Полный текст (6 802 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.
стр. 6581
بالبضائع الإنكليزية والهندية لا يطمعون منهم بأكثر من ذلك.
وأما أهل نجد فقل عنهم أضعاف ما قلناه من أهل حضرموت وعدن واليمن فإنهم يكرهون كل تداخل أجنبي ترى ذلك واضحاً في إجماع خاصتهم وعامتهم على البعد عن دهاة لجنة الخليج ألفارسي. ولطالما اجتهدت هذه اللجنة ومركزها في أنو شير في أن تقوي النجدين وتدخلهم في معاهدة أو رابطة معها فلم تفلح.
وفي سنة ١٨٦٤ على إثر بولغريف من الرياض خائباً ناقماً على الأمير فيصل الوهابي وعلى الوهابيين وكان جاء الرياض متنكراً على نفقة إمبراطور فرنسا ومر بحائل أيضاً فعلى إثر انصرافه برغث صدر الكونيل لوس بلي مدير سياسة الخليج ألفارسي فكتب رسالة خاصة إلى الأمير فيصل يستأذنه في زيارة إلى مقره في الرياض فأغفل الأمير جوابه فكتب ثانياً يسأل خفارة وأدلآ. ولما طال الوقت ولم يرد جواب الأمير عبر إلى الكويت ومن هناك أرسل ثالثة ما كان سأله من الخفارة والإدلاء وانظر عدة أسابيع وبعد أن طال انتظاره وكاد يفرغ صبره ورد عليه جواب الأمير بأوجز عبارة لا يزيد عن صريح الإذن بقبول زيارته ولكن لا دليل ولا خفراء فسافر هذا الرجل هو وحاشيته في بزّه أهل نجد لم يجسر أن يظهر بزّيه الإفرنجي ولما بلغ الرياض نزل في مقصف لابن الأمير خارج المدينة ولم يؤذن له بمواجهة الأمير فيصل إلا في اليوم الثاني وبه تردد مدة ثم بعد أن أقام ثلاثاً لم ير له أفضل من سرعة الرجوع فزم جماله واعتمد دليلاً من قناصة الصليب فقاده هذا في طريق غير مطروق نفذ به شمالي الهفوف. ومما يذكر في هذه الزيارة أن الكولونيل وحاشيته لم يجسروا أن يستعملوا شيئاً من سياحاتهم العلمية الجغرافية في أخذ عرض مكان أو طوله أو رسم خارطة للطريق الذي مروا فيه أو شيئاً آخر مما يحرص عليه أصحاب الرحلات من علماء الأوربيين. ومنذ عهده إلى هذا العهد لم يدخل نجداً بريطاني لا سائحاً ولا جاسوساً فيما نعلم ويعلمه أيضاً جورج هوغرث صاحب الكتاب المشهور المسمى اختراق البلاد العربية المطبوع سنة ١٩. ٤.
والخلاصة فإن أهل نجد هم من أبعد أهل العربية عن الإسترسال إلى الإنكليز بوجه من الوجوه مهما بلغ من دهاء سياستهم وخلابة مواعيدهم.
والشمريون لا ينقصون مثقال ذرة عن إخوانهم النجدين ولا يحتاج إلى اطالة الكلام في
стр. 6582
شأنهم فإنهم الآن جنباً إلى جنب مع العثمانيين يدفعون في صدر الإنكليز لم تؤثر فيهم رقاهم ولا خلبتهم مواعيدهم الغرارة التي هي كما نلم ويعلمون ولا يطعن فيما أوردناه من نفور عرب البادية من دهاة البريطانيين ورجال السياسة وذوي الوعود البراقة فيهم، عصيان أمير مكة السابق الشريف حسين عون وما تواتر عنه من أنه استهواه الذهب الإنكليزي فجوابنا لمن أراد نقض ما بنيناه بمثل هذا القول أن عمل الأمير حسين من الأعمال الخارقة للعادة التي لا تنجلي حقيقتها ولا تتضح أسبابها إلا بعد خمود نارها وحينذاك يصح للمعترض أن يؤسس ما يقوله على فكرة ثابتة وأما وأنباء حسين وأعوانه غامضة وراء ستار وهو وجمعه يأتون ما يأتونه من خلف أجبال وكهوف تحجب عنا أمرهم وتستر سرهم فلا يمكن للمؤرخ الاعتماد على نبأ غير مسبور الغور ولا واضح الحقيقة.
هذا ما اتفق لنا إيراده الآن في البحث عن الأقطار العربية. والإيغال في ذكره يعوزنا إلى المجلدات. وفوق كل ذي علم عليم.
بيروت
ج. ض
стр. 6583
العلم في ألمانيا
لم تحرز ألمانيا التفوق الباهر على الشعوب المتمدنة في فروع العلم والصناعة إلا بفضل انتظام جامعاتها وارتقاء كلياتها فهي تتجدد على مرور الزمان وتتطور بأطوار العصور وتراقب الاختراعات والاكتشافات في جامعات أوربا وأمريكا الكبرى فتناظرها وتنافسها فهي تبعث كل عام في العطلة المدرسية بوفود علمية مؤلفة من فحول العلماء والأساتذة ومعهم فريق من نوابغ التلامذة ونخبة أذكيائهم للطواف في عواصم العالم المتمدن والتفتيش عن نظامات دور العلم والصناعة والمجامع الأدبية والفلسفية والطبية والمحافل المالية والاقتصادية وذلك لاقتباس ما يناسب الروح الألمانية فتعود البعثة مزودة بأجد الأفكار وأحدث الأطوار وتطبق حينئذ العلم على العمل وعلى هذه الطريقة ترسخ أقدام التجدد في تلك الكليات التي أصبح لها ألفضل العظيم في تكوين الوحدة الألمانية، وتشييد أركان هذه الإمبراطورية الواسعة التي أرهبت العالم بقوتها وصوتها وامتداد سلطانها في قلب القارة الأوربية بعد أن كانت شعوباً متفرقة وإمارات متشتتة ومعرضة لإطماع ألفاتحين والغزاة من القياصرة والملوك. قال بسمارك في حديث له مع أحد المكاتبين الحربيين في حرب السبعين أن ألمانيا لم تنتصر على فرنسا في ميادين القتال والنزال إلا بفضل النظام ناشئتها ورجاحة عقول شبيبتها التي أدركت المنافع الوطنية من طريق المدرسة وعرفت أن حياة الافتراق والانشقاق لا تفرق كثيراً عن الموت الحقيقي والانقراض الطبيعي فليست مهارة القواد الألمانيين وكثرة الجيوش وقوة السلاح هي التي نصرت ألمانيا على عدوتها بل المدرسة الألمانية والعقل المدني هو الذي عقد ألوية النصر والفوز على رؤوس الألمانيين فالحروب الحديثة لا تأثير السلاح والكراع فيها وإنما العامل الوحيد للانتصار فيها هو العقل والتربية والنظام ونمو الروح الوطنية وفي الحقيقة أن ألمانيا لم تكن على جانب كبير من العلم والتمدين يوم اكتسحا نابليون وأخضعها لسياسته وجبروته فقد كانت حينئذ ميداناً للفتن وكان الخصام والنزاع والبغضاء سائدة مستحكمة في قلوب أمرائها وملوكها فلما أنشئت المدارس في أرجائها وشيدت الدارس في أمصارها وأقطارها وأشرقت شمس العلم والعرفان في البلاد أصبح من الخزي والعار أن يخضع الألمان لأجنبي فاتح فكان من آثار تلك النهضة العلمية نهضة سياسية أثمرت الوحدة الألمانية وأعقبها انقلاب عجيب في العلم والصناعة والتجارة والزراعة.
стр. 6584
للجامعات الألمانية بما تكتشفه وتخترعه فيما ينفع الحضارة والعمان المقام الرفيع بين كليات العالم المدني ولها الامتياز على غيرها من الكليات باتباعها خطة بث الاستقلال ألفكري والاعتماد على النفس وحب العمل والتجرد إلى ما ينفع الوطن والعنصر وقد فضلها بعض العلماء الباحثين على جامعات ألفرنسيين والإنكليز والأمريكيين من هذه الوجهة، ومما أذاع شهرة الكليات الألمانية وجود دور المساعي والمباحث العلمية التي أنشئت كفروع لها يطبق فيها التلميذ النظريات على العمليات بعد نيله الشهادة بالامتحان ففي إحدى كليات ألمانيا نحو خمسين فرعاً لها من دور البحث والتنقيب في المسائل العلمية وهي تشمل على عدد كبير من المكتبات والمتاحف والمصانع لإجراء التجارب ألفنية في الطب والكيمياء والهندسة وعلم طبقات الأرض والفلك وغيرها من فروع العلم والصناعة التي توسع مادة الدماغ الألماني وتعده أهلاً للاكتشاف والاختراع.
في ألمانيا اليوم دور خطيرة للمباحث العلمية غير ما تقدم من المصانع الخاصة بالجامعات وهي أوسع نطاقاً وأعظم دائرة منها اتفق على تجهيزها بالأدوات العلمية وتوفير أسباب البحث والتنقيب فيها مئات الملاين من الماركات فكان لها النتائج الحسنة والفوائد الغزيرة في الحرب العامة فقد توفق العاملون فيها وهم من خيرة علماء الألمان إلى اختراع أشياء كثيرة أفادت السلاح الألماني في ميادين القتال فاكتشفوا مادة كيماوية أطلقوا عليها لفظ - بروغليسيرين - فاستعملوا مقام مادة - الغليسرين - الذي كانت تجلبه ألمانيا من الديار الأجنبية قبل الحرب فانقطع وروده بسبب احتشاء أساطيل الأعداء في البحار وقد أنتج هذا الاختراع أثراً حسناً في إظهار مقام المدينة الألمانية ولما استعمل الأعداء المواد الخانقة في مقاومة الجيش الألماني بعد أن أعيتهم الحيل والمكائد الحربية وفشلت خططهم واختلت نظاماتهم اخترع علماء الألمان الباحثون في تلك المعاهد والمصانع مادة كيماوية أبطلت تأثير الغازات الخانقة التي حرمت القوانين الدولية استعمالها رأفة بالعنصر الألماني والجامعة البشرية وعلى أثر امتداد الحرب نفدت بعض المواد الإبتدائية في ألمانيا فاكتشف الكيماويون وعلماء النبات مواداً ثابت منابها وقامت مقامها فلم يمد الألمان يد العوز والافتقار إلى غيرهم من الشعوب المتحايدة واستغنوا عن سواهم بعقولهم وأعمالهم.
من حسنات دور ألفنون الألمانية إجراء التدريس في دائرة الاستقلال والحرية لإنماء ألفكر
стр. 6585
وتربية العقل، فالأستاذ في الجامعة غير مضطر إلى توفيق محاضراته وخطبه مع مستوى عقل التلميذ واقتداره فهو قانع أن طلابه مستعدون لقبول ما يلقيه عليهم من الدروس العالية ومختلف الأفكار والآراء. أما التلميذ في الكلية فهو حر مستقل كأستاذه يطلب العلم الذي يراه لائقاً بنفسه ويصبو إلى الأستاذ الذي يعتقد فيه النفع والفائدة لعقله ويشتغل بدروسه على مقدار ما تميل إليه الروح والنفس وما يفوته من شوارد خطب أستاذه يستطيع أن يجده في مكتبات الكلية الغاصة بمئات الألوف من المجلدات في علوم مختلفة فإن أحط جامعة في ألمانيا لا تخلوا من مكتبة واسعة تسد حاجة التلميذ وتوسع مادة علومه ومعارفه.
أما التدريس في المدارس التالية وهي التي تعد الناشئة للدخول إلى الجامعات الكبرى - وتقابلها عندنا المدارس السلطانية - فهو جار على أصول المجانسة فالأستاذ فيها يراعي قاعدة مراقبة التلامذة وأطوارهم وطباعهم وقياس عقولهم واقتدارهم فهو يتفنن في تلقين الطلاب وحثهم على استماعها والمل بعقولهم إليها، والمراد بأصول المجانسة في المدارس الألمانية هو التزام الجد والاعتناء في إجراء الامتحانات سواء في قبول التلامذة الجدد أو في الامتحانات السنوية بحيث لا يستطيع أحد أن يجد فرقاً في العلم والعقل والاقتدار والكفاءة بين تلامذة صف من الصفوف بخلاف مدارسنا التي يجلس على مقاعد صفوفها الذكي ألفاضل إلى جانب الغبي الخامل وهو ناجم فينا عن مراعاة العواطف والالتماس في ألفحص السنوي مما أخل بنظام مدارسنا خللاً بليغاً وللمدارس التالية الألمانية عناية خاصة بأطوار التلامذة فهي تنتخب لهم مشاهير الأطباء في الأجسام والعقول لإجراء الكشف الطبي فالتلامذة المصابون بأمراض وعلل مختلفة والمبتلون بالخمول والجمود أوالحماقة وخفة العقل بطريق الوراثة لا تجوز لهم مخالطة غيرهم في المدرسة بل ينقلون إلى مدارس خاصة بهم تتوفر فيها أسباب معالجاتهم ومداواتهم مع إعطائهم قليلاً من العلوم والفنون على ما يناسب اقتدارهم وتكون غالباً تلك المدارس قائمة بين الغابات والأحراج أو على ضفاف الأنهار حول المروج وغيرها من المواقع الطبيعية.
ومما هو جدير بإطالة النظر وإمعان الفكر قلة المدارس الليلية في ألمانيا بالنسبة إلى ما في بلاد الشعوب الأوربية والأمريكية. فالألمانيون لا يقبلون عليها ولا يميلون إليها وهي تكون على الأغلب ملجأ للمنقطعين وأبناء السبيل وغيرهم من ألفقراء والمسغبين الذين يتعذر
стр. 6586
عليهم إعاشة نفوسهم مع الاختلاف إلى المدرسة وطلب العلم أما الأغنياء والمتوسطون وبعبارة أخرى كل من يستطيع أن يقوم بنفقة ابنه وقريبه في داره فهم يفضلون المدارس النهارية على الليلية، ومنشأ هذا الميل اعتنائهم بحياة العائلة وتربيتها فالوالد يرغب من صميم فؤاده أن يكون طفله قريباً من حياة أسرته مشاركاً لها في معائشها كي لا يطرق الخلل إلى تربيته وأخلاقه الموروثة عن آبائه وأجداده فهو يود أن يشرف دائماً على أطواره وعاداته وأخلاقه وتربيته ويرجح أن يمضي ولده سواد الليل في داره وبين أركان عائلته على أن يكون نائياً عنها في مدرسة ليلية.
ولا تقل مدارس الإناث في ألمانيا رقياً وانتظاماً عن مدارس الذكور وقد فاقت ألمانيا غيرها من أمم العالم المتمدن في هذا الشأن وبرزت عليها جميعها فالمأة الألمانية - حسب شهادة بعض العلماء - أعلى كعباً في العلم وأرقى أخلاقاً وأشرف نفساً من المرأة في فرنسا وانكلترا وأميركا وايطاليا والنمسا فهي خلقت لتربية أطفالها ومشاركة زوجها في أعماله وتخفيف كروبه وخطوبه ولها عناية كبرى في تدبير منزلها لا يسابقها أحد في هذا المضمار وهي أقل نفقة من النساء ألفرنساويات والأميركيات والإنكليزيات ولا تميل إلى البهرجة والفخفخة بل تقنع بالألبسة المتينة البسيطة وتجتهد في اجتناب ما ينافي أطوارها الاجتماعية ويمس تربيتها وأخلاقها، والفضل في ارتقاء المرأة الألمانية عائد بالطبع إلى انتظام مدارس الإناث وإحكام أصول التدريس فيها وهي تنقسم إلى ثلاثة فروع أو أقسام فالأول هو إعداد ألفتيات للدخول إلى الجامعات الكبرى والإحصاء في علم من العلوم كالطب والهندسة والفلسفة والتربية والتعليم والاجتماع والآداب والثاني هو اللحوق بدور المعلمات لتخريج معلمات من الجنس اللطيف أخصائيات في التربية والتعليم وإدارة المعاهد العلمية والثالث من أهم فروع مدارس الإناث هو المدارس الخاصة بالنساء الراغبات في علم تدبير المنزل وتأليف الأسر وإنشاء العائلات ويشترط على اللاحقات بهذا ألفرع أن يكنّ من حاملات شهادة البكلوريا وقد أصبح لهذه المدارس أثر خالد في ارتقاء الحياة الاجتماعية والانتظام السائد في المدارس الألمانية فهي تنشئ ألفتيات على أساليب علمية وأصول راقية بحيث تكون الخريجة منها صالحة لإدارة منزلها وتربية أطفالها ومعاشرة زوجها فالمرأة هي الحاكمة والأميرة المطلقة في دارها فإذا لم تكن عالمة بشؤون الاقتصاد
стр. 6587
وأصول التربية والأخلاق والمعاشرة تصبح وباءً على أسرتها وزوجها فشقاء الأمة بشقاء المرأة وسعادتها قائمة بتربيتها وتعليمها.
وبالإجمال فإن ألمانيا لم تهمل فرعاً من ألفروع العلمية سواء في التربية والعلم والخلاق والصناعة والتجارة والاقتصاد وجميع الماديات والمعنويات إلا وأدخلته إلى كلياتها ومدارسها التي لم تأل جهداً في إنماء الروح الوطنية في قلوب الناشئة إذ تنتخب لهذا الأمر الخطير أساليب بديعة وطرائق متنوعة بحيث يخرج التلميذ على جانب من العلم والفضل مع الوطنية الصحيحة والمبادئ العالية فيكون ألمانياً صادقاً بميوله وأفكاره وطبائعه لا يحب غير ألمانيا ولا يميل إلى غير وطنه وعنصره، ورجلاً مستقلاً بنفسه مستعداً لركوب الأخطار والمهالك في كسب الرزق وإنماء الثروة وهذا هو الذي رفع شأن ألمانيا بين الممالك والقوام فأصبح لها المقام الرفيع في عالم الحرب والسياسة والاقتصاد، وفي حياة الشعب الألماني وما تقلب عليه من حوادث العسر واليسر والتشتت والاجتماع والانحطاط والارتقاء عظات بليغة ودروس نافعة للأمم الخاملة والشعوب الجاهلة.
إبراهيم حلمي العمر
стр. 6588
شعر الرحلتين
تداولت أيدي المطالعين في الشهر الأخير كتابين شغلا جانباً عظيماً من ساعات فراغهم وحلا محلاً حسناً من قلوبهم وأكثرت الصحف من ذكرهما والحث على اقتنائهما حتى شعر بنفسه بالنوق إليهما كل من لم يكتب له العثور عليهما وليس في أمرهما مجال الغرابة فإن كتابين أحدهما يضم بين دقتيه ما اتفق لأدباء الشام وفلسطين من الشعر والخطب في استقبال أحد عظماء الدولة وكبار رجالها أنور باشا والثاني يستوعب أنباء رحلة وفد علمي سير بأمر القائد الكبير أحمد جمال باشا من ربوع الشام إلى عاصمة خلافة الإسلام، لهما كتابان جديران بما لقياه من إقبال القراء والباحثين حقيقان بأن يكون لهما الوقع الحسن والتأثير الأدبي لدى عامة أفراد الأمة أديبها وعالمها وأخصائيها وجغرافيها وسائر طبقاتها من مؤرخ يحفظ بهما حديث رحلتين أفردلهما مكان رحيب في صدر التاريخ، وشاعر تتمثل له فيهما صورة مجسمة عما بلغ إليه الشعر في دور صولة السيف وجفاف اليراع وكاتب يلذه ما حوياه من ضروب التفنن في الإنشاء، وخطيب يروقه سماع ما فاه به خطباء قطره في المواقف المختلفة فهو يصفق للمجيد ويتحسر على البليد، وهكذا فلكل مفكر في خلال الرحلتين نظرة يلمحهما بها وكلمة يقولها بهما، أما أنا فمن أولئك الذين استهوى حب الإجادة في المنظوم أفئدتهم واستولى الولوع بالشعر على قلوبهم فإن أردت الكلام فنكتة أدبية أمليها أو ملاحظة شعرية أرويها تاركاً ما عدا ذلك من مباحث الكتابين إلى المشتثلين به وها أنا ذا أشرع ببيان ما عثرت عليه فيهما من الحسن الجيد أو المنتقد الذي لم أجد بدأً من إظهار ما خالج الضمير من البوح به على أني لا أنجس الناس أشيائهم ومعاذ الله أن أفعل وفي شعراء الرحلتين عدد من أئمة الأدب وجهابذته وذوي المكانة الرفيعة والمنزلة السامقة من ناظمي قلائده وناثري فرائده قد يحرجهم الموقف ويضطرهم الحث على الإسراع إلى تجاوز بعض الحدود في التراكيب والقواعد أو التصور والخيال ولا أراهم بملومين اللهم ولا أراني ملوماً إذا أشرت إلى الشيء اليسير من هذا النوع خدمة للأدب واللغة والعاملين على الرفع من شأنها. . .
أول ما يبدهك من الشعر في الرحلة الأنورية قصيدة غراء أعجبني منها قول ناظمها (ص ٣١):
فليعلم القوم الذين تجبروا ... أنا القضاء على الذين تجبروا
стр. 6589
وأما القساطل في قوله (ص ٣٢):
والنيل قد مدت إليه قساطل ... وجرى أمام ألفاتحين الكوثر
بمعنى الأوعية التي يجري فيها الماء من الحديد أو غيره فلا أحسبه مما عرفته اللغة فكان ينبغي الإشارة إلى أنه من محدثات المتأخرين وإنما القسطل الغبار. . ولا سبيل إلى منع صرف السبع بتكلف في قوله:
وببئر سبع جرى الحديد كأنما ... بخطوطه للنصر نكتب أسطر
والقصيدة الثانية في الكتاب تعد من غرره ودرره إليك منها (ص ٣٣):
يوم يتيه به الزمان ويفخر ... ميألق بالبشر أبلج أزهر
مشت الكتائب فيه يتبع بعضها ... بعضاً تخب بها العتاق الضمير
والبض في أيدي الكماة لوامع ... كالبرق تخفى في العجاج وتظهر
ومواكب في أثرهن مواكب ... من فوقها خفق اللواء الأحمر
هتفت فرددت البلاد هتافها ... لما بدا سيف الخلافة أنور
بطل له في الخافقين كليهما ... تاريخ مجد بالسيوف مطر
وما كان ليتبغي لصاحب هذه القصيدة أن يمنع من الصرف اسم علم الجمال في قوله (ص ٣٦):
وجمال منه لديك خير معاضد ... في بأسه ذكرى لمن يتذكر
ومن الطالع الحميلة في الكتاب ما ورد (ص ٤.):
زها السرق لما لاح أنورنا ألفرد ... فمن وفده نور ومن وجهه سعد
وفي هذه القصيدة أبيات منتخبات وكان يحس بصاحبها أن يبتعد عن لغة الإشغال الرديئة في قوله (ص ٢٤٢):
وحرب ضروس أشغلت حركاتها ... ممالك أوروبا وضاع بها الودّ
وعن تعدية أغار باللام في قوله:
أغار العدى للدردنيل ومادروا ... بأن بجوف الدردنيل هو اللحد
وله أن يقول: في الدردنيل. وفي الشطر الثاني ركة ظاهرة تشفع بها
أجادته بعد أبيات بقوله:
стр. 6590
فآبوا لسدّ البحر يبغون منفذاً ... فعادواوقتلاهم ورائهم سدّ
وراقني من المطالع قول الآخر (ص ٤٤):
ملك الجمال اطلت فيك تحيري ... فإذا عجزت عن امتداحك فاعذر
وقول غيره (ص ٤٩):
يا أمة لبني عثمان تنتسب ... لإنت في عزة تحنى لها الركب
ولم أرى من يجمع الخطب على خطب وقد جاء في قوله (ص ٥.):
أو من يضاهي جمالاً في حماسته ... فرداً به تتقي الأزمات والخطب
وفي هذه القصيدة أبيات عامرات يعجبني منها قوله (ص ٥١):
هلا ذكرنا حيال الدردنيل قوى ... من الحديد بها الأمواج تضطرب
تضيق عنها فجاج البحر عابسة ... تسعى إلى الموت في أنيابها العطب
تبغي اقتحام عرين الأسد معلنة ... أن الأعادي على تذليلنا أعتصبوا
فقابلتها غداة الروع صابرة ... صبر الكرام أسود هزها الغضب
إلى أن يقول:
ردوا الأساطيل تهوي في مذلتها ... يقودها للنجاة الخوف والهرب
وأكثر النحاة على كراهية إدخال أل على كل وأن أجازها فريق منهم جاءت في قول آخر (ص ٦٥):
وعلى العلائق بدت مطالع فوزنا ... والكل أضحى بالمنى مستبشراً
وما أرشق قوله بعده:
فوز به طاف السرور بطيبة ... وتهللت فرحاً به أم القرى
ومن عيوب الشعر الشائعة في هذه البلاد الاختلاس وهو زيادة حرف على الوزن يسرق في الإنشاد كقول الثاني (ص ٦٧):
لا سيما فخري باشا من به افتخرت ... بين البرية أبرار وأحرار
وما أحسن قول الآخر من قصيدة يخاطب رجلي الدولة الكريمين (ص ١٢٦):
منكما هزت الشريعة سيفاً ... صقلته من السماء يدان
سيف حق يسيل ناراً ونوراً ... ما عهدنا الضدين يجتمعان
стр. 6591
وفي قول الآخر إشباع معيب (ص ١٣١):
ولم تكتف منها برد حياتها ... وما فقدته من مفاخرها العز
وفي البيت الآتي قطع همزة الوصل مما لا يجوز للشاعر المجيد وإن تسامح به العرضيون
لك أسم أصوغ منه بمدحي ... عقد در من الثناء مجوهر
ولا أرى مثل هذا الاكتفاء من البديع وأن عدوه في البيع في قول القائل (ص ١٣٧) ولا تنس الكل:
يتمرنون على القتال يديرهم ... عرفاؤهم والكل في طرب وفي
وكأنه هان على ناظم هذه القلادة فقال بعد أربعة أبيات:
يا رب فانصره وأيد عرشه ... فيدوم في ظفر وفي عز وفي
ولعله أراد في الثانية معنى الوفاء فكان عليه أن يقول: وفي بالتشديد ولا يخلو من ضعف في معناه. . وأين الأدب مع الله في نهيه إياه عن التأفف بقوله:
فلأنت موئلنا ومنك غياثنا ... وإليك مرجعنا، فلا تتأفف (!)
فهل يخاطب غير السوقة بهذا القول. . واستعاض الآخر عن المهيب المهاب وهو مما انتقده الباحثون قال (ص ١٤.):
سلام على جند ابن عثمان إنه ... لجند مهاب لم يرعه التكاثر
وما أدري ما دفع الشاعر الآخر إلى وصف القائد المقدام بلقب الشهم وهو مما ابتذلته الطبقات المنحطة وأصبح ينعت به الكثيرون من العامة، قال يخاطب أنور باشا (ص ١٤٥):
كذاك أخوك الشهم (؟) أحمد عصرنا (؟) ... جمال لدى الهيجاء ليث غضنفر. .
وكان الأجدر بهذا الشاعر أن يتفطن لما فطن به الشاعر الأندلسي محمد بن القوزراني (المترجم في بغية المتلمس) بقوله:
ظلمناك إن قلنا الأجل ولم نقل ... هو الواحد المفضال والأوحد البرّ
وشاعرنا القائل في قصيدته (ص ١٤٤):
فيا فارس الإسلام في كل معرك ... ومن عزمه قد ذل كسرى وقيصر
أراد: ويا من من عزمه إلخ وأما كسرى فلا أعلم ما جاء به اليوم؟. . وهو القائل بعد
стр. 6592
أبيات:
وكن لجمال العصر عوناً معضداً ... ولا سيما في فتح مصر مبشر. .
أراد: مبشراً فغلبته القافية. . ويخطيء الكثيرون بوضع إذ مكان إن كقول الآخر (ص ١٤٧):
سل عن بسالته وشدة بأسه ... إذ كنت تجهل سر أنور في الورى
أراد: إن كنت. . وعجيب من الآخر تشبيهه أنور باشا بإبن مقلة وحسان قال (ص ١٤٨):
أين ابن مقلة ابن حسان إذا ... خطت يداه من البلاغة أسطرا
وابن مقلة خطاط وحسان شاعر فأين شاعرنا من تشبيه القائد الكبير بالفاتحين المغاور كابن الخطاب والخراساني والفاتح وابن الوليد وأمثال هؤلاء. . ولم أجد
الظميئة فيما بين يديّ من كتب اللغة والأدب قال آخر (ص ١٧٧):
وكيف تطيب النفس عن ورد فضله ... وموردها وهي الظميئة كوثر
وفي القاموس: ظمىء كفرح وهي ظمآئة. وفي الصحاح: وبابه طرب وهي ظمأى. ومثله في لسان العرب وأساس البلاغة. وفي التاج: قال شيخنا: وظمئة كفرحة زاده ابن مالك وهي متروكة عند الأكثر. فأين الظميئة. . ولعله أراد تصغير ظمئة وهو ركيك وفي هذه القصيدة مفردات تمياز بالجودة ومتانة السبك كقوله (ص ١٧٧):
وجاهدت حتى عاد للدين عزه ... وباء عدوي الله بالخزي يعثر
برزت إليه والأسنة شرع ... وخطب الرزايا (؟) للمنايا مشمر
فأوقع فيه سيفك الغضب محنة ... ستذكر حتى يحشر الناس محشر
وهناك تجوز ضعيف ارتكبه الثاني بقوله (ص ١٨.):
أهلا بأكرم معشر ... حيوا فأحيوا الأربعا
يريد فأحيوا، بفتح الياء، فلم يسعفه الوزن. وفي هذه الأبيات بيت يذكر في ألفوائد وهو:
النصر من أنصاره ... يسعى له أنى سعى
وأخطأ صاحب هذه البيات في قطعة ثانية قال فيها (ص ١٨١):
فمر السعادة أنور ... والبدر أحمدنا الممجد
وألفرقد الوضاء عزمي ... داموا بتوفيق مخلد
стр. 6593
فالبيت الثاني غير مستقيم. . ومن بديع ما في الكتاب قصيدة جاء فيها (ص ٢٣.):
جيش تألف والإسلام رأيته ... من خيرة العنصرين الترك والعرب
سارت بجحفله الأقدار تقدمها ... ملائك الله فوق الخيل والنجب
تسربات بدروع الوحي واعتقلت ... من نبعة النور أطراف القنا السلب
وبعد أبيات وصف بها جنود الأعداء (ص٢٣١):
الت: سأرحل عن مصر وما رحلت ... قالت: أثوب إلى العدل ولم تثب
وفي ابتداء القصيدة (ص٢٢٩):
مذ قيل أنور الشعب في حلب ... قد ماجت القدس من صفو ومن طرب
ولو قال: ماجت له القدس، لكان أرشق
ترى النفوس على طول القطار له ... من شدة الشوق ملقاة على القضن
بها انتظاراً إلى ميمون طلعته ... ما بالقطار من التضرام واللهب
ولو قال: بهن شوقاً، لكان أحسن من الإنتظار. . وما دريت ألفرق بين النجب والنجب في قول الآخر (ص٢٣٧):
لله أنور المقدام من شهدت ... بحزمه الخلق من نجب ومن نجب
وقال آخر (ص٢٧٢):
لا غرو أن أمّ هذا القبر مبتهلاً ... يستمنح النصر حتى يأته (؟) الظفر
يريد: حتى يأتي الظفر. وهو القائل (ص٢٧٤):
هذا الوزير الذي جلت مآثره ... أن يحصها العد أوأن تحوها ألفكر
يريد أن يحصيها وأن يحويها. ومن أحاسن هذه القصيدة:
هشت لمقدمك المحبوب تربتها ... كأنما أنت في أحيائها مطر
أذكرتها زمن الصديق من حقب ... أو يوم يحكم في أرجائها عمر
أراد: يوم كان يحكم. وأحسن منه: أو يوم حكم.
يسعى وغايته الإخلاص مجتهداً ... ودأبه الجد والتفكير والسهر
والأفضل لو قال: وغايته العلياء أو ما معناه وأما الإخلاص فعنوانه وقائده ومسيره. .
تلك المزايا التي خص الإله بها ... قوماً هم الناس أن عدو وإن ذكروا
стр. 6594
واستعمل الآخر حيث للتعليل ولم تعرفه العرب بل هو من مستحدثات المولدين قال (ص٢٧٩):
يا حمص تيهي حيث زارك أنور ... ردء الخليفة سيفه البتار
وهو القائل:
عم البسيطة والبرية عدله ... فالخلق شخص والبسيطة دار
والشطر الثاني مما لا يتحصل منه معنى. وقال:
يا واحد الدنيا الذي بشبيهكم ... عقم الزمان وضنت الأدوار
أراد: بشبيهه. وهو أدرى بالأدوار!. وعجبت من قوله:
أيدت دين الهاشمي فلم يضع ... لبني الشريفة عند سيفك ثار
فكأنه يقول. أن بني الشريعة (يريد المسلمين) قد أدركوا ما لهم عند سيفك من الثأر القديم، وفيه ما ترى! وهو يقصد عند وجود سيفك
وأعجبني من قصيدة أخرى قول منشئها (ص٢٨٦):
لك المنزل المعمور فينا وإنما ... غداً في قلوب المؤمنين يعمر
نظمت من الإسلام أسنى قلادة ... وكادت وأيم الحق لولاك تنثر
وما أبدع قوله بعده:
وكيف ترى الأيام محو سطوره ... وفي كل صدر م﴾ من منه أسطر
ثم يقول:
ومد على الإسلام منه سرادق ... يصان بها دين الحنفي وينصر
والسرادق مفرد مذكر فحقه أن يقول: يصان به. والحنيف الصحيح الميل إلى الإسلام الثابت عليه. والأولى أن يقال: دين الحنيف كما قال لسان الدين بن الخطيب: يا ناصر الحنيف وأهله. . البيت. . ثم قال وخطأه النحوي ظاهر (ص٢٨٨):
وعما قريب يحبط الله سعيهم ... ونربح مصراً والعراق ويخسروا (؟)
ومن جيّدها:
أيا واحداً صحت جموع صفاته ... وأعداؤه جمع ولكن مكسراً!
وفي القسم الأخير من الكتاب قصيدة هي من خير ما فيه مطلعها (ص٢٨٩):
стр. 6595
كسعيكما فليسع من يطلب المجدا ... فمن حاد عن نهجيكما أخطأ القصدا
أعزما إلى حزم وراياً إلى هدى ... لقد جزتما من طاقة البشر الحدا
لى أن يقول: أأنور لا ننسى مواقفك التي ... تشيب على أهوالها الأسد الورودا
مواقف أعشى كل رأي ظلامها ... فكنت برأي ألفرد نيرها ألفردا
فهل لك نفس هذه ... فأرخصت فيها السوم إذ تشتري الحمدا
فأي يد تحصى أياديك جمة ... لقد ضل من أحصى النجوم ومن عدا
رأيتك في أجبال برقة قائماً ... يزين لك الأقدام خطب بها اشتد
جمعت قلوباً فرق الجهل بينهما ... وألفت منها في مجاهلها جندا
ثم قال:
ولو كنت يوماً بالتناسخ قائلاً ... لقلت ابن سرح في صحابته ردا
هذا بعض ما أردت إراده من شعر الرحلة الأنورية وأما كتاب البعثة العلمية فالشعر فيه أقل من النثر على كثرة ما فيه من المنتقد قال أحد شعرائه (ص١٩٥):
شرف التمثل بين أيدي أعاظم ... يبنى عليه تزاحم الأدباء
فلا أعلم ما يصنع بياء أيدي المختلسة وهو يمر عليها عند تلاوة البيت مرور الكرام!
يا موسى يا مفتى الأنام وشيخهم ... يا مرجع الأحبار والعلماء
وهو يمر بالحرف الأخير من موسى مروره بالياء الأخيرة من أيدي السابقة ولعله يريد: يا موس، على الترخيم فيكون الخطأ في الطبع
يا عادل في نشر شرع محمد ... يا قائم برياسة النقباء
والأحسن: يا عادلاً، ويا قائماً.
يا منقذي الإسلام والبلد الحرام وحافظي فاروق (؟) من أعداء
يريد: فروق، وهذا من تحريف الإعلام، وقد أورده الشاعر نفسه في قوله من أبيات آخر (ص٢. ٨):
سنشكركم سكان فاروق. . كلما ... دخلنا بيوتاً للتهجد والنسك. .
وما أدري الباعث على اختصاص بيوت العبادة للشكر. . وأما تنكير أعداء في البيت السابق فقبيح. . ومن رقائق الكتاب أبيات تلاها الآخر في مأدبه (ص١٩٦)
стр. 6596
هذه ليلة السعود وإني ... أنا أهوى ليالي الإسعاد
ليلة أشرقت بنور علي ... ورجال الحكومة الأمجاد
هي مني مكان قلبي من الصدر ... ومن ناظري مكان السواد
ولآخر قصيدة في خيار ما في الكتاب، أعجبني منها قوله (٢. ٩):
ولم أرى كالإخلاص في حب دولة ... فكم أرحب الإخلاص من رجل صدرا
ولم أرى كالإنصاف في جمع أمة ... فكم وحد الأنصاف من أمة فكرا
وهو القائل قبلهما يخاطب رجال فاروق (ص٢١.):
فكنتم نجاد الملك والعرب سيفه ... وكنتم يمين الملك والعرب اليسرى
وكان على بعد البلادين بينكم ... هدى الدين سلك الكهرباءة والمجرى
وما أحسن استدراكه في قوله (ص٢. ٨):
سلام على الدستور حلواً مذاقه ... وإن كان بعض الناس قد ذاقه مرا!
وجل أبياتها من الغور لولا المسألة الأخرى في قوله (ص٢١.):
أما أنتم بالحزم كنتم رجالها ... وقد كنتم أعلى بمسألة أخرى (؟)
وإدخال ال - على غير قبيح وإن جوزه بعض البحثين، قال آخر يمدح الأساتذة (ص٢٣.):
لئن طال مدح الغير فيها تكلفاً ... فإن قصور المدح بالشعر أجمل. . .
وفي عجز البيت ما فيه. . ولم أدر ما المترجم في قوله (ص٢٢١):
ويطرف طرف مد بالسوء نحوها ... وعقل رماها بالترجم يعقل
وفي البيت الآتي خرق لا يرتق:
وإن رام يوماً شاعر وصف ما حوت ... ولو أنه الضليل راح مضلل. . .
يريد: راح مضللاً، ولكن القافية لم تعنه. وأعجبني من هذه القصيدة قوله (ص٢٢٢):
ورب أمريء في حبهم عاد عاذراً ... وقد كان لي بالأمس يلحى ويعذل
ومن خيرة قصائد الكتاب قول الشاعر يخاطب دولة أحمد جمال باشا بعد عودة الوفد من عاصمة الملك (ص٢٦.):
سرى وفدك الغازي ومثلك يوفد ... وعاد بملء البشر والعود أحمد
стр. 6597
سرى منك مضمون النجاح مسيرة ... وطالعه يا كوكب السعد أسعد
يعني رئيس الوفد الأستاذ الشقيري
سرى لمقر الملك والذين قاصداً ... كما يقصد البيت العتيق الموحد
وما أرق قوله يصف زيارتهم لدار الحرب (ص٢٦٣):
فكدنا نضم الرمح قداً مهفهفاً ... ونلثم حد السيف وهو مورد
وحرف المثل الذي هو أعقد من ذنب الضب بقوله (ص٢٦٤):
إذا أدبروا فالخزي أو أقبلوا الردى ... فموقعهم من ملمس الضب أعقد
ومن الطراز الأول في الكتاب قصيدة في مديح أحمد جمال باشا جاء فيها (ص٢٨٦):
تبيت رعاياه بعين قريرة ... ويقضي سواد الليل يقظان ساهداً
ومن طلب العلياء والمجد لم يكن ... إذا رقد العز المفرط راقدا
فلو أن مجد المرء أخلد ربه ... بقيت على الأيام في الدهر خالدا
ومنها في وصف الأعداء:
أقاموا على شط القنال معاقلاً ... ستبقى لهم يوم اللقاء مصائدا
ويذهل فيهم والدعن وليده ... ويخطىء وجه الشد من كان راشدا
إلى أن يقول في خطاب الممدوح (ص٢٨٨):
ومن نيط يوماً في ملاك رجاؤه ... تناول بالكف المجرة قاعدا
وفي القصيدة بيت يقول فيه (ص٢٨٦):
رمى الله منك الإنكليز بصارم ... صقيل يقد الهند وأني غامدا
يريد: مغمداً أو مغموداً ولعله ألحقه بباب عيشة راضية ولم يسمع في هذا ألفعل.
وأخالني قد أطلت على القراء ولو أردت البحث في كل ما عليه النظر من مليح وقبيح لملأت الحائف الكثيرة وحسب الواقف على هذين المؤلفين أن يجتمع له آثار فريق كبير من شعراء هذا العصر كامين بك ناصر الدين والسيد حبيب العبيدي وشبلي بك ملاط والشيخ مصطفى الغلاييني والشيخ علي الريماوي والسيد بدر الدين النعساني والشيخ عبد الكريم عويضة والشيخ سليم اليعقوبي وغيرهم من رجال الشعر والأدب. وفيها عدد من القصائد التركية وخطب ومحاضرات مفيدة منها للخطيب الكبير الشيخ أسعد الشقيري
стр. 6598
رئيس الوفد ومنها لمصنفها المفضال ولغيره من الصحافيين والأدباء والفضلاء. وبالجملة فالكتابان روضتا شعر وأدب يحسن بالمتأدب اجتناء ثمارها كما يحسن بي أن أتقدم بالشكر لمؤلفها الأستاذ صاحب هذه المجلة الزهراء الذي وقف حياته على خدمة العلم والاجتماع والتاريخ والأدب ولا أنسى الإشارة إلى أنني لم أكن أنظر في هذا النقد إلى الأسماء والألقاب فأثني وأطري وأنتقد أنتقم شأن بعض المتصدين لمثل هذه الأبحاث بل نظرت إلى الشعر دون الشاعر والقول دون القائل ولعلها تسلم لي الإصابة في جل ما ذهبت إليه خدمة لهذه اللغة وآدابها والله المستعان في كل آن
دمشق
أحد القراء
стр. 6599
رزايا الحروب ومزايا البشر ونتائج الفنون
عفت الربوع فلا رنوع ... وخلا الجميع فلا جميع
أين الغواني بالمغاني ... لا يروعها مريع
الساحبات مطارفاً ... عنها الشذا الداري يضوع
المالكات وما لها ... إلا الإبا التاج الرفيع
والمرسلات لواحظاً ... كم بين أسهمها صريع
في شعرها عبس الدجى ... وبثغرها ضحك الصديع
فبدت وما طويت على ... غير الجوى منها الضلوع
ما أن لها إلا الصدى ... أن تدع معشرها سميع
تستنجد العبرات إذ ... لا منجد إلا الدموع
صدعوا لها شملاً به ... لفؤآدها منه صدوع
بالراح تدفع وثبةً ... ليست تفل لها جموع
وتخال أن زفيرها ... لعدآء أعداها دموع
ترنو لمبغوم وأحشا - ها يقطعها النزوع
لم يدر ما معنى الحيا - ة وكيف يفهمها رضيع
ويكاد يسلم نفسه ... للحتف والده الجزوع
فله مدامعه تذا - لجوىً وللحرب النجيع
وفؤاده كلوائه الخفا - ق خفاق مروع
تدعو الوغى فيجيبها ... ويجيب إذ تدعو الربوع
ولرب ليل لم يزر ... طرفي بجنحيه هجوع
قلبت صفحة أفقه ... ولكم به مرأى بديع
فقرأت أسطره وما ... غير الدراري لي شموع
كم قد تردى بردةً ... من نسج ظلمته جزوع
وإذا نضى عنه هزيعاً ... لفه منه هزيع
يشكو الولوع لنجمه ... من قد أضرّ به الولوع
ما الهم إلا طائر ... وله بداجيه وقوع
стр. 6600
والنجم قلب فيه يخفق ... ليس تحضنه ضلوع
يشكو كما أشكو جوىً ... ويذيع منه ما أذيع
وخفوقه عن وجده ... والدمع عن وجدي مذيع
والفكر يدنيه وأن ... ينأ به الأمد الشموع
ناجيته لو كان لي ... منه على النجوى سميع
ألرهبة أبعت عن ... أرض تقلبها سريع
ترنو إلى أبنائها ... شزراً وكلهم مروع
وهم ضرائب للقوا - ضب والرماح لهم شروع
أحرارهم ما انفك في - ها يسترقهم الخضوع
ألفوا الحمام كأنما ... هو طائر لهم سجوع
وفشا الخداع بهم فما ... يلفى بهم إلا الخدوع
درسوا ألفنون وإنملهم ألففون فناً مريع
مرعى ألفضيلة مجدب ... والنقص مرعاه مريع
لهم البدائع في الزما - ن وكل صنعهم بديع
لولا التجاذب بينكم ... ما كان منك لهم طلوع
الجهل فرقهم فهم ... شتى وجهلهم جميع
قطعوا به أرحامهم ... ولكم به رحم قطيع
رهج الكفاح لبوسهم ... ودخانه لهم دروع
وصدا الدروع عبيرهم ... ومن النجيع لهم ردوع
يتجرعون بدهرهم ... غصصاً هي السم النقيع
ومن الدمآء لبانهم ... والمرهفات لهم ضروع
أغرى العداوة بينهم ... أن ليس بينهم قنوع
وأضلهم طرق الهداية ... والنهى الحسد الشنيع
وإذا يدا طمع يهيب ... بهم له برق خدوع
حسدوا النجوم مكانها ... ومكانها عنهم رفيع
стр. 6601
ولكم وراها من (منا - طيد) جرى لهم تبيع
دفعت وليس لها سوى ... غاز يخفرها دفوع
فكأنها راع وما ... غير النجوم لها قطيع
تعصي الرياح عواصفاً ... ولنزر غازهم تطيع
فكأنها سفن وما ... غير الرياح لها قلوع
وكأنما هي طائر ... وجناحه البرق اللموع
أو مثقلات حملها ا - لأهوال والقيل الذريع
إن راق منظرها العيو - ن فأن مخبرها فظيع
هي للردى سبب وكم ... في وصله سبب قطيع
النبطية
سليمان ظاهر
стр. 6602
مطبوعات ومخطوطات
كلمة موجزة
في سبير العلم وسيرتنا معه لإسعاف أفندي النشاشيبي
هي كراسة كان حاضر بها صاحبها بعض فضلاء القدس وطبعها على حدة في مطبعة دار الأيتام السورية ألم فيها بتاريخ العلم في العالم وذكر ما كان لصاحب الرسالة ﷺ من الأثر الذي تغيرت به الأرض وبعد أن ذكر ما كان لأئمة العلم في الإسلام من الآثار الخالدة قال ما ننقله نموذجاً من إنشائه العذب أيضاً: والعلم الحق لن يلقاه في هذا العصر ناشده ولن يجده رائده إلا في الإقليم الإفرنجي فإن أهل هذا الإقليم قد هجروا الكرى منذ قرون والمشارقة هاجدون وأنشأوا يفكرون ويحققون ويقتبسون من فطنة كل علم ومئنة كل أدب ما يقدرون على اقتباسه ويقاومون كل من ثناهم عن معرفة أو قدعهم عن طلب حكمة ولم يقعدهم عن مواصلة السير في نشدان الخير أمير قاهر أو كردينال جائر أو ديوان تفتيشي أو منشور باباوي أو نار طلم موقدة أو أخدود ذو جاحم مستعر يقذف فيه كل من تفكر واعتبر وبحث ونظر وأبى أن يسم نفسه بسمة الجاهلين ولم يبرح القوم مشيحين دائبين ومشمرين منكشين حتى جاءت هذه العصور المتأخرة فباء الحق وزهق الباطل وجاء باكون رب الطريقة الإختبارية في الفلسفة ونيتن الذي هدى العلماء بجاذبيته إلى ما هداهم إليه وعبّد لهم من الطرق ما عبّد وديكارت الذي شاد في العلم أصولاً وهدم أصولاً وسيبنوزه الذي كسا مقالة وحدة الوجود رداء علمياً قشبياً وليبنز العالم ألفيلسوف الكبير صاحب فلسفة التفاؤل وكانت الذي سلك في الفلسفة طريقاً عذراء وقال بالآداب ما لا يقل به سواء وغوت النابغة في الشعر والعلم الذي شهد له سبنسر باحتياز هاتين ألفضيلتين والتحلي بالمنقبتين وكونت صاحب الفلسفة الثبوتية والشريعة الإنسانية وشوبنهور الفيلسوف المدهش وصاحب فلسفة التشاؤم وجان مولر واضع علم منافع الأعضاء ومبدعه وسبنسر البحاثة الاجتماعي وواضع فلسفة النشوء والمنعوت عقله بجبار العقول ودروين صاحب المذهب الذي ورد على كل ناد وولج كل بيت وشرق وغرب وعرف الإنسان مكانه وجاء البخار والكهرباء والصحيح من علمي الطبيعة والكيمياء وجاء علم الإنسان وعلم الحياة وجاء قول كنت ولابلاس في تكون الكون وقول لافزيه في بقاء المادة وقول
стр. 6603
روبرت ماير في استمرار القوة ورأي لامرك ودروين في أمر التحول والنشوء والإنتخاب الطبيعي وقول كوبرنيك من قبل في مركز الأرض وقول ليل في طبقاتها فأضاءت هذه الأقوال من أمور الوجود ما كان مظلماً وأيقظت من كان نائماً وداوت من العقول ما كان مريضاً وجاء رونتجن وجاءت أشعته وجاء المجهر والمرقب فلمحنا الجن وناغينا الكوكب وجاء إيدسون وجاءت عجائبه وجاء الأستاذ أرنست هيكل الذي أدرك ما لم يدرك وعلم ما لم يعلم والذي نشر مذهب النشوء في ألمانيا وصارع خصومه فصرعهم والذي قال بالوحدة وكان رسول هذه النحلة إلى الناس وجاءت مباحث هذا البحر القذاف بجواهر الحكم التي ربط بها الحلقات وحل المعضلات وهتك الأستار عن الأسرار وكاد يطلعنا على الغيب فلو كشف الغطاء ما ازددنا يقيناً وجاءت علوم ومذاهب وآراء لا يحصيها الإحصاء ولا يستقصيها الإستقصاء ومشت جماعة ألفكر مع شيعة الاختبار والتحقيق وآخى النظر البحث فآنس الإنسان من الآيات العلمية ما لم يؤنسه قدماً ورأى بعين يقظان ما لم يحلم به إنسان وجاء العيان بما بخل به السماع فطلع الإقليم الإفرنجي بذلك مجلياً في ميدان الحياة وسابقاً في حلبة العلم ومعبراً في وجه كل إقليم وتبذخ قطنيه بما أبدعه وحق له أن يبتذخ وصغرت في عينه الدنيا وأحر بها أن تصغر وطمع في سكنى النجوم ولا نستبدع ظفره بمتمناه وقد أرانا منه ما رأيناه.
لا أروم الآن أن أبين في ما تلوت مزايا الغرب الدثرة الكثيرة وخصائصه الجمة الأثيرة فإن ذلك يحتاج إلى حين ممتد وصحائف من الكاغد لا تعد وما ذكرت ما ذكرت إلا لأنبئ بأن العلم قد عدن في الإقليم الإفرنجي وريّم ولم ينزعج عنه ولم يرم فمن نعاه فليول وجهه شطر المغرب وليتناوله من معدنه أو مما ينجم من معدنه ولا يتفائل ويستنكف من أخه عن الإفرنج فإن ذلك لا يقبحه ولا يعيبه عند أحد من الناس كما لم يضع من الإفرنج أنهم تلمذوا للعرب واليونان ورضوا بحكمائهم ولكن الذي يقلل من مكانة الشرقي ويضحك منه خصمه وخليله أن يجد المنهل العذب وهو ملتهب الكبد فلا يرد ويتنور مقتبس الأنوار وقد دجا ليله وأحلولك فلا يقتبس. . .
ارتقاء ألمانيا الوطني
تأليف الدكتور كارل هلفريخوتعريب فليكس افندي فارس
стр. 6604
طبع في المطبعة المارونية بحلب ١٩١٦
(ص١٤٢)
هذه رسالة في ثروة ألمانيا الوطنية وارتقائها في مدة الخمسة والعشرين سنة الأخيرة أو التقدم الاجتماعي وارتقاء ألمانيا الوطني منذ مدة ٢٥سنة لحكم الإمبراطور غليوم الثاني وفيها حقائق كثيرة من العوامل الاقتصادية في الإمبراطورية الألمانية والطرق التي سلكتها حتى بزت خصومها في هذا الباب وبعض الإحداثيات في هزا الكتاب مملة مطولة وكان على المعرب أن يختصرها ويورد منها ما يكفي بمعرفته للقارئ العربي عن ألمانيا وإلا فأن التفاصيل والأرقام الطويلة قد تدخل املل حتى على نفوس من كتب الكتاب لهم
رسائل وكتب مختلفة
الشرق المصور - مجلة أصدرتها أدارة الشرق في دمشق وفيها كثير من صور المشاهير والوقائع الأخيرة وقصائد بالعربية والتركية وهي في ١٦صفحة
الحجاز - جريدة سياسية تصدر ثلاث مرات في الأسبوع في المدينة المنورة مدبجة بيراع رئيس تحريرها محمدبن بدر الدين أفندي النعساني من أستذة حلب وصاحب كتاب التعليم وغيره من الرسائل والمقالات
فتاة الوطن - مؤلفها م. عادل ومعربها محمد بن علي أفندي حشيش طبعت بمطبعة العرفان مع أصلها التركي سنة١٣٣٤
رسالة الجهاد على فتوى خليفتنا الأعظم السلطان الغازي محمد رشاد لأديب أفندي الجراح طبعت في مطبعة نينوى في الموصل سنة١٣٣٣في ٨٨صفحة
أحاديث الأربعين القدسية من الصحف الإبراهيمية والموسوية لمؤلفها أديب أفندي الجراح طبعت بمطبعة سرسم في الموصل سنة ١٣٣٢في ١٧١صفحة
عظة الناشئين - للشيخ مصطفى الغلاييني وهو كتاب أخلاق وآداب واجتماع طبع في مطبعة الثبات في بيروت سنة ١٣٣١في ١٩٨صفحة
مفكرة صادر لعام ١٩١٧وفيها فوائد زمانية وعمراتية
مجلة العالم الإسلامي الامانية - صدر العدد الأول منها وهومصدر باسم مولانا السلطان الأعظم وجلالة إمبراطور ألمانيا ومحل برسوم كثيرة وهو في ٦١صفحة
стр. 6605
مصور جول الصحراء المصورةهي مجلة تصدر في بئر سبع من أقصى فلسطين بالتركية والعربية مرتين في الشهر يحررها مفتش منزل البادية وفيها رسوم المشاهير وقد صدر العدد الأول منها برسم حضرة الخليفة ورسم أنور باشا واحمد جمال باشا
إيقاظ ذوي الألباب في ذم التبرج وكشف النقاب - للشيخ عبد الواسم بن يحيى الواسعي طبعت بمطبعة ألفيحاء سنة ١٣٣٤
ورسالة هذه الصحيفة وتسمى مسند الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادقين محمد الباقر بن علي السجاد بن الحسين البط بن أمير المؤمنين زامام المتقين علي بن أبي طالب سلام الله عليهم أجمعين طبعت بمطبعة الترقي في دمشق سنة ١٣٣٤
تعزية الخاطين في العترافات مار اغوسطين - عربها المونسنيور يوسف العلم طبعت بالمطبعة البنانية سنة ١٩. ٩في٦٣٨ صفحة صغيرة
стр. 6606
أخبار وأفكار
نفقات القتل
اقتبست الصحف الألمانية عن إحدى المجلات الباريسية في تقدير المال الذي يستدعيه قتل الجنود في ساحات القتال فقالت: معلوم أن كل قتال يبدأ بإطلاق نار المدفعيات فلا يلبث المعسكران المتحاربان أن يمطر كل منهما الآخر عدداً من القذائف والقنابل من جميع العيارات فما هو إلا أن تفرغ عجلات الذخائر وتعود فتملا بقنابل تؤخذ من المستودعات وهذه تمدها القطارات الواصلة إلى أقرب محطة بما تحمله إليها من المهمات والأدوات المهلكات. وفي مكان بعيد عن ساحة القتال يعمل عشرات الألوف من الناس في معامل لصنع الذخائر التي تصرف في بضع دقائق في ساحات القتال
أما نفقات هذه العملية فهي كما يلي:
خذ بطارية مؤلفة من أربعة مدافع من عيار ٢٥ملم مع أثنتي عشرة عربة للذخائر ترى أن لكل مدفع ولكل عربة قطاراً من الذخائر ولكل بطارية قطاراً من مثل ذلك يحتوي كل منها ٢٤ قنبلة وفي كل عربة ٧٢فبكون مجموع ما للبطارية من القنابل ١٢٤٨أي٣١٢قنبلة لكل واحدة فيطلق كل مدفع في ٢٤ساعة ٤. . قنبلة أي ٢. قنبلة في الساعة على أكثر تعديل وثمن كل قذيفة ٣. فرنكاً ويقدرون أن المدفع لايعود صالحاً للاستعمال بعد أن يطلق ٦ألاف طلقة
ويكلف كل مدفع ١٨. . . فرنك أي أنه يخسر في مل طلقة ثلاثة فرنكات ويبلغ ثمن القنابل التي يطلقها المدفع الواحد في ٢٤ساعة من عيار ٧٥ملم ١٣٥ألف فرنك وذلك عن ٤. . طلقة. فالمئة والشرون مدفعاً الموجودة مع فيلق من ألفيالق تنفق في يوم واحد ١. . . . . . فرنك، وتستدعي المدفعية الضخمة نفقة أبهظ من هذه، فقد قدروا أن كل طاقة من مدفع فرنساوي من عيار٣٢ملم تكلف ٦٤١. فرنك وقد تبين بعد عمل كل حساب مدة المئة يوم التي دامت فيها الحرب على فردون أن كل قتيل أنفق على قتله ٧٥ألف فرنك وقد انفق الإنكليز أكثر من هذا القدر بكثير في حرب البوير فكان القتيل الواحد يكلفهم ٢. . ألف فرنك على أقل تقدير وقد كانت نفقات القتيل في حرب البلقان رخيصة أكثر من ذلك فلم يكن يكلف قتل الجندي الواحد أكثر من ٥. ألف فرنك، وقد قالوا أن الذهب الذي انفق في
стр. 6607
حرب فردون لو جمع ليرات في صعيد واحد لبلغ حجمه ٨. متراً مكعباًهذا ما كلفته الحرب العامة فكم تنفق فيها الأمم من أولها إلى آخرها يا ترى
التجارة الخارجية
ذكرت جريدة غرفة التجارة العثمانية أن الإنكليز كانوا مستأثرين بخمسين في المئة من تجارة الصادرات في المملكة العثمانية والخمسون الأخرى تتقاسمها الأمم المختلفة من الأجانب وليس للعثماني فيها سوى خمسة في المئة
كانت تجارتنا من الصادرات ٤٥مليون ليرة فإذا افترضنا أن الأجانب يربحون عشرة في المئة من الأرباح كان معدلهم من أرباحنا أربعة ملايين ليرة في السنة ولايعود من الربح على الرعايا العثمانيين سوى نصف مليون ليرة، وقد ذكرت الجريدة أن السر في أن العثمانيين ما استطاعوا حتى الآن منافسة الأجانب في التجارة، هو أن التاجر الأجنبي متعلم وعنده معارف عامة تؤهله لدخول كل سوق من الأسواق ولان للتاجر الأجنبي رأس مال كبير وثقة مالية يهبه إياها بنو قومه ويعتمدون عليه دون غيره فقالت لا سبيل إلى استيائنا على زمام الأمور والتجارة إلا إذا تعلمنا التعليم التجاري على مستوى المتعلمين في هذا الشأن من الأجانب ودخلنا نتمرن في البيوت التجارية المعتبرة أما رؤوس الأموال فيمكن تأليف شركات كوبراتيف للمحاصيل ونقابات كنقابة التين في أزمير التي كان منها رواج هذا الصنف بعد أن كاد يقضى عليه بسبب الحرب فربحت النقابة منه أرباحاً طائلة
إحصاء مهم
نشر احد الإحصائيين الأمريكيين إحصاء مهماً اثبت فيه أن ألفيات في الحروب آخذة بالتناقص منذ القرن السابع عشر إلى يومنا هذا، قال أن عدد القتلى في الحروب التي وقعت منذ سنة ١٦٣١ إلى ١٦٣٤ وهو عهد إدخال الأسلحة النارية واستعمال الحراب كان٢٥. ٥في المئة ونزل معدلهم في الحروب التي وقعت بين سنتي ١٧٤٥و١٨١٣ إلى ٢. . ٧ في المئة وهبط أيضاً في أحدى عشرة حرباً وقعت بين عامي ١٨٤٥ و١٨٦٣ إلى ٤٥. ٥في المئة زبين سنة ١٨١٦ و١٨٧. وهو عهد أوائل استعمال المدفع الذي يملأ من مؤخرته في ٦حروب من حرب كنكراتز إلى سيدان نزل معدل الهلكى في الحرب ال١١ في المئة ونزل أيضاً إلى ١. في المئة في سبع حروب من حرب سان جوان إلى موكدن
стр. 6608
أي من سنة ١٨٩٨ إلى سنة ١٩. ٥ أما هذه الحرب التي طالت وعرفت بشدتها بحيث لم يسبق لها مثيل في التاريخ فأنه يصعب تشبيهها بالحروب التي سبقت وكانت في وضع الإحصاء
بواكير الشعراء
نريد ببواكير الشعراء أوائل أقوالهم التي فتحت بها قرائحهم واقتطفت منها ثمار أفكارهم وهاك الآن بعض هذه البواكير التي نظمها قدماء الشعراء
قال الأصمعي: أن أول بيت نظمه النابغة الذبياني هو:
قزاها أن صاحبها بخيل ... يحاسب نفسه بكم اشتراها
وأول كلام نطق به هكطور في أليذة هوميروس اليوناني قوله:
فأجاب أخوه ذو المدد ... بالحق نطقت ولم تزد
لك قلب كالصخر الأجد ... وبصدرك نفس لم تمد
جهداً تزداد على جهد
كالأفؤس تنفذ في الخشب ... بذراعي قطاع الحطب
وشار الفلك المقتضب ... لقواه تضيق قوى القضب
بمجامع مصقول الحد
وقيل أن أول ما تكلم به عبد بني الحساس من الشعر أنهم أرسلوه رائداً وهو يقول:
أنعت غيثاًحسناً نباته ... كالبشي حوله بناته
فقالوا: شاعر والله. ثم نطق بالشعر بعد ذلك
وأول شعر قاله عدي بن زيد العبادي وكان أول من كتب بالعربية في ديوان كسرى أنوشروان:
رب دار بأسفل الجزع من ... دومة أشهى إلي من جيرون
وندامى لايفرحون بما نالوا ... ولا يرهبون صرف المنون
وقدسقيت الشمول في دار بشر ... قهوة مرة بماء سخين
وأول شعر لأمرئ القيس وهو ابن عشر سنوات قوله:
ازود القوافي مني ذيادياً ... كذود غلام غوي جوادا
стр. 6609
فلما كثر وعنينه ... تخيّر منها جواداً جوادا
فأعزل مرجانها حانيا ... وأخذ من درها المستجاد
وأول ما فتحت به قريحة طرفة بن العبد البكري لما خرج مع عمه في سفر فنصب فخاً حتى إذا أراد الرحيل ارتجز:
يالك من قبّرةً بمغمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري ... قد رحل عنك الصياد فابشري
لابد يوماً أن تصادي فاصبري
وروى ابن الأثير: أن أول شعر قاله المهلهل بن ربيعة التغلبي قوله من قصيدة أصلها ١٨ بيتاً:
كنّا نغادر على العواتق أن ترى ... بالأمس خارجة من الأوطان
فخرجن حين ثوى كليب حراً ... مستيقنات بعد هوان
فترى الكواعب كالظباء عواطلاً ... إذ حان مصرعه من الأكفان
وأول ما تمثل لخاطر عبيد بن الأبرص قوله:
يابني الزينة ما غركمُ ... لكم الويل بسربال حجر
عيسى اسكندر المعلوف
стр. 6610
عدد الشيعة
قرأت في الجزء التاسع من المقتبس الشيعة في بر الشامللفاضل العامري الشيخ أحمد رضا فاستوقفني قوله أن عدد أهل السنة من المسلمين ١٥. مليون والشيعة ٩. مليون وتعليقكم عليه بأن أهل الشيعة لايزيد عددهم عن ١٢مليون كما يتضح من الأرقام الآتية:
أهل السنة ٢٢٨مليون والشيعة ١٢مليون فالمجموع ٢٤. مليون
أهل السنة بحسب مذاهبهم:
أحناف ١٤. مليون - شوافعة ٦٤مليون - موالكة ١٦مليون - حنابلة ٧مليون
فيتضح أن عدد المسلمين ٢٤. مليونكما قال الأستاذ العامري والفرق ألفارق هو بين تقديره عدد الشيعة بأكثر من حقيقتها أضعاف الأضعاف وعلى ذكر الإسلام والمسلمين نورد هنا بعض الإحصائيات عن المسلمين باعتبار عناصرهم وقاراتهم ولغاتهم وغير ذلك مما يفيد معرفته:
المسلمون باعتبار عناصرهم ولغاتهم
- الهنود على اختلافهم ٦٤ مليوناً - العرب على اختلافهم ٤٥مليوناً
- الأفريقيون والسودانيون ٣٢ مليون - الترك على اختلافهم ١٥ مليون
- جزائر ملقة ٣٦ مليون - الصينيون ٣١ مليون
- الإيرانيون ٩ مليون - البوماق والبشفاق ٨ مليون
المسلمون باعتبار قاراتهم التي يسكنونها:
- آسيا١٦٦ مليون - أوروبا ١٤. ٥ مليون
- افريقيا ٥٩. ٥ مليون المجموع ٢٤. مليون
المسلمون بحسب تبعيتهم السياسية
- رعايا الدولة العثمانية ١٤ مليون - رعايا الدول الإسلامية الأخرى١٧ مليون
- رعايا حكومة الصين الوثنية ٣٤ مليون - رعايا الدول المسيحية ١٧٥ مليون
المجموع٢٤. مليون
وإليك بياناً مهما عن عدد المسلمين الخاضعين للدول المسيحية على اختلافها والقارات التي يقع فيها هؤلاء المحكومون فيها:
في آسيا في أوربا في أفريقيا المجموع الدول الحاكمة
стр. 6611
٦٣. . ١٨ ٨١ انكلترا
١. . ٣٤ ٣٥ فرنسا
. . . . . ٢. ٢ ألمانيا
. . . . . ٣. ٣ ايطاليا والبرتغال واسبانيا
٣٦. . . . ٣٦ هولاندا
. . ١. ٥. . ١. ٥ النمسا والبلغار والرومان
. ٣ ١٣. . ١٦ روسيا
١. ٣ ٥. ١٤ ٥٧ ١٧٤. ٥ المجموع
أضف إلى ذلك ٣. . ألف مسلم في جزائر ألفلبين من آسيا و٦٨. . . مسلم في اقيانوسيا تحكمهم الولايات المتحدة الأمريكية فيكون المجموع فيكون المجموع ١٧٥ مليون وزيادة في الإيضاح خذلك بيان عن المسلمين التابعين للحكومات الإسلامية والوثنية على ما يأتي:
التابعة للحكومة العثمانية دولة الخلافة العظمة
- في أوروبا ٢مليون - في آسيا ١٢ المجموع ١٤ ملون
التابعون للحكومات الإسلامية وجميعها بآسيا
٣ملايين ونصف مسقط ونجد وما إليهما من الإمارات الصغرى
٤ ملايين ونصف الأفغان ٩ ملايين إيران المجموع ١٧ مليون
والبقية وهي ٣٤ مليون بآسيا تحكمها حكومة الصين الوثنية، ويوجد أيضاً ٣. ألف مسلم في جزيرة سيام ومليون مسلم في جزيرة فورموز.
هذا ما وصلنا إليه البحث ولعل الفضلاء من إخواننا المسلمين الضاربين في عرض الأرضينقبون عن هذه الإحصائيات ويعملون على نشرها لتتم الغاية المبتغاة من تعارف المسلمين وتآلفهم وبالتالي اتحادهم وتآخيهم حتى يكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً وعلى اله قصد السبيل
حيفا جبل الكرمل
عبد الله مخلص
المقتبس إن ما أورده صاحب هذه النبذة في عدد المسلمين عامة والشيعة خاصة وهو
стр. 6612
تقريبي على ما يظهر إذ لم بستند فيه إلى مرجع تطمئن إليه النفس ولعل بعض المدققين يعيدون النظر في ذلك ويجمعون إحصاء أقرب إلى الإقناع.
٧٥٥
стр. 6613
العدد ٩٥ - بتاريخ: ١ - ١٢ - ١٩١٤
стр. 6614
البيزرة وكتاب فيه
مدخل البحث
بين جمادى ورجب سنة ١٣٣٢ دعاني ورفيقين لي في النجف سادن إلى دار له لصق مسور المشهد العلوي فنثر بين أيدينا من الأجلاد والأوراق والأجزاء والطباق ما أرانا العجب والعجاب. نفيسات آثار شعثها الإهمال وطمسها الابتذال، منبوذة في ناحية غامضة نبذك سقط المتاع ملقاة نالت منها الأرضة والحشرات أضعاف ما اقتبسته العقول النيرات. وقد علاها من الزبل وسلح الطيور ونحوها ما غيّر محاسنها وأخلق كريم دباجتها. فأنتشنا من الجملة الجزء الأول من نواظر العيون في مختصر تذكرة ابن حمدون المتوفى سنة ٥٦٢ لم نعرف صاحبه غير أنه صنع برسم الخدمة المولوية السلطانية الصالحية خطه حسن جداً يرتقي إلى القرن السابع. وأورد في كشف الظنون (منتخب الفنون في مختصر تذكرة ابن حمدون) وهو مختصر آخر والأصل من أمهات دواوين الأدب والتاريخ. قطعة من كتاب في المقصور والممدود من أجود ما جُرِدَ في هذا المعنى بخط قديم مشكول. شرح أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي المتوفى سنة ٤٦٨ على ديوان المتنبي ربما ارتقى نسخه إلى عصر المؤلف أو ما يدانيه. كتاب السكردان تأليف ابن أبي حجلة المتوفى سنة ٧٧٦ مخطوطاً على عهد المؤلف. كتاب البيزرة وهو من حيث الموضوع أهم الجميع فأثرت نعته ونشر شيء منه للقراء غير أن هذا يستلزم إيراد كلمة عن هذه اللفظة في اللغّة وفي الآثار.
لفظة البيزرة في اللغة
البيزرة والبزدرة بمعنى صناعة سياسة البزاة أو حرفة القيام على الجوارح وتعهد عتاق الطير من المفردات الدخيلة في كلام العرب وهي من قولهم بيزار معرب (باز - يار) أي صاحب الباز أو من قولهم بزدار معرب (باز - دار) أي ذي الباز في الفارسية أو أن بازيار وبازدار لغتان. وقيل أنها بالدال مولدة وأن الأصل بيزار قال الكميت:
كأن سوابقها في الغبار ... صقور تعارض بيزارها
وبالدال جاءت في قول أبي فراس
ثم تقدمت إلى الفهاد ... والبازداريين باستعدادِ
стр. 6615
ويكثر في لسان العلماء والفصحاء دوران بازيار وبيزار جمعوها في التكسير والتصحيح على بيازرة وبازياريين وبازيارّية. على أن للعرب الأقحاح أن يستعملوا مكان بازيار الأعجمية لفظة بياز العربية الصرفة دلالة على اتساع ذرع لغتهم وعدم ضيق عطفها في شيء وقد قالت العرب في قياس قولهم بيّاز صقّار وعقاب لقيم الصقورة والعقبان كما قالوا في هذا الباب كلاب وفهّاد وفيّال ونحو ذلك وهو متداول مشهور. وإنما أضاف اللغويون صناعة البيزرة إلى البزاة مع أنها تتناول غيرها من الجوارح لأن البزاة أجرأها وأجزاها وابتغها أثراً في الصيد. وقد كان لهذا العلم عندهم شأن خطير.
علم البيزرة عند العرب
تلقى العرب صناعة البيزرة على ما يظهر من آثارهم عمن تقدمهم والمرجح أنهم عرفوها أولاً بسليقتهم واختبارهم لمزاولتهم تغرية سباع الطير. على أن ملوكهم فضلوا الصقور على ما دونها وقلما روي شريف من العرب يستحسن حمل الباز لأن ذلك من عمل (البازيار) بخلاف الصقور والشواهين. ولا يدري لذلك علة إلا أن الصقر عندهم عربي والباز أعجمي ثم لما نضجت مدنيتهم أضافوا إلى ما عندهم ما وجد في كتب اليونان والفرس والرومان عن هذه الصناعة فسبيلهم فيها سبيل البيطرة وقد تلحق بها وتعد بمكان الفرع منها. وما أوثق لحمة النسب عندهم بين البيطرة والبيزرة أو بين طب الخيل أو طب الطير بل وطب الإنسان. فكل طب. وربما دونّوا الثلاثة في ديوان وأشركوها في عنون.
وقد مضى لهذه الحرفة شان كبير في حدثان ما كان من دولة العباسيين فبلغ من عنايتهم بها وأهلها أن رسموهم في الأعطيات والفرائض فأخصبوا وأفادوا أكثر من كثير في المهنة وأرباب الصناعات حتى قالوا إن البيازرة أغنى ممن يبتاع منهم وجاء في قائمة نفقات المعتصم (سنة ٢٧٩ - ٢٩٥) خمسمائة دينار مشاهرة أصحاب الصيد من البازياريين والكلابزيريين وثمن الطعم والعلاج وقيل كانت مياومتهم سبعين ديناراً.
ثم أن هذه الصناعة نفذت فيما نفذ من علوم المشرق إلى الأندلس بالمغرب فعني بحملتها بعض أمراء تلك الديار منهم نجم بن طرفة (سنة ٣٣٠) الملقب صاحب البيازرة وهو على ما يظهر من أهل التأنق في المعيشة. ولما لم تكن البيزرة من الصناعات الضرورية التي عمت بها البلوى عندهم تراجعت وتأخرت وقلت بل انتفت تدريجياً دراستها من حيث أنها
стр. 6616
فن من الفنون المدونة فدرست أو كادت حتى أن المتكلمين على تاريخ الفنون والآداب العربية لم يشيروا إليها في الأغلب. وأصبح من لهم العناية بأمور الجوارح على قلتهم يربونها تربية مأخذها التجربة والاختبار لا الصحف والآثار كما يشاهد الآن في بعض الأقطار العربية والأعجمية. هذا وقد عرف في الطبقة الأولى جماعة من مشاهير البيازرة.
مشاهير البيازرة
إنه لشيء لا ينقضي العجب منه أن يكون بين أئمة هذا الفن عند العرب مثل الغطريف ممن صحب الرشيد. هاشم. أدهم بن محرز. سعد بن عقير يستشهد بأقوالهم ويحتج برواياتهم وأنقالهم ثم لا يتسع لهم مجال كتب الترجمة والتاريخ وتضيق عنهم صدور المعاجم معاجم الأطباء والحكماء. وإنما يجيء ذكرهم عرضاً في بعض الآثار الموضوعة في صناعتهم سموهم فيها تسمية مجردة. وقد سموا غير من مرّ من أعلام البيازرة. سومارس. صرغيث النبطي. ابن العوام لعله أبو زكريا يحيى بن محمد بن العوام صاحب كتاب الفلاحة نقله عن اليونانية. قسطوس الرومي لعله قسطوس بن اسكور صاحب كتاب الفلاحة الرومية وهم كالمجاهيل أغفلهم أصحاب معاجم الأعلام والطبقات مع أن بعضهم من رجال صدر الدولة العباسية ويغلب على الظن أن بعضهم من السريانيين المستعربين الذين كثر بينهم حذقة العلوم القديمة ونقلتها إلى العربية إذ ذاك.
البيزرة في الكتب
قلما تكلم على البيزرة من الوجهة العلمية عالم أو أديب في كتاب اللهم إلا الشيخ داوود الأنطاكي المتوفى سنة ١٠٠٨ فقد أملى فيها نحو أربع قوائم من التذكرة مورداً في ترجمتها لفظ بزدرةناقلاً عن أهل هذا الفن معترفاً بقلتهم. وأورد فيها الحاج خليفة المتوفى سنة ١٠٦٨ ثلاثة أسطر فقط نقلاً عن جامع السعادة لطاشكبري زاده بلفظ بيزرة والظاهر أنه لم يقف على كلام الأنطاكي وإلا لزاد. وفي بعض الكتب الفارسية عنها شيء لعله منقول على العربية مثل ما في كتاب تحفة المؤمنينتأليف حكيم مؤمنمن المتأخرين وفي دائرة البستاني عنها كلمة لم تستوعب عموداً ترجمتها بزدرة.
وقد تكلم على طباع الضواري والسباع من الطيور استطراداً لا من باب الخوض والتشمير في الفن جماعة منهم المسعودي في مروج الذهب والقزويني في عجائب المخلوقات
стр. 6617
والدميري في حياة الحيوان وغيرهم في غيرها كثير.
الكتب في البيزرة
إن مجموعة ما ألفيناه من الكتب المجردة في البيزرة ضئيلة جداً إليك أهمها. كتاب البزاة والصيد تأليف الأمير أبي دلف العجلي المتوفى سنة ٢٢٥ القانون في البيزرة في الخزانة التيمورية وفي كشف الظنون نقلاً عن جامع السعادة أنه كاف في هذا العلم وسماه القانون الواضح ولم يسموا المؤلف. أنس الملا بوحش الفلا في البزدرة تأليف محمد بزمنكلي نقيب الجيش المصري ي أواخر القرن الثامن رقمه ٢٨٣٤ في خزانة باريس. رسالة في البزدرة تأليف قابادانيوس الحكيم الفيلسوف تاريخ نسخها سنة ٩٢٣ في هذه الخزانة. القواعد المحبرة في البيطرة والبزدرة للأنطاكي وهناك آثار تعمم الصيد بالكلاب والنبل والنشاب وهي كثيرة ولا قمس الموضوع مساس الكتب المتقدمة نذكر من جملتها كتاب المصائد والمطارد تأليف أبي الفتح كشاجم المتوفى سنة ٣٣٠ انتهاز الفرص في الصيد والقنص للشيخ تقي الدين بن حمزة بن عبد الله الناشري ألفه بزبيد سنة ٩١٠ مناهج السرور والرشاد في الرمي والسباق والصيد والجهاد تأليف زين الدين عبد القادر ابن أحمد بن علي الفاكهي رقمه ٢٨٣٤ من خزانة باريس. وقد وصف كواسب الطير وكواسرها ونعت أحرارها ومصرحاتها وكيفية تخليتها وإرسالها ونحو ذلك مما نحن فيه فريق من شعراء العرب أشهرهم أبو نواس وأبو فراس والناشي وكشاجم وصفي الدين في قصائد مزدوجة سميت الطردياتوهي مشهورة. ومن أهم ما عثرنا عليه من كتب هذا الفن كتابنا في البيزرة.
كتابنا في البيزرة
أول شيء في هذا الكتاب إغفال تسمية مؤلفه فيه وأنه خال من البسملة والحمدلة عار من تقديم مقدمة قبل الشروع في المقصود. وعلة ذلك أخرجناها فيما قدمنا من انقطاع دابر هذا الفن وأهله حتى لم تتألف من مشاهيرهم إلا طبقة محدودة ما أدركنا منها إلا الأسماء المجردة سيما وكثير منهم من غير أهل الإسلام. وليس هذا الكتاب ما ألف للإسكندر الرومي ثم نقل إلى العربية كما يظهر مما جاء على ظهره وهذا نصه كتاب البيزرة صنف الحكماء المتقدمين للملك الإسكندر الرومي وهو كتاب عجيب مما يصلح بالملوك إذ لابد لكل ملك من مسير إلى صيد بأحد هذه الطيور الجوارح والذي أوقع الوراقين في هذا الوهم
стр. 6618
ما ورد في نحو الكتاب من إن ثقات الروم من أهل المعرفة ذكروا أن الإسكندر الرومي قال للحكماء المحتفين بخدمته أريد أن تعرفوني بطبيعة الباز وأمراضه وعلامة كل مرض ودائه وهل طبيعة الباز تقارب طبيعة الآدمي أم لا؟. وأنت تعلم قصور هذه العبارة فيما يدعون. كيف وفي الكتاب نقل كثير عن حكماء العرب والمستعربين ومنهم من صحب الرشيد!! فالكتاب إذاً من طرائف عصر عربي راق كما يظهر أيضاً من أسلوب إنشائه السهل الممتنع البليغ. ولا يبعد أن يكون مؤلفه من رجال أواخر القرن الثالث أو أوائل الرابع للهجرة. يدلنا على ذلك أن المسعودي المتوفى سنة ٣٤٦ أورد في مروج الذهب عن الجوارح فصلين نرجح أنهما منقولان عن هذا الكتاب باختلاف يسير كما سيقع الإيماء إلى ذلك.
وروى لنا خبير أن في خزانة باريس كتاب رقمه ٢٨٣١ بدون اسم إلا أنه كتب على ظهره بخط غير خطه كتاب الجوارح والبزدرة تصنيف الفيلسوف أبو بكر ابن يوسف بن أبي بكر بن حسن بن محمد القاسمي القرشي العلوي الأشعري تاريخ كتابه سنة ٨٤٨ هـ.
فاسم هذا الكتاب طبق المحز وأصاب المفصل من الكتاب الماثل أمامي الآن لكن لا تزال حقيقة مؤلفة مبهمة مجهولة. هذا وكتابنا جزآن أو مقالتان في المقالة الأولى ٥٢باباً في تاريخ الصيد بالجوارح وتقسيمها إلى أقسامها وكيفية تربيتها وسياستها ثم إرسالها على غايتها وفي المقالة الثانية ٦٣ باباً في أدواء الجوارح وعللها وما يتخذ لعلاجها من المركبات فجملة الأبواب ١١٥ باباً في حجم ١٤٥ قائمة أو ٢٩٠ صحيفة صغيرة مخطوطة خطاً واضحاً متأخراً االيطه يخطائها العد وفي آخره وقع الفراغ من كتابة هذه البيزرة نهار السبت ١٠ جمادى الأخرى سنة ١٢٠١ من الهجرة على يد ملامط بن عبد الله الطرفي.
النجف -
محمد رضا الشبيهي
стр. 6619
الشاعر
درست طباع الناس في الشرق والغرب ... وميّزت ما بين العريزيّ والكسبي
وخضت غمار الوهم في كل مطلبٍ ... وجبت فلاة الحق في شوطها الصعب
وعاينت من أهل الفنون عجائباً ... غرائب تدعو للتعجب والعجب
فلم أر مثل ابن القوافي فقد حرى ... عجائب أضاد يحار بها قلبي
يطوف بلاد الله وهو بأرضه ... ويفتتح الدنيا وحيداً بلا حرب
وينفر حتى لو أتاه حبيبه ... لأعرض عن هذا الحبيب بلا ذنب
ويؤنس حتى تلتقي الطير حوله ... وتلفظ منه ما أعد من الحب
ويهدي إلى سبل الرشاد وأنه ... ليحسبه أهل العقول بلا لب
ويتخذ الناس الأرائك مقعداً ... وما راقه إلا بساط من العشب
ويسمو إلى شهب النجوم محلقاً ... إليها بحراج التصور والجذب
ويوشك لا كفر أن يرقى إلى السما ... ويطمع حتى بالمثول لدى الرب
ويجمع ما بين النقيضين قلبه ... كما يتلاقى الهدب في النوم بالهدب
فيجعل نجم الأرض مع أنجم العلى ... ويجعل نجم الأفق مع أنجم الترب
ويسكر حتى لا يفيق بلا طلى ... ويصحب أهل الأرض وهو بلا صحب
ويقنعك البيت الوحيد سكنته ... ويبني ألوفاً لا يقول بها حسبي
يرى في ظلام الليل والشمس غرّبت ... ويعمى وما مالت إلى جهة الغرب
وإن أعوزته الراح في خلواته ... ترشفها بالوهم من وجنة الحب
ويا طالما صاغ الدراري فزينت ... عروس أمانيه بعقدٍ من الشهب
يحن بلا قلب ويشفى بلا عنا ... ويبكي بلا ثكل ويهوى بلا قلب
فكذب بلا إثم وبأس بلا قوى ... وسكر بلا خمر وشغل بلا كسب
فمن كان يزري بانقريض فإننا ... رضينا من الدنيا بتعذيبه العذب
ومن كان يستحلي من الشعر كذبه ... فهذه حياة الشاعرين بلا كذب
بيروت - طانيوس عبده
стр. 6620
قوائم المكاتب العربية
انتبه الإنسان حينما بدأ يجمع الكتب منذ القديم إلى وضع قوائم أو فهارس أو برنامجات لتعريف الكتب بأسمائها وموضوعاتها وأسماء مؤلفيها ومختصر تراجمهم ووصفها وما يتعلق بذلك من الشؤون اللازمة لتميزها وتعريفها. ولقد وضعت الفهارس المشهورة في مجلدات كثيرة ضخمة الجوانح الطبيعية فنالها ما نال غيرها من الكتب من السبي والنهب والحرق والإغراق في المياه والتمزيق ونحو ذلك ففقدت تلك الفهارس أو القوائم وفقد معها تعريف المكاتب ومحتوياتها مثل مكاتب العجم والعرب في العراق والشام ومكاتب مصر والمغرب والأندلس فاحتجنا إلى الطواف في البلدان والتقصي في البحث لنقف على شيء منها وهي أعز من الكبريت الأحمر لكن المطابع أظهرت لنا بعضها ومن أقدم القوائم ما وضع يمكاتب العباسيين في زمن الرشيد وولده المأمون كما يستفاد من كتاب (الفهرست) لابن النديم إذ أنه أعتمد على مثل هذه القوائم في وضع كتابه وهكذا نشأ فن وصف المؤلفات والمؤلفين بحسب كلف الأدباء بالمطالعة واقتناء الخزائن ومن أهم هذه المؤلفات في وصف الكتب ما وضع قبل عصر النهضة الحديثة وهو:
١ فهرست ابن النديم وهو المتوفى سنة ٢٣٥هـ (٨٤٩م) ويعرف بقمطر الكتب ولا تزال نسخه الكاملة نادرة حتى أن نصفه في مكتبة فينا (النمسا) والنصف الثاني في مكتبة الأمة في باريس (فرنسا) والظاهر أنه أول كتاب من نوعه أفرد لوصف الكتب وهو مجموع قوائم المكاتب التي عرفت في أيامه والكتب التي كانت موفودة لذلك العهد. وقلما نجد له ذكراً في الكتب التي بين أيدينا لقلة نسخه
٢ فهرست ابن النديم لمؤلفه أبي الفرج محمد بن اسحق بن يعقوب النديم البغدادي الورّاق المتوفى نحو سنة ٣٨٥هـ (٩٩٥م) وقد بدأ بطبعه المستشرق الشهير فوسطاف فنرغل المتوفى سنة ١٨٧٠م مع ملاحظات وتحقيقات فأعجلته المنية عن إتمامه فأنجزه بعده هرمان رودريغر وأوغست ملّو فطبع الكتاب سنة ١٨٧٠م بالعربية في مدينة ليبسيك في ٣٦٠ صفحة بقطع نصف كبير والحق به جزء ضخم في ٢٧٩ صفحة ضمن التفاسير والتعاليق والاستدراكات بالعربية والنمسوية مختوماً بفهارس للإعلام طبع سنة ١٨٧٢م وقد استدرك أحد المستشرقين على هذه الطبعة أول المقالة الخامسة صفحة ١٧٢ فنشرها في مجلة ألمانية سنة ١٨٨٩م وهذا الفهرست هو من أهم وأقدم القوائم التي تعرف الكتب
следующие страницы →