Полный текст (6 802 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
وقد أورد التاج طرفاً كبيراً من الكوارث والفتن التي حدثت في بعض تلك الأدوار واستطرد إليها لأدنى مناسبة وأكثر ما شاء وشاءت قريحته فلم يكن منها غير تكبير حجم الكتاب على غير طائل. وطبقات الرجال لا دخل فيها لحوادث الأجيال وهذه من خصائص كتب التاريخ السياسي. ومن يقرأ المناظرات التي ذكرها المصنف وهي مما وقع بين بعض الفقهاء المترجمين وبين غيرهم ممن ليسوا على مذهبهم يتضح له ما كان ثمة من تعصب بين المتخالفين وكيف صرف أرباب المذاهب أوقاتهم في الجدال والقيل والقال.
وإنا لم نر عبارة لوصف هذه الطبقات أجمل من التي كتب بها إلينا أحد كبار شيوخ العلم في الشام عندما صدر الجزء الأول منها قال: قد سررت بطبع طبقات التاج السبكي لقلة ما طبع من كتب التاريخ في مصر وإن كان السبكي شديد التعصب كما يظهر من مقدمة الكتاب التي أفردها لذم التعصب، والمتعصبين وجعل من المفرطين فيه شيخه الحافظ الذهبي فزعم أنه أفرط على الأشاعرة ومدح فزاد في المجسمة يريد بالمجسمة الحنابلة وعلماء الحديث وهي عبارة تدل على فرط السخافة فإن كان الذهبي متعصباً فتعصبه نشأ عن خطاءٍ في الاجتهاد وتعصب التاج عن عناد ولجاج غير أن الزمان سيسقط كل مموه أياً كان فينتفع بكتابه بمثل ذكر ما للمؤلف من مؤلَّف ونحو ذلك.
والكتاب جيد الطبع على الجملة يطلب من مكتبة مصطفى أفندي فهمي بخمسين قرشاً مصرياً فنحث على اقتنائه فإن حسناته كثيرة ولا يجوز أن يزهد في عقد من اللؤلؤ إذا كان فيه بعض الخرز. والصيرفي الحاذق ينقد الدينار الخالص من الستوق الزائف. ونثني على طابعه أجمل ثناء.
سياحة في القطر المصري - هو كتاب في نحو ١٥٠ صفحة فيه مباحث اجتماعية وتاريخية عن البحيرة والشرقية والفيوم وأسيوط وغيرها ومباحث عمومية عن العربان والأمن العام وغير ذلك مما له علاقة بحياة هذه المديريات المهمة في القطر المصري ساح فيها عوض أفندي واصف صاحب مجلة المحيط ورئيس تحرير جريدة مصر وتكلم عن شؤونها بما دله عليه اختباره وفضله وقد نشرها أولاً في مصر ثم جعلها ملحقاً لمجلة المحيط وأرسلها لمشتركيه في العام الماضي وهي تطلب من مؤلفها وفيها من الفوائد ما يرغب فيه كل مصري أديب فنحث على اقتنائها ونشكر لرصيفنا عنايته وهديته.
стр. 737
سير العلم
لغة الاسبرانتو
انتشرت هذه اللغة التي ألفها الدكتور زامنهوف الروسي انتشاراً عظيماً في العهد الأخير وأقبل الأوروبيون على تعلمها لسهولة مأخذها وسينعقد مؤتمرها هذه السنة في كامبردج فتقيم له كلية هذه المدينة احتفالاً بديعاً وقد أنشئت جمعية من علماء الحقوق ممن تعلموا اللغة الجديدة. وممن ينتصر لهذه اللغة وتلقنها ملكة إسبانيا وملكة نروج التي تعلم هذه اللغة للبرنس أولاف الصغير. والمظنون أن الدكتور زامنهوف سينال في العام المقبل جائزة نوبل جزاء خدمته الإنسانية بهذا الاختراع المفيد للأمم.
أكل الأثمار
ألف المسيو جبرائيل فيو الفرنسوي كتاباً دعاه لنغرس الأشجار ولنأكل الأثمار ومما جاء فيه أن مئتين أو ثلثمائة متر مربع تنبت البقول اللازمة لأسرة فيبلغ متوسط غلة الهكتار (عشرة آلاف متر مربع) من الهليون والخرشف (أرضي شوكي) ١٢٠٠ فرنك ومن الملفوف ١٠٠٠ فرنك ومن الجزر ٧٠٠ فرنك ومن البطاطا ٥٠٠ فرنك ومن السلجم (اللفت) ٤٠٠ فرنك ومن الحنطة ٣٨٠ فرنكاً. وإذا توفر العامل على زراعة حديقته خضراً وبقولاً تكون لأسرته مورد رفاهية ويسار وتنبه فيه الرغبة في الاقتصاد وتجود بذلك صحته. قال إذا غرست مئة شجرة مثمرة في هكتار من الأرض تغل أكثر من الحنطة والبطاطا والشمندر بمعنى أنه يأتي بمورد لا يقل معدله عن ألف فرنك. وأوصى بغرس الأشجار المثمرة وجعل عشرة أو خمسة عشرة متراً بين كل شجرة حتى لا يكون اشتباكها والتصاقها داعياً إلى عدم الانتفاع من غلة الأرض فتزرع أنواع المحاصيل والغلات. ثم استطرد المؤلف ونصح للناس أن يغتذوا بالأثمار خاصةً قائلاً إن الأمراض الشائعة في عصرنا هي مسببة من الإفراط في تناول اللحوم ومما في عضلاتها من الزلال على حين أن قضم الأثمار يفيد الصحة أكثر من ذلك. وقال إن ضعف المجموع العصبي (نوراستينيا) يشفى بتناول الأثمار وعدد أمراضاً ينتفع المصابون بها من تناول الفاكهة وأتى بأدلة مقنعة وبراهين علمية لتأييد مدعاه.
البنايات العائمة
стр. 738
وفّق أحد مهندسي كاليفورنيا إلى اكتشاف طريقة لإقامة منائر في البحر وحصون وبنايات في مداخل المرافئ في عرض البحر تطفو على الماء وكل ما يبنى بحسب إشارته من هذه المباني يقاوم فعل جميع التقلبات التي تحدث على وجه الماء في البحر المحيط. والظاهر لأول نظر أن ما ادعاه المهندس المشار إليه يعد من المستحيل بلوغه ويناقض ما جرى عليه العمل في إقامة الأبراج والمنائر والبنية في وسط البحر حتى الآن. فإنه توصل إلى إقامة هذه الأبنية في عمق من المياه لا يتحرك باهتزاز سطح الماء والأساس إذا كان بعيداً عن الماء الذي يهتز بالأمواج دام أكثر وقاوم فعل المياه. وهذا الاختراع سيفيد التجارة البحرية والدفاع عن الموانئ والشواطئ فائدة كلية. فإن قليلاً من الموانئ يتمكن فيها البناؤون من وضع الأوتاد التي تغرز ليقام البناء عليها في الماء وبهذا الاختراع يمكن بناء أرصفة عائمة فتفرغ عليها السفن شحنها بدون عائق وهذه الأرصفة تعلو وتسفل بحسب حالة المد والجزر في البحر. وبهذا الاختراع يمكن تشييد منائر في الماء الكثير التلاطم الذي لم يكن يتيسر من قبل أن يبنى فيه كما تشيد أمكان بعيدة عن الساحل لتأمن السفن من أخطار الشواطئ.
الملبس المسموم
ثبت أن في بعض الحلويات سماً يضر بعض الضرر أحياناً ونسب ذلك بعض الباحثين إلى ما يحشى به من الزبدة والبيض ثم قرّ الرأي أن في البيض سماً زعافاً أحياناً لفساده وإن كان جديداً وأن أحسن واسطة في اتقاء خطر البيض أن ينظر الطاهي أو ربة البيت إليه عند وضعه في الحلويات وغيرها ليرى فيما إذا كان سليماً أو فاسداً.
تعقيم اللبن
بحث كثير من علماء الكيمياء والحياة بألمانيا في الأيام الأخيرة فيما إذا كان اللبن (الحليب) المغلي أنفع من غير المغلي وبعد المرادّات الطويلة تبين أن اللبن المغلي للأطفال أنفع ولكنه إذا أغلي كثيراً تفقد خاصية من خواصه الكيماوية والحيوية. وبحث علماء من الأمريكان في تعقيم اللبن بدون واسطة الحرارة فرأى أن يضاف إليه كمية قليلة من محلول ممزوج بأكبر مقدار من الأوكسجين ومادة أخرى لا تغير لونه ولا طعمه أصلها من مادة حيوانية. وبالجملة فإن المسألة ما برحت موضوعة على بساط البحث بين العلماء هذا يقول
стр. 739
بغلي اللبن وذاك يرى تناوله بارداً وغيره يرى أن يعدل عن تعقيمه بمزجه ببعض المواد كما تقدم.
نبات ضار
إذا لم يكن في النباتات مادة سامة لا تضر في العادة إذا لم يكن فيها نفع. ولبعض النباتات خاصية الضرر كالنبات الذي يكثر في أمريكا الجنوبية فيأتي بأضرار بليغة للحيوان والإنسان وهو من جنس الستيبا فتجد في غلاف الزهرة الأسفل من مجموع ما تتألف منه سنابله زُغْبُراً فيه حرير يتلوى على نفسه فإذا ثارت الريح تحمل براعم هذا النبات فتعلق بشعر الإنسان ولحيته وتتلوى فتدخل الجلد فإذا حاول المرء قلها تنكسر وتزيد في الانغراز. ويمكن الإنسان أن يتخلص منها أما الحيوان فإنه إذا أصابت عينه تقلعها فتعميها فلا يتيسر له أن يتناول غذاءه فإذا كانت تلك الحيوانات وحدها مطلقة يكون قلع عينيها سبباً في هلاكها وعدم قدرتها على الاقتيات ثم أن براعم هذا النبات تلصق في جلد الخرفان فتحدث فيها تقرصاً مؤلماً كما تدخل في فم الحيوان آكلة النبات وتجعلها كمغرز الإبر. وقد حاول العلماء إيجاد واسطة لاتقاء هذه الآفة فلم يفلحوا والستيبا ما زال يكثر.
الفلسفة الحديثة
ألف أحد علماء الألمان كتاباً في تاريخ الفلسفة الحديثة وهو يترجم الآن إلى أكثر اللغات الأوروبية شأن كل كتاب نافع يصدر بإحدى لغاتها فلا يلبث أن يترجم في الشهر الذي يصدر فيه وربما صدرت الترجمة والأصل في ساعة واحدة من المطبقة. وقد أتى بالبراهين السديدة عند كلامه عن فلاسفة القرن التاسع عشر فانتقد كانت واضع الفلسفة الحديثة أحسن انتقاد ثم أنحى على الفيلسوفين فيختي وهيكل الألمانيين وسماهما بخارقي قوانين الفلسفة وأصولها وأضاف إليهما الفلاسفة شيلرماشير، وشوبنهارو، وهربارت، من الفلاسفة الألمان لأنه لا نظام في آرائهم وهم يتكلمون كلام المغتاظ الحانق وقال إن الفلسفة الحسية تبدأ من أغست كونت الفرنسوي كما تبدأ الفلسفة الإنكليزية من ستوارت ميل ودارومير وسبنسر فإن هؤلاء أتوا الغرب بأفكار وعواطف يسير عليها اليوم ويعيش في ظلها.
الحلقة المفقودة
стр. 740
اكتشفت سنة ١٨٩١ في ترنييل من أعمال جاوة بعض عظام تحت التراب تشبه عظام القرد (جيبون) والإنسان واستبشر العلماء عندئذ بأنهم كادوا يظفرون بالحلقة المفقودة بين الإنسان والقرد كما هو مذهب كبار علماء الطبيعة أمثال داروين ووالاس وهاكل وغيرهم ثم أجلى البحث عن لا شيء. وقد فرح العلماء الآن بما وفق إلى اكتشافه الأستاذ كلاتش أثناء بحثه في شمالي أستراليا من اكتشاف ينفع علم الإنسان (انتروبولوجيا). فقد أذاع أنه صادف في بور داروين على الشاطئ في بقة قلما ينزل إليها السائحون ولم يدخلها التمدن الحاضر - امرأة تعيش في البلاد على حالة التوحش من الفطرة الأصلية وتشبه بأوصافها القرود التي تشبه الإنسان (انتروبوييد) ورجلاها مثل أرجل الزنوج تتسلق بهما الأشجار بمثل السرعة التي تتسلق بها القرود. وهذه أول مرة شوهد فيها مخلوق بشري على هذه الصفة. ويزعم الأستاذ المشار إليه أن هذه المرأة مرتقية من القردة وإن أجدادها كانوا قروداً ولا شك. فإذا ثبت له ما زعم فيكون الدروينيون عثروا على الحلقة المفقودة التي ينشدونها منذ أزمان.
لتلفون في السكك الحديدية - أخذ في استعمال الأدوات التلفونية في قطارات الخطوط الحديدية الرئيسة في الولايات المتحدة فتتأتى المخابرة بعد الآن بين المركبات والقاطرة على اختلاف أنواعها كما تتيسر مخاطبة المحطات وتنفع هذه التلفونات في اتقاء الأخطار التي تعرض للقطاعات في طريقها. وتستعمل أسلاك هذه التلفونات في إرسال الرسائل البرقية ولا يحدث من ذلك التباس.
الالكحول من الشجر
اكتشف أستراليا الغربية ضرب جديد من الالكول يأتي من شجر غض كبير تحتوي أليافه على خمسة في العشرة من الالكحول وكان هذا الشجر معروفاً منذ القديم بين النازحين إلى تلك القارة والمبعدين إليها فقد كانوا يستخرجون منه سائلاً يقوم مقام الجعة (البيرة).
السكسكون واللاتين
ألف أحد علماء الاجتماع في إيطاليا كتاباً في العنصرين الإنكليزي السكسوني واللاتيني أبان فيه أهم أسباب ارتقاء الشعوب وبحث بحثاً مدققاً مؤيداً بالحجة في أسباب سر تقدم الأمم وانحطاطها وهو يرى أنه ليس هناك عناصر بل أمم يؤيد ذلك لا من طريق علم
стр. 741
الاجتماع بل من طريق علم الإنسان وقال أنه ليس في العالم الآن أمم مكوّنة من جنس واحد بل هي نتيجة الامتزاج الحقيق وأخلاط من عناصر مختلفة. فما أن الجنس أو العنصر يشتهر وينتظم بما له من الصفات التشريحية المعروفة فيه فكذلك تعرف الأمة بجماع الأخلاق النفسية والمظاهر الاجتماعية. وما سر تقدم أمة إلا آتٍ من أحوال اقتصادية وغيرها تطرأ عليها فتنهضها إلى أعلى عليين أو تسقطها إلى أسفل سافلين. فلو حازت أمة تقدماً على غيرها كما يتوهمه بعض علماء الاجتماع لما رأيناها إلا باقية أبداً في أعلى قمم المجد. بيد أن التاريخ لم يذكر بأن أمة حالفها النصر والنجاح والتقدم في جميع أدوار حياتها السياسية والاقتصادية. وبينا كل ديمولين صاحب سر تقدم الإنكليز السكسونيين ينشر كتابه كان العاقل يلاحظ أن الأمة الإنكليزية التي تمجد بها وأذل أمته لرفعة شأنها قط ظهرت فيها بعض أغراض الضعف. وعلى هذا فإن من الأزمان ما يواتي أمة أن ترقى رقياً عاماً في مهد الحضارة إذ تكون فيها القوى التي تلائم ذلك الرقي. ولذا ترى في الأمم علواً وانخفاضاً وسقوطاً وارتفاعاً.
وأغرب ما في هذا الكتاب فصل قارن فيه المؤلف بين ارتقاء ألمانيا وارتقاء إيطاليا وهما الأمتان اللتان نالت كل منهما وحدتها في زمن متقارب فإنه رأى أن الناس يبالغون بما بلغته ألمانيا في سلم الارتقاء الاقتصادي وأنها تفوق إيطاليا بمراحل في هذا السبيل فقال إن في ألمانيا ٥٧ مليون ساكن وثروتها نحو ١٥٠ ملياراً من الفرنكات أما إيطاليا فثروتها ٦٥ ملياراً وسكانها ٣٢ مليوناً فمعدل ثروة الفرد في ألمانيا ٢٦٢٢ فرنكاً وفي إيطاليا ٢٠٠٣ فرنكات أما من حيث عظمة إيطاليا في الأمور العلمية فإن كل من ينظر إليها نظر المجرد عن الغرض ير فيما يشاهده من أعمالها العلمية والأدبية بأنها آخذة في المسير نحو دور جديد من العظمة والمجد.
стр. 742
نفاضة الجراب
فجائع البائسين
هذه روايةٌ وطنيةٌ أخلاقيةٌ واقعيةٌ تمثل للقارئ ما تئن منه هيئتنا الاجتماعية من البؤس وما يتخلل نظام بيوتنا من الخلل تشبه في بعض مضامينها رواية البؤساء لأستاذ الفصاحة والأدب حافظ أفندي إبراهيم وإن كان بين الروايتين فرق في الأسلوب وكيفية الأداء ولا عجب إذا تم للمتقدم ما لم يتم للمتأخر فإن حافظاً هو بلا مراء مالك زمام البيان والتبيان. ولعل المغرمين بالروايات والعالمين بنسج الأقاصيص والحكايات يؤاخذونني على الاقتضاب في الفصول الغرامية فيعدّونه نقصاً في الأسلوب فأنا أستميحهم عذراً على ذلك إذ قضى علي وضع الرواية وسلسلة حوادثها بأن أقتصر على ما اقتصرت والله المستعان.
دمشق
شكري العسلي
١
في ليل الأربعاء السابع والعشرين من شهر شباط (فبراير) هطلت الأمطار وهبت العواصف واشتد البرد فاستحال المطر ثلجاً وابيضت الدنيا فصارت كالعهن المنفوش وأخذت خديجة تشعر بألم الوضع نحو الساعة الخامسة بعد الغروب فأيقظت زوجها أحمد وأخبرته بما ألمّ بها من ألم المخاض فهبّ من ساعته ليأتي بالداية وأحب أن يستصحب معه مصباحاً يستصبح به في ظلام الليل الدامس ولما كانت داره خالية من كل شيء راح يطلب إلى خادم جاره وكان هذا من الأغنياء أن يعيره فناراً أو مصباحاً فطرق الباب عليه وكان الخادم مهتماً بإحضار سفرة الحلويات والفاكهة ليتناول منها ضيوف سيده فخجل أحمد وخشي أن يظن القوم أنه أتى مدفوعاً بما نبعث من رائحة الطعام ولكن صاحب المنزل كان كريم الطبع محباً للضيوف فتبسم له ورحب به واستثقل بعض الحضور مجيئه في تلك الساعة فهمس أحمد في أذن صديقه الخادم قائلاً له: هل لك أن تعيرني مصباحاً أستنير به في طريقي لأني ذاهب لأحضر الداية لامرأتي فقد أخذها المخاض. فسأل صاحب الدار خادمه عن سر مجيء أحمد فأجابه الخادم أنه يريد أن يستعير منا مصباحاً وأعلمه بالسبب فأمره مولاه بأن يلبي طلبه فأخذ صاحبنا المصباح وذهب مهرولاً إلى الداية فلما قرع بابها
стр. 743
سألته عن المُقْرب فأجابها بأنها امرأته وإذ أيقنت أنه لا ينالها إلا التعب والبرد ونسيت ما ستناله من الأجر والشكر وما يترتب على عملها من خدمة الإنسانية لم يسعها إلا أن تظهر أسفها واعتذرت بمرض اعتراها منذ أسبوع فدلت على أنها عارية من عواطف الرحمة مجردة عن الإنسانية التي كانت توجب عليها أن تسعى إلى تخليص تلك البائسة من خطر الموت ومن يدر كم من النساء اللواتي ذهبن لجهلها وعدم اعتنائها بقواعد الصحة. وكم سمعنا ورأينا من النساء اللواتي فارقن الدنيا بسبب الوضع لجهل القابلات وقلة عنايتهن.
انفصل صاحبنا عن باب الداية وعينه تقذف قطرات الحنو الزوجي ممزوجاً بحسرة البؤس البادي على صفحات خديه وذهب إلى قابلة أخرى فسألته عن الأجرة فأخبرها بما في مكنته أن ينقدها إياه من الدراهم فامتنعت واعتذرت ثم قالت إنها لا تخرج من منزلها العامر إلا بأجرة وافرة فأخذه البكاء وذهب إلى عجوزة عرفت بعمل الخير لها خبرة بالتوليد فاستنهض همتها وأخبرها بما جرى له مع تينك القابلتين فأسفت لحاله ولعنتهما ولعنت الزمان الذي قل عم الخير فيه وأخذتها الحمية والحماسة الشرقية فذهبت معه على الفور وأجلست خديجة على الكرسي وأخذت تعالجها وتحمسها وتقرأ لها ما تيسر من القرآن وتتوسل بالأدعية على عادة العجائز التقيات. فلما حانت الساعة السابعة بعد منتصف الليل وضعت خديجة غلاماً سُر به أبواه وسمياه سعيداً تفاؤلاً بأن ينالهما السعد بهذا وقرأا الفاتحة على هذه النية ومن العادات التي لا خلاص منها إكرام القابلة بضروب الحلواء والفاكهة ولم يكن عند صاحبنا درهم واحد ليقوم بهذه العادة فرهن قدراً له وأتى ببعض المآكل قدمها للقابلة وانصرفت واعدة إياه بالمجيء كل يوم لتتم إحسانها.
٢
أخذ سعيد ينمو يوماً فيوماً وغدا سلوى أبويه في بؤسهما ومحط آمالهما وكانت مياومة أبيه لا تقوم بنفقة عياله فحسن لديه أن يُستخدم في كتائب الدرك لينال ثلثمائة قرش مشاهرةً فقدم طلبه والتمس تعيينه وساعده على ذلك بعض أهل الخير فعين نفراً وظن أن ما تم له من الخير ناله بيمن طالع سعيد ابنه فأمل فيه خيراً وزادت محبته له وكان أحمد حسن المنزع مهذب الأخلاق عُرف بالأمانة فاتخذه زعيم الدرك علي باشا وكيلاً على منزله وأحله منه محل الثقة وطفق يحسن إليه وإلى سعيد ابنه وكان قد بلغ ابنه السادسة من عمره فظهرت
стр. 744
عليه أمارات النباهة وحدة الذهن. وكان للقائد المشار إليه ابنة وحيدة اسمها جميلة هي في السادسة من عمرها كسعيد وقد كان اجتماع سعيد بها في منزل واحد واشتراكهما في العمر سبباً في ارتباطهما برابطة الإخاء المتينة وألف كل منهما أخاه حتى صارا كأخ وأخته لا يطيقان افتراقاً.
وفي غضون ذلك أدخل الباشا سعيداً إلى المكتب الابتدائي فلما بلغ الثانية عشرة من عمره أتم الدراسة الابتدائية وثبتت لدى الباشا كفاءته فأدخله المكتب الإعدادي الملكي بدمشق داخلياً بلا أجرة فجدّ في دروسه حتى تقدم في صفه وأصبح الأول فيه وهو يختلف إلى منزل الباشا في اغلب الأحيان وكلما دخل المنزل يشعر بميل لرؤية جميلة ويشتاق إليها كلما غاب عنها فأدرك أن لها مكاناً من قلبه علياً وخُيل له أن يتزوج بها ولكن كان يمنعه عن هذا التصور ما بين أبيه وأبيها من تفاوت الطبقة عالماً أن الناس لا يزالون مغرمين بالظواهر وأن الصفة المطلوبة بل الضالة المنشودة في الزوجية هي المال والجاه وندر من اهتم بمكارم الأخلاق والتربية الصحيحة ولذلك أيقن أنه لا ينال ما تطمح إليه نفسه إلا إذا نال جاهاً ومقاماً عظيماً. وكان كلما اجتمع بها يرى منها أمارات الحب والميل إليه ولم يجسر أحدهما أن يبوح لصحابه بما تكنه الصدور.
٣
ألا أن خير الودّ ودّ تطوعت ... به النفس لا ودّ أتى وهو متعب
حدث ذات يوم أن كانت دار الباشا خاليةً فعزم سعيد على إظهار ما في فؤاده من دواعي الهوى وراح يختلس الفرص ويحادث جميلة ويأخذ معها في أهداب الكلام حتى ساقهما ذلك إلى ذكر أيام صباهما ثم تحين المناسبة وقال لها: أيخطر على بالك يا تُرى ما كان بيننا مستحكماً من علائق الحب والوداد أيام كنا أحداثاً؟ ألا تذكرين ذلك العهد الذي كان بهجة الأيام والليالي ورياض الأزمنة فكأن الشاعر نظر إليه حين قال:
شهور قد قُضين وما علمنا ... بأنصافٍ لهن ولا سِرار
- ألستَ تحبني الآن؟
- كيف لا أحبكِ! ولكني لا أعلم إن كنت باقيةً على العهد في الحب أو زال أثره من نفسك ذهاب أمس الدابر فإن الأيام تقلب القلوب.
стр. 745
- سلْ قلبك ينبئك عما في ضميري لك
- قلبي يحدثني بمحبتك ولكن لست أدري. . .
وعندها ساد السكوت وانقطعت سلسلة الحديث فلم يتجاسر أحدهما على الاعتراف بأكثر مما اعترف والموقف حرج. فغير سعيد الموضوع خوفاً من لومها وعتابها وأخذا يبحثان عن المكتب فصار يمدح مستقبله ويشرح آماله ويتعلل بأنه سيكون منه رجل عظيم يحرز الرتب العالية والرواتب الوافرة إذا ساعده القدر ولم يخنه الحظ.
وهنا تم الحديث وانقضت جلستهما التي يصح أن تسمى الأولى وهي الأولى في شرح الغرام فودع سعيد حبيبته وأليفة صباه وذهب إلى مدرسته وآماله تسبح به في سماء الخيال وقد أيقن أنها شريكته في الحب فارتسمت صورتها أمام عينيه في درسه وعندما يخلو بنفسه وكان يذهب في تأويل كلماتها مذاهب شأن من رأى بصيص نور السعادة وكان منها محروماً. أو تجلت له أمارات الغنى وكان من قبل معدماً.
سل قلبك ينبئك عما في ضميري لك جملة فاهت بها جميلة فأخذ أليف صباها يقيم العلالي والقصور من الأحلام ويتفنن في تفسير مضمونها على أوجه وبعد أن نثل ما في كنانة علمه من فهم المعاني الدقيقة قال يخاطب نفسه: أسألك يا قلب ألا ما أطلعتني على ما حوته ضلوعها؟ فإن كان وداً خالياً من الغرام فلست أرضاه إذ لا يجديني نفعاً. ثم راجع نفسه فقال إن قلبي يحدثني بأن عندها مني ما عندي منها وأن سكوتها يدل على ذلك والسكوت في معرض الحاجة إقرار.
ثم ما لبث أن سخر من نفسه وقال: وإذا لم تعترف لي بما في فؤادها كيف يسوغ لي أن أحكم بحبها لي على وجه الذي ترمي إليه آمالي؟ وأنشأ يفكر فيما يوصله إلى معرفة كنه أمرها من ناحيته فرأى أن يسطر لها كتاباً يستطلعها به طلع أفكارها فبعث إليها بالكتاب التالي:
سيدتي - ساقتني الجرأة أن أكتب إليك بهذا الكتاب وأنا أخشى أن لا ينال منك قبولاً ولا يكون سبيلاً إلى غضبك الذي أعدّه من قواصم الظهور. وإني لأود أن يقيم لي عذراً مقبولاً بما يمت به إليك من بيان ما تجنّه أضالعي لك من الحب الطاهر. فإن قولك يوم اجتمعنا إن ما في قلبي لك ينبئني بما في فؤادك. قولٌ خليق بالنظر فقد فتشت في سويدائه وحناياه فلم
стр. 746
أجد فيه لك غير الحب الأكيد مما يدعوني إلى تعليق الآمال بما هو أقصى مناي من دنياي وأعني به أن تكوني شريكة حياتي تشاطرني فيها الأفراح والأتراح. وإن أتقدم إليك إذا رأيت في رسالتي هذه قحة وجرأة أن تطويها عاذرةً والكريم عاذر وإذا وقع كلامي منك موقعاً حسناً فلا تلومي مفاتحتي لك بما في قلبي واعف عني وقني سورة سخطك واكتمي الأمر عن الشمس والقمر والسلام عليك. . .
ثم طوى الكتاب ووضعه في غلاف وذهب إلى منزل الباشا وطلب أن يقابل الخانم الكبيرة ليقبل يديها ويقوم بما اعتاد من تقديم واجباته لها فدعته إليها وسلمت عليه ودعت له بالتوفيق. فاختلس فرصةً في تلك الساعة وألقى الكتاب بيد جميلة فتناولته مرتعشةً وقد احمرّ وجهها ثم أقام هناك هنيهةً وانصرف إلى مدرسته.
ذهب سعيد فدخلت جميلة غرفتها وأغلقت الباب وأرخت ستور النوافذ وسدت المنافذ والشقوق بحيث لا يراها أحد وجلست على كرسي ووجهت وجهها نحو الجدار وأخذت تقرأ الكتاب فاحمر وجهها خجلاً وعلمت أنه وقع في شراك هواها فأرادت أن تتماسك ولا تريه انحلالاً في الإخلاص لعلمها أن بعض الرجال يكرهون زواج من يبحن بسرائرهن في الهوى. فبعثت إليه كتاباً تعيبه به على جرأته وما وقع له من الإلماع إليه على أسلة لسانه وبنانه. ولما تلا كتابها أخذ اليأس والخجل يقيمه ويقعده فهجر منزل الباشا زمناً حتى صار أهل بيته يسألون عنه ووقعت جميلة في شر أعمالها وندمت على ما فرط منها من عتابه المرّ الجافي على جرأته الغريبة وأيقنت أن الخوف أقصاه عن غشيان منزل أبيها فكتبت إليه بما يأتي:
عزيزي: أراك هجرتنا هجراً طويلاً وما عودتنا من قبل ذلك فإن كان هذا تناسياً فهو ينافي أملنا فيك وإن كان خجلاً من عتابنا فعملك مردود عليك. فتعال إذاً يوم الثلثاء إذ يخلو لنا الدار بتغيب أمي وأبي لأبوح لك بذات نفسي ولك مني ألف سلام.
ثم طوت الكتاب وبعثت به مع خادمتها الأمينة إلى المكتب فلما تناوله سعيد كاد يطير فرحاً وأخذ يغوص في بحور الخيال ويسبح في فضاء الأماني إلى أن أقبل اليوم المضروب للاجتماع فاحتال على مدير المكتب ونال منه رخصة بالخروج ذلك اليوم فخرج مهرولاً نحو منزل حبيبته. فلما دخل عليها سلم سلام المتلعثم وهو لا يدري ما يقول فأحسنت
стр. 747
استقباله بوجه يفتر سروراً ويطفح بشراً وأخذت تلاطفه بالكلام وتقول كيف يخطر لك أن أسطر في الورق ما يخالج قلبي لك من الحب وليت شعري ماذا يكون حالنا لو وقع الكتاب في يد من يأتي به أبي ومن يشفع فينا عندئذ؟ فسكن روع سعيد وما جاش به من الجأش وعلم علم اليقين أنها لم تجسر على مفاتحته فقال لها:
الآن حصحص الحق وعلمت مكانتي منك فهل تتنازلين لقبولي رفيقاً لك في حياتك غير ناظرة إلى فقري وقلة جاهي وتكتفين بمكارم أخلاقي وآدابي وتعتمدين صدقي وفرط ودي وتثقين بأن حياتي ستكون وقفاً على ما فيه رضاك.
فقالت أنت تعلم أن أمر زواجي ليس بيدي ولو خيرت لما اخترت سواك. على أني أستطيع رد كل من يطلبني غيرك وأنا عالمة بشدة بأس أبي فكن في أمان من أني سأبذل الوسع لأظل عانساً ريثما تنجز سني دراستك ولعلك تنال مقاماً يبلغك أمانيك فأعطيك هذا الوعد وسأثبت عليه مهما كلفني من العذاب والهوان.
- أنا أعلم منزلتي وأن لا سبيل إلى طلبك ولكن ما يخالج قلبي من الأماني يدفعني إلى القول باني بعد ما أتم دروسي التجهيزية سأذهب إلى الأستانة وأدخل في إحدى المدارس الكبرى فأنال عند خروجي منها بعد نيل الشهادة منصباً يهيئ لي مستقبلاً جميلاً أكون جديراً بك ويسوغ لي طلبك من أبيك.
- نعم ما قلت وفكرت فليس لك عندي سوى النصيحة أن لا تتأخر عن الجد في التعليم لئلا تقعد ملوماً محروماً واسع جهدك ولا ريب عندي أنك ستحرز مقاماً يليق بنفاذ بصرك وبصيرتك ومكارم أخلاقك وسمو آدابك وإياك أن تقلبك الأيام فتنسى ما قر عليه قرارنا الآن وأوصيك بالثبات على الوعد ولو بُليت بأنواع العذاب.
وهنا أقسم لها بكل محرجة من الإيمان وتحالفا على أن لا يخلا بالوعد وتفارقا على اللقاء ولو بعد حين.
البقية تأتي
стр. 748
العدد ١٤ - بتاريخ: ١٥ - ٣ - ١٩٠٧
стр. 749
صدور المشارقة والمغاربة
اميرسون
١٨٠٣ - ١٨٨٢
يظن بعضهم أن العالم إذا بث فضل علمه والأديب إذا نشر آثار أدبه والأخلاقي إذا علّم الحكمة لأهل جيله وقبيله وصاحب الدعوة أو النزعة إذا نفخ في الناس من روحه ولم يظهر للعيان في الحال أثر مما قصدوا له ووقفوا نفوسهم عليه وأنفقوا نقد أعمارهم على خدمته يعدون في الخائبين الخاسرين وأن العمل إذا لم يُنتج لأول الأمر لا يعد صاحبه رجلاً مذكوراً ولا عمله مبروراً مشكوراً كأن يطلبون من الغرس أن يثمر في يومه ومن الطفل أن يكبر بانفصاله عن أحشاء أمه وفاتهم أن لكل عمل عمره ولكل مؤثر أثره والله لا يضيع عمل عامل.
يكاد يوقن كل ناظر في الحضارة الغربية وباحث في تاريخها منذ مئتي سنة أنها ترمي بالتدريج إلى أن تكون حضارة مادية بحتة لا ينظر فيها لغير الأبيض والأصفر وأن أهل الغرب على اختلاف أصقاعهم وحكوماتهم لا يحيون ولا يريدون أن يحيوا إلا أن الحياة المادية ولا تراهم إلا زاهدين في الحياة الأدبية أو الروحية. فعلى نسبة غنى المرء عندهم وكثرة ذهبه تزداد حرمته والإعجاب به وكلما استحل أكل مال الضعيف وتفنن في هضم حق الفقير ولو تحت ستار الاحتكار أو الاستعمار أو الشركات والمضاربات عُدّ من أرباب العقول والمضاء وهذا من عيوب هذه المدينة الأوروبية وما نخال أن الحال كانت كذلك على عهد الحضارة الإسلامية.
الحياة المادية تكاد الآن تتغلب في كل بلد من المعمور على نسبة دخول نور العلوم وفضلات التمدن الحالي وتشهدها على أتمها في الولايات المتحدة الأمريكية لأن جميع أهلها من المهاجرين من أقطار العالم في طلب الرزق وقل فيهم مثل المهاجرة الأول الذين هاجروا إليها فراراً بنفوسهم من ظلم الحكومات الأوروبية فتكوّن منهم والله أعلم على ما طبيعة تلك المملكة الضخمة من الخصب وأسباب الثروة التي لم يجتمع مثلها لمملكة أقوام يحلمون بالدولار ويحيون به ويموتون في حبه ويفصلون كل شيء على مثاله ويسعون بكل ما يمكن إلى نيله ولا يفكرون في غيره من الحياة الأدبية التي لو نزعت من أمة لزالت
стр. 750
عنها سعادتها وغبطتها ونعماؤها.
ولقد كان أول من دعا من حكماء تلك الديار إلى الإقلال من هذا التكالب الضار والجمع بين حب الذهب وحب الأدب صاحب هذه الترجمة اميرسون حكيمها وعالمها العامل. دعا إلى ذلك وأهل طبقته من المفكرين في أمته فأثر دعوته في بعض النفوس تأثيراً نظرياً ولكن لم تظهر آثارها العملية حتى الآن على أن كثيراً من زعماء الأفكار وحملة العلم فيهم يتوفرون اليوم على قتل تلك الروح المادية ومحاربتها للتخفيف من شرر شرورها وفي طليعتهم الرئيس روزفلت داهية الأرض وعالم القياصرة والإمبراطورة وأعقل المالكين من المطلقين والمقيدين.
نشأ اميرسون في حجر الدين وكان أبوه رئيساً دينياً من شيعة الموحدين فانصرف في أول أمره إلى احتذاء مثال والده في الوعظ والإرشاد ونال وظيفته في كلية هارفارد الجامعة فدرس فيها علم اللاهوت وغدا واعظاً موحداً في إحدى بيع بوستون إلا أنه لم يلبث أن تخلى عن هذه الصناعة وذهب إلى بلدة كونكورد سنة ١٨٣٥ ينقطع للتعليم والإلقاء على سبيل المذاكرات العامة وإلى تأليف الكتب وإنشاء المقالات في المجلات وأسس لنفسه مجلة دينية فلسفية سماها الكمال وكانت تآليفه لأول عهده فلسفية محضة ولما زار إنكلترا سنة ١٨٤٨ ورأى أهل العالم القديم وما عندهم من آثار وأمصار تنبهت فيه القوى النفسية فوضع تأليفاً كان سبباً لأن لقّب به كارلايل أمريكا تكلم فيه على كثير من كبار الرجال ممن بلغوا مراتب الكمال على نحو ما تكلم كارلايل الإنكليزي في كتابه الأبطال وعبادة الأبطال. ومن جملة كتب اميرسون التي تأفَّقت بها شهرته كتاب سماه الخُلُق الإنكليزي درس فيه أخلاق الأمة الإنكليزية من الوجه الاجتماع والأدبي شرح فيه على أحسن طراز وألطفه وأوضح أسلوب وأنفعه الأسباب التي نجم عنها مجموع النقائص والعيوب التي يتألف منها الخُلُق البريطاني.
كان اميرسون كاتباً وشاعراً وهو إلى الكتابة أميل وفيها أمتن وأرصن. منقطع القرين في سلاسة التعبير ولطف الأداء والتصوير مما كاد يبلغ به حد الإعجاز في لغته. وكان حكيماً مفكراً وأخلاقياً عظيماً. قيل إن الوحدة التي مال إليها اميرسون وسعة العيش التي أنقذته من الهموم الخارجية أتاحتا له أن يكون منه في القرن التاسع عشر رجل شبيه بمونتين في
стр. 751
القرن السادس عشر هذا كاثوليكي وذاك بروتستانتي. فأميرسون حكيم كمونتين وشارون الحكيمين الفرنسويين وشكسبير الشاعر الحكيم الإنكليزي. ولقد أولع بدرس كتب مونتين ثم انتقل إلى الأخذ من كتب شكسبير فهو مثلها باحث من النظار وهو مثلهما في الإبداع والعمل بما في فطرته بعيد الغور حسن التعليل جيد النقد نافذ البصيرة خالص من شوائب التقليد.
قال مترجموه أنه جمع جميع الأدوات التي تطلب للفلسفة ولم يتيسر له أن يحيلها إلى طريقته. ومما امتاز به نقده أحوال عصره لأن طرق الحكومات الجمهورية تهلك الفرد في سبيل الجماعة فقام اميرسون وناهض في عصره هو وكبار أرباب العلم من أهل حلقته المتشعبين بأفكار أمثال وتوروالكوت وشاننغ وفرانك سانبون وغيرهم المتكالبين على الغنى المستحلين للمطامع. وقام يقول للفرد: اعتقد بما يوحيه إليك قلبك. ورأى أن الصناعات تقضي على عالم الكمال فأنشأ يقول إن العالم لا يحيا حياة طيبة رغيدة إلا إذا نبذ الأنانية وطهّر حياته من الشهوات البدنية ليبلغ الزلفى من رب العباد براً تقياً. فاميرسون هو صاحب الفلسفة المعنوية التي تدعو إلى المعارف والآداب وقد وصفته مجلة بلاكو ماكازين بقولها: كان اميرسون من أسجع الناس خُلقاً وأوسعهم علماً وأحسنهم رأياً وأسمحهم فكراً وآلفهم بالفطرة وأخلصهم من الأوهام المائجة المتغيرة ليس له نظرية يحيد عنها ولا طريقة يصعب الأخذ بها ولا أرب في القبض على قياد أحد. يطلب للمرء أن يكون لنفسه وأن لا يعتمد إلا عليها وأن يوقرها ويحترمها على مثال كبار الرجال ممن لهم ما له وعليهم ما عليه. فإن قام اميرسون بمبدأ عام استنتج من فلسفته أو تصور أنه أتى أمراً جديداً لم يسبق إليه سابق فهو أنه دعا إلى إعادة الإنسان إلى شرفه في نظر أخيه والإهابة بالناس إلى الغيرية وزحزحتهم عن الأنانية ليكون المرء كبيراً في نفسه معتمداً عليها مستقلاً كل الاستقلال في أفكاره وأفعاله وهذه هي الشروط الحقيقية في القوة الشخصية والخير الاجتماعي.
وما نرانا مخطئين لو عقلنا إن فلسفة اميرسون النظرية تتعاصى على التحليل فيقتضي حلها بحسب ما يوحي إليه وحي الوقت وأن يجع إلى حلها في مشالك المسائل المتعلقة بما وراء المادة وإذا تعاورتها بالحذف والتنقيص تُفقدها رواءها وتضيع سناها وسناءها فعليك
стр. 752
يا هذا أن تقبلها على علاتها وتشربها على كدوراتها إذ أن حسنها إن تبقى على رسمها كما صدرت عن أبي عذرتها وهو يسير في الفلوات ويصعد الآكام والعقبات ويوغل في الحراج والغابات ويميلها بحسب ما تنزل عليه من السماء ويستنشقها من الهواء ويسمعها من حفيف الأوراق ويتناولها من أرج المروج الخضراء ويقرأوها في سطور المسايل والتيار. فإن أنت حذفت منها اضطرابها وارتخاءها وتلون صورها ولهجاتها وارتجالها ومواضع الوقف فيها تصاب بآفة وعاهة. ولذا كان علينا أن نقبل تعاليم اميرسون بالحرف بدون أن نغير منها شيئاً فهو ابن الوحدة والتأمل.
стр. 753
شعراء النصرانية في الجاهلية
عُني حضرة الأب لويس شيخو اليسوعي منذ برهة بإظهار فضل شعراء النصرانية في عهد الجاهلية وهو نعم العمل لو توخى في ذلك صراح الحق واتبع سنن التاريخ المسنون نقلاً ورواية. إلا أنه حفظه الله قد أخذ على نفسه أمراً هو في غاية الصعوبة والعنت ألا وهو تنصير بعض شعراء الجاهلية ممن لم يكن لهم من النصرانية حظ. فلا غرو أنه يعد هذا العمل من قبيل تنصير من كان على الضلال مبتغياً بذلك القربى والزلفى من رب العباد واكتساب الأجر والثواب في الدنيا والمآب. غير أنك
لقد أسمعت لو ناديت حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادي
ويا ليته وقف عند هذا الحد وكأنه لم يجترئ بذلك فأخذ الآن بحل قيد من تقيد بدين وإجباره على النصرانية قبل أم أبى. كما فعل هذه السنة بالسموأل إذ أجبره وهو بين الأموات على إنكار دينه وانتحال النصرانية له. فلا جرم لو أمكن للموتى أن ينطقوا لكان أول نطق السموأل إنكار هذه الفعلة الشنعاء وهذا القهر المنكر: وإذا سألتني متى فعل حضرة الأب هذا الفعل؟ قلنا: فعل ذلك عند عثوره على قصيدة تُنسب إلى صاحب الأبلق الفرد (المشرق ٩: ٤٨٢ و٦٧٤) وقد زاد عليها بعض النصارى بيتاً أو بعض أبيات لإيهام القارئ أنه كان على النصرانية. وهذا ما حدا الأب إلى أن يقول في (المشرق ٩: ٦٧٥).
نشكر حضرة مراسلنا الذي أطلعنا على روايات هذه القصيدة. وكنا وددنا لو زادنا علماً عن النسخة التي أخذ عنها لتعريف قدمها وخواصها. وإن كان البيت الأخير صحيحاً صدق ظننا السابق بأن السموأل نصراني لا يهودي لاسيما أن أصله من بني غسان وبنو غسان نصارى اه
قلنا: نقلنا كلام الأب برمته ليطع عليه القارئ الحكم العدل ويعرف قوة براهينه وحججه. أما قوله: إن كان البيت الأخير صحيحاً صدق ظننا السابق بأن السموأل نصراني. قلنا: ونحن نقول مثله غير أنه لسوء الحظ خطته يدٌ أثيمة فحطته هذا المحط ومن هذا يظهر أن الناظم النصراني الكاذب لم يراع انتقال الرموز شيئاً بعد شيء لتنتهي إلى ظهور المسيح بل هجم على الموضوع دفعةً هجوم الذئب الجائع فوقع على فريسته وفراها بأنيابه إلا أن الغير وقعوا عليهما أيضاً فأظهروا خيانته.
وأما قول الأب: ولاسيما أن أصله من بني غسان وبنو غسان نصارى فهو قول لا يسلم به
стр. 754
المطلعون على أخبار العرب في عهد الجاهلية. لأن من غسان من كان على دين دهما العرب وهي الوثنية ومنهم من دان باليهودية وطائفة كانت على النصرانية فكيف يقول بعد ذلك: إن غسان كانت نصارى.
أما أن فريقاً منهم كان يدين بالوثنية فهو أشهر من أن يذكر فهذا الحارث الأكبر ابن أبي شمر الغساني الملقب بالأعرج وهو الذي اشتهر ملكه في أيام القياصرة فإنه كان وثنياً قحاً ويتضح ذلك منه أنه: أهدى سيفيه المعروف أحدهما باسم رسوب والآخر باسم مخذم لبيت الصنم (عن الطبري ١: ١٧٠٦) وبيت الصنم المذكور هو بيت مناة لأن غسان كانت تعبد هذا الصنم (عن معجم ياقوت في مادة مناة).
وزد على ذلك أن تلبية غسان عند وقوفها عند صنمها كانت هذه: لبيك رب غسان. راجلها والفرسان (تعن تاريخ اليعقوبي ١: ٢٩٧). وهذا سطيح الكاهن المشهور فإنه كان غسانياً إلا أنه لم يكن نصرانياً وإن كان خال نصراني من أهل الحيرة.
فهل بعد كلام هؤلاء الأئمة الأفاضل مندوحة للإيهام والإبهام؟ - نعم أن حضرته إذا أراد أن يزكي نصرانية شاعر برأ ساحته من كل ما يمكن أن يقع على ثياب دينه أدنى غبار إلا أن ذلك كله إذا فات على عقول بعض القراء فلا يفوت على عقول الأدباء لأنه لا يشفي فيهم علة كما لا يروي منهم غلة.
أما أن اليهودية كانت في غسان فهذا بين من دين السموأل فإنه ليس من كاتب أو أديب أو مؤرخ أو لغوي ذكر دين السموأل إلا وقال عنه أنه يهودي المذهب فهذا الطبري وابن الأثير وابن خلدون والمسعودي وأبو الفداء واليعقوبي وابن رسته ونحوهم هم لسان واحد لإثبات هذه الحقيقة الراهنة التي هي على زُبية من سيل الوهم والخطأ. لا بل أن حضرة الأب نفسه يقول بذلك في مجاني الأدب ٣: ٣١٣ في الحاشية فكيف انثنى اليوم عن رأيه؟ - وهذا وأن اليعقوبي يقول بصريح العبارة ٢٩٨ وتهود قوم من غسان وهو يقول أيضاً في ص ٢٩٩ أن النصرانية كانت أيضاً في غسان. ومن ثم فقول من يقول إن اليهودية كانت في غسان كما أن النصرانية والوثنية كانتا فيها فهو بعيد عن سهام الملام.
هذا من جهة السموأل وإلا فإن حضرته قد نصر أيضاً غير هذا من الشعراء ما قد اذخر له أجراً مذكوراً لا يفنى ولا يزول إذ لا تمد اللصوص إليه يدها كما أن السوس لا يتعرض
стр. 755
له. من ذل أنه نصر في الجزء الأول من كتابه شعراء النصرانية هؤلاء الواردة إليك أسماؤهم مرتبة على حروف المعجم:
الأخنس بن شهاب. الأعشى بن قيس. الأفوه الأودي. أفنون. امرؤ القيس وأعمامه. أمية بن أبي الصلت. بسطام بن قيس الشيباني. جساس بن مرة. جليلة. جحدر بن ضبيعة. الحارث بن حلزة. الحارث بن عباد. الخرنق أخت طرفة. سعد بن مالك البكري. السفاح التغلبي. سويد بن أبي كاهل اليشكري. طرفة. عبد يغوث. عمرو بن قميئة. عمرو بن كلثوم. عميرة بن جُعيل التغلبي. الفند الزماني كليب. وائل بن ربيعة. المتلمس. المثقب الفندي. المرقش الأصغر. المرقش الأكبر. المسيب بن علس. المنخل اليشكري. المهلهل أخو كليب.
ونصر في الجزء الثاني: الأسود بن يعفر. ذا الإصبع العدواني. أوس بن حجر. الحصين بن حمام. دريد بن الصمة. الذبياني. الربيع بن زياد. زهير بن أبي سلمى المزني. زيد بن عمرو بن نُفيل. سلامة بن جندل. عبيد بن الأبرص الأسدي. عروة بن الورد. علقمة الفحل. عنترة العبسي. كعب بن سعد الغنوي.
ولعلك تظن أن عمله المبرور يقف عند حد تنصير الأفراد فأربع على ظلعك فقد نصر أيضاً عدة قبائل وبطون مما يدل على غيرته. فعنده كندة ومذحج وطيء وتغلب وقضاعة وإيان وبكر وتميم ومزينة وأسد وكنانة وعدوان وذبيان وغني وهوزان وعبس كلهم نصارى لا غير ولا غرو أنهم تلقوا الإيمان القويم عنه عند قدومه إلى العالم وإسماعه إياهم صوته وهم في القبور.
على انك لو وقفت على سر دعائه هؤلاء الأقوام إلى دين عيسى بن مريم ﵊ لاستغرقت في النوم والأحلام إلا أني لا أريد أن أطلعك بنفسي على هذا السر الغريب بل أجتزئ بأن أورد لك بعض الشواهد لتقف أنت بنفسك عليه بدون أن أبوح لك به ليكون كل الفضل لك.
قال مثلاً في المشرق ٧: ٦٢٠ قال طخيم بن الطخماء يمدح بني تميم:
وإني وإن كانوا نصارى أحبهم ... ويرتاح قلبي نحوهم ويتوق اه
قلت: إن الكلمات التي قدمها على هذا البيت وصدّره بها يوهم أن تميماً كلها كانت نصارى. والحال أن الحق هو على غير هذا الوجه فإن الشاعر مدح بعضاً من تميم. قال في الكامل
стр. 756
١: ٢٦ (من الطبعة المصرية) ما هذا حرفه: قال أبو العباس: ومن سهل الشعر وحسنه قول طخيم بن أبي الطخماء الأسدي يمدح قوماً من أهل الحيرة من بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم. ثم من رهط عدي بن زيد العبادي:
كأن لم يكن يومٌ بزورة صالحٌ ... وبالقصر ظلٌّ دائمٌ وصديقُ
بنو السمط والحدّاء كل سميدع ... له في العروق الصالحات عروقُ
وإني وأن كانوا نصارى أحبهم ... ويرتاح قلبي نحوهم ويتوقُ
اهـ المقصود من إيراده. وعلى هذا الوجه أيضاً جاء النظم المذكور في معجم ياقوت في مادة زورة ٢: ٩٥٧ فكيف صير إذاً جميع بني تميم نصارى وفيهم الوثنيون والمجوس واليهود والثنوية والنصارى إلى غير ذلك من الأديان؟ فلا جرم أن حضرة الأب واهمٌ في قوله هذا بل موهم!
ومن غريب أمره أنه من بعد أن نصَّر تميمياً قال بعد صفحات من قوله المذكور في بني تميم كلاماً هذا نصه بحرفه: وعلى ظننا أن الذين هجوا بني حنيفة لأكلهم ربهم وقت المجاعة إنما أرادوا القربان الأقدس. كان بنو حنيفة النصارى يتناولونه فظن الشاعر أن ذلك لجوعهم قال بعضهم:
أكلت حنيفة ربها ... زمن التقحُّم والمجاعه
لم يحذروا من ربهم ... سوء العقوبة والتباعه
وقال آخر:
أكلت ربَّها حنيفةُ من جو ... عٍ قديمٍ بها ومن أعواز
(اه عن المشرق ٧: ٦٢٢)
قلنا: إن الذين هجوا بني حنيفة هذا الهجو كانوا من تميم (عن الآثار الباقية ص ٢١٠) فإذا كان الأب يزعم أن بني تميم كانوا نصارى وكان بنو حنيفة أيضاً نصارى فكيف يُعيّر الواحد الآخر بشيء هو فيه؟ أما تحرير الرواية فهو أن بعض بني حنيفة (لا كلهم) كانوا نصارى وهم الذين كانوا يكونون في رُصافة هشام المعروفة باسم الزوراء وإلا فإن سائر بني حنيفة كانوا على أديان مختلفة حسب البلاد التي كانوا يكونون فيها. والذين أشار إليهم الشاعر هم الذين كانوا قد اتخذوا صنماً من حَيْس (والحيس تمر يخلط بسمن وأقط فيُعجن
стр. 757
ويُدلك شديداً حتى يمتزج ثم يُندر منه نواه وربما جُعل فيه سويق. ولم يكن من الخبز قط). قال في الآثار الباقية ص ٢١٠: كان بنو حنيفة قبل مُسيلمة اتخذوا في الجاهلة صنماً من حيس فعبدوه دهراً. ثم أصابتهم مجاعة فقال رجل من بني تميم: أكلت ربها. البيت. وقال آخر: أكلت حنيف. البيت. فأين هذا مما ذهب إليه حضرة الأب؟ فلا جرم أنه واهمٌ بل موهِم.
وقال حضرته في المشرق ٧: ٦٢١ وكان المنتصرون من أهل الجاهلية يعبدون الصليب كما دل عليهم بعضهم في هجو بني عجل وكانوا نصارى:
تهدّدني عجلٌ وما خلت أنني ... خلاةٌ لعجل والصليب لها بعلُ اهـ
قلنا: ولم يكن بنو عجل كلهم نصارى بل بعض منهم. وإلا فإن أغلبهم كانوا على الوثنية دين دهما العرب لا النصرانية كما يريد الأب أن يوهمه. إذ بنو عجل كانوا من بكر بن وائل ووجود الوثنية في بطون بكر أمرٌ لا يحتاج إلى إيضاح.
وقال أيضاً في المشرق ٧: ٦٢٤ وقال الزبرقان بن بدر:
نحن الكرام فلا حيٌّ يعادلنا ... منا القروم وفينا تنصب البِيَعُ اه
فأدخل وهمين في هذا الكلام. أولاً جعل الزبرقان من النصارى كما أوضح ذلك ببين العبارة في شرح المجاني ص ١٣٥ إذ قال: كان (الزبرقان) في الجاهلية سيداً يدين بالنصرانية وهو القائل:
نحن الملوك فلا حيّ يقاومنا ... فينا العلاء وفينا تنصب البيع
وفد مع بني تميم على نبي المسلمين سنة ٩ هـ / ٦٣١ م بنو تميم وأجازهم محمد
اه المقصود من إيراده.
والحال أن الزبرقان لم يكن هنيهةً من الزمان نصرانياً فلو سلمنا له أن رواية البيت وفينا تنصب البيع صحيحة لكان لفظ البيع هنا جمع بيعة بكسر الأول مثل الحلبة والركبة للنوع والهيئة. والمراد مبايعة الملوك وطاعتهم والمعاقدة على ولائهم والمعاهدة عليه كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره. ومحصل معنى البيت على هذا هو: نحن الملوك والكرام أو القروم وفي شأننا تجري عقود البيعة لا مستحق لها غيرنا. وهذا معنى يلائم ما قبله وما بعده ويمتزج معهما امتزاج الماء بالراح لا
стр. 758
أن البيع جمع بيعة وهي كنيسة اليهود أو النصارى على ما ذكره أهل اللغة فإنه مع عدم ملائمته للكلام منافٍ لما صرح به أهل المقالات ومن تكلم على أديان العرب. والدليل إذا طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال.
على أن للبيت رواية ثانية ذكرها صاحب الأغاني ٤: ٨ وهي:
نحن الملوك فلا حي يقاربنا ... من الملوك وفينا يؤخذ الربع
وفي زاد المعاد وقد ذكر القصة مفصلة في الصفحة ٤٥٢ من الجزء الثاني رواية ثالثة وهي:
نحن الكرام فلا حي يعادلنا ... منا الملوك وفينا يُنصب السبُعُ
وفسر السبع أنه يوم عيد من أعياد الجاهلية. فكيف يقول إن الزبرقان نصرانياً وأي كاتب من الكتبة الأقدمين أو المحدثين يقول بهذا القول الفج والبراهين متضافرة ومتكاتفة ومتساندة على كونه خالياً من دين عيسى بن مريم.
والوهم الثاني الذي حاول إدخاله في العقول هو تأييد بني تميم أنهم كانوا كلهم على النصرانية. وهو يزعم ذلك في جميع ما يكتبه فقد قال في المشرق ٧: ٦١٨ اشتهرت (عدة قبائل) بالنصرانية قبل الهجرة كتغلب وتميم وكندة اه. فنحن نقول: إنه لم يوجد في عهد الجاهلية قبيلة واحدة كان يدين جميع أفرادها بالنصرانية لا كندة ولا تميم ولا بكر ولا تغلب لا بل ولا غسان فإن هذه القبائل كانت أحياء وبطوناً تعبد الأصنام أو كانت على غير النصرانية فقد بينا لك ما كانت عليه غسان من اختلاف الأديان. وهذه تغلب المشهورة بكونها نصرانية فإنها لم تكن كذلك في عهد الجاهلية.
أما كون بعضها كان يعبد الأصنام فهذا ما لا ريب فيه. قال ياقوت في معجمه في مادة أوال (١: ٣٩٥) أوال اسم لصنم كان لبكر بن وائل وتغلب بن وائل اه. وكانت تغلب من ربيعة وكانت تلبية ربيعة عند وقوفها عند صنمها هذه: لبيك ربنا لبيك. لبيك إن قصدنا إليك. وبعضهم يقول: لبيك عن ربيعة. لربها مطيعة. اه عن تاريخ اليعقوبي ١: ٢٩٦ ولم تكن التغالبة ممن كانوا يعبدون الأصنام عبادة بدون أن يعتقدوا بصحتها ولذا تراهم يحلفون بها. ومن ذلك كلام جساس حينما سأله أبوه مرة بعد قتله لكليب: ما وراءك يا بني؟ قال: طعنت طعنة لتشغلن شيوخ وائل رقصاً. قال: أقتلت كليباً؟ قال. إي وأنصاب وائل وأي قتل. (عن
стр. 759
كتاب شعراء الجاهلية ١: ١٥٥) وبهذا المعنى حلف أيضاً المهلهل أخو كليب وكان وثنياً إذ قال:
كلا وأنصاب لنا عاديّة ... معبودةٍ قد قطعت تقطيعا
قال صاحب الضياء مفنداً حضرة الأب لويس شيخو وقد أجاد: الأنصاب: الأصنام أو كل ما عبد دون الله وفسرها جامع الكتاب بأنها كانت حجارة ينصبونها في الجاهلية ويهل عليها ويذبح لغير الله تعالى. قال: وبقي منها بعضها بعد تنصر ربيعة وكان الجهال من العرب يعبدونها. اه. وكأنه ظن أن هذا القول يثبت نصرانية المهلهل ويخرجه من الذين كانوا يعبدون هذه الأنصاب مع أن الرجل يحلف بها ويصرح بأنها معبودة ولا يعقل أن أحداً يحلف بمعبود غيره إذا كان يعتقده باطلاً. وزد على ذلك أنه يقول: وأنصاب لنا بضمير المتكلمين فجعل نفسه في جملة أصحاب تلك الأنصاب ووصفها بالعادية أي القديمة إثباتاً لرسوخ عبادتها في قومه وأن هذه العبادات انتهت إليه عن أسلافه الأولين. ولكن الظاهر أن حضرة الأب كلما عثر على من شك في دينه أو جهل أمره عده نصرانياً تكثراً بالباطل وتبجحاً بما ليس وراءه طائل اه (الضياء ٥: ٢١٨)
ثم أيجهل حضرة الأب أن من التغالبة من اتبع سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان المتنبئة فليراجع الطبري ١: ١٩١١ ير أنهم تركوا التنصر مع رئيسهم الهذيل بن عمران وانضووا إليها. وعليه فلك تكن كل تغلب نصارى.
الباقي للآتي
بغداد
أحد القراء
стр. 760
تسامح العظماء
تابع ما قبله
اتصل ثابت بن قرة الحراني بالمعتضد وأدخله في جملة المنجمين وأقطعه ضياعاً جميلة وكان يجلسه بين يديه كثيراً بحضرة الخاص والعام ويكون بدر الأمير قائماً والوزير وهو جالس بين يدي الخليفة. قال أبو إسحاق الصابي وهو ممن حظي عند الأمراء أيضاً: إن ثابتاً كان يمشي مع المعتضد في الفردوس وهو بستان في دار الخليفة للرياضة وكان المعتضد قد اتكأ على يد ثابت وهما يتماشيان ثم نثر المعتضد يده من يد ثابت بشدة ففزع ثابت فإن المعتضد كان مهيباً جداً فلما نثر يده من يد ثابت قال له: يا أبا الحسن وكان في الخلوات يكنيه وفي الملأ يسميه سهوت ووضعت يدي على يدك واستندت عليها وليس هكذا يجب أن يكون فإن العلماء يعلون ولا يُعلون.
وكان سنان بن ثابت بن قرة في خدمة المقتدر بالله والقاهر وخدم أيضاً بصناعة الطب الراضي بالله. وكان ابنه ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة في خدمة الراضي بالله أيضاً وخدم بصناعة الطب المتقي بن المقتدر بالله والمستكفي بالله والمطيع لله. واتصل أبو الحسن الحراني ثابت بن إبراهيم بن زهرون بعضد الدولة وكان له منه الجاري السني. وكان غالب طبيب المعتضد بالله وكان أولاً عند الموفق طلحة بن المتوكل وارتضع سائر أولاد المتوكل من لبن أولاد غالب فكان يسر بهم فلما تمكن الموفق من الأمر أقطعه ونوله وأغناه وكان لم مثل الوالد وعالج الموفق من سهم كان أصابه في ثندوته وبرأ فأعطاه مالاً كثيراً وأقطعه وخلع عليه لغلمانه من أراد إكرامي فليكرمه وليصل غالباً فوجه إليه مسرور بعشرة آلاف دينار ومائة ثوب ووجه إليه سائر الغلمان مثل ذلك وصار إليه مال عظيم ولما قبض على صاد وعبدون أخذ لعبدون عدة غلمان نصارى مماليك فمن أسلم منهم أجري له رزق وترك ومن لم يسلم منهم بعثه إلى غالب وكان عدد من أنفذ إليه سبعين غلاماً أزمة وغيرها فلما ورد عليهم معهم رسول من قبل الحاجب قال غالب: أي شيء أعمل بهؤلاء؟ وركب من وقته إلى الموفق فقال: هؤلاء يستغرقون مال ضيعتي مع رزقي. فضحك الموفق وتقدم إلى إسماعيل زيادة في إقطاعه الحرسيات وكانت ضياعاً جليلة تغل سبعة آلاف دينار وأوعدها له بخمسين ألف درهم في السنة وبعد الموفق طلحة خدم لولده
стр. 761
المعتضد بالله أبي العباس أحمد وكان مكيناً عنده حظياً في أيامه وكان المعتضد يحسن الظن به ويعتمد على مداواته.
وخدم أبو عثمان سعيد بن غالب المعتضد بالله بصناعة الطب وحظي عنده وكان كثير الإحسان إليه والأنعام عليه. وعوّل الملوك على صاعد بن بشر في العلاج ولطالما حصل له مال عظيم وحشمه الخليفة ووزيره وزكاه وقدمه على جميع من كان في زمانه. وكذلك ديلم داود بن ديلم خدم هذا المعتضد بالله في الطب وخصّ به فكانت التوقيعات تخرج بخط ابن ديلم لمحله منه ومكانته وكان يتردد إلى دور المعتضد وله منه الإحسان الكثير والأنعام الوافر. ومنهم أبو عثمان سعيد بن يعقوب الدمشقي كان منقطعاً إلى الوزير علي بن عيسى. ومنهم عيسى طبيب القاهر كان عمدته ويركن إليه ويفضي إليه بأسراره. وكان إسحاق بن شليطا خادماً بالطب للمطيع لله. وفنون المتطبب كان يختص بخدمة بختيار ويكرمه ويعده أمراً عظيماً. ونظيف القس الرومي استخدمه عضد الدولة في البيمارستان الذي أنشأه ببغداد وخلع عليه خلعاً سنية. وكذلك أبو غالب بن صفية تقدم في زمن المستنجد بالله والمستضيء بأمر الله. وكذلك أمير الدولة ن التلميذ من رجال المستضيء بأمر الله وبلغت به الأنفة والغنى أنه كان لا يقبل عطية إلا من خليفة أو سلطان، مدحه السيد النقيب الكامل بن الشريف الجليل والشريف أبو يعلى محمد بن الهبارية العباسي بقصيدتين غراوين وذكر أفضاله وكماله كما مدح الشريف الرضي أبا إسحاق الصابي كثيراً وكان بينهما مودة أكيدة. وكذلك مدحه الطغرائي وابن جكينا وغيرهما كما مدح الشريف ابن الهبارية أبا الفرج يحيى بن صاعد بن التلميذ من أسرة أمير الدولة وكان له جماعة من الأنساب كل منهم متعلق بالفضائل والآداب.
ومنهم أوحد الزمان أبو البركات هبة الله بن علي بن ملكا البلدي اليهودي كان في خدمة المستنجد بالله. ومنهم أبو الخير المسيحي طبيب الناصر لدين الله. وابن نصر بن المسيحي حظية أيضاً أمره هذا الخليفة عقيب برئه من مرض على يده أن يدخل دار الضرب ويحمل من الذهب مهما قدر أن يحمله ففعل به ذلك ثم أتته الخلع والدنانير من أم الخليفة ومن ولديه الأميرين محمد وعلي والوزير نصير الدين أبي الحسن بن مهدي العلوي الرازي ومن سائر كبار الأمراء بالدولة فحصل من العين الدنانير عشرين ألف دينار ومن
стр. 762
الثياب والخلع جملة وافرة وألزم الخدمة وفرضت له الجامكية السنية والراتب والإقامة. وكان أبو الفرج صاعد بن هبة الله بن توما طبيب نجم الدولة أبي اليمن نجاح الشرابي وارتقت به الحال إلى أن صار وزيره وكاتبه ثم دخل إلى الناصر وكان يشارك من يحضر من أطبائه في أوقات أمراضه ثم حظي عنده الحظوة التامة وسلم إليه عدة جهات يخدم بها وكان بين يديه فيها عدة دواوين وكتّاب قال ابن القفطي: إنه كان بمنزلة الوزراء واستوثقه الناصر على حفظ أموال خواصه وكان يودعها عنده ويرسله في أمور خفية إلى وزرائه ويظهر له في كل وقت.
وخدم أبو الحسين صاعد بن هبة الله بن المؤمل المسيحي بالدار العزيزة الناصرية الإمامية وتقرب قرباً كثيراً. وكسب بخدمته وصحبته الأموال وكانت له الحرمة الوافرة والجاه العظيم. ووصل أبو الحسن بن سوار المعروف بابن الخمار بالطب إلى أن أقبل له محمود الملك الأرض وكان الملك محمود عظيماً جداً. وتقدم أبو سهل المسيحي عند سلطان خراسان. وأجرى الرشيد على منكه الهندي رزقاً واسعاً وأموالاً كافية. وخدم إسحاق بن سليمان الإسرائيلي الإمام أبا محمد عبيد الله المهدي صاحب أفريقيا بصناعة الطب. وكان يحيى بن إسحاق الطبيب في صدر الدولة عبد الرحمن الناصر لدين الله الأندلسي واستوزره وولي الولايات والعمالات وكان قائد بطليموس زماناً وكان له من الناصر محل كبير كان ينزله منزلة الثقة ويتطلع على الكرائم والخدم. وهارون بن موسى الأشبوني خدم الناصر والمستنصر بصناعة الطب وإسحاق بن قسطار من أحبار اليهود خدم بالطب الموفق مجاهداً العامري وابنه إقبال الدولة علياً. وحسداي بن إسحاق من أحبار اليهود أيضاً خدم بالطب الحكم بن عبد الرحمن الناصر لدين الله. وكان ابن بكلارش يهودياً من أكابر علماء الأندلس في صناعة الطب وخدم بها بني هود.
وحظي بليطيان الطبيب بطريرك الإسكندرية على النصارى الملكية في أيام الرشيد ووهب له مالاً كثيراً وكتب له منشوراً في كل كنيسة في يد اليعقوبية مما أخذوها وتغلبوا عليها أن ترد إليه فرجع بليطيان إلى مصر واسترد من اليعقوبية كنائس كثيرة. وخدم إبراهيم بن عيسى بالطب الأمير احمد بن طولون وكذلك سعيد بن توفيل. وكان إسحاق بن إبراهيم بن نسطاس في خدمة الحاكم بأمر الله ويعتمد عليه في الطب. وكان موسى بن العازار في
стр. 763
خدمة المعز لدين الله العلوي وكان في خدمته أيضاً ابنه إسحاق بن موسى المتطبب وكان جليل القدر عند المعز ومتولياً أمره واغتم المعز لموت إسحاق لموضعه منه ولكفايته وجعل موضعه أخاه إسماعيل بن موسى وابنه يعقوب بن إسحاق. وكان أبو الفتح منصور بن سهلان بن مقشر طبيب الحاكم بأمر الله ومن الخواص عنده وكان العزيز أيضاً يستطبه ويرى له ويحترمه وكان متقدماً في الدولة الفاطمية. وكان الحقير النافع من أطباء الحاكم الخاص وكان ابن مقشر مكيناً في الدولة الفاطمية حظياً عند الحاكم بلغ منه أعلى المنازل وأسناها وكان له منه الصلات الكثيرة والعطايا العظيمة ولما مرض ابن المقشر عاده الحاكم بنفسه وأطلق لمخلفيه مالاً وافراً.
وخدم أفرائيم بن الزفان الخلفاء الذين كان في زمانهم بمصر وحصل من جهتهم من الأموال والنعم شيئاً كثيراً. وكان ابن جميع الإسرائيلي من أطباء الملك الناصر صلاح الدين وحظي في أيامه وكان رفيع المنزلة عنده عالي القدر نافذ الأمر يعتمد عليه في صناعة الطب. وخدم أبو البيان بن المدور الخلفاء المصريين في آخر دولتهم ثم خدمة صلاح الدين يوسف وكان يرى له ويعتمد على معالجته وله منه الجامكية الكثيرة والافتقاد المتوفر وتعطل في آخر عمره من الكبر والضعف فأطلق له الناصر في كل شهر أربعة وعشرين ديناراً مصرية تصل إليه ويكون ملازماً لبيته ولا يكلفه خدمة وبقي على تلك الحال وجامكيته تصل إليه نحو عشرين سنة. وكان الرئيس بن هبة الله الإسرائيلي من خدمة الخلفاء المصريين بالطب وكانت له منهم الجامكية الوافرة والصلات المتوالية. وخدم الموفق بن شوعة الإسرائيلي الملك الناصر بالطب لما كان بمصر وعلت منزلته عنده. وممن حظي في أيام هذا أيضاً وأيام أخيه الملك العادل أبي بكر بن أيوب أبو المعالي بن تمام اليهودي. وكان السلطان صلاح الدين أيضاً يرى لأبي عمران الرئيس موسى الإسرائيلي ويستطبه وكذلك ولده الأفضل علي وهو الذي يمدحه القاضي السعيد بن سناء الملك بقوله:
أر طب جالينوس للجسم وحده ... وطب أبي عمران للعقل والجسم
فلو أنه طب الزمان بعلمه ... لأبراه من داء الجهالة بالعلم
ولو كان بدر التم من يستطبه ... لتم له ما يدعيه من التم
стр. 764
وداواه يوم التم من كلف به ... وأبرأه يوم السرار من السقم
وكان إبراهيم بن الرئيس موسى في خدمة الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب. وكان أبو سليمان داود بن أبي المنى بن أبي فانة الطبيب حظياً عند خلفا مصر. وكذلك ابنه أبو سعيد بن أبي سليمان جعله الملك العادل في خدمة ولده الملك المعظم وأكرمه غاية الإكرام وأمر أن لا يدخل قلعة من قلاعه إلا راكباً مع صحة جسمه فكان يدخل في قلاعه الأربعة كذلك وهي قلعة الكرك وقلعة جعبر وقلعة الرها وقلعة دمشق. وخدم أبو سعيد بالطب أيضاً الملك الناصر والملك العادل. وكان أبو شاكر بن أبي سليمان مكيناً عند السلاطين جعله الملك العادل في خدمة ولده الملك الكامل فبقي في خدمته وحظي عنده الحظوة العظيمة وتمكن عنده التمكين الكثير ونال في دولته حظاً عظيماً وكان له من إقطاعات ضياع وغيرها ولم يزل يفتقده بالهبات الوافرة وكان الملك العادل يعتمد عليه وكان يدخل في دميع قلاعه وهو راكب. وكان أبو الفضل بن أبي سليمان طبيباً للملك المعظم في الكرك ثم خدم الملك الكامل. وكان عيسى الرقي المعروف بالتفليسي في خدمة سيف الدولة بن حمدان يأخذ أربعة أرزاق رزقاً بسبب الطب ورزقاً بسبب النقل ورزقين بسبب غلمين آخرين. وأنعم صلاح الدين على سكرة الحلبي المتطبب وخلع عليه وأقطعه أراضي مؤبدةً.
وخدم موفق الدين بن المطران بالطب الملك الناصر صلاح الدين وحظي في أيامه وكان رفيع المنزلة عنده عظيم الجاه. وكان يتحجب عنده ويقضي أشغال الناس ونال من جهته من المال مبلغاً كثيراً قال أبو الظاهر إسماعيل وكان يعرف ابن المطران ويأنس به: إن العجب والتكبر الذي كان يغلب على ابن المطران لم يكن على شيء منه في أوقات طلبه العلم وقال إنه كان يراه في الأوقات التي يشتغل فيها بالنحو في الجامع يأتي إذا تفرغ من دار السلطان وهو في ركبة حفلة وحواليه جماعة كثيرة من المماليك الترك وغيرهم فإذا قرب من الجامع ترجل وأخذ الكتاب الذي يشتغل فيه في يده أو تحت إبطه ولم يترك أحداً من العلماء يصحبه ولا يزال ماشياً والكتاب معه إلى حلقة الشيخ الذي يقرأ عليه فيسلم عليه ويقعد بين الجماعة وهو بكيس ولطف إلى أن يفرغ من القراءة ويعود إلى ما كان عليه ثم أنه أسلم فزوجه صلاح الدين إحدى حظايا داره وترقت حاله عند سلطانه إلى أن كاد يكون وزيراً وحصلت له أموال جمة من أمراء الدولة في حال مباشرته لهم في أمراضهم
стр. 765
وتنافسوا في العطاء له.
وممن خدم صلاح الدين أيضاً بالطب أبو منصور النصراني وأبو النجم النصراني وأبو الفرج النصراني وخدم هذا الملك الأفضل نور الدين علي بن صلاح الدين ثم صار أولاده خدمة أولاد الملك الأفضل. وخدم أبو الحجاج يوسف الإسرائيلي بالطب الملك الظاهر غازي بن الملك الناصر صلاح الدين وكان يعتمد عليه وخدم أيضاً الأمير فارس الدين ميمون القصري. وكان عمران الإسرائيلي حظياً عند الملوك واعتمدوا عليه ونال من جهتهم الأموال الجسيمة والنعم التي تفوق الوصف ولم يخدم أحداً من الملوك في الصحبة ولا يقيد معهم في السفر وحرص به الملك العادل بأن يستخدمه في الصحبة فما فعل وكذلك غيره من الملوك.
وكان موفق الدين يعقوب المسيحي خدم الملك المعظم عيسى وصار معه في الصحبة وكان حسن الاعتقاد فيه حتى انه كان يعتمد عليه في كثير من الآراء الطبية وغيرها فينتفع بها ويحمد عواقبها وقصد الملك المعظم أن يوليه بعض تدبير دولته والنظر في ذلك فما فعل واقتصر على مداومة صناعة الطب فقط وكان قد عرض للحكيم يعقوب في رجليه نقرس وكان يثور به في أوقات يألم بسببه وتعسر عليه الحركة فكان الملك المعظم يستصحبه في أسفاره معه في محفة ويفتقده ويكرمه غاية الإكرام وله منه الجامكية السنية والإحسان الوافر.
وخدم صدقة السامري بالطب الملك الأشرف موسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب وبقي معه سنين كثيرة في الشرق وكان يحترمه غاية الاحترام ويكرمه كل الإكرام ويعتمد عليه وله منه الجامكية الوافرة والصلات المتواترة. وكان مهذب الدين يوسف بن أبي سعيد السامري شمس الحكماء في خدمة الملك الناصر صلاح الدين وخدم أيضاً لعز الدين فرخشاه بن شاهان شاه بن أيوب وخدم بعده لولده الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه وحظي في أيامه من جهته من الأموال والنعم شيئاً كثيراً وكان يستشيره في أموره ويعتمد عليه في أحواله.
هكذا كان عظماء الإسلام يعاملون أهل ذمتهم من نصراني ويهودي وسامري ومجوسي. يبوحون لهم بأسرارهم ويطلعونهم على خويصة أنفسهم ويوسدون إليهم مهمات أمورهم
стр. 766
ويأمنونهم على حرمهم وأرواحهم ويغدقون عليهم هباتهم وإحساناتهم ويرفعون منزلتهم ومكانتهم لا ينظرون في ذلك إلى نحلة ولا مذهب ولا يعتدون بمخالف ولا بموافق بل يتبدرون الكفاءات ويختارون الأصلح والأنسب وقد قابل أولئك المقربون ساداتهم بصنوف الأمانة وخدموهم فأحسنوا خدمتهم وقلما خان منهم إلا بعض أفراد فسدت فطرهم واختلت عقولهم وأحلامهم وضلوا عن سواء السبيل.
стр. 767
حكم وخواطر
من ترك شغله للوكلاء ضاع عليه النصف إذا ربح ودفع من ماله الضعف إذا خسر
ما احتاج إنسان مداجاة أعدائه إلا من فسولة أصدقائه.
كما لا ترجو صداقة الكذاب فلا ترج صداقة الجبان لأن الكذب والجبن أخوان أبوهما الضعف.
أدلُّ الدلائل على حماقة المرء جمع الضدين على بغضه والصادق الحكيم يجمع الأضداد على حبه.
أكثر ما تكون المواعظ كالخزف الصيني في البيوت تحفظ ولا تستعمل
خمود الهمم عند اشتعال اللمم
إنما آثر الناس العدو العاقل لا لأنه لا يضر بل لأنه أبلغ في الضرر
وأخف في الألم فهو كالسيف الماضي يقطع ولا يؤلم أما العدو الجاهل فهو سيف كليل لا يقط الرقاب ولا يريح من العذاب
لا يقد على احتمال رفعة الأدنياء إلا الفيلسوف الذي تساوت عنده الأشياء
يظن الكريم قليل الأنانية والحال انه أشد حباً لنفسه حيث آثرها على المال، ويظن اللئيم محباً لذاته والحال أنه عدوٌّ نفسه إذ أسقطها في مساوئ الأعمال، وأن سموأل الوفاء أشد إثرة من كل إنكليزي على وجه الأرض لأنه سمح بحياة ابنه لأجل حياة اسمه.
إذا حاف الإنسان غائلة عدو متكبر أنامه بمورفين التقريظ
لا تظنن محالاً عداوة محب مهما اشتد كلفه ولا محبة عدو مهما تناهى شنانه فإن الزوجين يكونان جسماً واحداً ويقع بينهما الطلاق وإن في مخازن الغيوب ما لا يخطر على القلوب
إن لم تلن دمامل الفت بمراهم المراحم لم ينجح فيها إلا المبضع الصارم لكن لا خير في عنف لم يتقدمه لطف
يتقى الخراب الكبير بالاضطراب الصغير وكلاهما من البلاء كما يتقى المرض الثقيل بالتقليح الخفيف وكلاهما من العياء
العقل بلا قلب نورٌ بلا حرارة
لذة الخيال أقوى من لذة الواقع لذلك المجاز أوقع من الحقيقة
القليل من الخبيث يفسد الكثير من الطيب كما أن المتر المكعب من الآجن يفسد ذوق مائة
стр. 768
مثله من العذب الفرات.
قوة الإرادة من قوة الكهرباء لأنه متى امتلأت الإرادة جذبت المقاصد البعيدة بدون سلك ظاهر.
إذا تلبدت غيوم الغموم لم ينشرها مثل تموجات الهواء، بألحان الغناء
الطبيعة مثال، والشاعر مصور، وأحسن الشعراء توليداً، أجودهم للطبيعة تقليداً.
يكاد الشعراء يكونون صوفية لأن المعنى واحد والصور مختلفات كما أن الوجود واحد والتعدد للجهات
من دلائل أن الحياة خيال لذة الإنسان بالأماني وأن علمها كواذب، ولهوه بالتصورات ولو كانت محالات، وبكاؤه بالدموع في قراء قصصٍ موضوع
لا تخالن المستغرق في فن قاصر نظره عليه أبصر به من سواه ممن ينظر في متعدد الأمور لأن تنوع الموضوعات في ذهن الإنسان يوسع دائرة العقل ويسدد مرامي الحكم.
ينبغي أن تدقق في اختيار صديقك كما تدقق في اختيار امرأتك إذ كما يجب للناس أن يتخيروا لنطفهم كذلك يجب أن يتخيروا لمروءاتهم
خير للمرء أن يكون خصياً من أن يلد عاقاً عصياً
لا يبرد على الأكباد شيء كزكاء ثمراتها
التقبيل ضريبة الحسن، والمشورة ضريبة الذكاء، والجود ضريبة اليسار، والنجدة ضريبة البأس، ولا يمنع الضرائب إلا العاصي على الله والناس
إذا أوصيت بامرئ ولم يرجع إليك فاعلم أن حاجته قد انقضت لأن أكثر المراجعة يقع استنجازاً للحاجة ونادراً يقع شكراً على النعمة
كذب الكبير يسمى سياسة
يستدل بسيادة الغرباء في بلاد على انحلال العصبية أكثر مما يستدل بها على الأخلاق الرضية
المملكة جسم والأجنبي ميكروب ولا يرعى الميكروب من الجسم إلا مواطن الضعف.
قلوب العشاق أقدم من تلغراف ماركوني
العصر الجديد هو عصر الحديد والغناء الأقوى بالغثاء الأحوى (الفحم الحجري)
стр. 769
لو ردّ الناس كلام الكذابين بحذافيره لالتزموا الصدق وإنما روّج بضاعة الإفك أنه مهما اشتهر به الإنسان فلا يزال يلصق منه بالأذهان.
خير لمن لم يصب طهور العلم أن يتيمم بالتقليد
ما أجد العائلة بنقطة
كم وجه أبيض منه بلا أزرق وفرع أسود منه موت أحمر
أكثر الناس استعداداً لعداوتك من قام من تحت سلطتك لأنه يريد أن يقوم بقدر ما نام ولأن سواد الليالي متعادل مع بياض الأيام.
قد لا يكون الإمام تقياً وتصح الصلاة إذا راعت الجماعة وشرها وقد لا يكون الوالي عادلاً وتمشي العدالة إذا عرفت الرعية قوانينها.
الحسد نار في الفؤاد يبردها بعضهم بالتنقص ويلقي عليه اسم الانتقاد
الوالي الظالم خائن للسلطان في أمانته فجزاؤه جزاء الخائنين
جهنم بالعز أطيب منزل أبلغ بيت إلا في مقام الهوى
قد تذهب الحقوق ضحية الخلابة وقد تأكل المتاع نار الذرابة وقد تختفي الحقائق بين هدرات الشقائق ولكن ذو البصر يميز بين الغث والسمين ودريفوس يتبرأ ولو بعد سنين.
من كان مرمى نقده الإصلاح العام لم يخف ذلك من أسلوبه والناس أكيس من أن لا يفرقوا بين الحاسد والناصح
احذر من هو دونك في العداوة أكثر من حذرك ممن هو كفؤك لأن الكفؤ يأنف أن يقاتلك إلا بسلاحك ولا يأخذك غيلة أما الدون فإنه يأخذك كيفما استطاع ولا يرى في ذلك غضاضة
كانت الفتوحات أولاً بالسيف فصارت اليوم بالدين فهي لا تزال بين الأحمرين
لا تجتاز عقبة بدون جهد سواء النازل فيها والطالع
متى ثارت القبائل وهاج هائج التعصب على الأجانب فاعلم أن في تلك الجهة معدناً أعجب المهندسين أو أن شركة تألف لاستثمار بعض الأرضين
أجدر المصابين بالشماتة قومٌ لم يزالوا يتحاملون على ولاتهم العقلاء حتى ابتلاهم الله بولاية المجانين
إذا اهتدى الغول إلى معارف الإفرنج فالصين قد صين
стр. 770
لابد من يوم أسود بين الأصفر والأبيض
السياسة في أيامنا هي فوق الديانة لأنه إذا تعارض العقل والنقل أول النقل حتى يطابق العقل أما السياسة فلا تقبل التأويل أياً كان مصادمها
بيروت
شكيب أرسلان
стр. 771
العالم شعر
قرأت وما غير الطبيعة من سفر ... صحائف تحوي كل فن من الشعر
أرى غرر الأشعار تبدو نضيدةً ... على صفحات الكون سطراً على سطر
وما حادثات الدهر إلا قصائد ... يفوه بها للسامعين فم الدهر
وما المرء إلا بيت شعر عروضه ... مصائب لكن ضربه حفرة القبر
تنظّمنا الأيام شعراً وإنما ... ترد المنايا ما نظمن إلى النثر
فمنّا طويل مسهب بحر عمره ... ومنّا قصير البحر مختصر العمر
وهذا مديح صيغ من أطيب الثنا ... وذاك هجاء صيغ من منطق هُجر
* * *
ورب نيام في المقابر زرتهم ... بمنهلّ دمع لا ينهنه بالزجر
وقفت على الأجداث وقفة عاشق ... بقفراء يدعو دراس الطلل القفر
فما سال فيض الدمع حتى قرنته ... إلى زفرات قد تصاعدن من صدري
أسكان بطن الأرض هلا ذكرتم ... عهوداً مضت منكم وأنتم على الظهر
رضيتم بأكفان البلى حللاً لكم ... وكنتم أولي الديباج والحلل الحمر
وقد كنتم تؤذي الحشايا جنوبكم ... فكيف رقدتم والجنوب على العفر
ألا يا قبوراً زرتها غير عارف ... بها ساكن الصحراء من ساكن القصر
لقد حار فكري في ذويك وأنه ... ليحتار في مثوى ذويك أولو الفكر
فقلت وللأجداث كفي مشيرة ... ألا إن هذا الشعر من أفجع الشعر
* * *
وليل غُدا في الجناحين بتّه ... أسامر في ظلمائه واقع النسر
وأقلع من سفن الخيال مراسياً ... فتجري من الظلماء في لجج خضر
أرى القبة الزرقاء فوقي كأنها ... رواق من الديباج رصّع بالدر
ولولا خروق في الدجى من نجومه ... قبضت على الظلماء بالأنمل العشر
خليلي ما أبهى وأبهج في الرؤى ... نجوماً بأجواز الدجى لم تزل تسري
إذا ما نجوم الغرب ليلاً تغورت ... بدت أنجم في الشرق أخرى على الإثر
تجولت من حسن الكواكب في الدجى ... وقبح ظلام الليل في العرف والنكر
стр. 772
إلى أن رأيت الليل ولت جنوده ... على الدعم يقفو أثرها الصبح بالشقر
فيا لك من ليل قرأت بوجهه ... نظيم البها في نثر أنجمه الزُّهر
وقلت وطرفي شاخص لنجومه ... ألا إن هذا الشعر من أحسن الشعر
* * *
ويوم به استيقظت من هجعة الكرى ... وقد قدَّ درع الليل صمصامة الفجر
فأطربني والديك مشجٍ صياحه ... ترنم عصفور يزقزق في وكر
ومما ازدهى نفسي وزاد ارتياحها ... هبوب نسيم سَجْسَج طيّب النشر
فقمت وقام الناس كلٌّ لشأنه ... كأنّا حجيج البيت في ساعة النفر
وقد طلعت شمس النهار كأنها ... مليك من الأضواء في عسكر مجر
بدت من وراء الأفق ترفل للعلى ... رويداً رويداً في غلائلها الحمر
غدت ترسل الأنوار حتى كأنها ... تسيل على وجه الثرى ذائب التبر
إلى أن جلت في نورها رونق الضحى ... صقيلاً وفي بحر الفضاء غدت تجري
وأهدت حياة في الشعاع جديدة ... إلى حيوان الأرض والنبت والزهر
فقلت مشيراً نحوها بحفاوة ... ألا إن هذا الشعر من أبدع الشعر
* * *
وبيضة خدر أن دعت نازح الهوى ... أجاب ألا لبيكِ يا بيضة الخدر
من اللاء يملكن القلوب بكلمة ... ويحيين ميت الوجد بالنظر الشزر
تهادت تريني البدر محدقةً بها ... أوانس أحداق الكواكب بالبدر
قلله ما قد هجن لي من صبابة ... ألف بها طيّ الضلوع على الجمر
تصافح إحداهن في المشي ترابها ... فنحر إلى نحر وخصر إلى خصر
مررت وقد أقصرت خطوي تأدباً ... وأجمعت أمري في محافظة الصبر
فطأطأنَ للتسليم منهن أرؤسا ... عليها أكاليل ضفرن من الشعر
فألقيت كفي فوق صدري مسلّما ... وأطرقت نحو الأرض منحني الظهر
وأرسلت قلبي خلفهن مشيّعا ... فراح ولم يرجع إلى حيث لا أدري
وقلت وكفي نحوهن مشيرة ... ألا أن هذا الشعر من أجل الشعر
стр. 773
* * *
ومائدة نسْجُ الدمقس غطاؤها ... بمجلس شبان هم أنجم العصر
رقى من أعاليها الفنغراف منبراً ... محاطاً بأصحاب غطارفة غُر
وفي وسط النادي سراج منور ... فتسحبه بدراً وهم هالة البدر
فراح بإذن العلم يُنطق مقولاً ... عرفنا به أن البيان من السحر
فطوراً خطيباً يحزن القلب وعظه ... وطوراً يسرّ السمع بالعزف والزمر
يفوه فصيحاً باللُّغا وهو أبكم ... ويسمع ألحان الغنا وهو ذو وقر
أمين أبى التدليس في القول حاكياً ... فتسمعه يروي الحديث كما يجري
تراه إذا لقنته القول حافظاً ... تمر الليالي وهو منه على ذُكر
فيا لك من صنع به كل عاقل ... أقر لآديسون بالفضل والفخر
فقلت وقد تمت شقائق هدره ... ألا إن هذا الشعر من أعجب الشعر
* * *
وأصيد مأثور المكارم في الورى ... يريك إذا يلقاك وجه فتى حر
يروح ويغدو في طيالسة الغنى ... ويقضي حقوق المجد من ماله الوفر
تخونه ريب الزمان فأولعت ... بأخلاقها ديباجتيه يد الفقر
فأصبح في طرق التصعلك حائراً ... يجول من الإملاق في سَمَلٍ طمر
كأن لم يرح في موكب العز راكباً ... عتاق المذاكي مالك النهى والأمر
ولم تزدحم صيد الرجال ببابه ... ولم يغمر العافين بالنائل الغمر
فظلَّ كئيب النفس ينظر للغنى ... بعين مقلّ كان في عيشة المثري
إلى أن قضى في علة العدم نحبه ... فجهزه من مالهم طالبو الأجر
فرحتُ ولم يحفل بتشييع نعشه ... أشيعه في حامليه إلى القبر
وقلت وأيدي الناس تحثو ترابه ... ألا أن هذا الشعر من أحزن الشعر
* * *
ونائحة تبكي الغداة وحيدها ... بشجو وقد نالته ظلماً يد القهر
عزاه إلى إحدى الجنايات حاكم ... عليه قضى بطلاً بها وهو لا يدري
стр. 774
فويل له من حاكم صُبَّ قلبه ... من الجور مطبوعاً على قالب الغدر
من الروم أما وجهه فمشوّه ... وقاح وأما قلبه فمن الصخر
أضرَّ بعف الذيل حتى أمضَّه ... ولم يلتفت منه إلى واضح العذر
تخطفه في مخلب الجور غيلةً ... فزجًّ به من مظلم السجن في القعر
تنوء به الأقياد إن رام نهضة ... فيشكو الأذى والدمع من عينه يجري
تناديه والسجان يكثر زجرها ... عجوز له من خلف عالية الجُدْر
بُنيَّ أظن السجن مسَّك ضره ... بُنيَّ بنفسي حلَّ ما بك من ضر
بنيَّ استعن بالصبر ما أنت جانياً ... وهل يخذل الله البريء من الوزر
فجئت أعاطيها العزاء وادمعي ... كأدمعها تنهلّ مني على النحر
وقلت وقد جاشت غوارب عبرتي ... ألا إن هذا الشعر من أقتل الشعر
بغداد
معروف الرصافي
стр. 775
الشرق في الغرب
من مقالة للمسيو لوسين بوفا في مجلة العالم الإسلامي
عني أهل المجر وهم من أصل آسياوي وبلادهم على أبواب الشرق بالمباحث الشرقية عناية كبرى على ما هو مأثور عنهم من التوفر على خدمة العلم. ومازالوا منذ قرون كثيرة جيران شعب مسلم يتحدون معه في الأصل وإن اختلفوا في الفروع ويتكلمون لغة تكاد تشبه لغته ولذلك رأوا من الواجب عليهم أن يتمحضوا لدراسة الموضوعات الإسلامية.
قام منذ سبعين سنة رجل عالم غيور منهم اسمه كوسما كوروس فزار آسيا ليبحث فيها عن أصل الأمة المجرية. وتاريخ حياة هذا الرجل يشبه تاريخ أرمنيوس فمبري في كثير من أدواره. لم ير كوروس حرجاً في دخول دير للبوذيين في بلاد التُّبَّت بضفة كاهن رجاء الوقوف على أحوال شعوب آسيا الوسطى ولم يتحرج من الأخذ عن علماء بوذيين.
ثم قام فمبري الذي طاف آسيا الوسطى لابساً ثياب درويش والأستاذ غولدسير الذي طلب العلم في الأزهر. وكان من أعمال هؤلاء الرجال أكبر مجد لأمتهم في خلال القرن التاسع عشر. وما برح علماء المجر يقصدون الهند الواحد تلو الآخر يبحثون في علومها وتاريخها وأديانها ومنهم اليوم أورل ستين نزيل آسيا الوسطى الذي عرفت الحكومة الإنكليزية أن تنتفع من مباحثه في شماليا لهند وبلوجستان وأتى بفوائد جمة.
ومما لا مشاحّة فيه أن رؤساء هذه المباحث اليوم في بلاد المجر هما الأستاذان فمبري وغولدسير من أساتذة كلية بودابست وقد اختص الأول بتعلم اللغة التركية حتى أتقنها إتقانه للغته وخدمها أجل خدمة وانصرف الثاني إلى دراسة العربية واللغات السامية.
ولد فمبري سنة ١٨٣١ أو ١٨٣٢ من أسرة يهودية فقيرة في بلاد المجر في قرية سان جيورجين وبعد أن تلقن مبادئ التعليم في قريته أخذ في تعلم العبرية والدين ثم انتقل إلى مدرسة برتستانتية فتعلم فيها اللغة المجرية واللاتينية ومنها دخل مدرسة أخرى رومية ثم مدرسة كاثوليكية.
ولما أتم دروسه كان قد أتى على آخر ما يملك من الدراهم فاضطرته الحال إلى أن يعلم أطفالاً براتب ١٥٠ فلورينياً عند أسرة إسرائيلية في بلدة مارينتال وانتقل بعد إلى التدريس براتب أكثر في بيت أسرة في قرية كوتيفو من أعمال سلافونيا فترك مقامه في هذه القرية أجمل أثر في نفسه لأنه تجلى له فيها السبيل يتحتم عليه سلوكه في حياته العلمية. ففيها
следующие страницы →