Полный текст (6 802 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
العالم شعر
قرأت وما غير الطبيعة من سفر ... صحائف تحوي كل فن من الشعر
أرى غرر الأشعار تبدو نضيدةً ... على صفحات الكون سطراً على سطر
وما حادثات الدهر إلا قصائد ... يفوه بها للسامعين فم الدهر
وما المرء إلا بيت شعر عروضه ... مصائب لكن ضربه حفرة القبر
تنظّمنا الأيام شعراً وإنما ... ترد المنايا ما نظمن إلى النثر
فمنّا طويل مسهب بحر عمره ... ومنّا قصير البحر مختصر العمر
وهذا مديح صيغ من أطيب الثنا ... وذاك هجاء صيغ من منطق هُجر
* * *
ورب نيام في المقابر زرتهم ... بمنهلّ دمع لا ينهنه بالزجر
وقفت على الأجداث وقفة عاشق ... بقفراء يدعو دراس الطلل القفر
فما سال فيض الدمع حتى قرنته ... إلى زفرات قد تصاعدن من صدري
أسكان بطن الأرض هلا ذكرتم ... عهوداً مضت منكم وأنتم على الظهر
رضيتم بأكفان البلى حللاً لكم ... وكنتم أولي الديباج والحلل الحمر
وقد كنتم تؤذي الحشايا جنوبكم ... فكيف رقدتم والجنوب على العفر
ألا يا قبوراً زرتها غير عارف ... بها ساكن الصحراء من ساكن القصر
لقد حار فكري في ذويك وأنه ... ليحتار في مثوى ذويك أولو الفكر
فقلت وللأجداث كفي مشيرة ... ألا إن هذا الشعر من أفجع الشعر
* * *
وليل غُدا في الجناحين بتّه ... أسامر في ظلمائه واقع النسر
وأقلع من سفن الخيال مراسياً ... فتجري من الظلماء في لجج خضر
أرى القبة الزرقاء فوقي كأنها ... رواق من الديباج رصّع بالدر
ولولا خروق في الدجى من نجومه ... قبضت على الظلماء بالأنمل العشر
خليلي ما أبهى وأبهج في الرؤى ... نجوماً بأجواز الدجى لم تزل تسري
إذا ما نجوم الغرب ليلاً تغورت ... بدت أنجم في الشرق أخرى على الإثر
تجولت من حسن الكواكب في الدجى ... وقبح ظلام الليل في العرف والنكر
стр. 772
إلى أن رأيت الليل ولت جنوده ... على الدعم يقفو أثرها الصبح بالشقر
فيا لك من ليل قرأت بوجهه ... نظيم البها في نثر أنجمه الزُّهر
وقلت وطرفي شاخص لنجومه ... ألا إن هذا الشعر من أحسن الشعر
* * *
ويوم به استيقظت من هجعة الكرى ... وقد قدَّ درع الليل صمصامة الفجر
فأطربني والديك مشجٍ صياحه ... ترنم عصفور يزقزق في وكر
ومما ازدهى نفسي وزاد ارتياحها ... هبوب نسيم سَجْسَج طيّب النشر
فقمت وقام الناس كلٌّ لشأنه ... كأنّا حجيج البيت في ساعة النفر
وقد طلعت شمس النهار كأنها ... مليك من الأضواء في عسكر مجر
بدت من وراء الأفق ترفل للعلى ... رويداً رويداً في غلائلها الحمر
غدت ترسل الأنوار حتى كأنها ... تسيل على وجه الثرى ذائب التبر
إلى أن جلت في نورها رونق الضحى ... صقيلاً وفي بحر الفضاء غدت تجري
وأهدت حياة في الشعاع جديدة ... إلى حيوان الأرض والنبت والزهر
فقلت مشيراً نحوها بحفاوة ... ألا إن هذا الشعر من أبدع الشعر
* * *
وبيضة خدر أن دعت نازح الهوى ... أجاب ألا لبيكِ يا بيضة الخدر
من اللاء يملكن القلوب بكلمة ... ويحيين ميت الوجد بالنظر الشزر
تهادت تريني البدر محدقةً بها ... أوانس أحداق الكواكب بالبدر
قلله ما قد هجن لي من صبابة ... ألف بها طيّ الضلوع على الجمر
تصافح إحداهن في المشي ترابها ... فنحر إلى نحر وخصر إلى خصر
مررت وقد أقصرت خطوي تأدباً ... وأجمعت أمري في محافظة الصبر
فطأطأنَ للتسليم منهن أرؤسا ... عليها أكاليل ضفرن من الشعر
فألقيت كفي فوق صدري مسلّما ... وأطرقت نحو الأرض منحني الظهر
وأرسلت قلبي خلفهن مشيّعا ... فراح ولم يرجع إلى حيث لا أدري
وقلت وكفي نحوهن مشيرة ... ألا أن هذا الشعر من أجل الشعر
стр. 773
* * *
ومائدة نسْجُ الدمقس غطاؤها ... بمجلس شبان هم أنجم العصر
رقى من أعاليها الفنغراف منبراً ... محاطاً بأصحاب غطارفة غُر
وفي وسط النادي سراج منور ... فتسحبه بدراً وهم هالة البدر
فراح بإذن العلم يُنطق مقولاً ... عرفنا به أن البيان من السحر
فطوراً خطيباً يحزن القلب وعظه ... وطوراً يسرّ السمع بالعزف والزمر
يفوه فصيحاً باللُّغا وهو أبكم ... ويسمع ألحان الغنا وهو ذو وقر
أمين أبى التدليس في القول حاكياً ... فتسمعه يروي الحديث كما يجري
تراه إذا لقنته القول حافظاً ... تمر الليالي وهو منه على ذُكر
فيا لك من صنع به كل عاقل ... أقر لآديسون بالفضل والفخر
فقلت وقد تمت شقائق هدره ... ألا إن هذا الشعر من أعجب الشعر
* * *
وأصيد مأثور المكارم في الورى ... يريك إذا يلقاك وجه فتى حر
يروح ويغدو في طيالسة الغنى ... ويقضي حقوق المجد من ماله الوفر
تخونه ريب الزمان فأولعت ... بأخلاقها ديباجتيه يد الفقر
فأصبح في طرق التصعلك حائراً ... يجول من الإملاق في سَمَلٍ طمر
كأن لم يرح في موكب العز راكباً ... عتاق المذاكي مالك النهى والأمر
ولم تزدحم صيد الرجال ببابه ... ولم يغمر العافين بالنائل الغمر
فظلَّ كئيب النفس ينظر للغنى ... بعين مقلّ كان في عيشة المثري
إلى أن قضى في علة العدم نحبه ... فجهزه من مالهم طالبو الأجر
فرحتُ ولم يحفل بتشييع نعشه ... أشيعه في حامليه إلى القبر
وقلت وأيدي الناس تحثو ترابه ... ألا أن هذا الشعر من أحزن الشعر
* * *
ونائحة تبكي الغداة وحيدها ... بشجو وقد نالته ظلماً يد القهر
عزاه إلى إحدى الجنايات حاكم ... عليه قضى بطلاً بها وهو لا يدري
стр. 774
فويل له من حاكم صُبَّ قلبه ... من الجور مطبوعاً على قالب الغدر
من الروم أما وجهه فمشوّه ... وقاح وأما قلبه فمن الصخر
أضرَّ بعف الذيل حتى أمضَّه ... ولم يلتفت منه إلى واضح العذر
تخطفه في مخلب الجور غيلةً ... فزجًّ به من مظلم السجن في القعر
تنوء به الأقياد إن رام نهضة ... فيشكو الأذى والدمع من عينه يجري
تناديه والسجان يكثر زجرها ... عجوز له من خلف عالية الجُدْر
بُنيَّ أظن السجن مسَّك ضره ... بُنيَّ بنفسي حلَّ ما بك من ضر
بنيَّ استعن بالصبر ما أنت جانياً ... وهل يخذل الله البريء من الوزر
فجئت أعاطيها العزاء وادمعي ... كأدمعها تنهلّ مني على النحر
وقلت وقد جاشت غوارب عبرتي ... ألا إن هذا الشعر من أقتل الشعر
بغداد
معروف الرصافي
стр. 775
الشرق في الغرب
من مقالة للمسيو لوسين بوفا في مجلة العالم الإسلامي
عني أهل المجر وهم من أصل آسياوي وبلادهم على أبواب الشرق بالمباحث الشرقية عناية كبرى على ما هو مأثور عنهم من التوفر على خدمة العلم. ومازالوا منذ قرون كثيرة جيران شعب مسلم يتحدون معه في الأصل وإن اختلفوا في الفروع ويتكلمون لغة تكاد تشبه لغته ولذلك رأوا من الواجب عليهم أن يتمحضوا لدراسة الموضوعات الإسلامية.
قام منذ سبعين سنة رجل عالم غيور منهم اسمه كوسما كوروس فزار آسيا ليبحث فيها عن أصل الأمة المجرية. وتاريخ حياة هذا الرجل يشبه تاريخ أرمنيوس فمبري في كثير من أدواره. لم ير كوروس حرجاً في دخول دير للبوذيين في بلاد التُّبَّت بضفة كاهن رجاء الوقوف على أحوال شعوب آسيا الوسطى ولم يتحرج من الأخذ عن علماء بوذيين.
ثم قام فمبري الذي طاف آسيا الوسطى لابساً ثياب درويش والأستاذ غولدسير الذي طلب العلم في الأزهر. وكان من أعمال هؤلاء الرجال أكبر مجد لأمتهم في خلال القرن التاسع عشر. وما برح علماء المجر يقصدون الهند الواحد تلو الآخر يبحثون في علومها وتاريخها وأديانها ومنهم اليوم أورل ستين نزيل آسيا الوسطى الذي عرفت الحكومة الإنكليزية أن تنتفع من مباحثه في شماليا لهند وبلوجستان وأتى بفوائد جمة.
ومما لا مشاحّة فيه أن رؤساء هذه المباحث اليوم في بلاد المجر هما الأستاذان فمبري وغولدسير من أساتذة كلية بودابست وقد اختص الأول بتعلم اللغة التركية حتى أتقنها إتقانه للغته وخدمها أجل خدمة وانصرف الثاني إلى دراسة العربية واللغات السامية.
ولد فمبري سنة ١٨٣١ أو ١٨٣٢ من أسرة يهودية فقيرة في بلاد المجر في قرية سان جيورجين وبعد أن تلقن مبادئ التعليم في قريته أخذ في تعلم العبرية والدين ثم انتقل إلى مدرسة برتستانتية فتعلم فيها اللغة المجرية واللاتينية ومنها دخل مدرسة أخرى رومية ثم مدرسة كاثوليكية.
ولما أتم دروسه كان قد أتى على آخر ما يملك من الدراهم فاضطرته الحال إلى أن يعلم أطفالاً براتب ١٥٠ فلورينياً عند أسرة إسرائيلية في بلدة مارينتال وانتقل بعد إلى التدريس براتب أكثر في بيت أسرة في قرية كوتيفو من أعمال سلافونيا فترك مقامه في هذه القرية أجمل أثر في نفسه لأنه تجلى له فيها السبيل يتحتم عليه سلوكه في حياته العلمية. ففيها
стр. 776
عقد العزم على أن يكون عالماً باللغات وفيها شرع لأول أمره بتعلم التركية وبالنظر في المباحث التي أطارت شهرته في العلم وفيها درس التركية والفرنسية والإنكليزية والإيطالية والإسبانية والدانيمريكية والسويدية.
وإذ رأى أن ينصرف إلى البحث في أحوال الشرق نزل عاصمة فينا يستنصح العالم دي هامير الذي نشطه على ما هو آخذ نفسه في سبيله فذهب إلى بودابست يتعلم فيها العربية والفارسية. وقضت عليه الحاجة في هذه المدينة أيضاً أن يكون مؤَدِباً ليسد بما يناله من الجر بعض حاجته ولما كانت نفسه تنزع به إلى رؤية الشرق لم يعتم عندما اقتصد ١٢٠ فلوريناً أن سافر إلى الأستانة.
وصف فمبري هذه العاصمة عقيب حرب القريم سنة ١٨٥٧ فقال إن شُذّاذ الآفاق كانوا ينهالون عليها من كل صوب وأوب والعثمانيون لا يكادون يعبئون بكل وارد عليهم بيد أنهم تلقوا المترجَم بالعطف وعاملوه بالإحسان فكان لما بلغ الأستانة لا يملك إلا دريهمات وصادف صعوبات جمة لأول أمره لكنه تمكن من التغلب عليها بمساعدة أحد مواطنيه ممن انخرطوا في خدمة الدولة العثمانية وأعني به القائد كمتي الذي دُعي بعد باسم إسماعيل باشا فسعى له هذا بوظيفة معلم عند أسرة في بك أوغلي ومن ذاك الحين دخل على ناظر الخارجي رفعت باشا بصفة أستاذ وأخذ فمبري يتشبه بالعثمانيين في أطواره ومناحيه عملاً بنصائح وطنيه إسماعيل باشا ومجاراةً له فدعا نفسه رشيد أفندي وأخذ يتعرف إلى أهل الطبقة العليا ي الأستانة على ذاك العهد ويختلط بهم ويعاشرهم. وفي خلال ذلك أيضاً بدأ يشتغل في الصحافة فعين مراسلاً لإحدى الجرائد الألمانية الكبرى.
أصبح فمبري أفندياً بحتاً لا ينقص عن أدباء الأستانة في معرفة اللغة التركية وآدابها. ولكنه لم يقنع بما حصل له من ذلك بل طمحت به نفسه إلى زيارة آسيا الوسطى وهي البلاد التي قام منها الأتراك وهاجموا أوروبا ليتيسر له أن يسمع اللغة التركية الأصلية في موطنها تلك اللغة التي لطُفَت فكانت منها اللغة العثمانية اليوم.
وكانت الصعوبات التي تحول دون هذه الأمنية كثيرة إلا أن الأستاذ فمبري لم يبال بالمصاعب. وغادر الأستانة بمساعدة المجمع العلمي الذي عينه عضواً مراسلاً ليرحل رحلة كانت فيها شهرته وبعد صيته. فاكتسى ثياب مسلم واجتاز آسيا الصغرى ودخل
стр. 777
فارس فعره العامة من ثيابه بأنه سني وراحوا يطيلون إليه يد الأذى. وبعد شق النفس بلغ طهران ونال من ناظر خارجيتها إذ ذاك المرزا سيد خان جوازاً بمتابعة سيره.
ذكر المترجم به ما لقيه من رحلته هذه من المتاعب فإنه طاف بلاد فارس متنكراً في ثياب درويش وكاد يكشف أمره ويعرف أنه ليس من أهل الإسلام ولكنه نجا ولم تدرك حقيقته. ثم التحق بجماعة من الحجاج فرافقهم إلى خيوه وبخارى ولقي من سفره هذا نصباً لم يكن أقل مما لقيه في مبدأ رحلته وبعد سنة عاد إلى طهران فطلبته روسيا أن يكون موظفاً عندها فأبى وعاد إلى بودابست سنة ١٨٦٤.
وبعد أن قضى فيها مدة طُلب إلى إنكلترا بإلحاح شديد فذهب إليها واستقبل فيها بالحفاوة. وقد نشر فيها رحلته هذه بالإنكليزية فلم تلبث أن ترجمت إلى لغات أوروبا واشتهر أمرها وكانت الحكومة الإنكليزية تود كثيراً أن تجعل في جملة رجالها رجلاً كالأستاذ فمبري يعرف الشرق معرفة حقيقية ليكون منه لها أحسن خدمة ولكن العالم المجري آثر أن يعود إلى وطنه على شدة حبه لإنكلترا. وعند عودته عين أستاذاً لكلية بودابست فكان فيها أول أستاذ غير كاثوليكي.
وهنا انتهى تاريخ جهاد هذا الرجل وقد دام ثلاثاً وثلاثين سنة من حياته. وذكر فمبري في الفصول الأخيرة من رحلته كيف زار إنكلترا وفرنسا ولقي فيهما الملوك والأمراء وأعاظم العلماء ورأى منهم الحفاوة وأورد في فلصين اجتماعه بالسلطان عبد الحميد خان صديقه القديم والتقاءه بشاهي الفرس الأخيرين. وما أحلى الصفحة التي ذكر فيها كيفية اجتماع ناصر الدين شاه به لما اجتاز هذا مدينة بودابست في رحلته إلى أوروبا ودهشته لما رأى في المجمع العلمي المجري ذاك الدرويش الذي كان لقيه في طهران منذ بضعة عقود من السنين.
كتب فمبري في العلم والسياسة وكل ما خطته يمينه نافع خطير. فقد ابتدأ يعمل في الصحافة بعد بلوغه الأستانة بقليل من الزمن ومن ذاك العهد لم يفتأ يؤازر في عدة مجلات إنكليزية وأمريكية وألمانية وفرنسية. والسنُّ لم توقفه عن نشاطه ولا عاقت حركته عن الانبعاث فإنا نراه إلى اليوم يتناول الموضوعات المختلفة بالهمة المعهودة فيه فبينا تراه يبحث في اللغات وعلمها إذا هو يبحث في الآداب فأصول الشعوب فالتاريخ فالسياسة
стр. 778
فالأحوال الاجتماعية.
أما أغناس عولدسير المشار إليه فهو من أعاظم العلماء بالعربية في قارة أوروبا. ولد سنة ١٨٥٠ فتخرج بأرمنيوس فمبري الموما إليه ثم قضى أربع سنين في كليات برلين ولبزيك وليد. وفي الثالثة والعشرين من عمره عهدت إليه حكومته بمهمة فسافر إلى سورية ومصر وقيد نفسه في طلبة الجماع الأزهر ولما عاد إلى بلاده عين أستاذاً في كلية بودابست وعضواً في المجمع العلمي المجري رصيفاً لأستاذه. ولغولدسير القدح المعلَّى في علم أصول اللغات السامية وأصل اللغة العربية خاصة وهو بحر طامٍ في تاريخ الإسلام.
وهنا عدد الكاتب بعض أعمال هذين الرجلين في العلم وذكر جانباً من مصنفاتهما وعقب عليهما بذكر بعض كبار علماء المشرقيات من المجر ومنهم من خص بتعلم التركية ومنهم الأخصائيون بالعربية وكلهم يخدمون الآداب الشرقية حق الخدمة. ففي قسم الفلسفة من كلية بودابست صفان للغة التركية وآدابها ولأصل اللغة الفارسية وفي القسم الديني منها صف للعربية والسريانية والكلدانية. وليس لتعليم اللغات الشرقية في بلاد النمسا والمجر غير كليتي بودابست وفيينا.
وللأبحاث العلمية في المجر موارد غنية تساعد القائمين بها على البحث والتنقيب. منها المجمع العلمي المجري الذي جعل في زمرة أعضائه أناساً من المستشرقين أمثال فمبري وغولدسير وزيشي. ومنها جمعية علم خصوصيات الشعوب المجرية التي أنشأت فرعاً شرقياً خدم الأبحاث الإسلامية أجلَّ خدمة سواءٌ كان بعلم أحوال الأمم وأصولهم وأخلاقهم وتفرقهم (ايتنولوجيا وايتنوغرافيا) أو بعلم اللغات والأدب والآثار والتاريخ والجغرافيا.
وفي سنة ١٩٠٤ أنشأ المجمع الدولي الآسياوي جمعية مجرية للبحث التاريخ والأثري واللغوي وأصول الأمم في آسيا الوسطى والشرق الأقصى. وهذه الجمعية تبحث بحثاً علمياً في بلاد الأورال وتتفرغ ما عدا البحث في أخلاق الأمم وتفرقهم للأبحاث المتعلقة بأمم الأورال الالتاييكية كما تبحث في حالة البلاد التي ينزلها غير هؤلاء الشعوب وتعيين هذه الجمعية فئة من علماء المجر تكون لهم صلة مع سائر الجمعيات والعلماء من الأمم الغربية وتنفق على من يرحل الرحلات العلمية وتتفق مع سائرا لجمعيات العلمية في المجر ليكون العلم بينهن مشتركاً ولاسيما فيما يتعلق بالآثار والعاديات. وتوزع الإعانة السنوية التي
стр. 779
تعطيها نظارة الأديان والمعارف في المجر ثلاثة أثلاث. ثلث على المجلة التي هي لسان حال الجمعية والتي تنشر أعمال الأعضاء ومباحثهم. والثلثان الآخران يوزعان بالسوية على الفروع التي تريد الجمعية مساعدتها ولاسيما فرع اللغة والبحث في أصول الشعوب والآثار والتاريخ. وتعين نظارة الأديان والمعارف هؤلاء الأعضاء إلى أربع سنين فإذا أتموا هذه المدة يقدمون لائحة بمن يرشحونهم بعدهم لتقر النظارة عليهم وقد انتخب للرئاسة هذه المرة الأستاذ فمبري.
وفي جانب هذه الجمعيات العلمية الصرفة جمعيات اقتصادية لا تقل عنها فائدة. فإن المتحف التجاري الإمبراطوري المجري في بودابست أسس سنة ١٨٨٧ وهو من المباني الفخيمة ويعد رسمياً تجارياً ونصب له وكلاء في جميع أرجاء بلاد البلقان كما له وكلاء في الإسكندرية وتونس. وقد أسس هذا المتحف فأدرك لأول عهد تأسيسه ضرورة التعليم الابتدائي لإعداد بعض النشء للتجارة مع الشرق فأنشأ سنة ١٨٩١ صفاً للتجارة الشرقية وهو الذي أصبح اليوم مجمعاً علمياً للتجارة ثم أعيد تنظيمه سنة ١٨٩٨ - ١٨٩٩ فنتجت منه أحسن النتائج.
أما التعليم ال١ي شرعه هذا المجمع العلمي فيتناول عدة أبحاث ومعارف يدرسها المتعلم في سنتين وهي عملية حقيقية لا نظرية خيالية. وأهمها تعلم اللغات الشرقية ولغات بلاد البلقان خاصة والعلوم التجارية والقنصلية وعدة مواد أخرى. وعلى كل طالب أن يتعلم سنتين اللغات الشرقية وهي الرومانية والصربية والبلغارية والتركية والرومية الحديثة والعربية العامية والروسية. وأن يتعلم المراسلات التجارية والكلمات الاصطلاحية في التجارة والقضاء وأن يتعلم من اللغات الأوروبية الإيطالية والفرنسية ومن العلوم جغرافية الشرق ولاسيما بلاد البلقان وآسيا الصغرى وعلم أصول أممها وأخلاقهم وعلم التجارة والجمارك والحقوق العمومية والإدارية وقوانين التجارة وطريقة الاعتمادات.
وهناك صفوف لتعلمي اللغات الشرقية تقام في المساء. وقد خصص المجمع العلمي مبلغاً من المال ليستعين به بعضهم على التعلم وحذا حذوه في هذا السبيل بعض أرباب الخير وغيرهم. ثم رأت هذه الجمعيات العلمية أنه لا غنية لها عن صحيفة تكون لسان حالها وسجل أبحاثها وتحقيقاتها فأنشأت مجلة شرقية تكتب بجميع لغات أوروبا وتباع بثمن بخس
стр. 780
تُعنى بالمباحث الأورالية الالتاييكية سمتها كليتي زميل وبعلم خصوصيات الشعوب وتنشر مقالات عن الأمم الشرقية النازلة بين نهري فولغا وأورال من الجنس الفينو المجري وأبحاث في العنصر التركي وتعنى عناية خاصة بنشر التقاليد القديمة أو العامية وتبحث في صلات الأمم الأورالية الالتاييكية بعضها مع بعض أو مع غيرها وتبحث في أحوال الشعوب الآسياوية ولاسيما في أصول التتار والأمم القفقاسية والإيرانية والصقلبية (السلافية) وغيرها.
وقد قال العالمان اللذان عُنيا بإدارة شؤون هذه المجلة أن المجر هم زعماء العناصر الأورالية والالتاييكية وممثلو تلك الحضارة نزولا بلادهم منذ ألف سنة وظلوا محتفظين بلغتهم وهي أشبه بجزيرة خضراء في الشرق وسط بحر محيط مؤلف من سيل الشعوب الجرمانية والصقلبية على حين أن أمماً كثيرة تماثلهم كالبلغار والبشناق والخزر والكومان لم يتركوا أثراً من تاريخهم يذكر وبادت مملكتا الهونس والأفار وذهبتا ذهاب أمس الدابر.
وختم الكاتب هذا الفصل بتعداد ما كتبه أولئك الأعلام من الأبحاث الممتعة وشاركهم في وضعه زمرة من علماء المشرقيات من الألمان والفرنسيس والإنكليز والروس والترك وكان للمباحث الإسلامية ولاسيما التركية منها شأن عظيم في سجل أعمالهم.
دمعة بعد جناية
آه حتى مَ يظل الحق غريباً فيم عاهدكِ أيتها الجمعية البشرية، إلى مَ تبقى التقية - كالجندي الجاهل العنيد - مسيطرة على الصلاح بين أفرادك، ولما يُخرج على الصدق أن يخرج بموكبه وتاجه في هذا العالم كما يحب جلاله؟
متى يا تُرى تنشط هذه الحقيقة من عقالها الأزلي وهل من أماني هذه الأرض أن ترى كهربائية الصلاح مضيئة في آفاقها قبل أن تسود الشمس؟
آه، ما أوحش الإنسان وما أقساه: يضم بين ضلوعه عواطف ملؤها الحنان والحب والحقيقة والفضيلة والعدل، وضميراً هو هو معيار الإنصاف في هذه الحياة، وشعوراً هو السيّال الأثيري الذي ملأ ذرات كل شيءٍ، نعم لقد ضمّ بين ضلوعه هذه المزايا الفاضلة وهو ربها وهو بها العالم الأصغر والنسخة الكبرى لهذه الكائنات، ولكن أين هذه القوى الملكية، أليست معه يوم يفعل فظائع الشيطان، أما هي بين ضلوعه عندما يقدم على الشر والباطل؟. . .
стр. 781
أجل، هي لا تزال فيه، ولكنها يا للأسف والخسران قد صدأت وتولتها رطوبة البعد عن الحق وسطا عليها غُبار الرذيلة. . .
كم وكم أيهذا الصلاح يبسم في العالم الإنساني القاتم بريقٌ ضئيل من ذُبالتك المعرضة لجميع الأهواء، من كل الأنحاء، فأريد أن أتبعها، فلا أجدني إلا بين الأشواك، في جانب هوّة مدهشة، يظهر منها التنين وجهنم والغول وكل خيالات الوهم ومخوفات الباطل. . .
كم وكم أيهذي الحقيقة عاهدت عواطفي وضميري وكل شعوري على إخائك، على الصدق لك وعلى إهداء حياتي العزيزة علي إليك، نعم إليك فقط، إليك وحدكِ، فيضطرني هذا الوسط الأسود إلى جناية لا محيص عنها، فأفعلها وأنا شاعر باجتياح روحي إلى البكاء، فأرجع إلى نفسي، وأبكي، ثم أبكي، ثم أبكي، حتى أروي ظمئي من هذا الاختياج في حين أني عارف تمام المعرفة أن الجناية البشرية لا تبررها قطرات الدمع.
وكم وكم أيهذا العدل من دمعة قطرت بيني وبين نفسي من عينيّ بعد جناية، بعد حادثة مشؤومة، فذكرت عند ذلك أنني لا أزال إنساناً وحشياً قاسياً في هذه الحياة. . .
القسطنطينية
محب الدين الخطيب
стр. 782
صحف منسية
قصيدة لأبي العلاء المعري
أستغفر الله في أمني وأوجالي ... من غفلتي وتوالي سوء أعمال
قالوا هرمت ولم تطرق تهامة في ... مشاة وفدٍ ولا ركبان أجمال
فقلت إني ضرير لم يحجَّ أبي ... ولا ابن عمي ولم يعرف منى خالي
وحجَّ عنهم قضاءً بعد ما ارتحلوا ... قومٌ سيقضون عني بعد ترجالي
فإن يفوزوا بغفران أفُز معهم ... أولا فإني بنار مثلهم صالي
ولا أروم نعيماً لا يكون لهم ... فيه نصيب وهم أهلي وأشكالي
فهل أسرُّ إذا حُمَّت محاسبتي ... أم يقتضي الحكم تغتابي وتسآلي
من لي برضوان أدعوه فيرحمني ... ولا أنادي مع الكفار أمثالي
باتوا وحتفي أمانيهم مصورةً ... وبتُّ لم يخطروا مني على بال
وفوّقوا لي سهاماً من سهامهم ... فأصبحت وُقّعاً عني بأميال
فما ظنوك إذ جندي ملائكة ... وجندهم بين طواف وبقال
لقيتهم بعصا موسى التي منعت ... فرعون ملكاً ونجت آل أسرال
أقيم صيتي وصوم الدهر آلفه ... وأدمن الذكر إبكاراً بآصال
عيدين أفطر في عامي إذا حضرا ... عيد الأضاحي يقفو عيد شوال
إذا تنافست الجهال في حال ... رأيتني في خسيس القطن سربالي
لا آكل الحيوان الدهر مأثرةً ... أخاف من سوء أعمالي وآمالي
وأعبد الله لا أرجو مثوبته ... لكن تعبد إكرام وإجلال
أصون ديني عن جُعل أؤمله ... إذا تعبد أقوام باجعال
стр. 783
مطبوعات ومخطوطات
مفردات الراغب
قال الإمام الرازي إن الراغب الأصفهاني من أئمة السنة وقد قرنه بالغزالي وهو من أهل المئة الخامسة. ولم نعثر له على ترجمة حافلة على أن ما عرف من كتبه كافٍ في الدلالة على واسع علمه وكثرة تحقيقه فمن كتبه المطبوعة الذريعة إلى مكارم الشريعة وتفصيل النشأتين وهذا المفردات في غريب القرآن. طبع الكتاب الأخير وقد أعادت المطبعة الميمنية طبعه على نفقة أصحابها مصطفى أفندي الحلي وأخويه بكري أفندي وعيسى أفندي مصححاً بمعرفة الشيخ محمد الزهري الغمراوي على عدة نسخ بدار الكتب الخديوية وبعد أن تحرى أصوب الروايات في مظانها من الكتب اللغوية وضبط ألفاه بالشكل الكامل فجاء في ٥٧٦ صفحة حرياً بطالب معاني الكتاب العزيز وألفاظه أن يقتنيه وألفاظ القرآن كما قال المؤلف: هي لب كلام العرب وزبدته وواسطته وكرائمه وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم وما عداها وعدا الألفاظ المتفرعات عنها والمشتقات منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة وكالحثالة والتبين بالإضافة إلى لُبوب الحنطة.
والكتاب يباع في مكتبة طابعيه بشارع التبليطة بالغورية وهو في اعتقادنا يغني الطالب عن الرجوع إلى التفاسير إذا أراد كشف المعاني من الألفاظ اللغوية فنثني على طابعيه بما هم أهله فإنهم أحيوا بمطبعتهم كثيراً من كتب السلف التي كان يعز وجودها وحبذا يوم يعيدون طبع جميع ما طبعوه ولاسيما الأمهات بالحروف الجديدة اللطيفة ليكون أدعى للإقبال وأحسن للمطالعين على كل حال.
محاورات المصلح والمقلد
هي مقالات نشرت في المجلد الثالث والرابع من مجلة المنار الإسلامية الغراء ويليها فتاوي نشرت في المجلد السادس منه موضوعها الاجتهاد والتقليد وكليات الدين الإسلامي لمنشئها السيد محمد رشيد رضا المعروف بعلمه وعمله وقد شرح فيها بأسلوبه الرصين المحكم كثيراً من أدواء المسلمين ولاسيما المقلدين منهم والجامدين وزيف ترهات الممخرقين ومعتقدات الحشوية المبطلين فأفاد وأجاد أثابه الله وهي تقع في ١٤٠ صفحة مطبوعة طبعاً
стр. 784
نظيفاً وتطلب من مكتبة المنار بخمسة قروش فنحث كل طالب ومتعلم على اقتنائها.
الهداية إلى فرائض القلوب
هو الباب الأول من كتاب التوحيد تأليف الرئيس بَحية بن يوسف اليهودي الأندلسي نشره الدكتور إبراهيم سالم المقدسي وقد أراد أن يجعله تمهيداً لتأليف تام من كتاب الهداية للدائن (أي قاضي اليهود) الأندلسي المشهور بابن بحية. ولقد كان لليهود شأن في الفلسفة العربية يعرفه حق معرفته كل من درس الحضارة الإسلامية. فللميموني كتاب دلالة الحائرين ولسعدية كتاب الإيمانات والاعتقادات ولسليمان بن جبيرول كتاب إصلاح الأخلاق وقد طبعت أكثر مصنفاتهم في أوروبا وترجم أكثرها إلى الفرنسية أو الألمانية أما ابن بحية مؤلف هذا الكتاب فلم يترجم حتى الآن إلى لغة من لغات الغرب ولذلك كان في عمل الدكتور المشار إليه أحسن مقدمة تدل على فضله. وإنا لنرجو أن يوفق إلى نشر ما ينوي تأليفه من مجاميع مسلسلة في فلاسفة اليهود الذين كتبوا بالعربية في القرون الوسطى على عهد ارتقاء الأندلس.
ي. د
فصول الحكماء
هي رسالة في مئة صفحة صغيرة تأليف سماحة محمد أبي الهدى أفندي الصيادي جمع فيها تراجم حكماء اليونان والإسلام وشيئاً من حكمهم وعقب عليها بتراجم بعض مشايخ الطريق والتصوف وأورد شيئاً من إشارتهم وعباراتهم وقابل بينها وبين كلام الحكماء.
مقامة الأمثال السائرة - طبع عبد القادر باشا الخضيري من بغداد هذه المقامات لمؤلفها الشيخ عبد الله السويدي البغدادي المتوفى سنة ١١٧٤ ضمنها الأمثال السائرة القديمة المولدة المعروفة على طريقة التسجيع والترصيع التي كانت مألوفة في عصره. وفي ذيلها مقامة للشيخ عبد الرحمن الأنصاري وهي مسجعة أيضاً.
стр. 785
سير العلم
مضار الغبار
حدث في منجم فحم ببلاد الإنكليز سنة ١٨٤٤ أن التهب التهاباً شديداً فقضى على كثيرين من المعدّنين. وقد دعي عالمان للبحث في سبب هذا الالتهاب فذهبا إلى أنه ناتج من الغاز المتجمع على سطح الغبار في المنجم ونصحا بالتوقي من هذا الغبار فثبت أن الغبار المتراكم كيف كان حاله يخشى من التهابه ولاسيما غبار الدقيق والسناج (الشحار) والسكر والقطن وغيره من المواد التي يضر مسها كما يضر مسّ الديناميت. وكل معامل القطن التي لا تعنى بإزالة هذا الغبار من حيطانها يحترق ويلتهب إذا أصابته حرارة وكذلك مطاحن الدقيق والأمثلة على ذلك كثيرة كما روت المجلة الباريزية. وكانت بعض المعامل تكتفي برفع هذا الغبار وتروّحه وقد اخترع أحدهم آلة تفصل الغبار المتجمع وتقذفه بقوة شديدة إلى مقر هذه الآلة فتتكون منه مادة تستعمل في تغذية الماشية وأدخلت تحسينات كثيرة على هذه الآلة وأخذوا في أمريكا يجعلون استعمالها ضربة لازب على كل محل يتصاعد الغابر منه مخافة أن يعلق بها شيء من اللهيب عن بعد فتلتهب وتضر بالمكان والمكين.
البناء في أمريكا
أخذ القوم في نيويورك يمتدون في الهواء بمبانيهم فإنهم أقاموا فيها ١٩ مسكناً يكون مجموع ما فيها من الطبقات نيفاً وأربعمائة طبقة ويكثر نوع هذه البنايات في الغالب في جزيرة مانهاتان والبنايات ذات الست والثلاثين طبقة كثيرة جداً وتستعمل الأدوات الرافعة بقوة الماء أو الكهرباء لطلوع السكان ونزولهم وإذا دامت الحال على هذا المنوال في سكنى العلالي بل الأعالي فسيكون للحياة في أمريكا بعد حين شأن غير شأنها الحاضر فيقضي الرجل في مسكنه معظم ساعات نهاره لا يكلم الناس إلا بالتلفون ولا ينزل إلا إذا رأى حاجة ماسة لنزوله وقد ظهر أن الأعمال لم تتعطل بذلك عن سيرها وأنها ما دامت تتزايد.
شقاء العلماء
هربرت سبنسر هو أكبر عالم إنكليزي قام في القرن التاسع عشر وقد نشرت مفكراته عن حياته فإذا بها يصف نفسه قبل أن يموت بأشهر صورة تحزن ولكنها تعلّم. قال: إنه أصيب
стр. 786
في السنة الخامسة والثلاثين من عمره بضعف في قواه عقيب اشتغاله الأشغال العقلية الطويلة الصعبة ومذ ذاك أصيب بالأرق الدائم وفي السبعين من عمره لم يعد يستطيع أن يعمل سوى ساعة في النهار متقطعة يراوح بينها وبين أعمال أخرى فلا يعمل كل مرة أكثر من عشر دقائق. وقبل أن يموت بعشرين سنة عدل عن تناول طعامه في المدينة وأصبح إذا سمع الأنغام الموسيقية خمس دقائق وكانت من قبل تستهويه وتشوقه أو لعب بالنرد أو غيرها من الألعاب بضع دقائق يمرض أياماً وكاد لا يستطيع القراءة ولا يستطيع أن يمشي زيادة عن ثلثمائة متر ولا أن يتنزه أكثر من عشر دقائق في عربة ذات آلة مفرغة للهواء. ولما اهتدى إلى مذهب النشوء لم يكن يهنأ له بال إلا بوضعه وشرحه. وعاش وقلبه لا يعرف حباً غير حب الحقيقة. قال والعزوبة كانت بعد كل ذلك هي أليق بي بل هي أليق بالمرأة التي لا أعرفها والتي لم أتزوجها. قالت المجلة التي نروي عنها وهكذا حياة كبار الرجال وخصوصاً كبار العاملين المجاهدين منهم ما كانت قط عذبة المذاق. والمجد في الغالب لا ينال إلا إذا بذل فيه كل ما عزّ وهان.
اللغة الإنكليزية
اللغة الإنكليزية أكثر اللغات ألفاظاً فقد قدروا مؤخراً عدد ألفاظها بثلثمائة وخمسين ألف لفظة هذا وشكسبير الشاعر الإنكليزي لم يستعمل من هذه الألفاظ سوى ستة عشرة ألفاً وميلتون الشاعر المشهور أيضاً لم يؤثر عنه أنه استعمل أكثر من ثمانية آلاف لفظة. ويستخدم الإنكليزي المتوسط في تعليمه من ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف كلمة ويتأتى لمن يعرف ألف لفظة أن يحسن التخلص باستعمالها في إنكلترا وهذا غريب.
فلسفة الشرق
كتب إنكليزي في إحدى المجلات الهندية الإنكليزية فصلاً في العلوم التي يتيسر للغرب أن يأخذها عن الشرق فقال إن العلوم الفلسفية ينبغي أن تؤخذ عن الشرق أولاً وفي الهند ميدان فسيح أكثر من كل بلاد شرقية سبقت لها حضارة قديمة لدرس أصول اللغات ومقارنتها والديانات ووضعها على محك التنظير وأن لها في الفلسفة القدح المعلى. فالمذاهب الهندية في الفلسفة لم تأخذ شيئاً عن أفلاطون ولا أرسطو ولا القديس بولس بل إن حكماء الهند بحثوا منذ ألوف من السنين في المسائل الكبرى التي أزعجت الإنسانية كمسألة الوجود
стр. 787
المطلق والآخرة والروح والربوبية. فعلى من يودون أن ينصرفوا إلى دراسة علم النفس وعلم ما وراء الطبيعة أن لا يباشروا هذين العلمين إلا بعد أن يتمكنوا من الوقوف على بعض ما ذهب إليه قدماء حكماء الهند في هذا الموضوع.
الطلاق في أمريكا
يكثر شيوع الطلاق في الولايات المتحدة سنة عن سنة وإن لم ينظر القانون في حال الأولاد الذين يولدون من المطلقات وقد غبطت إحدى المجلات الأوروبية بلاد الأمريكان على قلة الطلاق بينهم على كثر ما يقال عن شيوعه بينهم فقالت إن حدوث مئتي ألف طلاق في سنة ١٩٠٠ بأمريكا لا يعد شيئاً مذكوراً إذا قيس بأمة يبلغ عدداً نحو ثمانين مليوناً.
مستقبل الاتوموبيل
نشرت مجلة المجلات النيويوركية فصلاً في الأتوموبيل استندت فيه إلى ما تم له من الانتشار منذ اثنتي عشرة سنة في أمريكا فقالت أنه لم يكن فيها على ذاك العهد سوى خمسة اتوموبيلات ومنذ خمس سنين لم يكن في أمريكا إلا قليل من عجلات الأتوموبيل يقتنيها كبار المثرين للتسلية والبذخ ويقدر اليوم عدد الأتوموبيلات في أمريكا بمئة ألف أتوموبيل وقد صنع منها في السنة الماضية وحدها خمسة وعشرون ألفاً وأوصي لهذه السنة على خمسين ألفاً أخرى وهذا مما يدل على أن عجلات الأتوموبيل ستقضي على عجلات الخيول وخصوصاً متى أدخل على الأتوموبيل بعض الإصلاح.
اكتشاف في سيلان - اكتشفت في جزيرة سيلان مصانع عظيمة فخيمة أقامها الملك العظيم بارا كراماباهو الذي شيد ١٤٧٨ حوضاً لخزن مياه الأمطار ليستعملها الناس. وعثر في معبد كال فيهارا على ثلاثة تماثيل ضخمة للمعبود بوذا نُحتت في حجر الصوان على أجمل شكل واكتشفت كهوف حفظ فيها تاريخ سيلان قبل المسيح وعثر فيها على كتب بوذية كتبها الكهنة على أوراق النخيل ملتصقة بعضها إلى بعض وموضوعة في ظروف من حرير لتجمع في صناديق صغيرة من خشب جعلت في مقاصير.
الحياة المادية
كتب أحد رجال العلم والدين مذكرات عن الولايات المتحدة قال فيها أنها أصبحت جنة أرباب الصنائع والفنون وأهل العلم راجت فيها الآداب والفنون رواجاً لم يعهد له نظير
стр. 788
حتى أن الممثل أو المغني إذا طاف أمريكا يعود منها بثروة. فالعمل في هذه البلاد هو الحياة حقيقة أي أن كل عامل ينال حظه من سعة الرزق بقدر جده في أعماله وقد أصبح الذهب فيها الغاية الوحيدة التي يسعى إليها الناس. وبحق ما قال أحد الأمريكان: إننا نحسن العمل ولكننا لا نحسن العيش فإنا نرى الانتحار شائعاً بين أهل الطبقات الغنية أكثر من شيوعه بين أهل الطبقة الفقيرة.
تلقيح الأرض
رأى بعضهم منذ مدة أن يستعمل النيتراجين لإخصاب التربة وأمراعها. ثم أن أحد علماء الزراعة من الإنكليز اخترع في هذه الأيام اختراعاً آخر لتلقيح الأرض المجدبة خصوصاً إذا كانت رملية فجربت هذه المادة في عدة أصقاع من بريطانيا فأتت البقول قبل ثلاثة أسابيع من ميعادها وزاد محصولها خمسين في المائة ويكلف كل آكر (هو ٤٠ آراً ونصف والآر مئة متر مربع) شليناً وحاداً فيأخذ الفلاح ثلاث رزم يكون في الأولى كمية من الأملاح المعدنية وفي الثانية ذرور وفي الثالثة فوسفات النشادر ويجعلها في إناء كبير يملأه ماء ويجعل مسافة ٢٤ ساعة بين وضع كل رزمة ثم يجعل هذا المحلول مع البذور فتبتل بها أو يمزجها بتراب ويذرها على الأرض أو يرش بهاذ المحلول أديم الأرض المزروعة.
النوام
هو مرض النوم الذي شاع كثيراً في أفريقية الشرقية وهلك به نحو مئة ألف نسمة في بضع سنين وقد انتدب للنظر فيه الدكتور كوخ الألماني ونش الآن تقريره عنه فقال إنه حقن المصابين به بمادة الأتوكسيل المؤلفة من النشادر فظهر أنه يخفف بعض آلام المريض ويرجى أن يشفى به فإذا وفق الدكتور الباحث إلى تحقيق الأمنية من دوائه فيخفف عن ابن أفريقية بدوائه الجديد ما خففه عن ابن الغرب بدوائه للسل الرئوي.
وقف على العلم
وقف أحمد بك الشريف من أعيان طنطا مئة فدان من أجود أطيانه على المدرسة الجامعة المنوي إنشاؤها في مصر ويقدرون ثمنها بثلاثين ألف جنيه بارك الله به وبماله.
стр. 789
نفاضة الجراب
فجائع البائسين
٤
مضت أيام وسعيد يجتهد فوق طاقته بحيث قدم فحصين عن دروس صفين في آن واحد حتى بلغ الصف المنتهي ليقرب وصوله إلى المدارس العالية وظل مثابراً على خطته حتى خرج الأول من المدرسة ولم يترك جائزة لأحد من رفقائه في الصف فأدهش المعلمين والتلاميذ وأمّل الجميع بنجاحه في المستقبل وبعد ما نال الشهادة عزم على السفر واطلع الباشا على قصده فساعده على ما يريد ولم يتيسر له أن يختلي بجميلة ولكنه ودعها قائلاً أؤمل أن أوفق إلى مطلوبي وذهب إلى الأستانة تحف به الآمال وتشيعه الأحلام.
حتى إذا بلغ دار السعادة أخذ يفكر في انتخاب مدرسة يتخرج فيها على النحو الذي يكون به في المستقبل جديراً بجميلة فلا تكبده ما لا يطيق من النفقات. فرأى أن دار المعلمين أحسن عائدة عليه لأن الأول في الصف فيها يقبض مشاهرةً ليرة عثمانية وكان يعتمد على نفسه بأنه سيحرز الأولية بيد أنه فكر بما سؤول إليه أمره في المستقبل وماذا سيكون من اشتغاله فلما أدرك أنه سيصير معلماً للنشء وقيماً على الأطفال امتنع عن الدخول إلى دار المعلمين ذلك لأن هذه الصناعة تعد قبيحة عند العامة وهو يود أن يصير في مقام يكسب به جاهاً يخوله الحق أن يخطب جميلة من أبيها ثم فكر في حقيقة تعليم النشء وتدريبهم فأدرك انه بعمله هذا يكون علمهم العلوم وأحسن تربيتهم وجعلهم رجالاً للأمة وقد يعلمهم المؤازرة والتضامن فيجعلهم جسماً واحداً وأمة واحدة كالبنيان المرصوص ويدربهم على الأعمال الشريفة التي تعود بالخير على وطنهم فيغنم بذلك أجراً جزيلاً وثناءً جميلاً. وربما أحرز منصباً في نظارة المعارف يجعله في أوج المعالي إذا ساعده الدهر وخدمه الحظ وكان مغروراً بحظه لما رأى من نفسه الغناء في الفوز بالأولية في الصف ومحبة الناس عامة. وبعد أن فكر ملياً في الأمر أزمع الدخول إلى هذه المدرسة فدخلها وأخذ يقضي أوقاته ويفني صحته في الدرس لينال ذلك الراتب. وفي غضون ذلك انتقل الباشا من دمشق برتبة أكبر إلى مكان بعيد فساقته الضرورة إلى الاكتفاء بهذا الراتب القليل.
وكان سعيد لما بلغ الأستانة نزل في خان من خانات شنبرلي طاش واستأجر أصغر حجرة
стр. 790
فيه يدفع ثلاثين قرشاً في كل شهر وقد أتى معه بفراش ولحف واشترى قطعة بساط عتيق فمده وجعل يجلس على فراشه كل من يزوره من إخوانه وكان يشتري ما يلزمه من الأواني شيئاً فشيئاً ويعيش في غاية الاقتصاد. فكلما دخل حجرته أو أكل أو شرب أو نام يعتريه ضيق صدر فيشكو دهره ويقول إلى متى وأنا مقضيٌّ عليًّ بالتقتير والحرمان من كل لذة وقد ينتهي في الأحايين إلى درجة اليأس بحيث يكاد ينتحر ليخلص من هذه الحياة التعسة ثم يرجع إلى نفسه ويقول قتل الإنسان ما أكفره. لابد من تحمل المشاق حتى أنال السعادة ومهما عاكستي الدهر فإني قاهره بشدة صبري ثم يأخذ يفرك في مستقبله وماذا يفعله وربما تجسمت أمامه السعادة ورأى نفسه في أعلى المناصب وأنه نال حينئذ وصالاً من حبيبته جميلة وبينا هو يخوض بحار هذه الخيالات يرى ساعة الدرس أتت فيلعن الدرس والاجتهاد لأنه كان في حرب من الأفكار.
وكان يمتنع عن التنزه إلا إذا اكرهه إخوانه على رفقتهم فيذهب حياءً منهم فينغصون عيشه وهم بمالهم فرحون فكان إذا رأى منزلاً عالياً تذكر حجرته وإذا رأى عربة جميلة تذكر ذهابه وإيابه إلى المدرسة مشياً تحت المطر والثلج وإن رأى نُزلاً تذكر دكان الطاهي الذي يتعشى فيها وإذا استنشق هواءً نقياً تذكر هواء حجرته الفاسد وإذا رأى غادة تذكر حبيبته وإذا رأى عجوزة تخدمها السراري تذكر أمه وهي تعمل في المطبخ. وكلما شاهد ما يدل على السعادة كان يذكر ما يقابله من شقائه فيرجع من التنزه حزيناً كئيباً ويعود رفقاؤه مسرورين. ولذلك كان يعد أحسن أوقاته ساعة نومه الخالي من الأحلام إذ يستريح به من التفكر في الشقاء وكان كلما ذكر شقاءه يقطع أمله من جميلة ولكن الآمال كانت تبعث الاطمئنان إلى قلبه. وقضى ثلاث سنين على هذا المنوال وهو بعيد عن راحة الفكر وانشراح الصدر فأتم الدراسة وأخذ شهادة تامة تؤهله لكل خدمة ثم عين معلماً براتب ثمانمائة قرش في الشهر فساقته الآمال وأطمعته الرواتب وسعد به أبواه وأهله ولكن لم يمض زمن حتى مات أبوه وخلف له أسرة قضي عليه أن ينفق عليها فأصبح راتبه لا يكفيه وصار يلتمس ممن تعرف إليهم أن يعينوه معاوناً لمدير مكتب بيروت الإعدادي فبلغ راتبه ألفاً ومائة قرش على شرط أن لا يفارق المكتب إلا ليلتين من كل أسبوع ويدرس أربع ساعات كل نهار ويعلم الرياضيات والتاريخ والإنشاء فصار يتألم من تنوع الفنون
стр. 791
التي يشتغل بها وكان يود أن يختص بفن واحد منها ولكن قلة الأجرة التي خًصت للدروس اضطرته إلى أن يتحمل هذا العذاب ويمنع نفسه من الإخصاء بفن واحد ومع كثرة اشتغاله وتألمه من كثرة عائلته ما نقطع لحظة عن التفكر بجميلة ولكن بعدها عنه وانقطاع أخباره جعلاه في يأس من الوصول إليها وكان في احتياج للزواج.
٥
في يومٍ راقت سماؤه ورق هواؤه ذهب سعيد مع صديق له يسمى رفيقاً إلى متنزه ضبيا ليصرف وقتاً بدون فكر ويتخلى ساعة عن بؤسه وشقائه. فأخذا يتجاذبان أطراف الحديث في كل ما خطر ببالهما. فساقهم الكلام إلى البحث عن الزواج شأن من لم يتزوجوا من الشبان وكان لرفيق أخوات جميلات متعلمات يود الناس الزواج بهن ولكن كان له أم عرفت بمساوئ الخلاق واشتهرت بسوء الطوية فامتنع الناس عن التأهل بأخواته. وكان رفيق في كدر من كسادهن وهو على علم من مكانة سعيد في الحال والمآل فتصور سعادة لأخته في قرانها بسعيد فتجاسر وكلفه بأن يصير له صهراً ففكر سعيد هنيهة ووعده بالقبول فتعهد رفيق بإسكانه في منزله واعتباره واحداً من أهله وفرداً من أفراد عائلته وافترقا على أمل القران فذهب رفيق وأخبر أمه بما جرى بينه وبين سعيد ومدحه لها وأعلمها براتبه وأفهمها مستقبله فسرت به وأملت بسعادة ابنتها فرضيت وساقت ابنها إلى إتمام هذا الأمر فذهب إليه غير مرة وسأله عن عزمه فأجابه بالقبول وكان سعيد فكّر في جميلة وما بينهما من الوعد. ولكنه استبعد ثبات النساء على أقوالهن والوصول إليها لما بينه وبينها من الامتياز في الطبقة وعبثاً رأى نفسه معلقة بها فرضي بالزواج وتكلم مع رفيق على مقدار المهر فرضي هذا بخمسة آلاف بعد قبول أمه ولكنهما قرراً على أن يعقد النكاح على مهر مقداره ١٥٠ ليرة رئاءً أمام الناس وعينت ليلة العقد ودعي الأقارب والخلان وشربت المرطبات وتولى الشيخ صيغة العقد وذهب كل من حضر داعياً بلسانه وهم ما بين معترض ومنتقد وساب وشاتم وحامد.
وعينت ليلة العرس ودفع المهر سعيد فاستدان وباع راتبه بنقص ليقبضه قبل ميعاده حتى يقوم بما يلزم من نفقات العرس.
واجتمع بقرينته شهيرة فوجدها على ما يرغب وسرّ بها وظن أنه نال السعادة فصار معززاً
стр. 792
مكرماً لدى أسرة رفيق بأسرها ولكنه وقع في قبضة الديون بعد أن كان يقتصد من راتبه ويجمع دراهم وصرت لا تراه إلا شاكياً باكياً من دهره يفكر ويقدر فيما يجعله غنياً وكانت عنده (تحويلات) البنك العقاري وتحويلات سكة حديد الروم ايلي فرهنها على مبلغ ليوفي ديونه فما خلص منها ولكن ذلة ليالي الوصال وأوقات الاجتماع كانت تنسيه همه وتسليه عن غمه. وظل نحو شهري بين مسرور بزوجته ومغموم بديونه وكان أخبر أمه التي تركها بدمشق بزواجه فأرسلت تطلب منه أن تحضر إليه لترى كنّتها وتلتقي بابنها فاستدان لها مبلغاً أرسله إليها فأتت ونزلت ضيفة في بيت رفيق ولم تلبث يوماً أو بعض يوم حتى أخذت أم رفيق تهينها هي وبناتها إلا شهيرة امرأة سعيد فإنها كانت تبجلها رعايةً لقرينها فتكدرت أم سعيد وأخبرت ابنها بما وقع لها فأسف لذلك واضطر إلى الرحيل فاتخذ له داراً سكنها هو وأمه وامرأته فزادت نفقته وازدادت ديونه فصعب انتقاله على أم رفيق لأنه كان يشترك معها في الإنفاق على البيت وكانت تقتصد بسببه وتخفف نفقات ابنها فسعت في إرجاع ابنتها بدعوى أنها لا تطيق السكنى مع أمه وكانت تعلّم ابنتها ما تقوله فصارت هذه تلح عليه باعتزال أمه وتبدي له الجفاء بعد أن كان لا يرى منها إلا المحبة والوفاء فصار يؤاخذها على أعمالها وينصح لها بأن لا تسمع كلام أمها فما سمعت له وتركته وحيداً من أجل أن تنال رضى أمها ورجعت إلى بيت أخيها. اغتنمت تغيب أهل الدار ذات يوم فأتت بحمالين ونقلت متاعها وتركت الدار بلا أثاث فرجع سعيد في المساء فلم يجد متاعاً وأخبره الجيران بما تم فعلن حماته والساعة التي عرف بها رفيقاً وكانت امرأته حاملاً قد أقربت وكان أخوها متغيباً عن بيروت عندما تمت هذه الأعمال القبيحة فلما رجع أخبرته أمه وعظمت المر في عينه حتى جعلت سعيداً فحمة سوداء أو حية رقطاء وصورته لابنها مثال الدناءة والرذيلة وجردته من كل شهامة وخلة كريمة ونسبت إليه من الأعمال ما لم يخطر له على بال حتى أشربته بغض صهره وساقه الحنو الأخوي للانتصار لأخته وأعماه كلام أمه عن رؤية الحق وراح يظن الباطل حقاً وأصبح لا يثق بكلام سعيد فبدلاً من أن ينصح لأخته وأمه أخذ يزيدهما عتواً وطغياناً. وكان سعيد يسعى ليصلح الخلل ونصح لرفيق ووعظه فما استفاد إلا هجراً وصداً فتركه وشأنه.
وضعت شهيرة فطلبوا منه نفقات الوضع فما تأخر عن طلبهم وأرسل إليهم جميع ما يلزمهم
стр. 793
من دارهم وغير ذلك على أمل أن يرجعوا عن غيهم. فولدت الفتاة غلاماً فرح به أبوه ولكنه لم يتسر له أن يراه وصار يتوسط ليرى مهجة فؤاده فلم يحظ بطائل. وعندها رأى أن يهجر أهل زوجته هجراً جميلاً فاغتاظ رفيق لذلك وأقام الدعوى عليه في المحكمة الشعرية فأتى بشهود من أقاربه ليشهدوا أن سعيداً طلق شهيرة فشهدوا بالطلاق وأنه لم يدفع من مهرها المسجل شيئاً وقدره مائة وخمسون ليرة وهنا أدرك سعيد أنه وقع في شرك احتيال رفيق الذي اتفق معه على خمسة آلاف قرش وكتب العقد ١٥٠ ليرة ولكنه أقام البراهين والأدلة القاطعة على أنه دفع المهر وأنه لم يسبق منه طلاق وأن الفتاة زوجته في كل وقت وأنه يحبها وأن تعيين هذا القدر من المهر كان من قبيل التظاهر أمام الناس بالسعة ومفاخرة لا حقيقة.
فأدرك القاضي إخلاصه وأيقن بصحة دفع الخمسة آلاف من المهر المسجل وما استطاع إلا أن يحكم ببقية المائة والخمسين ليرة مهراً مؤجلاً لأنه مسجل بالقيود وشهادة الشهود على أنه موقن بعدم صحة هذا المهر المسجل ورتب على سعيد مائة وخمسين قرشاً في كل شهر أجرة الحضانة وتربية ابنه وحكم ببقاء الزوجية.
فعند ذلك يئس سعيد من إمكان الاجتماع بزوجته إلا إذا ماتت حماته ولم يجسر على الطلاق خوفاً من أن يحق عليه أداء بقية المهر لأنه لم يبرح رازحاً تحت أحمال الديون التي تذهب ببركة راتبه كل شهر وأخذ يشكو من آلام الوحدة بعد أن كان يعيش العيشة الزوجية فساقته الضرورة إلى الميل للزواج مرة ثانية فوسط امرأة من اللواتي يتوسطن للنساء سمسارات وأوصاها بأن تفتش له على زوجة غنية لا أم لها ولا أب ولا أخوات.
٦
من عجائب الاتفاق أن علي باشا عاد إلى بيروت بمنصب أعلى من منصبه سابقاً فأنشأ سعيد يتردد عليه ويزوره في أغلب الأحايين.
علمت جميلة بما حل بسعيد فأسفت عليه وشمتت به لأنه خان عهدها على أنها لا تزال مقيمة على العهد ويئست من الزواج وعزفت نفسها عن الرجال وحكمت عليهم بأنهم أقل وفاءً من النساء ولكنها ودت الاجتماع به لتعاتبه وتشكو إليه وتشكو منه لأنها لم تطلع أحداً على سرها وأخذت تسعى وراء مقصدها حتى تيسر لها أن تخلو به في منزل أبيها فرحبت
стр. 794
به وأخذت تعاتبه قائلة: لم يخطر ببالي أنك ستخون عهدي لأني لم أعهد فيك إلا الوفاء والثبات ومكارم الأخلاق فما الذي حملك مع على الخيانة؟
- نعم خنت عهدك على أن مكانك لا يزال محفوظاً في قلبي ولكن علمي بمنزلتي وعدم إمكاني القران بك واحتياجي إلى تدبير أمر معاشي وتنظيم حياتي ساقاني إلى ذلك الزواج المشؤوم لازداد شقاءً على شقاءٍ وأنال جزاء خيانتي لعهدك وكان ينبغي أن أبقى على الوفاء ولو عشت العمر كله في حرمان.
فضحكت جميلة ثم قالت: هب أني لم أشك بما أعهده فيك وأنك لا تزال على عهدك القديم فما الذي ساقك إلى الزواج مرةً أخرى وأنت على علم من حبي لك ووجودي في بيروت؟
- لم أقصد من ذلك إلا تعذيب زوجتي والانتقام منها لأني أعلم أن أعظم ما يجازى به النساء الزواج عليهن ولو كانت الواحدة منهن مطلقةً وعلى عصمة زوج آخر.
- وهذا هو العجب العجاب! فكيف يليق بمنوّر الفكر مثلك عرف بمكارم الأخلاق أن يتنازل للانتقام؟ أنسيت أن الرجال لا ينتقمون عند المقدرة؟
- لا أنكر أن الانتقام نقيصة في الرجال ولكن إذا كان الذي لا تنتقم منه يعد عدم انتقامك جبناً ويزيد في طغيانه فهل يعامل إلا بالانتقام؟ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ودفع الشر بالشر أحزم، واللئام لا يعاملون بغير الانتقام.
- هب إني سلمت لك بأن الانتقام من هؤلاء الأنذال واجب عليك وإذا لم تفعل تلام فقل لي بأبيك ألا تأمل إرجاع امرأتك؟
- لا أخفي عنك أنني ربما رضيت بها إذا رجعت عن غيها وعلمت أن لا خلاص لها مني وأصلحت نفسها وماتت أمها كل هذا إذا كنت في يأسٍ منك.
- فأنت إذاً عازم على الانتقام منها بزواج امرأة أخرى؟ ألا تصبح إذا رجعت إليك ذا الزوجتين؟ فكيف تتصور لك راحة أو هناء بين زوجتين وأنت على علم بأن من يتزوج امرأتين يشتري عذابه بيده فينغص تنغيصاً لا نهاية له ويلقي بنفسه في الغم والهم، وإذا طلقت الثانية لترجع إلى الأولى فيكون عملك مما يشين العقلاء لأن النساء لسن كما يقول بعض الجهلاء كالحذاء متى ما مللت منه تنزعه من رجلك!. وتذكر ما كتبته إحدى منذ حين من أن رجلاً رأى في منامه أن حذاءه سقط في النهر فراجع كتب تفسير الأحلام فلم
стр. 795
يجد تعبيراً لرؤياه سوى مفارقة زوجته فطلق امرأته تفسيراً لمنامه وتصديقاً لكتب الحشو. على أن العاقل البصير يحترم النساء لأنهن جنس لطيف جدير بالتعظيم والمحبة. النساء أمهاتكم اللواتي يعانين أنواع العذاب في الوضع فمن لم تكن أمك فهي أم أخيك أو أبيك أو صديقك أو جارك أو ابنك. فكيف يليق بك أن تطلق زوجتك بعد ما تستوفي حظوظك منها وتذهب برأس مالها فتتركها محرومةً من الزواج؟ ولا يدورنَّ في خلدك أني لا أذكر أن الله تعالى أجازكم أن تأخذوا من النساء مثنى وثلاث ورباع ولنه جل شأنه شرط عليكم العدل ثم ذكركم بأنكم لا تستطيعون أن تعدلوا بين النساء. وكيف ترضى امرأة بشريكة لها في حياتها بأعمالها وأفراحها؟ ألا تضطر أن تحرمها منك لتعدل بين الاثنتين وتعاملها بالمساواة، أويخطر ببالك أن تلك التعسة تنام تلك الليلة وهي على علم من أنك عند أعدى عدوّاتها؟ ثم افرض أن الاثنتين اتفقتا - وهذا ضرب من المحال - أليس من الممكن أن يأتيك أولاد من الاثنتين؟ وبديهي أن يتنازع أولادك على أقل سبب فإذا انتصرت الواحد لابنها لا تسكت الأخرى فيقع النفور بينهما وبين الأخوة فتحرم بذلك راحتك وتفقد سعادة عائلتك فإذا كان الشقاق دأب بيتك ونشأ الأخ على بغض أخيه فكيف تؤمل منه خيراً للهيئة الاجتماعية؟ أوهل لك سبيل إلى الإقناع بأن تعدد الزوجات حسن ونتائجه حسنة؟
- لا يسعني الإنكار بمضرة تعدد الزوجات إلا إذا كان عن ضرورة وللضرورة أحكام، ولا أنكر أن الشرع الشريف لم يبحه إلا لهذا السبب وما فرضه علينا فرضاً فمن لم يكن في اضطرار إلى تعداد زوجاته فلا يليق به إلا الرضا بواحدة.
وإذا صفا لك من زمانك واحد ... نعم الصديق فعش بذاك الواحد
- فإذا وافقتك الجديدة وأعجبتك بخلُقها وخلْقها وطلقت شهيرة فماذا تكون حال ولدك منها؟ لو كان أجمل ولد في العالم وكنت أعقل رجل لابد من أن تسقطه من عينك وتجعله نقطة سوداء لأن المرأة عدوة طبيعية لابن زوجها فإذا نشأ ابنك في ظلم امرأتك واستبدادها ألا تكون حينئذ قد جنيت عليه. وأنت في عيني أعظم من أن ترتكب جناية مثل هذه وهب أنه سمحت لك كل هذه الأحوال أليس من العار أن تتزوج باسم الانتقام أو باسم الاحتياج وأنت تعلم أن القصد من التأهل اتخاذ قرينة تشارك الرجل في أفراحه وتشاطره أتراحه ويكمل بها ويعيش معها عيشة راضية فيقومان بما يجب عليهما للمجتمع الإنساني وهذا الأمر لا
стр. 796
يتم إلا بقران الرجل بمن توافقه طبيعة ومزاجاً وأخلاقاً ولذلك أرى أن تسعى في استرضاء خاطر شهيرة إذا كانت فيها هذه الشروط وترضى بما قسم لك ربك وتربي ابنك كما تشاء لتجعله خير الخلف من بعدك عساه يكون لك ذخراً وسنداً.
- أنا وحقك معترف بما أتيت به من الحقائق ومن الأسف أنه لم يتيسر لي الاقتران بمن توافقني وتكون جامعة لشروطك ولو أسعفني الحظ وتزوجت منك لسعدت وما أتاحت لي الأيام أن أقع في المهالك والأخطار.
- قضي الأمر وكان بودي أن أكون قرينة لك ولكنك عجلت فأخطأت وحرمت نفسك مني وحرمتني بعملك من التأهل بغيرك لأني وعدتك بان لا أرضى بسواك ومن شيمي وطبعي الثبات على وعدي فلهذا لا أقرن بأحد وسأعيش عانساً متبتلة وبحكم القضاء راضية
فلما سمع سعيد هذه العبارة احمر وجهه وأطرق خجلاً وود الموت ليخلص مما عراه من الخجل أمام من فاقته بمكارم أخلاقها واستولى عليه السكوت وانقطع عن الحركة.
فلما أدركت خجله قالت لا تستحي فإنك لست أول رجل خان الجنس اللطيف بوعده فمهما كان الرجل عاقلاً رقيق الشعور كريم العواطف والأخلاق لا يزال في عتو بدعوى التفوق على النساء ولا يعد الخطأ أمامهن إلا من قبيل السهو والنسيان الملازمين للبشر ولكن كن على ثقة من أنه سيجيء يومٌ ترتقي فيه الهيئة البشرية وتعلم منزلة المرأة وواجبات الرجال نحوها فتحفظ حقوقها فتصبح معززةً مكرمةً ولا يجسر أحد حينئذ على خيانتها لأن عمله يعد سقوطاً في الأخلاق، وأرجو منك أيها الصديق أن لا يشق عليك كلامي وما لك إلا الإذعان والاعتراف بالذنب لأني صاحبة الحق. وأما أنا فإني أسلمت أمري لخالقي الذي جعلني بائسة محرومة من شرف السعادة الحقيقية.
فعند ذلك قام وعبرات الأسى تنهمل من عينيه على خديه وأخذ يقبل يديها ويقول: ها أنا ذا أكرر اعترافي بذنبي عني والعفو من شيمك ولا تزيديني هماً وخجلاً فوق كدري، وارحمي شبابي لئلا يسوقني هذا العذاب إلى الانتحار.
فضحكت وقالت: أرجو أن تجلس في مكانك. أتدري سبب ضحكي؟ قال: لا. فقالت لأني قرأت من الروايات وأخبار العشاق ما لم أتذكر عدده وقد ثبت لدي أن الرجال يستعطفون النساء ويستميلونهن بدعوى الانتحار فلا يصدق دعواهم إلا اللواتي حرمهن الخالق من
стр. 797
العقل والعلم وكم قرأت وسمعت من أخبار الرجال الذين كانوا عزموا على الانتحار من أجل معشوقاتهم وبعد أن حظوا بقربهن تركوهن يعانين آلام العذاب وندر من انتحر والنادر لا حكم له. وإني لا أود أن أسمع من عاقل مثلك أن يقول هذا الكلام فلو كنت ممن يطيب لهم الانتحار لصبرت من أجلي وعملت مثلي. هذا والشائع على الألسن أن الرجال أقدر من النساء على ضبط أنفسهم ولكني رأيتك مع شدة عقلك ومتانة أخلاقك لم تمنع نفسك من خيانة العهد.
- كفى سيدتي أما قلت لك أني تزوجت اضطراراً علماً مني أنه من المحال أن أصل إليك لما بيننا من الدرجات والفروق.
- هل طلبتني ورجعت خائباً حتى تعتذر هذا الاعتذار الواهي؟
- لا أجرؤ على أن أخطبك لأني كنت على يقين من رجوعي خائباً وخفت أن تتحول عني أنظار الباشا وأن تنقلب محبته لي نفوراً مني فأكون حينئذ ضيعت آمالي على أني مازلت غريقاً في بحر الآمال.
- ماذا تقول؟ أجننت أم تهذر؟
- أعذريني على خطأي ولا تجرحي حواسي فإني مازلت أسعد بها.
- ماذا تقول؟ لقد صغرت في عيني بعدما كنت كبيراً!. أنسيت إننا كنا نتكلم عن تعدد الزوجات ووصف مضراته؟ وكيف يخيل إليك أن تجعلني شريكةً لمن خربت آمالي وجعلتني في حرمان من حبيبي الخائن؟
- آه سيدتي دعي عنك هذا الكلام فإني سأطلقها من أجلك وأرجع إليك إذا ساعدني الحظ.
- كيف تطلق زوجتك أم ولدك وأنت تعلم أن أبغض الحلال إلى الله الطلاق وماذا تكون حالها بعد الطلاق وماذا يؤول إليه أمر ابنك التعيس الذي سيتربى على غير ما تريد؟
- أنسيت أن الله تعالى قال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ على أني سعيت لأمسكها بمعروف فلم يتيسر لي لأنها شربت لبن اللؤم من أمها ولا أمل لي بإصلاح حالها وهي كلما تقدمت ودرست على أمها زادت لؤماً وخبثاً وبغضاً إلي فطبيعة الحال تسوقني إلى تسريحها وأما ابني فإنه أهمل وترك للطبيعة تتصرف به كما تشاء فخانته وسلطت عليه الأمراض وقد أخبرني الطبيب أن لا أمل في حياته وإذا مات أراحنا واستراح وبذلك
стр. 798
تزول الموانع ويبقى مانع واحد وهو قبول الباشا الذي لا سبيل إليه فهل إليه من وسيلة؟
- أنا ثابتة على قولي وعهدي ولكن وجود زوجتك يمنعني عن قبول ذلك.
فأقسم لها بالله بأنه لو لم يخف من الحكم عليه بدفع بقية مهرها لطلقها ثم قال: لا يخفى عليك قلة ذات يدي وعدم اقتداري على دفع المبلغ ولعل الحظ يسعفني فيموت ابني على أني أعدك وعد حر أنه يستحيل اجتماعي بها بعد الآن.
стр. 799
العدد ١٥ - بتاريخ: ١٥ - ٤ - ١٩٠٧
стр. 800
التقية
الأمم في أول نشأتها تحتاج إلى كتم أمرها وضم أطرافها والتماسك في كل أحوالها خوف عدو قاهر ومليك مقتدر وعدة ضخمة وعدد؟؟ من مال ورجال حتى إذا استحكم أمرها وأصبحت كفؤا لمناوئها تظهر ما كانت تضمر وتقدم إقدام الاتيي على الوادي وتلوب على من تضمه إليها وتكثّر به سواد قومها. وهكذا حال الأفراد فإن العالم أو صاحب الدعوة إذا كان في مبدأ شأنه بين قوم يخاف بادرتهم إذا فاتحهم بأفكاره يخفي شيئاً مما يكنه ضميره حتى إذا اشتدت شكيمته واستحكمت مُنّتُه واستجاش له أنصاراً وخاصة يقبلون ولو جانباً من أفكاره وعلمه يتدرج في بث دعوته فيبدأ بالضعاف أو المستضعفين إلى أن يصل إلى الأقوياء والعظماء. وهذا الضرب من الكتمان يسمى التقية مشتقة من أتقاه أي خافه وهي ضد العلانية. عادة راجت ولا تزال رائجة في المشرق خصوصاً بين المغلوبين المخالفين أمام الغالبين الظالمين ولكم ذهب بها فيما غبر أرواح رجال لم يحسنوا استعمال التقية ونجا بها أناس جعلوها شعراً يلبسونه ومجناً يتقون به عادية من يخالفونهم أو يريدونهم على العلم بما لا يعتقدون به من علم ورأى ونحلة.
جاء الرسول العربي ﵊ فقام يبث دعوته وتحمل فيها صنوف الأذى والإهانة ولما كثر أنصاره ومريدوه من المهتدين وخاف امتداد الأذى هاجر إلى المدينة وهناك أقام على تلقين اليقين علانية. ولذلك أجمع رأي الصحابة على عهد عمر بن الخطاب لما أرادوا التأريخ أن يبدأوا من سنة الهجرة لأنه الوقت الذي حكم فيه الرسول على غير تقية فأكن الدور الأول ما كان إلا لتأسيس ما بدأ ظهوره من الدعوة في المدينة فلم يحسبوه. وقد جاء في القرآن آيات تدل على الأخذ بالتقية وآيات على عكسها بحسب المناسبات.
قال الخازن في تفسير قوله تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ أي ألا أن تخافوا منهم مخافة ومعنى الآية أن الله نهى المؤمنين عن مداراة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين أو يكون المؤمن في قوم كفار فيداهنهم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان دفعاً عن نفسه من غير أن يستحل دماً حراماً أو مالاً حراماً أو غير ذلك من المحرمات أو يظهر الكفار على عورة المسلمين. والتقية لا تكون إلا
стр. 801
مع الخوف من القتل مع سلامة النية إلى الله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾. ثم أن هذه التقية رخصة فلو صبر على إظهار إيمانه حتى قتل كان له بذلك أجر عظيم. وأنكر قوم التقية وقالوا إنما كانت التقية في جدة الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين فأما اليوم فقد أعز أمة الإسلام والمسلمين فليس لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم. قال يحيى البكاء: قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج: ابن الحسن يقول التقية باللسان والقلب مطمئن بالإيمان. فقال سعيد: ليس في الأمان تقية إنما التقية في الحرب. وقيل إنما تجوز التقية لصون النفس من الضرر لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان. اهـ
واختلفت مذاهب المسلمين في التقية فروى المؤرخون أنه كان سبب اختلاف نافع بن الأزرق ونجدة بن عامر من زعماء الخوارج أن نافعاً قال التقية لا تحل والقعود عن القتال كفر واحتج بقوله تعالى ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾. وبقوله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ﴾. وخالفه نجدة فقال: التقية جائزة واحتج بقوله : ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. وبقوله : ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ فالأزارقة من الخوارج وهم أصحاب ابن الأزرق المشار إليه يقولون إن التقية غير جائزة في قول ولا عمل. وحكى الكعبي عن النجدات وهم أصحاب نجدة بن عمار أن التقية جائزة في القول والعلم كله. وقال الصُّفرية الزيادية وهم فرقة من الخوارج أيضاً: التقية جائزة في القول والعمل. والرِّدَيُّ عند الخوارج هو الذي يعلم الحق من قولهم ويكتمه.
أما الشيعة فلهم في التقية تجوّز لم تعرفه فرقة من المسلمين فيما أحسب فكل ما أرادوه تكلموا به فإذا قيل لهم ذلك ليس بحق وظهر لهم البطلان قالوا إنما قلناه تقية وفعلناه تقيةً. هذا ما نقله الشهرستاني في الملل والنحل وليس في الأيدي كتاب من كتبهم نرجع إليه فيما قالوه هم في حقها. ولقد رأيت بعضهم يستعملون التقية في خلواتهم وجلواتهم فلا تجديهم إلا صغر النفوس وضياع الشمم والشرف على حين لا يضطرهم إلى ذلك داعٍ ولا يريدهم عليه حاكم ولا محكوم عليه. ولكن هي العادات يرضعها الأبناء مع لبن الأمهات فيتعذر الإقلاع عنها إلا بعد الاستغراق في نور العلم النافع والتربية الصحيحة.
والعقل يقضي بأن يستعمل في دار التقية ما لا يستعمل في دار العلانية على حسب
стр. 802
الأحوال. وقد تترتب مفاسد دينية ودنيوية على سوء استعمال التقية ولكن قل في العلماء وأرباب المقالات من أحسن استعمالها وساعده محيط بلاده على تحقيق أمانيه. والتوسط في كل شيء محمود المغبة فكيف بالتوسط مع الطواغيت والمرء لا ينجو معهم بدونه.
عهدنا الحجاج لما هزم عبد الرحمن بن الأشعث وقتل أصحابه وأسر بعضهم يتلقى كتاب عبد الملك بن مروان في عرض الأسرى على السيف فمن أقر منهم بالكفر خلّى سبيله ومن أبى قتله. فأتى منهم بعامر الشعبي ومطرف بن عبد الله بن الشخير وسعيد بن جبير. وكان الشعبي ومطرف تريان التقية وكان سعيد بن جبير لا يراها فذهب عامر ومطرف إلى التعريض والكناية فعفا عنهما وأما سعيد بن جبير فأبى ذلك فقتل. وكان مما عرَّض به الشعبي: أصلح الله الأمير، نبا بنا المنزل، وانخزل بنا الجناب، واستحلسنا الخوف، واكتحلنا السهر، وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء. قال: صدق والله ما برّوا بخروجهم علينا ولا وقووا خلّيا عنه. ثم قدم إليه مطرف بن عبد الله فقال هل الحجاج: أتقرّ على نفسك بالكفر؟ قال: إن من شق العصا، وسفك الدما، ونكث البيعة، وأخاف المسلمين لجديرٌ بالكفر. قال خليا عنه. ثم قدم إليه سعيد بن جبير فقال له: أتقر على نفسك بالكفر؟ قال: ما كفرت بالله مذ آمنت به. قال اضربوا عنقه.
أرأيت رجلاً معروفاً بصلابة دينه ووفرة علمه وثبات جنانه وقوة برهانه فادى بروحه من أجل الحق وغلّب الموت على القول بما يخالف ما وقع في نفسه؟ أبى إباؤه وأنفت أنفته أن يلجأ إلى تقية لا يرضاها ذوو النفوس الكبيرة فذهب مثال الكمال وأنموذج الفضيلة والتقوى أبد الدهر. هذا هو سعيد بن جبير الذي لا تفتأ الألسن تذكره بالرحمة وتسخط على من قتله شر قتلة.
ومن التقية المحمودة إن صح أن يسمى التقية ما يأتيه بعض العلماء من الامتناع عن إفشاء بعض الأسرار في الدين للعامة وقد أرجع الغزالي هذه الأسرار التي يختص المقربون بدركها ولا يشاركهم الأكثرون في علمها إلى خمسة أقسام: الأول أن يكون الشيء في نفسه دقيقاً تكل أكثر الأفهام عن دركه فيختص بدركه الخواص وعليهم أن لا يفشوه إلى غير أهله فيصير ذلك فتنة عليهم حيث تقصر أفهامهم عن الدرك وإخفاء سر الروح من هذا القسم. الثاني من الخفيات التي تمتنع الأنبياء والصديقون عن ذكرها ما هو مفهوم في نفسه
стр. 803
لا يكل الفهم عنه ولكن ذكره يضر بأكثر المستمعين ولا يضر بالأنبياء والصديقين وسر القدر الذي منع أهل العلم من إفشائه من هذا القسم فلا يبعد أن يكون ذكر بعض الحقائق مضراً ببعض الخلق كما يضر نور الشمس بأبصار الخفافيش وكما تضر رياح الزرد بالجعل. الثالث أن يكون الشيء بحيث لو ذكر صريحاً لفهم ولم يكن فيه ضرر ولكن يكنى عنه على سبيل الاستعارة والرمز ليكون وقعه في قلب المستمع أغلب كما لو قال قائل رأيت فلاناً يقلد الدر في أعناق الخنازير فكنى به عن إفشاء العلم وبث الحكمة إلى غير أهلها. الرابع أن يدرك الإنسان الشيء جملةثم يدركه تفصيلاً بالتحقيق والذوق. الخامس أن يعبر بلسان المقال عن لسان الحال فالقاصر الفهم يقف على الظاهر ويعتقده حقاً والبصير بالحقائق يدرك السر فيه.
قال صاحب كتاب إيثار الحق على الخلق: كثرت البدع وكثرت الدعاة إليها والتعويل عليها وطالب الحق اليوم شبيهٌ بطلابه في أيام الفترة وهم سلمان الفارسي وزيد بن عمر بن نفيل وأضرابهما رحمهما الله تعالى. وأن نشأة الإنسان على ما عليه أهل شارعه وبلده وجيرانه وأترابه صنيع أسقط الناس همة وأدناهم مرتبة. قال ولا ينبغي أن يستوحش الظافر بالحق من كثرة المخالفين له كما لا يستوحش الزاهد من كثرة الراغبين ولا المتقي من كثرة العاصين ولا الذاكر من كثرة الغافلين بل ينبغي منه أن يستعظم المنة باختصاصه بذلك مع كثرة الجاهلين له الغافلين عنه.
ونسب تنكب الناس عن طريقة الحق لعدم الحرص وقوة الداعي وللخوف من شر الأشرار مع الترخيص في التقية بإجماع الأمة فقد أثنى الله على مؤمن آل فرعون مع كتم إيمانه وسميت به سورة المؤمن وصح أمر عمار بن ياسر بذلك وتقريره عليه ونزلت فيه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. وقد قيل من عرف الخلق جدير أن يتحامى ولكن من عرف الحق فعسير أن يتعامى. والذين آمنوا أشد حباً لله. ونسبه أيضاً للخوف من الشذوذ من الجماهير والانفراد عن المشاهير.
وذكر أيضاً أنه زاد الحق غموضاً وخفاءً أمران أحدهما خوف العارفين مع قلتهم من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن وإجماع أهل الإسلام قائلاً: ومازال الخوف مانعاً من إظهار الحق ولا برح المحق عدواً لأكثر
стр. 804
الخلق. وقد صح عن أبي هريرة ﵁ أنه قال في ذلك العصر الأول حفظت من رسول الله ﵌ وعاءين أما أحدهما فبثثته في الناس وأما الآخر فلو أبثه لقطع هذا البلعوم.
ومازال الأمر في ذلك يتفاحش وقد صرح الغزالي بذلك في خطبة المقصد الأسنى ولوّح بمخالفته أصحابه فيها كما صرح بذلك في شرح الرحمن الرحيم. وأشار إلى التقية الجويني في مقدمات البرهان في مسألة قدم القرآن، والرازي في كتابه المسمى بالأربعين في أصول الدين. قال: وثانيهما الاعتماد على الكتابة في حفظ العلم فإنه أدى إلى كتم أهل العلم لكثير من مصونه في أول الأمر ثم لمهمات الدين في آخره وكان العلم في أول الأمر يبذل من أهله لأهله مشافهةً ولو سراً وذلك أول النقص وهو محفوظ في الصدور غير مبذول لأهل الشرور في الشعور فلما قلّ الحفظ وطال الأمر وكتب ليحفظ وتعذرت الصيانة وخيف العدوان من أعداء أهل الإيمان كتم بعضهم فلم يظهر علمه فازداد النقص واتقى بعضهم فتكلم بالمعاريض الموهمة للباطل خوفاً على نفسه ورمز بعضهم فغلظ عليه فيما قصده في رمزه فتفاحش الجهل.
وأما الفرق بني ما يجوز من المصانعة والمداهنة وما لا يجوز من الرياء فما كان من بذل المال والمنافع فهو جائز وهو المصانعة وربما عبر عنه بالمداهنة والمداراة والمخالفة وما كان من أمر الدين فهو الرياء الحرام. ومن كلام الإمام الداعي إلى الله تعالى يحيى بن المحسن ﵇ في الرسالة المخرسة لأهل المدرسة: لا يجوز أن تكون المولاة هي المتابعة فيما يمكن التأول فيه لأن كثيراً من أهل البيت ﵈ قد عرف بمتابعة الظلمة لوجه يوجب ذلك فتولى الناصر الكثير منهم وصلى بهم الجمعة جعفر الصادق وصلى الحسن البسط على جنائزهم وأقام علي بن موسى الرضا مع المأمون وكثَّر جماعته وتزوج ابنه محمد ابنة المأمون وغير ذلك. والوجه فيه أن الفعل لا ظاهر له فتأويله ممكن. وذكر الإمام المهدي محمد بن المطهر ﵉ أن الموالاة المحرمة بالإجماع هي مولاة الكافر لكفره والعاصر لمعصيته ونحو ذلك. وهو كلام صحيح والحجة على صحة الخلاف فيما عدا ذلك أشياء كثيرة منها قوله تعالى في الوالدين المشركين بالله: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ
стр. 805
يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
تأمل هذا المنقول في التقية من كلام ذاك الإمام المجتهد وهو نموذج من تأليف من عمل بعلمه ولم يكتم حقيقةً إرضاء لخاطر ولم يتق رثاء وخوفاً وطمعاً. ذاك كلام أبي عبد الله محمد المرتضى من أكابر علماء القرن التاسع أنفت نفسه من التعصب لعادات الآباء والمشايخ فتجانف طرق أسلافه وحكّم الإنصاف في أقوال فرق الإسلام ولولا عراقته في الشرف وبُعد غوره في العلم وإخلاصه في أقواله وأعماله لاضطهد وأوذي ونال من صنوف العذاب ألواناً. أقدم هذا الإقدام مؤثراً أن ينصرف عنه جانب من حطام الدنيا مثل تولي الإمارة عند الزيدية وشرطها عندهم أن يتقلدها أعلم الناس وأشرفهم وكان هو جامعاً لهذين الشرطين وهو من أسرة تولت زعامة الناس فرأى الدعوة إلى الحق خيراً من الإمامة والإمارة فردّ على أبناء مذهبه الأصلي في كتاب ضخم يقع في زهاء ألف ورقة وسماه العواصم والقواصم وخلّف مصنفات غيرها دلت على سعة فضله وعقله وأنه ممن أحسنوا استعمال التقية ولم يتأذوا بالعلانية ورخصت أعمارهم في عيونهم فأفادوا واستفادوا. وكتابه إيثار الحق المنقول عنه آنفاً رأيه في التقية أكبر دليل على ما توصف به.
وإذا قابلنا بني كلام هذا الإمام وكلام من اشتهر أكثر من شهرته لا نعتم أن نشعر بفرق بين المشارب والعقول ولكلٍّ ذوقه وعقله. فمن مشاهير المؤلفين والفلاسفة الفخر الرازي وكل من قرأ مصنفاته ير فيها عقلاً كبيراً ومادة واسعة. ومع هذا وجد له أهل البصر ما ينتقد في حياته العلمية.
درّس الرازي والتفت حوله التلاميذ والأساتذة فكان إذا ركب يمشي معه ثلثمائة تلميذ فقهاء وغيرهم ونال الحظوة من أمراء عصره والحظة عند شعوبه وتعاظم حتى على الملوك ومع هذا مال الرازي إلى مذهب الجبر القاضي بأن الإنسان كالريشة في الهواء لا عمل هل ولا تدبير ينفعه وأن القضاء والقدر يدوران به على مرادهما وهو المذهب الذي عشش اعتقاده في صدور معظم المسلمين فكان من دواعي انحطاطهم وإن لم يشعر ظاهر الشريعة ولا المأثور عن الأمناء عليها في الصدر الأول بشيء من هذا المعنى وإنما رأى الرازي الخير
стр. 806
في نصرة هذا المذهب لأنه كان متسلطاً بكثرة على أهل بلاده فقرر كما قال عن نفسه ما أعتقده أنه هو الحق وتصور أنه الصدق. ولقد رد عليه بعض علماء المسلمين وسفهوا رأيه فيما ذهب إليه حتى أن كل محب لاحترام العلم وإكرام صنيع حملته ليرجو أن تكون بعض هذه الأفكار التي أخذها العلماء على الرازي هي التي سجل على نفسه في وصيته بأنه رجع عنها.
وأنت ترى أن اليماني والرازي المشار إليهما قضيا حياةً طيبةً ممتعين بثمار علقهما وغادرا هذه الدار بلا إهانة وفتنة واكتفى معاصروهما ومن بعدهما من العلماء بالرد عليهما في الورق فكانا مثالاً فيمن نفعته التقية وعرف استخدامها. وإذا جئنا نستشهد بمن جنى عليهم عدم استخدام التقية نخرج عن قصد الاختصار. قال الثوري: إذا رأيت العالم كثير الأصدقاء فاعلم أنه مخلّط لأنه إن نطق بالحق أبغضوه.
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية قد صرح بما اعتقد صحته والغناء فيه فعاداه أعداء التجديد والتحقيق وأشياع التخريف والتلفيق من علماء السوء الرسميين وآذاه من شأنهم مسايرة الحزب الغالب من الأمراء الذين لا مذهب لهم إلا المال ولا دين إلا بسطة الجاه ولا سياسة إلا حكم الناس بما يريدون ولا عقل إلا الاعتصام بالقوة والجبروت.
قضى فساد محيط ابن تيمية والجهل المركب الذي فُطر عليه من جُفّوا في التجني عليه بممالأة من لا رأي لهم أن قضى سجيناً سنين عديدة في جب يوسف بقلعة الجبل بالقاهرة وأعواماً في برج بالإسكندرية وأعواماً في قلعة دمشق إلى آخر ما عومل به من الحبس وكان القصد من هذا كله إيقاف قريحته عن الانبعاث تفادياً من أن يجرف سيلها العرم ما وهى من باطل الاعتقاد ووجد ضعاف العقول وأسرى التقليد آباءهم عليه من الأضاليل والخزعبلات. ولا أقول إن ما لقيه ابن تيمية من الألاقي حبس قلمه عن الكتابة وعلق تأثيره في نفوس مئات من القريبين للخير ولكن من لنا بعشرة عملوا عمله في تاريخ الإسلام رزقوا نفساً كنفسه وعزيمة كعزيمته يستهين بروحه وراحته ويستميت في نصرة الحق وإماتة الباطل من دون ما تقية؟
ولقد شهدنا رجلاً قام في القرن الثاني عشر في وسط جزيرة العرب دعا إلى مثل دعوة ابن تيمية واستنار بعلمه. واهتدى بهديه فعاش سعيداً والنفع به عميماً ألا وهو محمد بن عبد
стр. 807
الوهاب. قام هذا بين قوم تغلب عليهم السذاجة البدوية والفطرة العربية فصاح فيهم صيحة أراد بها زحزحتهم عما كانوا فيه من العبادات والمعاملات لأنها من شأن أهل الجاهلية منافية للإسلام فأذعن أعلامه بين أناس ما عرفوا إلا الشرك والوثنية. وكان نصيب هذا الداعية من علماء عصره أن بدّعوه وفسقوه وكفروه ولو طالت إليه يد الأشرار لمزقوه كل ممزق وجعلوه سلفاً ومثلاً للآخرين.
نعم نفعت تلك البادية في بث الدعوة بلا تقية ولا مصانعة أكثر من الشام ومصر زمن ابن تيمية. والدعوات كلها سياسةً كانت أو علمية ما فتئت تبدأ في البوادي والأقاصي ثم تمتد امتداد شواظ من نار فتلتهم الأقرب فالأقرب. وأهل المدن يستغرقون في الترف على الأغلب ويتبنكون النعيم حتى تكاد تنزع منهم وجداناتهم إلا قليلاً فيلجأون إلى المشاغبة في كل ما لم يألفوه والتمويه في الحق والباطل. ولذلك ترى سكان الجبال والأرياف أنشط في كسب العلم وأرغب في التجديد ونزع التقليد لبعدهم عن نشأة السرف والترف.
ومعاذ الله أن يفهم من هذا القول أن ابن تيمية لم يحسن استخدام التقية وابن عبد الوهاب أحسنها ولكن الأول جمع الشروط كلها فخانته بيئته وأسلمه قومه لأهواء الحاسدين. وهذا هو السبب الذي من أجله اعتاد بعض أصحاب الأفكار والمجددين المصلحين منذ القديم أن يهجروا مساقط رؤوسهم لبث دعوتهم وترويج بضاعتهم كما ترحل التاجر بتجارته والصانع بنتائج صنعته. عهدنا معظم العلماء لما أن يشتد عليهم في وطنهم الضغط الناشئ من حسد حاسد وكيد كائد ينزلون صعقاً آخر ليقدروا بقيمهم الحقيقية ويثمنوا بما يساوون. كان هذا شائعاً في بلاد الإسلام أيام كان فيها بقايا من العلم ونسيس من الحياة الاجتماعية فكان العالم إذا كُرب أن تُكربه التقية في بغداد يهجرها إلى الشام وإذا اشتدت به الحال هنا يغادرها إلى مصر أو المغرب أو الأندلس وإذا وقع عليه ما لا ترضى به نفسه في الروم يرحل إلى فارس.
إليك حكم التقية في العلم والعلماء والدين والأمراء. ولم أفض فيما يستعمله أهل السياسة من التقية لأن ما هم بسبيله مبني في الغالب على الخديعة والحيل مدعوم بالرهبوت والجبروت مصبوغ كل يوم بصبغة تخالف صبغة أمس.
وأني لأرجو أن لا يكون جماع أهل العلم والسياسة داخلين في غمار من وصفه أحد
стр. 808
الأعراب بضعف فقال: سيء الرؤية، قليل التقية، كثير السعاية، ضعيف النكاية ولا أن يكونوا مثل من قال المأمون فيهم لرجل وعظه فأصغى إليه منصتاً فلما فرغ قال: قد سمعت موعظتك فأسأل الله أن ينفعنا بها وربما علمنا غير أنا أحوج إلى المعاونة بالفعال منا إلى المعاونة بالمقال فقد كثر القائلون وقل الفاعلون.
стр. 809
شعراء النصرانية في الجاهلية
تابع ما قبله
هذا وإن سألت حضرة الأب لويس شيخو كيف عرفت أن الشاعر الفلاني أو الفلاني كان نصرانياً على حين لم يصرح لك بذلك أحد الأئمة. فيجيبك من فوره وبدون تمهل أجوبة باردة يعيدها كل مرة على من يطالبه بإيراد الأدلة على نصرانية أحد شعراء الجاهلية ممن نصرهم على يديه. فاسمع ما يقول مثلاً عن نصرانية امرئ القيس (المشرق ٨: ١٠٠٣) فبأي دين كان إذن يدين امرؤ القيس أبدين الوثنيين؟ لا نظن وقد فند حضرة الأب أنستاس حجج القائلين بتعبده للأصنام. فيبقى أنه كان إما يهودياً أو نصرانياً. ولم يقل أحد بيهوديته فكان إذن نصرانياً ولا نريد بنصرانيته هذه كما مر أنه كان متمماً لفرائص الدين المسيحي أو أنه كان كاثوليكياً. كلا. وعلى رأينا أنه كان من ملة النسطورية التي أحل أصحابها أموراً لم يحلها غيرهم من النصارى.
أما أدلتنا على نصرانيته فهي الآتية:
أولاً: إبطال مزاعم القائلين بوثنيته ومزدكيته.
ثانياً: خلو شعره من آثار الشرك ففي كل ديوانه ليس من إشارة تدل على عبادة آلهة العرب في الجاهلية.
ثالثاً: بل تجد إقراره بوحدانية الخالق وبالبعث والنشور مع شواعر دينية ظاهرة. . . هذا فضلاً عما في قلبه من الرغبة في المجد والأمور الشريفة والعدول عن حطام الدنيا (كذا. وقد أورد هنا بيتين لا يدلان أبداً على عدوله عن حطام الدنيا بل على تعلقه بأهداب مجد العالم المؤثل).
رابعاً: وفي شعره من الإشارات النصرانية ما في غيره من الشعراء النصارى. . . (كذكره) مصابيح الرهبان والمقدس وهو الزائر لبيت المقدس والإران وهو تابوت النصارى. . .
خامساً: انتشار النصرانية في كندة قبيلة امرئ القيس لمح إلى ذلك حضرة الأب مناظرنا.
سادساً: خروج امرئ القيس إلى القيصر يستنجد به وهذا لم يكن ليخطر على بال أهل البادية وهو يعلم أن القياصرة نصارى متعمقون في الدين لو لم يتخذ وحدة الدين وصلة
стр. 810
بينه وبين القيصر لاسيما أن القيصر كان يومئذ يستنيان من أشد الإمبراطورين تحمساً للدين وأنه (على ما روى العرب) أزوجه ابنته.
سابعاً: ومن الدلائل على نصرانية امرئ القيس نصرانية عمته هند بنت الحارث المعروفة بهند الكبرى. . . وقد ذكرنا في المشرق (٥: ١٠٦٠) الكتابة التي وضعتها في صدره وفيها تدل على نصرانيتها ونصرانية أبيها الحارث وابنها عمر بن هند. . .
ثامناً: وكذا قل عن نصرانية أم امرئ القيس التي تسمى فاطمة بنت ربيعة بن الحارث وكانت من تغلب وأخواها كليب والمهلهل التغلبيان ولا أحد يجهل أن تغلب كانت تدين كلها بالنصرانية.
تاسعاً: وأقوى من ذلك ما كتبه المؤرخ ننوز وهذا الرجل العظيم أرسله يستنيان إلى الحبشة وإلى امرئ القيس الكندي وهو يدعوه قيساً ليولي امرأ القيس فلسطين فلما عاد إلى القيصر وأتم ما عهد إليه كتب خبر رحلته في تأليف وقع في أيدي فوطيوس فاختصره في مكتبته الشهيرة. . .
عاشراً: ويؤيد قول ننوز المؤرخ الشهير بروكوب من الكتبة المعاصرين لامرئ القيس. . . انتهت الأدلة.
فنحن الآن نجيب على كل واحد منها مستهلين بالنتيجة التي استنتجها من بحثه هذا وقد صدّر بها حججه الدامغة فنقول:
لو فرضنا أن امرأ القيس لم يكن وثنياً فلا يستنتج من ذلك أنه كان إما يهودياً وإما نصرانياً لأن عدة أديان كانت في بلاد العرب وأصحابها من الموحدين وهم مع ذلك ليسوا من اليهود ولا من النصارى. فما على حضرة الأب إلا أن يفتح كتاب الشهرستاني فيرى ذكر فرق دينية جمة كلها في بلاد العرب وكان أصحابها موحدين. لكن لما كان ذكرها يطول هنا فنضرب عنها صفحاً ونحيل القراء الكرام على مطالعتها في مظنتها. على أنه لا يجوز لنا أن نسكت عن الحنيفية إذ كانت شائعة ذائعة في بلاد العرب كلها ولاسيما في بلدح ومكة والطائف ويثرب وغيرها. قال الشهرستاني: من العرب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر وينتظر النبوة وكانت لهم سنن وشرائع. . . فمن كان يعرف النور الظاهر والنسب الطاهر وينتظر المقدم النبوي: زيد بن عمرو بن نُفيل (وهو الذي نصّره حضرة الأب ودوّن اسمه
следующие страницы →