية في القرن العشرين!
قطعة من الجبال والأودية والبحيرات لا تبلغ مساحتها ثلث مساحة ولاية سورية ونفوسها لا يزيدون عن نفوس بر الشام كله وحكومتها في مديرياتها والأصح أن يقال في مملكها لأن لكل مقاطعة حكومة كأنها مملكة مستقلة أنواع منوعة وهذا لتكون عندهم اللامركزية على أسدها ويستمتع أخل كل ناحية مهما صغرت بفصل ما يرونه الأنسب لمصلحتهم والتغيير يتناول حتى النواحي التي تختلف إدارتها بحسب الإقليم.
في غرب البلاد يسيرون على الطرق الفرنساوية وفي سويسرا الألمانية لكل بلد نظامه والمرجع واحد. خنا تجيء الناحية الضرائب وهناك تسمح لها وإرداتها أن لا تطالب
стр. 5995
المكلفين بقرش. الاستقلال الإداري إلى جانب السلطة المحلية تختلق كل الاختلاف. المركزية في سويسرا الفرنساوية أكثر من غيرها في حين ترى نواحي أبينزل الألمانية جمهويات صغرى أنو جمهوريات تنوب عن جمهورية مستقلة إلا قليلاً وبهذا التغيير الكثير ساغ للأنظمة والأوضاع أن توافق أخلاق كل صقع وضرورياته وحاجات سكانة ورغائبهم التي تختلف باختلاف نوع الحياة. فالتعليم مثلاً إجباري في البلاد كلها يقضي على كل ولد أن يصرف في المدرسة من سن السادسة إلى الرابعة عشرة يتعلم فيها أموراً مشتركة بين المقاطعات كلها وما عدا ذلك فكل مديرية حرة بأن تنظم مدارسها على طريقتها وهي تطلق للنواحي حريتها أيضاً في بعض الأمور مدة التعليم في السنة تسعة أشهر ولكن بعض النواحي تقسم العطلة قسمين قسم وقت اشتداد الحر والآخر من آخر أيلول إلى أول كانون الأول وهو الزمن الذي تنزل فيه الماشية من الجبال وترعى في المروج إلى أوائل نزول الثلج تحت ملاحظة أولاد تلك القرى للتخصيص على هذه الصورة فوائد لا ينكرها إلا كل مكابر. يمنع التعديل الجائر ويحفظ للنواحي تنوعها وغرابتها ويبث روح الحياة المحلية والهمم الإفرادية ويزيد في ارتباط المرء بوطنه الصغير وهذه أحسن طريقة لتعريفه قدر الوطن الكبير وتحبيبه إليه. لكل مديرية وطنيتها فلها أعلام خاصة بها وألوان لا تشاركها فيها جارتها ولها أسلحة ولها شارات. وفي جميع الأعياد وعلى جميع المعاهد العامة توضع شارات لمديرية إلى جنب أعلام الاتحاد السويسري مثل دل برن وثور أوري ومفاتيح أونتروالد وكواكب فالي ومطرقة سان غال. لأن كل مديرية هي مملكة ووطن ولها تقاليدها وتاريخها وأمجادها فهي ليست مديرية بالمعنى الذي نتصوره في مصر والشام قطعة من بلاد اقتطعت منها كيفما اتفق بدون مراعاة الطبائع والتقسيم الطبيعي بل هي عضو حي نام واحد متماسك الأجزاء في الجسم الاجتماعي.
وربما قيل أن تخصيص كل بقعة بحقوق خاصة مما يفرق أجزاء الحياة السياسية فتختلف الأحزاب وتكثر فلا يستطيع مجلس النواب العام أن يقوم بعمل ولكن سويسرا ليست على مثل ذلك فإن إرادة الأمة تسري حتى على المخالف ويسكت المناقش بظهور الحجة وربما قيل أن هذه للامركزية المفرطة تشغل أهل كل ناحية بخصوصياتهم فلا يعودون يلتفتون لأرقى مما يتجاوز حدود دائرتهم الضيقة كما هو المشاهد من جرائدهم الحلية فإنها كلها
стр. 5996
جرائد خاصة بدائرة لا تتعداها ولا سيما في سويسرا الألمانية ولولا الجرائد الكبرى مثل جورنال دي جنيف والبوند وهي الصحف الجوالة الراقية لكان من يعيش في سويسرا أشبه بمن يعيش في قطر منعزل لأن السويسريين لا يهتمون إلا لزراعتهم وتجارتهم ومجالسهم وحوادثهم وما عداها فمعرفة وعدمها سواء ولكثرة هذا التغالي في اللامركزية خيف في القرن الماضي من تشتت الكلمة بتعدد النظامات فاتحدت أكثر القوانين العامة والمدنية اتحدت الخطوط الحديدية واتحد نظام العمل والجمرك وسير التوموبيلات فلم يعد يخشى التباس وصارت البلاد مستقلة كل واحدة بذاتها ولكنها في الشؤون العامة متحدة. وحدثت من هذا الاتحاد فوائد جمة من مثل اتحاد المديريات على أن تحتكر الحكومة كلها الخمور فنشأت من ذلك فوائد قللت من مقطوعية الخمر وحسنت نوعه وقل السكيرون والمعربدون وحسنت على بث الدعوة للامتناع عن المشروبات الروحية!. وابتاعت الحكومة الخطوط الحديدية الكبرى ما عدا الخطوط الصغرى المحلية على صورة كأنها لم تدفع عنه ثمناً وذلك بدون أن تضرب ضرائب ولا أن تعقد قرضاً أو تحتال حيلة فإن باجتماع الخطوط تحت إدارة واحدة قلت النفقات وكثر الإقبال فأخذت تلك الخطوط تربح ومن ريعها السنوي مدة ٥٦سنة يغطى المليار فرنك الذي يدفع ثمناً للخطوط على نجوم وتقاسيط.
ومن عجيب احتكارات الحكومة السويسرية احتكارها لضمان الحريق بل للضمان من الحوادث والأمراض لا لطبقة مخصوصة من العمال كعمال السكك الحديدية مثلاً بل للجنود الذين هم تحت السلاح ومن السلام وزمن الحرب. ومن الغريب المدهش أن تضمن حكومة أرواح مكوميها من رصاص العدو وقنابله وهذا لا مثيل له في المدينة الحديثة. ولا تضمن الحكومة من الشيخوخة كطبقة العملة مثلا لتنفق عليهم واحد أن يفكر فيه وضمانة مبلغ معين لمن بغلوا سناً معينة هو مكافأة على عدم الحساب للعواقب وللكسل. ولذلك لا ترى في سويسرا من لا يعم أم الشحاذة فلا أثر لها ولا اسم. والحكومة العامة هنا احتكرت خطوط التلفون وضمتها منذ البدء لإدارة البريد والبرق ولكن للأفراد أن يضعوا في محالها أو منازلها كحذائقهم أو منازلهم أو فنادقهم ما أحبوا من مثلها.
السويسريون عريقون في الديمقراطية بكل ما فيها من المعاني تأصلت في نفوسهم وتشربتها دواؤهم منذ قرون طويلة. قلا لي أحد مديري الصحف الكبرى في لوزان أنني لا
стр. 5997
أستطيع أن أعامل عمالي والمستخدمين في إدارتي إلا معاملة الأكفاء نعم أمرهم ولكنني أحاسبهم في معاملتي كما أحاسن رصفائي في التحرير وأصدقائي.
وما ذلك إلا لأن الديمقراطية تأصلت فيهم وما ديمقراطية أميركا الشمالية التي يرد تاريخها إلى زهاءٍ مئة وثلاثين سنة وما ديمقراطية فرنس التي بلغت ٤٣سنة من العمر بالنسبة لجمهوريات الاتحاد السويسري إلا بنات وأطفال فجمهوريات سويسرا عمرها خمسة وستة قرون ولذلك ترى في السويسري شعوراً طبيعياً في المساواة وليس في جمهوريته أوسمة ولا ألقاب تشريف فالعامل يشرفه عمله والمفضل على أمته ترفعه على رأسها في حياته ومماته. ورئيس الجمهورية السويسرية هو من أهل الطبقة الوسطى لا يميزه عن سائر أنباء السبيل في شوارع مدينة برن شيء من الأبهة والعظمة التي يبدون بها بلادنا القائم مقام الصغير دع لمتصرف والوالي والقائد والوزير ولا تجد تشرفات في سراي الاتحاد السويسري التي تضم إليها مجلس الأمة ومجلس الأقاليم وينتخب مجلس الاتحاد السويسري كل سنة رئيساً يتولى رئاسة المجلس ورئاسة جمهورية هلفسيا السعيدة وليس هو في الحقيقة إلا عميد مستشاريه الستة.
ولا تشهد في بلاط حكومة سويسرا دسائس يراد بها بقاء الحكومة في أيدي المتولين عليها على نحو ما يقع في الأمم النيابية فإن المجلسين السويسريين لا يقبلان الوزارة قط فلا تعهد عندهم الأزمات الوزارية التي تسمع بها في الممالك الدستورية وإذا حدث خلاف بين المجلس والحكومة يتفاهمان بحرية إذا لم يتيسر لهما الاتفاق ويخضع المجلس الاتحادي أي الوزارة لإرادة مجلس النواب والأقاليم كما أن هذين المجلسين لا يماحكان ولا يراوغان. فمجلس الأمة لا يقلب الحكومة التي تنتخب مستشاروها السبعة أو وزراؤها السبعة كل ثلاثة سنين بل يجدد انتخابهم الفصل بعد الفصل لأنهم يكونون قد نشأت لهم تجارب مهمة في العمل. ورئيس مجلس الاتحاد السوري أو رئيس الجمهورية ينتخبه رصفاؤه الستة كل سنة ويعمل وإياهم بإخلاص وخلو غرض ويجددون انتخابه على رأس السنة وربما مضت الأعوام والرئيس لم يتغير لأنه إذا عمل العمل الصلاح وهو لا يعمل غيره بالطبيعة لا يرى من رصفائه من يحدسه على مركز الرئاسة.
رواتب النواب هنا مقسمة بحسب الجلسات فأعضاء المجلس الاتحادي ينتاول أحدهم عن
стр. 5998
كل جلسة عشرين فرنكاً ويمكن أن يبلغ مجموع ما يتناوله أحدهم في السنة ثلاثة آلاف فرنك فقط أم نواب الأقاليم فيتناولون عضو البلد عن كل جلسة ستة فرنكات وعضو القرية سبعة للواحد منهم على طول السنة من الرواتب من ٢٤٠إلى ٢٨٠فرنكاً في السنة ورواتب مستشاري المملكة ووزراؤها ١٥ألف فرنك لكل واحد مسانهة وراتب رئيسهم أي رئيس الجمهورية السويسرية ١٨ألف فرنك مسانهة ولذلك قد يضطر المسكين إذا كانت له أسرى كبيرة أن يشتغل أحياناً أعمالاً أخرى من تجارة وزراعة ونحوها ولكن لا على أنه رئيس جمهورية له سلطة بل بصفته فرد حكمه حكم الأهالي.
الإخلاص هو الخلق الجوهري في الديمقراطية السويسرية فالشعب هو السيد ويجب أن يبقى كذلك. وقد اتخذت جميع الاحتياطات لتظهر إرادته بمظهرها ولتكون محترمة على الدوام. حتى أن بعض الأقاليم لا تزال بحسب قاعدة الفليسوف جان جاك روسو تحافظ على الحكومة التي تحكمها مباشرة بمعنى أن مجلس الوطنيين فيها يلتئم كل سنة فيتجنب حكام الأقاليم ويصدق على الحسابات ويقرر القوانين التي أعدها المستشارون الذين انتخبوا في السنة الفائتة.
في سويسرا حزبان مهمان حزب المحافظين وحزب الأحرار يتناقشان في مصلحة البلاد ولكن إذا تولت الأكثرية زمام المجالس لا تنحني على الأقلية بل ترى من مصلحتها أن تقبل أعضاءها في جلسات وهناك حزب اشتراكي ولكن لا تأثير له لأن الأمة اشتراكية بطبيعتها. قال لي المسيو جان سبير وأستاذ العربية في كلية لوزان عندنا حزبان وأنا من حزب الأحرار ولكنني لا أجد فرقاً بين الحزبيين يصح أن يعد فرقاً ولذلك فكلنا حزب واحد في الحقيقة. فبارك الله بأمة مهما تعددت مناحيها وأصولها وأهويتها ودرجة غناها وأعمالها لا تختلف في المصلحة الوطنية ولا تختلف عن الحق قيد شبر.
стр. 5999
آداب العرب
من التطاول على مقام الشعر العربي أن أحاول الإحاطة به في محاضرات ثلاث.
ولكنكم قد رأيتم جميعاً هذه الكتب الصغيرة الموجزة التي يستدل بها المسافرون في سياحاتهم يفتح السائح دليلة فيجد المؤلف قد تكفل بأن يريه باريس وعجائبها وما حوت من كنوز في خمسة أيام. ومصر ونيلها وأهرامها وقبورها ومعابدها ومسلاتها وما أبقت الأدهار فيها في اسبوع من الزمان. فيجري وراء دليله الصامت الناطق ويعمل برأيه فيعييه الجري ويتولاه التعب ويقطر العرق من جبينه ولا يكون لديه مجال للتأمل والتفكير فيما يتجلى أمامه من العبر وما يقع عليه بصره من عظات القرون ولكنه مع ذلك يرى من المشاهد ما يترك في ذهنه أثراً قديماً وما يكفي لتكوين فكر عام لديه وتتولد عنده من الأثر ويطيل الوقوف أمامها يسائلها عما مر بها العصور الخوالي فكأنما سفرته الأولى تمهيد لسفرته الثانية. . . . . .
فغايتي الآن أن أطير معكم فوق ربوع الشعر العربي. نطير طيراناً مكتفين بالتحليق في ممائه دون أن تطأ أرجلنا أرضه فنمتع النظر معاً بمرآها البهيج ونستنشق هواءها العليل البليل حاملاً أريج بلاد العرب وشذاها العطري. فهل لكم بعد هذا التطواف أن تجوسوا تلك الربوع الفائنات التي تمر أمام عيوننا مسرعة تجري كالريح فلم تروا منها سوى شواهقها وأن تشعروا بالحنو عليها والرغبة في التجول فيها لتستريحوا في وديانها وتشربوا من عيونها وغدرانها وتقطفوا من يانع ثمارها وتترنحوا بشذا أزهارها العطرة وقد أسكرتكم محاسنها.
وأول سؤال يخطر على البال هو: ما هو الشعر العربي قال بعضهم في تعريفه إنه صورة ظاهرة وفي هذا التعريف من حلاوة التعبير وفي سمو المعاني ما فيه لأن الشعر يكون إذ ذاك مظهراً لصور حاسة وعواطف حقيقية لا تصنع فيها ومجموع حقائق لا أكاذيب
وعرفه غيرهم بصوت أحلى من ذلك وأليق بالشعر فقال:
إن الشعر أنقى كلام وأغلى نظام وأبعد مرقى في درجة البلاغة وأحسنه ذكراً عند الرواية والخطابة وأعلقه بالحفظ مسموعاً وأدله على الفضيلة الغريزية مصنوعاً وحقاً لو كان الشعر جوهراً لكان عقيانا، أو من النبات لكان ريحانا، ولو أمسى نجوماً لزاد ضياؤها أو عيوناً لما غار ماؤها فهو ألطف من در الطل في أعين الزهر إذا تفتحت عيون الرياض
стр. 6000
غب المطر وأرق من أدمع المستهام ومن الراح رقرق بماء الغمام (من شرح ديوان المتنبي للواقدي)
فالشعر هو ريحانة النفوس ومزيل الهموم وديوان الحكمة ومصدر الخير والشعاع الساطع الذي يجذب الأنظار وتحوم حوله النفوس. بل هو عنوان المجد الخالد ورائد البلاغة وحجة اللغوي ومالك القلوب والدافع إلى جلائل الأعمال والمحرك للعزائم والرسول الذي يحمل أدق الرسائل وأرق العبارات.
وقد عرف ابن خلدون الشعر بأنه الكلام المبني على الاستعارة والأوصاف المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي مستقبل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وما بعده الجاري على أساليب العرب المخصوصة
وهذا التعريف معول من قديم الأزمان ومن واجبات كل شاعر حريص على هذا الفن أن يتحراه في نظمه ويعمل به وإلا زالت عنه صفة الشاعرية. وعلى ذلك فالشاعر لا يكون جديراً بهذا الاسم إلا إذا صاغ عبارة في قالب خيالي وراعى أحكام الوزن واتبع فوق ذلك القواعد التي وصفها الأقدمون لتنسيق الشعر وأحكامه. فكأنما الحرية والتلاعب والخروج عن المألوف لا مجال لها في هذه المملكة مملكة الشعر التي كلها خيال في خيال والتي يهيج الفكر في أرجائها دون قيد ولا حرج. فإن صناعة الشعر خاضعة في شكلها بل وفي موضعها إلى حد ما لقواعد ثابتة لا بد من التقيد بها يظهر لنا إذن كأنه آلة موسيقية متناسقة الأنغام والتواقيع ولكنها خيالية من التنويع أما الشعراء فهم كالبلبل المغرد يحلو تغريده ويرق صوته ولكن نغماته هي هي في الصباح وفي المساء. . . . .
وما دام هذا العيب هو العيب الوحيد في شعرنا فلنشهد أن شعراءنا عنوا على الدوام بالألفاظ والعبارات أكثر مما عنوا بالمعاني وهمهم أن يؤدوا المعنى الواحد بعبارات مختلفة متعددة رنانة بديعة الأسلوب. وقد شبهوا المعنى بالماء - وهل كان لهم أن يشبهوه بالخمر وهي من المحرمات - والشعر بالإناء وقالوا أن الماء ماء على الدوام ولكن العبرة بالإناء فكلما أجاد الصانع إتقان صنع هذا الإناء وحلاه بالنقوش والزخاريف وأبدع في صناعته وأبرزه تحفه تلفت الأنظار كان أعظم شأواً في عالم النظم وأجود شعراً وأرفع مكانه ولهذا ترى الشعراء على الدوام يسعون وراء الألفاظ البديعة ويتنافسون في صوغ العبارات
стр. 6001
الساحرة النادرة ويتلاعبون بها كما تشاء أهواؤهم وكما توحي إليهم مخيلاتهم وليس في الأرض أمة بلغت مبلغ العرب في سبك الألفاظ وصياغتها فهم حقيقة صواغ الكلام والسحرة الصادقون الذين كانوا يسحرون الناس بحسن بيانهم وهم أيضاً كانت تسحرهم الحروف التي كانت ترقص أمام عيونهم وتتلاعب بهم. ما كانت العرب تقول ماذا يهمنا من الكأس إذا طاب الشرب ودب دبيب الخمرة إلى النفوس بل كانوا من المولعين بفنهم الشغوفين به يسكرهم جمال الشكل وبسحرهم حلو الحديث ويأخذ بمجامع قلوبهم الكلام الجزل والخيال الذي لا تلمسه الأيدي.
ألقى رينان محاضرة شهيرة في سنة ١٨٨٣ عن الإسلام والعلوم انتقد فيها بشدة ما قيل عن المدينة الإسلامية وقال إن ما تفق الناس على تسميته الحضارة الإسلامية لم يكن لم يكن في الحقيقة سوى المدينة اليونانية نشرت من رمسها وهذبت تبعاً لما أظهرته الأيام بل ولم يكن الفضل في نشرها للعرب وإنما كان الفضل في ذلك للسوريين والكدانيين وأهل الهند وفارس والأندلس الذين صاروا عرباً بحكم الفتح واتحاد اللغة.
قد يكون فول هذا العالم الكبير صحيحاً من بعض وجوهه وعلى كل حال فإن مجال الأخذ والردلية فسيح وباب المساجلة واسع ولكن الأمر الذي لا مجال فيه للجدل هو أن العرب لم يأخذوا شعرهم من اليونان أوالرومان أن من أية أمة من الأمم. فالشعر العربي زهرة نبتت في أرض العرب وتفتحت أكمامها في بلاد العرب وأينعت في بلاد العرب دون أن تتلقح بلقاح غريب بل هي عذارى عربية ولدت في الصحارى العربية وشبت وترعرعت في البلاد العربية دون أن يلامسها غريب فيشوه محاسنها ودون أن تضيف إلى حينها البدوي حسناً مستعاراً ما أغناه عنه.
ولاحظا يا سادتي أن العرب نفوا إلى لغتهم كل أوجل ما يهمهم من المؤلفات والكتب التي تركتها الأمم التي سبقتهم في ميدان المدينة وأخذوا عن كل أمة أحسن وأثمن ما أخرجت قرائح أبنائها فأخذا عن اليونان الفلسفة والطب والهندسة والموسيقى وعن الفرس الفلك وآداب الاجتماع والموسيقى والروايات، وعن الكلدانيين الزراعة والتنجيم وعن المصريين الجراحة والكيمياء إلى غير ذلك مما أخذوه عن غيرهم. ولكنهم ما خطر في بالهم يوماً من الأيام أن يقبلوا من أمة أخرى بيتاً من الشعراء ومعنى من معاني الخيال أو أن يتحدوا
стр. 6002
غيرهم في فن النظم. كانوا يعتقدون أن شعرهم أرقى وأسمى من شعر جميع الأمم فكانوا كلما ألقوا أنظارهم على ما أثمرت قرائح أبناء العرب طربوا ورقصوا لو داخلتهم العزة وحق لهم أن يفخروا وأنفوا أن ينقلو من غيرهم شيئاً في هذه الباب.
وفي لاواقع فإنه لا توجد في العالم أمة وصلت آدابها إلى ما وصلت إليه آداب اللغة العربية لا في غناها وفي غزارة مادتها ولا في متانة أساليبها ولا في نوع شعرها الحماسي ولا غزلي وغيرهما من فنون الشعر الخيالي (فالشعر العربي يكاد يكون كله من الشعر الخيالي) ولم ينبغ في أمة من الأمم عدد من الشعراء يوازي أو يناهر عدد شعراء العرب وذلك راجع إلى ثلاثة أسباب رئيسية:
السبب الأول - أن العربي حاد الإحساس إلى درجة غريبة سريع التأثير كثير التحمس كريم النفس قريب الغضب والرضا على السواء. ومن طبائعه أنه مندفع في أمره. مفيض بما في خاطره. فلا يمكنه كتمان ما في نفسه. ولذا تأبى طبيعته أن يظل ساكتاً عما حوله من المؤثرات فكان من الطبيعي أن تغنى بما يشعر به وأن يكون غناؤه صدى حقيقياً لعواطفه شبيهاً بها في شدتها وتناسبها وتناسقها فيخرج كلامه مصوراً تصويراً خيالياً موزوناً هو الشعر.
السبب الثاني - أن اللغة العربية هي في ذاتها أصلح اللغات للشعر وهيهات أن تقاربها لغة أخرى في غناها وفيها ما لا يحصى من المترادفات المتوافقة لفظاً وكثير منها متحد وزناً وهي وحدها تكفي لتصوير الخيال بدون الاحتياج إلى الاستعانة بغيرها فإن فيها العشرات بل المئات من الأسماء للدلالة على بعض المسميات سواء كانت من الحيوان كالأسد والثعبان والحمار ولناقة والثور والكلب ولقط. أو من المأكول كاللبن والعسل والتمر أو من المشروب كالماء والخمر أو من السلاح كالسيف والقوس والسهم والرمح ولمجن أن أو من الأوصاف كالطول والقصر والكبر والصغر والشجاعة والجبن والكرم والبخل فللأسد خمسمائة اسم وللثعبان مائتان وللناقة مائتان وخمسون وللماء مائة وسبعون أما المصائب والأرزاء فأربعمائة اسم ولعمري أنه عدد لا مبالغة فيه بل ربما كان أقل مما يلزم بالنسبة إليها. . . . . .
على أن هذه الكثرة في مادة اللغة لم تمنعها من أن تكون دقيقة في معانيها محكمة في مبانيها
стр. 6003
فقد خصت كل ليلة من ليالي القمر باسم كما خصت كل ساعة من ساعات الليل والنهار. وكذلك سميت الريح بأسماء مختلفة بحسب اختلاف أحوالها فإذا وقعت بين ريحين فهي النكباء وإذا وقعت بين الجنوب والصبا فهي الجربياء وإذا هبت من جهات مختلفة فهي المتناوحة وإذا كانت لينة فهي الريدانية. وإذا جاءت ينفس ضعيف فهي النسيم فإذا كان لها حنين كحنين الإبل فهي الحنون فإذا ابتدأت بشدة فهي النافجة وإذا كانت شديدة فهي العاصف. فإذا كانت شديدة ولها زقزقة فهي الزقزاقة الخ. .
وربما كانت هذه الكثرة داعية إلى الاستغراب ولكن متى ظهر السبب بطل العجب. فقد كان العرب في جميع الأزمان من أكثر الأمم اشتغالاً بلغتهم ثم كانوا فوق ذلك مولعين بفطرتهم بتحليل كل ما تقع عليه أبصارهم ويدرس نزعات النفس وأحوالها. فدرسوا من كل شيء جسمه وشكله وروحه وأثبتوا أوصافه ومميزاته وأصله ومؤثراته وعيوبه وفضائله وخصوا كلاً من هذه الأوصاف والمميزات باسم يدل على الوصف وعلى الحالة التي يكون بها. فالخمر مثلاً سميت خمراً للدلالة على أن أصلها من الاختمار وراحاً للدلالة على ما تحدثه في نفس شاربها من الارتياح وحمياً للدلالة على ما تبعثه فيه من الانفعال الخ. . . .
ثم إن الأمة العربية كانت مؤلفة من عدة قبائل ولكل قبيلة منها لهجة خاصة ولغة تختلف بعض الاختلاف عن لغة غيرها فلما توحدت هذه القبائل اندمجت ألفاظ كل قبيلة وعباراتها في صلب اللغة. وبعد ذلك جاء الفتح الإسلامي واختلط العرب بغيرهم من الأمم فرأوا من الأشياء والأدوات والحاصلات والعادات والصناعات ما لم يكن لهم له عهد من قبل، فاضطروا إلى إدخال الأسماء الأعجمية إلى اللغة العربية بعد أن نحتوها وهذبوها فأصبحت جزءاً منها.
ومن ذلك توجد لديكم فكرة عن مقدار غنى لغتنا العربية الذي لا يحيط به حصر ويقصر عن وصفه لسان. أضيفوا إلى ذلك تعدد الجناس وتفرقه وهي تفتح السبيل واسعاً للتورية والمجاز وغير ذلك من ضروب البيان التي تأسر اللب فيجد منها الشعراء الفحول والكتاب البلغاء ما يبغون لكي يهيموا على عالم الخيال ما شاؤوا وشاءت لهم مقدرتهم وبكون لهم منها ينبوع للفكاهات والتنكات ولما تسمونه أنتم معاشر الفرنسيس كلامبور وبهذه المناسبة أذكر أن العلامة اللغوي الشهير لتريه زعم أن تاريخها يرجع إلى القرن الثامن عشر للميلاد
стр. 6004
وأنها من وضع شريف أوجي. ولكني أميل إلى الاعتقاد بأنها أعرق من ذلك شرفاً ونسباً وأنها مؤلفة من كلمتين عربيتين هما كلام وبور أي كلام فارغ. . .
وللعرب قصائد بتمامها تنتهي كل أبياتها بكلمة واحدة يختلف معناها في كل بيت منها والآخر بسيط لا غرابة فيه فكلمة عين مثلاً لها ٣٥معنى وكلمة عجوز ستون الخ.
السب الثالث - أن العربي فطر على رقة الشعور وسعة الخيال والقناعة والتفكير والتمتع اليسير من حاجيات المعاش فساعده ذلك على الانصراف إلى التأمل والتفكير والتمتع لهذه الحياة التي ينشط منها الفكر من عقاله ويسرح في مسارح الخيال. فإذا انصرف عن القتال وانتهى من الغزو أحاط به السكون من كل جانب وشمله الهدوء ونظر إلى السماء فإذا هي زرقاء لامعة في النهار مرصعة بالنجوم في الليل فدعاه السكون الذي حوله وجمال المناظر التي يرسل إليها بصره إلى فحص فؤاده وتعرف خبايا قلبه والإمعان في مصائب الناس وتصاريف الزمان وتقلبات الأيام فإذا انقطع هذا السكوت فجأة واقبلت القبائل كعادتها تتقاتل وتتطاحن وجد في ضربات السيوف وفي ملاحمة الأقران ما يثير حماسته ويدعوه إلى الفخر والتغني بالبأس وشدة المراس. فكان من كل ذلك محرك للنفس العربية ولكل أوتارها ونغماتها.
فليس بغريب إذن أن يكثر شعراء العرب وأن تكون ثمرات قرائحهم قد بلغت حد الإعجاز مع وفرتها.
على أني لا أرسل الكلام على عوهنه ولا أقتصر على إرسال القول مبهماً بل أقول لكم جميعاً افتحوا مؤلفاتنا القديمة والحديثة سواء كانت تبحث في الفلسفة أو الطب أو الفلك أو الكيمياء أو الفقه أو الرياضيات أو لاموسقى أو لتاريخ. ثم أجيلوا النظر فيها تجدوا فيها حتماً كثيراً من الأشعار. ذلك أن العشر امتلك لب العربي منذ بزغت شمس تاريخهم وصار له على نفسه السلطان المطلق. فلو تركنا الشعر جانباً وغضضنا الطرف عنه لما استطعنا معرفة تاريخ العرب ولا فهم أحوالهم وعاداتهم والأدوار التي مروا بها فالشعر هو من عناصر الحياة العربية فهو بالنسبة لها كالهواء بالنسبة للحياة الإنسانية بل هو الحياة العربية نفسها بكل قوتها وشدتها ورقتها.
وقد كان الشعر فطرة عند العرب يرسلونه على البداهة بلا أدنى صعوبة ولم يكن فقط
стр. 6005
مظهراً لسانحة تمر أو فكر يخطر على البال ثم ينمحي. بل كان مظهراً لكل معنى من المعاني العادية ووسيلة للتعبير عن كل المعارف الإنسانية حتى منها بل للتعبير عن أدق النظريات وأبعدها غوراً فتجد بعض المؤلفات النحوية شعراً بل تجد من المؤلفات الخاصة بالتقوى والعبادة أو بالطب أو الكيمياء أو المنطق ما وضع شعراً. بل إني أستطيع أن أقول دون أن أتعرض تعرضاً كبيراً للتكذيب، إن العرب لا بد أن يكونوا ضمنوا المعادلات الجبرية والهندسية بعض أبيات من أبياتهم حتى تعلق بالأذهان كما جرت عادتهم. بل إنه لا يكون من الإغراق في القول أن أقول بأن العرب كانوا يعبرون عن أفكارهم في غالب الأحيان وفي جميع الأزمان بطريق النظم فيكون الوزن قاعدة تعبيرهم كما كان قاعدة أفكارهم وحركاتهم وسكناتهم. ولا غرابة أن يكون ذلك من أقدم الأزمان فقد زعم بعضهم أن أول من نطق بالشعر العربي أبونا آدم ﵇ وقد حفظ لنا التوراة الأشعار التي نظق بها. وما زال بعض المولعين بالمناقشات يتباحثون إلى اليوم إذا كان الأمر الذي لا نزاع فيه هو أنه إذا كان آدم شاعراص فإن العرب أحق الناس بالانتساب إليه وأجدرهم به لأنهم أمراء الشعر وسادة البيان. فإذا كان للملوك أسر فإن للشعراء أيضاً أسراً آل إليها المجد ووالله لهؤلاء أكبر شرفاً وأحق بالفخر الصحيح والمجد الرفيع من أولئك. وأذكر هنا النعمان ين بشير الأنصاري فهو شاعر اين شاعر وحفيد شاعر وابن شاعر ووالداً للشاعر الكبير زهير زجداً للشاعرين بن كعب بن زهير وبحير.
وهل أنسى سلالة حسان بن ثابت التي نبغ فيها عدد عظيم من الشعراء مدة قرون متوالية.
وقد كان الحال كذلك بعد الإسلام أيضاً فإن الشاعر الكبير فارس كان أبوه وجده من الشعراء ومثلها أبناؤه وأحفاده.
وما الفائدة من هذا المقدار وأي إنسان تبلغ به الدعوى مبلغاً يزعم معه أن في وسعه أن يخصي شعراء العرب وقد كان عددهم يتجاوز على قول أحدهم النجوم التي ترصع الزرقاء والأزهار التي يفوح عنبرها في الحدائق والمروج.
على أن كثيراً من الشعراء نعرف أسماؤهم ولكن لم يصلنا شيء من منظماتهم وبعضهم لم يصلنا منهم إلا أبيات قليلة مع أنهم كانوا على ما أثبت التاريخ من كبار الشعراء. ولا غرابة في ذلك إذا علمنا كيف وصلت إلينا أشعار الجاهلية.
стр. 6006
وكان يلتف حول الشعراء في العادة جماعة من مريديه وتلاميذه فيحفظون ما يلقيه من الأشعار ويتناقلونها عنه وينشدونها أمام الأمراء أو المجاهدين السائرين إلى البلاد أو بين الجماعات مراعاة لمقتضى الحال متبعاً لما إذا كان الغرض من القصيدة المديح أو الفخر أو الغزل أو الحكمة ثم تلا ذلك العصر كان الحفاظ أو الرواة يستظهرون عدة قصائد من فحول الشعراء مدفوعين إلى ذلك بعامل الإعجاب والتغني بها والمقارنة بينهما. وقد كان هؤلاء الحفاظ هم الوسيلة الوحيدة لبقاء هذه الأشعار وتناقلها بالتواتر من جيل إلى جيل. ولكن عدداً عظيماً منهم لقي حتفه في الحروب التي قامت في صدر الإسلام فنزل معهم إلى القبر جزء عظيم من الأبيات البديعة التي كانت تحويها صدورهم والتي كانت مفخرة العرب فلم يعد أحد يتناقلها بعدهم.
ولم ينبته أحد إلى تدوين قصائد كبار شعراء الجاهلية في بطون الكتب لحفظها من الضياع إلا في آخر القرن الأول من الهجرة وعمدوا في هذا السبيل إلى جمعها من صدور كبار الرواة الذين كانوا يستظهرون الكثير منها كحماد الذي كان يحفظ سبعة وعشرين ألف بيت من أشعار الجاهلية كل ألف منها تبدأ بحرف من الحروف الهجائية وكالمفضل الضبي وخلف الأحمر وأبو ضمضم الذي كان ينشد أشعاراً لمائة شعر باسم عمرو وكأبي تمام واضع كتاب الحماسة الذي كان يحفظ على ظهر قلبه أربعة عشر ألف بيت من الشعر كلها لفحول شعراء الجاهلية.
أما الأشعار التي قيلت لعد الإسلام فقد ضاع منها عدد عظيم بسبب الفتن والحروب التي قامت بين المسلمين أو بينهم وبين غيرهم من الأمم في جميع لأزمان وفي جميع البلاد التي خضعت للإسلام ويكفي لمعرفة ما ضاع منها أن نلقي نظرة على مؤلفات بعض أكابر الكتاب التي هي أسبه بالفهارس لالتزامها جانب الإيجاز لنتبين منها أسماء الذين عاصورهم من الشعراء وما ألف في فنون النظم ثم نتساءل ما الذي بقي من كل ذلك لم يبق إلا النزر اليسير الذي لا ينكر ولكن هذا النزر اليسير يكفي لرفع شأن أمة واحدة وهو يدل على مقدار نبوغ العرب في حلبة النظم وعلى ما كان لكبار الشعراء لديهم من المنزلة السامية والمقام الرفيع.
ويجرنا هذا الحديث إلى البحث في منزلة الشعراء في العالم العربي ثم إلى ذكر كلمة في
стр. 6007
بيان مميزات الشعر العربي في أهم العصور في تاريخ العرب.
كان الشاعر في الجاهلية مهيباً موقراً يحيط به الإجلال وحف به الإكرام. فإنه كان عميد القبيلة وحامي ذمارها وراوي تاريخها والحافظ لأنسابها والمتغني بذكر مجدها فهو بهذا الاعتبار كان قريب الشبه بالكهنة في التاريخ القديم.
فهو الذي كان يفتخر بأجداده وبالوقائع والغزوات التي امتاز فيها قبيلة بالبسالة والأقدام وشدة البطش فيحفظ بذلك ذكرها في أبيات من الشعر لأن الأشعار هي الأثر الوحيد الباقي في تاريخ العرب والوسيلة الوحيدة لمعرفة أحوالهم وتاريخهم. وهو الذي كان يهجو أعداء عشيرته ويدفع السباب بمثله. وكثيراً ما كانت كلمة عذبة حلوة من شاعر مجيد تسكن ثائر العداوات وتطفئ نار الخصومات كما أنه ما كانت كلمة منه تستفز بغضاء القبائل وتشعل نار الحرب بينها.
ومن البديهي أن أمة هذه حالها وهذه طبائعها كانت تقابل ظهور شاعر بين ظهرانيها بالفرح والابتهاج وتعتبر شهرته من الحوادث ذات البال. فكانت القبائل الموالية للقبيلة التي نبغ فيها شاعر تقدم إليها زرافات لمشاركتها في إعلان أفراحها فتقام الولائم وتنحر الذبائح وتوزع الأرزاق وتعلو أصوات النساء ويتسارع الأطفال إلى تقبيل طرف ثوب بطل الاحتفال عسى ربة الشعر توحي إليهم في مستقبل الأيام ما أوحته إليه.
وكان العرب في كل يوم ينصرون عن القتال وتبطل بينهم الحروب ويتهادنون لأيام معدودة ويغدون من كل فج سحيق من امرأة وعلماء وتجار وشعراء إلى حيث يجتمعون في عكاظ يتفاخرون بالشعر ويتبارون في الإبداع فيه. وكان يضرب لذلك فسطاط فخم ويتولى الحكم بين المتسابقين أبعد الشعراء شهرة وأعلاهم كعباً فكان يسمع ما يتلى بين يديه من القصائد ثم يبدي حكمه. وتكتب أجمل القصائد على نسيج من الكتان أو ورقة من أوراق البدي وتعلق ف يالكعبة ومن هذا أطلق عليها اسم المعلقات وعددها سبع وهي من أمتن الشعر وأحسنه بل إن المعلقات - وشعر الجاهلية عامة - هي المثال الذي مازال الشعراء ينسجون على منواله وينسجون نحوه إلى اليوم إلا في ما ندر من الأحوال تناقلها الناطقون بالضاد جيلاً بعد جيل وتغنوا بها وحفظوها وحاول شعراؤهم على ممر الأزمان يتحدوها في معانيها ومبانيها وتصوارت واصفيها وخيالاتهم. وما زال الشعراء إلى زماننا يتبعون
стр. 6008
في وضع أشعارهم القواعد والروابط التي وصفها شعراء الجاهلية فترى الشاعر يبدأ على الدوام ينصب المضارب والخيام ومنازل الأحباب كما كان يفعل شعراء العصر الجاهلي. ويطلب من صديقه أو من صديقته أن يقف معه ليبكيا معاً على الطلل والمنزل الذي كان مرتعاً للبهجة والأنس ثم هجره الصفاء وأصبحت ذكراه مصدراً للألم ومثاراً للأشجان. ثم ينتقل إلى التغزل بمحاسن المحبوبة والتفاخر بقومه وبشاعتهم وثباتهم في حومة الوغى ومكارمهم ثم يتخلص من ذلك ببيت يجب أن يكون غاية في الحسن والإبداع منتقلاً في تذكارات حبه وغرامه أن يرجعوا إلى المعاني القديمة والتخيلات البديعة التي سبقهم إليها سلفاؤهم مقتصرين على تغيير المبنى والتلاعب بالألفاظ وحسن السبك.
ثم جاء الإسلام فانصرف الناس عن الشعر زمناً فإن العرب وجدوا في القرآن ما تصبوا إليه نفوسهم من جيد القول. وجاءهم الكتاب المنزل بصورة جديدة من صور الكتابة لم يألفوها من قبل فلاهي بنثر ولا هي بنظم بل هي شيء أعلى من ذلك جاءهم بصورة إلهية سامية لا يعرف الواصف يصفها جلبت ألبابهم ولعبت بعقولهم وهم الذين رضعوا الفصاحة من ثدي امهاتهم وتربوا على البلاغة من مهادهم وعغرفوا غث الكلام من سمينه فاسركتهم هذه البلاغة العالية الخالدة وهذه الكلم الجوامع. وذهب المفسرون بعد ذلك إلى أن القرآن هو غاية الإعجاز في باب البلاغة والبيان وإلى أن الملائكة والناس يعجزون عن الاتيان بآية من آياته.
وقد نشأ من ذلك أن الشاعر سقط من شاهق مجده ولم تعد له نتلك المكانة الرفيعة التي كانت له في سالف الأزمان لم يعد ذلك الكاهن القديم والمدافع عن قبيلته وحامي حمى قومه بل تغير رأي الناس فيه وصاروا ينظرون إليه شزراً. وزاد الطين بلة أن بعضهم ذهبوا - أن صواباً وأن خطأ - إلى أن الرسول يكره الشعر، والشعراء واستدلوا على ذلك ببعض كلمات وردت في موضعين أو ثلاثة من القرآن يمكن تفسيرها بأنها لوم لبعض الشعراء أضف إلى ذلك أن الحماسة الدينية بلغت أشدها عند ظهور الإسلام فانصرفت الأذهان عن الأشعار والفنون واشتغلت بطبيعة الحال وبحكم الانقلاب الجديد بالبحث في أصول دينهم وأحكامه وتفاسيره وبالغزو والجهاد لنضر الدعوة إلى الإسلام. على أن الشعر رغماً من ذلك لم يمت تماماً فإن عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين أشار على المسلمين بأن
стр. 6009
يعلموا أولادهم الأمثال والشعر وكان الإمام علي ابن أبي طالب رابع الخلفاء من فطاحل الشعراء وأعلاهم كعباً في ميدان النظم.
ولما أمر الخليفة عثمان بن عفان بجمع القرآن من صدور الرجال ولم يكن قد جمع إلى عهده وتبين أنه يصعب تفسير بعض آياته وكلماته وإدخالها في أذهان الأمم الأجنبية كأهل مصر والشام وفارس الذين كانوا قد انتحلوا الإسلام وتألفت منهم غالبية أهله منذ القرن الأول للهجرة - رجع شارحوه ومفسروه إلى الأشعار القديمة للاستئناس بها والاستعانة بها على فهم ما أغلق عليهم من معاني بعض الألفاظ القرآنية متبعين في ذلك قول ابن عباس إذا قرأتم شيئاً في كتاب الله فلم تعرفوه - فاطلبوه - في أشعار العرب فكان ذلك مشاهداً على نهضة الشعر والعناية بأمره بعد إهماله زمناً فبدأت تعدون إليه بهجة الأزمان الخوالي رويداً إلى أن بلغ أعظم شأو في أيام الأمويين وارتفعت منزلة ارتفاعاً كبيراًَ.
وهناك أسباب سياسية دعت إلى هذا التغيير فإن موت الإمام على أوقع الفتنة في بلاد العرب فانقسموا إلى قسمين متناظرين حزب على وحزب معاوية. وعادت القبائل إلى التطاحن والقتال بعد أن كان الإسلام قد جمع بينها ووحد كلمتها ومحا الضغائن التي تأصلت في نفوسها قروناً فبعثت العادة القديمة من الرمس وسار كل شاعر في طليعة قومه يحرضهم على القتال ويبعث الحمية في نفوسهم متوسلاً إلى ذلك بتذكيرهم بوقائعهم الباهر وأفعالهم المجيدة. وكان معاوية داهية حصيف الرأي فعسى بجمع الوسائل إلى زيادة عدد أنصاره فأفلح في ضم معظم القبائل إلى جانبه بفضل دهائه وحكمته وسخائه وكان من بين الوسائل التي عمد إليها أنه أغدق هباته على الشعراء فقابلوا الجميل بمثله وألفوا القصائد في مدحه والتحدث بكرمه ومروءته فكان ذلك من أكبر الأسباب في ميل القلوب إليه وتمهيد أسباب النصر له. وسار خلفاء معاوية على نهجه ففتحوا أبوابهم للشعراء لاكتساب مودتهم من جهة ولأن بعض الأمراء كانوا مولعين بالشعر من جهة أخرى. فأزهر عصر الشعر وبلغ درجة لم يبلغها من قبل. ولكن الشعراء نسوا مقامهم القديم ومكانتهم الأولى ولم يدركوا قدر اللآليء التي كانوا يجودون بها فانحط مقامهم ونزل قدرهم. وبعد أن كان الشاعر في الجاهلية أمير قبيلة وسيد قومه أصبح في عهد الأمويين رجلاً من أولئك الذين تتألف منهم بطانات الأمراء. كل همه أن يستدر هباتهم وأن يتزلف إليهم وينال الحظوة لديهم.
стр. 6010
وفي عام ١٣٢ للهجرة حدث انقلاب جديد في العالم الإسلامي فإن أبا العباس ثار على الأمويين ونصره في ذلك أهل خراسان وفارس فتغلب عليهم ونزع الملك من بين أيديهم بعد أن نكل بهم تنكيلا وقد علا شأن الشعراء في عهد العباسيين من أول عهدهم إلى يوم زوال ملكهم حين استولى التتار على بغداد في عام ٦٥٦ للهجرة. فكان الشاعر نديم الأمير وسميره جليسه فإن الخلفاء العباسيين قربوهم إليهم واستصفوهم وبالغوافي أكرامهم مراعاة لأسباب سياسية لا طعماً في استعمالهم وسيلة لكسب قلوب المسلمين بل لأن جلهم كانوا من أهل العلم والأدب وكانوا لا يأنفون من قول الشعر.
وقد بلغ العرب في أيام العباسيين من العزة والسؤدد إلى غاية ما وراءها غاية وأدركوا أكبر نصيب في ميدان التقدم والنجاح. بل إن عهد الدولة العباسية كان العصر الذهبي للشعر وللشعراء أيضاً مدة خمسة قرون متوالية. ولم يعد الشاعر ذلك الكاهن القديم ذلك العهد قبائل وشيعاً بل كانوا أمة واحدة جمعت كلمتها وتمازجت عشائرها - من الوجهتين الدينية والاجتماعية - بل كان الشاعر صديق الأمير ومؤانسه ومسيره ورفيقه في ساعات لهوه وأوقات أنسه. فعلا شأنه وارتفع قدره ونبه ذكره وانهالت عليه النعم وكان الناس يجلونه ويخشون بأسه وسطوته ويحسدونه على ما هو فيه من نعيم.
وكان الشاعر عالماً أن الفضل فيما ناله من الحظوة والخير يرجع إلى إبداعه في فنه فكان يطلب المزيد كل يوم في الإجادة ويضرب في الإبداع بسهم أوفر حتى رق الشعر وسما وبلغ منزلة رفيعة لم يعرفها من قبل بل صار هيكلاً مقدساً لا تصل إليه النفوس العالية والقلوب الرقيقة الحساسة. تدخله خاشعة متهيبة تحاذر الزلل فيا له من عصر سعيد تحكم فيه الشعر في النفوس وملك الأفئدة ومهد السبيل لصاحبه ليصل إلى أرفع درجات الجد وأعلى ذرى السؤدد. كان الشعر يغنى عن الحسب والنسب ويغنى الشعر عن التفاخر بغيره من الفضائل الحربية أو المزايا السياسية. حتى أن شاعراً مدح أبا العباس مؤسس دولة العباسيين فولاه ولاية. بل إن المأمون فعل ذلك مع ابن الجهم جزاءً له على قوله بيتاً من الشعر أعجبه وأطربه.
بل هل جاءكم نبأ الخلفية هارون الرشيد الذي بلغ من إكرامه للعلم والآداب أنه صب الماء لأبي معاوية الضرير ليغسل يديه. أو ابنيه الأمين والمأمون اللذين تنازعا في أيهما يقدم
стр. 6011
لأستاذه حذائيه ثم اتفقا على أن يقدم له كل منهما واحداً.
وأذكر على سبيل الاستطراد أن مسلم بن الوليد عين لوظيفة سامية هي وظيفة صاحب البريد بتقاضي رواتبها دون أن يشتغل فيها وكفى أنه كان يغتني بابنة الكرم ومكارمها. وأن الطغرائي كان وزيراً لسلطان الموصل مسعود ين محمد السلجوقي وأن المتنبي كان يعامل الأمراء وتؤدى له التحية التي تؤدى لهم. في تلك الأيام السعيدة كانت القصيدة تكتب على قطعة من رخام فيجازى قائلها بثقلها ذهباً. وكان البيت الواحد يساوي من ألف درهم إلى ألف دينار. فيالك من زمن مضى وانقضى كان الشعراء فيه ملوكاً والملوك شعراء. نعم لقد كان الملوك شعراء لا مبالغة في ذلك ولا مجاز وفي طليعتهم الخليفة هارون الرشيد ومعظم الخلفاء العباسيين وأحسنهم وأبلغهم عبد الله بن المعتز الذي قضى في الخلافة يوماً وكأنما فيكتور هيجو شاعر الفرنسيس كان قد أخذ عنه حين قال في رواية روت ما معناه
وفتحت روت عينها بين اليقظة ولمنام وتساءلت أي أله في هذا الصيف الخالد ألقى وهو سائر هذا المنجل الذي صيغ من ذهب في الحقل الذي رصعته النجوم
فإن عبد الله بن المعتز قال قبل ذلك بعشرة قرون
انظر إلى حسن هلال بدا ... يهتك من أنواره الحندسا
كمنجل قد صيغ من فضة ... يحصد من زهر الدجى نرجسا
ولقد أطلت القول عن هذا العصر. لأنه أحسن العصور بالنسبة للشعر العربي حيث تجلى فيه جمال الشعر وإبداعه أكثر من كل عصر سواه. وثانياً لأن ذلك العصر الزاهر الأنوار أعقبه ليل بهيم كشف الظلمات مازلنا نتخبط في دياجيره إلى اليوم فلا تغيره إلا بعض نجوم قليلة تتألق فيه حيناً بعد آخر وبعض بروق تومض أحياناً ثم تختفي. أذكر ذلك العهد السعيد لأنه منذ زال رحل الشعر معه وانحط شأن الشعراء فالناس تجهل أقدارهم وتغمط أفضالهم وهم يتخبطون بين الحياة والموت.
وقبل أن أختم كلامي أقول كلمة عن مميزات الشعر العربي في كل عصر من العصور التي أشر إليها.
كان الشعر في العصر الجاهلي مرآة حقيقية تنعكس فيها أخلاق العرب وعاداتهم وأحوال معيشتهم. فكان الأعراب في ذلك الحين يضربون في الصحراء لا يستقرون على حال وهم
стр. 6012
يعيشون من السطو والغزو وقطع الطرقات وشن الغارة على القوافل أما محاصيل الأرض فكانت ضعيفة لا تكفي لسد حاجاتهم. فكان شعرهم - وهو مرآة أخلاقهم - بسطاً سلسلاً سهلاً عليه أدلة الصدق مع مسحة من الخشونة وهل كان لشعرهم سبيل إلى أن يكون غير ذلك؟ وكانوا يقرون بالخاطر يجول في مخيلتهم ويتجلى لهم المنظر أمام عيونهم يدعو إلى السرور أو الأسى فيرسلونه شعراً للتعبير عما في نفوسهم دون إغراق ولا موارية. فتجد فيه العبارات العنيفة الوحشية للتغني بالقتل والقتال وسفك دماء الأعداء وتجد فيه العبارات اللينة التي تسيل رقة للتعبير عن غرام خالج الفؤاد ولعب بالقلب وأذل تلك النفس العاتية. ليس في عباراتهم تكلف بل هي تسيل كالماء الذي يجري من عين صافية دون جهد ولا عناء بل كأن الشعر جاء عفواً دون أن تستكد الشاعر ذهنه. لا يقيد شاعرهم بموضوع ولا يشعر ولا بقافية ولا يحاول أن يأتي ف أبياته بأنواع التشبيه والمجاز ولا بالغريب في الألفاظ ولا يسعى في تزيين القول ليكون صورة ما في نفسه وما تكنه جوارحه. فإذا لا قى ما يدخل السرور إلى قلبه هتف هتاف الفرح وإذا عرض له ما يدعو إلى الأسى أنَّ وناح. أو إذا أراد الفخر عبر عن أعماله وأعمال قومه بغاية البساطة والسهولة لا فرق في ذلك بينه وهو في هذه الحالة الفطرية وبين الطير الذي من الرياء والتصنع فهو كالطبيعة بل هو كالجمال.
أما في أيام الأمويين فإن اللغة بعثت كما كانت ولكن الشعر لم يعد هذه العذراء الطاهرة التي لم يقربها رياء بل إن الشعراء الذين نزلوا إلى مصاف المملقين والمتزلفين شوهوا محاسنها ومزقوا ثوب عفافها. فبينما كان الأقدمون يقولون مع حسان:
وإن أحسن بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا
أصبح المتأخرون يزعمون أن أحسن الشعرا كذبه. أضف إلى ذلك أن فتوحات الإسلام امتدت فدخل تحت حكم العرب كثير من الأمم الغريبة عنهم التي تخلفت مشاربها عن مشاربهم وإن هذه الأمم المغلوبة دانت بدين الفاتحين وتعلمت لغتهم فيم يعد الشعراء من العرب دون سواهم بل كان بينهم المصري والسوري والفارس والأندلسي ولكل منهم نزعة خاصة قسم عليها شعره ويظهر أثرها في قوله. والصفة الغالبة في شعر ذلك العصر أن معظمه كان شعراً غرامياً الغرض منه الغزل والتشبه مع خلاعة ومجون يرجع السبب
стр. 6013
الأصلي فيهما إلى كثر النساء اللواتي وقعن في أسر المسلمين في حروبهم وهناك أشعار اشتملت على أمور سياسية وعلى مطاعن يعزى السبب فيها طبعاً إلى انشقاق المسلمين إلى أحزاب وإلى ما قام من الخلاف بين أسرة معاوية وأسرة الأمام علي. على أنه يمكن القول بوجه الإيجاز أن هذا العصر كان زاهراً بالشعر وقد نبع فيه جماعة من فطاحل الشعراء وأعظمهم كالأخطل وجرير والفرزدق.
وبلغ الشعر أعلى ذروة في عهد العباسيين فإن النجاح الذي صادفه العرب والتقدم الذي بلغوه والمدينة التي أصابوها كل ذلك كان له أثر كبير في الروح الشعرية. ثم إن معيشة الخلفاء وترفهم والخمور والحب الخ. حول الشعر من حال إلى حال فرق حتى صار نسمة من نسمات الروح وتهذيب ألفاظه وحلت مبانيه وخفت روحه. هذا فضلاً عن تقدم العلوم وانتشار المدينة والفلسفة وبلوغ حرية الفكر والقول إلى درجة كبرى وسعت دائرة العقل وشحذت القرائح ورفعها إلى الابتكار فوصلت تخيلات الشعراء إلى درجة من السمو لم تصل إليها في من الأزمان.
ويمتاز الشعر في العصر العباسي من جهة شكله بمتانة الوزن والقافية مع السهولة والمرونة بحيث أصبح أسهل تناولاً وأطوع للشاعر وبروح جديدة كشرت قيود القوالب القديمة التي تقدي بها الفكر العربي في سالف الأزمان. وامتاز من جهة موضوعية بقوة التصور والمناقشات العلمية والخيالية والتأملات الفلسفية التي تضمنها. وبعد أن كانت الأشعار في الماضي كفة القلوب فقط أصبحت تتضمن الحكمة والآراء العلمية والأبحاث المنطقية. فكان الأطباء يضعون كتباً في الطب شعراً. والفلاسفة يقيدون شوارد أفكارهم وخواطرهم شعراً فيما يتعلق بمنشأ الكون والقضاء والقدر وحرية الاختيار وخلود النفس إلى غير ذلك من الأبحاث العويصة. ولا يزعمن زاعم أن ذلك كان عمل ناظم يرص الكلمات رصاً دون أن يكون في كلامه أثر من آثار الشاعرية الصحيحة بل إن ذلك ما فعله جماعة من فحول الشعراء أمثال المتنبي وأبي العلاء المعري وابن هاني وغيرهم وأسعارهم في هذا الباب تنفذ إلى القلوب فهي من أحسن الشعر وأرقه وأكثره تأثيراً في النفوس.
أما ما آلت إليه حالة الشعر العربي بعد سقوط بغداد فإني أضرب صفحاً عنها مكتفياً بالكلمة
стр. 6014
التي قلتها فيما مر.
وإنما أقول أنه منذ القرن الثامن للهجرة (القرن الخامس عشر للميلاد) أصبح الشعر صورة كيكية فاسدة. وتقليداً سقيماً للأشعار القديمة لا أثر فيها للابتكار على الإطلاق وأصبح الشعراء - استغفر الله بل الناظمين - أضحوكة يقلدون من سلفهم تقليداً أعمى مع جهل مطبق بروح الشعر القديم وبأحوال الزمان الحديث على السواء فتراهم كما كان الحال أيام امرئ القيس وأصحاب المعلقات يبدأون بذكر المضارب والخيام في الصحارى والقفار ويشكون من الظمأ ويخاطبون الناقة التي أخناها السير وأنهكها التعب ويغزلون بمحاسن المحبوبة بنفس لاألفاظ التي كان تغنى بها الشعراء أيم البداوة مع أنهم يقيمون في مدائن آهلة بالسكان ومنازل عامرة توفرت لهم فيها أسباب الراحة والزفاه وبجانبهم أنهر جارية تروي مياهها ما هم فيه من الظمأ وهم يتطون صهوات الجياد أفنات عليها السروج من الخز وقد تحجرت قلوبهم فلا تنبض لهوى ولا تشعر بعاطفة من عواطف الغرام!
ولكن ذلك لا يمنعنا أن نقول كما قال الأستاذ جول لومتر إن الشعر في مجموعة بما حوى من العواطف الرقيقة أنقى شعر عرفه العالم وقد أضاف الأستاذ إلى ذلك وهو الناقاد البصير الذي لا يلقي الكلام على عواهنه أنه أقرب الأشعار إلى المعاني الرجولية والشرف والحياء الصحيح والشهادة أه.
стр. 6015
مخطوطات وطبوعات
تاريخ العرب
للمسيو كليمان هوار جزآن طبع في باريز سنة ١٩١٢ - ١٩١٢ ص ٨٩٣
٢
عرف المسيو هواربين علماء المشرقيات من الفرنسويين بتوفره على العلم ووقوفه على أحوال الشرق فهو بيعرف عدة لغات شرقية ولا سيما الفارسية والعربية ومن جملة ما نشر كتاب البدء والتاريخ لأبي البلخي مع ترجمته إلى الإفرنسية وتاريخ آدات اللغة الإفرنسية ورحلته إلى قونية ودراويش الولوية ومفركات على سياحته في سورية وتاريخ بغداد منذ استيلاء المغول إلى مذابح المماليك وكتب الخطاطين والمذهبين في الشرق الإسلامي إلى غير ذلك من الرسائل والأبحاث في دائرة المعارف الإسلامية والمجلة الآسيوية ومجلة العلم الإسلامي وكله من آثار الجد وآخر ما نشروه هذا الكتاب في تاريخ العرب الذين كانوا كما قال دعاة الإسلام ويهتم الغربيون لهم حق الاهتمام ولا سيما في ابتداء هذا القرن العشرين وقد كثر احتكاك الأوربيين بهم.
وتاريخ العرب على ماقال عنه المؤلف عبارة عن تاريخ شبه جزيرة العرب قبل الرسول وعلى عهد خلفائه مباشرة ثم الممالك الإسلامية العربية ولم يتكلم فيه على البلاد العربية التي اقتحمها العثمانيون في القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر ولكنه عني بالإمارات التي احتفظت باستقلالها مثل عمان ومراكش.
وصف المؤلف جزيرة العرب أولاً وتكلم على عادات العرب وأخلاقهم وعلى تاريخ الجزيرة في القديم ويدخل فيه الكلام على ملوك غسان الذين كانوا عمالاً لامبراطورة الرومان في حوران وأرجائها وعلى مكة قبل الرسول والكعبة وبداية أمر محمد ﵊ ووقعة ذي قار وعلى الهجرة إلى المدينة وعلى نظام المجتمع الإسلامي وخلافة الراشدين ثم الأمويين فالعباسيين فالأغالبة في تونس فالطولونين في مصر فالحمدانين في حلب فالفاطميين وعلى الأوضاع السياسية والاقتصادية في الإسلام من مثل نظام القضاء والشحنة والتملك والأوقاف والمواريث ومزانيات العباسيين.
هذا مضمون فصول الجزء الأول وفي الجزء الثاني تكلم على الدولة الأيوبية والحروب
стр. 6016
الصليبية والدولة الأتابكية ودولة المماليك البحرية وعلى الصلات السياسية والتجارية مع دول الغرب من مثل البضائع التي كان يجري عليها التفاوض بين الشرقيين والغربيين والطرق التجارية وإنشاء القنصلات وابتياع الأسرى والعلائق السياسية مع رومية وبحث في إسبانيا والمغرب وفتحهما والحروب الأهلية في إسبانيا والممالك الصغرى فيها وعن دولتي المرابطين والموحدين ويدخل فيه الكلام على قلعة بني حماد وصقلية وهجرة اليونان إلى شمالي أفريقية وخاتمة استيلاء العرب على إسبانيا ودول مراكش والأشرف الحسنية في سجلماسة واليمن والدولة الرسولية وعمان والخوارج والوهابين وعرب والسودان والمهدي والآداب العربية والعلوم عند العرب.
ولم بتوسع المؤلف في بحثه كثيراً بل جعله مختصراً تكون فائدة المطالع منه على طرف الثمام وتكون عند المطالع من الإفرنج فكراً أجمالياً عن تاريخ هذه الأمة الجليل والمسيو هوارليس كسيد لميو صاحب تاريخ العرب الذي ترجم بالعربية في غرامه بالعرب وإنصافه لهم فهما وإن كانا فرنسويين لكن زمنهما مختلف ومشربهما كذلك.
ومما راقنا في كتابه قائمة الكتب التي رجع إلها المؤلف في آخر كل فصل ومعظمها مما نشره الألمان لأن علم المشرقيات عند الجرمانيين أرقى منه عند غيرهم. وله فهرس واسع حوى الأسماء التي ورد ذكرها في الكتاب وفي آخر كل دولة من الدول الإسلامية فهرس بأسماء ملوكها في آخر الفصل لتسهيل الكشف عنهم وتيسير حفظهم ولعل صاحبنا المسيوهوار يؤلف بعد هذا المختصر مطولاً في تاريخ العرب يطلق فيه العنان لقلمه السيال حتى يكون المرجع الأعظم للباحثين والمسترشدين من الأوربيين والشرقيين خصوصاً مع توفر المواد له بعدة لغات في مدينة كباريز مهد العلوم والآداب فنثني الثناء الأطيب على المؤلف والطابع ونرجو أن تظل هذه العناية على اتمها عند الفرنسيس بعلوم الشرق وتاريخه كما هي عند الألمان والإنكليز وغيرهم من أمم المدينة الحديثة.
تاريخ حماه
تأليف الشيخ أحمد الصابوني طبع بنفقة مكتبة عنوان النجاح في مطبعة
حماة سنة ١٣٣٢ (ص١٦١)
هو مختصر في تاريخ هذه المدينة تكلم فيه مؤلفه أحد أدباء حماة على تاريخ الحثيين
стр. 6017
والإسرائيليين واليونان والرومان والعرب وتوليهم مقاليد الحكم على هذه المدينة ولكن بإيجاز يكاد يكون مخلاً وكلام قليل على حماة القديمة وحدودها ونهرها العاصي ونواعيره وراحيته وجسوره ومحلاته وعدد نفوسه ومساكنه والجوامع والمدارس والمارستان والحمامات وأحوال حماة الجوية والصناعية والعمرانية وهذا استغرق نحو نصف الكتاب وهو بحجم الربع ثم تراجم مختصرة لبعض مشاهير ملوكها وفقائها وعلمائها وأدبائها استند فيها المؤلف على طبقات السكي وتاريخ ابن خلكان وتاريخ أبي الفدا والمحيي والمرادي وغيرها من الكتب المتداولة.
وأفيد ما في هذا الكتاب بعض ما نقش على أبواب المساجد والمدارس والمحال العامة منذ القديم من الكتابات وبيان ما هو معروف منها ومن أوقافها لهذا العهد ولو توسع في ذلك كثيراً لجاء في أحسن مرجع في بابه ولكنه اكتفى بما تهيأ له لأول وهلة والنظرة الأولى قد تخطئ وتراجم الرجال لا تشبع غليلاً لأن منها زاد بإيراد شيء من شعر المترجمين ومنه مالا يفيد لأنه خال من نكتة تاريخية وأدبية وليس فيه إلا ما يورث الترجمة طولاً على غير طائل فأي فائدة مثلاً من نقل ما قيل من المراثي في صاحب حماة أبي الفدا وإهمال التوسع في ترجمته وهو ثاني المأمون بخدمته للعلم والآداب لم يشرف حماة بنسبته إليها بل شرف الشام والعالم العربي فمن كان بهذه المثابة جدير بان يتوسع في ترجمته لا أن يكون حظ أديب من العناية أكثر منه وهذا ليس له إلا شعر قد يكون ضئيلاً لاجزالة فيه بل أي فائدة من ترجمة أصحاب الكرامات والتنويه بمن كانوا يعتبرون الرؤيا ووسمهم بأن ذلك من الفنون ومن أصحاب هذه التراجم ما لوحظ فيه على ما يظهر إرضاء بعض العامة والأعيان والتاريخ لا يكتب على الهوى وإذا لم يستطع المرء أن يترجم الأسلاف إلا بما يمليه الأخلاف فالأولى به أن يطوي تاريخه لينشر بعده خالياً من أعراض هذه الأغراض. وقد وقعت للمؤلف غلطات منها مطبعية ومنها لغوية وصرفية ومنها جغرافية تاريخية كنا نود أ - ن يعرى منها هذا المختصر مثل تذكيره للبئر ص١٥ وهي مؤنثة وتذكيره للحما وهو مذكر.
ومثل ذلك ما رقع في الرسم وأغلاطه النحوية والطفيفة الدالة على تساهل كقوله (ص٥٩) ثلاث أميال. ثلاث أقضية و (ص٢٣) ثمانية ساعات والصحيح ثلاثة أميال ثلاثة أقضية
стр. 6018
وثماني ساعات ومن أغلاطه الجغرافية واللفظية قوله في ترجمه ابن واصل (ص١٤) ومن تأليفه الأنبروزية في المنطق صنفها للإمبراطور ملك الصقالبة (إيطاليا) المسمى فريدريك والصحيح الأنبرورية بالراء المعجمة في الثانيةلا بالزاي نسبت إلى الأنبرور أو الإمبراطور وقوله الصقالبة غلط ومنازل العنصر الصلقي ذكرها جغرافيو العرب والإفرنج. وكان مثل ابن واصل حرياً بأن يتوسع في ترجمته لأنه يعد في الفلاسفة وهو أهم من مائة أديب يعتاش بشعره أمثال ابن مليك ومن أغلاطه قوله في أبيات لابن حجة (ص١٢٩) من قصيدة قالها سنة ٨٢٠ في مدح الخيثمي
هو أي بسفح القاسمية والجسر ... إذا ذهب ذاك الريح فهو والهوى العذري
قال في الحالية والقاسمية هي الرحى على جانب جسر باب النهر من بناء قاسم باشا الخطيب. ولم تن الدولة العثمانية قد دخلت سورية على ذاك العهد بل دخلتها سنة ٩٢٢ ولفظ باشا من مصطلحات الأتراك في التشريف لا من مصطلحات الجراكسة على أن معظم ما أورده صاحب هذا الكتاب من الحواشي مفيد في بابه مزيل للبس ونشكره على تأليفه ونرجوا أن يضع هذه الملاحظات محلها من النظر ويضيفها وغيرها إلى الطبعة الثانية التي وعد بطبعها من كتابه هذا خدمة للتاريخ والحقيقة وبتوسع في الأعمال الواجب بسطها ويختصر في الأماكن التي لا يجوز فيها إلا الإيجاز.
مدارك الشريعة الإسلامية
وسياستها
طبعت بمطبعة الترقي بدمشق
من علماء الدين رجال اطلعوا على أسرار الشريعة فأنشأوا يبثونها في صور مختلفة ويشربونها القلوب بلسان يوافق الأذواق العصرية ومن هذه الفئة الفاضلة السيد محمد الخضر بن الحسين من مدرسي الجامع الأعمظم في تونس سابقاً فقد اعتاد هذا الأستاذ أن يلقي محضرات يبين فيها حكمة الشريعة وينشرها في كراسات خاصة يبثها بين جميع الطبقات وآخر محاضراته التي ألقاها في تلك العاصمة رسالة في مدارك الشريعة الإسلامية وسياسيتها أفاض فيها في حكمة التشريع والشرائع وتقسيمها ومنابع الشريعة الإسلامية والإسلام دين وسياسة واختلاف المذاهب وانتشارها وطبقات الفقهاء والأمراء كل ذلك
стр. 6019
بعبارة منسجمة تجمع إلى الطلاوة متانة وهاك نموذجاً مما قال في اختلاف المذاهب:
كره الشارع التفريق في الآراء وندب الأمة إلى الوفاق بقدر ما يمكنها ولكنه يعلم أن تماسكهم وسيرهم في جميع الأحكام على مذهب واحد غير ميسر لهم فإذن لهم بعد بذلهم الوسع في انفاق الرأي أن يأخذ كل طائفة بما استقرب عليه أفهامهم ولا يضرهم متى تمكنوا في صناعة تقرير الأحكام واستوفوا شروطها أن لا يصيبوا وجه الحق في الواقع قال ﷺ إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر وأطلق الشارع للعقل عنانها في الاجتهاد ليفتح لها المجال في النظر ويربيها على مبدأ الاستقلال بالرأي حتى لا يستولي عليها التقليد من جميع جهاتها فيتخللها الجمود ويصلح الفرق بينها وبين العقول المتصرفة كالفرق بين الماء الراكد في حماءٍ والماء المنهمر على الصفا لا يمازجه كدر.
ومن شعر بهذه الحكمة لا يمكنه الغض من جانب علماؤ الإسلام حيث أفضى بهم الاجتهاد إلى الاختلاف بل هذا مما يجر إلى الاعتراف بمزيتهم ويبرهن على أنهم نشأوا على مبدأ البحث واستقلال الفكر ولو أنهم كانوا بعقول خامدة وإرادة ميتة لاتبعوا ما يفتي به أول فقيه منهم وتسلموه بتقليد.
وبعد أن أبان الوجوه المتعددة التي تدعو المجتهدين إلى الخلاف قال: ولو أن أهب الإسلام استمروا على تأليف الجمعيات العلمية لتحرير أحكام الحوادث واستخلاص الحقيقة من الآراء المتلاقية لا لتأمت عدة خلافات حقيقية وسقطت أقوال كثيرة من حساب مسائل الخلاف وقد كان للسلف اهتمام بجمع العلماء في المسائل المشكلة فقد نقل الحافظ ابن عبد البر عن المسبب بن رافع أنه جاء الشيء من القضاء ليس في الكتاب ولا في السنة رفع إلى الأمراء فجمعوا له أهل العلم فما اجتمع عليه رأيهم فهو الحق أه.
كتاب الأنساب للمعاني
стр. 6020
عرفوا علم أنساب فأنه علم يتعرف منه أنساب الناس وقواعده الكلية والجزئية والغرض منه الاحتراز عن الخطأ في نسب شخص وهو علم عظيم النفع جليل القدر وقد عنيت العرب بضبط أنسابها حتى إذا أكثر أهل الإسلام واختلظت أنسابهم بالأعجام تعذر شبطها بالآباء فانتسب كل مجهول النسب إلى بلده أو حرفته أو نحو ذلك حتى غلب هذا النوع قال كاتل حلبي وقد صنفوا فيه كتباً كثيرة والذي فتح هذا الباب وضبط علم الأنساب هو الإمام النسابة هشام بن محمد السائب الكلبي المتوفي سنة ٢٠٤ فإنه صنف فيه خمسة كتب ثم اقتفى أثره جماعة. قلنا ومنهم الإمام أبو سعيد عبد الكريم ابن محمد المرزوي الشافعي الحافظ المتوفي سنة ٥٦٢ وكان أبو سعيد هذا كما قال صاحب وفيات الأعيان واسطة عقد البيت السمعاني وعينهم الناظر ويدهم الباطشة وإليه انتهت رئاسيهم وبه كملت سيادتهم رحل في طلب العلم والحديث إلى الشرق البلاد وغربها وجنوبها وشمالها وسافر إلى ما وراء النهر وسائر بلاد خرسان عدة دفعات وإلى نومس والري وأصبهان وهمدان وبلاد الجبال والعراق والحجاز والموصل ولاجزيرة والشام وغيرها من البلاد التي يطول ذكرها ولقي العلماء وأخذ منهم وكان عدة شيوخه تزيد على أربعة آلاف شيخ وصنف التصانيف الحسنة الغزيرة منها كتاب الأنساب نحو ثمان مجلدات وهو الذي اختصره عز الدين أبو الحسن علي ابن الأثير الجزري واستدرك عليه والمختصر هو الموجود بأيدي الناس والأصل قليل الوجود.
قال في الكشف أن ابن الأثير سمى كتاب السمعاني اللباب وهو في ثلاث مجلدات ثم لخصه السوطي وجرده عن المتنسبين وزاد عليه أشياء وسماه الألباب في تحرير الأنساب ولخصه الخيضري المتوفي سنة ٨٩٤ وكأن اله ادخر كتاب السمعاني في خزانة المتحف البريطاني إلى هذا العهد ليقوم أحد علماء المشرقيات الأستاذ مرجليوث بنشره على نفقة تذكار حبيب الإنكليزي. طبع على المجر (ليتوغرافيا) فجاء مثل الأصل المأخوذ عنه حذو القذة وذلك على ورق جيد في زهاء ألف ومائتي صعحة من الحجم الكامل وإذ كانت النسخة المنقول عنها مختلفة الخطوط جاءت كذلك وفي ظننا أن هذه النسخى لو طبعت بالحروف كما طبع الأستاذ مرجليوث أيضاً معجم الأدباء لياقوت لعمت الإستفادة من هذا السفر الجليل وسهل على كل مطالع الأخذ منه لأن في هذه الخطوط ما يصعب حله إلى بعد أعمال النظر
стр. 6021
وأكثره من الخلط اللطيف النسخي ويا حبذا لو شفع الناشر هذا الكتاب بمعجم لألفاظ الإعلام الواردة فيه وأتبعه بغير ذلك من الفهارس على عادة الأوربيين في طبعهم كتبنا العربية.
قال السمعاني في مقدمته: وكنت في رحلتي أتتبع ذلك وأسأل الحافط عن الأنساب وكيفيتها وإلى أي شيء نسب كل أحد وأثبت ما كنت أسمع ولما اتفق الاجتماع مع شيخنا وأمامنا أبي شجاع عمر بن الحسين البسطامي ذكر الله بالخير مما رواء النهر فكان يحثني على نظم مجموع في الأنساب وكل سنة إلى قبيلة أو بطن أو ولاء أو بلدة أو قرية أوجد أوحرفة أو لقب لبعض أجداده فغن الأنساب لا تخلو عن واحدة من هذه الأشياء شرعت في جمعه بسمر قندفي سنة خمسين وخمسمائة وكنت أكتب الحكايا والجرح والتعديل باسانيدها ثم حذفت الأسانيد لكيلا يطول وملت إلى الاختصار ليسهل على الفقهاء حفظها ولا يصعب على الحفاظ ضبطها وأوردت النسبة على حروف المعجم وراعيت فيها الحرف الثاني والثالث إلى آخر الحرف وابتدأت بالألفف الممدودة لأنها بمنزلة الألفين وذكرت الأبرى في الألفين وهي قرية من سجستان وإلا برى بالألف مع الباء المحد وهذه النسبة إلى عمل الإبرة وأذكر نسب الرجل أذكره في الترجمة وسيرته وما قال الناس فيه وإسناده وأذكر شيوخه ومن حدث عنهم ومن روى عنه ومولده ووفاته إن كان بلغني ذلك.
هده جملة حال الكتاب والمحور الذي يدور عليه وتراجم الرجال الواردة أسمائهم فيه مختصرة على الأغلب لأن المقصد الأول تعيين نسبته وله شبه كثير بكتاب المشتبه في أسماء الرجال المحافظ الذهبي إلا لأنه مطول أكثر وفيه تراجم يصح أن تعد تراجم ولكن المشتبه عبارة عن معجم لما استعجم من أسماء الرجال. فنشكر الطابع والناشر أطيب الثناء ونتمنى أن يوفق الأمناء على تذكار جيب إلى طلع أمثاله من كتب العلم المبعثرة في خزائن التب في الغرب والشرق لأنهم مؤتمنون عليها عارفون بأقدارها بعلمون بتأن في إخراجها للناس بحسب المناسب والدواعي وفقهم الله.
دروس الجغرافيا
تأليف فوزي بك العظم طبع بمطلعة جمال بنفقة المكتبة الأهلية في
بيروت ينة ١٣٣٢ - ١٩١٤ ص١٢٨
هذا هو القسم الثاني الذي وعد به المؤلف في العام الفائت وهو يشتمل على دروس
стр. 6022
وتمارين في الجغرافيا بعبارة تترقى بحسب الطالب وهذا الموجز أوسع من الجزء الذي سلفه فنشكر مؤلفه ونرجو له التوفيق إلى إتمام هذه السلسة النافعة لتلامذة المدارس وغيرهم.
стр. 6023
أخبار وأفكار
الموسيقى الأهلي
تألف في القاهرة معهد للموسيقا الأهلي من جماعة من الوطنيين والأجانب ورئاسة حسن باشا واصف من عيون أعيان القاهرة والغرض منه ترقية هذا الفن الشريف وقد جعله الجناب الخديوي تحت حمايته وخصه أمراء الأسرة الخديوية برعايتهم ومعونتهم.
الجنايات في مصر
بلغ عدد حوادث الجنايات في القطر المصري في العام الماضي ٤٠٩٦ حادثة مقابل ٣٧٨٤ في العام الذي قبله.
السفن الراسية في بيروت
بلغ مجموع السفن البخارية والشراعية التي أرست في تغر بيروت سنة ١٩١٣ - ١٠٢٤ سفينة بخارية منها ٢٣٢ إنكليزية و١٧١ أفرنسية و١٤٧روسية و١٤١نمساوية و١٣٩طليانية ومحمولها كلها ١. ٧٦٦. ٥٤١ وجاء الثغر ١٨٢٦ سفينة شراعية محمولها ٣٢. ٨٧٣ طناً منها ١٨٢٦سفينة عثمانية.
أكل الثوم
كان بعضهم يذهب إلى أن البلغاريين تطول أعمارهم لإكثارهم من تناول اللبن الرائب وقد ذهب أحد أطباء باريز اليوم إلى أن الإكثار من أكل الثوم مما يطيل الحياة فهو يحرض الناس على مزاولة أكل الثوم ويمدح الحساء المطيبة بالثوم ويعتقد بأن من يتناولها يعيش أكثر من ثمانين سنة ويخطئ من يقول بأن البلغاريين تطول باللبن أعمارهم وعلل ذلك لكثرة تناولهم في مآكلهم من الثوم.
الطلبة المصريون
ثبت بالإحصاء أن مجموع الطلبة المصريين الذين يطلبون العلم في أوربا على نفقاتهم نحو ٦١٤ منهم ٣٧٣ طالباً في بلاد الإنكليز و١٣٩في فرنس و٦٤ في سويسرا منهم من يتعلم الحقوق ومنهم الاقتصاد السياسي ومنهم الطب ومنهم الآداب ومنهم الهندسة ومنهم الزراعة ومنهم التجارة ومنهم الفنون الجميلة ومنهم غير ذلك.
стр. 6024
أهل الإسلام
ذكرت مجلة العالم الإسلامي التي تصدر في لندن أن في الدنيا كلها ٢٠١. ٢٩٦. ٦٩٦ مسلماً منهم ١٥٦٦٩٠١١٠ في آسيا و٤٢. ٠٣٩. ٣٤٩ في إفريقية و٢. ٣٧٣. ٦٧٦ في أوربا و١٧٣. ٦١ في أميركا الشمالية والجنوبية و١٩. ٥٠٠ في أوستراليا والجزر التابعة لها. وإن ١٦٧٠٩٣. ٨٩١ منهم تحكمهم حكومات مسيحية والباقون وعددهم ٣٤. ١٩٢. ٨٠٥ لا يزالون يتمتعون باستقلالهم.
حفلة تكريم
أقيمت في مصر ليل ٤ حزيران ١٩١٤ (١١رجب سنة ١٣٢٣) حفلة في أوتل شبرد لتكريم واصف بك غلي صاحب المحاضر المنشورة في هذا الجزء لنقله إلى الغرب مزايا العرب وآدابهم ووقوفه موقف الدفاع عنهم وهو ابن بطرس باشا غلالي أحد رؤساء النظار السابقين ومن كبار رجال النهضة القبطية فاحتفل به جمهور كبير من عظماء مصر وعلمائها وأدبائها ورجال صحفها وسياستها وعددهم١٠٧ فانتدب الجناب الخديوي عنه عثمان باشا مرتضى رئيس ديوانه وجعلت الحفلة برئاسة إسماعيل باشا صبري ولما تناولا الطعام هنيئاً طابت نفوسهم إلى الكلام فافتتح الكلام إسماعيل صبري باشا بأبيات قال في مطلعها
أي صوت حيته بالأم ... س باريس مقر العلوم والعلماء
من ترى ذلك الذي جملته ... حكمة الشيب في ربيع الفتاء
ذلك الأسمر الذي به البي ... ض مطلاً من منبر الخطباء
وأما اللثام عن أدب العر ... ب كرام الآباء والأبناء
إلى أن قال
أيه ياابن الأمجاد قمت بأعبا ... ءٍ كبار والمجد ذو أعباءِ
وأريت الأنام ذوي القر ... بى ورأي الكريم في الكرماء
وقال أحمد بك شوقي في قصيدة
إنما يقدر الكرام كريم ... ويقيم الرجال وزن الرجال
وإذا عظم البلاد بهوها ... أنزلتهم منازل الإجلال
стр. 6025
توجت هامهم كما توجوها ... بكريم من الثناء وغال
إنما (واصف) يناء من الأخ ... لاق في دولة المشارق عال
ونجيب مهذب من نجيب ... هذبته تجارب الأحوال
وأهب المال والشباب لما ين ... فع لا للهوى ولا للضلال
ومذيق العقول في الغرب مما ... عصر العرب في السنين الخوالي
في كتاب حوى المحاسن في الشع ... ر وأوعى جوائز الأمثال
من صفات كالعين صدقاً وسبتاً ... في أداء الوجوه والأشكال
نسيب تحاذر العيد منه ... شرك الحسن أو شباك الدلال
ونظام كأنه فلك اللي ... ل إذا لاح وهو بالزهر حال
وبيان كما تجلى على الرس ... ل تجلى على رعاة الضال
ما علمنا لغيرهم من لسان ... زال أهلوه وهو في إقبال
بليت هاشم وبادت نزار ... واللسان المبين ليس يبال
كلما هم مجده نزوال ... قام فحل فحال دون الزوال
يا بني مصر لم أقل أمة القب ... ط فهذا تشبث بمحال
واحتال على خيال من المج ... د ودعوى من العراض الطوال
إنما نحن مسلمين وقبطاً ... أمة وحدت على الأجيال
سبق النيل بالأبوة فينا ... فهو أصل وآدم الجد تال
نحن من طينة الكريم على الل ... هـ ومن مائة القراح الزلال
مر ما مر من قرون علينا ... رسفاً في القيود والأغلال
وانقضى الدهر بين زغردة الع ... س وحثوا التراب والأعوال
ما تحلى بكم يسوع ولا ك ... نا لطه وديمه بجمال
وتضاع البلاد بالنوم عنها ... وتضاع الأمور بالإهمال
يا شباب الديار مصر إليكم ... ولواء العرين بالأشبال
كلما روعت بشبه يأس ... جعلتكم معاقل الآمال
هيئوها لما يليق بمنف ... وكريم الآثار والأطلال
следующие страницы →