← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

إنما عظم سليمى حبّتى ... قصب السكر لا عظم الجمل وقال بشار نفسهفي موضع آخر بالمعنى نفسه وهو بليغ: إذا قامت لحاجتها تثنت ... كأن عظامها من خيزران فأنظر الفرق بين قوليه والتفاوت بين خياليه ومن أعجب ما يروى عن بشار هذا أنه سمع قول كثير بن عبد الرحمن: ألا إنما ليلى عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكف تلين فقال: قاتل الله أبا صخر يزعم أنها عصا ويعتذر أنها خيزرانة ولو قال عصا مخ. أو عصا زبد لكان قد هجن مع ذكر العصا فهلا قال كما قالت: ودمجاء والمحاجرمن معدٍ ... كأن حديثها ثمر الجنان إذا قامت لحاجتها تثنت ... كأن عظامها من خيزران ومن المعاني ما يفضل بعضه بعضاُ بدرجات كثيرة مثل قول بشاربن بردالآنف ذكره: وإذا أدنيت منها بصلاً ... غلب المسك على ريح البصل فأساء تخييلاً ولعله أكل البصل فكل ذهنه ولم يتصور ألا ما أكله أين هذا من قول المتنبي: تحمل المسك عن غدائرها الريح ... وتفترّعن شنيبٍ برود ومن تفاضل الشعراء ما رواه الهيثم بن عدي قال: كنا جلوساً عند صالح ابن حسان فقال لنا أنشدوني بيتاً في امرأة خفرة شريفة فقلنا قول حاتم. يضئ بها البيت الظليل خصاصة ... إذا هي يوماً حاولت أن تبسما فقل: هذه من الأصنام أريد أحسن من هذا فقلنا: قول الاعشى: كأن مشيتها من بيت جارتها ... كرّ السحابة لا ريث ولا عجل فقال هذه خراجة ولاجة كثيرة الأختلاف فقلنا ما عندنا شئ فقال: قول أبي قيس بن الأسلت: ويكرمها جاراتها فيزرنها ... وتعتلّ عن أتيانهنّ فتعذر وليس لها أن تستهين بجارة ... ولكنا منهنّ تحيا وتحفز وكثيراً ما يختلف حكم الشعراء في أمرين أو أكثر مثل قول ابن الرومي: أن يخدم القلم السيف التي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم

стр. 6722

فالموت والموت لا شئ يعادله ... ما زال يتبع ما يجري به القلم كذا قضى الله في الأقلام مذ بريت ... أن السيوف لها مذ أن أرهفت خدم وقال في ضد هذا أبو الطيب المتنبي: حتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيفّ ليس المجد للقلم وقال في مثل ذلك أبو تمام الطائي: السيف أصدق أنباءً من الكتب ... في حده الدّ بين الجدّ واللعب ولقي خالد الكاتب أمد طلبة المبرد فقال له: ما الذي أنشدكم اليوم؟ قال: أنشدنا: أعار الغيث نائله ... إذا ما ماؤه نفدا وأن أسدٌ شكى جبناً ... أعار فؤاده الأسدا فقال خالد أخطأ القائل هذا الشعر. قال كيف قال خالد ألا تعلم انه إذا أعار الغيث نائله بقي بلا نائل وإذا أعار الأسد فؤاده بقي بلا فؤاد قال الطالب: فكيف كان يقول؟ قال علم الغيث الندى حق إذا ... ما حكاه علم البأس الأسد فله الغيث مقرٌ بالندى ... وله الليث مقرٌ بالجلد وأجتمع أبو العتاهية مع محمد بن مناذر فقال له: كم تنظم من الشعر في اليوم؟ فقال له: لا أنظم القصيد إلا في الشهر أو الشهرين فقال له أبو العتاهية: أما أنا فقد يتفق لي في اليوم من النظم الألف فأكثر فقال له نعم أنت تنظم ذلك ولكنك تنظم مثل قولك: ألا يا عتبة الساعة ... أموت الساعة الساعة وقولك: أتراني يا عتاهي ... ناسياً تلك اللاهي أما أنا فأنظم مثل قولي في رثاء عبد المجيد الثقفي: إن عبد المجيد يوم تولى ... هدّ ركناّ ما كان بالمهدود ما درى النعش لا ولا حاملوه ... ما على النعش من عفافٍ وجود ويظهر تفاضل الشعراء في باب (المآخذ الشعرية) حتى أن الآخذ ربما أجاد وزاد على المأخوذ منه وربما قصر وتأخر منه ولقد نشرت في بعض المجلات كثيراً من المآخذ

стр. 6723

الشعرية ولا سيما الشعراء بعضهم عن بعض وفي ذلك مسرح لخيال الشعراء ومجال لأحكام أفكارهم الدقيقة في التفاضل وإليك والآن بعض ما صرح به بعض المدققين من هذه المآخذ أوعن لنا قال المجي في خلاصة الأثر: أن قول لطفي بن المنقار الدمشقي: ظعنّ والقلب في ركائبهم ... يخفق والجسم للضنى نهب من فوق خلي وضعت يدي ... فلم أجده وصدها اللهب هو أدق من قول المتنبي: ظلت بها تنطوي على كبدٍ ... نضيجةٍ فوق خلبها يدها وقال أبو العلاء المعري: يُنا في أبن أدم حال الغصون ... فهاتيك أجنت وهذا جنا تغير حناؤه شيبه ... فهل غير الظهر لما أنحنى فأخذه الآخر وتصرف بمعناه بحسب خياله فقال وقد أخرجه مخرج الحكمة وأجاد حتى فضل الأول رشاقة: يا من يدلس بالخضاب مشيبه ... إن المدلس لايزال مريبا هب ياسمين الشيب عاد بنفسجاً ... أيعود عرجون القوام قضيبا ومن أبيات الحماسة في هذا الباب قول أحدهم: أن يسمعوا ريبةً طاروا بها فرحاً ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا صمٌ إذا سمعوا خيرّا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوءٍعندهم أذنوا جهلاً عليّو جبناً عن عدوهم ... لبئست الخلّتان الجهل والجبن ومنه تناول القائل قوله (ولي إذن عن الفحشاء صماً) والآخر (إذن الكرام من الفحشاء صماء) ولكن بعضهم زاد على المعنى فقال وله الفضل بالسبق في التقسيم: مستنجدٌ بجميل الصبر مكتئب ... على بني زمن أفعالهم عجب أن يسمعوا الخير أخفوه وإن سمعوا ... شراً لشاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا إلى غير ذلك ما يدل على تفاضل الخيال وتفاوت التصور ويرجع إلى جودة القريحة وصفاء الذهن وفوق كل ذي علم عليم. (زحلة)

стр. 6724

عيسى اسكندر المعلوف

стр. 6725

البيزرة وكتاب فيها أبواب الباب الأول في أولية الصيد واتخاذ البزاة - قال أدهم بن محرز من أهل المعرفة بالجوارح: إن أول من أضنى الصقر الحارث بن معاوية وهو أبو كندة في زمانه فإنه وقت يوماً على قانص قد نصب شبكة للعصافير فانقض صقر من الجو على العصافير التي في الشبكة ليحصل فيها طعمه فلما رآه الحارث أخذه إلى منزله وشده وبقي أياماً يراعيه ويؤنسه فأنس وصار إذا رمي له الطعام أكله وإذا رأى الحمام نهض إليه باتخاذها وتعليمها ورآه يوماً وقد ثارت أرانب في الصحراء بين يديه فطلبها وأكثر النهوض إليها فاقتنصها بعد أن سفها عدة دفعات وصارعها وبعد ذلك علمه على الظبي فأخذه ثم اتخذها العرب وصارت في أيدي الناس وأما الشاهين فإن بعض ملوك الروم رآه يوماً وهو في السماء محلق ثم أنقض على طير ماء فضربه ثم أرتفع دفعات فقال هذا طير ضار فأمر بأن ينصب له فنصب واصطيد واضري وصار يصطاد بين يديه وذكر سعد بن عفير عن هاشم قال خرج قسطنطين ملك الروم يوماً للفرجة فعبر إلى مرج بين الخليج والبحر فرأى شاهيناً ينكفي على طير الماء فأعجب بما رأى من سرعة أنقضاضه والحاجة على صيده فأمر أن ينصب له ويصطاد ففعل لما حصل أمر أن يضرى ويعلم فكان قسطنطين أول من لعب بالشواهين ولما رأى ذلك المرج وطاب له وأعجبه موضعه بين الخليج والبحر أمر أن تحدث هناك مدينة وبنى فيه وبنى الناس وسماها باسمه القسطنطينة وقال الغطريف أول من لعب بالعقبان أهل المغرب وأن حكماء الروم لما رأوا شرها وقوة سلاحها وعظم خلقها قالوا هذه التي لا يقوم خيرها بشرها. الباب الثاني في صفة خلق الضواري ومنازلها وأجناسها وما قال أهل المعرفة في كل واحد منها تفضيل بعضها على بعض - قال الغطريف وأدهم بن محرز أن الله تعالى خلق هذه الجوارح على مراتب بحيل بعضها عن بعض وهوي بعضها عن بعض وتختلف أجناسها وهي خمسة أجناس وست مراتب فالأجناس الطرفيل والباز والسنقر والصقر والشاهين والعقاب فأما

стр. 6726

الطرفيل فهو أفضلها وأجلها لا يحصل في الزمن إلا للملوك واحداً بعد واحد في الأحايين لعزة وجوده فينتقل من ملك إلى ملك ومأواه بلاد الخزر فيما بين خوارزم إلى بلاد أرمينية وقيل أنه لا يعقر بمخلبه شيئاً إلا سمه بحيث أنه كلما برأ جرحه عاد حتى أنه يستمد له عند وقوعه بالدستيانات القوية المحشوة ويتقي بازياريه عقره بمخلبه وهو مجتمع الخلقة عظيم الهامة رقيق الكنيد واسعاً يصيد البازي والشاهين وإذا أطلق على رف كراك فإنه لا يقنع بأقل من عشرة وأي شئ طار له أقتنصه ويليه من بعده البازي الذي هو دون الوافر ويسمى النهيمي بالفارسية ثم الزرق - زنة سكر - وهو في خلق البازي وهو أسمه في العراق وفي الحجاز والشام ومصر يسمونه الساف ويصيد بعد دق البازي - الحقير من البزاة - وما دون ذلك إلى العصفورثم يليه طير أصغر منه يسميه أهل العراق وأهل الحجاز العصفى ويسميه أهل الشام ومصر البيدق صيده السماني والعصافير والجنس الثالث الشاهين وهو ما دونه من أشكاله أربع درجات بعضها أرفع من بعض وكلها على خلق واحد وطبع وأحدها الشاهين وهو أجلها وأفضلها ثم يليه الأنيقى وهو نصف شاهين وسميه أهل العراق الكرك (كذا) ويلعب به أهل الشام والروم ولايصيد صيد الشاهين كله ثم يليه البؤبؤ ويسمي أهل الشام ومصر الجلم - المقص أو المقراض - لخفة جناحيه وهي صغار حادة الرؤوس حادة الأنفس شديدة الصبر تقتل الكركي البرية وما دونها من عصافير الصحراء إلا أنها تتعب بازياريتها لكثرة تنقلها بصيدها ثم يليه القطامي ويسميع أهل العراق الفيزجة وسميه أهل الشام ومصر العوسق وهو طير لطيف يشبه الشاهين في سواده سريع الطيران أسرع طيراناً من البؤبؤ يصيد بها صبيان الشام ومصر العصافير والقنابر ثم الصقر ودونه من أشكاله وهي ثلاث طبقات بعضها أجل من بعض وكلها خلق واحد وطبع واحد أحدها الصقر وهو أجلها ثم يليه الكونخ وهو أسمه بالعراق ويسيه أهل مصر والشام والحجاز السقاوة ويكون بالمغرب والعراق ويصيدون الصقر ولا يأخذ طير الماء إلا النادر من جنسه ولكنه يقتل الأرانب والكروانات ثم يليه السنك وهو أسمه بالفارسية وتفسيره الحجر وهو أزرق العينين يصيد ما يصيده الباشق إلا أنه دونه في الصيد وهو أقوى من الباشق جسماً واضرى وأصبر. ثم العقاب والزّمج - مثال خرد - وأولها العقاب وأجلها وأفضلها لأنه يقتل الظباء والثعالب وبعده الزّمج وهو يصيد الكركي والأرانب وما

стр. 6727

دونها ولا يقدر على الظبي. الباب الثالث في ذكر ما يصلح من غير الضواري أن يربى تربية الضواري ويضرى ضرايتها فيصيد - قال أهل المعرفة والعلم بالجوارح أن الغراب الابقع والحداة التي تصيد الفاو متى أخذ الأنسان من ولد الغراب الابقع فرخاً يكون أكبر فراخه صغيراً زغباً ويربيه تربية الضواري وأطعمه طعم الضواري وأنسه تأنيسها وحمله على يديه وعوده ذلك واستجابة كما يستجيب فراخ الضواري وكسر له مرةً وثنتين الدراج وذبحه في كفه وأشبعه عليه فإنه يصيده فيما بعد وكذلك فرخ الحداة الذي لا يكون مسرولاً بالريش وهذان الفرخان يصطادان فراخ الحجل والدراج إذا ضريا وعلما كما تقدم. الباب الرابع في معرفة ذكور الباز من إناثها - قال الحكماء أن ذوات المناقير هي الطير التي لا تصيد وتسميها العرب بغث الطير تكون الذكران منها أعظم أجساماً وأنبل خلقاً من الإناث وتكون الإناث ألطف مقداراً وأصغر أجساماً من الذكران. وذوات المناسر التي تسميها العرب سباع الطير والضواري تكون ألطف خلقاً وأكبر أجساماً وأضخم حجماً وأبهى في الأعين أناثها من ذكرانها وعلى ذلك فقس في البازي والصقر والشاهين وما يجري مجراها. الباب الخامس في مدح البزاة وما وصف من فضلها_قال خاقان ملك الترك البازي شجاع وقال كسرى أنو شروان البازي رفيق حسن لا يأخذ إلا في وقت الفرص وقال قيصر البازي ملك كريم أن جاع أخذ وأن استغنى ترك وقالت الفلاسفة حسبك من البازي سرعته في الطلب وقوته في الرزق لاسيما إذا قوادمه وبعد ما بين منكبيه وذلك أبعد لغايته وأجد لسرعته الا ترى أن الصقور والشواهين تطيل مدى طلتها في طرد الصيد ولا ترجع عنه حتى تدرك غايته أو تصل إلى التبنج - لعله التشنج - فيتحصن به منها ولا يلحقها ضجر في ذلك وذلك لطول قوادمها وكثافة أجسامها وقال أرسيخاس الحكيم أن البازي طير عاري الحجاب وهو أضعف الطير شحماً وأشجعه قلباً وفي طبعه حرارة تزيد على حرارت باقي الجوارح وقال وجدنا صدورها منسوجة بالعصب من اللحم وقال جالينوس الدليل على صحة قول

стр. 6728

أرسيخاس في فرط حرارة الباز أنه لا يتخذ لنفسه وكراً إلا في قعر وادٍ كثير الدغل من غير أن ينتقل فلو أن الدليل على حرارته سرعة حركته وعلوه في الطيران وشراسة خلقه وضرائه وقوة مخالبه وعظيم نفسه لكان أفضل ويطلب برودة الوادي لتواري قعره عن الشمس بكثرة الدغل وانحرافه عن سمت الشمس وإذا حصل الباز في أرض قليلة الدغل والشجر تراه يطلب لحف الجبل أو مرتفعاً من الأرض ذا ظلٍ وشعاب يستتر بها أو يكن ولرقته وترفه أيضاً لا يقدر على البرد والدليل على ذلك أن البزاة لا تشتي في بلادها وتطلب البلدان الدافية فإذا ذهب الشتاء وقرب الصيف عادت إلى بلادها ومواضع أعشاشها مثل بلاد أرمينية وأفريقية وجرجان وما شاكلها وكل أقليم يكون كثير الأشجار والدغل فإنها تطلبه لأن أوكارها تكون هناك ولهذا يشد تحت أرجلها وفوق كنادرها - مجاثمها - في زمان البرد والقر الشديد قطع اللبود وجلود الثعالب وغيرها من الأوبار فإنه متى غفل عنها في الشتاء ربما يلحقا من البرد قصر فتموت وكذلك في الصيف يتخذ لها المواضع الهوية المحتجبة عن حر الشمس وتتعاهد بالغسل وفرش الرمل الندي. الباب السادس في سفادها ومعرفته وما تتفرع إليه أخلاق البزاة - قال حكماء الهند أن الأناث من البزاة إذا حان وقت سفاد الطيور وهيجانها يغشاها جميع ما تصادفها من أجناس الضواري من البزاة وغيرها من الزرق إلى الحداة المعروفة والصقر فإنها تعلق من جميع ما يسفدها وليس لها بدّ من زرّق تألفها وتلبث معها على بيضها فلهذا السبب يختلف طبع البزاة وجواهرها في ذكائها وفراهيتها وأدبها وشراستها وقوتها وضعفها وجرأتها وجبنها مما يغشاها من الجوارح المختلفة فتفرغ عنها والدليل على صحة ذلك القول أن البازي يصطاد بالطبع من الكركي إلى العصفور جليلاً ودقيقاً فأي بازٍ لم يصد ما ذكرناه فليس هو بزر بازٍ خالص ويكون نغلاً من بزر تلك الجوارح. الباب السابع في نعت أفره أجناس البزاة قالت الحكماء أن خير البزاة الأرقية والبارقية (كذا) وهي أرمينية وبزاة بلد الديلم وبزاة بلد أفريقية وهذه خيار أجناس البزاة وعلامة الأرقية أنها تكون شهل العيون وإن وجدت منها

стр. 6729

طيراً أسود الظهر أكحل العين فهو الغاية في الفراهية وعلامة البارقية أنها تكون كحل العيون سود الظهور وكحل عيونها يكون وهي فراخ فإذا قرنصت أحمرت وتكون كبار الأكف عظيمة الجثة وعلامة الديلمية أنها تكون كبيرة الخلق كثيرة الريش غائرة الأعين مشرفة الحواجب زرق العيون واسعة١١ وبيض الأكف قال بهرام أخو كسرى وكان مغرماً بالصيد أن خيار البزاة الرومية وبعدها الأرمينية والخزرية فهي تقارب الرومية وأما الهندية والصينية فدون الأرمينية وفوق الحبشية وشر البزاة جميعاً الحبشية. الباب الثامن في صفة ألوان البزاة - وأفضلها أن يكون الريش الذي حول أست البازي ويسمى النيفق وشياً مثل وشي صدره والدائرات التي على ريش ذنبه متطاولة كهيئة أظلاف الغزال ويكون أول ريشة في الذنب من الجانب الأيمن ومثلها من الجانب الأيسر كثيرة السواد من أولها إلى أخرها ومن ألوان الفره منها الأحمر الشديد الحمرة والأزرق الغالب عليه السواد الغليظ خطوط الصدر والأشهب شبه الأبيض ثم الأبيض الأصفر. الباب التاسع في نعت ما يستحب من شياة البزاة وخلقها - يختار للبازي أن تكون ركبتاه مخدرتين ضخمتين وكذلك مفاصل أصابعه ويكون الذي فوق أصابعه من الريش مما يلي نيفقه طويلاً بحيث إذا حمله بازياريه يصل ذلك الريش إلى يده وهو علامة الفاره عند أهل المعرفة ويكون من البزاة الصغيرة السيقان والأكف وإذا كان البازي طويل القوادم والأكف قصير الخوافي والذنب كان الغاية في طلقه وكان شبهاً بالشاهين والصقر لأنهما على هذه الصفة فإذا كان البازي كما وصفت لك وكان رمحي الوجه ضخم المنسر غاير العينين بعيد ما بين المنكبين عريض الفخذين قصير الساقين كان المختار الفاره. الباب العاشر في نعت أفضل الذكور من البزاة - قال الغطربف زعم أهل المعرفة بفره البزاة من طراخنة الترك وحكماء الفرس وعلماء الروم أن أفضل للذكور من البزاة وما كان ضخم المنسر واسع العينين رحب مدار الأذنين قصير الخوافي صلب اللحم رحب المزدرد واسع الحوصلة عريض المنكبين منفرج الصدر طويل القوادم قصير الخوافي شديد مجس

стр. 6730

الفخذين قصير الساقين واسع الكفين أسود المخاليب كان طوله في عرضه شديد الأنتفاض كثير الأكل متتابع النفس سريع الأستمراء ضخم السلاح واسع الأست بعيد الذرق كأنه إذا أستقبله يقع على يد حامله شبيه الخلق بالغراب الابقع فإن وجدت في مؤخرة هذا سواداً غالبا لصفرته فذلك الطير الفائق النادر القليل المثل وإن كان لسانه أسود فقد أكمل الصفات الحسان. الباب الحادي عشر في نعت أفضل الإناث من البزاة - والموصوف من إناث البزاة ما كان صغير الرأس عظيم المنسر رحيب الشدقين واسع العينين صافي الحدقة تام العنق طويل القوادم لين الريش واسع الزمكى صغير الذنب وكان مؤخر ذنبه مغروزاً ويكون أخضر الرجلين ممكن الفخذين قصير الركبتين عاري الرجلين من اللحم كثير الأكل سريع الأستمراء فإذا كمل في البازي الأنثى ذلك كان الغاية الجيدة. الباب الثاني عشر في نعت ما يقتل عظام الطير من البزاة - قال أهل المعرفة إذا أردت أن تتخذ بازياً يقتل عظام الطير كالكركي وما شاكله فعليك بالبازي الطويل الوجه كأن وجهه الرمح الأقني السديد المحجز المنخرين الغاير المشرق الحاجبين الأزرق الشدقين التام العنق الأحمر اللون اللين الريش قليلة ويكون بعيد ما بين المنكبين عريض الصدر عظيم الزور طويل القوادم ضخم الزمكة طويل الفخدين شديد عظام الساقين أبيضهما قصيرهما واسع الكفين أبيضهما مخدد الركبتين حالك سواد المخاليب رزين الوزن جرجاني المعدن أو خزريه والله أعلم. الباب الثالث عشر فيما يتخذ من البزاة لصغار الطير - يتخذ لذلك البازي الأصبهرح أوسرخ ديرج (؟؟) أو الأبيض ويكون من بازات خراسان أو خوارزم أو من بزاة الأيواب. الباب الرابع عشر في نعت أسرع البزاة وأقدرها على التحليق والسمو في الجو - قال الغطريف أجمع أهل العلم بالضواري أن البازي إذا كان ضارباً إلى البياض والشبهة كان أسرع البزاة وأحسنها وأسهلها رياضة وأقواها على السمو لأن البازي الأشهب والأبيض فيهما من الحرارة ما

стр. 6731

ليس في غيرها لأن بياضهما لكثرة الثلج في بلادهما من أرمينبة والخزر وجرجان وبلاد الترك قال خاقان ملك الترك أن بزاة أرضنا إذا سقطت فراخها سمت إلى الهواء البارد فأنزلت طيوراً تسكن هناك أبداً فتغذي فراخها بتلك الطيور حتى تقوى فتنهض فبعد ذلك تتغذى بما تصيد وربما وجد في أوكارها أطراف تلك الطيور وأشلاؤها. وسئل جالينوس هل يجوز أن يسكن في الجو حيوان؟ فقال الهواء حار رطب والبرد يعرض فيه لقوة الرياح المرتفعة فلا يخلو المزاج من أن يسوي فيه ساكناً!!!. وقال بليقس إذا كان هذان الأستقصّان الأسفلان يعني التراب والما لا يخلوان من ساكن فكذلك الأستقصان الأعليان يعني الهواء والنار لا يخلوان من ساكن. الباب السادس عشر في صفة ما لا يختلف الظن فيه من البزاة - قال إذا أردت أن تتخذ البازي الفاره وتعرف جوهره وأشكل عليك ذلك فأعمد إلى أجمعها خلقاً وأشدها انقباضا وأرزنها محملاً وأصفاها وأوسعها عيناً وألينها ريشاً وأعظمها منسراً وأسرعها أستمراءً وأشدها تشميراً وأكبرها سلاحاً فذلك البازي الذي لا يختلف ظن صاحبه فيه. وقال أهل الصيد يشترون البزاة بالميزان فما كان أثقل كان ثمنه أوفى ولا يسألون عن خيارها ولا عن ألوانها ويقولون قد يوجد في البزاة بخلاف ما وصف به فره البزاة فيكون مضطرب الخلق كثير الريش طويل الذنب مضاداً لفره البزاة ويكون صيوداً وذلك نادر والنادر لا يعتبر به فاعلم بذلك. الباب الثامن عشر في أقل البزاة أجابة وأعسرها رياضة - قالوا أن نفار البازي وسوء أدبه وعسر أجابته يكون من ضعف نفسه وجبن قلبه وقلة صبره على التأنيس والبازي المقرنص تكون فيه هذه الصفة وكل بازٍ يشرف حاجباه عل عينيه ويشتد بياضها ويكون لونه أحمر يضرب إلى البياض فهو بطئ الإجابة سيئ الخلق شديد النفار فإن أتفق في البزاة ما يكون بهذه الصفة المقدم ذكرها وكان في أخلاقه لينة وفي إجابته سهولة فإنه يكون أفره البزاة وأكثرها جوهراً وقل أن يوجد له نظير. الباب التاسع عشر في شر البزاة وأدبرها - المذموم منها ما كان ضخماً عظيم الهامة متكاثف ريش العنق

стр. 6732

مسترخي اللحم قصير القوادم قصير الفخذين رقيقهما طويل الساقين جعد الكفين صغيرهما ولونه يضرب إلى السواد فاجتنبه فإنه شر البزاة وإذا رأيت البازي ضخماً كثير الريش فيه يسوسه كدر اللون إذا خرج من لبيت يظن أنه قد خرج من القرنصة لكثرة نفور أحمر العينين منزعجهما وإذا قد على كندرته يثب على وجه بازياريه كان يريد أن يأكله إن هزلته سقطت همته وإن أشبعته هرب منك فلا تقربنه فإنه ردي فاعلم ذلك. الباب العشرون في صفة الشواهين وما قال العلماء بها - قال الغطريف وأدهم بن محرز الشاهين أسرع الجوارح وأشجعها وأخفها جناحاً وأحسنها تكفيفاً (لعله تكيفاً) وأستقبالاً وأدباراً أضراها على الصيد إلا أن في بعضها الغدر والأباق وسببها حرصها على الصيد لا أن الغدر فيها طبيعة وخلق وذلك أنها إذا أدبرت وارتفعت وطال دورانها ولم يطر تحتها شئ تنظر إلى البعد طلباً للصيد فيلوح لها فتطلبه ةلا يدركها البازياريه ولا يهتدون إلى مطارحها فيضلون عنها وربما ظفرت بالصيد فأكلته وشبعت عليه وطارت فأوكرت على عض القمامات أو الأشجار والبازياري لا يراها فيقال أنها تعذر لهذا المعنى وقال أرجناجيس الحكيم وجدنا الشواهين صدورها منسوجة بالعصب مجدولة باللحم ووجدناها أقوى الطير من بين الجوارح وأصلبها عظماًَ وأشدها عصباً وأكثرها لحماً وأرقها أفخذاً فلذلك صادت بصدرها وتعلق صيدها بأكفها وقال حكيم اليونان خد مقرنص الشواهين مما قرنص في البيوت فإنها تزداد بالقرنصة ذكاء وجودة وفراهة وأما القرنوص الوحشي فلا تقربنه فما فيه نفع له صلة النجف محمد رضا الشبيبي

стр. 6733

تربية الأطفال لا يجهل حالة الزمن الحاضر وخطورة أمره فإن إعلان الحرب وتفشي الحميات والأوبئة في دمشق وأرباضها وبقاء أكثر العائلات من دون رجال لتجنيد الآباء والأبناء كل ذلك يستدعي النظر ويستحق الاهتمام. تضم الفيحاء بين جدرانها اليوم عدة مكاتب تطوف تلامذتها الشوارع في الأيام الرسمية حاملة الأعلام منشدة الأناشيد صادحة الموسيقى لتظهر للملاء تقدم المعارف ورقبها وربما ظل بعضها حتى نصف الليل طائفاً في الخارج مما نص نظام تربية الأطفال على منعه وقضى بعدم جوازه والواجب أن يبرحوا مدرستهم وأن لا يقيموا مجتمعين في محال مغلقة النوافذ رطبة ضيقة الأكتاف مراعاة لحالة الوقت والصحة. تقسم درجات المكاتب بوجه عام إلى ثلاث عالٍ وتال وابتدائي وسيدور البحث هنا على أولئك الصغار طلاب المدارس الابتدائية لحرمانهم من قوة الإدراك ولكونهم لا يعرفون شيئاً سوى التقليد وما هم في الحقيقة إلا كالببغاء تردد ما تسمعه خلافاً لرفاقهم تلامذة القسمين الباقيين فهم يفرقون بين النافع والضار ويميزون بين الخبيث والطيب. وعندي أن من الخطأ إرسال الأطفال إلى المكاتب في مثل هذا الزمن وترى الأهالي في البلدان التي نما فيها هذا الفن وأزهر يعتنون بتربية أطفالهم في المدارس أكثر من البيوت أما نحن فبالعكس فإننا مضطرون إلى تربيتهم في البيت إن أكثر ما ينجم من الأضرار عن إرسال هؤلاء إلى المدارس ناشئ عن حبهم للتقليد كما أسلفنا فتراهم مثلاً يشربون ماء بردى الممنوع تجرعه صحياً اليوم ولا يحجمون عن ابتياع الفواكه الفجة الممنوعة كالمشمش والخوخ وغيرهما من بقية الأثمار وما يتناولونه من المتليكات ويأكلونه بشراهة مما يكون عاملاً مهماً في سراية الأمراض وانتشارها ولقد ثبت بالاختبار والتجربة أنه إذا أصيب فرد من عائلة بمرض فإن نصيب هذه العائلة الشقاء إذا لم تتخذ التدابير الفنية والاحتياطات اللازمة فلذلك كان من الضروري العناية بتربية هؤلاء الأطفال في العش الذي فيه درجوا والوكر الذي منه خرجوا بعرفة أسرهم في محيط متأخر تضاءلت فيه أنوار العلوم وانحطت الأخلاق وفسدت التربية كهذا المحيط إنقاذاً لهم من شقاء محتم وحفظاً لحياتهم وصوناً لمستقبلهم وهذا على ما أرى لا يحتاج إلى عناء وفرط اهتمام بل هو غاية في السهولة

стр. 6734

أذكر الآهلين بأن عليهم أن يلقنوا أطفالهم في بيوتهم المعلومات العادية البسيطة عن كل ما يحيط بهم من المرئيات والأشياء لتتسع دائرة أفكارهم وتنفتق براعم أذهانهم خدمة لهم ولوطنهم فإذا شاهد الجند تجتاز الشوارع يخبر عن الحادي لهم على الانتظام في سلك الجندية وعن السر في كونها إجبارية وعن الواجبات الوطنية وعن حقوق الوطن ويسرد له على سبيل الحكاية أحوال المملكة وموقفها من الأعداء. ويبين له الماء الطاهر من الماء الآسن وفوائد غسل اليدين قبل الطعام وبعده وشدة لزوم تعلم القراءة والكتابة وتأثيرهما في رقي الأمة والوطن وتاريخ الحكومة وجغرافيتها وأسباب سراية الأمراض وطرق الوقاية منها وذلك بأسلوب سهل لذيذ يستميل الثابت ويدعوه للاستزادة منه وعدم السآمة من سماعه. ١١. العناية قبل كل شيء بإنماء العاطفة الدينية في نفسه والبحث له عن الطهارة والنظافة والدين والإيمان ومتى أنس منه مللاً أو ضجراً يجب طي ذلك الحديث وتنبيهه للطريق القويم بأقاصيص لذيذة وأحاديث مفيدة. نمو الأطفال أهم أسباب نماء الأطفال طريفة ألباسهم وإطعامهم وتربيتهم وتدريسهم فهم متحاجون لجسم سليم تتوقف عليه طريقة الإلباس وجودة التغذية ليفكروا جيداً ويجتهدوا ويفقهوا والعقل السليم في الجسم السليم كما يقولون. ومن الخطأ الفادح أن يمقط الطفل عقب ولادته بمختلف التماطات من صوف وقطن وخام ويبالغ في أسباب وقايته من الحر والقر وترضعه المرضع كل حين ويلبّس صدرة أو يلف في خرق عند نزع القماط عنه ويبيت في غرفة مغلقة النوافذ لا يتخللها هواء ولا تخطر فيها أنوار ذكاء بل يجب أخراجه صباحاً ليستفد من شمس الصباح وأن يحمل إلى الأماكن التي يكثر هواؤها ويعود عند أماطة قماطه الحر والبرد بقدر الإمكان وأما أمر الإرضاع وأصول التغذية فهو بحث آخر له في هذا الباب من المكانة النصيب الأوفر فيجب أن لا ترضع الطفل سوى مرضعه ولا بأس من أرضاعه لبن البقر لكونه أجزل فائدة اللهم إذا كان خالياً من المواد الضارة عارياً من الشوائب معتنى أشد الاعتناء بفحصه وتطهيره. ٍوخير أنواع اللباس وأفضلها لتنمية الرضع عند أول حبوه الطرق الحديثة المتبعة اليوم في

стр. 6735

سويسرا وألمانيا وفرنسا إذ ثبتت بالتجارب فوائدها وهي عبارة عن ألباسه سراويل قصيرة وقفطاناً قصيراً لا أكمام له ويجاب به على هاته الهيئة في الحر والقر ولا بأس من إدخاله الأماكن الثلجية لأن ذلك يزيد كثيراً في نشوئه ونمائه ولا يعود يتأثر من حمارّة القيظ ولا صبارة البرد. ويلزم بعد تعريضه لشمس الصباح وإطعامه طعاماً خفيفاً وأراحته غب ذلك مدة ساعتين أخراجه للنزهة مساءً صحبة والديه أو أحد الخدم وإطعامه بين وقتي الظهر والعصر قطعتين من الحواري (البسكويت) أو كسرة من الخبز فإذا ما كان فارغ المعدة تزداد قوته ويكثر نشاطه ويثب ويعدو ويقع وينهض ومتى ساوره تعب يراح قليلاً ويجب العودة به إلى البيت حالاً عندما يميل ميزان النهار إلى للغروب. ومن أفضل الطرق العصرية ألباس الطفل دائماً اللباس الخفيف وتغذيته قليلاً قليلاً لئلا تنتفخ معدته وكل طفل لطف غذاؤه وحسن لباسه وكثر أخراجه إلى المنتزهات لا تصيبه أمراض ولا تساوره أسقام. تربية الطفل على الأبوين إذا مسهما العوز وحاق بهما الضنك أن يجتهدا في تقليل نسلهما وعدم نمو ذريتهما لكيلا يعجزا عن تربيتهم والعناية بهم وعليهما أن يحرصا متى كبر طفلهما وبلغ أشده على أن يكون لهما أبناء آخرون. ولقد أجمع الباحثون على أن المولود الثاني ينقص من المحبة الأول ويسبب إهمالاً في تربيته وتغذيته مما يحمله على حسد أخيه أو أخته في المستقبل وهو لكونه في دور الطفولة لا يشعر بذلك ولا يدركه لكنه على الأغلب يكون أذكى من أخيه الأصغر وأشد جسماّ وأكثر قوة وأوفر اجتهاداً ويكون حراً بحركاته وسكناته وغيابه وحضوره فيذهب أنى أراد ويدرج حيثما شاء مما يساعده على نمو جسمه وتكامل أعضائه بالنسبة للصغير الذي تكثر العناية به والمحافظة على صحته فلا يفارق والدته ولا يبعد عن بصرها والذي يحب التدقيق به الآن أي التربيتين أفضل تربية الكبير أم الصغير أتفق أرباب الاختصاص وثبت بالتجارب العديدة أن تربية الكبير تكون أفضل اللهم إذا كان المحيط راقياً والأخلاق سامية لأنه لا يجد من العطف والحنو ما يجده أخوه فلذلك يشب نشيطاً قوياً بخلاف ذاك الذي ينشأ على عكس

стр. 6736

هاتيك الأخلاق بالنظر للمحيط الذي نما فيه ويعاني مصاعب جمة في آخر الأمر لتغيير أخلاقه وتهذيبها. وبعد فقد أدراك القارئ من التفاضل الذي أجريناه بين تربية هذين الطفلين أن تربية الأكبر أفضل ونرى أن مصلحة الأسرة التي مسها العوز أن لا يلد لها مولود قبل أن تنتهي من تربية طفلها الأول وبغير ذلك لا يصلح شأنها ولا يرغد عيشها. حياة الأطفال من القضايا المتفق على صحتها انتشار الفقر والبؤس في كل قطر وصقع وكونه عاماً شاملاً فلا يكاد يخلو منزل من فقر وفقراء وبؤس وبائسين ومع ذلك فقد أجمع أهل العلم على أنه ليس بعزيز على الأسر التي أتاخ العوز ببابه ونزل الشقاء برحابها أن تربي أفلاذ كبدها تربية جيدة وتنبتهم نباتاً حسناً متى كان أحد ركنيها عارفاً ذكياً ذا خبرة في أصولها وطرائقها. والذي يجب أن لا نمر به الآن مرور الكرام باللغو هو اختلاف تربية أبناء الفقراء باختلاف المكان والمحيط فانك لترى الفرق ظاهراً بين تربية أبناء الأستانة وتربية أبناء دمشق كما أنك تشاهد بوناً بين تربية أبناء الفيحاء وأبناء معان واختلافاً في طرق حيلتهم ومعايشهم مما حققه علماء هذا الفن وتحتاج الإفاضة فيه إلى زيادة بحث وطول تنقيب يستفيد الأطفال الذين ينشأون في المدن الآهلة الكبرى من كل شيء - من معاشرتهم أبناء الأغنياء من اجتماعهم بأبناء الكبراء من المدارس. يستفيدون من المحيط بعكس أولئك الذين ينشأون في الأقطار القاصية والأصقاع النائية فإنهم يبدأون منذ نعومة أظفارهم عنهم بأكل خبز الشعير ويطوفون حفاة عراة في منظر غريب عجيب الفتة الأنظار في بلادهم. أمل قد ثبت لدينا من الرسائل الأولى - أن الصغير مفتون بتقليد الكبير راغب في تحديه بأعماله وأطواره - فلذلك كان لأولى لأمثال هؤلاء الأطفال أن يدرجوا في محيط تسامت أخلاقه وطاب ورده وأزهر روضه ومن طاف البلدان الأوربية رأى هذه الحقيقة مجسمة وهبات أن يرى غلاماً مكشوف الرأس عاري الجسم يلعب بالأوحال المتراكمة والماء الآسنة متجولاً في الأزقة والشوارع كما هي الحال في بلادنا وفي كل بلاد لم تنال حظاً من الرقي ونصيباً من النهوض.

стр. 6737

أني سرت في هذه البلاد وكيفما طفت لا تقع عينك إلا على صبية ١١لعابهم سائل أعينهم مملوءة بالعمش أظافرهم طويلة أطمارهم بالية مناظرهم مزعجة تدمي الأفئدة وترمض القلوب والحلوم. والذي أراه أن الآباء يحملون أصر إغفالهم تربية الأبناء وخير لهم وأبقى أن لا يرزقوا ذرية تكون عبئاً ثقيلاً على المجتمع وعالة على الوطن - بإهمال التربية - ويكونوا أثمين إذا لم يلاحظوا هذه القضية - بل أتبعوا أهواءهم ويجب علينا أن نفكر كثيراً قبل العمل ثم نطبق عملنا على الفن وأصوله. أذواق الأطفال في لعبهم يتلذذ الأطفال ويسرون بكل ما يشاهدونه أمامهم منذ تخلصهم من أسر القماط المعروف إلى عام أو عامين ويظلون هكذا يتنعمون بهذه اللذائذ حتى يصلون إلى سن الإدراك فيظنون بكل ما يرونه أمامهم أنه من المشاهد المضحكة وعندما يبلغون سن التمييز يظهر منهم أمور غريبة تلفت الأنظار. وهذه الحلة تحتاج لعناية خطيرة ولأعمال النظر فيها باهتمام فالأطفال الذين ينشأون تحت مراقبة مربي صالح لا يمكن أن يكونوا على عكس ما نشأوا عليه ولا يظهر منهم أمور سيئة. وفي أغلب الأحايين نرى الأطفال يتلذذون باللعب المختلفة في سن الطفولية وبعد اللعب يأتي دور الملاهي الممنوعة كالتسلي بخوض المياه وغيره فالطفل الذي لم يتكامل دماغه بعد يظهر بمظاهر الإدراك بحسب ما يلقنه محيطه إذ من الأمور الراهنة الطبيعية أن الطفل ينقاد دائماً لتقليد ما يمثل أمامه لأن الأطفال لا ينشأون على حالة واحدة مهما كانت دواعي الألفة مبذولة بينهم أي أننا نرى ما يسر هذا الطفل يسوء ذاك وما ينفر منه ذاك يلذ هذا وهذه القضية ثابتة بأمثالهم بين العائلات التي يوجد بها أكثر من واحد إذ كثيراً ما نرى أنه بين أطفال العائلة الواحدة من يلذ له الاستحمام في أن أخاه ينفر منه أشد النفور وبينما نجد الأول جريئاً حراً نرى الآخر خجولاً خاملاً. قلنا أن تعلة الأطفال من حيث النظرة العمومية هي الأالأعيب فهذه المسألة الأالأعيب التي نرها تافهة في نظرنا هي ذات شأن تحتاج للبحث والتنقيب في بلادنا فلذلك أريد أن أضع قياساً فارقاً بين الألعاب الأوربية وبين تلك التي يميل إليها أطفالنا في بلادنا وأني على

стр. 6738

يقين بأن القراء الكرام سيضحكون من هذا القياس الذي سأوضحه هنا لنلاحظ اللعب التي يتسلى بها الأطفال الأوربيون كتب مصورة ضخمة ومجلدة على أحسن حالة لئلا تتمزق بسرعة أدوات زراعية صغيرة الحجم جداً ووسائط نقلية أيضاً من الحجم الصغير وحيوانات متنوعة مصنوعة من الخشب ثم أعلام وعلائم وشعائر كثيرة الخ. أما اللعب التي أعتدنا أن نقدمها هنا لأطفالنا فهي على الأكثر عبارة عن قطعة خشب صغيرة جعلت لإزعاج سامعيها بصوت دورانها على محورها يعبر عنها في البلاد التركية بثرثرة العجوز ودف صغير وحربة صغيرة ومظلة من ورق وطبل وزمر الخ. وما أظنني مبالغاً فيما قلته بهذا الصدد وأنه ليلذ لي كثيراً تدقيق هذه التوافه وتتبعها فلذلك أقول أن هذه السطور هي نتيجة أبحاثي الدقيقة فلا يمكن أن يكون فيها مبالغة أو زيادة. تربية الصغار بين الكبار حينما يأخذ الصغار يستفيدون من محيطهم وتمييز ما يرونه ويشعرون به يجب أن يقضوا معظم أوقاتهم مع الكبار أكثر من أترابهم ونعني بالكبار أفراد العائلة الذين هم منه ولا تزال مسألة حضور الصغار مع الكبار محل الخلاف في محيطنا فبعضهم يرى أن تكلم الصغار في مجالس الكبار ناشئ من عدم التربية ويمنع الصغار من كلام الكبار والتكلم في مجالسهم وأن يظلوا وقوفاً في مجالسهم ولا يجلسوا ويقتصرون على النظر أمامهم إلى غير ذلك وبعضهم يرى عكس هذا ويوصي بمنح الصغار الحرية التامة وباختلاطهم دائماً بالكبار كي يستفيدوا من مجتمعاتهم ويحث على اندماجهم في جمعياتهم وقبولهم فيها وهناك فريق من المتخصصين لهم آراء متباينة في هذه المسألة فنحن نصرف النظر عن الجميع ونفكر فيما يقتضيه محيطنا فنرى العلم لم يرتقي فيه الشعب إلى مستوى متقارب كما هو معلوم بالبداهة وبذلك يجب أن لا نتمسك بأقوال أحد الفريقين في هاته المسألة بصورة مطلقة بل لا بد لنا من التوقي من الإفراط وملازمة الاعتدال فكما شاهدنا الصغار شديدي الوقاحة فيما إذا بش في وجوههم أكثر من اللازم نرى الصغير من فرط العبوس في وجهه ينشأ شديد الخجل كثير السكوت إلى درجة مذمومة ولذلك نرجح أن تربي كل عائلة وبتعبير أصح كل والدين أولادهما حسب تربيتهما الاجتماعية والمسألة المعضلة هنا هي معرفة التربية الاجتماعية لكل عائلة حتى ينتقي منها الأحسن لأن لكل محل من بلادنا أصولاً في التربية

стр. 6739

مستقلة لا يشاكل فيها غيره فنحصر نظر البحث الآن في القطر السوري ونقول أن حياة العائلي في أوربا تكاد تنحصر في ثلاث طبقات: الأولى الكبار والثانية الأوساط والثالثة الصغار أعني العوام أما عندنا نحن فلا تجد غير طبقتين بوجه عام. وأما في سوريا فقد أرانا البحث بأن الأقسام ثلاث في جهات عديدة تقليداً لأوربا وحينئذ يلزمنا أن ندع الطبقة الأولى ونبحث في الاثنتين ونتخير لهما أصولاً معتدلة فنقول: يجب الاعتناء التام في تربية الصغار على عدم الإفراط في الحرية لتزداد حريتهم تدرجياً بتقدم أعمارهم وبرعاية هذه القاعدة لا ينشأ الصبي وقحاً بل فطناً نير الفكر نعم يجب توقي هذا الشرط في كل محيط يقل فيه سلطان التربية أما في الأسر الكاملة التربية الاجتماعية فيمكن حضور الصغار في مجالس الكبار غالباً بشرط أن تكون تلك المجالس مما يستفيد منه الصغار ولو بعض الاستفادة بحيث يدور حديث تلك المجالس حول مسائل جدية مفيدة وأن يجارب الصغار الحاضرون بصفة مستمعين في هذه المجالس على أسئلتهم البسيطة ويوضح ما غمض على أذهانهم فإن هذا لا يخلو من الفائدة أن الألعاب التي تعطى أطفال الأوربيين النابتين في الأوساط المتمدنة مختلفة في أصولها فيعطى فيها الطفل مثلاً سيارة (اوتوموبيل) صغيرة جداً من وسائط النقل ويشرح لها من مخترعها وما هي وتاريخ اختراعها والبلاد والمعمل الذي صنعت فيه ويذكر له فوائدها ويحلل له تراكيبها كل ذلك بدروس موجزة تلائم ذوقه حتى إذا تعلم الطفل هذا الدرس ١١ذهنه بحركة عقله فيخطو خطوة نحو الترقي ثم يناولونه محراثاً ذا عجلات وآلة تذرية مثلاً من الآلات الزراعية ويكن بقياس صغير أيضاً ويشرحون له ما يتعلق بتينك على الآلتين على حسب ما تقدم وفي أثناء الحديث يستطردون إلى بيان ما للآلتين من العلاقة بزراعية المملكة ويزيدونه شرحاً كلما أنسوا فيه رشداً وذكاء ثم يناولونه راية أمته وبلاده مثلاً وبينما هو يلعب بها يفهمونه ما لها من الموقع العظيم في أفئدة الشعب وكيف يلتفون حولها ويدافعون عن حمى بلادهم متحدين منضوين تحت ظلها وما لهم من عظيم السعي لنيل هذه الأمنية وما للعلم والمعرفة من ترقية الأمة في سلم التمدن ومعارج الترقي والكمال كل ذلك بطريقة بسيطة جداً أشبه بالهزل منها بالجد فيحب الطفل هذه الألعاب بطبيعته ويأنس بها ويسعى في حفظها وتعليق الفوائد الخاصة بكل واحدة منها فينشأ على هذه الصورة نير الفكر ثاقب الذهن أما الصغير

стр. 6740

فعندنا يلعب من الصباح إلى المساء بدف مثلاً وحينما يستوحش من صوته المزعج ولا يحظى بفهم الغرض منه تنقبض روحه فيعمد إلى كسره وتمزيق جلده ويلقي به على الأرض محطماً لا فائدة فيه فيقوم مربيه ويعد هذه الأعمال جريمة منه فيعاقبه عليها بضربه بالعصا أيضاً. وهذا كله واقع لا مبالغة فيه فماذا تستفيد الأطفال التي تربى على هذه الصورة. لابد أن تضطر للاختفاء عند أرادة أي عمل كان معتاد القبائح أكثر من المحاسن وتجنح إلى الأخلاق السيئة الرديئة وتساق إليها على خط مستقيم. وتشب على ذلك لا ينبت فيها شعور حب الوطن والأمة والعلم والمعرفة والتضامن وتبقى جاهلة بكل شيء إلى أن تدخل المدارس وتختلط بصبيانها. فحبذا لو بالاستفادة من كل ذرة في محيطهم وتعودهم ذلك فتستنير أفكارهم فينشأون ثاقبة أذهانهم كاملة قوامهم حميدة أخلاقهم. الأطفال والموسيقى الموسيقى لازمة للإنسان غير مفارقة له وهذا لا ينكره أحد الناس. فكما أن أكثر من الأخلاق السيئة في العصور الأخيرة قد أصلحت بالموسيقى كذلك نرى بعض الأمراض قد أخوا بمداوتها بالموسيقى وحققت التجارب أن الحيوان كالإنسان يتأثر بالموسيقى ويتلذذ بها. والموسيقى تتبدل في كل أمة بحسب تربيتها ونشأتها فالموسيقى الشرقية مؤثرة جداً من حيث مبادئها بيد أن الموسيقى في الشرق ولاسيما في هذه المملكة قد أهمل أمرها في الدور السابق كما أهمل فيها كل نافع حتى كادت تنقرض بالتدريج والغاية من هذه المقدمة الصغرى تلقين الأطفال منذ نعومة أظفارهم فوائد الموسيقى وأن يعلم الأبوان أن من واجبهم ولوع أولادهم بالأصوات الموسيقية أو بإحدى الآلات الموسيقية وتعليمهم التلذذ بها فقد أثبتت تجارب الأخصائيين بعلم النفس أن المولعين بالموسيقى يجئ منهم بالنسبة لغيرهم أناس رقيقة عواطفهم مهذبة حواشيهم فالواجب اعتبار الموسيقى وتأثيرها الخارق للعادة على هذا النحو وأن لا يتخذ معياراً للموسيقى ما يسمع من الألحان المغلظة في بعض القهاوي والمسارح من أفواه الموسيقيين المتوسطين وآلاتهم: فالموسيقى شعر والشعر موسيقى. أن من اعتادوا الموسيقى منذ صغرهم لا يدخل عليهم السأم في أوقات الفراغ ولا القفار

стр. 6741

والجبال فكل آلة موسيقية مهما كان نوعها تسلي الإنسان وتشغله في أي مكان نزل وتكون له في أوقات الاضطراب خلاً وفياً وعشيراً صفياً تذكره الماضي وتفتح له باب التفكير في المستقبل. وإذا بحثنا في أسباب ارتقاء مدنية أوربا إلى هذا الحد نجد للموسيقى تأثيراً كبيراً فيها فبدلاً من أن يولع الأطفال أوقات الفراغ بالعبث فيجتمعوا أثنين أو ثلاثة في ناحية يلعبون بالنرد أو الورق أو غيرها من الألعاب إذا مالوا للاستفادة مما في أيديهم من لآلات الموسيقية تعلو عواطفهم بالطبيعية وتزيد صلاتهم الودية وروابطهم الأخوية أمام غيرهم وينمو في الوقت نفسه ولوعهم بالشعر وبهذه الصورة تنبعث عواطفهم الوطنية ويزيد ارتباطهم بوطنهم ولا يفوتنا أن كثيراً مما عم بين الناس من الموسيقى قد كتب على صورة عادية بسيطة عامية فكما أن الشاعر يكتب عواطفه في الحوادث المؤلمة المؤثرة فالموسيقار كذلك فالموسيقى كالشعر شقيقان متلازمان. الموسيقى من الأمور الذوقية على كل حال فلأشغال الأولاد بها منذ عهد الطفولية وإشباعهم بعواطف الوطنية والقومية ليكون من الموسيقى فرض يقومون به آونة الفراغ واسطة لذكرى آبائهم وأجدادهم وتخليد لأسمائهم ويلقنوا رقة العاطفة - يجب أن تملأ أسماعهم على هذه الصورة حتى يتعشقوا الموسيقى ويتألف من أفراد الأسرة جوقة موسيقية. كل مدرسة ابتدائية ووسطى في أوربا تحوي في برنامجها درساً في الموسيقى لا يقل عن ساعتين في الأسبوع فالدروس الأولى يكون منها تعويد الأطفال على الأصوات الموسيقية فقط وبعد سنة أو سنتين يعودون النفخ في آلة موسيقية على صورة لا تضر برنتيهم ومع الأسف أننا لا نجد في هذه الأصول وإذا رأينا في مدارس دمشق آلات موسيقية فإن ذلك منحصر في الطلبة المشتركين بهذا الدرس أما غيرهم فلا يستفيدون من ذلك وهذا ليس من الصواب في شيء ويشترط في تعليم الأطفال المزمار والكرنيتة وغيرهما من الآلات الموسيقية أن تعاين رئاتهم فكما أن الإفراط في كل شيء مضر كذلك الحال في تعليم الموسيقى الآلية للأطفال يجب أن يعلموها بحيث لا تضر برئاتهم. أثبتت الحر الحاضرة شجاعة خارقة وبسالة فائقة للجند الألماني. وإذا تأملنا في سبب ذلك لم نجده الأمن تشبعهم بلبان الوطنية السارية في عروقهم من تأثير الموسيقى بدرجة فاقوا فيها الجند الفرنساوي. نعم نحن لا نشكر أن الموسيقى أكثر ما تلائم الألسن اللطيفة اللهجة

стр. 6742

الآخذ طرز أدائها بمجامع القلوب ولذلك رقى فن الموسيقى رقياً عظيماً في ايطالية فاللسان الألماني مع أنه أصعب الألسن من جهة التلفظ به نجد أن الذين يتولون أمر التلحين في أكثر مسارح التمثيل الأوربية بالموسيقى هم أساتذة ألمان. فقد أظهر الموسيقيان الشهيران بتهوفن وفاغنير وأمثالهما خوارق مدهشة في هذا الفن الجميل وما زالت أسماؤهم تتردد على الألسن كما تردد الأمثال وصدى ألحانهم يقرع الأسماع آناً فآناً وكلما ذكرا هتف ذوو الطرب أعجاباً بذكرهما وتنويهاً بفضلهما إما في بلادنا فنجد آثاراً موسيقية كثيرة مكتوبة باللسان العربي من الألسن القديمة لكن هذا الفن أيضاً قد فيه تشريك الدين كما أريد ذلك في غيره فأصبح فن الموسيقى كأنه من الأمور المحظورة ديناً والفنون النبوذة تعبداً وهكذا الحال عند الأتراك أيضاً أما العثمانيون غير المسلمين فتجد لكل طائفة منهم فن موسيقى مدوناً بلسانها وهذا الفن يشرف لديهم بقدر اهتمامهم في تحسينه وترقيته نعم قد شاهدنا بمزيد المسرة في المدة الأخيرة إضافة فن الموسيقى على دروس المدارس الابتدائية وتأسيس دار للفنون الجميلة في استانبول ومن بحث في علوم النفس وأمعن نظره فيها يجد أولاد أكبر المتبحرين في الموسيقى وكثيرين من أقربائهم المنسوبين إليهم - قد سلكوا هذا المسلك اللطيف أسوة بآبائهم. أما في بلادنا فقلما نشاهد من يحترف حرفة مطلقاً فضلاً عن أن يشتغل بفن جميل كالموسيقى مثلاً. ولذلك تجدنا في حاجة شديدة إلى ألقاء دروس متوالية حتى على الأطفال الذين لا صنعة لهم - في محاسن فن الموسيقى ولذائذه بذلك ينتعش في محيطنا الشعور بفوائد الموسيقى فتنهض لترقيته وتحسين طرائقه الجمعيات المختلفة ويجب علينا أن نسمع ناشئتنا ألحاناً موسيقية مؤثرة كلما ما أقتضى الحال الأخذ بجامع قلوبهم من المقرر أن الأمم لا ترقى بغير المعارف لا تنتشر بغير الموسيقى فأنت ترى الكتيبة من الجند الخائضة لجج الوغى تلقي نفسها في أمواجه أن تقدمتها جوقة موسيقية تؤثر في أعصابها بأنغام وطنية وألحان مطربة فلا تعود تفكر في غير حب الوطن ويرخص لدينا بذل الأرواح في سبيل الدفاع عنه وأنك لتجد لكل أمة آلات تخص موسيقاها كما أن لنا آلات موسيقية خاصة بأمتنا ولساننا. ولا يخطر ببال بعضهم أن آلاتنا الموسيقية عبارة عن الطبل والمزمار فهذا فكر سخيف بل

стр. 6743

منها الكمنجة والطنبور والعود والقانون والدف فهي معدودة من أهم الآلات الموسيقية بل هي الموّلدة تقريباً للآلات الموسيقية الأوربية وإذا ما خطونا خطوة واسعة في ساحة الرقي في هذا الفن يمكننا أن نحيط علماً حتى بالآلات الأوربية ونؤلف بينها وبين آلاتنا. وملخص القول أنه يجب علينا أن نعلم الأطفال على كل حال فن الموسيقى ونذيقهم طعمه ليرغبوا في تحصيله. الصغار والكبار لا يخفى أن الجواب على الأسئلة التي يلقيها الطفل في أي مجلس كان وشرحها له وتفهيمه ما غمض عليه برفق أوفق بكثير من إسكاته وأنتهاره لأن الطفل يغلب عليه العناد والإصرار في طور طفولته فإذا لم يفهم ما سأل عنه في ذلك المجلس تتوق نفسه لتطلب خارجا عنه وبذلك تفشو مفاوضات المجالس الخصوصية وأما كيفية إفادة الطفل وتلقينه المعلومات في المجالس فهي: الاستفهام منه مثلاً وسؤاله عن رأيه في الموضوع والبحث عن درجة فكره ومحاكمته فإن كل هذا مما يرقيه وينير بصيرته. ويلزم أيضاً تربية الطفل على مفارقة المجالس بمجرد ما تدعوا الحاجة إلى زيادة التبسيط في الكلام بين الكبار والتكلم في الشؤون الشخصية ويقتضي أيضاً أن يلقن الطفل بأسلوب لطيف وفي أوقات مناسبة كلما سنحت الفرصة بأن لا يفشي الباحث الخصوصية التي تتخلل الأبحاث العامة ويجب على الوالدين يلاطف أبنه في الدار صباحاً وكلما عاد إليها مساءً ويتفقده ويسأله عما استفاد في ذلك اليوم. ولا مرية في أن أجوبة الطفل في أول الأمر عن تلك الأسئلة تكون تافهة ولكنها تتحسن بقدر عناية والده في تصحيحها وانتقادها وتنبيهه لما يجب كتمه ووصايته باجتناب تكرار الحديث وإفهامه أن جميع ما ذكر مغاير للآداب ويسلك في تربيته على ذلك طريق الإقناع فإن مباحثته بذلك بصورة موجزة كل يوم تؤثر في الطفل تأثيراً شديداً فيتربى على رعاية آداب البحث والمناظرة عندما يتكلم بمحضر أبيه واعتياد حرية القول والفكر في أعمال كل يوم يقضيه وفي محاكمة تلك الأعمال ويلزم أن ينبه على قيمة الوقت وأنه بمثابة النقد لا ينفق إلا في مصلحة ويوصى باحترام النساء والشيوخ أي الطاعنين في السن من الرجال وكل هذه النصائح لا تلقى متعاقبة على شكل درس خاص بل تلقى إليه في المناسبة وفي

стр. 6744

خلال الحديث. ومتى أخطأ الطفل يجب أن لا ينهر بألفاظ بذيئة ويحقر بجمل قبيحة بل ينبه إلى خطاءه برفق ويمنع بلطف عن بذاءة اللسان أن سرى إليه من الخطاء والمعاشرين في الخارج ويعود ترك ذلك بالإشارة بالعين والحاجب لا بالسب والشتم. وعلى كل حال يجب أجادة التدبير في تربية الأطفال فإنا كثيراً ما نرى الأطفال الذين يغشون المجالس الخاصة عندما تمس الحاجة لإخراجهم - يقفون على لبوابهم متجسسين فإذا تربى الطفل على هذه العادة السيئ فشغله بعمل آخر أولى من أخراجه من المجلس كأن يشغل بمناولة كتاب فيه صور وحكايات وقصص إن كان ممن يقرأ وتكليفه ببعض وظائف إلى غير ذلك من الوسائل التي تمنعه عن الاشتراك في خصوصيات المجلس ويتجنب مهما أمكن بذاءة اللسان أمامه حتى لا يعتاد ويربى على أعطاء الجواب عن كل ما يسأل عنه. الأطفال والمدارس لا يخفى أن التحصيل الابتدائي إجباري في كل مملكة وهذا القانون مع أنه نفذ عندنا أيضاً ما زلنا نرى بعين الأسف أن عدد الطلبة في مدارسنا الابتدائية قليل جداً فهو عبارة عن ٤٢٩٩٢٤تلميذاً مع أن نفوس بلادنا تعد بالملايين هذا من الذكور أما الإناث فهن أقل من القليل ولا يعزب عن فهم اللبيب أن رقي الأمة التي تحررت من ربق الاستبداد ودخلت دور الحكم النيابي منوط بترقيها في معارج المعارف وأنك لا تكاد تجد أمياً في أوربا على أن ملكة الاختراع والاكتشاف والإبداع لا ترسخ في النفس إلا بمزاولة العلوم والبراعة في الصناعة كما أن المدنية لا تنال إلا بالتوغل في التربية العلمية والأخلاقية ومع أن هذه الحقائق مسلمة عند كل أحد لا تزال تجد أطفالنا خابطين في ديجور الجهالة لعدة أسباب يجب أن ننظر فيها. بينما ترى الصبي في أوربا يسارع للمدرسة بشوق ونشاط تشاهد الطفل يفر منها كلما وجد إلى الفرار سبيلاً لأنه يذوق طعم التحصيل وسبب هذا النفور يحتاج لأضاح وبيان والذي أراه أن أعظم الأسباب في نفرته هذه جهل المعلمين عندنا بطرق التربية والتعليم على أن جهل المعلمين بهذه الأصول لا يعد جريمة منهم فإنهم أيضاً لم يتعلموا تلك الأصول. تجد عندنا كل شاب نشأ من المدرسة الملكية أو الحقوق يبادر إلى دوائر الحكومة حتى

стр. 6745

يكون مأموراً ولا تجد المعلمين إلا من أئمة المحلات الذين تعلموا شيئاً يسيراً من القراءة والكتابة أو من العاجزين عن البلوغ إلى درجة مأمور ومن السالكين مسالك تكفل لهم معيشتهم خاصة وزد على هذا أن ما كانت تدفعه الحكومة قبيل الآن إلى معلمي المدارس الابتدائية لا يمكن أن يسد عوزاً أو يكفي أحداً. وبهذا تعذر على الراغبين في فن التعليم من الشبان المقتدرين القيام بأداء هذا الواجب لكن قد تنبهت الأفكار أخيراً لذلك فشرع في تزيد عدد المدارس الابتدائية وتوفير رواتب معلميها كما هي الحال في سائر البلاد فزال هذا المانع وبقيت عدة موانع منها أن الأطفال في أوربا مع كونهم لا يبلغون في الذكاء والفطنة مبلغ أطفالنا تراهم تعلموا القراءة والكتابة في زمن قليل وأما عندنا فيقضي الطفل زمناً طويلاً ليبلغ ما بلغه الناشئ في أوربا وسبب هذا التفاوت أن الطفل عندنا لم يذق لذة القراءة والكتابة وذلك بسبب أتباع الأصول العقيمة في تعليمه فإننا نبادر بتدريس الكتب في مدارسنا ونلقيها على أطفالنا الصغار بدون أن نفهمهم ما تضمنته ونعامل الطفل بقساوة زائدة أثناء التعليم فتنقبض روحه من شدة التضييق عليه وتنحبس نفسه من الجلوس على تلك المقاعد الملوثة فتميت هذه الأحوال في الطفل حاسة التعليم ورغبته في التحصيل. ولا يجب أن يعطى الطفل حين دخوله المدرسة الكتب ومماثلها بل يجب تعليمه بعض الموجودات والأشياء بأشكالها الطبيعية وبث محبة العائلة والمدرسة والوطن في روحه وتوصيته باحترام معلمه وقذف بزور الاعتماد والثقة والارتياح والأماني في روحه وتوليد حس فيه يربطه في المدرسة أشد الربط وتعويده الطهارة والنظافة والاستفادة من الوسط والمحيط الذي يعيش فيه وترغيبه في التفريق بين النافع والضار وتحبيبه إلى أخوانه ورفقائه وتشويقه للقراءة في الكتاب المصور الذي يعطى له بعد ذلك وأما إذا ناولته كتاباً من أول الأمر وأجبرته على حفظه بالضرب على رأسه فلا شك أنه يتولد فيه حس يمزق به ذلك الكتاب ويسارع إلى الفور من ذلك الباب ولا يعود يثق بمعلمه وبهذا الأسلوب العقيم لا يمكن أن يتعلم تلميذ أصلاً.

стр. 6746

آداب المعاشرة كن عن حسودك معرضاً ولئن بدا ... لك ودّه فالحق ليس ببارح داء الحسود بطبعه فزواله ... أعيا على جهد الطبيب الكادح وأحذر معاشرة اللئيم فإنه ... مترصد لك كل شر سانح وإذا جلست بمجلس فاظهر لمن ... فيه ظهور معاشر متسامح وتجنّب الدعوى فخجلة مدعٍ ... ما ليس فيه شرّ عار فاضح نزّه كلامك عن قبيح تصنع ... وإذا مزحت فكن أخف ممازح ولما رأيت السامعين إليك قد ... أصغوا فلا تذهب لفرط تفاصحٍ خير الكلام بلغيه فارغب به ... ليس المطيل من الكلام بفالح وأعلم بأن سواك ممن ضمنه ... ذاك المقام يروم فرصة طامحٍ فأفسح له وقتاً لبسط حديثه ... لا تحتكر لك كل سمع جانح وأحذر أشارات اليدين ولاتكن ... متلفتا مثل الخطيب الباجح وأحذر مقال أنا فعلت وأنني ... أهوى كذا وكذا سوس مصالحي لا تجعلنّ أمور نفسك محوراً ... يبدو حديثك حواسه بفواتح كلٌله أمره شغل فلا ... تحسب أمورك ذات قدرٍ راجح وأختر مواضيع الحديث جميعها ... إلا حديثك عنك غير مسامح أن الجراح أشدها في كلمة ... فأحفظ لسانك من كلام جارح لا تثنينّ على مريء بحضوره ... فبغية الممدوح صدق المادح والمال مثل الغيث يسقط تارةً ... فوق الصخور وتارة في راشح والفضل ليس ينال يوماً بالمنى ... وتصادف أو حكم بخت رابح فإذا عصتك من الفنون جماعة ... فانظر إلى ميلٍ بطبعك راجح من رام جمع محاسن الدنيا فقد ... يبلى بفقدان القليل الصالح إن التشبه بالكرام فضيلة ... لا باختلاس ظواهر وملامح فالقرد يحكي كل ما نبديه من ... حركاتنا ويكون هزأة مازح ليس الفتى بثيابه أو لفظه ... لكن بعرفانٍ أو قلب ناصح كم ذي ثيابٍ رثة من تحتها ... نفسٌ عزوف عن أذى وفضائح

стр. 6747

ولكم فتى ذي بزة محمودة ... من خلفها نفس ألوف قبائح لا تعجبنّ برأي نفسك أو بما ... صنعت يمينك من صنيع ناجح أو الذي أوحاه فكرك وأنتظر ... كيما يكون سواك شخص المادح لا تنكرنّ على سواك مزية ... أو تجحدنّ فضيلة لمناصح وإذا غلطت فقل غلطت صراحةً ... لتنال حظ ذوي الكمال الراجح وأحذر مجادلة العنيد فما له ... عن غيه وغروره من كابح وأشكر لمن أولادك خالص نصحه ... حقٌ علينا شكر فضل المانح حلب قسطاكي المحصي

стр. 6748

فوات نهج البلاغة ومن كلامه لما نزل بذي قار وأخذ البيعة على من حضره ثم تكلم فأكثر من الحمد لله عليه والصلاة على رسول الله ﵌ ثم قال قد جرت أمور صبرنا عليها وفي أعيننا القذى تسليماً لأمر الله تعالى فيما امتحنا به ورجاء الثواب على ذلك وكان الصبر عليها أمثل من أن يتفرق المسلمون وتسفك دماؤهم نحن أهل بيت النبوة وعترة الرسول وأحق الخلق بسلطان الرسالة ومعدن الكرامة التي ابتدأ لله بها هذه الأمة وهذا طاحة والزبير ليسا من أهل النبوة ة لا من ذرية الرسول حين رأيا أن الله قد رد علينا حقنا بعد أعصر فلم يصبرا حولاً واحداً ولا شهراً كاملاً حتى وثبا على دأب الماضيين ليذهبا بحقي ويفرقا جماعة المسلمين عني ثم دعا عليها. ومن كلامه ﵇. ما رواه عبد الحميد بن عمران المجلي عن سلمة بن كهيل قال لما التقى أهل الكوفة أمير المؤمنين بذي قار رحبوا به ثم قالوا الحمد لله الذي خصنا بجوارك وأكرمنا بنصرتك فقام أمير المؤمنين ﵇ فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وقال يا أهل الكوفة أنكم من أكرم المسلمين وأقصدهم تقويماً وأعداهم سنة وأفضلهم سهماً في الإسلام وأجودهم في العرب مركباً ونصانباً أنتم أشد العرب وداً للنبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته وأما جنتكم ثقة بعد الله بكم للذي بذلتم من أنفسكم عند نقض طلحة والزبير وخلفهما طاعتي وإقبالهما بعائشة للفتنة وأخرجهما إياها من بيتها حتى أقدماها البصرة فأستغروا طغامها وغوغاءها مع أنه قد بلغني أن أهل الفضل منهم وخبارهم في الدين قد اعتزوا وكرهوا ما صنع طلحة والزبير ثم سكت فقال أهل الكوفة نحن أنصارك وأعوانك على عدوك ولو دعوتنا إلى أضعافهم من الناس احتسبنا في ذلك الخير ورجوناه فدعاهم أمير المؤمنين ﵇ وأثني عليهم ثم قال لقد علمتم معاشر المسلمين أن طلحة والزبير بايعاني طائعين غير مكرهين راغبين ثم استأذني في العمرة فأذنت لهما فسارا إلى البصرة فقتلا المسلمين وفعلاً المنكر اللهم أنهما قطعاني وظلماتي ونكثا بيعتي وألبا الناس عليّ فاحلل ما عقدا ولا تحكم ما أبرما وارهما المساءة فيما عملا. ومن كلامه ﵇ وقد نفر من ذي قار متوجهاً إلى البصرة بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله أما بعد فإن الله تعالى

стр. 6749

فرض الجهاد وعظمه وجعله نصرة له والله ما صلحت دنيا قط ولا دين إلا به وأن الشيطان قد جمع حزبه وأستجلب خيله وشبه في ذلك وخدع وقد بانت الأمور وتحمصت والله ما أنكروا علي منكراً ولا جعلوا بيني وبينهم نصفاً وأنهم ليطلبوا حقاً تركوه ودماً سفكوه ولئن كنت شركهم فيه أن لهم لنصيبهم منه وإن كانوا وله دوني فما تبعته إلا قبلهم وأن أعظم حجتهم لعلى أنفسهم وأني لعلى بصيرتي ما نبست علي وأنها للفئة الباغية فيه اللحم واللحمة قد طالت هلبتها وأمكنت درتها يرضعون ما فطمت ويحيون بيعة تركت ليعود الضلال إلى نصابه ما أعتذر مما فعلت ولا أتبرأ مما صنعت فيا خيبت للداعي ومن دعا لو قيل له إلى من دعوك وإلى من أحببت ومن أمامك وما سنته إذا لزاح الباطل عن مقامه ولصمت لسانه فما نطق. وأيم الله لا فرطن لهم حوضاً أنا ماتحه لا يصدرون ولا يلقون بعده ريا أبدا وأني لراض بحجة الله عليهم وعذره فيهم إذا أنا داعيهم فعذر إليهم فإن تابوا وأقبلوا فالتوبة مبذولة والحق مقبول وليس على الله كفران وأن أبوا أعطيتهم حد السيف وكفى به شافياً من باطل وناصراً لمؤمن. ومن كلامه ﵇ حين دخل البصرة وجمع أصحابه فحرضهم على الجهاد فكان مما قال عباد الله أنهدوا إلى هؤلاء القوم منشرحة صدوركم بقتالهم فإنهم سكنوا بيعتي وأخرجوا ابن حنيف عاملي بعد الضرب المبرح والعقوبة الشديدة وقتلوا السيايجة ومثلوا حكيم بن جبلة العبدي وقتلوا رجالاً صالحين ثم تتبعوا منهم من نجا يأخذونهم في كل حائط وتحت كل رابية ثم يأتون بهم فيضربون رقابهم صبراً ما لهم قاتلهم الله أني يؤفكون أنهدوا إليهم وكونوا أشداء عليهم والقوم صابرين محتسبين تعلمون أنكم منازلوهم ومقاتلوهم ولقد وطنتم أنفسكم على الطعن والضرب الطلحفي ومبارزة الأقران وأي أمري منكم أحسن من نفسه رباطة جاش عند اللقاء ورأى من أحد من أخوانه فشلاً فليذب عن أخيه الذي فضل عليه كما يذب عن نفسه فلو شاء الله لجعله مثله. ومن كلامه ﵇ عند تطوانه على القتلى هذه قريش جدعت أنفي وشفيت نفسي لقد تقدمت إليكم أحذركم عض السيف وكنتم أحداثاً لا علم لكم بما ترون ولكنه الحين وسوء المصرع وأعوذ بالله من سوء المصرع ثم مر على معيد بن المقداد فقال رحم الله الذي أوقعه وجعل الأسفل أنا والله يا أمير المؤمنين لا نبالي

стр. 6750

من ضد عن الحق من والدٍ وولد فقال أمير المؤمنين رحمك الله وجزاك عن الحق خيراً قال. ومر بعبد الله بن ربيعة بن دراج وهو في القتلى فقال هذا اليائس ما كان أخرجه. وأدين أخرجه أم نصر لعثمان والله ما كان رأي عثمان فيه ولا في أبيه بحسن ثم مر بمعبد بن زهير بن أبي أمية فقال لو كانت الفتنة برأس الثريا لتناولها هذا الغلام والله ما كان فيها بذي نخيزه ولقد أخبرني من أدركه أنه ليولول فرقاً من السيف ثم مر بمسلم بن قرظة فقال البر أخرج هذا والله لقد كلمني أن اكلم عثمان في شيء كان يدعيه قبله فأعطاه عثمان وقال لولا أنت ما أعطيته أن هذا ما علمت بئس أخو العشيرة ثم جاء المشوم المجين ينصر عثمان. ثم أمر بعبد الله بن حميد بن زهير فقال هذا أيضاً ممن أوضع في قتالنا زعم يطلب الله بذلك ولقد كتب إلي كتباً يؤذي عثمان فيها فأعطاه سيئاً فرضني عنه ثم أمر بعبد الله بن حكيم بن حزام فقال هذا خالف أباه في الخروج وأبوه حين لم ينصرنا قد أحسن في بيعته لنا وإن كان قد كف وجلس حين شك في القتال ما ألوم اليوم من كف عنا وعن غيرنا ولكن المليم الذي يقاتلنا. ثم مر بعبد الله بن المغيرة بن الأخلس فقال أما هذا فقتل أبوه يوم قتل عثمان في الدار فخرج مغضباً لقتل أبيه وهو غلام حدث جبن لقتله. ثم مر بعبد الله بن أبي عثمان بن الأخلس بن شريق فقال أما هذا فكأني أنظر إليه وقد أخذ القوم السيوف هارباً يعدو من الصف فنهنهت عنه فلم يسمع من نهنهت حتى قتله وكان هذا مما خفي على فتيان قريش أغمار لا علم لهم بالحرب خدعوا وأستزلوا فلما وقفوا لحجوا فقتلوا. ثم مشى قليلاً فمر بكعب بن سور فقال هذا الذي خرج علينا في عنقه الصحف بزعم أنه ناصر أمه يدعو الناس إلى ما فيه وهو لا يعل ما فيه ثم أستفتح فخاب كل جبار عنيد أما أنه دعا الله أن يقتلني فقتله الله أجلسوا كعب بن سور فاجلس فقال أمير المؤمنين ﵇ يا كعب لقد وجدت ما وعدني ربي حقاً فهل وجدت ما وعدك ربك حقاً ثم قال أضجعوا كعباً ومر على طلحة بي عبيد الله فقال هذا الناكث بيعتي والمنشئ الفتنة في الأمة

стр. 6751

والمجلب علي والداعي إلى قتلي وقتل عترتي أجلسوا طلحة بن عبيد الله فاجلس فقال له أمير المؤمنين ﵇ يا طلحة قد وجدت ما وعدني ربي حقاً فهل وجدت ما وعدك ربك حقاً ثم قال أضجعوا طلحة وسار فقال له بعض ومن كان معه يا أمير المؤمنين أتكلم كعباً وطلحة بعد قتلهما فقال والله لقد سمعا كلامي كما سمع أهل القليب كلام رسول الله ﵌ يوم بدر. ومن كلامه ﵇ بالبصرة حين ظهر على القوم بعد حمد الله تعالى والثناء عليه أما بعد فإن لله ذو رحمة واسعة ومغفرة دائمة وعفو جم وعقاب اليم قضى أن رحته ومغفرته وعفوه لأهل طاعته من خلفه وبعد الهدى وما ضل الضالون فما ظنكم يا أهل البصرة وقد نكثتم بيعتي وظاهرتم علي عدوي فقام إليه رجل فقال نظن خيراً ونراك قد ظهرت وقدرت فإن عاقبت فقد أجترمنا ذلك وأن عفوت فالعفو أحب إلى الله تعلى فقال قد عفوت عنكم فإياكم والفتنة فإنكم أول الرعية نكث البيعة وشق عصا الأمة قال ثم جلس للناس فبايعوه وكتب إلى أهل الكوفة بالفتح بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة سلام عليكم فإني أحمد الله إليكم الله الذي لا آله إلا هو أما بعد فإن الله حكم عدل لا يغير ما١١ حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له وما لهم من دونه من وال أخبركم عنا وعمن سرن إليه من جموع أهل البصرة ومن تأشب إليهم من قريش وغيرهم مع طلحة والزبير ونكثهم صفقة إيمانهم فنهضت من المدينة حتى قدمت ذا قار فبعثت الحسن بن علي وعمار بن ياسر وقيس بن سعد فاستنفرتكم بحق الله وحق رسوله ﵌ وحقي فأقبل إلي أخوانكم سراعاً حتى قدموا علي فسرت بهم حتى نزلت ظهر البصرة فاغدرت بالدعاء وقمت بالحجة وأقلت العثرة والزلة من أهل الردة من قريش وغيرهم واستتبتهم من نكثتهم بيعتي وعهد الله عليهم فأبوا إلا قتالي وقتال من معي ١١ في الغي فنافستهم بالجهاد فقتل الله من قتل منهم ناكثاً وولى من ولى إلى مصرهم وقتل طلحة والزبير على نكثهما وشقاقهما وكانت المرأة عليهم أشأم من ناقة الحجر فخذلوا وأدبروا وتلطعت بهم الأسباب فلما رأوا ما حل بهم سألوني العفو عنهم فقبلت منهم وأغمدت السيف

стр. 6752

عنهم وأجريت الحق والسنة فيهم واستعملت عبد الله بن العباس على البصرة وأنا سائر إلى الكوفة إن شاء الله وقد بعثت إليكم زجر بن قيس الجعفي أتسألوه فيخبركم عنا وعنهم وردهم الحق علينا ورد الله لهم وهم كارهون والسلام عليكم ورضى الله وبركاته. ومن كلامه ﵇ حين قدم الكوفة من البصرة بعد حمد الله والثناء عليه أما بعد فالحمد لله الذي نصر وليه وخذل الصادق المحق وأذل للكاذب المبطل عليكم يا أهل هذا المصر بتقوى الله وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم الذي هم أولى بطاعتكم من المنتحلين المدعين القائلين إلينا إلينا يتفضلون بفضلنا ويجاروننا أمرنا وينازعونا حقنا ويدفعوننا عنه وقد ذاقوا وبال ما أجترحوا فسوف يلقون غياً قد قعد عن نصرتي منكم رجال وأنا عليهم عاتب زار فاهجروهم واسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبونا ونرى منهم ما نحب ومن كلامه ﵇ لما عمل على المسير إلى الشام لقتال معاوية بن أبي سفيان بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله ﵌ اتقوا الله عباد الله وأطيعوا وأطيعوا أمامكم فإن الرعية الصالحة تنجو بالأمام العادل الأوان الرعية الفاجرة تهلك بالأمام الفاجر وقد أصبح معاوية غاصباً لما في يديه من حقي ناكثاً لبيعتي طاعناً في دين الله وقد علمتم أيها المسلمون ما فعل الناس بالأمس وجثتموني راغبين إلي في أمركم حتى أستخرجتموني من منزلي لتبايعوني فالتويت عليكم لا بلو ما عندكم فراددتموني القول مراراً راددتكم وتكأكأتم علي تكأكؤ الإبل الهيم على حياضها حرصاً على بيعتي حتى خفت أن يقتل بعضكم بعضاً فلما رأيت ذلك منكم رويت في أمري وأمركم وقلت أن أنا لم أجبهم إلى القيام بأمرهم لم يصيبوا أحداً منهم يقوم فيهم مقامي ويعدل فيهم عدلي وقلت والله لا وهم يعرفون حقي وفضلي أحب إلي من أن يلوني وهم لا يعرفون حقي وفضلي لكم يدي فبايعتموني يا معشر المسلمين وفيكم المهاجرون والأنصار وتتابعون بإحسان فأخذت عليكم عهد بيعتي وواجب صفقتي من عهد الله وميثاقه وأشد ما أخذ على النبيين من عهد وميثاق لتفن لي ولتسمعن لأمري وتطيعوني وتناصحوني وتقاتلون معي كل باغ وعاد ومارق أن عرق فأنعمتم لي بذلك جميعاً فأخذت عليكم عهد الله وميثاقه وذمة الله وذمة رسوله فأجبتموني إلى ذلك وأشهدت الله عليكم وأشهدت بعضكم على بعض وقمت فيكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم

стр. 6753

فالعجي من معاوية بن أبي سفيان ينازعني الخلافة ويجحدني الإمامة ويزعم أنه لحق بها مني جرأة منه على الله وعلى رسوله بغير حق له فيها ولا حجة لم يبايعه عليها المهاجرون ولا سلم له الأنصار والمسلمون يا معشر المهاجرين والأنصار وجماعة من سمع كلامي او ما أوجبتم لي على أنفسكم الطاعة أما بايعتموني على الرغبة أما أخذت عليكم العهد بالقبول لقولي أما كانت بيعتي لكم يومئذ أوكد من بيعة أبي بكر وعمر فما بال من خالفني لم ينقض عليهما حتى مضيا ونقض علي ولم يف لي أما يجب عليكم نصحي ويلزمكم أمري أما تعلمون أن بيعتي ولم لم يفوا بها وأنا في قرابتي وسابقتي وصهري أولى بالأمر ممن تقدمني أما سمعتم قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم الغدير في ولايتي وموالاتي فاتقوا الله أيها المسلمون وتحاثوا على جهاد معاوية الناكث الفاسط وأصحابه القاسطين أسمعوا ما أتلوا عليهم من كتاب الله المنزل على نبيه المرسل لتتعظوا فإنه والله عظة لكم فانتفعوا بمواعظ الله وازدجروا عن معاصي الله فقد وعظكم الله بغيركم فقال لنبيه صلى الله عليه وآله الم ترى إلى الملاء من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم أبعث لهم هل عليكم القتال ألا تقاتلوا قتلوا وما لنا إلا أن نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم والله عليم بالظالمين وقال لهم نبيهم أن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال أن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم أيها الناس أن لكم في الآيات عبرة لتعلموا أن الله جعل الخلافة والإمرة من بعد الأنبياء في أعقابهم وأنه فضل طالوت وقدمه على الجماعة باصطفائه إياه وزيادته بسطة في العلم والجسم فاتقوا الله عبادة الله وجاهدوا في سبيله قبل أن ينالكم سخط بعصيانكم له قال الله لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون أنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم ونفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري م تحتها الأنهار ومساكن

стр. 6754

طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم. اتقوا الله عبادة الله وتحاثوا على الجهاد مع أمامكم فلو كان لي منكم عصابة بعدد أهل بدر إذا أمرتهم طاعوني وإذا استنهضتهم نهضوا معي لاستغنيت بهم عن كبير منكم وأسرعت النهوض إلى حرب معاوية وأصحابه فإنه الجهاد المفروض ومن كلامه ﵇ وقد بلغه عن معاوية وأهل الشام ما يؤذيه من الكلام الحمد لله قديماً وحديثاً ما عاداني الفاسقون فعاداهم الله الم تعجبوا أن هذا له الخطب الجلل أن فساقاً غير مرضيين وعن الإسلام وأهله منحرفين خدعوا بعض هذه الأمة وأشربوا قلوبهم حب الفتنة واستمالوا أهواءهم بالأفك والبهتان قد نصبوا لنا الحرب وهبوا في إطفاء نور الله والله متم نوره ولو كره الكافرون اللهم أن ردوا الحق فأفضض خدمتهم وشتت كلمتهم وأبسلهم بخطاياهم فإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت. ومن كلامه ﵇ في تحضيضه على القتال يوم صفين. معاشر المسلمين أن الله قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم وتشفي بكم على الخير العظيم الأيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله والجهاد في سبيله وجعل ثوابه مغفرة الذنب ومساكن طيبة في جنات عدن ثم أخبركم أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص فقدموا الدارع وأخروا الحاسر وعضوا على الأضراس فإنه أنبا للسيوف على الهام والتووا في أطراف الرماح فإنه أمور للأسنة وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار ورايتكم فلا تميلوها ولا تخلوها ولا تجعلوها إلا في أيدي شجعانكم فإن المانعين للذمار والصابرين على نزول الحقائق أهل الحفاظ الذين يحفون براياتهم ويكشفون رحم الله أمرءاً منكم آسى أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع قرنه وقرن أخيه فيكتب بذلك لائمة ويأتي به دناءة ولا تعرضوا لمقت الله ولا تفروا من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلاً وأيم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلموا من الآخرة فاستعينوا بالصبر والصلاة والصدق في النية فإنا لله تعالى بعد الصبر ينزل النصر. ومن كلامه ﵇ وقد مر براية لأهل الشام لا يزول أصحابها عن مواقفهم ١١ على قتال المؤمنين فقال لأصحابه.

стр. 6755

أن هؤلاء لن يزولوا عن مواقفهم دون طعن دراك يخرج منه النسم ضرب يغلق الهام ويطيح العظام وتسقط منه المعاصم والأكف وحتى تصدع جباههم بعمد الحديد وتنتشر حواجبهم على الصدور والأذقان أين أهل النصر أين طلاب الأجر فثار إليهم عصابة من المسلمين فكشفوهم. النبطية أحمد رضا

стр. 6756

أدواة الجماعات والإلحاد والدين غراء أرضك أصبحت حمراء ... ما بال أرضك لا تمج دماء أأصابها داء الخمار فخيلت ... لشفائه ماء الطلى صهباء أم مسها كلب فأعضل دواءه ... ورأت له فيض النجيع شفاء ورأت سماءك تسطال فصيرت ... سبباً لنيل سمائك الأشلاء أم غراها مدنية قد نافست ... أبناءها بغرورها الجوزاء فاستبدلت بالأسودين الأرجوا ... ن وباخضرار حلة حمراء نزلت سويداء القلوب فلم تدع ... للقوم الأ القطة السوداء ولكم لها يد سوداء لم ... تترك لها صنائعها يداً بيضاء وما انبتت أن أرض تقل ال ... قوم إلا الظلم والهيجاء وإذا سماهم أمطرتهم سحبها ... مطرتهم الأسواء والبأساء ملأت فنونهم البلاد وإنما ... كانت فنونهم ردى وفناء أغرى العداوة بينهم حدٌ به ... كم أصبحوا يستقبلون شقاء وأضلهم طرق الهدى طمع به ... خاضوا لداعية الردى داماء عدوا فخاراً ميتة تحت الظبي ... والحتف في ظل الرماح علاء * * * * قد خالفوا الأديان والديان لم ... احلفوا الأوهام والأهواء زعموا التدين للعقول ضلالة ... وبزعمهم ملؤوا الوجود هراء أتراهم جهلاً عزو ما قد عزو ... للدين ما قد كان منه براء فاستبدلوا بالجهل علمهم بما ... فيه وما كانوا به جهلاء ما الدين إلا وازع يزع العقو ... ل عن الضلال ويصدع الظلماء ما كان قط يريد ظلماً للورى ... كلا ولن يرضى لهم إغواء ركبوا الضلالة متن عمياء وما ... بلغوا بها الأعمى وعماء ولو أنهم سلكوا طريق الدين ما ... تخذوا النزاع طريقة عرجاء * * * * * * * قل للأولى زعموا بأنهم غدوا ... في كشف كل حقيقة علماء

стр. 6757

أظننتم ألحادكم في الدين يد ... فع عنكم الآلام والبرحاء أم خلتم استكمال أنفسكم به ... وبغيره لن تدركوا الأشياء فتخذتم عن من تجلى لطفه ... في الكائنات الصدفة العمياء وعزوتم سنناً لها ونبستم ... حكماً يحير دركها الحكماء * * * * * * * هل جامد يهب الحياة وأعجم ... يهب البيان وينطق العجماء أم هل رأيتم محدثاً مستغنياً ... عن محدث قد شاء ما لا شاء أرأيتم يوماً بناء قائماً ... في نفسه قد أعجز البناء خسأت أناس كم رأت من مبدع ... ملاء العيون مهابة ورواء كم سافرت منها لدرك حماله ... ألبابها فتراجعت إعياء كم شاهد منه على قد أقا ... م على بوارع صنعه شهداء وترى الها وهمها وضلالها ... رباً وتعبد صدفة صماء عرفته في ألبابها ولئن تكن ... جحدت بألسنها له الآلاء وتراه في الضراء أن عنه اغتدت ... عمياء يوم تصافح السراء ومن العجائب أن تحول حبه ... أوهاماً وضلالها بغضاة حثت عزائمها على الإلحاد في ... أسمائه فتبددت أنضاة ما زادها إنكارها وجحودها ... لالاهها إلا به أغراء إن أنكرت أسماءه ما أنكرت ... آثاره وصفاته الغراة ناءت بثقل جحودها ولوان هـ ... ذا الكون حمل بعض ذاك لتاء * * * * * * * ونتيجة الإلحاد أهوال بها ... رزح الزمان وأهد إعياء بلغ الزبى سيلٌ له ما أنفك في ... وكاف كل رزية أتاء هو رائد الفوضى التي كم قد شكى ... منها الزمان وأهله وأدراء ألدين أم ألحاد قوم بالذي ... ذرأ الورى ترك الورى أعداء هل قوّم الأخلاق غير الدين بل ... من غيره قد هذب الآراء

стр. 6758

لو عانق الدين الصحيح الناس عا ... شوا كلهم في دهرهم سعداء * * * * * * * * * كم مهرق ما كان فيه مرقمي ... والنفس إلا الدجن والوجناء لولا الذي قد خط حرفي في صحي ... فته اغتدى عمر المدى ملساء أرعى النجوم مملقة وأحيل في ... هذا السواد خواطري البيضاء لا أشتكي من اللعوب ولا أذ ... م العيس والظلماء والبيداء لا أشتهي عذب القيان بمسمعي ... دو يردد جوه الأصداء أهوى القفار مع السكون ولا أر ... ى العمران يملأ مسمعي ضوضاء * * * * * * * * ضل الأولى حسبوا السعادة (سلطة) ... سام القوي أذى بها الضعفاء أو أنها (حرية) فيها أغتدوا ... من قيد كل شريعة طلقاء أو أنها (مالٌ) يجمعه أمره ... يستام به التيه والخيلاء وطوراً يفرقه بلذته وآ ... ونة به يستعطف الأمراء أو أنها (شعر) به الشعراء تن ... تجع الغنى وتصانع العظماء أو أنها قلم توشي طرسها ا ... لكتاب فيه فتبدع الأيشاء أو أنها (علم) به يتلمس ا ... لعلماء جاهاًً زائلاً وثراء أو أنها (حرب) يروح مغامراً ... فيها الشجاع يناجز الأكفاء وطلابها من غير طرق الدين لا ... يغني عقول الطالبين غناء وإذا الفتى لم يغتدي في راحة ... من لبه قطع الحياة شقاء لا العلم يطفي منه غلة ناهل ... إن لم يطأ للدين فيه سواء وإذا اغتدى في صحة من دينه ... وجد السعادة والشقاء سواء وإذا أصيب معضل من دائه ... لم يلف إلا الدين فيه دواء * * * * * * * قل للأولى جهلوا الحقائق إذا أبوا ... أن يغتدوا لآلههم حنفاء أخفى الجحود عليهم أنباءهم ... في حيث منه تحسوا الأنباء

стр. 6759

إن قربوا النائي فبين ضلوعهم ... سرٌ غدوا عن دركه بعداء من كان يجهل نفسه والآهه ... هيهات يدرك لبه الأشياء فليرجعوا لعقولهم ولينصتوا ... لندائها أن يملكوا أصغاء ولهم قوالب غير أن قلوبهم ... رقت فكادت أن تكون هواء نبذوا تعاليم الشرائع جانباً ... جهلاً وما كانوا بها عرفاء وعنوا بوضع قواعد حسبوا بها ... ترقى جماعات الورى الطياء أرأيت يشبه وضع محدود نهىً ... أوضاع من لا يشبه الأحياء وضعٌ تقلبه السياسية كيفما ... تهوى ويمليه الهوى إملاء لا يستبين السائرين منارة ... منه ولا يستوضحون ضياء وضع به أضحى الأنام جميعهم ... متهافتين على الفنا خصماء كم قوموا سمراً وبيضاً أرهفوا ... لردى وشنوا غارة شعواء وتسربلوا بسوابغ مسرودة ... خاضوا بها لحتوفهم جأواه وكأنما قد حاولوا أن يبتنوا ... فوق البسيط من الهباء سماء تخدراً لها بدلاً عن الشهب القنا ... وعن النيازك أسهماً وسراء ومن المدافع رعدها ومن الصوا ... رم برقها والديمة الوطفاء النبطية سليمان ظاهر

стр. 6760

الأرواح والمشعوذون كل رأي لأم تقم عليه الأدلة العلمية لإثباته هو باطل لا يجوز تصديقه وقبوله ولكن ما لا تستطيع البراهين الفنية نقضه وتزييفه جدير بالقبول وإن كلن بعيد الحصول وكثيراً ما تكون العقول قاصرة عن أثبات بطلان الآراء الجديدة فتضطر إلى تصديقها بسائق العجز والتقصير مثال ذلك ناموس الجاذبية الذي قال به الفيلسوف أسحق نيوتن مستنداً على سقوط تفاحة من شجرة على ضفة أحد الأنهار فتضاربت العقول في باديء الأمر لأن الطباع تحرص على قديمها المألوف فلا تقبل الجديد إلا بعد جدال وعراك في ميدان البحث والتنقيب وقد قرأت في كتاب مخطوط من خزانة الديرالكرملي في بغداد أن مسألة طيران العباس بن فرناس من علماء الأندلس قد أثارت عليه العامة والخاصة ولعنته لعناً بليغاً لأنه أراد أن يتشبه بفرعون في الوصول إلى السماء فصنع له ريشاً كسا به جلده وحاول الطيران ولكنه سقط بأمر الرب لأنه لا يريد أن يعطي البشر ما أعطاه للملائكة والأنبياء ثم مضت العصور وتداولت الدهور والعلماء بين مصدق ومكذب حتى البشر وألفناهم يزاحمون الأسماك بغواصاتهم في البحار وينافسون الطيور في السماء بطياراتهم وهيهات أن تصل الطيور إلى الارتفاع الذي تصل إليه الطيارات المتقنة لأن أجنحتها تكل بعد طيران قليل فتضطر إلى النزول بعكس المناطيد أو الطيارات فهي تبقى محلقة في الجو ما دامت مراد البخار متوفرة في مخازنها قام غاليله قبل بضعة عصور قائلاً بكروية الأرض ودورانها ووقوف جرم الشمس مستنداً على الحقائق العلمية التي أدخلها العرب إلى إيطاليا وأسبانيا وجنوبي فرنسا فلم يرق رأيه لعقول هاتيك الأزمنة القاصرة فقتله حرقاً أو صلباً ومثلوا به تمثيلاً شنيعاً على رواية بعضهم وكذلك أحرقوا جثة دانتي الشاعر الإيطالي بعد زمن طويل من وفاته لأنه قال ما لا ينطبق على مصلحة الرهبان والأكليروس وباح بعض الحقائق العلمية التي لا يتنازع فيها اثنان ولا يتناطح فيها عنزان وهكذا كان شأن العلماء والفلاسفة في الشرق أيضاً قبل أن ينضج العلم وتختمر به العقول والأدمغة ولنا في حياة ابن خلدون وابن رشد والفارابي والرازي وابن سينا وابن باجه وغيرهم من أساطين العلم وأقطاب الفلسفة أمثلة صادقة على ما كان يعترض الباحثين في تقرير آرائهم ونشر مبادئهم. إن الاعتقاد بارتقاء العقل البشري يوماً فيوماً وأنه يسير على ناموس النشر والارتقاء
следующие страницы →