Полный текст (6 802 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.
стр. 6756
أدواة الجماعات والإلحاد والدين
غراء أرضك أصبحت حمراء ... ما بال أرضك لا تمج دماء
أأصابها داء الخمار فخيلت ... لشفائه ماء الطلى صهباء
أم مسها كلب فأعضل دواءه ... ورأت له فيض النجيع شفاء
ورأت سماءك تسطال فصيرت ... سبباً لنيل سمائك الأشلاء
أم غراها مدنية قد نافست ... أبناءها بغرورها الجوزاء
فاستبدلت بالأسودين الأرجوا ... ن وباخضرار حلة حمراء
نزلت سويداء القلوب فلم تدع ... للقوم الأ القطة السوداء
ولكم لها يد سوداء لم ... تترك لها صنائعها يداً بيضاء
وما انبتت أن أرض تقل ال ... قوم إلا الظلم والهيجاء
وإذا سماهم أمطرتهم سحبها ... مطرتهم الأسواء والبأساء
ملأت فنونهم البلاد وإنما ... كانت فنونهم ردى وفناء
أغرى العداوة بينهم حدٌ به ... كم أصبحوا يستقبلون شقاء
وأضلهم طرق الهدى طمع به ... خاضوا لداعية الردى داماء
عدوا فخاراً ميتة تحت الظبي ... والحتف في ظل الرماح علاء
* * * *
قد خالفوا الأديان والديان لم ... احلفوا الأوهام والأهواء
زعموا التدين للعقول ضلالة ... وبزعمهم ملؤوا الوجود هراء
أتراهم جهلاً عزو ما قد عزو ... للدين ما قد كان منه براء
فاستبدلوا بالجهل علمهم بما ... فيه وما كانوا به جهلاء
ما الدين إلا وازع يزع العقو ... ل عن الضلال ويصدع الظلماء
ما كان قط يريد ظلماً للورى ... كلا ولن يرضى لهم إغواء
ركبوا الضلالة متن عمياء وما ... بلغوا بها الأعمى وعماء
ولو أنهم سلكوا طريق الدين ما ... تخذوا النزاع طريقة عرجاء
* * * * * * *
قل للأولى زعموا بأنهم غدوا ... في كشف كل حقيقة علماء
стр. 6757
أظننتم ألحادكم في الدين يد ... فع عنكم الآلام والبرحاء
أم خلتم استكمال أنفسكم به ... وبغيره لن تدركوا الأشياء
فتخذتم عن من تجلى لطفه ... في الكائنات الصدفة العمياء
وعزوتم سنناً لها ونبستم ... حكماً يحير دركها الحكماء
* * * * * * *
هل جامد يهب الحياة وأعجم ... يهب البيان وينطق العجماء
أم هل رأيتم محدثاً مستغنياً ... عن محدث قد شاء ما لا شاء
أرأيتم يوماً بناء قائماً ... في نفسه قد أعجز البناء
خسأت أناس كم رأت من مبدع ... ملاء العيون مهابة ورواء
كم سافرت منها لدرك حماله ... ألبابها فتراجعت إعياء
كم شاهد منه على قد أقا ... م على بوارع صنعه شهداء
وترى الها وهمها وضلالها ... رباً وتعبد صدفة صماء
عرفته في ألبابها ولئن تكن ... جحدت بألسنها له الآلاء
وتراه في الضراء أن عنه اغتدت ... عمياء يوم تصافح السراء
ومن العجائب أن تحول حبه ... أوهاماً وضلالها بغضاة
حثت عزائمها على الإلحاد في ... أسمائه فتبددت أنضاة
ما زادها إنكارها وجحودها ... لالاهها إلا به أغراء
إن أنكرت أسماءه ما أنكرت ... آثاره وصفاته الغراة
ناءت بثقل جحودها ولوان هـ ... ذا الكون حمل بعض ذاك لتاء
* * * * * * *
ونتيجة الإلحاد أهوال بها ... رزح الزمان وأهد إعياء
بلغ الزبى سيلٌ له ما أنفك في ... وكاف كل رزية أتاء
هو رائد الفوضى التي كم قد شكى ... منها الزمان وأهله وأدراء
ألدين أم ألحاد قوم بالذي ... ذرأ الورى ترك الورى أعداء
هل قوّم الأخلاق غير الدين بل ... من غيره قد هذب الآراء
стр. 6758
لو عانق الدين الصحيح الناس عا ... شوا كلهم في دهرهم سعداء
* * * * * * * * *
كم مهرق ما كان فيه مرقمي ... والنفس إلا الدجن والوجناء
لولا الذي قد خط حرفي في صحي ... فته اغتدى عمر المدى ملساء
أرعى النجوم مملقة وأحيل في ... هذا السواد خواطري البيضاء
لا أشتكي من اللعوب ولا أذ ... م العيس والظلماء والبيداء
لا أشتهي عذب القيان بمسمعي ... دو يردد جوه الأصداء
أهوى القفار مع السكون ولا أر ... ى العمران يملأ مسمعي ضوضاء
* * * * * * * *
ضل الأولى حسبوا السعادة (سلطة) ... سام القوي أذى بها الضعفاء
أو أنها (حرية) فيها أغتدوا ... من قيد كل شريعة طلقاء
أو أنها (مالٌ) يجمعه أمره ... يستام به التيه والخيلاء
وطوراً يفرقه بلذته وآ ... ونة به يستعطف الأمراء
أو أنها (شعر) به الشعراء تن ... تجع الغنى وتصانع العظماء
أو أنها قلم توشي طرسها ا ... لكتاب فيه فتبدع الأيشاء
أو أنها (علم) به يتلمس ا ... لعلماء جاهاًً زائلاً وثراء
أو أنها (حرب) يروح مغامراً ... فيها الشجاع يناجز الأكفاء
وطلابها من غير طرق الدين لا ... يغني عقول الطالبين غناء
وإذا الفتى لم يغتدي في راحة ... من لبه قطع الحياة شقاء
لا العلم يطفي منه غلة ناهل ... إن لم يطأ للدين فيه سواء
وإذا اغتدى في صحة من دينه ... وجد السعادة والشقاء سواء
وإذا أصيب معضل من دائه ... لم يلف إلا الدين فيه دواء
* * * * * * *
قل للأولى جهلوا الحقائق إذا أبوا ... أن يغتدوا لآلههم حنفاء
أخفى الجحود عليهم أنباءهم ... في حيث منه تحسوا الأنباء
стр. 6759
إن قربوا النائي فبين ضلوعهم ... سرٌ غدوا عن دركه بعداء
من كان يجهل نفسه والآهه ... هيهات يدرك لبه الأشياء
فليرجعوا لعقولهم ولينصتوا ... لندائها أن يملكوا أصغاء
ولهم قوالب غير أن قلوبهم ... رقت فكادت أن تكون هواء
نبذوا تعاليم الشرائع جانباً ... جهلاً وما كانوا بها عرفاء
وعنوا بوضع قواعد حسبوا بها ... ترقى جماعات الورى الطياء
أرأيت يشبه وضع محدود نهىً ... أوضاع من لا يشبه الأحياء
وضعٌ تقلبه السياسية كيفما ... تهوى ويمليه الهوى إملاء
لا يستبين السائرين منارة ... منه ولا يستوضحون ضياء
وضع به أضحى الأنام جميعهم ... متهافتين على الفنا خصماء
كم قوموا سمراً وبيضاً أرهفوا ... لردى وشنوا غارة شعواء
وتسربلوا بسوابغ مسرودة ... خاضوا بها لحتوفهم جأواه
وكأنما قد حاولوا أن يبتنوا ... فوق البسيط من الهباء سماء
تخدراً لها بدلاً عن الشهب القنا ... وعن النيازك أسهماً وسراء
ومن المدافع رعدها ومن الصوا ... رم برقها والديمة الوطفاء
النبطية
سليمان ظاهر
стр. 6760
الأرواح والمشعوذون
كل رأي لأم تقم عليه الأدلة العلمية لإثباته هو باطل لا يجوز تصديقه وقبوله ولكن ما لا تستطيع البراهين الفنية نقضه وتزييفه جدير بالقبول وإن كلن بعيد الحصول وكثيراً ما تكون العقول قاصرة عن أثبات بطلان الآراء الجديدة فتضطر إلى تصديقها بسائق العجز والتقصير مثال ذلك ناموس الجاذبية الذي قال به الفيلسوف أسحق نيوتن مستنداً على سقوط تفاحة من شجرة على ضفة أحد الأنهار فتضاربت العقول في باديء الأمر لأن الطباع تحرص على قديمها المألوف فلا تقبل الجديد إلا بعد جدال وعراك في ميدان البحث والتنقيب وقد قرأت في كتاب مخطوط من خزانة الديرالكرملي في بغداد أن مسألة طيران العباس بن فرناس من علماء الأندلس قد أثارت عليه العامة والخاصة ولعنته لعناً بليغاً لأنه أراد أن يتشبه بفرعون في الوصول إلى السماء فصنع له ريشاً كسا به جلده وحاول الطيران ولكنه سقط بأمر الرب لأنه لا يريد أن يعطي البشر ما أعطاه للملائكة والأنبياء ثم مضت العصور وتداولت الدهور والعلماء بين مصدق ومكذب حتى البشر وألفناهم يزاحمون الأسماك بغواصاتهم في البحار وينافسون الطيور في السماء بطياراتهم وهيهات أن تصل الطيور إلى الارتفاع الذي تصل إليه الطيارات المتقنة لأن أجنحتها تكل بعد طيران قليل فتضطر إلى النزول بعكس المناطيد أو الطيارات فهي تبقى محلقة في الجو ما دامت مراد البخار متوفرة في مخازنها قام غاليله قبل بضعة عصور قائلاً بكروية الأرض ودورانها ووقوف جرم الشمس مستنداً على الحقائق العلمية التي أدخلها العرب إلى إيطاليا وأسبانيا وجنوبي فرنسا فلم يرق رأيه لعقول هاتيك الأزمنة القاصرة فقتله حرقاً أو صلباً ومثلوا به تمثيلاً شنيعاً على رواية بعضهم وكذلك أحرقوا جثة دانتي الشاعر الإيطالي بعد زمن طويل من وفاته لأنه قال ما لا ينطبق على مصلحة الرهبان والأكليروس وباح بعض الحقائق العلمية التي لا يتنازع فيها اثنان ولا يتناطح فيها عنزان وهكذا كان شأن العلماء والفلاسفة في الشرق أيضاً قبل أن ينضج العلم وتختمر به العقول والأدمغة ولنا في حياة ابن خلدون وابن رشد والفارابي والرازي وابن سينا وابن باجه وغيرهم من أساطين العلم وأقطاب الفلسفة أمثلة صادقة على ما كان يعترض الباحثين في تقرير آرائهم ونشر مبادئهم.
إن الاعتقاد بارتقاء العقل البشري يوماً فيوماً وأنه يسير على ناموس النشر والارتقاء
стр. 6761
يحملنا قسراً على تصديق كل ما لا يقبله العقل في هذه الأزمنة لأن ما يكذب اليوم قد يصدق غداً وما لا يتحقق في هذا العصور المقبلة فلو قيل لا سلافنا أن الإنسان في القرن العشرين يقطع المسافة بين الأستانة وبرلين وباريز في يومين أو ثلاثة أيام على الأكثر وأن سيأتي يوم تتحارب فيه الأمم فوق اليابسة وتحت البحر وفي الجو وأن الشعوب تتخاير في لحظة من الزمن بالبرق اللاسلكي لقالوا أن هذا الأمر من رابع المستحيلات وبعيد الوقوع لأن عقولهم لم تكن على درجة من الكمال والقوة كما هي عقول المعاصرين المشهورة بالإبداع والاختراع وهذه الحقيقة تثبت أننا اليوم عاجزون عن أدراك ما سيأتي به العلم من العجائب والغرائب فإن الفن الذي قرب البعيد وأدنى الشاسع ورفع العقل البشري إلى هذا المستوى الراقي فزاحم الطيور والأسماك لهو هو الذي يمهد السبيل لكثير من الغرائب التي لا نصدقها ونحمل القائل بها على الشعوذة والتمويه إن ما نسميه اليوم بالشعوذة كاستنطاق الأرواح وأخذ أخبار المستقبل عنها والأنباء بالوقائع قبل حدوثها وكالناظرين في الأجسام الشفافة من المرايا وطاس المياه وقلوب الحيوان وأكبادها وعظامها واستخراج المجهول والسرقات بالتنويم المغناطيسي \ وقلب الماء إلى تراب والتراب إلى ماء واستخراج المسكوكات الذهبية والفضية من الحجارة أو من الورق - قد يكون صحيحاً ويثبته العلم غداً بعد أن تعمل العقول فيه معملها وكثير من هذه الأعمال يثبت العقل بطلانه وكذبه منها مسألة قلب الحجر إلى سكة ذهبية أو غيرها لأنه لو صحت هذه الأعمال لكان العامل بها من أغنى البشر ولما كان في فقر مدقع ولكن الأنباء بحوادث المستقبل واستنطاق الأرواح هي محل النظر والإمعان فقد رأيت قبل ثلاثة أعوام عجوراً شمطاء تأوى إلى مسجد الكيلاني في بغداد يقصدها الناس إلى استخراج السرقات التي تعجز الشرطة عن معرفة أبطالها فهي تنبئهم بأسمائهم واحداً واحداً وتخبر عن أمكنة الأشياء المسروقة كأنها ربة الدار وصاحبة المخزن ولو سألت صاحبها عن مفرداتها لما أستطاع أن يخبرك عنها كما هي تخبر وتقول ولولا أن العجوز زاهدة ومشهورة بالتقوى والصلاح لقلنا أن لها صلات مع السراق ولهم نوادر كثيرة من هذا القبيل تدل على كهانتها وعرافتها وأن لها بصراً نافذاً ونظراً ناقداً ومن هذا القبيل ما ورد من الحكايات والروايات عن شق وسطيح الكاهنين وكانا أنبأ في تأويل رؤيا ربيعة بن مضر عن ملك الحبشة لليمن.
стр. 6762
وظهور النبوة المحمدية في قريش ورؤيا الموبذان التي فسرها سطيح بالنبوة وخراب فارس وكان للعرب اعتقاد بالعرافة فوردت في أشعارهم كثيراً وقد قال أحدهم:
جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف نجد أن هما شفياني
فقالا شفاك الله والله ما لنا ... بما حملت منك الضلوع يدان
ومن هذا القبيل شفاء المرض والطلاسم والعزائم والاستحمام بالمياه المقدسة والتبرك بالأحجار والأستار وهذا أمر شائع لدى جميع الأمم ففي فرنسا يغتسل المرضى بمياه القديسة ويعتقدون أنها تشفي من الأسقام المعضلة وفي بغداد بئر ينسبون إليه القدسية قريبة من مرقد الجنيد الصوفي فإذا المرأة وانقطعت عنها الولادة ذهبت يوم الأربعاء أو يوم الاثنين فتغتسل بماء البئر فتحمل ليومها وإذا أعضل المرض على بعضهم ذهب ليلة الأربعاء وقام بين صخور مقدسة في ضريح الجنيد فيخرج صباحاً وهو على جانب عظيم من النشاط وربما أتاه الجنيد ليلاً وباركه ومسح بدنه بيده الكريمة وحينئذ تقام النذور وتتوزع الصدقات وقد عللت أحدى مجلات مصر العلمية ذلك بأن للاعتقاد تأثيراً كبيراً في الشفاء وأطلقت عليه الشفاء بلا درا لأنه متى أعتقد الليل بأن هذا المرض يزول بالتبرك والاغتسال أو الطلاسم والعزائم يكن شافياُ معافى إذ أن أكثر الأمراض منشأوها الأوهام وقد يكون الإنسان سليماً صحيح البدن فيتوهم أنه مريض ويظل في هذا الوهم إلى أن يعتقد بزوال علته.
يمكن القول بانطباق هذا التعليل على العقل والمنطق ففيه مسحة علمية وطلاء عقلي غير أن الأذهان تقف حائرة تجاه بعض الوقائع التي يؤاها النقد بعينه فيبقى بين التصديق والتكذيب مثال ذلك اتصال الأرواح ببعض البشر ومكالمتها إياهم بالإشارات وكالأنباء بالغيب على أثر حدوث انفعال في النفس أو تبدل فجائي فينتقل فيه المرء من عالم إلى عالم آخر تنويم السراق والمجرمين وحملهم على البوح بالأسرار إلى غير ذلك م الأمور الغريبة التي الفكر عن نقضها وتزييفها ربما عرضت هذه الوقائع لكثير من الناس في حياتهم وقد عرض لي حادث من هذا القبيل فقد كنت في إحدى مدن العراق فبل بضعة أعوام أتناول الطعام على مائدة أحد الأعيان فشعرت أثناء الأكل باضطراب عظيم انتقلت به من عالم إلى آخر فخيل لي أن أحد أركان العائلة أجريت له عملية جراحية فمات على
стр. 6763
أثرها وبعد ما أفقت من الإغماء دونت هذه الحادثة في دفتر ورجعت إلى بغداد فرأيت أن الحادثة وقعت في اليوم الذي شعرت فيه وقوعها وقبل خمسة سنين كانت لي شقيقة ابتلت في عفوان شبابها بمرض عضال كنت أراقب أدواره وأخبر الطبيب عما يعرض لها ثم حملني القلق على جمع فريق من الأطباء لفحص مرضها فاجتمعوا مساء وقرروا ابتلاءها بالسل وأنه يستحيل شفاؤها وقد تطول حياتها على نحو شهرين فخرجت وخرج الأطباء من الدار وجلست مع أحد الأصدقاء في بيت آخر فأصابني اضطراب كالاضطراب في الحادثة الأولى وتخيلت موتها وقد عزلني الصديق على هذه الأوهام بعد أن قال الأطباء ببعد أجلها على ما يعرفون من سير السل ولكن ما كانت تمضي بضع دقائق إلا وأتانا الناعي بمعناها ولما سألت عالماً من علماء مصر الذين اشتغلوا بالفلسفة والطب ثلث عصر أجاب بأنه لا يصدق بوقوع الحادثة الأولى وطلب أن أرسل له المفكرة التي دونت فيها الوقعة وأسماء الشهود الذين حضروه وأما الوقعة الثانية فقال عنها أنها من الأمور الطبيعية وأن الإنسان قد يمرض مائة مرة في عمره وفي كل واحدة يعتقد أقاربه بأنها القاضية على حياته مع أن الإنسان لا يموت إلا مرة واحدة وقد بحث غير واحد من المتقدمين في هذه المسائل منهم العلامة ابن خلدون فعقد فصلاً وافياً عب الكهانة والعرافة والأخبار بالغيب وما أشبه: فقال ١ - الكهانة من خواص النفس الإنسانية وذلك أن لها استعداداً للانسلاخ من البشرية إلى الروحانية وأن يحصل من ذلك لمحة للبشر في صنف الأنبياء بما فطروا عليه وتقرر أنه يحصل لهم من غير اكتساب ولا استعانة بشيء من المدارك ولا من التصورات ولا من الأفعال البدنية كلاماً أو حركة ولا بأمر من الأمور وإنما هو انسلاخ من البشرية إلى الملكية بالفطرة في لحظة قرب من لمح البصر وإذا كان كذلك وكان ذلك الاستعداد موجوداً في الطبيعة البشرية فيعطي التقسيم العقلي أن هنا صنفاً آخر من البشر ناقصاً عن رتبة الصنف الأول نقصان الضد عن ضده الكامل لأن عدم الاستعانة في ذلك الإدراك ضد الاستعانة فيه وشتان ما بينهما فإذا أعطى تقسيم الوجود إلى هنا صنفاً آخر من البشر مفطوراً على أن تتحرك قوته العقلية حركتها الفكرية بالإرادة عندما يبعثها النزاع لذلك هي ناقصة عنه بالجبلة فيكون لها بالجبلة عندما يعوقها العجز عن ذلك تتشبث بأمور جزئية محسوسة أو متخيلة كالأجسام الشفافة وعظام الحيوانات وسجع الكهان وما سنح من طير أو
стр. 6764
حيوان فيستديم ذلك الإحساس أو التخيل مستعيناً به في ذلك الانسلاخ الذي يقصده ويكون كالمشيع له وهذه القوة التي فيهم مبدأ لذلك الإدراك هي الكهانة ولكون هذه النفوس مفطورة على النقص والقصور من الكمال كان إدراكها في الجزئيات أكثر من الكليات ولذلك تكون المخيلة فيهم في غاية ١١ ولأنها آلة الجزئيات فتنفذ فيهم نفوذاً تاماً في نوم أو يقظة وتكون عندها حاضرة ١١ تحضرها لمخيلة ونكون لها كالمرآة تنظر فيها الصنف الذي يستعين بالكلام الذي فيه السجع والموازنة ليشتغل به عن الحواس ويقوى بعض على ذلك الاتصال الناقص فيهجس في قلبه عن تلك الحركة والذي يشيعها من ذلك الأجنبي ما يقذفه على لسانه فربما صدق ووافق الحق وربما كذب لأنه يتمم نقصه بأمر أجنبي عن ذاته المدركة ومباين لها غير ملائم فيعرض له الصدق والكذب جميعاً ولا يكون موثوقاً به وربما يفزع إلى الظنون والتخمينات حرصاً على الظفر بالإدراك بزعمه وتمويهاً على السائلين ثم أنتقل للكلام عن الناظرين في الأجسام الشفافة من المرايا وطساس المياه وقلوب الحيوان وأكبادها وعظامها وأهل الطرق بالحصى والنوى فقال أن كل هؤلاء من قبيل الكهان إلا أنهم أضعف رتبة منهم في أصل خلقهم لأن الكاهن لا يحتاج في رفع حجاب الحس إلى كثير معاناة وهؤلاء يعانونه بانحصار المدارك الحسية كلها في نوع واحد منها وأشرفها البصر فكيف على المرئي البسيط حتى يبدو له مدركه الذي يخبره عنه وربما يظن أن مشاهدة هؤلاء لما يرونه هو في سطح المرآة ليس كذلك بل لا يزالون ينظرون في سطح المرآة إلى أن يغيب عن البصر فيبدو فيما بينهم وبين سطح المرآة حجاب كأنه غمام يتمثل فيه صور هي مدار كهم فيشيرون إليهم بالمقصود لما يتوجهون إلى معرفته من نفي أو أثبات فيخبرون بذلك على نحو ما أدركوه وأما المرآة وما يدرك فيها من الصور فلا يدركونه في تلك الحال وإنما ينشأ لهم هذا النوع من الإدراك وهو نفساني ليس من أدراك البصر بل يتشكل به المدرك النفساني المحس كما هو معروف ومثل ذلك ما يعرض للناظرين في قلوب الحيوانات وللناظرين في الماء والطساس وأمثال ذلك وقد شاهدنا من هؤلاء من يشغل الحس بالبخور فقط ثم بالعزائم للاستعداد ثم يخبركما أدرك ويزعمون أنهم يرون الصور متشخصة في الهواء تحكي لهم أحوال ما يتوجهون إلى إدراكه بالمثال والإشارة.
وأما الزجر فهو ما يحدث من بعض الناس من التكلم بالغيب عند سنوح طائر أو حيوان
стр. 6765
والفكر فيه بعد مغيبه وهي قوة النفس تبعث على الحرص والفكر فيما زجر فيه من مرئي أو مسموع وتكون قوته المخيلة كما قدمناه قوية فيبعثها في البحث مستعيناً فيؤديه إلى أدراك كما تفعله القوة لمخيلة في اليوم وعند ركود الحواس تتوسط بين المحسوس المرئي في يقظته ومع عقلته فيكون ١١ الرؤيا وأما المجانين الذين يخبرون بالغيب فنفوسهم الناطقة ضعيفة التعلق بالبدن لفساد غالباً وضعف الروح الحيواني منها فتكون نفسه غير مستغرقة بالحواس ولا فيها بما شغلها في نفسها من ألم النقص ومرضه وربما يزاحمها على التعلق به روحانية أخرى أو شيطانية تتشبث به وتضعف هذه عن ممانعتها فيكون عنه التخبط فإذا أصابه ذلك التخبط إما لفساد في مزاجه من فساد في ذاتها أو لمزاحمة من النفوس الشيطانية في تعلقه غاب عن جسمه جملة فأدرك لمحة من عالم نفسه وأنطبع فيها بعض الصور وحرفها الخيال وربما نطق على لسانه بتلك الحال من غير أرادة النطق وأدراك هؤلاء كلهم مشوب فيه الحق والباطل لأنه لا يحصل له الاتصال وان فقدوا الحس إلا بعد الاستعانة بالتصورات الأجنبية ومن ذلك يجيء الكذب في هذه المدارك اه.
والظاهر من قول ابن خلدون أن للنفس عقلين ظاهر وهو الذي يقودنا في حياتنا وباطن وهو الذي يظهر بركود الظاهر فينتقل المرء من عالم إلى آخر وتتنبه فيه القوى الكامنة ومن ذلك الخطيب الذي لا يستطيع القول إلا بعد شرب المسكرات التي تنير دفائن الدماغ ومخزوناته والكاتب الذي لا يملي كلمة إلا بعد تناول التبغ وغيرهم كثير وقد رأيت في الموصل شاباً أعمى ومعتوهاً إلا انه بارع في علم الحساب بصورة عقلية فإذا قلت له وقعت حادثة في السابعة والعشرين من شهر أكتوبر سنة ١٤٥٠ميلادية مثلاً فمادا يكون أسم ذلك اليوم وماذا يكون إزاءه من الشهر العربي فيجيب على الفور أنه يكون اليوم الفلاني في العدد الفلاني من الشهر العربي ويسميه أيضاً ويسمي السنة التي هو فيها وكذلك رأيت مكفوفاً آخر من الموصليين في بغداد وكان غاب عنها نحو عشرين عاماً يمسك يد معارفه وهم سكوت فيقول بأسمائهم ولم يكن عرفهم قبلاً وهذا من البراهين التي تثبت خفاء العقل الظاهر وظهور الباطن فهم بحيث تتمثل لهم حوادث الأيام الماضية من لفائف أدمغتهم كما تتمثل الحوادث على لفائف الصور المتحركة فيعرفون أصدقاءهم الذين فارقوهم منذ القديم بلمس أيديهم أو رؤؤسهم أو مسك أكتافهم.
стр. 6766
وصفوة القول أن أعمال المشعوذين والمعتوهين وطلاسم المشايخ وعزائمهم والتبرك بالأحجار والولادة بالاغتسال من الآبار والأنهار وذهاب المرض بالأدعية والأحجية بعد ما يعجز الطب عن شفائه والأنباء بالغيب واستخراج السرقات والنظر إلى المرايا أو في طساس المياه وقلب الحجارة إلى المسكوكات ذهبية وفضية واستنطاق الأرواح بالإشارات والتنويم المغناطيسي وما أشبه هو فرع من فروع علم النفس الذي أثبت لنا البحث بعضه ورفعه إلى الحقائق العلمية كالتنويم وسيثبت لنا اليوم بعض ما رآه اليوم غريباً ما دام العلم يخرق حجب الأسرار وينفذ إلى أعماق الكائنات وسنظل مثابرين على تحكيم العقل والمنطق في هذه المسائل العويصة إلى أن تتقلب إلى حقائق يصدقها العقول وما أخطأ من يحكم عقله في ما يعرض له الحوادث والوقائع والأسرار والأفكار.
جاءت أحاديث إن صحت فإن لها ... شأناً ولكن فيها ضعف أساد
فشاور العقل وأترك غيره هدراً ... فالعقل خير مشير ضمه البادي
إبراهيم حلمي العمر
стр. 6767
المكتبة الزراعية
وكتاب الفلاحة
في قرية زمارين التي تبعد عن حيفا زهاء ثلاثين كيلو متراً مكتبة غنية جمعت كل ما عرف إلى الآن من المصنفات الزراعية على مختلف اللغات وقد أتيح لنا زيارتها ربيع هذه السنة فأردنا أن نطلع من يريد الاطلاع على ما هنالك وأن نصف لهم كتاباً عربياً من أجود وأمتع ما كتب في الزراعة فنبدأ بوصف القرية ثم المكتبة ثم الكتاب القريةزمارين أو ذكرون يعقوب على ما يسميها سكانها بليدة صغيرة أستوطنها وتملكها مهاجرة الإسرائيليين القادمين من رومانيا سنة ١٨٨٢ ميلادية وقد ضاقوا ذرعاً من الأنفاق على أعمارها وإصلاح تربتها قبلاً فاستنجدوا بسراة قومهم فانجدهم البارون يعقوب روتشيلد الذي نسبوهم إليه كما مر بك وأمدهم بالأموال الطائلة حتى أثروا وتنعموا وأخيراً سلمها إلى جمعية الأيكا أحدى جمعيات الاستعمار الإسرائيلي التي تعمل على أسكان الإسرائيليين في فلسطين وفي أميركا وغيرها من البلدان وهي تحوي اليوم ١٥٠ بيتاً وفيها من السكان ما يزيد عن ٨٠٠ نسمة وواقعة على ذروة جبل يطل على البحر المتوسط وعلى ما حولها من السهول الخصبة والحراج الغضة وبالنظر لكونها في منتصف الطريق المؤدي إلى يافا فإن فيها نوعاً من الحركة التجارية وأهلها يعملون بالزراعة وفيها در للبريد والبرق وتجود فيها الكروم إلى حدان معملها الكبير يخرج مقداراً كبيراً من الخمر وغيرها من المشروبات الألكحولية ويصدرها إلى أوربا فوق ما يستهلك منها في فلسطين.
وفي هذه القرية من الجواد والشوارع ما لا تحده في المدن الكبرى ويأتي الماء إليها من بئر غزيرة في جنينة تسمى النزلة تسوقه قوة البخار إلى ما يعلو عن سطح البحر مائتي متر تقريباً ويتوزع على البيوت والسيلان من الخزان الذي يجتمع فيه وفيها فنادق تفي بالغرض وتعنى براحة المسافرين ويتخلل بيوتها القوراء الشمس والهواء النقي.
المكتبة
في أحدى جوانب هذه القرية تجد بناية فخمة بالنسبة إلى ما سواها وأول ما يقع نظرك عليه منها بهو غير واسع الأرجاء ولكنه يكفي لاجتماع مزارعي تلك القرية وفي وسط آلة تدور بصور الحبوب والثمار ليسهل على الخطيب الذي يخطب في موضوع الزراعة
стр. 6768
تعريف الحاضرين بأصناف الحبوب التي يدور عليها البحث.
وعلى جانبها الأيمن غرفة خاصة بمدير المكتبة وعمالها وخزانة فيها بضع مئات من الكتب الزراعية ومنها تنتقل إلى المكتبة الكبرى التي تضم تحت سقوفها زهاء عشرين ألف مجلد كلها تبحث في الزراعة وما يليها وأغلب الكتب فيها باللغة الإنكليزية ثم الألمانية فالفرنساوية فالطليانية فالاسبانيولية وفيها نزر يسير من الكتب العربية والتركية. وترى خزانة خاصة بالمجلات الزراعية على اختلاف اللغات وبينها مجلة الأرض الباسيفيكية التي صدرت ولا تزال تصدر في سان فرانسيسكو ومن ٧كانون ثاني ١٨٧١ أي منذ ٤٦عاماً وقد علمنا من أمناء الكتب أن هذه المجلة لا يوجد منها سوى ثلاثة مجاميع تامة الأعداد أحدها في هذه المكتبة وقد أهديت لها من قبل حكومة الولايات المتحدة.
ويوجد غرفة خاصة للطب النباتي وجميع كتب هذه الغرفة تتعلق بالأمراض التي ١١ والشجر والنبات وفيها نماذج قد ترى بالعين المجردة ومنها لا يرى إلا بالمجهر وهو قائم في وسط الغرفة للذين يقصدونها للوقوف على أدواء أشجارهم وبقولهم والذي اكتشفوا على الآن من أمراض النبات يبلغ أربعين ألفاً وهناك دائرة خاصة بالكيمياء وفيها من الآلات والعقاقير ما تحلل به الأتربة والحجارة لمعرفة خواص الأرض. ودائرة التجليد وفيها مجلد خاص يشتغل طوال نهاره بتجليد الكتب والمجلات ويتعهد الكتب المجلدة حتى إذا أفسد الدهر شيئاً منها أصلحه.
ومن ألطف ما رأيناه غرفة خاصة بأنواع النبات والأزهار والرياحين التي توجد في سوريا وفلسطين وقد حفظت ضمن ملفات لها على شكلها الأصلي وحرر بأخر كل زهرة أو ورقة منها تاريخ العثور عليها وأي البلاد وجدت وفيها بعض الأعشاب الغريبة التي جيء بها من بلاد المغرب وقد أطلعت على فإذا هي قد وجدت بجوار طنجة من بلاد مراكش سنة ١٨٠٢ ومع ما مر عليها من السنين تراها كأنها قطعت حديثاً وأدرجت في ملفها ملصقة على ورقة ثخينة جداً وقد تأنقوا في ضبط أنواعها حتى بلغت معهم إلى الآن ثلاثين ألفاً من الأعشاب والأزهار وسواها مما تنبت الأرض من بقولها وهناك خزانة خاصة بالأتربة والحجارة وفيها بعض الأصداف والأسماك والأشجار المتحجرة.
ويوجد من الآلات مقاييس للحرارة والرطوبة والمطر وكل ما له علاقة بالزراعة وآلة لنقل
стр. 6769
الصوت حتى إذا أضطر مدير المكتبة لمبارحة عمله ليلاً وكان يصعب عليه مقابلة موظفيه أتى إلى المكتبة وتكلم ما شاء الله أن يتكلم فتأخذها الآلة وترسمها على الأسطوانة وهي أشبه بأسطوانات آلة نقل الصوت الفونوغرافوحينما يأتي كاتب المكتبة يفتح الآلة وينقل عبارة المدير بالحرف
الواحد ويبلغها إلى أصحاب العلاقة بعد أن يدونها بدفتره.
أما مؤسس هذه المكتبة الحافلة فهو هارون آينزرون من متخصصي الزراعة وهو من أهل القرية الذين نبغوا واخصوا في ما وقفوا أنفسهم عليه أسسها سنة ١٩١٣ بعض سراة الإسرائيليين في أميركا ويتبع هذه المكتبة حقل نموذجي بجوار قرية عثليث يعالجون فيه الأعشاب والنباتات البرية ليجعلوها صالحة للاستغلال
ففي المكتبة تجد ما يعوزك من النظريات العلمية وفي الحقل تلقن ما يفيدك من التطبيقات العلمية.
كتاب الفلاحة
للشيخ الفاضل أبي زكريا يحيى بن محمد بن أحمد بن العوام الأشبيلي عني بطبعه بعد ترجمته إلى الأسبانيولية الدون يوسف بن أنطونيوس الإنكليزي وقد نسخه من بين كتب خزانة المجمع العلميالأكاديميفي أسبانيا ومثله المطبع على عربي واسبانيولي فجاء في جزأين كبيرين بالقطع الكامل الأول ٦٩٨ صفحة والثاني ٧٥٦ ومما ذكره في مقدمته.
أعلم وفقنا الله وإياك أني قسمت هذا التأليف على خمسة وثلاثين باباً وضمنت الأبواب من هذا الفن أنواعاً تقف عليها أن شاء الله تعالى وبه أستعين وعليه أتوكل واعتمدت على ما تضمنه كتاب الشيخ الفقيه الأمام أبي عمر بن حجاج ﵀ المسمى بالمقنع وهو الذي ألفه سنة ست وستين وأربعمائة وهو مبني على آراء أجلة الفلاحين والمتكلمين نقل فيه نصوص أقوالهم وعزاها إليهم وعددهم ثلاثون رجلاً والمقدمون منهم يونيوس بارون لاقطيوس يوقنصوص طارطيوس بتدون بريعايوس ديماقراطيس الرومي كسينيوس طروراطيقوس لاون سود بورقسطوس عالم الروم سادهس سمانوس سراعوس انتوليوس شولون ميداغوس الأسباني نهاريس مرعوطيس مرسينال الطنيس انوت برورانطوس والمتأخرون في زمانهم منهم إسحاق بن سليمان ثابت بن قره بو حنيفة الدينوري وغيرهم
стр. 6770
ممن ام نسمه واعتمدت أيضاً مع ذلك على ما استحسنته مما تضمنته الكتب المذكورة بعد منها كتاب الفلاحة البطة تأليف توثامس وهو المبني على أقوال أجلة الحكماء غيرهم وذكر فيه أسماءهم وعددهم منهم آدم وسفريت وسيوشد وخنوخا وماس ودرتا وطامتري وغيرهم وربما اختصرت ذكر هذا الكتاب وأثبتت له علامة وهي (ط) وعلى كتاب الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن الفضال الأندلسي ﵀ وهو المبني على تجاربه وعلامته على وجه الاختصار (ص) وعلى كتاب الشيخ الحكيم أبي لاشبيلي ﵀ وهو مبني على آراء جماعة من الحكماء والفلاحين وعلى تجاربه وعلامته (خ) وكتاب الحاج الغرناطي وعلامته (غ) وكتاب ابن أبي جواد وكتاب غريب بن سعد وغيرهم ونقلت إلى هذا الكتاب أيضاً ما ١١ منسوباً إلى الحكماء المذكورين بعد هذا وهم ديمراط وعلامته (د) وجالينوس وعلامته (ج) وأنتريوس الأفريقي وعلامته (ف) والفرس وعلامتهم (ر) وعلامة قسطوس (ق) وعلامة أوسطاطانيس (ط ط) وعلامة اليوناني (م) وأخبر بعض العلماء في التاريخ أن اليوناني كان من الإسكندرية وزعموا أنه كان المعمرين وأنه عمر ٨٠٠ سنة وسقت أقوالهم على حسب ما وضعوا في كتبهم ولم تكلف أصلاح ألفاظهم وثقلت أيضاً أقوال المسلمين في هذه الجملة ولم عنهم بأن كتبت قيل كذا وقال غيره كذا طلباً للاختصار ولم أثبت فيه شيئاً من رأيي إلا ما جربته مراراً فصح وقسمت هذا التأليف على سفرين ضمنت الأول منهما معرفة أخبار لأرضين والزبزل والمياه وصفة العمل في الغراسة والتركيب وما يتصل بذلك مما هو في معناه ولا حق به وضمنت السفر الثاني الزراعة وما إليها وفلاحة الحيوان والله المستعان وهو حسبي ونعم الوكيل وقدمت في فلاحة لأرضين ما ثبته الشيخ الخطيب أبو عمر بن الحجاج ﵀ في كتابه من آراء القدماء المذكورين فيه وجعلته كالأصل لشهرتهم في العلوم ولم أقطع بأن ذلك يصح في بلادنا لبعد بلادهم عنها وتممت الغرض المقصود إليه بما نقلته من كتب الفلاحين الأندلسيين أو ما جربوه في ذلك وما وافق أقوالهم فيه آراء القدماء هو الذي يصح عندنا إن شاء الله تعالى وبه التوفيق.
الباب الأول: في معرفة الطيب من أنواع الأرض والوسط والدون منها بدلائل ذلك وشواهد وذكر طبائعها وتسمية ما يصلح أن يزرع أو يغرس في كل نوع منها وما يجوز فيه.
الباب الثاني: في ذكر الزبول وأنواعها وتدبيرها ومنافعها للأرض والشجر وسائر المنابت
стр. 6771
ووجه استعمالها وما يصلح منها بكل نوع من أنواع الأرض وبكل نوع من المغروسات والمزروعات فيها.
الباب الثالث: في ذكر أنواع المياه المستعملة في سقي الأشجار والخضر وما يرافق من أنواعه كل نوع من ذلك.
الباب الرابع: في اتخاذ البساتين وترتيب غراسة الأشجار فيها على أحسن وجه والاختبارات في ذلك.
الباب الخامس: في صفة العمل في اتخاذ الأشجار أنواع الثمار في البعل وعلى السقي وفيما لا يستغني غارسها عن معرفته.
الباب السادس: في صفة العمل في غراسة الأشجار المطعمة والابقال المدركة بالقول الجملي في ذلك.
الباب السابع: في تسمية الأشجار المعتاد غراستها في أكثر بلاد الأندلس وتقدير أنواعها ووصف بعضها وصف العمل في غراسة كل شجرة منها وذكر كل ما يصلح لكل نوع من أنواع الأرض ومن السقي وسائر التدبير على الإفراد.
الباب الثامن: في تركيب الأشجار المؤتلفة المتفقة بعضها في بعض ومعرفتها.
الباب التاسع: في صفة العمل في تقليم الأشجار ورقت ذلك وذكر ما يحمل ذلك منها وما لا يحتمله.
الباب العاشر: في كيفية العمل في عمارة الأرض المغترسة على حسب ما يصلح لها وبالأشجار المغترسة بها ووقت ذلك واختياره وذكر الصفة التي يصلح أن تكون عليها الأرض في وقت العمارة وتسمية الأشجار التي توقفها كثرة العمارة والتي لا توافقها أكثر منها.
الباب الحادي عشر: في صفة العمل بتزبيل الأرض والأشجار المغروسة وغير المغروسة وفي ما يوافق كل نوع منها من الزبول وعلاج الأرض المالحة وقدر الزبل ووقته وكيفية تزبيل الأشجار بحسب حالها وحسب حال الأرض التي هي مغروسة بها
١٢: في صفة العمل في سقي الأشجار والخضر بالماء ووقت ذلك وقدره وذكر الأشجار التي يصلحها السقي الكثير والأشجار التي لا تحتمله.
стр. 6772
١٣: في تذكير الأشجار الآتي ذكرها وهي الذكار والبكور والتين والخوخ والرمان وشجر المشتهى والكمثرى وحبّ الملوك وهو الراسية الخ.
١٤: في علاج الأشجار والخضر التي ذكرها من الأدواء والأمراض أن نزلت بها وذلك التفاح والأجاص والنارنج وخلافه.
١٥: فيه صلح مستظرفة تعمل في بعض الأشجار والخضرة من ذلك صفات في دس الطيب والحلاوة والترياق وكبوب الفاكهة الحلوة والأدوية المسهلة في الأشجار المطعمة وفي القضبان والبقل المغترسة ليؤدي ثمرها مطعم ذلك وفوحه وقوته وصفة عمل يصير به لون الورد أصفر ولازوردياً أيضاً وتدبير في الورد حتى يورد في غير أيامه وتدبير في التفاح حتى يثمر في غير أيامه إلى غير ذلك من الثمار.
١٦: في صفة العمل في اختزان الحبوب الغضة واليابسة.
١٧: وهو أول السفر الثاني م هذا التأليف في كيفية القليب ووقته ومنفعته وإصلاح الأرض بعد كلاهما.
١٨: فيما يريح الأرض ويصلحها من الحبوب القطاني
١٩: في معرفة وقت الزراعة وكيفية العمل فيها وصفة العمل في زراعة القمح والشعير الخ.
٢٠: في صفة العمل في زراعة الرز والذرة والدخن والعدس والجلباني وغيرها سقياً وبعلاً.
٢١: في صفة العمل في الزراعة القطاني سقياً وبعلاً مثل الفول والحمص.
٢٢: في زراعة الكتان والقنب والقطن وبصل الزعفران و. . . الخ
٢٣: في اتخاذ واختيار أرضها وكيفية العمل في زراعتها.
٢٤: في زراعة البقول ذات الأصول وشبيها وذلك السلجم والجزر والفجل والبصل الخ.
٢٥: في زراعة القثاء والبطيخ والدلاع الخ
٢٦: في زراعة النابت ذوات البزور المستعملة في الأطعمة وفي بعض الأدوية مثل الكمون والكورية والشونيز الخ
٢٧: في زراعة الأحباق والرياحين مثل ذلك الخيري والسوسن والنيلوفو والبهار الخ
стр. 6773
٢٨: في زراعة انواع من النبات تتخذ في الحنات وتصرف في وجوه مختلفة من ذلك الماميثا والقنارية والفيجن والكرفس والنيل والصقر الخ
٢٩: في تقدير الزراريع وفيه صفة يتعرف فيها ما ينتخب من البزور في ذلك العام بمشيئة الله.
٣٠: وهو باب جامع يتضمن اختيارات منها اختيار مواضع النبات ووقت قطع الخشب لذلك ولمعاصر الزيت وشبه ذلك وفيه تيبيس الشجر والنبات المضر بالأرض وكيفية تحصين الكروم والجنات بغير حائط وصفة الأعمال في انتقال الأعشاب والأشجار من البرية إلى البساتين وصفة المجرد الذي يعدل به الأرض ووصف أشجار ونبات يصرف ذكرها في هذا الكتاب في باب تركيب.
٣١: وهو أول في فلاحة الحيوان من ذلك اتخاذ البقر والضان والماعز ذكرانها وإناثها واختيار الجيد منها ومعرفة وقت أنزاء فحوله عليها ومدة حملها قدر أعمارها.
٣٢: في اتخاذ الخيل والبغال والحمير والإبل ذكرانها وإناثها الخ
٣٣: في علاج بعض علل الدواب وأدوائها بالأدوية الينة الموجودة وتعمل اليد بالحديد هنياً لا كلفة فيه ولا كثير مهنة قبل الترويج والتصدير الخ.
٣٤: في اقتناء الحيوان الطائر المتخذ في البيوت وفي البساتين والبقاع والجمال لعلها أحبال مثل الحمام الإوز البرك والطواويس والدجاج وسواه.
٣٥: في اقتناء الكلاب المباح اتخاذها للصيد والزرع والماشية ومعرفة جيدها وسياستها وعلاج أدوائها وذكر ما يصلح به أحوالها.
وجاء في آخره: استضر الله من الخطاء والزلل ولسأله المغفرة والرحمة والتوفيق لصالح النول والعمل لا رب غيره ولا معبود سواه وهو حسبي ونعم الوكيل.
وهنا نموذج صالح من ذلك الكتاب ننقله للقارئ الكريم ليعلم مبلغ اهتمام المؤلف وبعد في ما لأنتدب نفسه إليه ويرى السلاسة البادية على كتابه الممتع وكلامه المشع.
فصل. وأما العمل في غراسة شجر الخروب قال خ: هو أنواع منه الأندلسي وهو نوعان ذكر لا يثمر والآخر يثمر وثمره عريض إلى الطول ومنه الأملير ومنه ذنب الفارة ومنه الشامي وثمره قصير مدور ومنه الخيار شنبر والخروب جبلي ويتميز له من أنواع الأرض
стр. 6774
في السهل ما يشبه الأرض الجبلية وينجب في الأرض الكريمة السمينة وتغر نواميه معتلق بعروقها ومليسة في مواضعها حتى يصير لها عروق ثم ينقل ويغرس نواه في تراب جبلي مخلوط برمل وزبل قديم أثلاثاً ويغطى بذلك بقدر أصبعين ويسقى بالماء عدل وينقل بعد عامين في يناير وفي فبراير أيضاً ويغرس تفله في حفر عمقها نحو أربعة أشبار ويجعل بين تفلة منه وأخرى نحو عشرين ذراعاً والعمل في كله مثل ما تقدم ولا تنحب ملوخه ويركب في أنواعه ولا يركب من شيء من الأشجار سواها ولتركيبه عمل مختص به باب التركيب إن شاء الله تعالى والبق لا يقرب عود شجر الخروب.
وفي ط: قد تختار من حمل الخروب جربان يؤخذ وهو رطب أو يابس ويكسر صغاراً ويهشش ناعماً ويطحن مع حبه ويخلط معه شيء من دقيق شعير أو حنطة ويعجن دقيقة بخمير من دقيق فإذا اختمر اختمارا متوسطاً يعني بقي بقاء متوسطاً في المدة بعد عجينة فليخبز على الطابق ثم يؤكل بالدسم والأدهان والحلاوات قال ابن حزم الخروب قوت عند الضرورة.
فصل. أما صفة العمل في غراسة الزيتون وهو نوعان بري ينبت في الجبال ولا ينبت في شطوط الأنهار ولا حيث تصل عروته إلى الماء الكثير الدائم والنوع الأخر الأهلي وهو أكثر حباً من البري وأوفر دهناً.
ومن كتاب الحجاج ﵀ قال يونيوس الأرض التي تصلح لشجر الزيتون جداً هي الأرض الرقيقة ومن أجل ذلك صار شجر الزيتون يخصب في بلاد أطيفي في الترجمة الأسبانية أسطيفيلأن أرضهم أرض رقيقة وإذا غرس فيها يخصب أكثر من في غيرها قال ابن الحجاج يريد بذلك خصب الزيتون لاكثرة تنعم الأغصان قال يونيوس والأرض البيضاء أيضاً تصلح لغرس شجر الزيتون لا سيما إن كانت لينة رطبة فإن شجر الزيتون الذي يكون في مثل هذه الأرض يحمل ثمرة كبيرة لينة كثيرة الزيت والأرض السود لا سيما التي فيها حجارة صغار أو شيء كثير من الصخور إلى البياض والأرض الرملية إذا لم تكن مالحة تصلح لغرس الزيتون وأما الأرض العقيمة فينبغي أن يتجنب شجر الزيتون لأنها تربي شجر الرمان وتصير بها عظيمة وأما ثمرة الزيتون فإنها تكون قليلة الزيت كثيرة الماء يبطئ ويكون درديها أكثر من زيتها وكذلك الأرض اللزجة الكثيرة جداً فغنها
стр. 6775
لبردها ير موافقة لشجر الزيتون وذلك لأنها حارة أحمى في الصيف من غيرها وربما تشققت شقوقاً عظماً وتفتحت فتبردت في الشتاء.
وقال ديمقراطيس: يغرس الزيتون في الأرض البيضاء الجرداء الجافة غير الندية ولا ينبغي أن يغرس في الأرض الحمراء المتطامنة ولا في الأرض السخية وهي المالحة ولا في الأرض التي تبرد نعما في شدة البرد وتسخن في شدة الحر لا ١١ ريحها ولا في الأرض المشققة إلى أن يقول: وقد أجمع الفلاحون على أن الرياح توافقه فلذلك ينبغي أن يكون غرسه في الجبال والربى التي ليست تنزلها الثلوج كثيراً إلا أنه لا يهوى الجليد والهواء البارد ولا الحر المفرط ولكن حظه من الجو وافٍ. ومنه أيضاً أي يونيوس في السرجين: قال يونيوس: أن السرجين الموافق لشجر الزيتون هو بعر الماعز والغنم وسائر المواشي وسرجين الحمير والخيل وسائر الدواب وأما عذران الناس فغير موافق ولا ينبغي أن يلقي السرجين على الأصول بل بعيداً من الساق قليلاً ليختلط الأرض فيرسل الحرارة قليلاً قليلاً إلى الأصول قال وأما المهرة في بالفلاحة فإنهم يرون طرح التراب أولاً على الأصول ثم طرح السرجين ثم بعد
طرح التراب أيضاً على السرجين وينبغي أن يزبل في كل ثلاث سنين أو أربع لا سيما في وقت السقية والمواضع الرطبة ينبغي أن يعمل فيها من السرجين الأقل وفي السنين الكثيرة وأما المواضع التي لا يسرع فيها النبات والمواضع اليابسة فينبغي أن يستعمل فيها السرجين أكثر.
وذكر فصل في صورة غرس نوى الزيتون وفصلاً في كيفية إزالة المحروق من الزيتون وفصلاً في أنه لا يجوز نفض حب الزيتون في يوم مطير وإليك ختام قوله في هذا الفصل: ولا ينفض حب الزيتون في يوم مطير فإن ذلك يضر بشجره ووقت نفض ما غرس منه في الجبال شهر يناير ولا سيما الكثيرة الحمل منه وعلامة بلوغه النضج إذا أحمر الماء في داخل الحبة وينفض ما غرس منه في السهل ولاسيما في أرض الزرع إذا أحمر حبه ولا يترك حتى يسود ويتناهى نضجه وفي شهر يناير يتكامل الدهن في حب الزيتون الجبلي الصحيح منه الذي لم يلحقه موت ولا يبس وينفض في فبراير أني جربت ذلك فصح.
قال ابن حزم ﵀. الزيتون قوت عند الضرورة لا عند الرخاء اه.) وعلى ذكر الفلاح
стр. 6776
والنبت ننقل للقارئ الكريم تعريف هذين العلمين عن بعض الكتب التي عرفتهم فتذكر لهم الكتب التي عرفنا عن طبعها بهذين العلمين في القديم والحديث جاء في كتاب مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم للمولى أبي الخير عصام الدين أحمد بن مصطفى المعروف بطاش كبرى زاده المتوفى سنة٩٦٢وقد طبع هذا الكتاب في مطبعة دائرة المعارف النظامية بحيدر أباد الدكن بالهند ما يأتي:
علم الفلاحة
علم يتعرف منه كيفية تدبير النبات من أول نشره إلى منتهى كماله بإصلاح الأرض لما بالماء أو بما يخلخلها من كالسماد ونموه أو يحميها في أوقات البرد مع مراعاة الأهوية فيختلف باختلاف الأماكن ولذلك تختلف قوانين الفلاحة باختلاف الأقاليم ومنفعة الحبوب والثمار ونحوهما وهو ضروري للإنسان في معاشه ولذلك أشق أسمه من الفلاحة وهو ومن إيجاد بعض نتائجه في غير أوانه واستخراج بعض مباد هـ من غير أصله وتركيب الأشجار بعضها ببعض إلى غير ذلك ذكر أبو بكر بن وحشية في كتابه المسمى بالفلاحة عن النبط إن ما دار حول شجرة الخطمي وتطلع بالنظر إلى وردها وأدام ذلك فإنها تحدث فرحاً في النفس وتزيل عنه الهم والحزن اه وجاء في كتاب أبجد العلوم من جمع السيد الأمام أبي الطبيب صديق بن حسن بن علي الحسيني القنوجي البخاري من المتأخرين المطبوع في بهوبال بالهند على الحجر بعد نقل عبارة مفتاح السعادة إلى غاية من الفلاح وهو البقاء قال ابن خلدون:
هذه الصناعة من فروع الطبيعيات وهي النظر في النبات من حيث بالسقي والعلاج وتعهده بمثل ذلك وكان المتقدمين بها عناية كثيرة وكان النظر فيها عندهم عاماً في النبات من جهة غرسه وتنميته ومن جهة خواصه وروحانيته ومشاكلتها لروحانيات الكواكب والهياكل المستعمل ذلك كله في باب السحر فعظمت غايتهم به لأجل ذلك وترجم من كتب اليونانيين كتاب الفلاحة النبطية منسوبة لعلماء النبط مشتملة من ذلك على علم كبير ولما نظر أهل الملة فيما أشتمل عليه هذا الكتاب وكان باب السحر مسدوداً والنظر فيه محظوراً فاقتص وأمنه على الكلام في النبات من جهة غرسه وعلاجه وما يعرض له في ذلك واحذفوا الكلام في الفن الآخر منه جملة واختصر ابن العوام كتاب الفلاحة النبطية على هذا المنهاج وبقي
стр. 6777
الفن الآخر منه مغفلاً نقل منه مسلمة في كتبه السحرية من مسائله وكتب المتأخرين في الفلاحة كثيرة ولا يعدون فيها الكلام في الغراس العلاج وحفظ النبات من حوائجه وعوائقه وما يعرض في ذلك كله وهي موجودة انتهى الكلام.
ثم قفى على ذلك بقوله: قال في مدينة العلوم ومن لطائف علم الفلاحة اتخاذ بعض نتائجه إلى آخر العبارة التي جاءت في مفتاح السعادة. أما علم النبات فقد وصفه صاحب المفتاح بما يلي:
علم النبات
وهو علم يبحث فيه عن خواص أنواع النبات وعجائبها وأشغالها ومنافعها ومضارها وموضوعه نوع النبات وفائدته ومنفعته التداوي بها ولابن بيطار فيه تصنيف فائق ولا أجمع ولا أنفع من كتابما لا يسع الطبيب جهلهويوجد نبذ من خواصها في ضمن الكتب الطبية.
أما في أبجد العلوم فقد قيل عنه: علم النباتات. ذكره في كشف الظنون وقال في مدينة العلوم وهو علم يبحث فيه عن خواص نوع النباتات إلى أخر عبارة المفتاح.
وهذه أسماء الكتب والرسائل التي طبعت في علمي الفلاحة والنبات غير التي ذكرناها في مواضعها من مبحثنا هذا.
كتاب الفلاحة اليونانية: ترجمه إلى العربية قسطا بن لوقا الطبيب النصراني الفيلسوف الرياضي الرومي العلبكي نبغ سنة ٢٥٠ إلى سنة ٣١١هـ ويعرف بوضع ١١ من المعنى في قليل من الكلام وقد نقله عن ترجمة سريانية لسرجيوس بن الياس ١١ الرومي م رأس العين الذي نبغ في أيام القيصر يوستينيانس طبعت الترجمة العربية في القاهرة سنة ١٢٩٣هـ.
علم الملاحة في علم الفلاحة: لعبد الغني النابلسي طبع في دمشق ١٢٩٩ هـ وهو مفيد في بابه ويغلب عليه أنه مختصر عن كتاب الفلاحة الذي نحن بصدده.
لائحة الفلاح لتعليم الزراعة والنجاح طبعت في بولاق سنة ١٢٤٥وأيضاً سنة ١٢٥٨ هـ وهي في فن الزراعة ولم يذكر أوضعها.
قانون الزراعة: طبع في بولاق سنة ١٢٥٥ وأيضاً سنة ١٢٥٧ وهو في فن الزراعة على
стр. 6778
الطريقة التي قل أن توافق أغراض الزراعة وأحوالها في الأقاليم المصرية.
الآيات البينات في علم النباتات: لأحمد ندى طبعت ببولاق ١
علم النبات: عربه عن الفرنساوية حنا عنجوري من رجال القرن الثالث عشر طبع في بولاق١٢٥٧هـ.
كشف الأسرار النورانية القرآنية فيما خلق بالأجرام السماوية والأرض والحيوانات والنباتات والجواهر المعدنية: لمحمد بن أحمد لاسكدراني الطبيب نزيل دمشق فرغ من تبيضه سنة ١٢٩٠هـ وطبع في القاهرة في ج ٣ سنة١٢٩٧
منتخبات في فن الزراعة: ترجمه بشارة أبو عن اللغات الأورباوية وجعله على جزأين الأول في فن الزراعة مع بيان كيفية الأتربة والأجسام المعدنية والهواء والماء في تربية الحيوانات الداجنة ومداواتها إلى غير ذلك طبع في بيروت سنة ١٨٨٤ ويليه رسوم وصور وأشكال أزهار ونباتات سورية وفلسطين والقطر المصري: تأليف الدكتور بوست طبع في بيروت مع صور وأشكال عديدة سنة١٨٨٤.
مبادئ النبات: من كتاب النقش في الحجر للدكتور فانديك صاحب المؤلفات المعروفة طبع في بيروت.
مصنف في النبات طبع مصر أيلي رياض المتوفى في أوائل القرن الرابع عشر للهجرة.
النجاح للمزارع الفلاح لمحمود عطية طبع في مصر سنة ١٣٠٥ وهو في الزراعة وما يجب على الزراع فعله.
مختصر تركيب أعضاء النبات ووظائفها: طبع في مصر سنة ١٣٠٤هـ للطبيب المصري عثمان غالب باشا.
مصنف في ١١ لمتلفة الزراعة القطن المصري وكيفية ١١ مع وصف شجيرة القطن وذكر الطريقة الزراعية لعلي فهمي بالزقايق طبع في مصر سنة١٨٩٥.
الآيات البينات في مشابهة النباتات للحيوانات طبع مصر سنة ١٨٨٨م لمؤلفه محمود فوزي الحكيم.
اللآلي الدرية من النباتات القديمة المصرية لأحمد كمال المصري طبع على الحجر ببولاق سنة١٣٠٦.
стр. 6779
الصفوة الزراعية في الفلاحة المصرية: طبع في مصر ولعله يوجد غير هذه من الكتب المطبوعة لم تصل إلينا أسماؤها وفوق كل علم عليم.
حيفا
عبد الله المخلص
стр. 6780
جمهرة المغنين
تأثير الغناء
ما من أحد ينكر تأثير الغناء في النفس فهو مشاهد دون غيره من الملذات فما يصيب العين يتولد منه البكاء وما يصيب اللسان يحدث منه الصياح وما يصيب اليد يحدث منه تمزيق الثياب واللطم وما يصيب الرجل يحدث منه الرقص قال ابن عبد ربه هل خلق الله شيئاً أوقع بالقلوب وأشد اختلاساً للعقول من الصوت الحسن وقال أيضاً صنعة الغناء هي مراد السمع ومرتع النفس وربيع القلب ومجال الهوى ومسلاة الكثيب وأنس الوحيد وزاد الراكب لعظم موقع الصوت الحسن من القلب وأخذه جامع النفس وقال سهل بن عبد الله السماع علم استأثر الله تعالى به لا يعلمه إلا هو وزعمت الفلاسفة أن النغم فضل بقي من المنطق لم يقدر اللسان على استخراجه فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع لا على التقطيع فلما ظهر عشقته النفس وحن إليه الروح وقال معبد لقد صنعت ألحاناً لا يقدر شبعان ممتلئ ولا سقاء يحمل قربة على الترنيم بها ولقد صنعت ألحاناً لا يقدر المتكئ أن يترنم بها حتى يقعد مستوفزاً.
وقال ابن ساعد ومنفعة الموسيقى بسط الأرواح وتعديلها وتقويتها أيضاً لأنه يحركها أما عن مبدئها فيحدث السرور واللذة ويظهر الكرم والشجاعة ونحوها وأما إلى مبدئها فيحدث الفكر في العواقب والاهتمام ونحوها ولذلك يستعمل في الأفراح والحروب وعلاج المرضى تارة ويستعمل في المآتم وبيوتات العبادات أخرى وقال أفلاطون من حزن فليستمع الأصوات الطيبة فإن النفس إذا حزنت خمد نورها فإذا سمعت ما يطربها أشتعل منها ما خمد وكان يقال قديماً إذا قسا عليك قلب القرشي من تهامة فغنه بشعر عمر بن أبي ربيعة وغناء ابن سريج وقال الغزالي في الأحياء لله تعالى سر في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح حتى أنها لتؤثر فيها تأثيراً عجيباً فمن الأصوات ما يفرح ومنها ما ينوم ومنها وما يضحكك ويطرب ومنها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد والرجل والرأس ولا ينبغي أن يظن أن ذلك لفهم معاني الشعر بل هذا جار بالأوتار حتى قيل إن لم يحركه الربيع وأزهار والعود
الجزء٣ المجلد ٩
стр. 6781
وأوتاره فهو فاسد المزاج ليس له علاج وكيف يكون لك لفهم المعنى وتأثيره مشاهد في الصبي في مهده فإنه يسكته الصوت الطيب عن بكائه وتنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه والجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثراً يستخف معه الأحمال الثقيلة ويستقصر لقوة نشاطه في سماعه المسافات الطويلة وينبعث فيه النشاط ما يسكره ويولهه فترى الجمال إذا طالت عليها البوادي واعتراها الإعياء والكلال تحت المحامل والأحمال إذا سمعت منادي الحداء تمد أعناقها وتصغي إلى الحادي ناصبة آذانها وتسرع في سيرها حتى تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها وربما تتلف أنفسها من شدة السير وثقل الحمل وهي لا تشعر به لنشاطها.
ثم ذكر ﵁ دليلاً على ما قاله قصة العبد الذي أهلك الجمال بطيب صوته إذ جعلها تقطع مسافة ثلاثة أيام في ليلة واحدة وبعده قال فإذاً تأثير السماع في القلب محسوس ومن لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال بعيد عن الروحانية زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال والطيور بل على الجميع البهائم فإن جميعها تتأثر بالنغمات الموزونة ولذلك كانت الطيور تقف على رأس داود ﵇ لاستماع صوته ومهما كان النظر في السماع باعتبار تأثيره في القلب لم يجز أن يحكم فيه مطلقاً بإباحة ولا تحريم بل يختلف ذلك بالأحوال والأشخاص واختلاف طرق النغمات فحكمه حكم ما في القلب انتهى ومن غريب ما ينقل في تأثير الغناء أنه خرج مخارق المغني مع بغض أصحابه إلى بعض المتنزهات فنظر إلى قوس مذهبة مع أحد من خرج معه فسأله إياها فكأنه المسئول ضمن بها وسنحت ظباء بالقرب منه فقال لصاحب القوس أرأيت أن تغنيت صوتاً فعطف عليك خدود هذه الظباء لتدفع إلي هذه القوس قال نعم فاندفع يغني
ماذا تقول الظباء ... أفرقة أم لقاء
أم عهدها بسليمى ... وفي البيان شفاء
مرت بنا سانحات ... وقد دنا الإماء
فما أحارت جواباً ... وطال فيها العناء
فعطفت الظباء راجعة إليه حتى وقفت بالقرب منه مستشرفة تنظر إليه مصغية إلى صوته فعجب من حضر من رجوعها ووقوفها وناوله الرجل القوس فأخذها وقطع العناء فعاودت
стр. 6782
الظباء نفارها ومضت راجعة على سننها. وأغرب من ذلك ما روي عن عائشة قيل كان واقفاً بالموسم متحيراً فمر به أصحابه فقال له ما يقيمك ههنا فقال: أني أعرف رجلاً لو تكلم لحبس الناس ههنا فلم يذهب أحد ولم يجيء فقال له الرجل ومن ذاك قال أنا ثم أندفع يغني
جرت سنحاً فقلت لها أجيزي ... نوى مشمولة فمتى اللقاء
بنفسي من تذكره سقام ... أعانيه ومطلبه عناء
قال: فحبس الناس واضطربت المحامل ومدت الإبل أعناقها وكادت الفتنة أن تقع فأتى به إلى هشام بن عبد الملك فقال له هشام: أرافق بتيهك فقال: حق لمن كانت هذه مقدرته على القلوب أن يكون تياها. ومثل ذلك ما رواه الأصمعي قال قدم عراقي بعدل من خمر العراق إلى المدينة فباعها كلها إلا السواد فشكا ذلك إلى الدرامي وكان قد تنسك وترك الشعر ولزم المسجد فقال: ما تجعل لي أن أحتال لك بحيلة حتى تبيعها كلها على حكمك قال: ما شئت قال: فعمد الدرامي إلى ثياب نسكه فألقاها عنه وعاد إلى مثل شأنه الأول وقال شعراً ورفعه إلى صديق له من المغنين فغنى به وكان الشعر.
قل للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا فعلت بزاهد متعبد
قد كان شمر للصلاة ثيابه ... حتى خطرت له بباب المسجد
ردي عليه صلاته وصيامه ... لا تقتليه بحق دين محمد
فشاع هذا الغناء بالمدينة وقالوا قد رجع للدرامي وتعشق صاحبة الخمار الأسود فلم تبق مليحة بالمدينة إلا أشترت خماراً اسود وباع التاجر جميع ما كان معه فجعل أخوان الدرامي من النساك يمرون فيقولون ماذا صنعت فيقول ستعملون نبأه بعد حين فلما أنفذ العراقي ما كان معه رجع الدرامي إلى نسكه ولبس ثيابه.
وروى أبو العباس قال: حدثت أن عمر الوادي قال أقبلت من مكة أريد المدينة فجعلت أسير في صرد من الأرض فسمعت غناء من الهواء لم أسمع مثله فقلت والله لا توصلن إليه فإذا هو عبد أسود فقلت له أعد ما سمعت فقال. والله لو كان عندي قرى أقريك ما فعلت ولكن أجعله قراك فإني والله ربما غنيت بهذا الصوت وأنا جائع فأشبع وربما غنيته وأنا كسلان فأنشط وربما غنيته وأنا عطشان فأروى ثم ابتدأ فغنى
стр. 6783
وكنت متى ما زرت سعدى بأرضها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما أنقضت أحدوثة لو تعيدها
قال عمر: فحفظته منه ثم تغنيت به على الحالات التي وصف فإذا هو كما ذكر ونظير ذلك ما رواه ابن عبد ربه قال: لما ولي عثمان بن حيان المري المدينة أجتمع إليه الأشراف من قريش والأنصار فقالوا له أنك لا تعمل عملاً أحرى ولا أولى من تحريم الغناء والرثا ففعل وأجلهم ثلاثاً فقدم ابن أبي عتيق في الليلة الثالثة وكان غائباً فحط رحله بباب سلامة الزرقاء (المغنية) وقال لها: بدأت بك قبل أن أصير إلى منزلي قالت: وما تدري ما حدث بعدك وأخبرته الخبر فقال: أقيمي إلي السحر حتى ألقاه فلقيه فأخبره أنه أنما أقدمه حب التسليم عليه وقال له إن أفضل ما عملت تحريم الغناء والرثاء فقال أن أهلك أشاروا عليّ بذلك فقال أنهم وفقوا ووفقت ولكني رسول امرأة إليك تقول قد كانت هذه صناعتي فتبت إلى الله منها وأنا أسألك أيها الأمير أن لا تحول بينها وبين مجاورة قبر النبي ﷺ فقال عثمان: إذاً أدعها فقال: إذا لا تدعك الناس ولكن تدعو بها فتنظر إليها فإن كان يجوز تركها تركتها قال: فادع بها فأمر بها أبن أبي عتيق فتنقبت وأخذت سبحة في يدها وصارت إليه فحدثته عن مآثر آبائه ففكه بها فقال ابن أبي عتيق أريد أن أسمع الأمير قراءتها ففعلت فحركه حداؤها ثم قال له ابن أبي عتيق: فكيف لو سمعتها في صناعتها التي تركتها فقال له قل لها فلتغن فغنت.
سددت خصاص البيت لما دخلته ... بكل بنان واضح وجبين
فنزل عثمان عن سريره وجلس بين يديها وقال: لا والله ما مثلك يخرج عن المدينة فقال ابن أبي عتيق يقول الناس أذن لسلامة ومنع غيرها فقال قد أذنت لهم جميعاً انتهى ولقد ثبت بالتجارب أنه يستشفي بالغناء من كثير من الأمراض حتى أنه تألفت في مدينة سهالنبورغ جمعية من النساء لتصدح كل يوم بالقرب ممن أجريت لهم العمليات بالأنغام الموسيقية صوتية كانت أو آلية. هذا لو أردنا استقصاء ما ورد في هذا الباب من التأثير العجيب لطال بنا البحث ولكنا أكتفينا بما أوردناه لضيق المقام.
آلات الغناء
آلات الغناء كثير تختلف باختلاف الأمم حسب عاداتهم واصطلاح بلادهم فمنها العود وهو
стр. 6784
كما وصفه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود إذ ذكر عند يزيد بن عبد الملك فقال: ليت شعري ما هو فقال له: أخبرك ما هو هو محدودب الظهر أرسح البطن له أربعة أوتار إذا حركت لم يسمعها أحد الأحراك أعطافه وهز رأسه قيل أن أول من صنع العود لامك بن قابيل بن آدم وبكى عليه على ولده وقيل أن أول من اتخذه الملك المتلوشلح على مثال فخذ أبنه الميت وقيل بطليموس ويقال بعض حكماء الفرس. وأول من غنى على العود بألحان الفرس من العرب النضر بن الحارث بن كلدة وفد على كسرى بالحيرة فتعلم ضرب العود والغناء وقدم مكة وعلم أهلها ولقد زاد زرياب المغني بالأندلس في العود وتراً خامساً وكان قبلاً ذا أربعة أوتار وهي البم والزير والمثنى والمثلث التي قوبلت بها الطبائع الأربع فزاد عليها وتراً خامساً أحمر متوسطاً ولون الأوتار وطبقها على الطبائع وهو الذي أخترع مضراب العود من قوادم النسر وكانوا قبله يضربون بالخشب وفيه يقول أبو الفتح كشاجم:
لو لم تحركه أناملها ... كان الهواء يفيده نطقاً
جسته عالمة بحالته ... جس الطبيب لمدنف عرقاً
وفيه يقول أيضاً:
جاءت بعود كأن نغمته ... صوت فتاة تشكو فراق فتى
محفف حفت العيون به ... كأنما الزهر حوله نبتا
دارت ملاويه فيه فاختلفت ... مثل اختلاف اليدين مذ ثبتا
لو حركته وراء منهزم ... على بريد لعاج والتفتا
ومن آلات الغناء التي لا تقل عن العود القانون والمشهور أنه من اختراع الفيلسوف أبي نصر الفارابي فقد ذكروا أنه أصطنع آلة مؤلفة من عيدان يركبها ويضرب عليها وتختلف أنغامها باختلاف تركيبها ولكنها في كل حالة غريبة في بابها وقصة ضربه على آلته عند سيف الدولة مشهورة ولنا في القانون:
أصغت لتسمع شكوتي وتظلمي ... لما رأت دمعي جرى كالعندم
واستنطقت قانونها فأجابها ... في حال قتل المستهام المغرم
سل من أباح لها دمي قانونها ... أو قال قانون بأهراق الدم
ومن آلات الغناء الدف والمزهر والطبل والرباب والمزامير والشبابات والصلاصل
стр. 6785
والطارات والكوبة وكلها لا تحتاج إلى تعريف ومن آلات الغناء التي كانت معروفة بالأندلس (الروطة) هي ضرب من الرباب و (المؤنس) وهو قربة يركب فيها مزمار يتخذها أهل البادية في ملاهيهم وأغلب ما تكون في المزمارين و (الكثيرة) مصحفة عن كثيرة وهي القديم نوع من الرباب ويراد بها اليوم ضرب من السنطور تنقر أوتارها بالأصبع و (القثار) ويراد بها آلة ذات ستة أوتار ولها يد مقسومة إلى أنصاف ألحان مركب عليها دساتين و (الزنامى) نوع من المزمار نسبة إلى زنام الزمار المشهور أيام الرشيد و (الشقرة) و (النورة) وهما مزماران الواحد غليظ الصوت والأخر رقيق واليوم أتى الفرنج بالأرغن والبيانو وغيرهما ولكن الاعتماد على الثاني لا يخلو منه بيت ذي نعمة ولو قليلة.
من دونت له صنعة في الغناء من الخلفاء وأولادهم
كان للغناء منزلة عظيمة عند الخلفاء كالشعر حتى أنه أشتغل به غير ومن أولادهم وكانت الشعراء تمدحهم بمعرفته قال العماني يمدح الرشيد.
جهير العطاس شديد النياط ... جهير الرواء جهير النعم
حكى ابن خرداذبة أن عمر بن الخطاب ﵁ تغنى بها
كأن راكبها غصن بمروحة
ثم والى بين جماعة من الخلفاء واحداً بعد واحد ورد ذلك صاحب الأغاني وقال أول من دونت له صنعة منهم عمر بن عبد العزيز فإنه ذكر عنه أنه صنع في أيام أمارته على الحجاز سبعة ألحان يذكر سعاد فيها كلها وصحح هذه الرواية وقال: كان عمر بن عبد العزيز أحن خلق الله صوتاً وكان حسن القراءة للقرآن أما الألحان التي صنعها فهي محكمة العمل لا يقدر على مثلها إلا من طالت دربته بالصنعة وحذق في الغناء وتمكن منه وهي:
الما صاحبي نزر سعادا ... لو شك فراقها وذرا البعادا
علق القلب سعادا ... عادت القلب فعادا
الايادين قلبك من سليمى ... كما قد دين قلب من سعادا
يا سعاد التي سبتني فؤادي ... ورقادي هبي لعيني رقادي
حظ عيني من سعاد ... أبدّاً طول السهاد
سبحان ربي برى سعادا ... لا تعرف الوصل والودادا
стр. 6786
لعمري لئن كانت سعاد هي المنى ... وجنة خلد لا يمل خلودها
أسعاد جودي لاشقيت سعادا ... وأجزي رأفة وودادا
وممن حكي عنه أن صنع في شعره غناء يزيد بن عبد الملك فإنه صنع لحناً وهو:
أبلغ حبابة أسقى ربعها المطر ... ما للفؤاد سوى ذكراهم وطر
وممن غنى منهم الوليد بن يزيد له أصوات صنعها مشهورة وكان بضرب بالعود ويوقع بالطبل ويمشي بالدف على مذهب أهل الحجاز ومن مشهور صناعته في شعره.
وصفراء في الكأس كالزعفران ... سباها التجيبي من عسقلان
وأول من دونت له صنعة من خلفاء بني العباس الواثق على ما وراه صاحب الأغاني أما ابن خرداذبة فإنه حكى أن للسفاح والمنصور وسائرهم غناء قال صاحب الأغاني: أخبرني محمد قال: سمعت أحمد بن محمد بن الفرات يقول سمعت تريباً تقول صنع الواثق مائة صوت ما فيها صوت ساقط وكان الواثق يضرب بالعود ومن الألحان التي صنعها:
أيا منشر الموتى من التي ... بها نهلت نفسي سقاماً وعلت
وممن حكى عنه أنه صنع في شعره وشعر غيره المنتصر وكان حسن العلم بالغناء ومن شعره الذي غنى فيه:
متى ترفع الأيام من قد وضعته ... وينقاه لي الدهر عليّ جموح
ومنهم المعتز فمما ذكر أنه غنى فيه:
لعمري لقد أصحوت خيلنا ... بأكناف دجلة للمصعب
ومنهم المعتمد صنع لحناً في هذا الشعر:
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزراً ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
ومنهم المعتضد فإنه صنع لحناً في:
أما القطاة فإني سوف أنعتها ... نعتاً يوافق نعتي بعض ما فيها
وفي: تشكى الكميت الجري لما جهدته ... وبين لو يسطيع أن يتكلما
وله غير ذلك وممن صنع من الخلفاء فأجاد وأحسن وبرع وتقدم جميع أهل عصره فضلاً وشرفاً وأدباً وشعراً وظرفاً وتصرفاً في سائر الأدب أبو العباس عبد الله بن المعتز وأول من صنع من أولاد الخلفاء وأتقنهم صنعة إبراهيم بن المهدي وعلية بنت الهدي كانت من
стр. 6787
أحسن الناس وأظرفهم تقول الشعر الجيد وتصوغ فيه الألحان الحسنة وكانت حسنة الدين مقبلة على قراءة الكتب لا تلذ بشيء غير قول الشعر وكانت تقول لا غفر الله لي فاحشة أرتكبها قط وكانت تقدم على أخيها إبراهيم في الغناء ومن صنعتها.
وجد الفؤاد ... وجداً شديداً متعبا
ولها غير ذلك شيء كثير وممن صنع أيضاً من أولاد الخلفاء أبو عيسى أحمد بن الرشيد وله غناء مشهور وعبد الله بن موسى الهادي وكان أضرب الناس بالعود وأحسنهم غناء. وعبد الله بن محمد الأمين كان يقول شعراً صالحة وأبو عيسى عبد الله بن المتوكل جمع له صنعة مقدارها أكثر من ثلثمائة صوت (له تلو)
دمشق
خليل مرد بك
стр. 6788
عدد الشيعة
ذكرت في مقالي (الشيعة في بر الشام) إن المسلمين يقسمون إلى فرقتين كبيرتين أهل السنة وهي الأكثر عدداً والشيعة وهي التي تتلوها في الكثرة ولا يقل عدد الأولى عن مائة وخمسين مليوناً كما لا يقل عدد الثانية عن تسعين مليوناً وعنيت بالشيعة كل من يدخل تحت اللفظ وهم الذين يقولون بالنص على إمامة علي ﵇ وأنه أفضل الناس بعد رسول الله ﵌ بدليل قوليوتفترق الشيعة فرقاً متعددةالخ فهو إذا شامل لجميع فرق الشيعة من أمامية أصولية وإخبارية وكشفية وزيدية وأسماعلية بهرة وأغاخانية وواقفية وفطحية وبكداشية لكن المقتبس حسب أن في العدد مبالغة ورجح أن الشيعة عشرون مليوناً ثم أنبرى أحد الأفاضل وهو عبد الله أفندي مخلص للبحث في هذا الموضوع فاستكثر ترجيح المقتبس وقدرهم باثني عشر مليوناً وقدر المسلمين أجمعين بمائتين وأربعين مليوناً الشيعة ١٢والأحناف١٦٤ والشوافعة٦٤ والموالكة ١٦ والحنابلة ٧ وذلك التقدير كما ترى ولو فرض أنه تسنى له تمييز الشيعة من فأحصاهم فكيف له بحصر عدد الأحناف من الشوافعة وبقية المذاهب الأربعة ومعرفتهم في بلد واحد فكيف في سائر أنحاء العالم.
أما تقديري عدد الشيعة بما لا يقل عن التسعين مليوناً فهو إحصاء مبنياً الدقة لأن عدد المسلمين عامة فضلاً عن الشيعة لا يرجع إلى إحصاء مدقق ونما هو تقديري بحت ولهذا بعدت مسلفة الخلاف بين مقدري عدد المسلمين فالدكتور ز جعلهم نحو ١٧٥ مليوناً وأستقل المقتطف هذا التقدير وقدرتهم الانسكلوبيد البريطانية المطبوعة سنة١٩٠٧ م نحو ٢١٧مليوناً وقدرتهم المقتطف ٢٦٢مليوناً وقدرهم الأستاذ غليوث ٢٣٣ مليوناً في سنة ١٩٠٦ وفي بعض المجلات أنهم ٢٥٠ مليوناً ونقل الأمير شكيب أرسلان أنهم يبلغون ثلاثمائة مليون وهو المشهور بين المسلمين.
وليس بغريب على البلاد الشرقية أن يقع الخط في إحصاء نفوسهم وأكثرها لم يقع عليه إحصاء بالكلية والذي أحصي منها لم يكر على شيء من التحقيق هذه دمشق فقد قدرها المقتطف ٥٣٠ألفاً وهي مع الضواحي ٧٣٠مع أن أحصاءها الرسمي٢٢٠ ألفاً والفرق كبير بين الإحصاء التقديري المعقول وبين الإحصاء الرسمي هذه الحال في الشرق عامة وفي المسلمين خاصة ١ الشيعة الذين أخفتهم التقية في كثير من البلاد وخفي بعضهم حتى على
стр. 6789
ابن بلدة وإن لم يخف على ابن مذهبه أختلف المقدرون في إحصاء الشيعة وأقل ما قيل فيه ١٢مليوناً كما قال الفاضل الحفاري وقدرهم بعضهم ٢٠ مليوناً وعليه صديقنا صاحب المقتبس إبراهيم أفندي حلمي البغدادي أن عدد الفرقة الجعفرية منهم خمسون مليوناً وفي مقام آخر أن عدد الشيعة كلهم يبلغ ٧٠ مليوناً والكاتب كما علمه قراء المقتبس ناضج التحقيق وقد سأل محمد أفندي جابر أصحاب المقتطف عن عدد الشيعة في الهند وإيران والصين فأجابوه بأنهم يرجحون أن يبلغ عددهم ٤٠ مليوناً.
أن الشيعة مثابة يتوافدون إليها من أقطار الأرض وتكاد تكون محصورة حالاً زهاء ١٥ ألفاً ١ مثل لنجه وبندر عباس فيها من المسلمين ٥٠ ألفاً وأيالة وكردستان الإيرانية ومقر حكومتها وأهلها كلهم سنيون وبادية جرجان من التركمان وأهلها كلهم سنيون.
قدر القاضي الحيفاوي نفوس الإيرانيين بتسعة ملايين وقدرهم المقتطف بتسعة ملايين ونصف وقال أنه غير معروف تماماً ولكنه يقدر تقديراً وجعلهم فانديك في المرآة المطبوعة في منتصف القرن التاسع عشر أثني عشر مليوناً فيما أتذكر ونقل عن أرفع الدولة العالم السياسي الإيراني المشهور أنهم يبلغون عشرين مليوناً وصاحب البيت أدرى بالذي فيه ويؤيده ما نقل لي الثقات من أفاضل الإيرانيين في العالم الماضي وقد قدم من الأستانة لما سمع من سفير إيران هناك إن حكومته أخذت في إحصاء النفوس فبلغت ثمانية عشر مليوناً وبقي قسم كبير من أطراف البلاد لم يحص بعد.
قلنا أن الدكتور فانديك قدرهم باثني عشر مليوناً في منتصف القرن التاسع عشر للميلاد وأن بلاداً قضت خمسين عاماً في مهد الراحة والسلام أيام المرحوم ناصر الدين شاه مع خصب ورخاء لا يبعد أن يتضاعف عدد سكانها فضلاً عن زيادته بالمائة سبعين كما قدرنا. ومن عرف أخلاق الإيرانيين من اجتنابهم مخالطة غيرهم وعدم السماح بعرفة أحوالهم الداخلية لغير أبنائهم - أدرك سر الاختلاف في تقديرهم ةالإيرانيون مولعون بتعدد الزوجات ولا تكاد تجد بالغين سن الحلم غير مرتبطين بعقدة النكاح فلا غرابة إذا أزداد عددهم ثمانية ملايين في مدى ستين عاماً.
وأمل الهند فلا جدال في وفرة عددهم هناك وقدرهم بعضهم بنصف مسلمي الهند فإن لم يكونوا النصف فلا أقل من أن يكونوا الثلث.
стр. 6790
وشيعة الهند فيهم الأمامي والأصولي والإخباري والكشفي والزيدي والأسماعيلي (من بهرة وأغاخانية) والواقفي والفطحني وكانت بلاد كشمير ولم تزل مراداً لأهل العلم والإرشاد من متفقهة وكذلك بلاد حيدرأباد وفي بمباي مطابع للشيعة وفي كالكوتا من جرائدهم جريدة (حبل المتين) المشهورة.
وكانت الهند محل هجرة جماعية علماء جبل عامل ذهبوا إليها وعاشوا بين أهلها حتى وافتهم منيتهم ومن العاملين من تولى الوزارة لأحد ملوك الهند قبل أن يدخلها الانكليز ولم تزل الصلات لطلاب فقه الشيعة في العراق ترد بألوف الألوف من الهند وما في خزائن النجف وأحجار الكريمة والتحف النفيسة أثره من الهند تجارها وملوكها وأخبرني ببعض الخبيرين من العراقيين أن في تلك الخزائن مجموعة من الأحجار الكريمة فيها ما لا يوجد مثله في خزائن الملوك وإن الذي أعاد لمدينة كربلاء بناءها وسورها بسور منيع بعد أن غزاها الوهابيين وانتهبوا مجوهرات خزنة سيدنا الحسين بن علي ﵇ وما فيها من التحف وباحوا المدينة لعسكرهم حتى أصبحت خراباً يباباً - وهو بعض ملوك الهند.
وأما الصين فتكاثر الشيعة فيها ليس فيه ريب وفي بكين عاصمة الصين مساجد خاصة بالشيعة غير المساجد المشتركة بينهم وبين عامة المسلمين هناك وما زال الوافدون من شيعة الصين وبلاد التيبت يزورون مشاهد آل البيت في العراق وكثير من فضلاء العراق زاروا بلاد التيبت وقاموا بين ظهراني أهلها م الشيعة ورأيت جماعة من شيعة جبل عامل في مكة جماعة من شيعة الصين وتألفوا حتى تبودلت الهدايا بينهم وأما البلاد العربية - فاليمن على أتساع رقعتها وتكاثر نفوسها نحو نصف أهلها من الزيدية الشيعة ولم تخل من الأمامية وعدتهم قليلة هناك - وأما العراق - فثلاثة أتباع أهله من الشيعة وعهدهم بالتشيع قديم وأمرهم مشهور حتى لقب التشيع بدين الكوفة قال أبو تمام
وكوفني ديني على أن منصبي ... شآم ونجري آية ذكر النجر
وأما الحجاز - ففيه كثير من الشيعة الأمامية وهم في البادية أكثر منهم في الحواضر وفي الحجاز نواح عامة أهلها شيعة الفرع والعوالي وأما سورية فقد سبق القول في مقالنا السابق الذكر أن الأمامية منهم يبلغون نحو مائتي ألف نسمة ولكن غير الأمامية منهم والمنتسبين إلى الشيعة في سورية يبلغون قريباً من ضعفي هذا العدد.
стр. 6791
وفي بلاد عمان كثير من الشيعة وفي نفس مسقط - على تباين ما بينهم وبين الخوارج من أهلها - عدد لا يقل عن إلف رجل بيدهم أزمة تجارتها وهم معروفون بمذهبهم أخبرني أحد العاملين وكان أقام فيها مدة من الزمن ولقي من كبير تجارها الحاج عبد العزيز كل حفاوة وإكرام لأنه شيعي عاملي.
وأما الترك فالبكدشيون منهم - ومعظمهم في بلاد الروملي ومنهم قسم صالح في الأناضول وكريت ونصف بلاد ألبانيا منهم وليس البكداشيون كل شيعة بلاد الأتراك بل يوجد بينهم من الشيعة الأمامية قرى مر بها مجاهد وجبل عاملة في حرب روسيا عام ١٢٠٣هجرية فتعرفوا في ما بينهم وأكرموا أخبرني غير واحد منهم بهذا الخبر.
وأما روسيا فحسبك أن الأكبر من بلاد قفقاسيا من الشيعة فباكو المعروفة ببادكوبا ونواعيها شيعة ومنها المحسن الكبير الحاج زين العابدين تقيوف صاحب المبرات والخيرات ومشيد المدارس والكليات للمسلمين في روسيا من ماله وكنجه وبلادها شيعة وكذلك ايروان (أريفان) وما إليها وقره باغ وحاليان وضواحيها ولنكران وقواها ونحجوان وما والاها وشاه وما حولها كلهم من الشيعة.
أكثر من النصف شيعة وفي باطوم وتفليس عدد لا يستهان به منهم وفي استراخان وبلادهم منهم كبير وقد جمعتني الأقدار بعامل من أهل العلم والدين من دربند تزوجت ابنته في جبل عامل وجاء لزيارتها فاخبرني بوفرة عدد الشيعة في تلك الأرجاء وأن جماعة من الشيعيين في بنزدوسق دعوه إليهم ليقيم بينهم مدة من الزمان فأجاب دعوتهم فرأى ما يطرب له كل مسلم من التحاب والتآلف الموجود بين المسلمين هناك رأى الملا السني في بنزدوسق كان أكثر الناس ملازمة لصحبته وأنه أصيب بالرماتزم حتى عجز عن النهوض إلا بمعونة شخص آخر فتولى ذلك منه السني ولم يدع أحد غيره يقوم مقامه وأخبرني أنه لما قامت الفتنة في البلاد الساحلية وعامة أهلها شيعة بينهم وبين الروسيين هب سكان الجبال وجمهورهم من أهل السنة لنجدة أخوانهم فرابطوا معهم في الثغور حتى أنجلى الفتنة وفي مرو وطاشقند وسائر بلاد سمرقند من الأملاك الروسية بل في تركستان الروسية عدد وفير منهم.
وفي الأفغان عدد قدره بعض الأفاضل بثلاثة ملايين ولعل فيه مبالغة وفي بخارى قسم
стр. 6792
عظيم يوازي عدد الشيعة في الأفغان وقد ثار ثائرة الجهل والتعصب في شهر محرم سنة ١٣٢٨ هجرية هناك بين السنة والشيعة فوقفت الفتنة وأنتجت حرباً بين الطائفتين عجزت الحكومة عن إطفاء جذوتها حتى تدخلت الروسية في الأمر وخمدت لهيباً وذلك دليل على وفرة عدد في بخارى حتى قيل أن الوزير الأول لأمير بخارى منهم وفي بلاد الزنج شيعة أخبرني بعض المسافرين من أبناء جبل عامل وهو علم وصدق أقام في زنجبار مدة من الزمن تاجراً أنه عرف بين المختلفين إلى زنجبار من أهل الفاحية رجلاً شيعياً أخبره لهم سواداً بين سوداني الديار وفي نفس زنجبار جماعة أو لو يسار فاضل آخر عاملي فأكرمه بالجملة فإنه قلما دخل الإسلام بلاداً إلا كان للشيعة فيها رجال ظاهرون أو مستترون تبعاً للحال والموقع.
ومن المحقق وجود جماعة منهم بين مسلمي جزائر فيلبين وبلاد الكاب أكثرهم من الهنديين المهاجرين.
إذا عرفت ذلك فلا تستبعد أن يكون تقديري مقارباً للحقيقة وإليك تفصيل ما قدرته وإن كان لم يخرج عن حيز التقدير ولكنه غير بعيد عن الحقيقة.
عدد المسلمين عامة عدد الشيعة منهممليونمليون٦٥ ٢٥ في الهند٣٥ ١١ في الصين٥٠١٠ في العرب٢٥١٠ في الأتارك والأفغان وبلاد التتر المستقلة وتركستان٣٠ >١٩ في إيران٣٠١٠ في البلاد الروسية٤٠٢ في أفريقيا٢٥ ١ في جزائر جاوه ومالاقا والبحر المحيط الهندي١٠ >١ سائر الأقطار٣٠٠٩٠
ظهر من مقالي السابق الذكر أنني قدرت المسلمين بمائتين وأربعين ولكني لم أقطع بذلك ولا يمنع أنني أذهب إلى أكثر من هذا العدد ومن المقرر أن أكثر للمسلمين التي تأخذها عن طريق أوربا إلى الجمعيات التبشيرية التي لا يرضيها وفرة عدد أتباع النبي لامي ﵌ ولذلك لا ينبغي الركون إليها وأخذها مأخذ القضايا المسلمة.
النبطية
أحمد رضا
(المقتبس) يروقنا التحقيق في مثل هذا المبحث المفيد ولكن كنا نرغب من صديقنا كاتب هذه النبذة لو عز أقواله إلى مراجع أو نصوص يركن إليها فإن نسبة الخبر مجرداً إلى أحد
стр. 6793
الأفاضل أو أحد التجار كما تجد في مقاله لا تكفي لتأكيد أمر إحصائي تشعبت طرق الخلاف فيه وقد رأيناه يكثر من ذكر البلاد والمواضع ويوهم أن الشيعة منتشرون في أنحائها وإذا أراد الدليل أسند الخبر إلى تاجر منهم أو سمى رجلاً أقام في ظهرانيهم كالحاج عبد العزيز والحاج زين العابدين والدربندي لمذكورين في مقاله ولا تجده يأتي بالبرهان المقنع عند كلامه على شيعة الأصقاع الكبيرة كالحجاز والصين والهند وبلاد الزنج وجزائر فيلبين وبلاد الكاب ورأيناه يدمج في بحثه جميع الفرق الإسلامية التي وافقت الشيعة ولو على بعض ما جنحوا إليه والمعروف أن لفظ الشيعة إذا أطلق عند علماء البلدان والإحصائيين اليوم لم يكن فيه ما يدل على شموله عامة من أخذ برأيهم فالزيدية مثلاً وهم نصف سكان اليمن ينفردون في زمننا هذا بلقبهم الذي اشتهروا به وإن كان علماء الكلام والتوحيد والدين من المتقدمين يعدونهم في جملة الشيعة ويرون أنهم فرقة من فرقهم وبالجملة فإن باحثنا توسع في بحثه هذا حرصاً منه على تأييد رأيه الأول وولد من اللفظ الخاص معنى عاماً فتسنى له أن يملأ صحيفته بالأرقام الكثيرة والأعداد الدالة على وفرة عدد أخواننا الشيعة ومن شايعهم وذهب إلى ما ذهبوا إليه من جماعات المسلمين وفرقهم.
стр. 6794
أخبار وأفكار
ماليتنا
يؤخذ من خطاب جاويد بك وزير المالية في مجلس النواب العثماني أنه لما أعلنت الدولة الحرب على دول الائتلاف لم يكن لديهم من المال غير مليون ومائتين وأثني عشر ألف ليرة كانت مدخرة في المصرف العثماني على أن هذا المبلغ الزهيد لم يكن وافياً بنفقات أسبوع واحد فاضطرت الدولة إلى عقد فروض بربا قليلة لدى الخزينة الألمانية وقد بلغت مقادير هذه القروض تسعة وسبعين مليوناً من الليرات وإذا أضفنا إلى هذا المبلغ أحد عشر مليوناً ونصف مليون تناولناها من ألمانيا ذهباً وسفائج بلغ المجموع تسعين مليوناً بيد أن قروضنا لم تنحصر في هذه الأموال بل استلفنا من ألمانيا مليونين وثلثمائة وسبعين ألف ليرة وأرصدناها للمشاريع المستعجلة وهذه السلفات أو القروض قد أنفقناها وننفقها على سد الحاجات الداخلية.
وهناك عقود أخرى عقدناها مع ألمانيا والنمسا كأثمان النقل على السكك الشركات الحديدية وقسم تحاويل الأسهم العثمانية في بلاد الحلفاء وأثمان البضائع والذخائر والمواد الحربية التي ابتعناها من الشركات والمعامل في برلين وفينا. فقد اقترضنا من حكومة ألمانيا عشرين مليون مارك لإيفاء ديون سكة حديد الأناضول وخط بغداد وهي النقليات العسكرية وتناولنا منها مائتين وثمانية ملايين مارك لتأدية أثمان الذخائر التي قدمتها إلينا والمعامل المصانع الألمانية وكذلك عقدنا سلفة قدرها مائتان وخمسون مليوناً من الماركات أرصدناها لمشاريع أخرى ويكون المجموع أربعمائة وستة وتسعين مليون مارك أو خمسة وعشرين مليون جنيه ولألمانيا دين أخر على خزينتنا يبلغ عشرين أو خمسة وعشرين مليوناً وهي لقاء الحربية.
وصفوة القول أن مجموع قروضنا التي عقدناها مع ألمانيا سواء بحساب المارك أو بحساب التحاويل على الخزينة أو أثمان الحربية منذ ابتداء الحرب إلى اليوم يبلغ مائة وأثنين وأربعين مليون ليرة على أن هناك قرضاً آخر لم يدخل في هذا الحساب عقدناه مع النمسا لقاء أثمان ما اشتريناه من معاملها وشركاتها ويبلغ هذا القرض نحو مائتين وأربعين مليون ١ أو أثني عشر مليون ليرة وعلينا ديون تراكمت منذ بداية الحرب وهي ثمانية ملايين
стр. 6795
وثلثمائة وثلاثة وثمانون ألفاً سندات بنك القروض التي لم نقم بتأديتها وبقيت ديون أخرى تبلغ مليون ليرة وهي مائة وستون ألف ليرة قيمة نصف الرواتب التي لم تندفع ومائتان وستة وخمسون ألف ليرة للمتقاعدين في الولايات وثلثمائة ألف لموظفي الولايات أيضاً وأجتمع دين أخر في وزارة الحربية وهو ثلاثة ملايين وأربعمائة وثمانية وثمانون ألف ليرة بسندات الأداء ولكنها بقيت حتى الآن ديناً على الخزينة وهناك دين أخر يناهز ستمائة وأربعة عشر ألف ليرة تراكم في وزارة الحربية غير أنه على وشك التأدية هذا غير الديون التي اجتمعت في الولايات والناطق الأخرى.
وعلى هذا تكون ديونناً إلى نهاية أب في هذه السنة نحو مائة وخمسة وستين مليوناً من الجنيهات ما عدا أثمان التكاليف الحربية وبعد تنزيل خمسة ملايين ليرة من الأوراق النقدية التي أرصدناها على حساب ألمانيا وتبلغ مقادير التكاليف الحربية على وجه التخمين نحو سبعة ملايين وثمانمائة وثلاثة وخمسين ألف ليرة وإذا طرح منها نحو مليون وتسعمائة ألف ليرة صارت محسوبة بموجب قوانين مختلفة بقيت خمسة ملايين وتسعمائة وتسعة وأربعين ألف ليرة وإذا أضفنا إلى ديونناً أثمان التكاليف الحربية الأخرى وهي نحو عشرين مليوناً بلغ مجموع الديون في زمن الحرب نحو مائة وثمانين مليون ليرة فنكون قد أنفقنا في كل شهر نحو خمسة ملايين ليرة.
هذا هو مجموع ما عقدناه من القروض واستلفناه من المصارف وأنفقناه من الأموال والأعتاد في أثناء الحرب وإذا أضفنا هذا المبلغ إلى ما كان على خزينتنا من الديون قبل الحرب وهي مائة وخمسون مليون ليرة بلغ مجموع ديوننا إلى هذا اليوم نحو ثلاثمائة وثلاثين مليوناً من الجنيهات وإذا حسبنا معدل تقاسيطها السنوية مئة في المئة نضطر أن ندفع كل سنة مقدار احد وعشرين مليون ليرة.
أما نقودنا المتداولة بين أيدي الأفراد فهي عبارة عن المسكوكات الذهبية والفضية والمعدنية النيكلوأقدم نقودنا الذهبية هو ما أصدرته الخزينة العامرة في أيام السلطان عبد المجيد بين سنة١٢٦٠و١٢٧٦هـ وتبلغ أربعة عشر مليون وأربعمائة وثمانين ألف ليرة وفي أيام السلطان عبد العزيز ضربت الخزينة من الذهب بين سنة١٢٧٧و١٢٩٧ما يناهز أربعة عشر مليوناً وتسعمائة وسبعين ألف ليرة وفي أيام السلطان المخلوع سك من المسكوكات
следующие страницы →