← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

فن من الفنون المدونة فدرست أو كادت حتى أن المتكلمين على تاريخ الفنون والآداب العربية لم يشيروا إليها في الأغلب. وأصبح من لهم العناية بأمور الجوارح على قلتهم يربونها تربية مأخذها التجربة والاختبار لا الصحف والآثار كما يشاهد الآن في بعض الأقطار العربية والأعجمية. هذا وقد عرف في الطبقة الأولى جماعة من مشاهير البيازرة. مشاهير البيازرة إنه لشيء لا ينقضي العجب منه أن يكون بين أئمة هذا الفن عند العرب مثل الغطريف ممن صحب الرشيد. هاشم. أدهم بن محرز. سعد بن عقير يستشهد بأقوالهم ويحتج برواياتهم وأنقالهم ثم لا يتسع لهم مجال كتب الترجمة والتاريخ وتضيق عنهم صدور المعاجم معاجم الأطباء والحكماء. وإنما يجيء ذكرهم عرضاً في بعض الآثار الموضوعة في صناعتهم سموهم فيها تسمية مجردة. وقد سموا غير من مرّ من أعلام البيازرة. سومارس. صرغيث النبطي. ابن العوام لعله أبو زكريا يحيى بن محمد بن العوام صاحب كتاب الفلاحة نقله عن اليونانية. قسطوس الرومي لعله قسطوس بن اسكور صاحب كتاب الفلاحة الرومية وهم كالمجاهيل أغفلهم أصحاب معاجم الأعلام والطبقات مع أن بعضهم من رجال صدر الدولة العباسية ويغلب على الظن أن بعضهم من السريانيين المستعربين الذين كثر بينهم حذقة العلوم القديمة ونقلتها إلى العربية إذ ذاك. البيزرة في الكتب قلما تكلم على البيزرة من الوجهة العلمية عالم أو أديب في كتاب اللهم إلا الشيخ داوود الأنطاكي المتوفى سنة ١٠٠٨ فقد أملى فيها نحو أربع قوائم من التذكرة مورداً في ترجمتها لفظ بزدرةناقلاً عن أهل هذا الفن معترفاً بقلتهم. وأورد فيها الحاج خليفة المتوفى سنة ١٠٦٨ ثلاثة أسطر فقط نقلاً عن جامع السعادة لطاشكبري زاده بلفظ بيزرة والظاهر أنه لم يقف على كلام الأنطاكي وإلا لزاد. وفي بعض الكتب الفارسية عنها شيء لعله منقول على العربية مثل ما في كتاب تحفة المؤمنينتأليف حكيم مؤمنمن المتأخرين وفي دائرة البستاني عنها كلمة لم تستوعب عموداً ترجمتها بزدرة. وقد تكلم على طباع الضواري والسباع من الطيور استطراداً لا من باب الخوض والتشمير في الفن جماعة منهم المسعودي في مروج الذهب والقزويني في عجائب المخلوقات

стр. 6617

والدميري في حياة الحيوان وغيرهم في غيرها كثير. الكتب في البيزرة إن مجموعة ما ألفيناه من الكتب المجردة في البيزرة ضئيلة جداً إليك أهمها. كتاب البزاة والصيد تأليف الأمير أبي دلف العجلي المتوفى سنة ٢٢٥ القانون في البيزرة في الخزانة التيمورية وفي كشف الظنون نقلاً عن جامع السعادة أنه كاف في هذا العلم وسماه القانون الواضح ولم يسموا المؤلف. أنس الملا بوحش الفلا في البزدرة تأليف محمد بزمنكلي نقيب الجيش المصري ي أواخر القرن الثامن رقمه ٢٨٣٤ في خزانة باريس. رسالة في البزدرة تأليف قابادانيوس الحكيم الفيلسوف تاريخ نسخها سنة ٩٢٣ في هذه الخزانة. القواعد المحبرة في البيطرة والبزدرة للأنطاكي وهناك آثار تعمم الصيد بالكلاب والنبل والنشاب وهي كثيرة ولا قمس الموضوع مساس الكتب المتقدمة نذكر من جملتها كتاب المصائد والمطارد تأليف أبي الفتح كشاجم المتوفى سنة ٣٣٠ انتهاز الفرص في الصيد والقنص للشيخ تقي الدين بن حمزة بن عبد الله الناشري ألفه بزبيد سنة ٩١٠ مناهج السرور والرشاد في الرمي والسباق والصيد والجهاد تأليف زين الدين عبد القادر ابن أحمد بن علي الفاكهي رقمه ٢٨٣٤ من خزانة باريس. وقد وصف كواسب الطير وكواسرها ونعت أحرارها ومصرحاتها وكيفية تخليتها وإرسالها ونحو ذلك مما نحن فيه فريق من شعراء العرب أشهرهم أبو نواس وأبو فراس والناشي وكشاجم وصفي الدين في قصائد مزدوجة سميت الطردياتوهي مشهورة. ومن أهم ما عثرنا عليه من كتب هذا الفن كتابنا في البيزرة. كتابنا في البيزرة أول شيء في هذا الكتاب إغفال تسمية مؤلفه فيه وأنه خال من البسملة والحمدلة عار من تقديم مقدمة قبل الشروع في المقصود. وعلة ذلك أخرجناها فيما قدمنا من انقطاع دابر هذا الفن وأهله حتى لم تتألف من مشاهيرهم إلا طبقة محدودة ما أدركنا منها إلا الأسماء المجردة سيما وكثير منهم من غير أهل الإسلام. وليس هذا الكتاب ما ألف للإسكندر الرومي ثم نقل إلى العربية كما يظهر مما جاء على ظهره وهذا نصه كتاب البيزرة صنف الحكماء المتقدمين للملك الإسكندر الرومي وهو كتاب عجيب مما يصلح بالملوك إذ لابد لكل ملك من مسير إلى صيد بأحد هذه الطيور الجوارح والذي أوقع الوراقين في هذا الوهم

стр. 6618

ما ورد في نحو الكتاب من إن ثقات الروم من أهل المعرفة ذكروا أن الإسكندر الرومي قال للحكماء المحتفين بخدمته أريد أن تعرفوني بطبيعة الباز وأمراضه وعلامة كل مرض ودائه وهل طبيعة الباز تقارب طبيعة الآدمي أم لا؟. وأنت تعلم قصور هذه العبارة فيما يدعون. كيف وفي الكتاب نقل كثير عن حكماء العرب والمستعربين ومنهم من صحب الرشيد!! فالكتاب إذاً من طرائف عصر عربي راق كما يظهر أيضاً من أسلوب إنشائه السهل الممتنع البليغ. ولا يبعد أن يكون مؤلفه من رجال أواخر القرن الثالث أو أوائل الرابع للهجرة. يدلنا على ذلك أن المسعودي المتوفى سنة ٣٤٦ أورد في مروج الذهب عن الجوارح فصلين نرجح أنهما منقولان عن هذا الكتاب باختلاف يسير كما سيقع الإيماء إلى ذلك. وروى لنا خبير أن في خزانة باريس كتاب رقمه ٢٨٣١ بدون اسم إلا أنه كتب على ظهره بخط غير خطه كتاب الجوارح والبزدرة تصنيف الفيلسوف أبو بكر ابن يوسف بن أبي بكر بن حسن بن محمد القاسمي القرشي العلوي الأشعري تاريخ كتابه سنة ٨٤٨ هـ. فاسم هذا الكتاب طبق المحز وأصاب المفصل من الكتاب الماثل أمامي الآن لكن لا تزال حقيقة مؤلفة مبهمة مجهولة. هذا وكتابنا جزآن أو مقالتان في المقالة الأولى ٥٢باباً في تاريخ الصيد بالجوارح وتقسيمها إلى أقسامها وكيفية تربيتها وسياستها ثم إرسالها على غايتها وفي المقالة الثانية ٦٣ باباً في أدواء الجوارح وعللها وما يتخذ لعلاجها من المركبات فجملة الأبواب ١١٥ باباً في حجم ١٤٥ قائمة أو ٢٩٠ صحيفة صغيرة مخطوطة خطاً واضحاً متأخراً االيطه يخطائها العد وفي آخره وقع الفراغ من كتابة هذه البيزرة نهار السبت ١٠ جمادى الأخرى سنة ١٢٠١ من الهجرة على يد ملامط بن عبد الله الطرفي. النجف - محمد رضا الشبيهي

стр. 6619

الشاعر درست طباع الناس في الشرق والغرب ... وميّزت ما بين العريزيّ والكسبي وخضت غمار الوهم في كل مطلبٍ ... وجبت فلاة الحق في شوطها الصعب وعاينت من أهل الفنون عجائباً ... غرائب تدعو للتعجب والعجب فلم أر مثل ابن القوافي فقد حرى ... عجائب أضاد يحار بها قلبي يطوف بلاد الله وهو بأرضه ... ويفتتح الدنيا وحيداً بلا حرب وينفر حتى لو أتاه حبيبه ... لأعرض عن هذا الحبيب بلا ذنب ويؤنس حتى تلتقي الطير حوله ... وتلفظ منه ما أعد من الحب ويهدي إلى سبل الرشاد وأنه ... ليحسبه أهل العقول بلا لب ويتخذ الناس الأرائك مقعداً ... وما راقه إلا بساط من العشب ويسمو إلى شهب النجوم محلقاً ... إليها بحراج التصور والجذب ويوشك لا كفر أن يرقى إلى السما ... ويطمع حتى بالمثول لدى الرب ويجمع ما بين النقيضين قلبه ... كما يتلاقى الهدب في النوم بالهدب فيجعل نجم الأرض مع أنجم العلى ... ويجعل نجم الأفق مع أنجم الترب ويسكر حتى لا يفيق بلا طلى ... ويصحب أهل الأرض وهو بلا صحب ويقنعك البيت الوحيد سكنته ... ويبني ألوفاً لا يقول بها حسبي يرى في ظلام الليل والشمس غرّبت ... ويعمى وما مالت إلى جهة الغرب وإن أعوزته الراح في خلواته ... ترشفها بالوهم من وجنة الحب ويا طالما صاغ الدراري فزينت ... عروس أمانيه بعقدٍ من الشهب يحن بلا قلب ويشفى بلا عنا ... ويبكي بلا ثكل ويهوى بلا قلب فكذب بلا إثم وبأس بلا قوى ... وسكر بلا خمر وشغل بلا كسب فمن كان يزري بانقريض فإننا ... رضينا من الدنيا بتعذيبه العذب ومن كان يستحلي من الشعر كذبه ... فهذه حياة الشاعرين بلا كذب بيروت - طانيوس عبده

стр. 6620

قوائم المكاتب العربية انتبه الإنسان حينما بدأ يجمع الكتب منذ القديم إلى وضع قوائم أو فهارس أو برنامجات لتعريف الكتب بأسمائها وموضوعاتها وأسماء مؤلفيها ومختصر تراجمهم ووصفها وما يتعلق بذلك من الشؤون اللازمة لتميزها وتعريفها. ولقد وضعت الفهارس المشهورة في مجلدات كثيرة ضخمة الجوانح الطبيعية فنالها ما نال غيرها من الكتب من السبي والنهب والحرق والإغراق في المياه والتمزيق ونحو ذلك ففقدت تلك الفهارس أو القوائم وفقد معها تعريف المكاتب ومحتوياتها مثل مكاتب العجم والعرب في العراق والشام ومكاتب مصر والمغرب والأندلس فاحتجنا إلى الطواف في البلدان والتقصي في البحث لنقف على شيء منها وهي أعز من الكبريت الأحمر لكن المطابع أظهرت لنا بعضها ومن أقدم القوائم ما وضع يمكاتب العباسيين في زمن الرشيد وولده المأمون كما يستفاد من كتاب (الفهرست) لابن النديم إذ أنه أعتمد على مثل هذه القوائم في وضع كتابه وهكذا نشأ فن وصف المؤلفات والمؤلفين بحسب كلف الأدباء بالمطالعة واقتناء الخزائن ومن أهم هذه المؤلفات في وصف الكتب ما وضع قبل عصر النهضة الحديثة وهو: ١ فهرست ابن النديم وهو المتوفى سنة ٢٣٥هـ (٨٤٩م) ويعرف بقمطر الكتب ولا تزال نسخه الكاملة نادرة حتى أن نصفه في مكتبة فينا (النمسا) والنصف الثاني في مكتبة الأمة في باريس (فرنسا) والظاهر أنه أول كتاب من نوعه أفرد لوصف الكتب وهو مجموع قوائم المكاتب التي عرفت في أيامه والكتب التي كانت موفودة لذلك العهد. وقلما نجد له ذكراً في الكتب التي بين أيدينا لقلة نسخه ٢ فهرست ابن النديم لمؤلفه أبي الفرج محمد بن اسحق بن يعقوب النديم البغدادي الورّاق المتوفى نحو سنة ٣٨٥هـ (٩٩٥م) وقد بدأ بطبعه المستشرق الشهير فوسطاف فنرغل المتوفى سنة ١٨٧٠م مع ملاحظات وتحقيقات فأعجلته المنية عن إتمامه فأنجزه بعده هرمان رودريغر وأوغست ملّو فطبع الكتاب سنة ١٨٧٠م بالعربية في مدينة ليبسيك في ٣٦٠ صفحة بقطع نصف كبير والحق به جزء ضخم في ٢٧٩ صفحة ضمن التفاسير والتعاليق والاستدراكات بالعربية والنمسوية مختوماً بفهارس للإعلام طبع سنة ١٨٧٢م وقد استدرك أحد المستشرقين على هذه الطبعة أول المقالة الخامسة صفحة ١٧٢ فنشرها في مجلة ألمانية سنة ١٨٨٩م وهذا الفهرست هو من أهم وأقدم القوائم التي تعرف الكتب

стр. 6621

والعلوم وتشير إلى موضوعاتها أحياناً وعليه يعتمد دارسو آداب اللغة والمولعون بمعرفة المؤلفات والمؤلفين. وفي هذه الطبعة نواقص أشير إليها بأصفار من مثل اسماء الأعلام والكتب وسني الولادة والوفاة ونحو ذلك مما أفردت له مقالة خاصة. ٣طبقات الأمم لأبي قاسم صاعد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن صاعد التغلبي القرطبي قاضي طليطلة في الأندلس المتوفى سنة٤٦٢هـ (١٠٦٩م) بدأ فيه بتعريف العلوم عند الأمم كالهند والفرس والكلدان واليونان والروم والمصريين والعرب وبني إسرائيل وذكر المؤلفين فيها وكتبهم وأطال عن العرب في العراق والشام ومصر والأندلس بلاد المؤلف وقد نشر في مجلة الشرق (٥٦٦: ١٤ فصاعداً) وطبع بكتاب على حدة. ٤ فهرست الكتب والتآليف لأبي بكر محمد بن حير بن خليفة الأشبيلي الأندلسي من علماء القرن السادس للهجرة. وصف فيه ١٤٠٠ كتاب في كل علم مع أسانيدها ما رواه عن شيوخه في العلوم والمعارف. طبع هذا الفهرست أولاً ملحقاً لكشف الظنون في ليبيسك من سنة ١٨٣٥ - ١٨٥٨م ثم نشرته مجلة أسبانية بعناية فرنسيس كوديرا سنة١٨٩٤م في مدينة كازيروكوسته. ٥القصيدة اليائية في أسامي الكتب العلمية - لشرف الدين محمد بن عمر القدسي الكاتب المتوفى سنة ٧١٢هـ (١٣١٢م) ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه (الدرر الكامنة) بقوله وما رأيت من ألف فيه شيئاً غيره وقد عرفت حال النظم وضيقه عن استيعابه كما ينبغيفيكون أول قوائم الكتب الشعرية. ٦ إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد - لأبي الجود شمس الدين محمد بن ابراهيم بن ساعد الأنصاري المعروف بابن الأكفاني السنجاري الأصل المصري المتوفى سنة ٧٤٩هـ (١٣٤٨م) ومداره على وصف العلوم وأهم الكتب المؤلفة فيها طبع في مصر سنة ١٣١٨هـ (١٩٠٠م) وفي بيروت بعناية الشيخ طاهر الجزائري سنة ١٩٠٤م في ١٤٨صفحة. ومنه نسخ كثيرة مخطوطة في المكاتب وفي مكتبة منشئ هذه المقالة نسخة منه متقنة مضبوطة قديمة. ٧ فهرست السيوطي - وهو جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن كمال الدين بن محمد الخضيري السيوطي المشهور بمؤلفاته الكثيرة في العلوم والفنون نشر (فهرسته) في كشف

стр. 6622

الظنون أيضاً طبع ليبسيك كما مر آنفاً وتوفي السيوطي هذا سنة ٩١١هـ (١٥٠٥م). ٨ فهرست ابن خليل السكوني - ذكره المقري في نفح الطيب (٤٩٩: ٢) أنه روى ما حرفيته: شاهدت بجامع العديس بأشبيلية ربعة مصحف في أسفار ينحى بها نحو خطوط الكوفة إلا انه أحسن خطاً وأبينه وأبرهه وأتقنه. فقال له الشيخ الأستاذ أبو الحسين ابن الطفيل بن عظيمة هذا خط ابن مقلة. . . . . . ثم قسنا حروفه بالضابط فوجدنا أنواعها تتماثل في القدر والوضع فالألفات على قدر واحد واللامات كذلك والكافات والواوات وغيرها بهذه النسبة انتهى فيستدل من هذا الوصف أن فهرست السكوني في الكتب لأنه وصف المصحف وصف الخازن أو الفهرسيّ. ٩ مفتاح السعادة ومصباح السيادة - لعصام الدين أبي الخير أحمد بن المولى مصلح الدين مصطفى بن خليل الملقب بطاش كبري زاده المتوفى سنة ٩٦٨هـ (١٥٦٠م) وقد طبع منه جزآن في الهند والجزء الثالث لا يزال مخطوطاً وهو في تعريف العلوم ثم ذكر المؤلفين وما ألفوه مما أفردت لوصفه مقالة خاصة في مجلة المقتبس هذه وهو يقع في نحو ألف صفحة مطبوعة مرتب على العلوم. ١٠ كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون - لمصطفى بن عبد الله كاتب حليي المعروف بالحاج خليفة (حاجي خليفة) المتوفى سنة ١٠٦٨هـ (١٦٥٧م) وهو مرتب على حروف المعجم مع مقدمات في العلوم بحسب الحروف التي تقع فيها وقد امتاز عما قبله من القوائم بنقل شيء من مضامين الكتب أو تعريف موضوعاتها وقد طبع مراراً في أوروبا والأستانة ومصر وهاتان الطبعتان في جزأين كبيرين بقطع نصف كبير. وأضبط طبعاته الأوروبية في سبعة مجلدات وعليها ذيل مفيد في مكاتب الأيام المتأخرة وعدد مجلداتها كما أشرت إلى ذلك في مقالة خاصة. ١١كشف الظنون في أسماء الشروح والمتون - لكمال الدين محمد بن مصطفى بن كمال الدين بن علي البكري الصديقي الحنفي العزي المتوفى سنة ١٠٩٦هـ (١٦٨٤م) وقد جمع فيه أسماء الكتب على طريقة غريبة. ولم نعلم بوجوده فلعله مفقود. ١٢ المكتبة الشرقية - ومن أمهات هذه الفهارس المفيدة المكتبة الشرقية ليوسف السمعاني

стр. 6623

اللبناني المتوفى سنة ١٧٦٧م (١١٨١هـ) وهي باللاتينية وصف فيها المخطوطات القديمة بالعربية والسريانية مترجماً مؤلفيها في ١٢ مجلداً طبع أربعة منها فقط من سنة ١٧١٩ - ١٧٣٠ في رومية والأجزاء الثمانية منها مخطوطة. ١٣ قائمة المخطوطات الشرقية في المكتبة النانية - للسمعاني الآنف الذكر وصف فيها ما في هذه المكتبة من المخطوطات باللغات الشرقية ولاسيما العربية. ١٤ ذيل كشف الطنون في أسماء الكتب والالحاقات - لإبراهيم بن علي الحنفي الرومي رئيس طائفة الجند المعروفين بالحوذيين (العربجية) في الدولة العثمانية توفي سنة ١١٨٩هـ (١٧٧٥م) كما في سلك الدرر للمرادي (١٤: ١) ولا نعلم من أمره شيئاً ولعله في مكاتب الأستانة أو في بعض مكاتب الخاصة. وهو ذيل على (كشف الظنون) للحاج خليفة السابق وصفه. ولو وجده فلوغل لإضافه إلى الذيول التي ألحقها بطبعته للكشف البالغة منتهى التحقيق والتوسع لأنه أضاف إلى ذلك ذيول كثيرة مثل (آثارنوا) لأحمد حافظ زاده المتوفى سنة ١١٨٠هـ وفيه أهم الكتب التركية والفارسية التي عرفت بعد الكشف. وغيره مما أفردت له مقالة خاصة مطولة في وصفه ووصف فهرست ابن النديم. ١٥ فهرست مخطوطات الفاتيكان العربية - وهو قائمة المكتبة المشهورة في ملانية رومية ألفه المطران اصطفان عواد اللبناني المتوفى سنة ١٧٨٢م (١١٩٧هـ) بمساعدة خاله السمعاني قيم المكتبة الفاتيكانية الآنف الذكر. وطبعه في ثلاثة مجلدات الكردينال ماي خلخ السمعاني في نظارة المكتبة المذكورة. ثم طبع فهرس الكتب التي دخلت المكتبة بعد ذلك بكتاب آخر ألحق بالأول. ١٦ فهرست مخطوطات كيجي العربية - وضعه المطران عواد المذكور لوصف مخطوطات هذه المكتبة في رومية أيضاً. ١٧ فهرست الكتب الشرقية في المكتبة المديسية - وهذه المكتبة هي فلورنسة (ايطاليا) وضع فهرسها المطران عواد أيضاً واصفاً فيه ٥٣٧ كتاباً مترجماً معطم مؤلفيها وناقلاً بعض مضامينها مع حواش وتعاليق مفيدة. ١٨فهرست مخطوطات الإسكوريال العربية - وهو برنامج وضعه الخوري مخايل العزيزي الطرابلسي لما استقدمه ملك اسبانيا سنة ١٧٤٨م لتنظيم مكتبة الاسكوريال في

стр. 6624

مدريد (اسبانيا) التي يسميها العرب مجريط وتوفي سنة ١٧٩١م (١٢٠٦هـ) وقد طبع هذا البرنامج في مجلدين بقطع نصف باللغتين اللاتينية والعربية من سنة ١٧٦١ - ١٧٧٠م بمساعدة بولس خضر الماروني. هذا إلى غير ذلك من الفهارس الأخرى التي لا تزال مخطوطة أو مجهولة أو فقدت أو نقلت إلى المكاتب الأخرى وأغفل أمرها. وعلى الجملة فإن القدماء اعتنوا بفهارس الكتب التي حفلت بها مكاتبهم فرتبوها في رفوف وخزائن حسب مواضيعها أو على حروف المعجم ووضعوا عليها أرقاماً (نمراً) ربطوها في القوائم بها لزيادة الضبط. وقد يعرفّون المؤلفات والمؤلفين أحياناً بما يزيل الإبهام أو يكاد لتوارد الخواطر في التسمية وتغيير أسماء المصنفات بحسب الدواعي حتى أن بعض الكتب لها أكثر من أسمين مختلفين وكذلك يقال في المؤلفين وتراجمهم. وقد يطيلون في البحث عن أشياء ليست من أغراض مؤلفي القوائم فيذهبون بالمطالع بين سهول المباحث وحزونها. كما فعل ابن النديم في أبحاثه عن الصابنة وماني وخرافات القدماء مما ليس تحته كبير فائدة مثلما فاه في أبحاثه عن الفلسفة والفلاسفة ونقله الكتب فهي وإن كانت تتجاوز غرضه فتحتها فوائد جديرة بالمطالعة وكذلك فعل صاحب الكشف في بعض مواضيعه وقد يقتضبون الكلام عن المؤلفات كما فعل ابن النديم في معظمها بخلاف صاحب الكشف. وقد يعرّفونها بما يفي بحاجة الباحث مثل تعريف ابن النديم لكتاب (المنتهى في الكمال) صفحة ١٣٧ وذكر فهرست آخر صفحة ١٠٧ وقد يذكرون أثمان الكتب كما وقع لابن النديم في صفحتي ٢٥٢و٢٥٣ وغيرهما وصاحب الكشف (٣٣٥: ١) من طبعة الأستانة وقلما يشيرون إلى الخزائن التي توجد فيها المؤلفات إلا في القليل كما فعل صاحب الكشف في بعض المواضع. وكذلك يفعلون سني التأليف والنسخ وما على الكتب من الحواشي إلا ما يورده صاحب الكشف أحياناً. وعلى الجملة فإن لهذه القوائم القديمة مزايا مفيدة ونواقص استدركها عليهم المعاصرون في ما وضعوه في قوائمهم المتقنة المعرفة للكتاب من حيث حجمه وقطعه وخطه وصفحاته وما في كل منها من الأسطر وعدد كلمات كل سطر وموضوع الكتاب ونقل شيء منه وذكر

стр. 6625

أقسامه وفصوله وما تبحث عنه في كل ذلك. ثم تعريف المؤلف ومختصر ترجمته وسنة وفاته وما اشتهر به ووضعه من المؤلفات الأخرى. والإشارة إلى ناسخ الكتاب وسنة نسخه ونوع خطه. ومعارضة النسخة بغيرها وذكر ثمنه وتجليده وورقه إلى ما يساوق هذه الأبحاث المفيدة المختومة بفهارس مختلفة لتسهيل المطالعة ويتيسر العثور على المطلوب بأقرب وقت. ومعرفة المؤلفات والمؤلفين من نظرة خفيفة. ما فيه اقتصاد وقتي ودقة نظر وصحة بحث. وفي قوائم المحدثين تدقيقات جديرة بالمطالعة كما سترى في مقالة أخرى خصصت بقوائمهم. زحلة (جبل لبنان) - عيسى اسكندر المعلوف

стр. 6626

فوات نهج البلاغة لمولانا أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ﵇ من الحكمة البالغة التي تتجلى ببرود البلاغة الرائعة ما لا يجهله ذو مسكة من البيان العربي. وهو مع كونه غذي بدر النبوة وارتضع أفاويق الحكمة فهو بعد رسول الله ﵌ أبلغ الهاشميين الذين هم مهبط القرآن ومعدن الإعجاز في البيان وهم أفصح قريش الذين هم أفصح العرب على الإطلاق. وقد عني الشريف الرضي الموسوي في جمع ما عثر عليه من كلامه ﵇ في كتابه نهج البلاغة فكان هذا الكتاب نبراساً للمتأدبين ومنهجاً لاحباً للطالبين وتوفرت العناية في دراسته من طالبي الحكمة الأخلاقية أو الملكات اللغوية أو السلائق البيانية. وقد عثرت في مطالعاتي على كلام له ﵇ لم يذكر كله أو جله في نهج البلاغة فأحببت أن أتحف قراء المقتبس بهذه الدرر الحكيمة والجواهر الكريمة خدمة للعلم فقد أخرج الشيخ الإمام محمد بن محمد بن النعمان المعروف بأبي عبد الله الحفيد المولود سنة ٣٣٨ والمتوفى سنة ٤١٣ في كتابه المعروف بالإرشاد جملة صالحة من كلامه في مواضع شتى إليك بعضها مع شرح وجيز لها. النبطية (جبل عامل) - أحمد رضا من كلام ﵇ في وجوب المعرفة بالله تعالى والتوحيد له ونفي التشبيه عنه والوصف لعدله فمن ذلك ما رواه أبو بكر الهزلي عن الزهري عن عيسى بن زيد عن صالح بن كيسان أن أمير المؤمنين ﵇ قال في الحث على معرفة الله سبحانه والتوحيد له. أول عبادة الله معرفته وأصل معرفته توحيده ونظام توحيده ففي التشبيه عنه جل عن أن تحله الصفات لشهادة العقول أن كل من حلته الصفات مصنوع وشهادة العقول أنه جل وعلا صانع ليس بمصنوع بصنع الله يستدل عليه وبالعقول يعتقد معرفته وبالنظر تثبت صحته جعل الخلق دليلاً عليه فكشف به عن ربوبيته هو الواحد الفرد في أزليته لا شريك له في آلهته. ولا ندّ له في ربوبيته بمضادته بين الأشياء المتضادة علم أن لا ضدّ له

стр. 6627

وبمقارنته بين الأمور المقترفة علم أن لا قرين له (في كلام طويل). ومما حفظ عنه في نفي التشبيه عن الله تعالى ما رواه الشعبي قال سمع أمير المؤمنين ﵇ رجلاً يقول والذي احتجب بسبع طباق فعلاه بالدرة ثم قال له: يا ويلك أن الله أجل من أن يحتجب عن شيء أو يحتجب عنه شيء سبحان الذي لا يحويه مكان في الأرض ولا في السماء. فقال الرجل أفأكفّر عن يميني يا أمير المؤمنين قال ﵇ لا أنك لم تحلف بالله فتلزمك كفارة الحنث وإنما حلفت بغيره. ومن كلامه: روى الحسن بن أبي الحسن البصري قال: جاء وجل إلى أمير المؤمنين بعد انصرافه من صفين فقال له يا أمير المؤمنين أخبرني عما كان بيننا وبين هؤلاء القوم من الحرب أكان بقضاء من الله وقدر فقال له أمير المؤمنين ﵇ ما علوتم تلعة ولا هبطتم وادياً إلا والله فيه قضاء وقدر فقال الرجل فعند الله احتسب عنائي يا أمير المؤمنين فقال له ولم قال إذا كان القضاء والقدر ساقانا إلى العمل فما وجه الثواب لنا على الطاعة وما وجه العقاب لنا على المعصية فقال له أمير المؤمنين ﵇: أو ظننت يا رجل أنه قضاء حتم وقدر لازم لا تظن ذلك فإن القول به مقال عبدة الأوثان وحزب الشيطان وخصماء الرحمن وقدرية هذه الأمة ومحبوسها إن الله ﷻ أمر تخييراً ونهى تحذيراً وكف يسيراً ولم يطع مكرهاً ولم يعص مغلوباً ولم يخلق السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا بربهم فويل للذين كفروا من النار. فقال الرجل فما القضاء والقدر الذي ذكرته يا أمير المؤمنين قال الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية والتمكين من فعل الحسنة وترك السيئة والمعونة على القربة إليه والخذلان لمن عصاه والوعد والوعيد والترغيب والترهيب كل ذلك قضاء الله في أفعالنا وقدره لأعمالنا فأما غير ذلك فلا تظن فإن الظن له محبط للأعمال فقال الرجل فرجت عني يا أمير المؤمنين فرج الله عنك وأنشأ يقول أنت الإمام الذي نرجو بطاعته ... يوم المآب من الله غفرانا أوضحت من ديننا ما كان ملتبساً ... جزاك ربك بالإحسان إحسانا

стр. 6628

ومن كلامه في الدعاء إلى معرفته وبيان فضله وما ينبغي لمتعلم العلم أن يكون عليه ما رواه العلماء في الأخبار في خطبة منها والحمد لله الذي هدانا من الضلالة وبصرنا من العمى ومن علينا بالإسلام وجعل فينا النبوة وجعلنا النجباء وجعل إفراطنا إفراط الأنبياء وجعلنا خير أمة أخرجت للناس نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونعبد الله ولا نشرك به شيئاً ولا نتخذ من دونه ولياً فنحن شهداء الله والرسول شهيد علينا نشفع فنشفع فيمن شفعنا له وندعو فيستجاب دعاؤنا ويغفر لمن ندعو له ذنوبه أخلصنا لله فلم ندع من دونه ولياً. أيها الناس تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله أن الله شديد العقاب. أيها الناس إني ابن عم نبيكم وأولاكم بالله ورسوله فاسألوني ثم اسألوني فكأنكم بالعلم قد نفذ وأنه لا يهلك عالم إلا هلك معه بعض علمه وإنما العلماء في الناس كالبدر في السماء يضيء نوره على سائر الكواكب خذوا من العلم ما بدا لكم وإياكم أن تطلبوه بخصال أربع لتباهوا به العلماء أو تماروا به السفهاء أو تراؤوا به في المجالس أو تعرفوا وجوه الناس إليكم للترأس ولا يستوي عند الله في العقوبة الذين يعلمون والذين لا يعلمون ونفضنا الله وإياكم بما علمنا وجعله لوجه الله خالصاً انه سميع مجيب. ومن كلامه في وصفه العالم وأدب المتعلم رواه الحرث الأعور قال: سمعت أمير المؤمنين ﵇ يقول من حق العالم ألا يكثر عليه السؤال ولا يعنت في الجواب ولا يلح عليه إذا كسل ولا يؤخذ بشوبه إذا نهضا ولا يشار إليه بيد في حاجة ولا يفشى له سر ولا يغتاب عنده أحد ويعظم كما حفظ أمر الله. ولا يجلس المتعلم إلا أمامه ولا يعرض من طول الصحبة وإذا جاءه طالب علم وغيره فوجده في جماعة عمهم بالسلام وخصّه بالتحية وليحفظ شاهداً أو غائباً وليعرف له حقه فإن العالم أعظم أجراً من الصائم القائم المجاهد في سبيل الله فإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه وطالب العلم تستغفر له الملائكة. ومن كلامه ﵇ في أهل البدع ومن قال في الدين برأيه وهذه الخطبة ورد أكثرها في نهج البلاغة وفيها زيادات

стр. 6629

لم تذكر هناك فأوردناها برمته ما رواه ثقات النقل من الخاصة والعامة في كلام افتتاحه الحمد لله والصلاة على نبيه صلى الله وآله وسلم. أما بعد فذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم انه لا يهيج على التقوى زرع قوم لا يظمأ عنه سنح أصل وإن الخير كله فيمن عرف قدره وكفى بالمرء جهلاً أن لا يعرف قدره وأن أبغض الخلق إلى الله تعالى رجل وكله الله إلى نفسه جائز عن قصد السبيل مشعوف بكلام بدعة قد لهج فيها بالصوم والصلاة فهو فتنة لمن أفتتن به ضال عن هدي من كان قبله مضل لمن أقتدى به حمال خطايا غيره رهن بخطيئة قد قمش جهلاً في جهال عشوة غار باغباش الفتنة عمي عن الهدى قد سماه أشباه الناس عالماً ولم بغن فيه يوماً سالماً بكر فاستكثر مما قل منه خير مما كثر حتى إذا ارتوى من آجن واستكثر من غير طائل جلس للناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره أن خالف من سبقه لم يأمن من نقض حكمه من يأتي بعده كفعله بمن كان قبله وإن نزلت به إحدى المبهمات هيأ لها حشواً من رأيه ثم قطع عليه. فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ. ولا يرى أن من وراء ما بلغ مذهباً. أن قاس شيئاً بشيء لم يكذّب رأيه وإن أظلم عليه أمراً اكتتم به لما يعلم من نفسه من الجهل والنقص والضرورة كيلا يقال أنه لا يعلم ثم أقدم بغير علم فهو خائض عشوات ركاب شبهات خبّاط جهالات لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم. ولا يعض على العلم بضرس قاطع فيغنم. يذري الروايات ذرو الريح الهشيم تبكي منه المواريث وتصرخ منه الدماء ويستحل بقضائه الفرج الحرام ويحرم به الحلال لا يسلم بإصدار ما عليه ورد ولا يندم على ما منه فرط. أيها الناس عليكم بالطاعة والمعرفة بمن لا تعذرون بجهالته فإن العلم الذي هبط به آدم ﵇ وجميع ما فضلت به النبيون إلى نبيكم خاتم النبيين. في عترة محمد صلى الله عليه وعلى آله فأين يتاه بكم بل إلى أين تذهبون يا من نسخ من أصلاب أصحاب السفينة هذه مثلها فيكم فاركبوها فكما نجا من هاتيك فكذلك ينجو من هذه من دخلها. أنا رهين بذلك قسماً حقاً وما أنا من المتكلفين والويل لمن تخلف ثم الويل لمن تخلف. أما بلغكم ما قال فيهم نبيكم صلى الله عليه وآله حيث يقول في حجة الوداع: إني تارك فيكم الثقلين ما تمسكتم

стр. 6630

بهما لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما إلا هذا عذب فرات فاشربوا وهذا ملح أجاج فاجتنبوا. ومن كلامه ﵇ في التزود للآخرة وأخذ الأحبة للقاء الله تعالى والوصية للناس بالعمل الصالح ما رواه الثقات أنه كان ينادي في كل ليلة حين يأخذ الناس مضاجعهم بصوت يسمعه كافة أهل المسجد ومن جاوره من الناس. تزودوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل وأقلوا العرجة على الدنيا وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد فإن أمامكم عقبة كؤداً ومنازل مهولة لا بد من الممر بها والوقوف عليها فإما برحمة من الله نجوتم من فظاعتها وأما هلكة ليس بعدها انجبار يا لها حسرة على ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة وتؤديه أيامه إلى شقوة جعلنا الله وأيامكم ممن لا تبطره نعمة ولا تحل به بعد الموت نقمة فإنما نحن به وله وبيده الخير وهو على كل شيء قدير. ومن كلامه ﵇ في التزهيد في الدنيا والترغيب في أعمال الآخرة يا ابن آدم لا يكن أكبر همك يومك الذي أن فاتك لم يكن من أجلك فإن همك يوم فإن كل يوم تحضره يأتي الله فيه برزقك وأعلم أنك لن تكتسب شيئاً فوق قوتك إلا كنت خازناً لغيرك يكثر في الدنيا به نصبك ويحظى به وارثك ويطول معه يوم القيامة حسابك فاسعد بمالك في حياتك وقدم ليوم معادك زاداً يكون أمامك فإن السفر بعيد والموعد القيامة والمورد الجنة أو النار. ومن كلامه ﵇ في ذكر خيار الصحابة وزهادهم ما رواه صعصعة بن صوحان العبدي قال صلى بنا أمير المؤمنين ﵇ ذات يوم صلاة الصبح فلما أسلم أقبل على القبلة بوجهه يذكر الله لا يلتفت يميناً ولا شمالاً حتى صارت الشمس على حائط مسجدكم هذا (يعني جامع الكوفة قيد رمح ثم أقبل علينا بوجه فقال: لقد عهدت أقواماً على عهد خليلي رسول الله ﵌ وأنهم

стр. 6631

ليراوحوا في هذا الليل بين جباههم وركبهم فإذا أصبحوا أصبحوا شعثاً غبراً بين أعينهم شبه ركب المعزى فإذا ذكروا الموت مادوا كما يميد الشجر في الريح ثم انهملت عيونهم حتى تبل ثيابهم ثم نهض ﵇ وهو يقول: كأنما القوم باتوا غافلين. ومن كلامه ومواعظه وقد ذكرت في النهج على اختلاف بين روايتها هنا وهناك الموت طالب حثيث ومطلوب لا يعجزه المقيم ولا يفوته الهارب فأقدموا ولا تنكلوا فإنه ليس عن الموت محيض أنكم أن لا تقتلوا تموتوا والذي نفسى بيده لألف ضربة بسيف على الرأس أيسر من موتة على فراش. ومنها أيها الناس أصبحتم أغراضاً تنتصل فيكم المنايا وأموالكم نهب المصائب ما طعمتم في الدنيا من طعام فلكم فيه غصص وما شربتم من شراب فلكم فيه شرف وأشهد بالله ما تنالون من الدنيا نعمة تفرحون بها إلا بفراق أخرى تكرمونها. أيها الناس إنا خلقنا وإياكم للبقاء لا للفناء لكنكم من دار إلى دار تنقلون فتزودوا لما أنتم صائرون إليه وخالدون فيه والسلام. ومن كلامه ﵇ في الدعاء إلى نفسه والدلالة على فضله ما رواه كثير من الخاصة والعامة وذكره أبو عبيدة معمر بن المثنى وغيره أن أمير المؤمنين ﵇ قال في خطبة خطبها بعد بيعة الناس له على الأمر وذلك أبعد قتل عثمان بن عفان ﵁. أما بعد فلا يرعين مرح إلا على نفسه شغل من الجنة والنار أمامه ساع مجتهد وطالب يرجو ومقصر في النار ثلاثة واثنان ملك طار بجناحيه ونبي أخذ الله بيديه لا سادس هلك من ادعى وردي من اقتحم اليمين والشمال مضلة والوسطى الجادة منهج عليه باقي الكتاب والسنة وآثار النبوة إن الله تعالى داوى هذه الأمة بدوائين السوط والسيف لا هوادة عند الإمام فيهما فاستتروا بيوتكم وأصلحوا فيما بينكم والتوبة من ورائكم من أبدى صفحته للحق هلك قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها معذورين أما إني لو أشاء أن أقول لقلت عفى الله هما سلف سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب همته بطنه ويله لو قص جناحاه وقطع رأسه لكان خيراً له انظروا فإن أنكرتم فأنكروا وإن عرفتم فبادروا حق وباطل ولكلّ أهل ولئن

стр. 6632

أمر الباطل فلقديماً فعل ولئن قلّ الحق فلربما ولعل وقل ما أدبر شيء فأقبل ولئن رجعت إليكم نفوسكم أنكم لسعداء وأني لأخشى أن تكونوا في فترة وما علي إلا الاجتهاد. إلا وأن إبرار عترتي وأطائب أرومتي أحلم الناس صغاراً وأعلم الناس كباراً ألا وأنا أهل بيت من علم الله علمنا وبحكم الله حكمنا وبقول صادق أخذنا فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا وإن لم تفلوا يهلككم الله بأيدينا معنا راية الحق من تبعها لحق ومن تأخر عنها غرق إلا وبنا تدرك ترة كل مؤمن وتخلع ربقة الذل من اعناقكم وبنا فتح الله لا بكم وبنا يختم لا بكم. ومن كلامه ﵇ ما رواه عبد الرحمن بن جندب عن أبيه جندب بن عبد الله قال: دخل على علي ابن أبي طالب ﵇ بالمدينة بعد بيعة الناس لعثمان فوجدته مطرقاً كئيباً فقلت له: ما أصاب قومك فقال: سبحان الله والله أنك لصبور قال فاصنع ماذا قلت: تقوم في الناس فتدعوهم إلى نفسك وتخبرهم أنك أولى الناس بالنبي ﵌ وبالفضل والسابقة وتسألهم النصر على هؤلاء المتمالئين عليك فإن أجابك عشرة من مائة شددت بالعشرة على المائة وإن دانوا لا كان ذلك على ما أحببت وإن أبوا قاتلتهم فإن ظهرت عليهم فهو سلطان الله الذي أتاه نبيه ﵊ وكنت أولى به منهم وإن قتلت في طلبه قتلت شهيداً وكنت أولى بالعذر عند الله وأحق بميراث رسول الله ﵌. فقال: أتراه يا جندب يبايعني عشرة من مائة قلت: أرجو ذلك قال: لكني لا أرجو من كل مائة أثنين وسأخبرك من أين ذلك. إنما ينظر الناس إلى قريش وأن قريشاً تقول أن آل محمد يرون أن لهم فضلاً على سائر الناس وأنهم أولياء الأمر دون قريش وأنهم إن ولوه لم يخرج منهم هذا السلطان إلى أحد أبداً ومتى كان في غيرهم تداولتموه بينكم لا والله لا تدفع قريش إلينا هذا السلطان طائعين أبداً قال: فقلت له أفلا أرجع فأخبر الناس بمقالتك هذه فادعوهم إليك فقال لي: يا جندب ليس هذا زمان ذلك قال: فرجعت إلى العراق فكنت كلما ذكرت للناس شيئاً من فضائله ومناقبه وحقوقه زبروني ونهروني حتى دفع ذلك من قولي إلى الوليد بن عقبة ليالي ولينا فبعث إلي فحبسني حتى كلم فيّ فخلى سبيلي. ومن كلامه ﵇: لما توجه أمير المؤمنين ﵇ إلى البصرة نزل الربذة فلقيه بها آخر الحاج فاجتمعوا

стр. 6633

ليسمعوا كلامه وهو في خبائه قال ابن عباس فأتيته فوجدته يخصف نعلاً فقلت له: نحن على أن تصلح أمرنا أحوج منا إلى ما تصنع فلم يكلمني حتى فرغ من نعله ثم ضمها إلى صاحبها وقال لي: قومّها فقلت: ليسر لهما قيمة قال على ذاك قلت كسر درهم قال: والله لهما أحب إلى من أمركم هذا إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً. قلت: أن الحاج اجتمعوا ليسمعوا من كلامك فتأذن لي أن أتكلم فإن كان حسناً كان منك وإن كان غير ذلك كان مني قال لا أنا أتكلم ثم وضع يده على صدري وكان شثن الكفين فآلمني ثم قام فأخذت بثوبه وقلت: أنشدك الله والرحم قال: لا تنشد ثم خرج فاجتمعوا عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وآله وليس في للعرب أحد يقرأ كتاباً ولا يدعي نبوة فساق الناس إلى منجاتهم أما والله ما زلت في ساقتها ما غيرت ولا بدأت ولا خنت حتى تولت بحذافيرها ما لي ولقريش أما والله لقد قاتلتهم كافرين ولأقاتلنهم مفتوقين وإن مسيري هذا عن عهد إليّ فيه أما والله لأبقرن الباطل حتى يخرج الحق من خاصرته ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيزنا وأنشد وذنب لعمري شربك المحض خالصاً ... وأكلك بالزبد المقشرة التمرا ونحن وهبناك العلاء ولم تكن ... علياً وحطنا حولك البيض والسمرا لها تابع

стр. 6634

دائرة المعارف الإسلامية كتب الإفرنج كثيراً على الإسلام والمسلمين منذ دخلت العلوم عليهم واشتدت حاجة اجتماعهم واقتصادهم إلى معرفة ما عند الأمم المجاورة لهم ولكن معظم ما كتب لا ينم عن تحقيق. كتب من حاضر الوقت وما وجد للحال تحت اليد فجاء مختلاً من عدة وجوه وبين أكثره وبين الحقائق هوىً سحيقا زادها هوى النفوس وسرائر التعصب في تلك الأيام ولما قوية الإستشراق أو تعلم علوم المشرقيات بين الغربيين أخذ كلامهم على الإسلام وأهله يقرب من الحقيقة خصوصاً إذا كان الكاتب ممن لا ينطق عن غرض سياسي كما فعل سيديليو الفرنساوي في كتابه تاريخ العرب وفعل بروكلمان الألماني في كلامه على تاريخ آداب اللغة العربية وكما فعل بعض علماء المشرقيات من الألمان والنمساويين والمجريين والهولانديين والسويسريين وغيرهم. أمامنا الآن أمتع مؤّلف كتبه أهل الغرب عن المسلمين وبلادهم حتى هذا العصر وهو دائرة المعارف الإسلامية ظهر أولاً نموذجات منه باللغة الألمانية لأنها لغة العلم على الأكثر في أوربة الوسطى وبلاد السكاندنافيا وهولاندة فلم يسع فرنسا إلا أن توسلت بإخراج هذا العمل بلغتها أيضاً ونفحت الطابع مبلغاً من المال وكذلك فعلت انكلترا وها قد مضى ثماني سنين ولم يصدر من هذا الكتاب النفيس سوى عشرين كراساً وقع منها سبعة عشر في ٩ صفحة بدئت بحرب اوانتهت بحرف الثلاثة الباقية وقعت في ١٩٢ صفحة وهي في حرف وصل إلينا منها إلى قبيل الحرب مقالة كل بابا البكداشي. موضوعات الكتاب كلها منتقاة يكتبها عشرات من علماء المشرقيات المشهود لهم بسعة العلم وفضل العمل أو من طبقة ثانية منهم تلاحظ الطبقة الأولى ما يكتبون وكل من كتب مقالة أو مبحثاً ذيله باسمه ليكون ذلك أقرب إلى الثقة ولا يخلط المؤلف في شيء سيتناقل عنه. والكتاب معجم أو قاموس في جغرافية بلاد الإسلام وأصول شعوبها وتراجم رجال الأمة الإسلامية فترى كل موضوع وقد عهد إلى الأكفاء في تحبيره وتحريره مستوفىّ من كل وجه وفي أسفله المصادر التي نقل المؤلف منها والكتب الإفرنجية أو الشرقية التي أعتمد عليها. ومن أهم المقالات في هذه الدائرة الكبرى مقالة مصر وأفغانستان وجزيرة العرب والأندلس وأرمينية والبربر والفقه وغير ذلك من تراجم أعيان الأمة في القديم والحديث والتوسع في

стр. 6635

بلادها وسكانها توسعاً وسطاً ينظر فيه إلى جودة المادة على الأغلب. وإن دائرة معارف من جملة المساعدين فيها كويدي وغولدصهير وهارتمان وبروكلمان وغيرهم من أعيان علماء ألمانيا وهولاندة وفرنسا والدانيمرك والسويد ونروج وسويسرا وإنكلترا وإسبانيا إيطاليا والنمسا والمجر وروسيا وأميركا والجزائر والهند وفي كتابها الإسرائيلي والمسيحي والمسلم لا غرابة في كونها من أرقى كتب القرن العشرين ولا نغالي إذا قلنا أنها كتاب القرن العشرين عن الشرق. وقد ضمت هذه الدائرة تراجم بعض رجال من أهل الإسلام أو لمن كان لهم شأن في أقطارهم كانت مجهولة حتى عند الخاصة منا لأن القائمين بتأليف هذا الكتاب النادر بالنظر لأخصاء كل واحد منهم في بقعة أو شيء توغلوا في البحث واستوفوا كل دقيق وجليل في تقويم بلدان المسلمين وتقدير رجالهم. عنوا من ثم بأرض المسلمين ومن دب عليها حتى الآن فلم حاجة في نفس المطالع إلا قضوها ولا باباً من أبواب الأفادة إلا ولجوه فجاءت الفوائد على طرف التام يتناولها كل من يعرف إحدى لغات العلم الثلاث الألمانية والإفرنسية والإنكليزية. يطبع الكتاب في مطبعة بريل في هولاندة المشهورة بطبع كتب الشرق منذ ثلاثة قرون وتساعدها جمعية المجامع العلمية الدولية فصح أن نقول دائرة المعارف الإسلامية هي كتاب الغرب أوروبا وأمريكا قدمه للشرق آسيا وإفريقيا وما كان أحرانا معاشر الآسيويين والإفريقيين أن نكون نحن البادئين في نشر مثل هذا السفر الأنفس خصوصاً وصاحب الدار أدرى بالذي فيها ولذلك لم بيق لنا رجاء إلا أن نرجو ممن يحزقون إحدى لغات الكتاب أن يعتمد كل واحد منهم على الطبعة التي يحسن لغتها ويقتبس منه لأهل الإسلام ما يفيدهم في موضوع بلادهم ورجالهم وأصولهم فإن من البلاد ما يحيثه النور إلا منعكساً والشرق بعد أن كان مصدر النور أخذ يقتبس نوره من الغرب. وهاك الآن ما كتبه إلينا الأستاذ العلامة هوتسما رئيس تحرير هذه الدائرة الإسلامية وأستاذ كلية أوترخت في بلاد القاع (هولاندة) بشأن هذا التأليف وقد سألناه منذ ثلاثين شهراً عن الطرق التي عمدوا إليها حين أنشأها فتفضل بالجواب الآتي تعريبه: يجب أن يعلم أنه طالما جرى البحث ولاسيما في مؤتمرات المستشرقين الدولية في الحاجة الماسة إلى دائرة

стр. 6636

معارف إسلامية تجمع شتات جميع أبحاث المستشرقين التي هيأوها لنا عن الشعوب الإسلامية. ومثل هذا التأليف لا أثر له في الغرب إذا استثنى من ذلك كتاب المكتبة الشرقية الذي نشره في باريز هربربر منذ زهاء قرنين. إن دوائر المعارف العربية والتركية لم توضع بحيث تقوم بغرض القراء من الغربيين ممن لا يعرفون هاتين اللغتين فهي لا تسد هذه الثلمة. ولقد دعيت إلى القيام بمثل هذا التأليف فنشرت بمساعدة بعض المستشرقين والسادات بريل في ليدن نموذجاً من دائرة المعارف الإسلامية نال استحسان ورصفائي. وكنت طلبت وحزت معاونة المجامع العلمية في أوربا بأسرها للإنفاق على هذا المشروع قبل السادات بريل في ليدن بنشر هذا التأليف على نفقتهم. ومن الأسف أنه لم يقع الإتفاق على المال الواجب استخدامه حتى وقع القرار مؤخراً بأن تنشر دائرة المعارف بثلاث لغات (الألمانية والإفرنسية والإنكليزية) في آن واحد. وهو قرار يؤسف له لأن مهمة التحرير تطول بذلك وتصعب ثلاث أضعاف وأشق من ذلك أن نشرها على هذه الصورة يستلزم وقتاً أطول ثلاث أضعاف للنشر ولعل النفقات على نسبة ذلك. ومع هذا لما شاهدت قبولاً من المجامع ومن رصفائي لم تحدثني نفسي أن أطرح الموضوع وبعد أتخذ أسباب أخرى ضممت إليّ المسيو باسيه عميد كلية الآداب في الجزائر يتولى تحرير النسخة الإفرنسية والإستاذت. وأرنولد في لندرا للقيام بالطبعة الإنكليزية وجميع المقالات المتعلقة بشمال إفريقية (الجزائر وتونس ومراكش والسودان) هي مما تولاه المسيو باسيه ومؤازروه وجميع الأبحاث المتعلقة بالبلاد الخاضعة للحكومة الإنكليزية ما عدا مصر هي مما يرجع به إلى المستر أرنولد وجميع البلاد مثل مصر والمملكة العثمانية بأجمعها وفارس وآسيا الوسطى والهند والهولاندية (جاوة) الخ هي في عهدتي. وقد عهد بالمقالات المختلفة المتعلقة بهذا الشأن إلى علماء الأكفاء يوقعون عليها بأسمائهم وهم وحدهم المسؤلون عما تحويه. وتجد بين المؤازرين في التحرير أسماء المشاهير من كل أمة مثل المسيو هاوار والمسيو كازادي فو في فرنسا والمسيو بكيروغولدصهير وهارتمان وهرفلد وكثير غيرهم في ألمانيا والمسيو مورنالد من روسيا والمسيو زترستين في السويد والمسيو بوهل في الدانيمرك والمسيو سوتر من سويسرا والمسيو كويدي والمسيو نالينو من إيطاليا والمسيو موردهام من الأستانة

стр. 6637

والسيد هدايت حسين من كلكونا وهذا هو الشرقي الوحيد الذي دخل العمل حتى الآن ثم المستشرقين الهولانديون مثل مسيو سنوك هوركروج والمسيو جونبول والمسيو فيمش الخ. والغاية من تحرير هذه الدائرة علمية صرفة وذلك ليحيط الناس حق الإحاطة بحال الشعوب الإسلامية ويطلعون على تاريخهم ودينهم وفنونهم وعلومهم وجغرافية البلاد التي ينزلونها وتراجم المشهورين من رجالهم وقد ختم كتابه في الشكوى من حال التأخر في نشر الدائرة وإنجازها.

стр. 6638

طرق الشرق ربما يظن بعضهم أن الاتصال بين الشرق والغرب كان في القديم معدوماً والحقيقة أن الاتصال للتجارة والزيارة كان موجوداً ولكن لا كما هو اليوم فكنت ترى في البلد الواحد من الشرق أو الغرب بضعة رجال سافروا إلى القاصية في البر أو البحر واليوم ترى في المدن التي كثر اختلاط أهلها بالأمم المجاورة والبعيدة خمسة أو عشرة في المئة ولا سيما سكان الساحل فكثر الخلط في الأخبار قديماً وقلّ اليوم إذ عرف كل شيء وسهلت الطرق التجارية بحرية كانت أو برية طرق الاطلاع على الحقائق وكانت طرق فارس في الأمم القديمة آمن الطرق وأسلكها (المقتبس م٣ ص١٠٣) ولذلك سهل على كثير من أهل الإسلام أن يزوروها وكانت كتابة قدماء جغرافيي العرب أمتع من كتابتهم على نفس ديار العرب ولم تبطل المواصلات بين الغرب والشرق فتارة يتقدم الفينيقيون ويحملون على سفنهم متاجرهم إلى سواحل البحر الرومي وربما بلغوا بها بريطانيا العظمى وطوراً تكون النوبة للرومان يفتحون جزءاً عظيماً من بلاد الشرق الأقرب فتكثر متاجرهم مع أهله وآونة يكثر الاختلاط بين بالروم من أهل المملكة الشرقية ويتسلطون على كثير من الأقاليم الشرقية فتزيد الصلات التجارية معهم ثم تجيء نوبة الروسيين فالجنوبيين فالبيزيين فالبنادقة الإيطاليين. ومنذ القرن الرابع للمسيح أخذ من دانوا بالنصرانية يأتون إلى الأراض المقدسة وفي الحروب الصليبية كثرت هذه العلائق وكان للنورمانديين فضل السبق على سائر الأمم الأوربية بتحمسهم في زيارة الأصقاع المقدسة في فلسطين مدفوعين بعوامل حب الربح والاتجار أيضاً فكانوا يتحاشون تجثم أهوال البحر ولذلك كنت تراهم يقطعون المسافة براً فيمرون بفرنسا وبجزء عظيم من إيطاليا ثم يركبون البحر من نابولي أو كايت أو سلونا وهي الموانئ التي كانت تتقايض التجارة مع سورية وقد قضى الصليبيون الذين سافروا من أوربا إلى فلسطين من طريق الأستانة براً ثمانية أشهر وكانت تقطع المسافة بحراً في مراكب تلك الأيام بين إحدى مواني الأندلس وبين الإسكندرية في ثلاثين أو أربعين يوماً وربما بلغت من البندقية إلى يافا خمسين يوماً بحسب ملائمة الهواء. والطريق التي كانت متبعة في القرن السادس عشر للذهاب من فرنسا إلى الشرق براً هي راغوس يكي بازار اسكوب تاتار بازار جق.

стр. 6639

وكانت الطرق البرية المسلوكة معبدة كل التعبيد ومرافق الحياة موفورة بها ولا سيما البغال والحمير والخيل والجمال والهوادج والمركبات لكل إقليم اصطلاحه وعاداته ولذلك كان المرء إذا قصد السرعة يتأتى له ذلك كما فعل البارودي لاكاد فقضى اثنين وعشرين يوماً للذهاب من الأستانة إلى فونتينبلو قرب باريز. وزار برتراندون دي لابروكيير القدس فرجع راكباً من الأستانة إلى فرنسا من طريق بلاد الفلاخ وبلغراد وبشته في خمسين يوماً ووقف منها أياماً في الطريق وقضى الرحالة ابن جبير من لدن خرج في القرن السادس للهجرة في غرناطة الأندلس إلى أن آب إليها عامين كاملين وثلاثة أشهر ونيفاً. وكان للأندلسيين غرام في الرحلة إلى المشرق يقصدونه للحج وطلب العلم والتجارة كما كان للمشرقيين عناية بذلك ولكن أقل من عناية الأندلسيين ولا غرابة فالأندلسيون أوربيون ومن أين للشرقي همة كهمة الغربي. لقد عمرت مدن كثيرة في القديم بسبب التجارة لإيواء القوافل والسياح وفي جنوبي أوربا شيء كثير منها وفي بلادنا عمرت البتراء (وادي موسى) وتدمر كما عمرت مخافي بلاد اليمن في أواخر القرن الثامن عشر ثم خلفتها مدن في نقل واردات اليمن وصادراتها وكان يصل إليها من أرض الهند الياقوت واللؤلؤ وأصناف من المسك والكافور والعود الرطب والعطر والحديد والفلفل ويصل من الصين الحرير والقصبات ويصل من عمان وأرض فارس تحف كثيرة. وكانت اليمن كالشام والعراق لتوسطها بين الشرق والغرب يغشاها كثير من تجار الأوربيين منذ العهد الأطول. وفتح العرب قبل غيرهم طرق التجارة مع الشام قبل الإسلام بل وصلوا إلى أقصى الروم وإلى الهند والصين يبتاعون مصنوعات الأمم الصناعية ليحملوها (المقتبس م٧ ص٢٢٢) إلى الشعوب البربرية في أوربا. وللعرب مرفآن تجاريان عظيمان متصلان بالعاصمتين أحدهما البصرة على خليج فارس تفرغ فيه مراكب الهند تحمل العطور والأبازير والعاج وتجيء الجنوك الصينية تحمل صمغ اللك والحرير وتعود بالزجاج أأ والسكر وماء الورد والقطن والإسكندرية هي المرفأ الثاني فتحت على العرب طريق البحر الرومي وإليه كانت تصل مراكب إيطاليا. وتسير القوافل من بغداد إلى كل ناحية فمن الجنوب الغربي نقصد إلى دمشق وسورية

стр. 6640

وغلى الشرق نحو البصرة والهند ومن الشمال إلى طربون على البحر الأسود تحمل بضائع المملكة البيزنطية وإلى الشمال الشرقي إلى سرقند وبحر الخزر حيث كان يذهب التجار ليأخذوا جلود روسيا وشمعها وعسلها وكانت القوافل من القاهرة تسير إلى الغرب في الطريق العظيم الذي يحاذي البحر على طوله ماراً بطرابلس والقيروان لينفذ من طنجة التي كانت تصل إليها تجارة أسبانيا ومن الجنوب طريق يصعد منها إلى النيل حتى بلاد السودان وآخر يسير على الشاطئ الشرقي من افريقية حيث أنشأت العرب مقدشو وكلوة وسفالة ومن هذه الجهة كان يصدر التبر والعاج والعبيد. قال ابن خرداذبة في المسالك والممالك: كان مسلك التجار اليهود الرازانية الذين يتكلمون بالعربية والفارسية والرومية والإفرنجية والأندلسية والصقلبية أنهم يسافرون من المشرق إلى المغرب براً وبحراً يجلبون من المغرب الخدم والجواري والغلمان والديباج وجلود الخز والفرآء والسمور والسيوف ويركبون من فرنجة (فرنسا) في البحر الغربي فيخرجون بالفرما ويحملون تجارتهم على الظهر إلى القلزم إلى أبحار وجدة ثم يمضون إلى السند والهند والصين فيحملون من الصين المسك والعود والكافور والدار الصيني وغير ذلك مما يحمل من تلك النواحي حتى يرجعوا إلى القلزم ثم يحملونه إلى الفرما ثم يركبون في البحر الغربي فربما عدلو بتجارتهم إلى القسطنطينية فباعوها من الروم وربما صاروا بها إلى ملك فرنجة فيبيعوها هناك وإن شاؤا حملوا تجاراتهم من فرنجة في البحر الغربي فيخرجون بأنطاكية ويسيرون على الأرض ثلث مراحل إلى الجابية (?) ثم يركبون في الفرات إلى بغداد ثم يركبون في دجلة إلى الإبلة ومن الإبلة إلى عمان والسند والهند والصين كل ذلك متصل بعضه ببعض. فأما مسلك تجار الروس وهم جنس من الصقالبة فإنهم يحملون جلود الخز وجلود الثعالب السود والسيوف من أقصى صقلية إلى البحر الرومي فيعشرهم صاحب الروم وإن ساروا في تنيس نهر الصقالبة مروا بخليج مدينة الخزر فيعشرهم صاحبها ثم يصيرون إلى بحر جرجان فيخرجون في أي سواحله أحبوا وقطر هذا البحر خمسة مائة فرسخ وربما حملوا تجارتهم من جرجان على الإبل إلى بغداد ويترجم عنهم الخدم الصقالبة ويدعون أنهم نصارى فيؤدون الجزية. فأما مسلكهم في البر فإن الخارج منهم يخرج من الأندلس أو من

стр. 6641

فرنجة فيعبر إلى السوس الأقصى فيصير إلى طنجة ثم إلى إفريقية ثم إلى مصر ثم إلى الرملة ثم إلى دمشق ثم إلى الكوفة ثم إلى بغداد ثم إلى البصرة ثم إلى الأهواز ثم إلى فارس ثم إلى كرمان ثم إلى السند ثم إلى الهند ثم إلى الصين وربما أخذوا خلف رومية في بلاد الصقالبة ثم إلى خليج مدينة الخزر ثم في بحر جرجان ثم إلى بلخ وما وراء النهر ثم إلى ورت تعزهر ثم إلى الصين. وما برح الناس في الشرق والغرب يركبون متون الأخطار في قطع البراري والبحار لربط صلات الاتجار بين أوربا وإفريقية وآسيا حتى افتتح دياز البرتقالي سنة ١٤٨٦م طريق رأس الرجاء الصالح في جنوبي إفريقية وخرقت ترعة السويس التي وصلت البحر الأبيض بالبحر الأحمر سنة ١٨٦٩ فقربت المسافات البحرية ولما عمت الخطوط الحديدية بلاد الغرب وأخذت بعض بلاد الشرق ولا سيما الجزائر وتونس ومصر والبلاد العثمانية والهندية واليابانية وغيرها تقطع المساوف في قطار البخار سهلت الطرق وعم الاختلاط وتوفرت المتاجر واشتدت الحاجة في هذه الحرب العامة إلى الطريق الأمينة لأن العالم انقسم قسمين قسم سموه بالدول المركزية وهي ألمانيا والنمسا والمجر والبلغار والعثمانية وبلادهم اتصلت بعضها ببعض ولا سيما بعد أن استصفوا مملكة الصرب والجبل الأسود ورومانيا وقسم بقي وحده في غربي أوربا وجنوبها وهم الانكليز والفرنسيس والطليان وآخر في شرقها وهم الروس. وقد نشر ارتورديكز في جريدة عثمانيشر لويد مقالة في الطريق إلى الشرق وحواجزها قال فيها: إن الحرب قد جعلت لصلات أوربا الوسطى مع الشرق نفس المكانة التي كانت لتلك الصلات في الأيام التي لم تكن فيها الاتصالات بين أوربا وأميركا الشمالية في الدرجة الأولى من العناية. وقد كان وقع الاستعداد لهذه الطوارئ بإنشاء خطوط الأناضول الحديدية ولا سيما خط بغداد وأضرت الحرب بالتجارة الهادئة ولكنها زادت في صلات أوربا الوسطى مع الشرق بواسطة النقليات العسكرية وبذلك حدث تبدل في البلقان وفي الشرق الأقرب مما يبشر بأنه سيكون له أثر في الصلات الاقتصادية أيضاً وقد أنذرتنا الحرب بعدم كفاية طرق المواصلات بين أوربا والشرق ومنها ما يسد زمن الحرب أو يصعب اجتيازه زمن السلم وللوصول من ألمانيا إلى الشرق الأقصى والأقرب أثنا عشر طريقاً (١)

стр. 6642

من بحر الشمال فالمانش فجبل طارق فالسويس (٢) مارسيليا السويس (٣) جنوة السويس (٤) إيطاليا نابولي السويس (٥) تريستا السويس (٦) سراجيفويسكي بازار سكوبلج سلانيك السويس (٧) بلغراد صوفيا بورتولاغوس السويس أو أزمير (٨) بلغراد صوفيا الأستانة بغداد (٩) قمسوار بازياس صوفيا الأستانة بغداد (١٠) اورسوفا لوم صوفيا بغداد (١١) الطونة روسجق وارنة البحر الأسود (١٢) كرونستاد كونستانزا البحر الأسود. فند الكاتب هذه الطرق ثم قال أن السبعة الأولى منها تجتاز السويس ومنها ما يمر بأرض فرنسا ومنها ما يجتاز المانش تحت مدافع انكلترا ومنها ما يضطر إلى السير في إيطاليا أو البحر الأدرياتيكي أو الأرخبيل وقد علمتنا تجارب الحرب أن لا نعنى بعد الآن إلا بالطرق البرية أو التي تجتاز من البحر مسافة قليلة وهذه الطرق هي التي تمر بالبلقان وكانت من قبل في حيز القوة لأن صربيا كانت في عداد أعدائنا تحول بيننا وبين الشرق من صوفيا. ورومانيا كانت على الحيادلكنها تميل إلى أن تكون محطة بين روسيا وصربيا من أن تكون بين الدول الوسطى والدولة العثمانية فتبدلت الحالة بعد ذلك وفتحت صربيا وفتح الطريق بين بلغراد وصوفيا ثم انقلبت رومانيا مع أعدائنا فكان منها أن سدت طريق بلاد الأفلاخ وجزءاً عظيماً من نهر الطونة وليس الآن من الطرق السالكة حق السلوك إلا طريق واحدة وهي المارة من بلغراد فصوفيا وهي تكفي للنقل بين برلين وبلغراد لا للصلات بين أوربا الوسطى من بلغاريا والأستانة. قال والرجاء معقود بأن تكثر الخطوط الحديدية في البلقان في المستقبل فيكون منها ما يتصل بنهر الطونة والخط القديم الرئيسي - بلغراد صوفيا الأستانة - ويجب أن يضاف إليه خط من سنجاق يسكي بازار بواسطة جسر على الطونة ماراً بصربيا الشرقية القديمة مستفيداً من نهر الدانوب وسكك حديد لوم وروسجق وجرناردا وما يقام في هذا السبيل من العقبات تزل إلى الأبد فإن أوربا الوسطى يجب أن تخابر مقدونية وبلغاريا القديمة والأستانة وآسيا الصغرى من دون منازع ولا ممانع مهما كلفها الأمر والطرق التي تجتاز نهري الساف والطونة وأودية مواراويا والواردار والمريج لا ينبغي أن تغلق في وجه تجارة أوربا الوسطى. وبعد فقد استفدنا بهذه الحرب عبراً كثيرة منها شدة حاجتنا بعد الآن لأن يركب الإنسان من

стр. 6643

برلين وهمبورغ في القطار ولا ينزل منه إلا في الأستانة ليعبر الخليج إلى آسيا ويركب في القطار الحديدي فلا ينزل إلا في صنعاء اليمن أو بغداد العراق وإنا بفتحنا طريق الصرب في العام الماضي وكانت صلاتنا مقطعة بين دار الخلافة وبرلين قد أدخلنا الحرب العامة في طور جديد فسقط في أيدي أعدائنا بفضل الطريق التي افتتحناها بيننا وبين أوربا الوسطى ودخلت تجارتنا في طور آخر وخفت وطأة الحرب إلى أقل من النصف. فلو كان لنا اتصال مباشرة مع حلفائنا منذ أول نشوب الحرب من عدة طرق كيف كانت نتيجتها على الأتفاقيين الذين قبضوا على مضايق البحر وأخذت سفنهم وبوارجهم تسبح في عرض الماء في البحر الشمالي والبحر المحيط والبحر المتوسط والمحيط الهندي لولا ما أرصد لهم من الغواصات الألمانية التي ضيقت خناقهم ولولا هذه الممرات لما فتحنا من بلاد العدو تلك الأقطار والأقاليم ولا غنمنا هذه الغنائم الكثيرة. إن الطرق الحديدية شرايين الممالك تحمل إليها الحياة وإذا انفتح الشريان في الإنسان مات ولولا الخطوط الحديدية الحربية في ألمانيا ما تيسر لها أن تسوق جيوشها إلى الشرق والغرب والجنوب في هذه السرعة المدهشة ونحن أيضاً لولا الخط البغدادي والسكة الحجازية ما استطعنا أن نحارب هذه الحرب ولو كانت خطوطنا ممتدة إلى القاصية أكثر مما هي الآن لضربنا عدوتنا انكلترا في البصرة وجدة ضربة يرن صداها كما ضربناها في كوت الإمارة وجناق قلعة. يبلغ طول الخطوط الحديدية في السلطنة العثمانية نحو ثمانية آلاف كيلو متر وبها عمرت هذا العمران فماذا كان حالها لو كان فيها عشرون أو ثلاثون ألفاً وهي مستعدة لأن يكون فيها ثلاثمائة كيلو متر وماذا كان حالها لو اتصلت كل خطوطها الحربية بالمواني البحرية كما اتصلت من يافا وحيفا وبيروت وطرابلس واسكندرونة وأزمير مثلاً ولو اتصلت طرقنا البحرية بالبحر الأسود من عدة جهات وكذلك بالخليج الفارسي والبحر الأحمر والبحر الأبيض كيف كانت حالتنا التجارية مع الهند والقافقاس وأوربا الوسطى وافريقية وغيرها. إن الأمم لا تستغني بعد الآن عن الاتصال بينها وقد بطلت العادة التي كانت متبعة في القديم من تقسيم المملكة الواحدة إلى مئات من الأجزاء كل جزء يعتصم وراء جبله أو يختبئ في واديه ولا يعرف ما عند صاحبه وجاره. الأمم اليوم محتاجة إلى التعارف

стр. 6644

والاتجار فأبن اليمن لا يعيش إذا لم يبدل حاصلات بلاده مع ابن بافاريا مثلاً وابن بروسيا مضطر إلى الاتجار مع ابن المجر والبلغاري محتاج إلى الفارسي وهكذا جميع الشعوب والممالك فهل يطول يا ترى عهد إنشاء طرق المواصلات في مملكتنا مع جيراننا أم ننسى زمن السام ما احتجنا إليه أيام الحرب.

стр. 6645

إمبراطورية النمسا والمجر خلفت مملكة النمسا والمجر بموجب القرار الرئاسي الأساسي الذي نشر في ٢١ كانون الأول ١٨٦٧ مملكة النمسا القديمة فهي تتألف مت مملكتين منضمتين تحت لواء واحد فإمبراطور النمسا هو أيضاً ملك المجر ولا اشتراك بين المملكتين في غير الجيش وجزء من المالية والأمور الخارجية ولكل مملكة منها قانونها الخاص وإدارتها الخاصة. يقسم بين بلاد النمسا والمجر نهر الليتا الذي يصب في نهر الطونة شرقي فينا. وولايتا البوسنة والهرسك اللتان ضمتا إلى هذه المملكة سنة ١٩٠٨ مشتركتان بين النمسا والمجر. كانت مساحة النمسا بموجب إحصاء سنة ١٩١٠ - ١٩٣، ٣٠٠ كيلو متراً مربعاً وسكانها٨٩٨، ٥٦٧، ٢٨ ومساحة المجر ٣٢٥، ٣٢٥ كيلو متراً مربعاً ٢٠. ٨٥٠. ٧٠٠ ساكن. وأصول شعوب هذه المملكة متنوعة تنوع رسم جبالها وأنهارها وهم كالفسيفساء الجبلية منهم نحو ثلاثة عشر مليوناً ونصف من الألمان ونحو تسعة ملايين من المجر وثلاثة ملايين من الرومان وواحد وعشرين مليوناً من السلافيين وهم ينقسمون بحسب لغاتهم إلى ستة أقسام فسلاف الشمال عبارة عن ثمانية ملايين وهم التشك والمورافيون والسولفاكيون ينزلون في بوهيميا ومورافيا وفي الأصقاع المجاورة لبلاد المجر وفيها نحو أربعة ملايين ونصف بولوني في سيلسيتريا وغاليسيا الغربية ونحو أربعة ملايين روتيني في غاليسيا الشرقية والأصقاع المتاخمة للمجر ثم سلافيو الجنوب ومنهم نحو ثلاثة ملايين ونصف خرواني وصربي ومليون وربع سلوفاني ونحو ثلاثة أرباع المليون إيطالي وثلاثة أرباع أهلها هم من الكاثوليك الرومانيين وخمسهم هم من الروم الكاثوليك أو الروم الشرقيين على اختلاف الطقوس وأربعة ملايين وربع من البروتستانت ومليونان ومئة ألف إسرائيلي وزهاء ستمائة ألف مسلم. هذه هي الإمبراطورية التي فقدت مؤخراً إمبراطورها حليف الدولة العلية العثمانية وعميد ملوك الأرض فرانسوا جوزيف. توفي صباح ٢٢ تشرين الثاني سنة ١٩١٦ (٢٦ المحرم ١٣٣٥) عن ٨٦عاماً كان بها إمبراطوراً ٦٨ عاماً فقد ولد في مدينة فينا سنة ١٨٣٠ وهو ابن الإمبراطور فرانسوا الأول ولي الحكم سنة ١٨٤٨ وقد تنازل عن الملك عمه فرانسوا الأول وتنازل والده عن حقوقه في الملك فظهرت في السنة الأولى من ملكه خطوب مهمة وفتن مستطيرة منها ثورة فينا التي قمعت على أصعب وجه وثارت إيطاليا والمجر لتخلعا

стр. 6646

ربقة الحكم النمساوي فكبح جماح الثائرين من الإيطاليين ووطد الإمبراطور حكمه على المجر بمعاونة روسيا وانتهت حرب إيطاليا ينة١٨٥٩ بتقلص ظل الحكم النمساوي عن لومبارديا الإيطالية مما أحدث في البلاد النمساوية سخطاً فرأى الإمبراطور أن يسكن ثائرة غضب أمته بمنحها دستور سنة ١٨٦١ وفيه إعطاء حرية مطلقة لها. وحدثت من جهة بروسيا شجون أخرى بشأن مسألة دوجيتي شلشويق هو لشتماين فاتحدت بروسيا مع النمسا أواخر سنة ١٨٦٣ لإعلان الحرب على الدانيمرك وفي سنة ١٨٦٥ نشب الخلاف بين الحكومتين المتخالفتين الظافرتين فاتحدت بروسيا مع إيطاليا ودحرت النمسا في موقعة سادوفا (١٨٦٦) وانتهى ذلك بانفصال النمسا عن الاتحاد الجرماني وبفقدها إقليم البندقية. وقد أعقب هذه الحرب المشؤمة إصلاحات جمة في داخل البلاد فأصبح الكونت دي بوست وهو ألماني سكسوني وزيراً لإمبراطورية النمسا والمجر وعهد إلى الكونت أندراسي في بلاد المجر أن يؤلف وزارة بحرية وفي ٨ حزيران ١٨٦٧ توج فرنسوا جوزيف ملكاً على المجر وكان فيها فاتحة الملوك الذين يتوجون ملوكاً على مملكتين وقد كان يتوقع أن يوجه الكونت دي بوست دفة سياسة النمسا نحو سياسة الانتقام من بروسيا لكن هزيمة الفرنسيس أمام الألمان في حرب السبعين قلبت المسائل إلى طور آخر واضطر فرنسوا جوزيف أن يعاهد كلاً من بروسيا وإيطاليا اللتين ظفرتا به فظهرت المحالفة الثلاثية. ثم حدثت اضطرابات داخلية أخرى وهي نزوع التشك في بوهيميا إلى الثورة يريدون أن ينالوا استقلالهم على نحو ما فعل المجر. وصبت مصائب أخرى على رأس الإمبراطور المتوفى من مثل مقتل أخيه مكسيمليان إمبراطور المكسيك عام ١٨٥٤ وانتحار الأرشيدوق رودولف ابنه (١٨٨٩) ومقتل الإمبراطورة اليزابيت زوجته (١٨٩٨) وكان مقتل ولي عهده الأرشيدوق فرانز وزوجته في سراجيفو بيد صربي غادر من الأسباب الظاهرية في اندلاع لهيب الحرب العامة التي لا نزال نصبح في عجائبها ونمسي منذ ثلاثين شهراً منحت بلاد النمسا قانونها الأساسي سنة ١٨٤٨ وإذ كانت مختلفة العناصر والجنسيات اضطرت الحكومة أن تستعيده منها مرات ثم تعطيه فكان نيل السلافيين على أكثرية عظمى في الانتخاب سبباً في دهشة الحكومة وظل الألمان في النمسا والمجر بمثابة الجزء القليل

стр. 6647

بالنسبة للجزء الكبير فدعت الحال أن يعدل القانون الأساسي الذي وضع لمثل هذه المملكة على صورة يتمثل فيها الدهاء والجربذة وإن معاملة النمساويين للمجريين هذه المعاملة الحسنة بعد الخلاف الشديد الذي استحكمت أواخيه بينهم زمناً قد دل على حسن سياسة النمسا ولا سيما الإمبراطور المتوفى فضمت النمسا والمجر سنة ١٨٦٧ بأن تم الاتفاق بين هاتين للملكتين على أن يدفع المجر عن مملكة النمسا كما يدفعون عن مملكتهم (المقتبس م٨ ص٤٥٩) ويكونون مستقلين إلا في الجيش والبحرية والأمور الخارجية فيدفعون قسطاً صالحاً من المال لمعاونة حكومة فينا وتتعهد الأسرة المالكة النمساوية بالمحافظة على استقلال المجر وحرية البلاد واستعمال جميع قوة النمسا للدفاع عن سلامة الأملاك المجرية ملك النمسا يحكم المجر كما يحكم بلاده ولكنه يمثل مملكتين متباينتين ولا يكون ملك النمسا ملكاً شرعياً إلا إذا أقر على تتويجه مجلس نواب المجر ويقضي القانون الأساسي أن يقيم الملك ستة أشهر في فينا وستة أشهر في بودابست وهو يتلطف بالأمة المجرية كل التلطف وقد تعلم لسانهم في صغره وخطبهم به قبل أن يتولى الملك فأعجبوا به وكثيراً ما كان يلبس الثياب الوطنية الخاصة ببعض شعوبه مثل سكان التيرول وكان التيروليون والسالزبورغيون يحبونه حباً كثيراً وكذلك شعبه حتى كان يقال أن إمبراطورية النمسا تتداعى أركانها بعد موت الإمبراطور فرنسوا جوزيف وكان بعض الغربيين أنفسهم يدعون أن لطفه هو الذي يحول دون حدوث شيء في البلاد والحال أن أسرة هابسبورغ مشهورة بذوقها ولطفها منذ القديم وباتحاد المملكتين حياتهما وقوتهما. من المصائب في مملكة في أن تتألف من عدة عناصر يصعب الجمع بينها لكن حكمة الإمبراطور ورجاله عدلت المسائل وثقفت الناشز وأخذت من عنان المغضب ودارت مع الزمن حتى اشتهرت النمسا بأنها مملكة حسن الإدارة وقد جاء زمن على حكومتها منعت فيه الصحف المجرية من الصدور بلسان المجر وعقبه زمن آخر أصبحت فيه حرية بلاد المجر كأحسن حرية في الشعوب الأوربية. كان الإمبراطور المتوفى عاملاً مهماً سعى في ترقية أمته حتى أصبحت بفضله دولة قوية الشكيمة بعيدة الشوط في مضمار المدنية والصناعات وأبانت عن قوتها في جيشها وحسن إدارتها في الحرب الأخيرة وهي تقاتل الجيوش الروسية من الشرق والجيوش الإيطالية من

стр. 6648

الجنوب. أما الإمبراطور الجديد فهو شارل ابن الأرشيدوق أوتو وأمه ماريا جوزيفا أميرة سكسونيا ولد سنة ١٨٨٧ فيكون عمره اليوم ٢٩سنة وقد وعد برعاية القانون الأساسي في إدارة جميع الشعوب في بلاد النمسا والمجر وجرى تتويجه في فينا وفي بودا عاصمة المجر الأصلية متبعاً في ذلك الأصول القديمة غير مخل بشيء منها وكان الإمبراطور الجديد أثبت لياقته في حرب عدو بلاده هذه المرة وقد ربي تربية عسكرية راقية يرجى له بها أن تكون بلاده في عهده عهد سلام وراحة ورقي.

стр. 6649

الخطابة عند الإفرنج من تأمل في تاريخ الطرق الخطابية ير أن القدماء أفرطوا في فن الخطابة وأنه وإن صعب العثور على مبدأ معين في كتب الأقدمين وطريقتهم في خطاب الجمهور فإن جميع المصنفات التعليمية تحوي إبهاماً خلطوا فيه بين علم الكتابة وعلم الكلام فإن علم الخطابة لم يكن في نظر القدماء هو علم التكلم والإلقاء بل علم تحسين الكلام وتنميق الإنشاء ومن تلا كتاب الجمهورية لأرسطو وفيه مباحث جليلة في الخطابة عند اليونان يتجلى له أن جميع خطباء آثينة كانوا ينمقون العبارات قبل أن يتلوها وتتراءى لهم من خلال سطورهم آثار التعمل والاستعداد قبل إلقاء خطبهم على مسامع الجمهور وإذ كان يحظر على المحامي في آثينة أن يدافع عن غيره اضطر بلغاء اليونان أن يكتبوا خطبهم في الدفاع ويعطوها لغيرهم يستظهرها ليلقيها ولذلك قل المرتجلون من الخطباء في يونان وأن وجدوا فهم على ندرة. قال بعض المعاصرين لو لم يكن خطباء الأقدمين يهيئون خطبهم قبل إلقائها ما كان بقي لنا من كلامهم إلا النزر اليسير وذلك لأن فن الأختزال لم يكن يعهد إذ ذاك بيد له مما لا شك فيه أن بعض خطباء اللاتين الذين وصلتنا خطبهم قد ألقوها بدلاً من أن يستعدوا لها بكتابتها وكان من العادة أن يعود الخطيب عندهم فيدون بالكتابة ما قاله من خطاب كما فعل شيشرون في بعض خطبه والحق الذي لا مرية فيه أن الخط طالما اعتبر في اليونان ورومية بأنه الأسلوب الوحيد في الحملة لإعداد الكلام ليلقى على المسمع العام ويجب أن يلاحظ أن الخطيب الآثيني مهما بلغ من ثقته بنفسه لم يكن يجسر أن يقف موقف الخطابة قبل أن ينظر نظراً بليغاً فيما سيلقي عليهم لأنه عارف بدرجة مدارك الحضور ومعرفتهم نقد ما يقول وما بقي من خطب خطباء يونان هو مما هذبته أناملهم ونظرت فيه عقولهم ملاحظين في ذلك أنهم سيخلفون ذلك للأعقاب فلا يليق أن تكون من إلا من أحسن ما يجب. ولطالما هذب شيشرون خطبه وتمرن على إلقائها حتى أنه في سم الستين قبل أن يقتل كان يمرن نفسه على كيفية الإلقاء. وكان القدماء يعلقون شئناً عظيماً على الإلقاء في المجالس العامة حتى لقد أفرط شيشرون في قوله أن الخطاب العام يتطلب تعبيرات لطيفة منتقاة فقد كتب إلى أحد أصحابه أن الرسالة لا يمكن أن تشبه دفاع المحامي أو خطاباً سياسياً فأنه

стр. 6650

تستعمل فيه جمل شائعة في الاستعمال. بيد أن كثيرين من خطباء اللاتين وقدماء خطباء اليونان كانوا لا يحفلون بإعداد خطبهم ويظهر أن هورتانسيوس وهو أستاذ شيشرون لم يكن موافقاً لتلميذه على قضاياه وهورتانسيوس هذا كان على جانب من الذكاء وحسن الذاكرة بحيث كان يستطيع أن يتلو خطبه ويؤلفها في الحال جارياً في ذلك على طريقة شارلماد وميترودور وهما خطيبان آثينيان كانا يعدن في ذهنهما ما يريدان إلقاءه. وكانت طريقة القائد الخطيب الروماني كالبا غريبة في بابها فكان ينقطع في داره مع خدامه غداة يريد أن يلقي دفاعاً ويلقي عليهم ممرناً نفسه فيما يريد أن يخوض على بابه فكان يخرج من الغد في حالة تهيج خارقة للعادة وعيناه تقدحان شرراً وهو على غاية التحمس يعبث به هواه ويذهب إلى ميدان الفوروم. واعتاد بعض شبان الخطباء من الرومان أن يأتوا إلى المحكمة بدفاعهم مكتوباً على الورق وكان كنتليان من أساتذة الخطابة عند قدماء اللاتين يرى أن يتقيد الخطباء في إعداد ما سيتلون ولا سيما للمترشح للخطابة المبتدئ فيها ويرى أن الإرتجال لا يتأتى للمرء إلا في أواخر عمره بعد أن ذاق الأمرين في تعلم صناعة الخطابة وعرف حلوها ومرها ولم يكن في عهده وهو القرن الأول للمسيح سوى خطيبين مرتجلين هما بورسيوس لاترو وكاسيوس وما عداهما فكانوا ككل الناس يعدون خطبهم قبل إلقائها. وكان بوسويه خطيب الفرنسيس المتوفى سنة ١٧٠٤ يكتب خطبه على الورق فيرسمها ثم يتوقع ما يوحيه إليه المنبر ليجعل فيها حياة حركة وظلت الأصول المتبعة في فرنسا مدة القرن الثامن عشر بان يقيد المحامون والخطباء أقوالهم هكذا كان يسير أكبر المحامين كوشين. ولما حدثت الثورة الفرنساوية الأولى اضطرابات السياسة إلى الارتجال فأخذوا يخطبون قومهم بدون أن يستعدوا من قبل ثم ارتقت الخطابة عندهم في الكليات والمحاكم والمجالس حتى قال موريس آجام ما من شيء يضاد الارتقاء في الخطابة أكثر من إعدادها بالكتابة قبل الإلقاء فإذا كان وصل كبار المتكلمين إلى أرقى درجات الفصاحة فبدونها وصلوا أو عبارة ثانية على الرغم منها. ويرى أن يتمرن المرء على الارتجال بأن يرتجل كل صباح في موضوع من الموضوعات لنفسه ولو لربع ساعة فيتمرن جرسه وصوته وذلك بأن يذكر دائماً قاعدة بنيون أن المرء

стр. 6651

يتعلم الارتجال بتكرار العمل فيه. وأن الواجب تعويد الناشئة النطق منذ نعومة أظفارهم وأن صناعة الخطابة ولا سيما الارتجال لا يتعلمها من جاز الأربعين من العمر ولا من جاوز الثلاثين فالأولى أن يبدأ بها منذ الصغر وانه من اللازم على من يريد تعلم الخطابة أن يستنصح صاحباً له يدله على عيوبه في النطق والإشارة وأن يأخذ النفس كل يوم بسماع مصاقع الخطباء لا متوسطيهم حتى يتعلم منهم فأن المتوسط يفسد عليه ملكة الخطابة ولذلك كانت العواصم والحواضر أكبر ميدان للتخرج من الخطابة لأن فيها من أهل الطبقة العالية أصنافاً من الخطباء. وذلك لأن السماع يجعل المتكلم متكلماً وفكر البشر يغتذي بالتقليد وعليك يا هذا أن لا تعمد إلى استعمال الغريب ولا تتقمر بل توخ السهولة ومألوف الناس من الكلمات تؤثر فيهم وتفعل في عقولهم. لا تعمد لغير الوضوح ودع الكلمة النادرة للشاعر والكلمة العويصة للفيلسوف وإذا اعتقدت أنه يكفي الإنسان أن يتلو كتاباً يبحث في أصول الخطاب حتى يصبح خطيباً فألق سريعاً هذا الكتاب طعاماً للنار. كان بوسويه نصف مرتجل يعد مفكرات لخطبه ثم يزيد عليها وينقص منها عند الإلقاء وكان فلشيه وفنيلون في مواعظهما يعدان ما يلقيان من قبل ويستظهرانه وكان كوشين يعد من قبل مدافعاته حتى استطاع في آخر عمره أن يرتجل. وكان المحامي جربيه يعد ما يخطب به مطولاً ولا يزال يمحو منه حتى لا يبقي على أكثر من عشرين سطراً وكان تارجه يكتب دفاعه برمته ويقرأوه وكان ميرابوا خطيب الثورة ممن يعتمد على الكتابة ليخطب فاضطرته السياسة أن يرتجل وما كان يحسن الكتابة وهو مستريح البال أما إذا هاج فهو يعاود القلم ويكتب في الجملة وكان يبدأ بخطابه متأنياً في باديء الأمر ويتحمس بالتدريج وكان فيرنيو من خطباء الثورة لا يخطب إلا إذا تألم لظلم يقع أو حاذر خطراً يداهم وعندها تنتبه حواسه ويفكر سريعاً ويعمل في ساعة ما لا يعمل في ساعات. بدأ محامياً وكان يكتب دفاعه ويتلوه ثم كف عن الكتابة وكان يعد كل الإعداد خطبه الكبرى ولا سيما في تلاوتها لأصدقائه من قبل أن يلقيها على الجمهور وهذه الطريقة هي التي جرى عليها بعد حين تيرس رئيس الجمهورية الأول في الجمهورية الثالثة والعالم المشهور وكان كواديه من خطباء الثورة يكتب خطبه عندما كان محامياً ولما أصبح خطيباً سياسياً صار يرتجل وكان ايسنارد من خطباء الثورة مرتجلاً ولكنه كان يكتب وكان دانتون خطيب

стр. 6652

الثورة الخطيب التام الأدوات في الثورة وأقدرهم على إدراك حاجة عصره. وكان آرول دي سيشل من خطباء الثورة يكتب ويحفظ خطبه ويعمل بقول فولتيرإن الألفاظ بريد الأفكار. كان روبسيير من خطباء الثورة يعد خطابه ويمحو ويثبت كثيراً كتلميذ مبتدأ ومعظم خطبه أخترعت وألفت من قبل أن تنشر لم يتوسع فيها عندما يقولها. وكانت طريقة بانجامان كونستان الكتابة لما يخطب به مثل القائد فوا ولافيت ودويون ورويه كولار. وكان النائب مانويل مرتجلاً لا يكتب خطبه إلا في أمور المالية. ولم يتخل دي مارتينان عن كتابة ما يريد إلقاءه مع أنه يرتجل أحسن ارتجال ومن كان يسمعه يتكلم بصوت رخيم يستريح ويسكت وينوع لهجته يستدل على أنه يرتجل. وكان لينه مثل كواديه ورافيه وفيرير من أمراء الكلام لم يجعل المتقيد بالكتابة إلا مقاماً ثانوياً وفيرير كان أعظم من وجد من رجال المحاماة كان يفكر طويلاً فيما يريد أن يلقيه ويتأمله فلم يكن ممن يعتمد على الكتابة صرفاً. وكان هانكن من رجال المحاماة لا يأنف طول حياته من اعداد خطبه. وكان بريه المحامي لا يكتب خطبه ولم يعرفوا طريقته في خطبه هل كان يحدث بها أصحابه قبل أن يلقيها كما كان بفعل فرنيو وتيرس أو يفكر فيها مثل فيرير أو يكتبها في فكره مثل هورتانسيوس والذي عرف عنه وكان يكتم طريقة نبوغه أن كلامه كان يسبق فكره وغنشاؤه كان منحطاً وكان الأخوان دوبين المحاميان يرتجلان ولكنهما يدرسان موضوعهما حق حق المدرس قبل النزول إلى ميدان الخطابة وكان أحدهما يأسف لأن الوقت لا يساعده أن يفكر ملياً في خطابه ويقول لو أكثر ديموستين وشيشرون من الدفاع كثيراً لقلنا لم يكونا ديموستين ولا شيشرون. وكان تيرس يعد معظم خطبه من قبل بان يلقيها مرتين وأحياناً أربعة على من يغشون مجلسه. ولم يكن فيكتور هوغو الشاعر الكبير خطيباً بل كان يضطر أن يكتب خطبه ويستظهرها ولطالما قال: يستطيع المرء أن يكون خطيباً حقاً إلا إذا كان كتب خطابه. زهد المحامي لاشو في الكتابة وكان يقيد إلا رؤوس المسائل التي يتكلم فيها. وكان الوزير غامبتا لا يكتب ما يخطب وهو يشبه نابليون بعقله وذاكرته وكان يعد بعض خطبه الأولى من قبل فلما نشبت الحرب أخذ يرتجل حقيقة وكان في خطبه يبدأ بصوت منخفض جداً حتى يكاد يقول له الحضور اسكت وبعد هنيهة ترن القاعة من صوته وتدهش لفضل بيانه. وكان المحامي ليون دوفال يعد خطبه من قبل محتفلاً بها من وراء

стр. 6653

الغاية وكان الدوج دي بروكلي يتأنق في إعداد خطبه لكنه يستطيع أن يرتجل على أيسر وجه وكان بوفه مرتجلاً يؤثر بفصاحته في مجلس الشيوخ في مسائل كثيرة وإن كان عضواً من حزب قليل في الوزراء. وكتب المحامي الإيطالي هنريسكوفري عن نفسه فقال أنه تعلم بأن كان يقصد الضواحي ويرفع صوته ويجرب نفسه بالخطابة حتى خطب مرة ثماني ساعات متوالية ومرة إحدى عشرة ساعة. ونشر آجام عادات طائفة من الأساتذة والمحاضرين من العلماء في الخطابة من الفرنسيس فكان منهم أناس يفكرون ملياً قبل أن يخطبوا أي أنهم يعدون الكلام أو معناه ومنهم من يكتب ما يريد قبل إلقائه والآخرون يرتجلون والأكثر في هذه الفئة الكتابة قبل الإلقاء لأن خطبهم علمية على الأغلب ولا يرتجل عادة سوى السياسيين وعلى من أحب أن يجودها أن يخطب لنفسه في منتزه أو قاعة خاصة مرة أو عشر مرات ريثما يستجم قريحته ولا تخونه الألفاظ وكل مرة في الموضوع الواحد تزيد معانيه وتعزز ألفاظه وجب ألا يهتم لانتقائها والتنطع فيها بل يكفي بما جاءه عفو الخاطر وابن الساعة. وقد سأل المؤلف كثيرين من المشتهرين بالخطابة من قومه المبرزين فيها عن طرقهم في تعلمهم وارتجالهم فمنهم من قال أنه يفكر ملياً في محاضراته بأن يقولها بصوت منخفض أولاً وأحياناً يقولها في عقله وأنه لا يكتب كتاباً صغيراً قبل أن ينشئه في عقله ويستظهر الجمل الأربع الأولى حتى لا يفجأه الحضور مثل أمامهم ومنهم من تحضره الأفكار إذا أمسك القلم وقيدها لكنه يحاذر استظهاره وهو يرى أن من يكتب محاضرته وخطابه يتعلم الارتجال مع الزمن ومنهم من تتمثل لعينيه المعاني والألفاظ عندما يشرع في الكلام كأنها مكتوبة أمام عينيه ومنهم من ينظم الأفكار التي يحاضرها على الورق ثم يرتجل ويستعد قبل الكلام أن يقول في ذاته ما يجب إلقاءه على الجمهور مرة أو مرتين وقال أنه بكتابته خطابه من قبل يسقط على الأفكار التي لا تجيئه بصورة أخرى ومنهم من قال أن خير طريقة لاستظهار ما يريد إلقاءه أن يكتب تلك القطعة ومنهم وهو أستاذ عظيم يعد موضوعه ولاً ثم يعين في عقله أفكاره ثم يخط لها خطة ثم يفكر في البراهين التي عثر عليها ونظمها ومنهم من ضعفت ذاكرته فيضطر للاستظهار أن يحرك شفتيه بما يحفظ حتى يعلق شيء منه في ذهنه ومنهم من لا يحسن الكلام إلا إذا اضطربت نفسه وفرحت أو سخطت فإنه في

стр. 6654

تلك الحال يسرع في خطابه غير مبال أما إذا لم يكن على حالة من تلك الحالات فيتلعثم ويتردد ولا يعثر على اللفظ الذي يريده والخجل الذي يشعر به يزيد هذا الارتباك ومنهم من لا تأتيه الأفكار وتواتيه إلا إذا كان القلم بيده. وآخر يستظهر المقدمة والخاتمة ومعظم الجمل الأساسية ثم يتكلم ويترك الباقي للمصادفات وغيره يرى أن الكلمات تولد فيه الأفكار وتفتح أمامه أفقاً جديداً وهو يدرس موضوعه بالإيجاز ويفكر فيه قليلاً أو طويلاً بدون أن يحكيه ولا يكتبه في عقله ويكتب أو يحاول أن يكتب والكتابة تسهل بزوغ الفكر أحياناً وأحياناً يتضرر من الكتابة وتفلج قريحته. وبالجملة فإن الكلام بالجمهور من شأن الحكومات الديمقراطية والخطباء يكثرون كما قال مونتين حيث تكون الأمور تتقاذفها للعواطف الدائمة بين أخد ورد. وقال ريبو أن معرفة الموضوع الذي يريد الخطيب الخوض فيه ورسم خطته في الفكر بسيطة للغاية من قبل وهما شرطان أساسيان للخوض في الكتابة وما عدا ذلك فهو من شأن الحضور المستمعين أكثر مما هو من شأن الخطيب وأسعد ضروب الارتجال مما ساعد فيه الحضور بتراسل عيون الحب بينهم وبين خطيبهم والعبرة في معرفة روح الجمهور فإن له مناحي خاصة في الحسن والتعقل والفهم وحتى ولو كان مؤلفاً من فلاسفة وعقلاء قال ماكس نوردو: اجمع عشرين أو ثلاثين من أمثال كيتي وكانت وهلمهولز وشكسبير ونيوتن واعرض على حكمهم وآرائهم المسائل العملية الحاضرة فإن قراراتهم لا تخلف بتاتاً عن مقررات أي مجلس كان. ولماذا يكون ذلك؟ لأن كلاً من العشرين والثلاثين منتخباً فضلاً عن تفرده بمزايا تجعله رجلاً فائقاً قد ورت بعض صفات نوعه مما يكون به مثيلاً لجاره في المجلس بل شبيهاً لعامة الأشخاص الذين يمرون في الشارع فإن الجوهر الإنساني مستحكم من شخصية المرء وطربوش العامل يغطي قبعة الفيلسوف. قال المؤلف وبقدر ما يستطيع الخطيب قيادة جمهور سامعيه يفعل في أرواحهم ويسوقهم إلى ما يريد. ومن أجمل ما قاله بريان من خطباء فرنسا أن الخطاب ليس قطعة أدبية بل هو عمل والخطاب لا يعمل ليقرأ بل ليسمع وصورته التي يظهر فيها ثانوية فالتأثير يحدث والنتيجة الحاصلة هي كل شيء ومراعاة القواعد مطلوبة في الخطاب ولكن مهما كانت قيمته من الوجهة الأدبية فإنه إذا فصل عن محيطه الذي ألقي فيه وفارق الأسباب التي

стр. 6655

دعت إليه هل يكون له شأن صحيفة جميلة من الأدب استخرجت من قلم أستاذ في الكتابة. وإليك بعض نصائح عملية لطالب النبوغ في الخطابة لقفناها من كتاب آجام منها أن يجتنب كل الاجتناب كل استعداد كتابي للخطاب. أن يحمل الخطيب نفسه كل صباح ولو عشر دقائق أن يتكلم بمضمونها سواء كان في عقله أو بصوت جهوري فالتفكير والكلام قبل الكتابة في أي شيء كان مطلوبان وأن لا يعد خطابه في آخر ساعة بل يجب أن تكون بين ساعة إلقاءه وساعة الاستعداد له ليلة على الأقل واستجمام الأفكار خلال الساعات الأخيرة التي تسبق المحاضرة وأن لا يكثر من استعمال المفكرات بل يقتصر على قيد التقاسيم الكبرى والتواريخ وأن يحفظ حق الحفظ الأسماء الخاصة التي ترد في الكلام وان يعود المرء نفسه النطق الصعب من الحروف ومعاناة المخارج المختلفة من اللسان وأن يتفنن الخطيب في الجمل التي لا مناص له من استعمالها وهي من لوازم أكثر الناس فيجتهد أن ينوعها ويكثر من الأساليب التي هي بمعنى واحد وبألفاظ متباينة وأن يبدأ الخطيب خطابه أبداً ببطء بل بانخفاض ثم يتدرج في رفع صوته فكل خطيب يبدأ كلامه بصوت جمهوري يوشك أن يختمه وقد أبح صوته وانخفض ويجب يعرض فكره بدون أن يثور غضبه فإن الغضب ليس من الصحة في شيء وبه يبح الصوت وينبغي له أيضاً أن يحدق نظره فيمن ينصتون إليه وأن لا يشغل نفسه بقراءة شواهد أو التقليل منها ما أمكن وللحركات في الخطيب مكانة ولكن الإكثار منها لا يحتمل والأحسن أن يذهب الخطيب مع الطبع وإذا قوطع الخطيب فعليه أن ينتظر ريثما يعود السكون إلى المجلس وعلى الخطيب أن يلاحظ تتمة سلسلة كلامه قبل أن يعد جواباً على البديهة والجواب السديد على الغالب هو من جودة الذاكرة وعليه إذا خانته لفظه ألا يضيع وقته أصلاً في البحث عنها فاللحن والخطأ أفضل من الوقوف في الإلقاء قال إياك أن تضيع فرصة إسماع موسيقار حاذق في صناعة الكلام أي خطيب مصقع وفّر من المدندنين فرارك من الوباء. هذا ما قاله المؤلف موريس آجام وكتابع علمي عملي معاً وهاك الآن خلاصات لقفناها من كتاب آخر في هذا الفن وهو عملي محض واسم مؤلفه سيلفن روديس واسم كتابه الخطيب الحديث توخى فيه تعليم الخطابة في الجملة لمن لا يستغني عنها من الناس قال أما النبوغ فيها فلا بد له من هبة الهية ولكن بالتعلم لأسلوب الخطابة يستطيع من يدخل المجتمع
следующие страницы →