Полный текст (6 802 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.
стр. 6021
وأكثره من الخلط اللطيف النسخي ويا حبذا لو شفع الناشر هذا الكتاب بمعجم لألفاظ الإعلام الواردة فيه وأتبعه بغير ذلك من الفهارس على عادة الأوربيين في طبعهم كتبنا العربية.
قال السمعاني في مقدمته: وكنت في رحلتي أتتبع ذلك وأسأل الحافط عن الأنساب وكيفيتها وإلى أي شيء نسب كل أحد وأثبت ما كنت أسمع ولما اتفق الاجتماع مع شيخنا وأمامنا أبي شجاع عمر بن الحسين البسطامي ذكر الله بالخير مما رواء النهر فكان يحثني على نظم مجموع في الأنساب وكل سنة إلى قبيلة أو بطن أو ولاء أو بلدة أو قرية أوجد أوحرفة أو لقب لبعض أجداده فغن الأنساب لا تخلو عن واحدة من هذه الأشياء شرعت في جمعه بسمر قندفي سنة خمسين وخمسمائة وكنت أكتب الحكايا والجرح والتعديل باسانيدها ثم حذفت الأسانيد لكيلا يطول وملت إلى الاختصار ليسهل على الفقهاء حفظها ولا يصعب على الحفاظ ضبطها وأوردت النسبة على حروف المعجم وراعيت فيها الحرف الثاني والثالث إلى آخر الحرف وابتدأت بالألفف الممدودة لأنها بمنزلة الألفين وذكرت الأبرى في الألفين وهي قرية من سجستان وإلا برى بالألف مع الباء المحد وهذه النسبة إلى عمل الإبرة وأذكر نسب الرجل أذكره في الترجمة وسيرته وما قال الناس فيه وإسناده وأذكر شيوخه ومن حدث عنهم ومن روى عنه ومولده ووفاته إن كان بلغني ذلك.
هده جملة حال الكتاب والمحور الذي يدور عليه وتراجم الرجال الواردة أسمائهم فيه مختصرة على الأغلب لأن المقصد الأول تعيين نسبته وله شبه كثير بكتاب المشتبه في أسماء الرجال المحافظ الذهبي إلا لأنه مطول أكثر وفيه تراجم يصح أن تعد تراجم ولكن المشتبه عبارة عن معجم لما استعجم من أسماء الرجال. فنشكر الطابع والناشر أطيب الثناء ونتمنى أن يوفق الأمناء على تذكار جيب إلى طلع أمثاله من كتب العلم المبعثرة في خزائن التب في الغرب والشرق لأنهم مؤتمنون عليها عارفون بأقدارها بعلمون بتأن في إخراجها للناس بحسب المناسب والدواعي وفقهم الله.
دروس الجغرافيا
تأليف فوزي بك العظم طبع بمطلعة جمال بنفقة المكتبة الأهلية في
بيروت ينة ١٣٣٢ - ١٩١٤ ص١٢٨
هذا هو القسم الثاني الذي وعد به المؤلف في العام الفائت وهو يشتمل على دروس
стр. 6022
وتمارين في الجغرافيا بعبارة تترقى بحسب الطالب وهذا الموجز أوسع من الجزء الذي سلفه فنشكر مؤلفه ونرجو له التوفيق إلى إتمام هذه السلسة النافعة لتلامذة المدارس وغيرهم.
стр. 6023
أخبار وأفكار
الموسيقى الأهلي
تألف في القاهرة معهد للموسيقا الأهلي من جماعة من الوطنيين والأجانب ورئاسة حسن باشا واصف من عيون أعيان القاهرة والغرض منه ترقية هذا الفن الشريف وقد جعله الجناب الخديوي تحت حمايته وخصه أمراء الأسرة الخديوية برعايتهم ومعونتهم.
الجنايات في مصر
بلغ عدد حوادث الجنايات في القطر المصري في العام الماضي ٤٠٩٦ حادثة مقابل ٣٧٨٤ في العام الذي قبله.
السفن الراسية في بيروت
بلغ مجموع السفن البخارية والشراعية التي أرست في تغر بيروت سنة ١٩١٣ - ١٠٢٤ سفينة بخارية منها ٢٣٢ إنكليزية و١٧١ أفرنسية و١٤٧روسية و١٤١نمساوية و١٣٩طليانية ومحمولها كلها ١. ٧٦٦. ٥٤١ وجاء الثغر ١٨٢٦ سفينة شراعية محمولها ٣٢. ٨٧٣ طناً منها ١٨٢٦سفينة عثمانية.
أكل الثوم
كان بعضهم يذهب إلى أن البلغاريين تطول أعمارهم لإكثارهم من تناول اللبن الرائب وقد ذهب أحد أطباء باريز اليوم إلى أن الإكثار من أكل الثوم مما يطيل الحياة فهو يحرض الناس على مزاولة أكل الثوم ويمدح الحساء المطيبة بالثوم ويعتقد بأن من يتناولها يعيش أكثر من ثمانين سنة ويخطئ من يقول بأن البلغاريين تطول باللبن أعمارهم وعلل ذلك لكثرة تناولهم في مآكلهم من الثوم.
الطلبة المصريون
ثبت بالإحصاء أن مجموع الطلبة المصريين الذين يطلبون العلم في أوربا على نفقاتهم نحو ٦١٤ منهم ٣٧٣ طالباً في بلاد الإنكليز و١٣٩في فرنس و٦٤ في سويسرا منهم من يتعلم الحقوق ومنهم الاقتصاد السياسي ومنهم الطب ومنهم الآداب ومنهم الهندسة ومنهم الزراعة ومنهم التجارة ومنهم الفنون الجميلة ومنهم غير ذلك.
стр. 6024
أهل الإسلام
ذكرت مجلة العالم الإسلامي التي تصدر في لندن أن في الدنيا كلها ٢٠١. ٢٩٦. ٦٩٦ مسلماً منهم ١٥٦٦٩٠١١٠ في آسيا و٤٢. ٠٣٩. ٣٤٩ في إفريقية و٢. ٣٧٣. ٦٧٦ في أوربا و١٧٣. ٦١ في أميركا الشمالية والجنوبية و١٩. ٥٠٠ في أوستراليا والجزر التابعة لها. وإن ١٦٧٠٩٣. ٨٩١ منهم تحكمهم حكومات مسيحية والباقون وعددهم ٣٤. ١٩٢. ٨٠٥ لا يزالون يتمتعون باستقلالهم.
حفلة تكريم
أقيمت في مصر ليل ٤ حزيران ١٩١٤ (١١رجب سنة ١٣٢٣) حفلة في أوتل شبرد لتكريم واصف بك غلي صاحب المحاضر المنشورة في هذا الجزء لنقله إلى الغرب مزايا العرب وآدابهم ووقوفه موقف الدفاع عنهم وهو ابن بطرس باشا غلالي أحد رؤساء النظار السابقين ومن كبار رجال النهضة القبطية فاحتفل به جمهور كبير من عظماء مصر وعلمائها وأدبائها ورجال صحفها وسياستها وعددهم١٠٧ فانتدب الجناب الخديوي عنه عثمان باشا مرتضى رئيس ديوانه وجعلت الحفلة برئاسة إسماعيل باشا صبري ولما تناولا الطعام هنيئاً طابت نفوسهم إلى الكلام فافتتح الكلام إسماعيل صبري باشا بأبيات قال في مطلعها
أي صوت حيته بالأم ... س باريس مقر العلوم والعلماء
من ترى ذلك الذي جملته ... حكمة الشيب في ربيع الفتاء
ذلك الأسمر الذي به البي ... ض مطلاً من منبر الخطباء
وأما اللثام عن أدب العر ... ب كرام الآباء والأبناء
إلى أن قال
أيه ياابن الأمجاد قمت بأعبا ... ءٍ كبار والمجد ذو أعباءِ
وأريت الأنام ذوي القر ... بى ورأي الكريم في الكرماء
وقال أحمد بك شوقي في قصيدة
إنما يقدر الكرام كريم ... ويقيم الرجال وزن الرجال
وإذا عظم البلاد بهوها ... أنزلتهم منازل الإجلال
стр. 6025
توجت هامهم كما توجوها ... بكريم من الثناء وغال
إنما (واصف) يناء من الأخ ... لاق في دولة المشارق عال
ونجيب مهذب من نجيب ... هذبته تجارب الأحوال
وأهب المال والشباب لما ين ... فع لا للهوى ولا للضلال
ومذيق العقول في الغرب مما ... عصر العرب في السنين الخوالي
في كتاب حوى المحاسن في الشع ... ر وأوعى جوائز الأمثال
من صفات كالعين صدقاً وسبتاً ... في أداء الوجوه والأشكال
نسيب تحاذر العيد منه ... شرك الحسن أو شباك الدلال
ونظام كأنه فلك اللي ... ل إذا لاح وهو بالزهر حال
وبيان كما تجلى على الرس ... ل تجلى على رعاة الضال
ما علمنا لغيرهم من لسان ... زال أهلوه وهو في إقبال
بليت هاشم وبادت نزار ... واللسان المبين ليس يبال
كلما هم مجده نزوال ... قام فحل فحال دون الزوال
يا بني مصر لم أقل أمة القب ... ط فهذا تشبث بمحال
واحتال على خيال من المج ... د ودعوى من العراض الطوال
إنما نحن مسلمين وقبطاً ... أمة وحدت على الأجيال
سبق النيل بالأبوة فينا ... فهو أصل وآدم الجد تال
نحن من طينة الكريم على الل ... هـ ومن مائة القراح الزلال
مر ما مر من قرون علينا ... رسفاً في القيود والأغلال
وانقضى الدهر بين زغردة الع ... س وحثوا التراب والأعوال
ما تحلى بكم يسوع ولا ك ... نا لطه وديمه بجمال
وتضاع البلاد بالنوم عنها ... وتضاع الأمور بالإهمال
يا شباب الديار مصر إليكم ... ولواء العرين بالأشبال
كلما روعت بشبه يأس ... جعلتكم معاقل الآمال
هيئوها لما يليق بمنف ... وكريم الآثار والأطلال
стр. 6026
وانهضوا نهضة الشعوب لدنيا ... وحياة كبيرة الأشغال
وإلى الله من مشى بصليب ... في يديه ومن مشى بهلال
وقال حافظ بك إبراهيم:
يا صاحب الروضة الغناء هجت ينا ... ذكر الأوائل من أهل وجيران
نشرت فضل كرام في مضاجعهم ... جرَّ الزمان عليهم ذيل نسيان
إني أحييك عنهم في جزيرتهم ... وفي العراق وفي مصر ولبنان
جلوت للغرب حسن الشرق في حلل ... بما يستهين بها نساج (هرنان)
ظنوك منهم وقد أنشأت تخبطهم ... بما عنا لك من سحر وتبيان
ما زلت تبرهنا طوراً وتبرهم ... حتى ادعاك محياك الفريقان
لولا اسمرارك فازوا في ادعائهم ... (بواصف) وخسرنا أي خسران
إلى أن قال:
أمسى كتابك كالسيما يعيد لهم ... مرأى الحوادث مرت منذ أزمان
قد شاهدوا فيه تحت النفع عنترة ... يصارع الموت عن عبس وذبيان
وشاهدوا أسداً يمشي إلى أسدٍ ... كلاهما غير هياب ولا وآني
هذا من العرب يلوي به فزع ... زذاك أروع من آساد خفان
لله در يراع أنت حامله ... لو كان في أنملي يوماً لأغناني
وقفت تدفع عن آدابنا تهماً ... كادت تقوض منها كل بنيان
فكنت أول مصري أقام لهم ... على نبالة مصر آلف برهان
ما زلت تلقي على أسماعهم حججاً ... في كل ناد وتأتيهم بسلطان
حتى أثنيت وما في الغرب مجتريء ... على البناء ولا زار على الباني
محوت ما كتبوا عنا بقاطعة ... من البراهين فلت قول (رينان)
انحنى على الأدب الشرقي مفترياً ... عليه ما شاء من زور وبهتان
ظن الحقيقة في الأشعار تنقصنا ... واللفظ والقصد والتصوير في آن
وإننا لم نصل فيها إلى مئة ... عداً وذاك لعي أو لنقصان
ولو رأى ابن جريح في قصائده ... لقال آمنت في سري وإعلاني
стр. 6027
مالي أفاخر بالموتى وبين يدي ... من شعر أحيائنا ما ليس بالفاني
في شعر شوقي وصبري ما نتيه به ... على نوابعهم دع شعر مطران
بوركت يا ابن الوزير الحر من رجل ... لم يختلف فيه أو في فضله اثنان
بلغ إذا جئت بايزاً أفاضلها ... عنا التحيات وأشفعها بشكران
وخص كاتبهم (جولاً) بأطيبها ... كيما نقابل إحساناً بإحسان
واجعل لسفرك ذبلاً في شواعرنا ... وقف لهن هناك الموقف الثاني
وقال أحمد أفندي نسم من قصيدة:
وحسب فضلك أن أعليت بينهمو ... قدر النساء باكبار وإجلال
حليتها بالعفاف المحض فابتدرت ... بالطهر غالية عن كل لآل
لو كان عندي كعوب جئت تمهرها ... لكان شفرك أقصى مهرها الغالي
أحييت فضل الألي بادت أوائلهم ... من مالكين زمام الدهر أفيال
قوم إذا سئلوا جادوا بباهرة ... من العوارف لم تخطر على بال
وإن همو حاربوا هشت نفوسهمو ... للحرب من كل كرار ونزال
حتى إذا نهضوا خافت بوادرهم ... كواسر الوحش من شبل ورئبال
وإن أحبوا فما في حبهم ريب ... تؤذي العفاف لغدار ومحتال
وإن هم انتسبوا في كل منقبة ... جاؤوا بكل كريم العم والخال
الصادعين على الأملاك بيضتهم ... من كل أروع بادي الكبر مختال
فجدد العهد واذكر أمة سلفت ... يا من فخرت بذكرى عصرها الخالي
عز القريض فمن لي بابن هانئه ... يطريك في حكم غر وأمثال
كنت الرسول إلى القوم الألى نكروا ... هذي المآثر عن سهو وإغفال
فكنت مثل يسوع في واقفه ... يهدي نفوس شعب عنه ضلال
نايين! حاسدة باريس مذ أخذت ... عندك النهى بين تكبير وإهلال
شفيت فيها جهالات مغشية ... على عقول أناس منذ أجيال
فالعمي مبصرة والصم سامعة ... والميت قام لما تلقيه من قال
وتكلم ويصا أفندي فما قال عن المحتفل به: أنه كتب ما كتبه كشاعر ليجب من يقرأ كتابه
стр. 6028
في اشعر العربي فاستعمل لغة الشعراء حتى لقد يخيل إلى القرئ أنه يقرأ شعراً لا نثراً. وفي الحقيقة فإن واصف بك ولد شاعراً فغرامه بالشعر العربي سيد الشعر كما يقول هو غرام فطري فعبر عنه بلغة هي لغة الآلهة كما يقول القدماء فكر كثيراً في الشكل الذي يصوغ فيه معنيه فأدهش من قرأها من الفرنسويين حتى أن كتابه ولو أنه حديث في آداب القوام فقد عنيت الجرائد الكبرى كلها بإنقاذه وتقريظه ثم دعي بعد فألقى محاضرات في الشعر العربي بأجمل ما قيل في اللغة الفرنسوية.
بين في مقدمة بليغة كيف أن الشعر كان شريفاً عند العرب فجعلوه ديوان علومهم وأخبارهم وتواريخهم وحكمهم وحياتهم اليومية كما فعل المصريون على جدران معابدهم وكيف كان ملكة مستحكمة فيهم حتى أنهم كانوا ينطقون به ارتجالاً فكانوا كلهم شعراء ثم سرد لذلك أسباباً عدة: منها شعور العربي وشدة تأثره وانفعالاته النفسانية واتساع مدى خياله. ومنها استيعابه اللغة العربية وما فيها من المترادفات العديدة فكان رؤساء العرب متنافسين في الشعر فرئيس القبيلة كان ناشدها وحامي ذمارها ينشد انتصاراتها ويهجوا أعداءها.
ثن بين مصادر الشعر وقسمها ستة أقسام أصلية وهي الغزل والحماسة والمدح والذم والوصف والحكم ثم بين كيف كان الشاعر ب \ يقصد المدح والافتخار بقومه ولم يكن ينتظر أجراً على ذلك. ولكن بعد الفتح الإسلامي جاء خلف لم يكن اللسان لسانهم وتعلموا الشعر صناعة ثم مدحوا أمراء العجم بأشعارهم طالبين أجراً فصار الغرض من الشعر الاستجداء فترفع أهل المراتب عنه وأصبح تعاطيه مذمة وكذلك الهجو فكان الشاعر يبيع أشعاره كالسلع لمن غالى في شرائها.
كل ذلك صاغه المحتفل به بلغة فصيحة شعرية فعند ما تكلم مثلاً على الغزل أمام السيدات الشريفات في الليسيوم الذي ترأسه الدوقة دوسين انظروا كيف وصف الحسناء العربية منتقياً ألفاظ الجمال من كتب العرب فترجمها بألفاظ شعرية من اللغة الفرنسوية حتى أني بعد ما قرأت هذا الوصف سألت نفسي هل هذه الحسناء لم تكن تمثالاً من المرمر صوره خيال الكاتب أو هل لم يصف أحد هذه التماثيل المعروضة في متحف اللوكسمبرج والتي لابد أن يكون قد وقع نظره عليها قبل إلقاء محاضراته.
ثم انظروا كيف وصف الحب عند العرب. قال إنه كان طاهراً نقياً بعيداً عن كل بهيمية
стр. 6029
وكانت المرأة محترمة مساوية للرجل وذكر من اشتهر من النساء في الحروب والشعر والآداب والطب والعلوم.
ذكر عمرة ابنة علقمة التي اشتهرت في واقعة واحد والخنساء التي حمدت ربها على استشهاد بنيها الأربعة يوم القادسية ورجت منه أن يجمعها معهم في مستقر رحمته وزينب التي مارست في الطب وجندب زوجة امرئ القيس وعائشة بنت طلحة وعمرة بنت هبل اللاتي سبقن مدام دي رمنوييه في جمع الشعراء والأدباء في بيوتهن للسمر والمحادثة في شؤون الآداب.
ثم بين ما امتاز به العرب من الصفات كالوفاء بالعهد أمثال حمظلة بن أبي عفرة وهو مشهور ومعروف والسموأل ثم احترام المرأة واحترام البنين لآبائهم والكرم وحب الانتقام الخ.
ولكن أحسن ما كتبه واصف بك هو ما كتبه عن حكم العرب فقال إن هذه الحكم هي نوع من الحماسة والفخر مصدرها الأنفة العربية فالشاعر العربي لا يفتخر فقط بأنه أشعر الشعراء وأشجع الفرسان وأكرم الكرماء بل يفتخر أيضاً بأنه أحكم الحكماء خاض معترك الحياة وذاق حلوها ومرها وعرف أسرارها فمن اتبع نصائحه اهتدى وهذه النصائح يهديها إلينا بلا مقابل كرماً منه فهو رجل كامل. ثم لخص بعد ذلك ما جاء في هذه الحكم فقال إن حكماء العرب يفكرون في الموت ويستهينون بالدنيا ويذكرون أنها ليست لحي وطناً فيجب اتخاذ صالح الأعمال فيها والاعتصام بالصبر والسكوت ذخيرة.
ومن قرأ هذه الحكم وأراد أن يقارنها بنوع من الفلسفة الحديثة لم يجد إلا الفلسفة المعروفة بال ولكن الشعر العربي له مزية خاصة إذ إنه يرفع هذه الحكم ويلبسها ثوباً من الظرف والجدة.
وقال أحمد حافظ بك عوض من خطبة.
أن آداب اللغات سواء كانت فطرية خالصة كما كانت آداب العرب في عهد البداوة أو مزر كشة عليها مسحة الصناعة والرشاقة كما كانت في أواخر المدينة العربية - هي مرآة صادقة تظهر فيها أخلاق الأمة وأطوارها ظهيراً لا سبيل فيه إلى المراء والمداراة وقد كانت الدرجة التي تصل إلها آداب اللغة في أمة من الأمم هي مقياس رقيها في درجات
стр. 6030
المدينة والكفاءة العقلية حتى ليصح أن يقال أن وحدة القياس للمدينة هي الآداب من شعر ونثر وحكمة.
وما على الباحث في تواريخ الأمم الغابرة إلا أن يكون لديه من سلامة الذوق ودقة النظر ما يمكنه من استجلاء صور هاتيك الأمم من قراءة الآداب. وأما التاريخ فهو بمعزل عن هذه الروح لأنه لا يؤدي إلى إلا إحصاء حوادث قد يقع مثلها في كل أمة وفي كل عصر. وربما أصدق التواريخ في وصف حالات الأمم النفسية والاجتماعية ما كان لمؤلفه يد في الأدب ومشاركة فيه ولهذا فإن كان مؤرخو العرب قد قصروا في الصناعة التاريخية فإنهم كانوا أدباء في تواريخهم، مؤرخين في أدبهم وبذلك أوقفونا على حالة الأمة العربية النفسية والأخلاقية وجعلونا كأننا نعيش معهم.
إن أوربا اليوم قد ألقيت إليها مقاليد السيادة في العالم فجلست على منصة الحكم بين الأمم. لا أقول الحكم بالاستعمار والتسلط فقط ولكن والحكم على رقي الأمم في مستوى المدينة والآداب أيضاً. فليس من سبيل إلى رفع مقدار أمة من الأمم الشرقية خاصة أو اللاأوربية بوجه عام في نظر الأمم أو الدول الأوربية أقرب وأشرف من رفع اللثام عن الحالة النفسية لتلك الأمة وعرضها كما هي مصورة في أشعارها وآدابها. وذلك ما صنعه واصف بك بين الأمة العربية والأمة الفرنسية بل والعالم الأوربي بأجمعه، ولهذا نحن نكرمه الليلة.
فواصف كان كالمحامي عنا خصه الله بموهبة المعرفة بلغة قضاتنا أمامهم غير هياب ولا وجل يناضل عنا بأفصح عبارات لغتهم ويشرح لهم ما لأمتنا من الآداب الراقية والحكم الرائقة حتى يحصرهم بفصاحته وحجته فحكموا لنا حكماً يفيدنا في مصالحنا الاجتماعية والأدبية بل والاقتصادية والسياسية.
стр. 6031
العدد ٨٨ - بتاريخ: ١ - ٥ - ١٩١٤
стр. 6032
المجودون من المصنفين
التآليف في الأمم كالأشخاص منها العاطل والجيد والأجود والعاطل يقضى عليه لا يبقى لأنه ساقط بطبعه والجيد قد يدوم لفائدة قليلة فيه أما الأجود فباق بقاء الأيام وكلما ذكر اسم صاحبه حلا في الأفواه وتطلعت نحوه العيون كان الموجودون من المؤلفين في القرون الأولى للإسلام أكثر من المجودين في القرون الأخيرة لأن كانت أرقى عند العرب ومائدة العلم لا يجرأ على الأخذ منها طفيلي لأن الأمة تميز والنقد أشد والحرية أوسع.
فإنا إذا قلبنا صفحات التاريخ نجد في كل عصر العشرين والثلاثين من الرجال المبرزين وهؤلاء يجب أن يشاد بذكرهم كل حين لأن تآليفهم وحدها إذا بقيت للأمة تتناقلها الجيل بعد الجيل تكفيها في قيام أمرها إلا قليلا مما يحدث مع كرور الأيام فالعرب مثلا إذا اقتصروا على تأليف المجودين من المصنفين في علوم اللسان والدين فلا يستغنون عن أخذ سائر العلوم عن أحدث الأمم حضارة.
وها نحن أولاء نلم في هذه العجالة بأسماء بعض من اشتهروا من المجودين من علماء العرب على اختلاف العصور منذ بدأ التدوين عندهم فمنهم أبو بكر بن مجاهد العارف بالقراآت وعلوم القرآن وهو آخر من انتهت إليه الرئاسة بمدينة السلام توفي سنة ٣٢٤ ومنهم الخليل بن أحمد ١٧٠ وهو أول من استخرج العروض وغاية في استخراج مسائل النحو وتصحيح القياس ومنهم صاحبه سيبويه قال ابن النديم وعمل كتابه الذي لم يسبقه إلى مثله أحد قبله ولم يلحق به بعده قرأت بخط أبي العباس ثعلب اجتمع على صنعة كتاب سيبويه اثنان وأربعون إنسانا منهم سيبويه والأصول والمسائل للخليل ومنهم أبو عبيدة ٢١٠ والأصمعي ٢١٠ وأبو حاتم السجستاني٢٥٥ والمبرد ٢٧٩ والزجاج ٣١٠ ومنهم ابن دريد ٣٢١ وأبو سعيد السيرافي ٣٦٨ وأبو الحسن الرماني وأبو علي الفارسي ٣٧٠ وال كسائي ١٩٧ والفراء ٢٠٧ والمفضل الضبي وابن الأعرابي ٣٣١ وأبو عبيد القاسم بن سلام وابن السكيت ٢٤٦ وابن قتيبة قال صاحب الفهرست أنه كثير التصنيف والتأليف وكتبه في الجيل مرغوب فيها وقال ابن خلكان أن كتبه كلها جيدة واو حنيفة الدينوري وابن خالويه ٣٧٠ وابن جني ٣٩٢ وابن إسحاق صاحب السيرة قال ابن النديم وكان يحمل عن اليهود والنصارى ويسميهم في كتبه أهل العلم الأول ١٥٠ وهشام الكلبي قال إسحاق الموصلي كنت إذا رأيت ثلاثة يرون ثلاثة يذبون علويه إذا رأى مخارقا وأبا نواس إذا
стр. 6033
رأى أبا العتاهية والزهري إذا رأى هشام ٢٠٦ والوا قدي وهو الذي خلف بعد وفاته ستمائة فمطر كتباً كل قمطر منها حمل رجلين وكان له غلامان مملوكان يكتبان الليل والنهار وقبل ذلك بيع له كتب بألفي دينار ٢٠٧ والمدائني ٢٢٥ والبلاذري صاحب كتاب البلدان وأحد النقلة من الفارسي وأبو الفرج الأصفهاني ٣٦٠ وعبد الله بن المقفع قال ابن النديم الكتب المجمع على جودتها عهد أزدشير كليلة ودمنة رسالة عمارة بن حمزة الماهانية اليتيمة لابن المقفع رسالة الحسن لأحمد بن يوسف الكاتب وسهل بن هرون وكان أبو عثمان الجاحظ يفضله ويصف براعته وفصاحته قدامه بن جعفر والمرزباني ٣٧٨ والصابي والصاحب بن عباد وأبو زيد البلخي كان فاضلا في العلوم القديمة والحديثة تلاقي تصنيفاته وتأليفا ته طريقة الفلاسفة إلا أنه بأهل الأدب أشبه وإسحق الموصلي وبشار بن برد وأبو نواس وابن الرومي والبحتري ومالك بن أنس والشافعي وأبو حنيفة وابن حنبل وأبو يوسف والمزني وداود بن علي وأبو عبد الله البخاري وابن جرير الطبري ويحيى النحوي ويعقوب ابن إسحق الكندي وأبو نصر الفارابي ومتى بن يونس ويحيى بن عدي وابن زرعه وبن بنو موسى بن شاكر وثابت بن قرة وإبراهيم بن سنان وعمر بن الفرخان ومحمد بن موسى الخوارزمي قال ابن النديم وكان منقطعاً إلى خزانة الحكمة للمأمون وهو من أصحاب علوم الهيئة وكان الناس قبل الرصد وبعده يعولون على زيجيه الأول والثاني ويعرفان بالسند هند وبنو الصباح محمد وإبراهيم والحسن قال في الفهرست والجميع من حذاق المنجمين بعلوم الهيئة والأحكام والبتاني صاحب الزيج وحنين بن إسحق العبادي والعباد نصارى الحيرة وقسطا بن لوقا البعلبكي ويوحنا بن ماسويه وإسحق بن حنين وأبو بكر الرازي وجابر بن حيان.
وابن وحشية وابن السيد البطليوسي قال ابن خلكان وهو مجيد في كل ما صنفه ك وكمال الدين بن يونس ٦٣٩ قال ابن خلكان تبحر في جميع الفنون وجمع من العلوم ما لم يجمعه أحد وتفرد بعلم الرياضة وكان أهل الذمة يقرؤن عليه التوراة والإنجيل وشرح لهم هذين الكتابين شرحا يعترفون أنهم لا يجدون من يوضحهما لهم مثله وكان في كل فن من الفنون كأنه لا يعرف سواه لقوته فيه وأحمد بن الطيب السر خسي قال ابن أبي أصيبعة كان متفنناً في علوم كثيرة من علوم القدماء والعرب حسن المعرفة جيد القريحة بليغ اللسان مليح
стр. 6034
التصنيف والتأليف ٢٨٦ وثابت بن قرة قال ابن أبي أصيبعة لم يكن في زمانه من يماثله في صناعة الطب ولا في غيره من جميع أجزاء الفلسفة وله تصانيف مشهورة بالجودة وكذلك جاء جماعة كثيرة من ذريته ومنهم أبو سعيد ابنه سنان وأبو الحسن ثابت بن سنان وأبو علي بن زرعة وعلي بن العباس المجوسي مصنف كتاب الملكي في الطب وأبو الفرج بن الطيب وأبو الحسن بن بطلان وابن الشبل البغدادي وابن رضوان وسعيد بن هبة الله وابن جزلة وأمين الدولة بن التلميذ والبديع الاصطرلابي وأبو الخير الحسن بن سوار وأبو الفرج بن هند والرئيس ابن سينا وأبو الريحان البيروني قال ابن العبري أنه مبحر في فنون الحكمة اليونانية والهندية وتخصص بأنواع الرياضيات وصنف فيها الكتب الجليلة ومصنفاته كثيرة متقنة محكمة غاية الإحكام أبو الفرج بن الطيب قال القفطي أنه أحيا من علوم الحكمة والمنطق ما دثر وأبان منها ما خفي وقد تلمذ له جماعة سادوا وأفادوا منهم المختار بن الحسن بن عبدون المعروف بابن بطلان قال ابن بطلان إن شيخنا أبو الفرج بن الطيب بقي عشرين سنة في تفسير ما بعد الطبيعة ومرض من الفكر فيه مرضة كان تلفظ نفسه فيها وهذا يدلك على شدة حرصه واجتهاده وطلب العلم لعينه.
وفخر الدين الرازي وابن جلجل والغافقي الأندلسي قال ابن أبي أصيبعة وكتابه في الأدوية المفردة لا نظير له في الجودة ولا شبيه له في معناه وأمية بن الصلت وابن باجة وأبو العلاء بن زهر وابن رشد وابن الرومية وابن الهيثم والمبشر بن فاتك وله تصانيف جليلة في المنطق وغيره من أجزاء الحكمة وهي مشهورة في ما بين الحكماء الخطيب التبريزي القطب الشيرازي الإمام القزويني والجوهري وابن سيده وابن الحاجب ونصير الدين الطوسي والغزالي وابن دقيق العيد والزمخشري وسيف الدين الآمدي والبيضاوي والماوردي وابن حزم وابن البيطار ومحي الدين بن عربي وابن مجلي الموصلي وابن فلوس المارديني وابن مسكويه والمسعودي وابن خلدون وابن الأثير وأبو الفدا وابن فضل الله وأفضل الدين الخونجي قال أبو الفرج بن العبري وفي هذا الزمان أي في النصف الأول من القرن السابع كانت جماعة من تلامذة الإمام فخر الدين الرازي سادات فضلاء أصحاب تصانيف جليلة في المنطق والحكمة كزين الدين الكشي وقطب الدين المصري بخراسان وافضل الدين الخونجي بمصر وشمس الدين الخسروشاهي بدمشق وأثير الدين
стр. 6035
الأبهري بالروم وتاج الدين الأرموي وسراج الدين الأرموي بقونية وعبد المنعم الجلياني وابن الصلاح وموفق الدين بن المطران وشرف الدين بن الرحبي وعبد اللطيف البغدادي والصاحب أمين الدولة السامري وابن حيان البستي ابن عبد ربه بديع الهمداني الحسن بن رشيق القيرواني قال ياقوت كان شاعراً أديباً نحوياً لغوياً حاذقاً عروضياً كثير التصنيف حسن التأليف وكان بينه وبين ابن شرف الأديب مناقضات ومحاقدات وصنف في الرد عليه عدة تصانيف وأبو هلال العسكري وابن جني ذكر الضبي في بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس أن أبا علي القالي صاحب الأمالي المشهورة لما هاجر من بغداد إلى قرطبة في سنة ٣٣٠ كان الأمير أبو العاصي الحكم بن عبد الرحمن من أحب ملوك الأندلس للعلم وأكثرهم اشتغالاً به وحرصاً عليه فتلقاه بالجميل وحظي عنده وقربه وبالغ في إكرامه ويقال أنه هو قد كتب إليه ورغبه في الوفود عليه واستوطن قرطبة ونشر علمه بها وكان الحكم المستنصر قبل ولايته الأمور وبعد أن صارت إليه يبعثه على التأليف وينشطه بواسع العطاء ويشرح صدره بالإفراط في الإكرام.
وذكر أيضاً في ترجمة حسان بن ملك بن أبي عبدة الوزير أحد أئمة اللغة والآداب ومن أهل بيت جلالة ووزارة نقلاً عن ابن حزم أنه عمل على مثال كتاب أبي السري سهل بن أبي غالب الذي ألف في أيام الرشيد كتاباً سماه بكتاب ربيعة وعقيل قال أبومحمد ابن حزم وهو من أصلح ما ألف في هذا المعنى وفيه من أشعاره ثلثمائة بيت وكان سبب تأليفه إياه أنه دخل على المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر وبين يديه كتاب أبي السري بعجب به فخرج من عنده وعمل هذا الكتاب وفرغ منه تأليفاً ونسخاً وتصويراً وجابه في مثل ذلك اليوم من الجمعة الأخرى وأراه إياه فسر به ووصله عليه وروي أيضاً في ترجمة صاعد بن الحسن الربعي وكان عالماً باللغة والآداب والأخبار أنه كان سريع الجواب حسن الشعر طيب المعاشرة فكه المجالسة ممتعاً فأكرمه المنصور - أبو عامر الأندلسي في المئة الرابعة - وزاد في الإحسان إليه والإفضال عليه وكان مع ذلك محسناً للسؤال حاذقاً في استخراج الأموال طبناً بلطائف الشكر دخل على المنصور أبي عامر يوماً في مجلس أنس وقد كان تقدم فاتخذ قميصاً من رقاع الخرائط التي وصلت إليه فيها صلاته ولابسه تحت ثيابه فلما خلا المجلس ووجد فرصة لما أراد تجرد وبقي في القميص المتخذ من الخرائط فقال له ما
стр. 6036
هذا فقال له هذه رقاع صلات مولانا اتخذتها شعاراً وبكى وأتبع ذلك من الشكر ما استوفاه فأعجب ذلك المنصور وقال له لك عندي مزيد وكان قد حظي عنده بما ألف له من الكتب علي بن الحسين الأصبهاني الشريف المرتضى القاضي الجرجاني علي بن عبيدة الريحاني أبو حيان التوحيدي صاحب المقابسات ابن الجوزي ابن قيم الجوزية ابن تيمية ابن العميد ابن القفطي القلقشندي والنويري وإبراهيم بن الحصري صاحب زهر الآداب قال ياقوت وله تآليف جيدة في ملح الشعر والخبر أبو علي الفارسي أبو حنيفة الدينوري أبو العلاء المعري وابن النديم والجاحظ والحريري ابن الصائغ أبو بكر بن زهر القاضي أبو الفرج المعافي قال ابن خلكان كان فقيهاً أديباً شاعراً عالماً بكل فن وله عدة تصانيف ممتعة في الأدب وغيره وكتاب الجليس الأنيس تصنيفه أيضاً ٣٩٠ واصل بن عطاء ياقوت الحموي يحيى بن أكثم ابن السكيت ابن عبد البر وابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة وابن الأنباري عبد القاهر الجرجاني أبو إسحق الأسفراييني قال ابن خلكان أخذ عنه العلم والأصول عامة شيوخ نيسابور وأقر له بالعلم أهل العراق وخراسان وله التصانيف الجليلة ٤١٨ أبو إسحق الشيرازي قال ابن خلكان أنه صنف التصانيف المباركة المفيدة ٤٩٦ أبو حامد الأسفراييني ٤٠٦ وابن زيدون والصلاح الصفدي أبو الفضل الميداني صاحب كتاب الأمثال ٥١٨ القاضي الفاضل الثعالبي صاحب اليتيمة القاضي عياض قال ابن خلكان صنف التصانيف المفيدة قال وبالجملة فكل تواليفه بديعة القاضي الباقلاني أبو الحسين البصري له التصانيف النائقة في أصول الفقه وانتفع الناس بكتبه الحاكم النيسابوري قال ابن خلكان إمام أهل الحديث في عصره والمؤلف فيه الكتب التي لم يسبقه إلى مثلها ٤٠٥ وابن دريد صاحب الجمهرة وأبو بكر الأنباري ٣٢٨ أبو عبد الله المرزباني صاحب التصانيف المشهورة ٣٧٨ المسبحي - بالباء لا بالياء - صاحب التاريخ المشهور وغيره من المصنفات٤٢٠ لسان الدين بن الخطيب أبو العباس القرطبي انتفع الناس بكتبه وأجاد فيها عيسى بن دينار الأندلسي صاحب كتاب الهداية الذي يقوا فيه ابن حزم أنه أرفع كتب جمعت في معناها على مذهب مالك وابن القاسم وأجمعها المعاني الفقهية مالك بن علي الفهري صاحب القصي أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد صاحب التفسير الذي قال فيه ابن حزم أنه الكتاب الذي أقطع قطعاً لا استثني فيه أنه لم يؤلف في الإسلام تفسير مثله ولا تفسير محمد بن
стр. 6037
جرير الطبري ولا غيره وإن تآليفه قواعد الإسلام لا نظير لها ومن الأندلسيين أيضاً القاضي منذر بن سعيد وأبو محمد قاسم بن أصبغ ومحمد بن عبد الملك بن أيمن ويوسف بن عبد البر وأبو الوليد الفرضي وابن سعيد المؤرخ والقاضي محمد بن لبابة والقاسم بن محمد المعروف بصاحب الوثائق وإسماعيل بن القاسم وابن القوطية وابن التياني وأحمد بن فرج وأبو الحسن الكاتب وأحمد بن محمد بن موسى الرازي وحسين بن عاصم وإسحق بن سلمة الليثي وأبو مروان بن حيان صاحب التاريخ الكبير في أخبار أهل الأندلس نحو عشرة أسفار قال ابن حزم هو أجل كتاب ألف في هذا المعنى وله كتاب المتين في التاريخ وهو في ستين مجلدة محمد بن عاصم قال ابن حزم وأما الطب فكتب الوزير يحيى بن إسحق وهي كتب حسان رفيعة وكتب محمد بن الحسن المذحجي المعروف بابن الكتاني وهي كتب رفيعة حسان وكتب التصريف لأبي القاسم خلف بن عياش الزهراوي ولئن قلنا أنه لم يؤلف في الطب أجمع منه ولا أحسن للقول والعمل في الطبائع لنصدقن وفي الفلسفة كتب سعيد بن فتحون السرقسطي المعروف بالحمار وأبي عبد الله محمد بن الحسن المذحجي وفي الأزياج مسلمة وابن السمح وأحمد بن نصر ومحمد بن عطية الغرناطي الحميدي والباجي وابن بشكوال ابن بسام صاحب الذخيرة أبو القاسم صاعد بن أحمد الطيطلي عريب بن سعيد القرطبي أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الحجاري صاحب كتاب المسهب في فضائل المغرب لم يصنف في الأندلس مثل كتابه أبو عبد الله بن أبي الخصال الشقوري صاحب سراج الأدب وأبو عبيد البكري صاحب كتاب اللآلي وابن السيد البطليوسي وابن عصفور الإشبيلي النحوي وابن الطراوة والسهيلي وابن خروف وأبو عبيد البكري الأونبي صاحب كتابي معجم ما استعجم والمسالك والممالك وأبو علي الشلوبين وابن طفيل صاحب رسالة حي بن يقظان المقدم في علم الفلسفة أبو عمر الداني ابن جبير صاحب الرحلة أبو علي القالي صاحب الأمالي قال الضبي وكانت كتبه على غاية التقيد والضبط والإتقان وقد ألف في علمه الذي اختص به اللغة والأدب تواليف مشهورة تدل على سعة روايته وكثرة إشرافه وقالوا لئن كان كتاب أبي العباس المبرد أي الكامل أكثر نحواً وخبراً فإن كتاب أبي علي - النوادر - أكثر لغةً وشعراً ومن كتبه في اللغة البارع كاد يحتوي على لغة العرب وكتابه في المقصور والممدود والمهموز لم يؤلف في بابه مثله
стр. 6038
توفي أبو علي سنة ٣٥٦ ٠
стр. 6039
رومانيا وملكها
رومانيا إحدى ممالك البلقان بل رأسها عل التحقيق لفتت أنظار العالم في العهد الأخير بدهائها وحسن سياستها واستفادتها من مغانم الحلفاء البلقانيين بدون أن تهرق دماً أو تصرف وقتاً ومالاً في الاستعداد لإهراقه فهي اليوم مملكة في أوربا الشرقية شمالي شبه جزيرة البلقان تحدها من الشمال بلاد النمسا والمجر وروسيا ومن الشرق روسيا والبحر الأسود ومن الجنوب بلغاريا ومن الغرب صربيا والنمسا وكانت مساحتها قبل الحرب الأخيرة ١٣١. ٣٥٣ كيلومتراً مربعاً وسكانها ٧٢٤٨٠٦١ نفساً فأصبحت بعد الحرب البلقانية ١٣٨. ٨٧٨ كيلومتراً وسكانها ٧. ٥٣٣. ٨١٨ نفساً - المقتبس م٨ص١٠٢ - أصل سكان رومانيا مزيج من عناصر مختلفة وكان يسكنها قبل الفتح الروماني الداسيون والجتيون ولما فتحها الإمبراطور تراجان الروماني أقام فيها عدة مستعمرات عسكرية جاء بها من إيطاليا فنزلت بين سكان البلاد وبعد حين جاءها كثير من المجر والصقالبة فأدخلوا فيها لهجاتهم ثم ورد عليها زمر من الشغان - النور أو الغجر - يبلغ عددهم مائتي ألف نفساً ووافاها أربعمائة ألف إسرائيلي هاجروا من روسيا وبولونيا وذكاء الروماني حاد وله ميل عظيم إلى الشعر والموسيقى والفنون والسواد الأعظم من السكان هم روم أرثوذوكس ولكن جميع المذاهب حرة.
وبلاد رومانيا زراعية وأهم مواردها تربية الحيوانات والزراعة راقية في الأودية أكثر من الجبال وهذه للمراعي وتربية البهائم وهي ناجحة في إقليم البغدان أكثر من إقليم الأفلاخ وأهم محصولاتهم القمح والشعير والذرة والكرم والأشجار المثمرة كالمشمش والخوخ الذي يستخرج منه عرق جيد ومن مواردها الخشب الذي يقلع من غاباتها الكثيرة ويقل المستخرج من فحمها الحجري والفحم المعدني وغيرها من الفحوم المعدنية وفيها الكرانيت والبترول والملح وفيها صنائع لا بأس بها مثل صناعة الزجاج والنساجة والمناشير الميكانيكية في البلاد الجبلية ويعمل في بعض المدن النسيج والجوخ وغير ذلك ولكت رومانيا لما كانت تصدر من حاصلاتها الأرضية شيئاً كبيراً على ما سيجيء اضطرت إلى أن تستبضع البضائع الثمينة وتبتاع أدواتها وآلاتها من بلاد النمسا والمجر وألمانيا وإنكلترا.
وقد أخذت تجارة هذه البلاد بالارتقاء فتجاوزت وارداتها منذ سنة ١٩٠٠ إلى ١٩١١ من
стр. 6040
٢١٧ إلى ٤١٠ ملايين والصادرات من ٢٨٠ على ٦١٠ وأصبحت زراعتها بفضل القوانين الزراعية الرشيدة غاية الغايات وزاد المزروع من أراضيها وأخذت غلاتها تزيد سنة عن سنة وقد زاد سطح المزروع من أراضيها في الخمس سنين الأخيرة من ٣ ملايين إلى ٦ ملايين هكتار ومجموع سطح رومانيا ١٣. ٠٧٢. ٠٠٠ هكتار وبلغ صافي أسعار الحاصلات سنة ١٩١١ - ١٩١٢ ملياراً و٣٩٤ مليون فرنك ومع كل هذا فالفلاح الروماني لقلة ما لديه من النقود لم يستطع حتى الآن أن يبتاع الأدوات الزراعية الحديثة كالحصادة والدراسة الميكانيكية والسكك البخارية لغلاء أسعارها ولكن كبار أرباب الأملاك قد ربحوا منها أرباحاً طائلة.
وتاريخ الفلاح أو نصف رومانيا اليوم مثل تواريخ الممالك الصغرى لا يعرف عنه إلا الشيء القليل وقد ذكروا أن مؤسسها الحقيقي هو ميرتشا (١٣٨٦ - ١٤٨١) وهو الذي حالف الصرب لقتال العثمانيين الذين كانوا إذ ذاك يهددون أوربا بالهجوم عليها فهزمه السلطان مراد وأخذ أسيراً إلى بورصة فاضطر فدية عن نفسه أن يعلن بأن بلاد الفلاخ خاضعة للدولة العثمانية سنة ١٣٩١ ولما عاد إلى بلاده عقد محالفة مع البولونيين والمجريين لصد هجمات العثمانيين ثم انهزم في موقعة نيكوبولي ١٣٩٦ وعاد فظفر في روفيين على جيش السلطان بايزيد وقاتل إخوة هذا السلطان قتالاً شديداً وضم إلى بلاده جزءاً من بلغاريا وإقليم سلستريا ودوبريجة وكان أول امتياز ناله من الدولة العلية هو أنها لا تتدخل في مسائل رومانيا الداخلية ولا في انتخاب أمرائها وبعد موته عاد أولاده ففتحوا أبواب بلادهم للعثمانيين من أجل تاج رومانيا فوقعت بين الغالبين والمغلوبين وقائع كثيرة كانت الحرب فيها سجالاً حتى قيض العثمانيون على قياد البلاد وما برح الأمر كذلك حتى تولى الحكم في رومانيا الأمير ميشيل الشجاع ١٥٩٣ - ١٦٠١ بطل الفلاق المشهور فقد قاتل جيش السلطان محمد الثالث وظفر بأميري ترانسلفانيا والبغدان والجيوش الألمانية فنادى بنفسه أميراً على الأفلاق والبغدان وترانسلفانيا ولم يكن حلفاؤه مثله وأضاعوا تراثهم فصار نهباًً.
أما تاريخ موالدفيا أو البغدان فهو أيضاً يبدأ من أوائل القرن الرابع عشر للميلاد وكانت تخضع تارة لملوك المجر تتقاذفها أهواء جيرانها بحسب أحوالها الداخلية وعلى نسبة متانة
стр. 6041
أمرائها أو أفن آرائهم وضعف نفوسهم حتى إذا ملك أمرها أتين الرابع الملقب بأتين الكبير ضرب ماتيا كورفين ملك المجر الذي جاز جبال الكاربات إلى بلاده وضرب التتار ضربة شديدة في راكوفا وقاتل جيش سليمان باشا الذي كان مؤلفاً من ١٢٠ ألفاً وهزم ملك بولونيا سنة ١٤٥٧ شر هزيمة وحاول أن يعقد حلفاً شرقياً ضد العثمانيين فلم يفلح ولما مات أوصى أولاده أن يخضعوا للدولة العلية فصدعوا بلأمر حتى زمن الأمير باسيل الذئب الذي كان معاصراً لماتيو بازاراب وعمل لإمارته كما عمل هذا لإمارة الفلاق ومنذ سنة ١٦٥٨ إلى سنة ١٦٨٥ تولى زمام هذه الإمارة أحد عشر أميراً منهم ثمانية أروام فأصبح كل شيء رومياً أو يوشك أن يكون كذلك في تلك الإمارة بل دام ذلك في الإمارتين إلى سنة ١٨٢١ أيام ثار الرومانيون وطردوا الأمراء اليونان وأقاموا أمراءهم الأصليين غريغوريوس جيكا في البغدان وجان ساندوستورزا في الفلاخ (١٨٢٢ - ١٨٢٨).
ولما أعلنت روسيا الحرب على الباب العالي سنة ١٨٢٨ أخذت تحتل الإمارتين المذكورتين وأقامت فيهما حكومة موقتة وبعد أن عقد الصلح في أدرنة سنة ١٨٢٩ كان من شروطه أن تبقى الأفلاق والبغدان في يد روسيا ريثما تستوفي الغرامة الحربية البالغة عشرة ملايين دوكا وظلت روسيا في البلاد ست سنين عملت في خلالها على تنظيم داخليتها وأدخلت إليها دستوراً عرف باسم اللائحة الأساسية ودعي كل من الأميرين المومأ إليهما إلى تطبيق هذا القانون وإذ كان من شأنه أن يخنق كل دعوة وطنية رومانية ثار الرومان في ٧ حزيران ١٨٤٨ فكبح جماحهم في البغدان للحال ولكن امتدت ثورتهم في جميع بلاد الفلاة ونادوا بأميرهم رئيساً لعصابات الثورة ضد روسيا فاضطر الأمير أن يجيبهم إلى رغائبهم وأن يوقع على أمر يقضي بإلغاء القانون الذي وضعته روسيا ثم غادر البلاد وبعد ذلم وقع الاتفاق بين روسيا والدولة العثمانية على أن يعين للبلاد أمير كل سبع سنين يكون له حق تعيين الدواوين والعمال فاضطر الثائرون من الرومانيين أن يهاجروا من بلادهم فأخذوا يطوفون في أوربا ويقنعون رجال سياستها بمراميهم فكثر منهم أنصارهم ومن جملتهم نابليون الثالث إمبراطور فرنسا إذ ذاك وكان من معاهدة باريز ١٨٥٦ أن قضت على حماية روسيا لرومانيا وكان من عهدة باريز بعد سنتين أن منعت الباب العالي من التدخل في شؤون رومانيا أي في انتخاب العمال والنظر في الواوين وفي ذاك العهد تم
стр. 6042
للأفلاق والبغدان ما تريدان من الاتحاد الوطني فانتخب لهما أمير واحد وهو إسكندر كوزا (١٨٥٩) وبعد سنتين أعلن هذا الأمير وحدة الإمارتين وأن يكون لهما مجلس نواب واحد مركزه في بكرش (١٨٦١) وعند ذلك بدأ دور إصلاح في البلاد وأهمه إلغاء الاستعباد فشق ذلك على طبقة الأشراف أصحاب الأملاك وما برحوا يدسون دسائسهم حتى اضطروا أميرهم إلى التخلي عن إمارته سنة ١٨٦٧ وجعل شارل هوهنزولرن ملكاً عليهم وكان من نتائج الحرب العثمانية الروسية سنة ١٨٧٧ أن أضاعت رومانيا إقليم بسارابيا وتخلت عنه إلى روسيا لقاء إقليم دوبريجه ولكن استقلالها تم أمره ١٨٧٨.
خلف البرنس شارل هوهنزولرن الأمير كوزا أمير الأفلاق والبغدان في ١٨ أيار ١٨٦٦ عقيب تنازل هذا عن الإمارة ودخل بكرش عاصمة رومانيا باحتفال جرى له مثله في جميع البلاد التي اجتازها منذ الحدود وبعد ستة أشهر ذهب إلى الأستانة ليأخذ البراءة بتنصيبه على نحو ما كانت عادة السلطنة العثمانية مع أمراء الفلاق والبغدان منذ القديم ولكن الأمير الجديد أبدى شمماً في مقابلته لحضرة السلطان في قصر طولمه باغجه وحدثته نفسه أن ينزع عن بلاده حماية الدولة وكان أول عمل له استحصال رضا الدولة بافتراض رومانيا مبلغ ثمانية عشر مليون فرنك من باريز ولكن بشرط فاحش قضي عليها به أن تدفع ١٣ في المئة رباً فدفعت في ثلاث وعشرين سنة اثنين وثلاثين مليوناً وكانت أخذتها ثمانية عشر.
وطفق الملك شارل يبذل الصبر والأناة وحسن السياسة وبعد النظر والجرأة والروية واللين ما كان به للبلاد استقلالها ثم قوتها ثم نفوذها وكم من عراك دخل غماره فأوشك أن يودي فيه وما ملكت يداه وقد كاد يتخلى سنة ١٨٧١ عن العرش الروماني زين له ذلك الأمير بسمارك الألماني ووالده ولكن من الرجال من تنفعهم المحن وتقوي عزائمهم وتمتن أخلاقهم فلما قنط من حاله لم يبق أمامه سوى الثبات إلى النهاية فثبت وحل المجلس الذي كان يحول دون رغائبه فزال كل إشكال.
ولقد كتب في مفكراته الخاصة أن الأنواء العظيمة كانت تقذف بسفينتي صعوداً وهبوطاً ولكن الله حماني فلم أسلم النفس للغرق وأن البحارة لتريد عن رضا إلى اليوم أن تلقي بي من حالق ولكن قسماً منها يدرك بأن في استطاعتي أن أقود السفينة إلى مرفأ أمين فقد
стр. 6043
جعلت نصب عيني مسألتين أن أخرج من هذا المأزق واسمي طاهر لم يدنس وأن لا أطمع بحال من الأحوال في أن أترك من بعدي الطوفان بدون ذمة ولا قلب.
قاتلت رومانيا في بلافنا أي في الحرب الروسية العثمانية فظنت أنها بذلك تساعدها أوربا على استقلالها بتاتاً ولكن لم يكتب لها ذلك إلا سنة ١٨٧٨ على شرط تجنيس الإسرائيليين فيها بالجنسية الرومانية وإصلاح بعض مواد من قانونها الأساسي وفي ٢٥ أيار ١٨٨١ نودي بشارل الأول ملكاً على رومانيا أي صار مستقلاً عن وصاية أية حكومة له ولبلاده فكان أكبر همه أن يحسن موارد بلاده الاقتصادية ويعلم أمته ما يخرجها من الظلمات إلى النور فنشط التعليم العام ونشر اللغة الرومانية وحرر الكنيسة من الخضوع لغيرها واعترفت لها بطريركية الفنار سنة ١٨٨٥ باستقلالها ثم أنشأ الخطوط الحديدية وابتاعتها الحكومة كلها وحسن الصناعة وعني عناية خاصة بترقية الزراعة وحدد الديون العمومية قام بذلك عقيب أن بويع له بالملك وذلك في دور كثرت فيه الاضطرابات والدسائس السياسية وتعدى العمال أطوارهم ولكن نفوذ الملك قد عدل من تكالب الأحزاب فانقلب تطاحنها إلى مناقشات لطيفة وتحسنت الأخلاق وتدمثت وكان الموظفون قديماً يبدلون عند كل تغيير في الحكومة فأصبحوا بعدها أمناء على مراكزهم وأصبح لهم استقلال وطمأنينة فكان من تثبيت أقدام الموظفين في وظائفهم والمثابرة على الأوضاع على وتيرة واحدة بإنقاذها من المؤثرات السياسية أعظم واسطة لإحياء البلاد حياة طيبة باقية.
ومملكة هذا حالها وعملها قام بها ملك هو جندي وله أخلاق الجند من فطرته وله جيش قوي من ورائه مالية ناجحة لا تستطيع أن تسكت على ما ناله الحلفاء البلقانيون من المغانم وافتتحوه من الأراضي فأخذ الشعب يطلب حصته من المغنم في البلقان في حربها الأخيرة وكانت كلمة مليكهم حاجزاً دون التدهور فأبدت رومانيا طرفاً من التهديد فيما إذا تغيرت خريطة البلقان لأن في توسع البلغار في بلادها تهديداً لرومانيا فطلبت رومانيا إقليم سلستريا من البلغار فأبدت حكومتهم كبراً وعتواً وصرح رئيس مجلس بلغاريا أن أمته لا ترضى بالتخلي عن سلستريا فقال له ملك رومانيا لقد وقع لي في مدة حكمي أربعين سنة إن كنت أسير خلافاً للرأي العام أحياناً لأني كنت أرى في ذلك مصلحة بلادي فعلى رجال السياسة أن يعرفوا في بعض الأوقات كيف يعزمون عزماً ضرورياً يخالفون فيه شعور
стр. 6044
السواد الأعظم الذي يكون على غير سداد.
وظلت بلغاريا على عتوها سكرى بخمار النصر الذي أحرزه جنودها وأضاعه سوء تدبير رجالها فلم تقبل بمقترحات الدول عليها بشأن تسليم سلستريا لرومانيا وغير ذلك من التسامح فاضطرت رومانيا لإعلان الحرب عليها يوم ٣ تموز فجندت في عشرة أيام ٤٦٧ ألف جندي مما دهش له العالم وتقدم جيشها واجتاز الطونة وحط رحاله أمام صوفيا عاصمة البلغار فعقد الصلح في بكرش بعد أسبوعين على صورة كان فيها الحيف على بلغاريا التي تركت من أرضها نحو ثمانية آلاف كيلومتر مربع فيها ٣٠٨ آلاف ساكن وهو نفع مادي قليل لكنه من الوجهة المعنوية كبير جداً وأقل ما فيه أن رومانيا أحرزت لها نفوذاً على حلفائها وسلطة وسعها اعتدالها في مطالبها ويرجع الفضل في عقد الصلح بسرعة إلى ملكها شارل فإنه لم يقع بعد انتصاره فيما وقعت فيه بلغاريا عقيب انتصارها من الجبر والاشتطاط والطمع بل أبدى من النصفة والاعتدال وكرم الأخلاق مع المغلوبين البلغاريين ما جعله وهو شيخ ملوك البلقان حكمها الذي لا ينازع ولم تتردد أوربا أن تمنحه هذا اللقب معترفة له بجميله.
ولكن الممالك كالأشخاص قد لا تتم لها سعادتها ولا تنتهي أطماعها فإن رومانيا مع أحرزته مؤخراً من المنافع وكسبته من الصيت الحميد بين الدول لا تزال تحلم بأن تضم إليها الثلاثة ملايين والنصف مليون من الرومانيين الذين هم في حكم النمسا والمجر وتطالب المجر باستعادة إقليم ترانسلفانيا إليها لأن الرومان فيه يؤلفون الأكثرية ونفوسه ١. ٤٧٢. ٠٠٠ بحسب إحصاء المجر و٢. ٥٠٠. ٠٠٠ بحسب إحصاء الرومان وكان هذا الإقليم ضم إلى المجر سنة ١٨٦٧ على الرغم من وعد الإمبراطور فرنسيس يوسف بأن يترك لرومانيا استقلالها قبل ذلك بأربع سنين ومنذ ذاك العهد والعراك قائم بين الرومان المستعبدين وبين حكومة المجر فإن هذه الحكومة تحاول بقوة عمالها أن تمجرهم أي تجعلهم مجراً بلسانهم ومدنيتهم وهم يأبون إلا البقاء على لغتهم ومناحيهم فلا تستطيع رومانيا رسمياً أن تنشط رومان المجر ولكنها بصورة غير رسمية تكتب جرائدها وتعمل جمعياتها أعمالاً من شأنها الوصول بأبناء لسانهم المنفصلين عنهم إلى ضمهم إليهم أو استقلالهم عن هنغاريا فرومانيا ترمي سراً إلى إنشاء مملكة رومانية يدخل تحت لوائها كل من يتكلم
стр. 6045
بلغتها وهذا من خيالاتها التي يحملها عليها شعبها والسياسة تحول دونه بإسداد.
ومع هذا فإن مملكة رومانيا قد ختمت بسنة ١٩١٣ إحدى الفصول المملوءة بتاريخها فوسعت أرضها بدون إهراق دماء ووضعت أوزار حرب يمكن أن يحدث من طولها لأوربا عواقب سيئة وكانت بحكمتها وصبرها واعتدالها حكماً بين البلقانيين فالبلقان مدينة لها بالسلام وأوربا براحتها نعلم أن صحيفتها حسنة وأجمل منها أن تكتب بدون ترميج ولا حذف ويحق لعاهلها الشيخ أن يفاخر فخراً مازجه الاعتدال بنجاح سياسته في بلاطي فينا وبرلين.
نكتب هذا وقد زار هذا الربيع عشرات من تلامذة دار الفنون أي جامعة الأستانة مدينة بكرش وتعرفوا إلى طلبة كليتها وزار هؤلاء أيضاً الأستانة وتعرفوا بطلبتها والحكومتان العثمانية والرومانية تتقاربان وتتعاطفان.
стр. 6046
عنوان المجد
في تاريخ بغداد والبصرة ونجد
تنافس فطاحل المؤرخين في الكتابة عن بغداد وتاريخها وأقسامها ودورها وقصورها ورجالها وفلاسفتها ومدارسها ومعاهدها وذلك لبعد شهرة هذه المدينة الطيبة التي ظلت خمسة قرون مهد الحضارة ومهبط المدنية وكعبة العلم والعرفان ومقر الدولة الإسلامية فبلغ عدد من ألفوا في هذا الموضوع المئات والألوف إلا أنه لم يبق من تصانيفهم غير قسم قليل في دور الكتب العراقية فإن أكثرها ذهب ضياعاًً وأكل عليها الدهر وشرب فمنها ما صار طعمة للنار أو ألقي في الأنهار ومنها ما اقتنته الإفرنج بوسائل شتى فازدانت بها معاهدهم ومكتباتهم ولقد رأينا كثيراً من علماء المشرقيات يطوفون هذه الديار قادمين إليها من القاصية للبحث والتنقيب عن آثار الحضارة العربية والإطلاع على ما في دور الكتب من نفائس الكتب ونوادر المخطوطات باذلين في سبيل غايتهم اللجين والنضار فالنسخة النادرة التي عسر على المستشرق ابتياعها أو استنساخها عمد إلى أخذ تصويرها الشمسي مهما كلفه ذلك تعباً ونصباً كذلك رأيناهم يعملون في بعض الأعلاق النفيسة التي ضمتها جدران خزائن كتبنا وأهملنا العناية بها والانتفاع منها وهكذا دأب الغربيون في سلب ذخائرنا وكنوزنا وآثارنا للوقوف على سر مدنية بلادنا القديمة فأصبحنا ونحن عالة على المغاربة حتى في الكتابة عن تاريخ بلادنا وحضارتها وعمرانها ورجالها وملوكها.
ومن الكتب التي أسهب مؤلفوها في تاريخ بغداد وأجادوا في وصف ما كانت عليه من الجلالة والعمارة في الدولة العباسية كتاب تاريخ بغداد تأليف الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي المعروف بالخطيب المتوفى سنة٤٦٣هـ - ١٠٧٠م وهو كتاب ضخم في أربعة عشر مجلداً أسهب مؤلفه في تراجم علماء الزوراء وأدبائها ومن ورد إليها من الرجال العظام وقد ضم إليه فرائد وخرائد يضيق بنا المقام عن سردها وتبيانها ومنه الآن نسخة كاملة في خزانة السيد عبد الرحمن أفندي نقيب أشراف بغداد وخزانة هذا الزعيم من أغنى خزائن الكتب في هذا القطر ففيها نحو خمسة آلاف مجلد نصفها أو أكثر من النصف مخطوط وغير مطبوع وكل ما فيها نفيس نادر ناهيك أنه توارثها عن أسلافه القدماء منذ نحو أكثر من قرنين ونصف قرن ويقال أنه يوجد من هذا التاريخ الكبير نسخة تامة في كل
стр. 6047
من المتحف البريطاني بلندن والمكتبة الأهلية في باريس وهناك أجزاء متفرقة مبعثرة توجد اليوم في مكتبة برلين ومكاتب الأستانة العمومية وفي المكتبة الخديوية وبعض خزائن أعيان العراق وهذا السفر النافع فريد في أبحاثه وحيد في تبويبه وترتيبه ولم يقصره المؤلف على الشؤون التاريخية وسرد الواقع والأخبار بل ملأه بكل شاردة وواردة تتعلق بالتاريخ والجغرافيا والتراجم والآثار فهو سفر تاريخي جغرافي أثري يغنيك عن البيان أن مؤلفه ذلك الحبر العلامة الذي طبقت شهرته الخافقين وقد لخص هذا الكتاب الضخم أحد علماء القرن الخامس مسعود بن محمد البخاري بعد أن زاد عليه شيئاً كثيراً من الحوادث والأخبار التي عرفها بنفسه واعتمد فيها على أمهات الكتب التاريخية وهناك عدد كبير من مؤلفات المتقدمين في أحوال بغداد عروس البلاد الشرقية كتاريخ بغداد لأحمد بن طيفور البغدادي وهو أقدم تاريخ لدار السلام وكتاب - البيان - تأليف أحمد بن محمد بن خالد البرقي الكاتب الكبير وهو حافل بمحاسن دار السلام وذكر أطلالها ودوارسها وهذا ما يدل على مبلغ عناية المتقدمين بأحوال هذه العاصمة الكبرى ولو أردنا أن نستقصي كل ما ألف في هذا الموضوع لاحتجنا إلى مجلد ضخم ولما دخلت عصور الحروب والكروب والفتن والمصائب اشتغل الناس بحالة البلاد السياسية عن التأليف ومزاولة العلوم حتى قل من كتب عن بغداد في القرن الثامن والتاسع والعاشر أو سعى إلى تدوين ما تعاقب عليها من الأدوار التاريخية ولولا عناية بعض الأسر الكريمة كأسرة الألوسي والسويدي والحيدري بتاريخ البلاد واحتفاظها بما عثرت عليه من الآثار القديمة ونبوغ أبنائها واشتغالهم بالتأليف والتصنيف لبقي ذكر هذه المدينة خاملاً ولنوسي تاريخها واضمحلت آثارها وفقدت مكانتها.
وقد اشتهر في القرنين الأخيرين جمهور من كبار العلماء المدققين الذين عاهدوا الله على خدمة الأمة والدين والوطن بعقولهم ومواهبهم وهم الذين أوجدوا هذه الحركة العلمية المباركة وأحيوا ميت الآمال وبعثوا في النفوس الخاملة عوامل السعي والعمل فقام من بينهم المؤلف الفاضل والفيلسوف الكامل والفقيه المحدث والمفسر الكبير والمتشرع الخطير والكاتب النحرير وكل منهم سار في الطريق التي اختارها لنفسه وحصر أوقاته في إتقان العلم الذي رغب فيه فغصت بتلامذتهم أندية العلم والمدارس وازدهت بهم دار السلام فعاد إلى البلاد رونقها وبهاؤها وكان من جملة المصنفين في تاريخ بغداد ثلاثة أعلام: ١ -
стр. 6048
السيد إبراهيم فصيح بن صبغة الله الحيدري البغدادي صاحب تاريخ عنوان المجد في تاريخ بغداد والبصرة ونجد ويوجد منه الآن أربع نسخ خطية الأولى بخط المؤلف وهي موجودة في المكتبة الخالدية - نسبة إلى الشيخ خالد النقشبندي - والثانية في خزانة العلامة السيد محمود شكري الألوسي والثالثة في مكتبة دير مبعث الكرملين والرابعة هي النسخة التي بأيدينا ونريد أن نتكلم عنها الآن. ٢ - الشيخ عبد الرحمن زين الدين بن الشيخ عبد الله الويدي البغدادي المتوفى سنة ١٢٠٠هـ - ١٧٧٦م مؤلف كتاب حديقة الزوراء وهو تاريخ جليل في ثلاث مجلدات ضخام يدور ما فيها حول ما وقع في العراق من وقائع العصور المتأخرة في زمن ندر فيه المؤلفون والكاتبون والمدونون للوقائع التاريخية ولولا هذا المصنف الجليل لضاع تاريخ هذا القطر الحديث ولا توجد منه إلا نسخة في خزانة السيد عبد الرحمن النقيب. ٣ - هو حيد عصره السيد محمود شكري الألوسي صاحب كتاب بلوغ الأرب في أحوال العرب الذي أعجب به علماء الفرنجة أيما إعجاب وأحرز قصب السبق على سائر المؤلفات في هذا المضمار وللعلامة المشار إليه تاريخ مفيد عن بغداد دعاه كتاب أخبار بغداد وما جاورها من القرى والبلاد جاء في أربعة مجلدات بحث فيه بحث العالم المدقق والمؤرخ المحقق عن تاريخ دار السلام ومدن العراق وما كان لها من القصور الشاهقة والأبنية السامية وأشبع الكلام على تراجم أدباء الزوراء وأكابر أعيانها وزهادها ومدارسها ومعابدها.
وكتاب تاريخ المجد في تاريخ بغداد والبصرة ونجد من الكتب النفيسة النادرة التي قل من نسج على منوالها والمؤلف معروف لدى علماء العراق بسعة الاطلاع وطول الباع في المسائل التاريخية وهو ينتمي إلى أسرة شريفة المحتد عريقة في النسب هي أسرة الحيدرية ويتصل نسب جده الأعلى بموسى الكاظم وإلى هذه الأسرة تنسب الدولة الصفوية في فارس لأن جد الحيدرية أحمد الأعرابي كان من بادية الحجاز فتحضر في المدينة وهاجر بعض من سلالته إلى العراق وهم الذين نشأ منهم المؤلف المشار إليه والبعض الآخر إلى بلاد ما وراء النهر ومنهم نشأت الدولة الصفوية واتصال هذه الدولة بالحيدرية يرتقي إلى الشيخ صدر الدين ابن قطب الشيخ صفي الدين أبي الفتح إسحق وكان الصفويون على مذهب أجدادهم مذهب السنة والجماعة ثم تشيعوا لغايات سياسية اقتضتها حالة عصرهم والشاه
стр. 6049
إسماعيل أول من حاد عن مذهب أسلافه فإنه انتحل المذهب الجعفري ظناً منه أنه بذلك يقهر عدوه السني السلطان سليم خان وكان السلطان حسن الأبلخاني المعروف في كتب الأتراك التاريخية بأزون حسن حسن الطويل الذي ملك بغداد وآمد ديار بكر وخراسان ونواحيها فرعاً من هذه الشجرة الطيبة.
وكان الشيخ إبراهيم فصيح الحيدري من مشاهير هذه العائلة وأكابر أعيان بغداد على عهده وتصدر في المدارس لتدريس علوم الدين وكان مبرزاً في الفقه والتفسير والتاريخ والمنطق توفي سنة ١٢٩٩هـ - ١٨٨١م ولم نعثر على سنة ولادته وله مؤلفات عديدة وكتابه عنوان المجد من أجلها قدراً وأبعدها شهرة والنسخة التي أمامنا قد بلغت صفحاتها ٤٧٨ كتب في كل صفحة ٢٠ سطراً والسطر مؤلف من تسع كلمات وقد ألف كتابه هذا في البصرة الفيحاء قال بعد البسملة والصلاة على رسول الله يقول العبد الفقير المحتاج إلى عفو ربه السيد إبراهيم فصيح بن السيد صبغة الله الحيدري البغدادي إني قبل هذا سافرت من بلدي مدينة دار السلام إلى دار الخلافة القسطنطينية حماها من كل سوء رب البرية ومنها إلى مصر والحجاز وعدت إليها ثانياً لأستوفي الوقوف على بدائعها بالحقيقة لا بالمجاز ثم خرجت منها إلى الديار السورية وبعض البلاد الأناضولية فاطلعت على تلك البلاد وأحوال العباد ثم رجعت إلى بلدي مدينة السلام ذات الثغر البسام ومكثت فيها بين أهلي وأحبابي غير قليل من الأعوام حتى رمتني الأقدار بسهام النيابة إلى البصرة المسماة بخزانة العرب وقبة الإسلام فلما وردتها ورأيت ما فيها من عجائب الأنهار وغرائب النخيل والأشجار الممتنعة الحد والحصر مع ما فيها من المد والجزر في اليوم مرتين بحيث تمتلئ الأنهار والسواقي وكل عين وقد آلت إلى الخراب فلم يبق منها إلا الاسم واندرست آثارها فلم يبق إلا الرسم أحببت أن أؤلف كتاباً في بيان أنهارها ونخيلها وأشجارها وبيان بيوتاتها القديمة من ذوي الثروة العظيمة مع بين أحوال بغداد وإن كنت قبل هذا قد ألفت في دار الخلافة كتاب أحسن السلام في دار السلام إلا أني أردت أن أجمع أحوال البلدتين في هذا الكتاب وأحوال أراضي نجد وقبائله وما يليه من البلاد مع تصدير الكتاب ببعض ما ذكره الحكماء في سياسة الملوك فشرعت في ذلك ورتبته على مقدمة وثلاث مسالك وخاتمة. . . وقد تكلم في المقدمة عن سياسة الملوك والسلاطين في رعاياهم وذكر الأحاديث النبوية
стр. 6050
والآيات الشريفة المنزلة في تدبير الملك وسياسة البلاد والعباد فأفاض في هذا الباب أحسن إفاضة وإليك بعض ما قاله:
. . العدل من أعظم الأركان التي بها قوام السلطنة والملك ودوام الدولة فإنه ميزان الله تعالى في الأرض الذي يأخذ به للضعيف من القوي والحق من الباطل قال الله تعالى إن الله يأمر بالمعروف وينهى عن الفحشاء والمنكر يعظكم لعلكم تذكرون. وقد شبهوا الملك بالرجل واعتبروا السلطان رأسه والوزير قلبه والأعوان يديه والرعية رجليه والعدل روحه وهو موجب لاجتماع الرعية على محبته المفضي إلى استقامة أمره ونظام ملكه وإذا عدل السلطان قرب منه وصلح له وعدة السلطان ثلاثة أمور مشاورة النصحاء وثبات الأعوان وترويج سوق العدل ثم العدل ينقسم إلى قسمين قسم إلهي جاءت به الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الله تعالى وهو الشرائع وقسم يشبه العدل وهو السياسة الاصطلاحية ويستحيل أن يدوم بقاء السلطان أو تستقل رعية في حالة إيمان أو كفر بلا عدل قائم ولا ترتيب للأمور ثابت ووافقت حكماء العرب وغيرهم على هذه الكلمات فقالوا الملك بناء والجند أساسه فإذا قوي الأساس دام البناء فلا سلطان بلا جند ولا جند بلا مال ولا مال إلا بالعمارة ولا عمارة إلا بالعدل فصار العدل أساساً لسائر الأساسات. . ثم أشبع الكلام عن الفقهاء والقضاة والتجار والرعية والخراج ومصالح الدولة ودواوينها مما دل على سعة خبرة وغزارة فضل وبعد غور في الشؤون الاجتماعية ثم أسهب في فضل العلم وحملته وحث الناس على تلقنه وتكلم باختصار عن الكيمياء والهندسة والحساب والجبر والسيمياء والنجوم والموسيقى والفلسفة إلى غير ذلك من الأبحاث الشائقة الرائقة.
وكتب في المسلك الفصل الأول عن فضائل بغداد وبنائها وبانيها وبيان سواد العراق وخراجه وعشره وأنهار الزوراء وجسورها وعشائرها وأكابرها المعاصرين له وغير ذلك مما يتعلق بأحوال بغداد ومما أفاض في ذكره وبعد من جملة حسنات كتابه الكلام على بيوتات بغداد فإنه أجاد في هذا البحث وأفاد التاريخ فائدة كبرى فدون أسماء البيوتات القديمة وذكر رجالها ومشاهيرها وتراجمهم وأنسابهم وهو بحث جميل قل من تطرق إليه من المصنفين القدماء ومن فصول هذا الكتاب الممتعة كلامه على عشائر العراق ومشايخها وأمرائها ومنازلها وأنسابها القديمة ومذاهبها وعدد رجالها وعقب بعد ذلك الكلام على ذكر
стр. 6051
البيوتات البدوية الرفيعة ثم عقد فصلاً في تراجم العلماء والفضلاء الذين برزوا في صنوف العلوم والفنون ومن حسنات هذا الكتاب الكلام في أنهار بغداد القديمة والحديثة مع تعيين مواقعها ومصادرها ومصابها وبعد ذلك تكلم عن البصرة وبيوتاتها وعلمائها وأنهارها والمد والجزر فيها وإليك ما قاله عن بساتين البصرة:
. . والبساتين الموجودة في البصرة ونواحيها ذات النخيل والأشجار والأنهار حدها من القرنة إلى رأس البحر المسمى بالفاو ويبلغ مقدارها ثلاثين ساعة بسير الفارس وأما المشي فالمسافة بالنسبة إليه أكثر والفرج بين ذلك الخالية عن النخيل يسيرة وهي من البصرة إلى الدواسر ومن القرنة إلى الكوت الفرنجي ولكنها بالنسبة إلى المتصلة لا تعد ولا تعتبر والبساتين الباقية كلها متصلة بعضها ببعض مقدار عشرين ساعة طولاً على طرفي شط العرب وأما عرضاً ففي الجنوب يبلغ أكثر من ثلاث ساعات وهي ذات نخيل وأشجار وفواكه لا تعد ولاتحد وحد البساتين شرقاً من كتيبان إلى سبع القصبات وجنوباً إلى الفاو وشمالاً إلى العنبري. . ثم أفاض في الكلام عن التجار في البصرة والعلماء والبيوتات القديمة هناك.
ومما قاله عن أنهار البصرة الباب الثالث في بيان أنهار البصرة الموجودة في هذا العصر الكبار المحصوة والصغار التي لا يحصيها عد ويجري فيها الماء من شط يقال له شط العرب وهو مجتمع دجلة والفرات ويحصل لهذا الشط ولجميع الأنهار المد والجزر في اليوم والليلة مرتين مرة في الليل وأخرى في النهار وتختلف ساعات المد تقديماً وتأخيراً والأنهار الكبار لم تزل مملوءة من الماء إلا العشار فإنه يخلو من الماء حالة الجزر وأما الصغار فهي خالية أثناء الجزر فإذا حصل المد امتلأت الصغار وازدادت الكبار التي تجري فيها السفن وجميع الأنهار الكبيرة خارجة من شط العرب وبعض الكبار من الصغار فأول الأنهار الكبيرة ابتدأ من البصرة نهر العشار المشهور الداخل إلى البصرة وهو نهر عظيم تجري فيه المراكب والسفن وحوله بساتين كبيرة وبيوت عامرة. . وقد عد أنهراً كثيرة من الأنهر التي تمخر فيها السفن وقال إن الأنهر الصغيرة كثيرة لا يمكن حصرها وانتقل بعد ذلك إلى الكلام عن الخراج والأعشار والغرائب في عصره وتكلم بعد ذلك عن المحمرة وعبادان والأهواز وما في هذه الديار من الأنهار والأراضي والقبائل وجعل الكلام
стр. 6052
على نجد آخر فصول الكتاب فكتب عن قبائل نجد وأشرافها وعلمائها ومذهبها شيئاً فيه الغث والسمين إلا أن التحقيق يغلب على أكثر أبحاثه وقد قرظ أعمال النجديين وأثنى عليهم وعلى النهضة التي قام بها زعماؤهم وأمراؤهم وأتى في هذا الفصل على ترجمة صاحب الدعوة الوهابية والقائمين بترويجها وتراجم مشاهير الحنابلة وعلماء نجد الذين تصدروا للقضاء والإفتاء ومكاتباتهم إلى الملوك والأمراء المعاصرين لهم ومؤلفات نوابغهم ثم استطرد من هذا البحث إلى ذكر الحجاز وتهامة والبحرين والقطيف وما فيها من العجائب والغرائب ووصفها وتمثيلها أحسن تمثيل وتطرق أيضاً إلى البحث عن أحوال البلاد العربية الكائنة على ضفاف الخليج الفارسي كمسقط وعمان وإماراتها وأمرائها وقبائلها ثم أرصد فصلاً ممتعاً في أبعاد الأماكن التي ورد ذكرها في كتابه ومن حسنات كتابه أنه عقد فصلاً في أنساب الأمراء مع بيان أحوالهم وأطوارهم ورسوم حكوماتهم وعقد فصلاً آخر في تراجم مشاهير علماء المذهب الحنفي والمالكي ومشاهير الحنابلة على عهده.
وأما الخاتمة فهي تشتمل على مباحث شتى منها العلم في بلاد العرب وأنواع خراجها ومقاييس مكاييلها وجباية الأموال الأميرية ومعاملاتهم وإقطاع البلاد إلى غير ذلك مما يطول ذكره والخلاصة أن هذا الكتاب من أجلّ كتب التاريخ التي تصور لنا حالة العراق وبلاد العرب الزراعية والصناعية والتجارية تصويراً حسناً وما يحتاج إليه المؤلف والمؤرخ والكاتب والأديب فإنه مما لا يستغني عنه العام والخاص نفعنا الله بعلم مؤلفه وأكثر بين أبناء الأمة العربية من أمثاله المحققين المدققين.
بغداد إبراهيم حلمي العمر
стр. 6053
في ديار الغرب
سويسرا الوطنية والجيش
قالت العرب احرص على الموت توهب لك الحياة وقال المتأخرون من أراد السلم فليكن أبداً على استعداد للحرب وهاتان القاعدتان جرت عليهما سويسرا فمن يظن أن هذه الأمة التي تعيش بمعزل عن الدول وليست لها سياسة خارجية واستقلالها مضمون باتفاق الدول العظمى تتمرن ليلها ونهارها على الأعمال الحربية وكلها مسلحة وكلها محاربة عند الاقتضاء وتستطيع عند أول صرخة أن تجهز ١٨٠ ألفاً من الجند الذين يحسنون الرماية كأحسن أهلها ويعلمون عما يدافعون ويأتون إلى أي مكان من حدودهم في سرعة البخار ثم يستطيعون أن يجهزوا ١٤٠ ألفاً من الدرجة الثانية ومثل هذا العدد في الدرجة الثالثة وتجهيزاتهم ليست على الورق بل عددهم وعددهم حقيقة لا شائبة فيها كأعمالهم.
قسم السويسريون الخدمة العسكرية إلى عدة أدوار حتى لا تثقل عليهم وينقطعوا بتاتاً عن أعمالهم وبيوتهم ويخففوا عن أمتهم نفقة إطعامهم وإيوائهم فبلاً من أن يقضي الشاب سنتين أو ثلاث سنين تحت السلاح كما هو عند معظم الأمم لا يبقون في الخدمة إلا أشهراً معدودة في السنة الأولى ولكن المرء يبقى جندياً من العشرين إلى الأربعين ويدعى لحمل السلاح والتعلم في مواعيد مختلفة قد لا تتجاوز إلا ربع السنين وتكون عنده بندقيته يتعلم فيها في بيته وحقله ولا يستعملها إلا لهذا الغرض والولد منذ المدرسة الابتدائية إلى المدرسة العليا إلى الكلية يتعلم التعليم العسكري وهو تحت ملاحظة الضباط الذين يأتون أحياناً للتحقيق عن أمره والإشراف على رمايته وفحص سلاحه الذي تعطيه إياه الحكومة ومن خالف ذلك يعاقب بأشد العقوبات وهيهات أن تجد مخالفاً.
سويسرا الحديثة ليست محاربة ولا تثير بينها وبين جاراتها أسباب النزاع لأن قلة عددها بين أمم كبرى لا يجعل الحرب من مصلحتها ولذلك فاستعداد السويسري للطوارئ وتمرينه على الحرب ووطنيته المشتعلة وفكره الشعبي ليست إلى عداء وحب فتح بل للدفاع عن كيانه فسويسرا كل سنة تعطي منحة لمكتب السلام في برن ولكنها باليد الأخرى تبتاع السلاح الجديد وتجهز جيشها بكل ما تقدر عليه من القوة وتزيد في ميزانيتها البرية سنة عن سنة لم يمنعها الحياد أن تعمد على الطرق العملية كسائر أعمالها في فروع الحياة لأن
стр. 6054
أرضها لا تحمى إلا إذا كانت على حال الدفاع بحيث يحترمها جيرانها وب١لك تحفظ استقلالها لا بمجرد العهود التي تدار بالأرجل عند ثوران الغضب وهيجان النفوس للفتح وجر المغانم.
سويسرا لا تريد أن تكون طعمة سهلة لكل آكل ولا تخاف في الأغلب أن تداهمها فرنسا من الغرب والنمسا من الشرق بل تحاذر في الأكثر من الشمال تخاف عادية ألمانيا وأن تضمها هذه ذات يوم بالقوة إلى أرضها كما فعلت بمقاطعة شلشويق هولستاين وهانوفر وهيس وفرانكفورت والألزاس واللورين وأخوف ما تخاف من عادية إيطاليا من الجنوب ولذلك تقيم على الشمال معظم جيشها وعلى الجنوب المعاقل المدهشة ومنها معقل غوتار والسمبلون فإن كان السويسريون يحمون بلادهم ويفادون بالرجال والمال للذب عن حياضها فذلك لأنهم يحبونها حباً يمازج أجزاء نفوسهم ولا شيء أحسن وأضمن للتعلق بالوطن من الاستقلال وحكم المرء نفسه بنفسه.
قال أحدهم إن سويسرا ليست من البلاد التي تبقى لضرورة في بقائها كإنكلترا وإسبانيا بل إنها لم تبقى إلا لأن السويسريون يريدون بقائها نعم إن الإرادة وحب الحريات السياسية من القوى ولكنها ليست كلها جماع القوى فإن سويسرا لم تتألف عرضاً ولإرادة المتعاقدين المتحدين من أبنائها بل إنها اجتمعت لاتفاقها في العواطف والروح وبما لها من التقاليد المتماثلة والماضي والمجد الذي يتجسم كل حين باسمغليوم تل بطلها القديم.
وغليوم تل هو أحد رجال الثورة الذين أنقذوا سويسرا منربقة النمسا سنة ١٣٠٧م وذلك أن عامل الإمبراطور النمساوي كان علق قبعة الدوج على رأس خشبة في الساحة العامة في التورف وأراد أن يذل السويسريون بأن يسلموا على القبعة كلما مروا بها فأبى أن يخضع غليوم تل لهذه المذلة فاستدعاه الوالي النمساوي ولما عرف أنه من الرماة الماهرين بالقوس والنشاب حكم عليه جزاء إبائه أن يضرب سهماً على تفاحة وضعها الوالي على رأس أبن غليوم تل فلم يسع هذا إلا أن ألقى سهمه فأصاب التفاحة ولم يصب ابنه بسوء ولما سأله الوالي لماذا أعد سهمين فقال له الواحد للتفاحة والآخر لك وعندها نادى بالثارات سويسرا وكان بذلك خلاص البلاد من حكم النمساويين في أوقات مختلفة كان يكتب فيها النصر للسويسريون لأنهم مدافعون لا مهاجمون.
стр. 6055
غليوم تل نصبت له التماثيل الكثيرة اليوم في بلاد سويسرا فهو مثل غاريبالدي في إيطاليا أحيا أمته بشجاعته ومن أجل هذا التاريخ المعنعن بالواقع لا ترى السويسريين سواء ممن كانوا يتكلمون الألمانية وهم الأكثرية أو الإفرنسية أو الإيطالية أو الرومانشية تحدثهم نفوسهم أن ينضموا إلى أبناء جنسهم بل إنك ترى السويسري وأبناءه وأحفاده وأحفاد أحفاده تغربوا في إيطاليا وألمانيا والنمسا وفرنسا قرناً وأكثر ولا يزالون محافظين على تابعيتهم وقد عرض مرة على أحد علمائهم إدوار وود وكان باريزياً في موطنه فقط وسويسرياً بجنسيته أن يتجنس بالجنسية الفرنسوية لينتخب عضواً في المجمع العلمي مجمع الأربعين المخلدين فقالف والسذاجة طافحة من كلامه إنني أحب فرنسا وأسكن باريز ولكنني سويسري مات والدي ووالدتي في سويسرا وأنا لا أكون في المجمع العلمي. . هذه هي الوطنية السويسرية متأصلة في شغاف القلوب ولكنها ساذجة لا تتعمد الصياح ولا التظاهر ولا تجد داعياً للتبجح بها كل حين.
وطنية السويسريين في صدورهم مكتومة لها أعياد وحفلات ومصانع وتذكارات تذكرهم الساعة بعد الساعة بما بذل أجدادهم من إهراق دمائهم في دفاعهم عن وطنهم وما يجب عليهم أن يقوموا به ليحفظوا هذا التراث الجميل النادر دع ما ينشره علماؤهم وأدباؤهم من المصنفات الممتعة التي كلها ترمي إلى تحبيب وطنهم إليهم وتلقن أبناءهم منذ نعومة أظفارهم التعليم الوطني في المدارس وتلامذة مدارسهم يتغنون في كل شارقة وبارقة بالقصائد الحماسية الوطنية التي نظمها الشاعر السويسري جوست أليفيه ويتلون الفترة بعد الفترة ما وصف الشاعر الكاتب أوجين رامبرت طبيعة سويسرا وجبالها وأوديتها وبحيراتها فيزيد هيامهم بأرضهم.
السويسريون لا يقنعون أن يحبوا بلادهم حباً مجرداً بل يزورونها بعناية واهتمام وعدد من يرحل منهم صيفاً وشتاءً ٢٢ % في المئة من مجموع السياح القادمين إلى سويسرا ينتقلون في جبالها وأوديتها وترى العامي منهم إذا اجتاز أرضاً لم يعرفها بعد يقف في القطار مأخوذاً بما يمر به منا الأصقاع بحيث لا يفوته منها جميل وإذا ذهبت إلى القرى أتاك بعض من أهلها بدون طلب منك وحدثوك عما تجب زيارته من المحال البديعة في جوارهم فالسويسريون معجبون ببلادهم وحق لهم العجب وربما كانوا أكثر الأمم المجاورة في
стр. 6056
طربهم بما خصت به جبال الألب من المحاسن التي تخلب الألباب.
اشتهر السويسريون منذ عهد غليوم تل أنهم في مقدمة الرماة في أوروبا لأن بلادهم تستلزم ذلك ولا تكون حربها بالنظر إلى جبالها إلا مناوشة وكميناً فترى في كل قرية جمعية للرمي وتقام له الأعياد وكل سويسري في سن العسكرية فلاحاً كان أو ساكن المدينة يصرف مع رفقته يوم الأحد ساعات طويلة في التدرب على الرماية وفي كل بيت بندقية أو عدة بنادق لشبان سويسرا يعدونها ليدفعوا بها عن أنفسهم وبلادهم كأنهم لا يزالون في عهد الإقطاعات يكلف فيها كل واحد بحماية نفسه وأسرته ولكن هذا شأن الأمة المسلحة بسلاحين سلاح القوة المادية وسلاح القوة المعنوية العلمية التي لم تكن في القرون الوسطى.
ضباطهم يخرجون من الجيش مباشرة ثم يتعلمون التعليم الحربي وأكثره عملي في الغالب وهم في الأكثر من أبناء الفلاحين يعاشرون الأفراد ويواكلونهم وطعام الجنود من أحسن ما يعهد لهم مطابخ تنتقل معهم في المناورات فتراهم في كل وقت يتناولون الطعام الصحي الفاخر الذي لا يوجد إلا في المدن وفي حال التوطن والرفاهية وجنديهم يقبض كل يوم ٨٠ سنتيماً في المشاة وفرنكاً في الفرسان وهو أحسن راتب يقبضه جندي في جميع أمم أوروبا لأن هذه عجزت عن إطعامهم وإلباسهم لكثرتهم بدون فائدة دع إدرار النفقة عليهم ولا يبتعد عن أهله من الجند إلا من دخل في جيش الفرسان فالسويسري سعيد في كل حال من أحواله مرتب في حله وترحاله ممتع باستقلاله ناهض في عامة أعماله ولذلك لا تراه يشكو شيئاً على نحو ما يشكو ابن البلاد الراقية الأخرى الذي يرزح تحت أثقال المغارم والمظالم لينفق على بحريته وبريته قال لي كثيرون نحن سعداء في بلادنا فكنت أقول لهم بارك الله بسعادتكم التي أحرزتموها بجدكم ورزق شرقنا المسكين بعض ما أنتم فيه إنه كريم جواد.
سويسرا المذاهب والقوميات واللغات
الدين واللسان من جملة المظاهر المهمة التي تدل على روح شعب وقد كان لهما في الأرض السويسرية بفضل التسامح والاتحاد ومراعاة حرية الغير مشاكل في الماضي ولكنها اليوم قد انحلت صعوباتها وتعبدت عقباتها وكان الدين ثم اللسان شعار الوطن الأصغر ثم امتزج أهل كل دين وأهل كل لسان امتزاجاً في البلاد فلم ينشأ في سويسرا مشاكل تذكر كما نشأ في بعض البلاد التي تنازعتها البرتستانتية والكاثوليكية أو
стр. 6057
الأرثوذكسية والإسرائيلية أو مذهب أهل السنة والشيعة في الإسلام.
المذهبان السائدان في سويسرا هما البرتستانتية والكاثوليكية ولما انتشر المذهب البروتستانتي في القرنين السادس عشر والسابع عشر على يد دعاة من أبناء البلاد أخذت كل مقاطعة تجعل مذهباً رسمياً وإجبارياً وتدعو إليه في أرضها وتحتم على الأهلين حضور الصلاة به وإن كان لا ينتحل هذا المذهب وهو شيء من الشدة نشأ للسويسريين بانتشار المذهب البرتستانتي ثم أخذت المدنية تعدل من شدته والبروتستانت أكثر عدداً من الكاثوليك بقليل.
قال دوزا إذا كان الدين يؤثر احياناً أثراً ظاهراً في روح أمة فإن الشعب يكيف الدين على صورته مع توالي الأيام والأمر الثاني ظاهر في سويسرا وإن لم تكن تخلو من الأول ولا جدال بأن المقاطعات الكاثوليكية بمجموعها أكثر انحطاطاً من المقاطعات البروتستانتية والأنحاء الأقل نظافة هي كاثوليكية أيضاً والمقاطعات الكاثوليكية هي التي احتفظت بالأكثر بلهجاتها وإن فكر حرية البحث الذي دعت إليه البروتستانتية قد أثمر وأينع فإن التعليم العام في البلاد البرتستانتية أكثر انتشاراً مما هو في غيرها وأفكار التسامح مقبولة فيها بسرعة ورجال المذهب البروتستانتي قلما يعنون بالسياسة وليست هذه الفروق مهمة فإن تأثير عقل الأمة في المذهبين هو أشد ظهوراً.
السويسري متدين حق التدين ولكن دينه في قلبه وهو لا يحفل على الجملة بالظواهر ولذلك ناسبت البروتستانتية مزاجه وللقيام بالفروض الدينية منزلة من حياة السويسري المنظمة كما للأعمال الدنيوية كذلك فتراه يذهب صباح الأحد إلى الكنيسة كما يذهب في المساء إلى القهوة بكل رزانة وتماسك أو كما يذهب إلى عمله خلال أيام الأسبوع والرجال والنساء يحضرون في القرى والمدن في البيع لسماع القداديس أو المواعظ وربما كان النساء أكثر عدداً في الكنائس الكاثوليكية كما لحظت من الحضور في بعض الكنائس لوزان الكبرى ولكن الكنيسة البروتستانتية مع هذا تغص بالمستمعين والعابدين الراكعين وكلهم يستمعون باحترام لما يلقى عليهم من المواعظ.
ذكرت الفروض الواجبة نحو الخالق في جميع البرامج المدرسية ومعظم المدارس تقيم الصلوات وليس لرجال المذهب البروتستانتي في سويسرا ارتباط بسلطة خارجية وكذلك
стр. 6058
أهل المذهب الكاثوليكي ليس لهم أساقفة ورؤساء عظام بل إن كل واحد مرتبط بالمقام البابوي ارتباطاً خفيفاً لا يشبه ارتباط سائر البلاد الكاثوليكية في أوربا وآسيا وأميركا وأفريقية مثلاً فالسويسريون غلاة في حب الاستقلال في كل شيء حتى أن رهبانهم وقساوستهم يلبسون لباساً يخالف ألبسة غيرهم في الأمم الأخرى ونرى الكل متشابهين متقاربين مما يذكر أن سويسرا كانت في القرون الوسطى مهد التسامح وإن وقع لها في القرن التاسع عشر أن نشبت فيها حرب دينية من أجل القانون الذي وافقت عليه الأكثرية بنفي الرهبنات من سويسرا في حين لم تنشب في أوربا حرب دينية في ذاك القرن ومع ذلك تجد جنيف ببرتستانيتها وفيبورغ كذلك في تمسكها بكثلكتها كأنهما رومية بكاثوليكيتها ولم تمض على هذه الحرب خمس وعشرون سنة بفضل تلقين المدارس فكر التسامح حتى أصبحت سويسرا أكثر بلاد أوربا تعلقاً بحرية الوجدان والعبادة على صورة منظمة حرة لا مثيل لها.
اعتبرت سويسرا حتى اليوم الكنيسة إدارة من إدارات الحكومة هذا مع أن الحياة الدينية فيها مادة من مواد الحياة العامة فجعل الأديان تحت سلطة الحكومة مثل المصارف والسكك الحديدية ولكل مقاطعة قانونها الأكليركي الذي تنظر فيه السلطة التشريعية وتقر عليه أو تعدل منه مطلقة الحرية تحت بعض شروط يقتضيها الدستور السويسري من مثل حرية الوجدان وحرية التدين وغير ذلك ورؤساء الدين بحسب المقاطعة بروتستانتاً كانوا أم كاثوليكاً تدفع لهم الحكومة رواتب تستوفيها من أهل هذه المذاهب وللحكومة حق التدخل في مسائل العبادة والطقوس وإذا أرادت فيكون القول الفصل في بعض المسائل لمجلس الأمة وتدخل الكنيسة البروتستانتية في أعمال الحكومة غير محسوس في سويسرا الألمانية البروتستانتية مثل ما هو في سويسرا الكاثوليكية الفرنسوية وغيرها.
وبعد حرب سوند بربوند اتهم اليسوعيون بأنهم أوقدوا الفتنة الدينية في البلاد السويسرية فطردوا منها وقد حظر عليهم دستور سنة ١٧٤٨ الدخول إلى سويسرا بيد أنهم دخلوا في الحقيقة على فريبورغ بعد عشر سنين ومدرسة اللاهوت في هذ المدينة يديرها الدومنيكيون في الظاهر ولكنها بيد اليسوعيين في الواقع ولاهوتها هو اللاهوت اليسوعي دع من هناك من الرهبان الذين طردوا من فرنسا وجاؤوا فريبورغ وغيرها من بلاد الكثلكة السويسرية
стр. 6059
يعلمون ويعظون ولمعظم الكليات السويسرية صفة دينية ظاهرة عليها فإذا كانت كلية فريبورغ كاثوليكية محضة فكلية لوزان وكلية جنيف برتستانتيتان.
هذا إجمال ما يقال في المذاهب في هذه البلاد أما القوميات أو الجنسيات أو العناصر المتألفة منها فإن نصف سويسرا روماني أو لاتيني والنصف الآخر جرماني وربما كان العراك بين هذين العنصرين على صورة لم يعرف بها في بلد آخر في أوربا منذ أوائل القرون الوسطى واختلط العنصر اللاتيني بالجرماني وعلى العكس اختلاطاً كبيراً ومن السويسريين الفرنسويين من تألمنوا أي أصبحوا ألماناً بلسانهم على طول الزمن ومن الألمانيين من تفرنسوا ويكاد لا يتجاوز اللاتينيون أي الفرنسيس والطليان والرومانش في سويسرا مليوناً ومائتي ألف وبقية الأربعة ملايين هم ألمان عاشوا حتى اليوم بحرية تامة في استعمال ألسنتهم بفضل استقلال المقاطعات وعدم المركزية وربما كان الألمان أكثر توسعاً في البلاد وهم الرابحون في التبسط في ربوعها على الزمن حتى أصبح اللسان الفرنساوي خاصاً بغرب البلاد والرومانشي بشرقها والإيطالي بجنوبها والألماني بشمالها ويقدرون عدد الألمان المهاجرين إلى المقاطعات الفرنساوية بمئة ألف وعدد الفرنسيس المهاجرين إلى المقاطعات الألمانية بخمسين ألفاً.
ولم تعترف الحكومة رسمياً بلغة الرومانش كما اعتبرت الألمانية والإفرنسية والإيطالية وكتبت معظم الأوراق الرسمية بهذه اللغات الثلاث وذلك لأن المتكلمين بها قلائل ولأنها أشبه بلهجة خاصة لا أدبيات لها وأهلها يتزوجون بالألمان ويختلطون بهم وكل سنة يخف عدد المتكلمين بلسانهم وربما كان الرومانشيون مثال مملكة أضاعت لغتها على التدريج بدون أن تضيع استقلالها أضاعت لغتها واندمجت في غيرها على خلاف الطليان وعددهم في سويسرا اللاتينية زهاء ٢٣٠ ألفاً فإنهم احتفظوا بعنصريتهم لأنهم احتفظوا بلغتهم واحتفظوا بلغتهم لأن لها آداباً خلافاً للرومانشية.
ومسألة الألسن غريبة في سويسرا لا تؤثر في الأمور الإدارية لأن حقوق الأقلية مصونة كحقوق الأكثرية ومن أعجب الأمور أن اللسان في سويسرا وإن كان من مواد الوطنية المحلية فليس شارة من شارات الوطنية الجامعة واختلاف الألسن ليس من العوائق في إدماج السويسريين في قالب الأخلاق وليس في اللسان أدنى مادة من مواد الانفصال
стр. 6060
فالسويسري الفرنساوي في مقاطعتي ألفو ونوشاتل لا يريد ان يصبح فرنسياً بتابعيته وكذلك السويسري الإيطالي لا يحب بوجه من الوجوه أن ينضم إل ى إيطاليا ومثله ألماني مقاطعات شافوز وتوركوفي وسان غال لا يريد أن ينضم إلى ألمانيا.
ولولا أحوال نادرة لصح أن يقال أن سويسرا في جميع أدوار التاريخ قد نالت أعظم الحرية في استعمال اللغات في جميع الأعمال الخاصة والعامة أما اليوم فإن الحرية موجودة مبدئياً ولكن احترام حقوق الأكثرية والأقلية على أسلوب معقول تحت نظارة جمعيات تتولى النظر في مسائل اللغات المحلية وانتشارها وتدافع عن حقوق الأكثرية ولا تغمط حقوق الأقلية في كل بلد يسبق غيره في عدد المتكلمين بلغة دون أخرى وكانت كتابة جميع الرسميات والعموميات بعدة لغات في القديم للإفهام والتفهيم أما اليوم فإنه يراعى بما يكتب حق السواد الأعظم.
اللغة الرسمية في كل ناحية هي لغة أكثرية السكان وبهذه اللغة تكتب مداولات المجالس البلدية والأعمال الإدارية التي تعلق ليقرأها الجمهور وبها تكتب أسماء الشوارع والمصانع ويدرس في المدارس ويلقى الوعظ أو القداس في الكنائس ومن النواحي من اختارت برضاها التساهل مع أهل اللغة الأخرى في بعض هذه المسائل كأن تترك مقاطعة المدينة اللغة الإفرنسية تجعل لسان التدريس فس مدرستها أو أن سكان مقاطعة رومانشية يقدس لهم بالألمانية وللمنتخبين في المقاطعات المختلفة أن يتكلموا بإحدى اللغتين كما يشاؤن في جميع المداولات وتكتب الإعلانات وغيرها باللغتين وإذا بلغت الأقلية العدد الكافي تكون لها مدرسة بلغتها وكنيسة تعظ وتقدس بلسانها وفي الكتابات الخاصة وعناوين الدكاكين تركت للناس حريتهم وما يسري على الناحية يسري على المديرية حذو القذة بالقذة أي تكون اللغة الرسمية لغة الأكثرية والأقلية لا تحرم من حق التفاهم.
ويطلب إلى الموظفين في جميع المقاطعات المختلفة معرفة لغتين وتكثر فيها الإعلانات وأسماء الأماكن باللغتين ويقبل استعمال اللغتين في المجالس وعمال السكك الحديدية يبدأون في كل مقاطعة بلغة البلاد في مخاطبة الركاب ثم يثنون ويثلثون إذا اقتضى الحال بغيرها وجميع القطارات تكتب عليها اللغات الثلاث إلا الإيطالية فإنها تنقص من بعض القطارات التي تمر قليلاً في البلاد الإيطالية والسويسرية وللغتين الألمانية والإفرنسية المساواة التامة
следующие страницы →