← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

رأي في الشعر الشعر لغة الشعور وقد أخرج عن معناه الأصلي فأصبح يفهم منه الآن الكلام الموزون المقفى الذي يتوخى صاحبه إيداع خياله وشعوره فيه بصورة تستفز العواطف وتأخذ بمجامع القلوب وابتذله الأكثرون فأضحى حرفة يتغنى بها أحدهم ويعمد إلى اكتسابها على طريقة علمية كأن يقرأ العروض والقوافي ثم يقبض على اليراع ويحاول صف كلام ملفق ليس من الشهر في شيء طمعاً في أن يقال عنه إنه شاعر وما أحراه أن يدعى ضفافاً فهو أشبه بمنضد الحروف في المطابع إلا أن هذا يصف الحروف بقياس معلوم وطريقة مصطلح عليها وذلك يصف الكلمات حسب تفاعيل الخليل. الشعر شعور لا كلام والشاعر صاحب هذا الشعور يشعر بما لا يشعر به غيره ويسمع ما لا يسمعه غيره فعينه تخترق السحب وتسرح في فضاء العوالم وتأتي إليه بما لم يخطر على بال، وخاطره يفترع أبكار المعاني التي لم يسبقه إليها أحد، ووجدانه يختلف عن وجدان سائر الناس، والنظرة التي ينظر بها إلى العمران ليست كنظرة الناس. فكل نظم خالٍ من الخيال ليس حقيقاً أن يدعى شعراً ولا يمكن أن يعيش بعد صاحبه وربما مات قبله. وكم من شعر نُظم وكم من شاعر نظم فوارتهما أيدي الزمان في مدافن النسيان. فالشعر لا يعيش إلا إذا استوفى شرطين: أولهما أن يكون فيه شعور فائق وخيال بالغ، وثانيهما أن يكون مسبوكاً في قالب متين المبنى موضح المعنى فالشرط الأول لا يتنازع فيه أحد ضرورة أنه من مقتضيات الشعر وشرائطه الكبرى. نعم إن الشعر الذي لا شعور فيه ليس شعراً كما أن العلم الذي ليس فيه العلم الصحيح لا يعد علماً. وما أحسن لفظة شعر تفصح عن المراد من الشعر وهي لفظة حسن وضعها لما يقصد منها تفضل لفظة بوتري الأعجمية لأن هذه تعني الفعل وليس فيها ما يستشف منه المعنى المرغوب والشيء المقصود. أما الشرط الثاني فلأن اللغة واسطة لنقل خيال الشاعر إلى الناس. وأحرى بهذه الواسطة أن تكون ممحصة من شوائب التعقيد ومعائب الالتباس. وكلما كانت اللغة صحيحة كان فهم الشعر سهلاً. فهي كالوعاء تودع فيها سوامي الفكر وسوانح الفطن. وإذا كان الوعاء ناقصاً في شيء يوجب تمامه كان المودَع فيه خليقاً أن تذهب بحسنه عوامل الأيام. وكم من نظم طوته صحف الدهر لغير علة سوى أنه أنشئ بعبارة تافهة تخالف القياس المألوف.

стр. 842

ومن الناس من لا يذعن لهذا الشرط فيحسبون أن مراعاة اللغة في الكتابة سواء كانت نظماً أو نثراً ليست ذات شان فيقولون أن الغرض من اللغة ليس إلا التفاهم فلا ينبغي أن يعنى بها كثيراً فيجوزون لأنفسهم ارتكاب أغلاط فادحة في النحو واللغة وسائر العلوم اللغوية ناسين أن التغاضي عن الاهتمام باللغة يؤدي بهم إلى فوضى لا يرأب صدعها ولاسيما أن اللغة العربية ضوابط تقيدها وقواعد تضبطها فإذا فسد التركيب فسد المعنى وبفساد التركيب تضيع اللغة وبفساد المعنى يغلط في فهم الأفكار التي يقصد الشاعر نقلها إلى قارئ شعره فينتج إذاً أنه كلما كانت لغة الشعر ركيكة كان فناء الشعر المودع فيها سريعاً. يتضمن الخيال في الشعر وصف الانفعال الذي يطرأ على النفس إذا أدرك صاحبها في عالم الحس شيئاً يدعو إلى الانفعال وباعثاً ينزع به إلى التأثر بحيث لا يستطاع معه إلا الالتجاء إلى الشعر للإفصاح عما يكنه الفؤاد في صور كلامية يتجلى بها الخيال ويتجسم الشعور متنقلاً من عالم الخيال إلى عالم المنظور ولا يتوخى في هذا الانتقال إلا دفع ألم وسد مطلب من مطالب النفس تتقاضى صاحبها إتمامه كما قد تقتضيه تأديتها مطالب أخرى. ليس الشعر عملاً من الأعمال العادية التي يتكلفها الإنسان ويضطره المعاش إليها فيسعى لنيلها. الشعر ينظم لنفسه لا لغاية أخرى ولا يكون شعراً إلا إذا نظم أثر انفعال من حادث أو شعور وأما إذا نظم على سبيل التفكهة وبدون داعٍ فيكون متكلفاً فيه والنفس مقسورة على إبرازه على حين يجب أن يكون منبعثاً من النفس باختيارها وقبولها فالشاعر الذي ينظم محمولاً على النظم بتيار الرغبة في الشهرة والنزوع إلى الصيت لا يكون شعره شعراً. الشاعر كما قال بعض الأعاجم مخلوق لا مصنوع وحسبك عليه من حجة دامغة أن الشاعر المطبوع ينظم الشعر وهو صبي لا لغرض وإنما يشعر بشيء فينطق بالشعر عفواً مستخدماً ألفاظ الصبيان للتعبير عن خياله ثم يرتقي فيصبح أقدر على إظهار شعوره وينمو شعوره بنمو مركزه في الدماغ كما تنمو سائر القوى العقلية كلما تقدم الإنسان في العمر وقد تبطئ سجية الشعر في ظهورها لعلة خارجية فتتأخر إلى سن العشرين أو بعدها كما جرى لملتون الشاعر الشهير ولكنها ظهرت في أغلب الشعراء في سن الصبا وأعلى درجات الشعر وصف الطبيعة ففيه تظهر قريحة الشاعر بأعظم مظاهرها. يرى الشاعر في الوجود

стр. 843

أموراً يتعذر على غيره رؤيتها ينظر إلى سيار كأنه هبط عليه وحيٌّ من العلى فينظم فيه المعاني الحسان على حين لو سئل غيره أن يصف السيار لما قال غير نجم منير. وفي أساطير الأولين إن بعض الأمم اعتقدوا بوجود قوة غيبية تلهم الشعراء وتوحي إليه الشعر ولا توحيه لسائر الناس. وما يراه الشاعر في ظواهر الطبيعة يكون مخبوءاً تحت حجاب كثيف لا يرى الناس من ورائه شيئاً على أنه يصبح شفافاً إذا نظر إليه الشاعر فيرى وراءه كنوزاً وركازاً. وقد عني الإفرنج بالشعر الوصفي فأجادوه ويتلوه في الحسن الشعر الذي يمثل الطبع البشري وما في الإنسان من العواطف والأميال وما يتنازعه من الأشواق والشعور الذي يطرأ على الشاعر عند حدوث نكبة عامة وما شاكل ذلك وكل وصف بعث عليه انفعال عظيم. أما الشعر الرثائي فأحسنه ما نظم عن انفعال شديد كما وقع لشاعر الانكتار العظيم تنيسون حين نكب بفقد صديقه الحميم حلام المؤرخ المشهور فرثاه بقصيدة طويلة رنانة وصف فيها العواطف البشرية وصفاً دقيقاً واستحوذ عليه من الغم في ذلك الخطب المؤلم. على أن الرثاء مبتذل الآن، وكم من شاعر يرثي ميتاً لا يعرف سوى اسمه فيأتي شعره وأمارات التكلف بادية عليه ليس فيه إلا معانٍ تافهة سيقت النفس إلى إبرازها سوقاً. والمدح أسقط الشعر لما فيه من الاختلاق ولاسيما إذا قصد منه جر مغنم أو دفع مغرم فيضطر الناظم أن يبتدع المعالي والمكارم وينسبها إلى ممدوحه. ويبلغ الشعر المدحي أعلى درجة في عصر البداوة ويأفل نجمه في عصر الحضارة حتى يكاد يكون معدوماً. وكان الشعراء يتخذون هذا النوع من الشعر وسيلة للزلفى من الأمراء واستدرار العطايا من العظماء. والشعر الهجائي أرفع في نظري إن صح أن يكون لي نظر من الشعر المدحي وأقرب منه للغرض المبدئي من الشعر خصوصاً إذا نظم عقيب تهيج حاسة الاشمئزاز من إدراك شوائب ونقائص في الهجو تبعث الشاعر على الهجاء اضطراراً. وأما إذا تكلف له فيكون من أعمال العقل لا من أعمال الشعور والعواطف. وقد علمت مما مر بك أن الشعر من خصائص العواطف وليس للعقل علاقة به، ولذلك لا يعد من الشعر كل ما نظم من المعقولات والمنقولات، ويدخل تحت هذا الأراجيز على تفاوت أنواعها وآراء الفلاسفة التي أودعت في الشعر وآي الحكماء وعلماء الأخلاق. وبالجملة فإن

стр. 844

كل ما ليس له اتصال بالعواطف ليس شعراً وإنما هو نظم ولا يتعذر على النبيه التمييز بين الشعر والنظم إن هو تذكر معنى كلمة شعر. والله أعلم. يافا خليل الخوري

стр. 845

التربية والتعليم تربية السكسونيين قامت منذ بضع سنين حركة في الأفكار في معظم بلاد أوروبا للمفاضلة بين التربية التوتونية واللاتينية أي بين تربية الإنكليزي والألمان والأمريكان المعروفين بالإنكليز السكسونيين وبين تربية الفرنسيين والطليان والإسبان ولقد أطلعنا على مقالة في إحدى المجلات الكبرى الفرنسوية أفاض كاتبها في تأثير المسابقات بين طلبة الطب في الأخلاق. ومما جاء فيها أن هذه المباراة في الفحوص قد تؤدي إلى ضعف ملكة الذكاء وإن نفعت في تمرين الذاكرة بما يضطرون أن يودعوه ألواح محفوظهم من القوانين والصور وقد يستظهرونها استظهاراً نظرياً ولا تكون عندهم من العمليات في شيء بمعنى أنهم مهما جعلوا دراستها دينهم وديدنهم لا يخرجون من الامتحان إلا وقد غربت تلك المواد عن أذهانهم. سئل أحد التلاميذ يوماً عن حرب السبعين وكان قد درسها من قبل بالطبع فلم يحر فيها جواباً. وسئل عن التلفون فانقطع ولم ينبس ببنت شفة. مع أنه بعيد عن الظن أن يكون في الغرب اليوم ناهيك بفرنسا من لم يسمع بحرب السبعين وأخبارها والتلفون وآثاره. وبعد هذا لا يسعنا إلا التصريح بان الطريقة العقيمة في التربية التي اتخذتها فرنسا من نحو مئة سنة ما زادتها إلا الرجوع القهقري وسبق الأمم السكسونية. تربية تسقم العقل وتضعف الجسم. تربية تحبب إلى المرء الراحة والسكينة والاقتصاد والترف والسرف. تربية كأنها ملصقة بغراء لا تلبث أن تتزعزع إذا أمطرتها سماء الدنيا بوبلة فما بالك لو هبت عليها أعاصيرها وعواصفها وسحت فوقها وابلها ومدرارها. قال بعض علمائنا إن فرنسا مستنبت الأوسمة والمراتب وميدان المسابقات والمناوشات وإذا أردنا على أن لا ننقد هذا الخُلُق نكتفي بأن نقول إنه دليل الأنانية والشعور بالحاجة إلى العدل ونحن لا نزال شعب تلاميذ أي إننا محتاجون في تربيتنا أن نربى تربية الصغار من مهدنا إلى لحدنا فنساق منذ نعومة أظفارنا في المدرسة والبيت بقوة الأيقونات والأنواط والعلامات والصفوف والقوانين ومن نشأ على هذه الطريقة في التربية يحتاج إذا بلغ مبلغ الرجال أن يظل متطلباً للأوسمة والجوائز وأن تنظم حاله بنظام الاستحقاق والأهلية. وقال غستاف لبون مؤلف كتاب حضارة العرب وغيره من الكتب الممتعة: إن كليتنا معاشر

стр. 846

الفرنسيس لا تنشئ إلا أهل أوهام وأرباب أكثار وثرثرة ممن بعدت نفوسهم عن الحقيقة بعدها عن معرفة العالم الذي يقضي عليهم أن يعيشوا فيه. من كل وُكَلة تكلة لا يعمل بدون يدٍ تدفعه وعون يقوده وعين تلاحظه. ففي بيته تقوده أمه ويأخذ بيده أبوه، وفي المدرسة يشتد ساعده بزند معلمه ومربيه حتى إذا دخل في غمرة الحياة يظل حائراً لا يعرف مصيره ما لم تأخذ الحكومة بيده وتصرفه فيما تشاء وتهوى. وقال غيره: أين نجد في فرنسا مثل أولئك الأولاد الذين رأيتهم خارج هذه البلاد يسافر احدهم وحده وهو في سن العاشرة من لندن إلى بطرسبرج في فئة من أطفال الكتاتيب تختلف سنهم بين الثامنة والعاشرة فيقضون تحت الخيام نصف العطلة المدرسية في جزيرة من سان لوران يعيشون من صيدهم وقنصهم فيكف لا يتأتى لهؤلاء الأطفال من الإنكليزي أن يستعمروا حيث شاؤوا من الأرض ويكونوا من أنفع الطوارئ متى بلغوا الخامسة والعشرين. وقال احدهم: لا شيء أذل على النفس من رؤية الفرنسوي خارج بلاده فكأنه ميت انقطع عمله أو مدنف يتلجلج لسانه فلا يجيب عما يسأل. وقال غيره: من الرعونة أن يعتقد الفرنسيس بعلو كعبهم في كل شيء ولو ذهب إلى ألمانيا ودرس أحوالها عن أمم لرأى شعباً كان يشكو مما نشكو منه. داء أصيب به زمناً فشفى نفسه منه. يرى السكسونية مجسمة بأبهى مظاهرها فيقدس كارالايل ظهيرها ونصيرها ويقيس حاله بالإنكليز فيراهم سباق غايات. ثم إذا رأى في تينك المملكتين ما رأى وقاسه بحاله يركب بحر الظلمات ليتبصر فيما تورثه جدد الفضائل في هذا القرن الحديث وينجلي له الفرق بين رغائبه ورغائب الأمريكان. لفرنسا نظارة للمعارف، ولأمريكا مدرسة للتربية. فالأولى تعلم والثانية تربي. الأولى تلقن أبناءها كلمات يحفظونها، والثانية تعلم مبادئ يسيرون عليها. تعد فرنسا أدمغة لحفظ قانون، وتهيئ أمريكا أذرهاً للعمل. يغرس الأمريكان في عقول ناشئتهم شهامة الإرادة التي لا تنفع بدونها المواهب وتضيع القوى بدداً وإذا فقدت يكون العلم نفسه قليل النفع. وهذا القانون الذي سنه لهم فيلسوفهم أميرسون تلميذ هيكل الألماني القائل في فلسفته: ليست الحياة شغلاً عقلياً ولا مناقشة ومهاوشة بل الحياة هي العمل. ولقد علق في أعلى باب كل مدرسة بأمريكا شعار معناه: إن تهذيب الخلق أسمى غاية للمدرسة وعلى الشبان أن يحسنوا معرفة

стр. 847

الحياة بإرادة ثابتة.

стр. 848

مطبوعات ومخطوطات كنز العلوم واللغة من المؤلفين المجتهدين في مصر محمد فريد أفندي وجدي صاحب مجلة الحياة والمصنفات الكثيرة وقد أصدر هذا الشهر مجلداً ضخماً في زهاء ٨٧٠ صفحة كبيرة ذات ثلاثة أعمدة من الحرف المتوسط سماه كنز العلوم واللغة وهو صورة دائرة معارف مصغرة فيها بعض الفصيح وخلاصات من العلوم النقلية والعقلية والطبيعية والطبية والاجتماعية والتاريخية والجغرافية. وقد أخذنا عليه اقتضابه في بعض المواد المهمة وتطويله في غيرها مما هو دونها في الفائدة فرأيناه مثلاً قد أغفل في الأعلام ابن تيمية وابن القيم وابن الهيثم والذهبي والسيوطي والقلقشندي وابن فضل الله العمري وذكر عبد الرحمن العمري والقليوبي والشنواني والشبراوي والكفراوي. والمعاجم المختصرة في العادة تذكر الأهم فالأهم من السماء والأشخاص. ورأيناه تابع بعض المعاجم الإفرنجية في إيراد بعض الشؤون التاريخية الشرقية ونقلها على غلطها مثل قوله في محلين إن صلاح الدين يوسف هو ابن أخي نور الدين محمود بن زنكي مع أنه لا قرابة بينهما وصلاح الدين كردي ونورد الدين تركي ومثله قوله أن فاراب من بلاد الأناضول. وقد نقل بعض أعلام الأشخاص والأماكن بحسب الأصل الإفرنجي فقال مثلاً سالونيك كما يلفظها الإفرنج والصواب سلانيك. وجزيرة ساموس: سيسام. ونهر الدانوب: الطونة. والسلافيون وتسميهم العرب الصقالبة. وليسبون: والعرب تقول إشبونة، وجبال هيماليا: حملايا. والتيبت: والعرب تقول تُبت كسكر. وبخارست: بكرش. وقد أعجبنا منه أدبه في كلامه على المخالفين من فرق الإسلام وغيرهم وفي الكتاب فوائد نافعة لا يسع متعلماً جهلها وعسى أن ينتشر كتابه بين جميع الطبقات فإنه على إنجازه سلمٌ إلى تناول دوائر المعارف الإفرنجية الكبرى. وحبذا لو تدارك المؤلف ذكر من أهمل من الأعلام وما اغفل من أسماء البلدان ولو بملحق على حدة. وفقه الله وأكثر فينا أمثاله من أهل النشاط في خدمة العلم والتوفر على التصنيف والنشر. فتح الرحمن لطالب آيات القرآن هو مفتاح أو فهرس يعين على الاهتداء إلى مواقع الآيات الكريمة جمعه فيض الله أفندي العلمي الحسني المقدسي ووقف على طبعه الشيخ أحمد حسن طبارة محرر جريدة ثمرات

стр. 849

الفنون الغراء. وقد عني الجامع بان استعان بكتاب ترتيب زيبا وكتاب نجوم الفرقان واقتصر من ألفاظ الكتاب العزيز على الكلمات الرئيسة التي يثر خطورها بالبال أي الأفعال المشتقة والأسماء المتمكنة. وبالجملة فهذا السفر البديع يسهل الوصول إلى الآيات الكريمة على من يريد الاستشهاد بها فيتناولها سالمةً من التحريف في أقل من لمح البصر وقد ألحق به فهرساً للأعلام فجاء من أنفس الذخائر التي لا يستغني عنها طالب. جزى الله جامعه ومصححه خيراً. والكتاب يباع بريال مجيدي في بلاد الشام ويطلب من المكاتب الشهيرة. وقد طبع في المطبعة الأهلية في بيروت طبعاً متقناً للغاية على ورق صقيل جيد. تقويم المؤيد صدر هذا التقويم البديع سنة ١٣٢٥ هـ. فأتم بذلك سنته العاشرة وهو من وضع محمد أفندي مسعود صاحب جريدة المنبر الغراء. وقد قرأنا فيه نبذاً في التوقيعات وعلم الفلك والكيمياء وفصولاً علمية وأدبية وإحصائيات ونظام الحكومات والأخبار العمومية والتاريخ العام والتراجم والمسائل السياسية والمعاهدات وأحوال مصر سنة ١٩٠٠ وتخطيط الوجه القبلي وشذرات نافعة في القضاء والإدارة والزراعة وتدبير المنزل والدليل المصري وغير ذلك من الفوائد التي تنفع أصحاب الأعمال والبيوت وإنا لا نزال نقول إن تقويم المؤيد من أحسن الكتب الدورية التي تصدر في هذه العاصمة وما برح التحسين فيه مستمراً سنة عن سنة فشكراً لفضل مؤلفه الذي ثبت على إصداره وتوفر على الاستزادة من فوائده الممتعة. أبدع الأساليب في إنشاء الرسائل والمكاتيب هو كتاب يقع في زهاء ستمائة صفحة يحتوي نموذجاً من العرائض والرسائل والمخاطبات التجارية والإخوانية والرسمية وفيه مختصر في أصول مسك الدفاتر لمؤلفه عبد الباسط أفندي الأنسي صاحب جريدة الإقبال الغراء في بيروت وقد طبعه الآن طبعة ثانية أجزل فيها فوائده وهو مطول من كتابه هداية السائل إلى إنشاء الرسائل وقد رتبه على خمسة أبواب أدخل فيها الأغراض التي تعرض للكاتب في مكاتباته وطبعه في مطبعته المعارف طبعاً لطيفاً وهو يباع في مكتبته الأنسية باثني عشر قرشاً فنحث الطلاب على اقتنائه ونشكر للمؤلف عنايته وهديته. السجل المصري

стр. 850

أصدر علي أفندي يوسف الكريدلي من المشتغلين بصناعة القلم في القاهرة كتاباً بهذا الاسم وأخذ على نفسه إصداره في منتصف كل شهر إفرنجي مشتملاً على كل ما حدث في الشهر السابق من الحوادث والوقائع وأعمال الحكومة المصرية كالأوامر العالية والمنشورات واللوائح والتنقلات والرتب والأوسمة والوفيات والمواليد فكان تاريخاً دورياً لمصر يصدر في أجزاء متفرقة مزيناً بصور بعض أمراء البلاد ووزرائها وكبرائها وعلمائها وأعيانها ومشاهيرها وفضلائها وأدبائها وشعرائها وكتابها وكل ذي مظهر ومقام وفي الجزء الذي صدر عن شهر يناير كثير من الفوائد التي ينبغي تخليد أكثرها في تاريخ البلاد وهو في زهاء ١٨٠ صفحة متوسطة الحجم وقيمة كل جزء خمسة قروش أميرية وهي قليلة لكثرة فوائده فعسى أن يلاقي مشروع هذا الأديب الإقبال اللائق به. لباب الخيار في سيرة المختار هي رسالة جميلة الطبع والوضع تدخل في ٨٢ صفحة من ذوات النصف في السيرة النبوية لمؤلفها الشيخ مصطفى سليم الغلاييني من المشتغلين بالعلم في بيروت ذكر فيها شذرات مهمة من أحوال الرسول وأعماله وجميع غزواته ولم يذكر من سراياه إلا ما كان له علاقة ببعض الغزوات وقد علق شرحاً لغوياً موجزاً على الألفاظ اللغوية أو التي يخشى التباسها على المبتدئ فجاءت نافعة لجميع الطبقات فله الشكر على عنايته وفضله. خارطة العالم هو المصور الذي رسمه الاكسرخوس يوحنا الحداد نزيل شيكاغو ومن أهل الفضل وقد أهدينا نسخة منه فرأيناه من أجمل المصورات الجغرافية الإنكليزية وأنفعها وليته يتفضل بترجمته إلى العربية ليعم انتفاع الجالية السورية به في أمريكا كما يعم سائر البلاد العربية. ديوان الشاب الظريف طبعت المطبعة الأهلية في بيروت هذا الديوان المشهور لمؤلفه المتوفى سنة ٦٨٨ هـ عن ٢٧ عاماً وأضافت إليه ما عثرت عليه من نظمه المتفرق في دواوين الأدب وفسرت ألفاظه اللغوية وقد قالت إنها جعلته خدمة لطلبة المدارس مع أن أكثر الديوان من الغزل الذي لا يروق أن يطلع عليه الشيوخ دع عنك الأطفال وعلى كل فإنا نشكر لها هذه العناية بنشره

стр. 851

ونرجو أن تنشر غيره من آثار السلف النافعة. لطائف السمر في سكان الزهرة والقمر أو الغاية في البداية والنهاية وهو كتاب في ٢٨٠ صفحة لمؤلفه ميخائيل أفندي انطون الصقال الحلبي جعله على شكل رواية أخلاقية فتصور أنه رأى والده بعد وفاته في الرؤيا وقص عليه ما رآه في العالم الثاني أي في السماء والحقيقة أنه قص عليه حالة الأرض فتخلل ذلك كلام في المدينة الفاضلة والمدينة السافلة وأطور البشر وأخلاقهم ومنازعهم والديانات والنحل والمعتقدات كل ذلك في أبواب مخصصة وبعبارة سليمة فصيحة تخللها كثير من الشوارد اللغوية التي شرحها المؤلف في أسفل الصفحات فأجاد وأفاد في الاحتيال على بث الأفكار الصحيحة المعتدلة في ثوب عربي جميل. وهذا الكتاب يطلب من المكاتب الشهيرة في القاهرة بريال مصري. الأخبار أعاد هذا الشهر الشيخ يوسف الخازن إصدار جريدته الأخبار بعد أن حجبها مدة وأنشأ يصدرها في الصباح وهي الجريدة الصباحية الوحيدة باللغة العربية وصاحبها ممن تقلبوا في الصحافة كل مقلب وهو يحسن ما يقتضي لهذه الصناعة الشريفة من أدوات العلم العملي والنظري يضاف إلى ذلك حنكة وتجارب وبعد غور ونظر فلا عجب إذا رجونا أن يكون لصحيفته شان في الآداب عظيم وصوت في السياسة رخيم ولسان في صحة الأحكام قويم. الجريدة اسم لجريدة جديدة يومية أنشأتها شركة من أعيان القطر وأصدرتها هذا الشهر في بزة جديدة وطبع جميل وعهدت بإدارتها إلى أحمد بك لطفي السيد من رجال القضاء، وبإنشائها ومؤازرتها إلى جماعة من أهل الفضل والأدب كالسيد محمد رشيد رضا صاحب المنار الإسلامي وأحمد بك زكي ونجيب أفندي شاهين وعبد الحميد أفندي الزهراوي ويوسف أفندي البستاني وكامل أفندي دياب وغيرهم وهي تصدر كسائر جرائد العاصمة بعد الظهر. وقد تصفحنا الأعداد التي صدرت منها فرأيناها سليمة العبارة متينة التراكيب جيدة الموضوعات فرجونا لها أن تكون كجريدة الديبا الفرنسوية من حيث وفرة مادتها وصحة

стр. 852

عبارتها فإن الديبا وهي لشركة أيضاً ترمي إلى خدمة الآداب. وسبيل الجريدة في سياستها مع الحكومة سبيل المحاسنة التي لا تجر إلى ترك حق أو تزيين باطل وهي أجلى مظاهر الاعتدال الذي يجب أن يكون دعامة العلاقات بين أمة وبين حكومة كلتاهما في طور التكون. فعسى أن يكون منها ما يؤهلها لبلوغ الغاية النافعة التي يتوقعها أنصارها ومساهموها. وقد بلغ بالجريدة عدد الجرائد العربية اليومية في القطر ثلاث عشرة جريدة. زاد الله النافع القويم منها فإن هذا العدد يوجد في مدينة صغرى من مدن الغرب وأصغر جريدة من جرائد الولايات هناك تطبع أكثر من أكبر جريدة في عواصمنا. الاحياء مجلة في ثماني صفحات تصدر مرتين في الشهر في مدينة الجزائر وهي إسلامية أدبية إخبارية وقيمة اشتراكها ٤ فرنكات في الجزائر وتونس و٥ في الخارج وهذه أول مجلة على ما نعلم صدرت بالعربية في ذلك القطر فعسى أن تكثر فيه بعد ذلك الصحف والمجلات ويحذو إخواننا الجزائريون حذو إخواننا التونسيين في نشر المطبوعات العربية النافعة وإذا كان نقص ما يكتبونه محسوساً بادئ بدء فإن كثرة المران تجبر كل نقص. الريحانة هي مجلة تاريخية أدبية قصصية تصدر في منتصف كل شهر عربي لصاحبتها ومررتها جميلة خانم حافظ وقد قدمت لها مقدمة لطيفة في السعادة وغرض المجلة وفيها مقالات في التربية والتاريخ وتعليم المرأة وهذا هو أهم أبحاث المجلة وإن كل من عانى البحث في الشؤون العامة ليوافق الفاضلة صاحبة الريحانة على أن الرجال هم سبب تقهقر النساء في الآداب والعلم وإنهن لو تعلمن كما يتعلم الرجال أو أقل لسعدت الأمة الإسلامية كما سعد غيرها من الأمم المعاصرة. وقيمة اشتراك الريحانة ٣٠ قرشاً في مصر و١٠ فرنكان خارجها فنرجو لها التوفيق إلى ما تقصد إليه. أكثر الله من أمثالها العاملات.

стр. 853

سير العلم الحالة الاقتصادية في مصر كتب الدكتور الفريد أفندي عيد المالي الشهير تقريراً في الديون المعقودة على رهن في القطر المصري فقال إن فيه الآن خمسة مصارف تسلف النقود على رهن عقاري وهي المصرف الزراعي والمصرف العقاري وشركة الأراضي والرهنيات المصرية وصندوق واللندبنك وقد بلغ رأس مال المصرف الزراعي ٧. ٧١٥. ٠٠٠ جنيه ورأس شركة الأراضي والرهنيات المصرية ٨٧٧. ٥٠٠ جنيه ورأس مال صندوق الرهنيات العقارية ١٠ ملايين فرنك ورأس مال اللندبنك ٩٧٥ ألف جنيه هذا ما عدا قيمة السندات التي أصدرتها. وقال إن شركات التأمين الإنكليزية سلفت مليوناً وأربعمائة ألف جنيه وسلف جماعات أصحاب الأموال ثمانمائة ألف جنيه واستنتج أن سلف الأفراد بلغت ٥ ملايين و٤٤٥ ألف جنيه فيكون مجموع الديون المعقودة على رهن في المصارف وغيرها ٢٨ مليون جنيه و١٤٥ ألف جنيه ومجموع الأموال المستحقة للشركات العقارية التي باعت أراضيها على أقساط زهاء مليوني جنيه ومجموع الديون المستحقة على رهن ٣٨ مليون جنيه و٩٩٧. ٧٢٠ ج وقال إن تاريخ عقود الرهن في القطر يرد إلى سنة ١٨٧٦ وإن الرهنيات زادت قيمة الأرض وقدر الأموال التي سلفت على أرض البناء بمئة وخمسين مليون جنيه أما الأموال الموظفة فلم يرد جميعها من الخارج بل إن قسماً منها من أموال البلاد. المصارف الزراعية العثمانية نشرت نظارة المصارف الزراعية في البلاد العثمانية إحصاء بأعمالها عن سنة ١٣١٩ على الحساب الشرقي فقالت إنه كان عدد شعب المصارف في مراكز الولايات والألوية ٦٦ شعبة وعدد شعب الأقضية وبعض الألوية ٣١٤ شعبة وكان رأس مال هذه الشعب كلها ٣. ٧٧٧. ٥٠٠. ٨٤١ قرشاً وأقرضت هذه المصارف للفلاح العثماني ٣٠٦. ٨٢٤. ٣٢٢ قرشاً وبلغ عدد المقترضين ٩٦. ٠٧٤ مزارعاً وقد بيعت في مدة خمس عشرة سنة أراضي زهاء ٨١٠٠ فلاح لم يوفوا ما عليهم من الديون لتلك المصارف وبلغ عدد المستدينين من الفلاحين في ١٥ سنة أيضاً ٩٨١. ٣٤٩ شخصاً. وهذه المصارف الزراعية

стр. 854

في البلاد سهلت على الفلاح العثماني اقتراض المال في حين حاجته بفائه ستة في المئة كما سهلت المصارف العقارية في القطر المصري سبل استلاف النقود برهن العقارات فكان منها أن اغتنى ألوف من الناس ما كانوا يملكون من قبل إلا ما لا يذكر. أما في البلاد العثمانية فإن المصارف الزراعية أنقذت الفلاح بعض الإنقاذ من شطط المرابين وإجحافهم. إحصاء غريب كان في الولايات المتحدة في العام الماضي ٢٢٠٠٣٠ ميلاً من الخطوط الحديدية وبعد أن كانت منذ سنين زائدة عن حاجة البلاد أصبحت الآن تلك البلاد في أشد الحاجة إلى الاستكثار من هذه الخطوط ويلزمها على أقل تعديل ٧٥ ألف ميل أخرى ينفق عليها ١١٠٠ مليون ريال في السنة مدة خمس سنين وقد عجزت معامل أمريكا على كثرة استعدادها عن صنع ما يطلب منها من القاطرات والمركبات للخطوط الحديدية فإن أمريكا الشمالية يلزم لها من ذلك ٢٥٠ ألف مركبة في السنة وكان في أمريكا سنة ١٩٠٥ - ٤٧. ٣٥٠ قاطرة و٤٠. ٧١٣ مركبة و١. ٧٣١. ٤٠٩ مركبة لنقل البضائع وكان عدد من ركبوا القاطرات الحديدية إلى مسافة ميل فأكثر في تلك السنة ٢٣. ٧٠٠. ١٤٩. ٤٦ راكباً وبلغ ما نقل إلى مسافة ميل من البضائع ١٨٦. ٤٦٣. ١٩٠. ٥١٠ طنات. المعلمات والمعلمون تقول إحدى المجلات العلمية إن الحال إذا ظلت على هذا المنوال يُربّى أهل الجيل القادم في إنكلترا والولايات المتحدة على أيدي المعلمات بدل المعلمين فقد كان الرجال منذ خمسين سنة يديرون أربع مدارس ابتدائية في إنكلترا من كل خمس مدارس وفي سنة ١٨٧٠ تساوى عدد المعلمين والمعلمات أما اليوم فإنك ترى من كل أربع مدارس ثلاثاً يديرها النساء ويقدر عدد المعلمات في الجزائر البريطانية بعشرين ألف معلمة وعدد المعلمين بأربعة آلاف معلم. أما في أمريكا فإن قلة المشاهرات التي تدفع للمعلمات تحول دون إقبال ربات الحجال على التعليم. شقاء العمال وضعت مجلة أمريكا الشمالية مقالاً ضافياً وصفت فيه حالة العملة وما يصيبهم من العاهات الطبيعية والعملة هم القسم الأعظم من أهل الولايات المتحدة فقال إن سبب ذلك زيادة عدد

стр. 855

المحاويج وازدحام المدن بأقدام السكان وقلة الغذاء عند الفقراء والمساكين فلم يكن سكان المدن منذ مئة سنة في أمريكا أكثر من ٣ في المئة وقد أصبح اليوم ٤٠ في المئة وفي بعض الولايات أكثر من ذلك. وسبب هذا رغبة الناس عن سكنى القرى والمزارع وانهيالهم على المدن والعواصم لإدخال الأدوات في الأعمال الزراعية والاستغناء في أكثرها عن أيدي العاملين كما كان من قبل فاضطر أكثر الفلاحين أن يدخلوا المعامل في المدن وأن ينقطعوا عن الزراعة ولكن ما يقبضونه من المياومات لا يسد حاجاتهم الضرورية فيبيتون في أماكن رديئة الهواء تكثر فيها الأمراض والوفيات فإذا لم يهلكوا قبل سن الشيخوخة فإن معظمهم يصابون بأمراض بطيئة تزيد ضعفهم الطبيعي ضعفاً. وهذه الأسباب تنتج هذه النتائج في كل مكان ولاسيما في الولايات المتحدة فإن الحالة هناك أدهى وأمر. ولا سبيل إلى تلافي هذه الآفات إلا بان تجعل الرياضية الجسمية إجبارية في جميع المدارس وإن تضاعف أيام العطلة وأن يكره الأولاد على قضائها في الخلاء والبراري وأن تسير التربية الطبيعية هي التربية العقلية على نظام صحي وأن يحسن طعام الأولاد في المدارس. لحم الخيول نشرت أحد علماء الإسبان بحثاً في الدعوة إلى تناول لحم الخيول فقال إن من يدعي من الإسبانيين إنها قذرة رديئة لا توافق الصحة هو في ضلال مبين وإذا استعمل هذا الضرب من اللحم ولاسيما بين الطبقات النازلة يتبين لآكليه أنه من اللحوم اللذيذة الطعم كثير التغذية يقوي الجسم وقد استشهد على صحة رأيه بإحصاءات أكلة الخيول في الأمم ولاسيما في بروسيا التي ينمو فيها متناولوه وقال إن فرنسا لم تبدأ بتناول لحم الخيل إلا سنة ١٨٦٦ وكان بعض الفرنسيس قبل ذلك يتناولونه سراً على أن الجندي الفرنسوي في حرب القريم كان يؤثر لحم الخيل على لحم البقر أما الجندي الإنكليزي فكان يتقزز من تناوله قال وكيفية تقديم لحم الخيل على الموائد هي التي تحببه إلى النفوس أو تكرهه إليها وإن بعض الشرهين ليزعمون إن لسان الحصان لذيذ الطعم. المكاتب في نروج بحثت إحدى المجلات العلمية الهولندية في تاريخ المكاتب العامة في بلاد النروج فقال إنها

стр. 856

تُرَدُّ إلى أواخر القرن الثامن عشر وكان مبتدعها رجلاً اسمه سورت ارفلو خطر له أن يجعل كنبه القليلة في غرفة يطالع فيها الخاصة والعامة فمشى على أثره غيره من عشاق الكتب وشاركوه في هذا العمل النافع وأخذ الشاعر ورجلاند يبث هذه الفكرة في العقول بما وضعه من كراسة ذكر فيها ما ينال الشعب النروجي من النعم الجسام بتهيئة أسباب المطالعة له في الكتب العلمية الحقيقية فوضع بكتابته هذه أساس مكتبة عامة للشعب وأشار بالكتب النافعة التي ينبغي وضعها فوقع كلامه موقع القبول من القلوب فلم تمض سبع سنين على دعوته حتى صارت مكاتب الشعب هناك سنة ١٨٣٧ - ١٨٥ مكتبة منتشرة في طول البلاد وعرضها ويبلغ اليوم عددها نحو ثلثمائة والحكومة تنفق عليها ما يلزمها من النفقات. مدنية آسيا الوسطى ذكرت مجلة العالم الإسلامي الفرنسوية أن ضابطين إنكليزيين رحلا منذ مدة من بلاد الهند إلى بكين مارين ببلاد تُبت وتركستان الصينية فاكتشفا في طريقهما اكتشافات أثرية مهمة وكانت هذه الأصقاع وهي اليوم تكاد تكون غير مأهولة مهد مدنيات قديمة قويمة زال أثرها فكان بحث هذين الضابطين مذكراً بها. وساح عالم ألماني في الشمال الشرقي من تركستان فاكتشف بعد عناء ثلاثة أشهر نقوشاً على الحيطان ومخطوطات كتبت بالخط الناكاري والبرهمي وهي من خطوط آسيا الوسطى ومن هذه المخطوطات ما هو مكتوب بالخط الصيني والتبتي والتانغوتاني والسرياني والمانشوي والويكوري والتركي الأزرق ومنها ما كتب بلغة مجهولة غريبة ويطن أنها سريانية أو مشتقة منها. وأنت ترى في هذه الخطوط مجموعة من اللغات الآرية واللغات السامية يضاف إليها تلك اللغة التركية الزرقاء أقدم اللهجات التركية التي عرفت. والمخطوطات التانغوتانية من أنفس ما عثر عليه من هذه الآثار لأن هذه اللغة مشتقة من اللغة التبتية ومكتوبة بخط محرف من اللغة الصينية غريب في شكله ووضعه ولم تعرف هذه اللغة إلا برسوم كان عثر عليها منذ مدة. وقد كتبت بعض هذه الكتابات على ورق وبعضها على ورق البردي وبعضها على رق أبيض جميل وبعضها على خشب وفيها من الفوائد التاريخية واللغوية ما اغتبط به أهل البحث والعلم. ومما لفت الأنظار من هذه الآثار خصوصاً المخطوطات المانشوية المكتوبة باللغة الفارنسية الوسطى بحروف خاصة اخترعها في فارس ماني مؤسس المذهب المعروف به سنة ٢٧٠

стр. 857

ق. م وحلها موللر اللغوي في متحف خصوصيات الشعوب في برلين لأن هذه المخطوطات تؤكد ما كان لفارس من النفوذ العظيم في آسيا الوسطى ومما اكتشفه العالم الألماني عدد عظيم من الجثث لابسة ثياب كهنة بوذيين ماتوا صبراً في المعابد التي كانت لهم سجوناً وفي هذه الجثث إشارة إلى ما كان يجول في صدور الفاتحين الصينيين من الكراهة للديانة البوذية. والتماثيل المصنوعة من الجص هي تماثيل بوذا تدل على أنه كان للهند في تلك العصور نفوذ ممتد الرواق في الشرق الأقصى ويابان. التنويم الكهربائي جرب أحد أساتذة مدرسة نانت الطبية في فرنسا التنويم بالكهربائية بدلاً من التنويم بالكلورفورم فأسفرت تجربته عن نتائح حسنة فإن المنوم يبقى بدون حركة اختيارية ولا يحس بأي ألم يحدث له ويبقى في حال سبات مدة مرور المجرى الكهربائي عليه فإذا حُوّل عنه يقوم لساعته وجرب ذلك في الكلاب والأرانب. حفظ الثمار اخترعت وسائط لحفظ الثمار ومن أقربها تناولاً ما اخترعه أحد علماء الإنكليز وذلك بتغطيس الثمرة مدة عشر دقائق في محلول مؤلف من ٣ في المئة من محلول حامض النمل الصناعي (فورمول) فالثمار اللطيفة القشرة كالعنب والتوت الإفرنجي والكرز ينبغي أن تغسل بالماء الصافي بعد أن تجعل في ذلك المحلول أما الثمار الأخرى التي تقشر كالتفاح والكمثرى والدراق فلا لزوم لغسلها وتحفظ الثمرة بهذه الواسطة من ١٠ إلى ١٥ يوماً فإذا قطفت قليلة النضج تسافر بهذه الطريقة إلى البلاد الشاسعة ولا تنبعث منها رائحة. اللفافة الجديدة إن اللفافة التي اخترعها أحد رجال الإنكليز في العالم الماضي قد عرضت الآن في لندن وكثير من أمهات مدن الولايات المتحدة وهذه اللفافة لا تطوي الجرائد فقط بل تلصق عليها الطوابع وتربطها وتعلق عليها العناوين وتجعلها رزماً وأضابير. ويقول بعضهم إن هذه الآلة معقدة بعض التعقيد ولكنها لا تشغل مكاناً كبيراً وتغني عن استعمال مئات من الأيدي فتطوي في أقل من ساعة ألوفاً من الجرائد المعدة للإرسال وتربطها وترزمها وتناط بها آلة أخرى تمنع من وقوع سهو في عدد الأعداد المرسلة.

стр. 858

المعارف في مصر ظهر منذ أيام تقرير اللورد كرومر السنوي عن مصر والسودان لسنة ١٩٠٦ فمما قاله عن معارف مصر إن الاعتمادات المخصصة لها أصبحت الآن ٣٧٤٠٠٠ ج. م بعد أن كانت ١٩٧٠٠٠ ج. م سنة ١٩٠٣. وإن في القطر ٣٢ مدرسة ابتدائية راقية تحت تفتيش نظارة المعارف وكان مجموع تلاميذها ٧٥٨٤ مقابل ٦٨١٥ تلميذاً سنة ١٩٠٥ و٩٧ في المئة من التلاميذ المسلمون. وفي مصر ٢٠ مدرسة أخرى من هذا القبيل أرادت أن تكون تحت مراقبة نظارة المعارف وفيها ٤٦٩٠ تلميذاً وتقدم للامتحان في الدروس الابتدائية الأخيرة ١٦٣٤ طالباً تخرجوا من مدارسا لحكومة و١٧٣٦ تعلموا في مدارس خاصة أو درسوا في بيوتهم فقبل منهم ٩٠٤ تلاميذ فقط أو ٢٧ من مجموعهم ومن الذين نالوا الشهادة الابتدائية ٥٦٤ تلميذاً مازالوا يتممون دروسهم في مدارس الحكومة أو مدارس خاصة ومنهم ٢١٤ تلميذاً دخلوا في خدمة الحكومة و٢٦ أخذوا يتعاطون أعمالاً حرة لأنفسهم ومنهم ١٠٠ بقوا بلا عمل. وتقدم للشهادة الثانوية ٧٤٠ طالباً يقابلهم ٤٤٧ في سنة ١٩٠٥ فقبل منهم ٣٦٦ أو ٤٩ في المئة من مجموعهم وكان منهم ٢٥٦ أي ٧٠ في المئة مسلمين ومنهم ٢٧٧ مازالوا يدرسون في المدارس العالية و٧٢ دخلوا في خدمة الحكومة و١٢ استخدموا في أعمال خاصة و٥ ظلوا بلا عمل ونحو ٤١ في المئة من الطلاب المقبولين أخذوا أنفسهم بدراسة الحقوق و٢٦ في المئة درسوا الطب و٢٤ طالباً دخلوا دار المعلمين. وقال في كلامه على الكتاتيب أنه أنشئ في مدرية الدقهلية منذ أقل من سنتين ٢٢٨ كتّاباً من أموال الأغنياء ووقف عليها ما لا يقل عن ٣٠٩ أفدنة ما عدا المباني ولم ينشأ في خلال السنة الماضية في القطر سوى ٣٣ كتاباً جديداً وأصلح ٩٠ وكان عدد الكتاتيب في القطر سنة ١٨٩٨ - ٣٠١ كتاب فيها ٦٩٣١ صبياً و٨٩٨ بنتاً و٤٩٠ معلماً و٩ معلمات فأصبحت سنة ١٩٠٦ - ٤٤٣٢ - فيها ١٤٥. ٨٣٨ صبياً و١٠. ٧٠٤ بنتاً و٦٥٥١ معلماً و٣٣ معلمة وشكا من قلة إقبال النساء على أن يكن معلمات كما شكا من جهل المعلمين الموجودين في المدارس الابتدائية ونسب إليهم إخفاق التلاميذ في التقدم لنيل الشهادة. وقد بلغ عدد مدارس البنات ٢٠٩ وعدد التلميذات ١٣٧٠٥ وبلغ عدد البنات اللائي يذهبن

стр. 859

إلى كتاتيب الحكومة ٢١٣٥ وعدد اللائي يذهبن إلى الكتاتيب الأخرى ١٠٧٠٤ تلميذات وقال إن الأهالي أقبلوا على تعليم بناتهم والتوسع في تلقينهن علوماً أكثر من الأول. وتكلم على مدرسة الزراعة فقال إن فيها ٦٥ طالباً منهم ٣٨ مصريين و٢٧ مختلفة أجناسهم ومن هؤلاء المصريين ٢٩ من المسلمين. قال ولا يزال معدل المسلمين في هذه المدرسة قليلاً على زيادة فيه. وقال في كلامه على مدرسة الهندسة إن فيها الآن ٨٩ طالباً منهم ٥٨ مسلماً وقد دخل إليها ٤٠ طالباً في شهر سبتمبر الماضي منهم ٣٠ مسلماً فعدد الطالبين من المسلمين في هذه المدرسة يزداد سنة عن سنة. ولفت أنظار المصريين إلى تعليم أولادهم الهندسة وقال إن مصر محتاجة إلى مهندسين وطنيين وفيها أعمال كثيرة لهم. وذكر مدرسة الحقوق فقال: إن طلبتها الآن ٣٥٨ طالباً منهم ٢٦٣ مسلماً وقال إن الإقبال على تعلم الحقوق زاد منذ ست سنين. وقد نال شهادة الطب من المدرسة الطبية في القصر العيني ٢٠ طبيباً وتقدم للدخول فيها ٩٧ فقبل مهم ٥٣ طالباً، قال اللورد: إن عدد الأطباء قليل وإن الأمة بقدر ما تستنير تشتد حاجتها إلى الأطباء. وأشار في كلامه على مدرسة البيطرة إلى أن فيها ٣٠ طالباً وفي كلامه على مدرسة العميان أنها آخذة في التقدم والعطايا تنهال عليها وأن فيها ٢٧ طالباً داخلياً وانه اختلف إليها في السنة الماضية نحو عشرة أولاد كل يوم بصفة خارجية. وقال إن في مدرسة فيكتوريا في الإسكندرية ٢١٥ صبياً منهم ٧٩ إسرائيلياً و٧٩ مسيحياً و٥٧ مسلماً. وقال في كلامه على المعارف في السودان: إن في مدارس حكومتها ٤٣٠ تلميذاً منهم ٣١١ مسلماً و٢٥ قبطياً و٤ إسرائيليين وذلك ما عدا صبيان الكتاتيب، وإن قد أخذت تنشأ النتائج الحسنة من التعليم في السودان بعد أن رأى السودانيون أن منهم ٣٧ رجلاً تخرجوا في مدارس الحكومة فاستخدمتهم بعد في أعمالها. وأشار إلى كلية غوردون في الخرطوم فقال إن تلاميذها قلائل وإن خطتها تنشئة معاونين مهندسين ومساحين وأن تكون فيها مدرسة ثانوية ومدرسة ابتدائية. وأصبحت المدارس الابتدائي الراقية في السودان ست مدارس فيها ٧٦٢ تلميذاً. وفي مدرسة الصنائع التي هي فرع من فروع كلية غوردون ٢٥ خريجاً يتعلمون الصنائع المختلفة. ويؤخذ من كلام جناب اللورد أن الكتاتيب الخصوصية للذكور ضعيفة جداً في السودان على رغم تنشيط الحكومة لها وتكلم على مدارس المرسلين في

стр. 860

السودان وقال إن الحكومة السودانية لم تأذن لهم بإنشاء مدارس في الأصقاع السودانية المختلفة لأن الأهلين كلهم من المسلمين وغاية الأمر أنها ترخص لهم بإنشاء مدارس في الخرطوم حاضرة السودان لتكون هذه المدارس تحت مراقبة الحكومة ولأن فيها أولاداً لغير الطائفة الإسلامية. وعلى الجملة فإن القارئ يلاحظ معنا بعد تلاوة ما تقدم أن مصر والسودان يستحيل عليهما أن يبلغا في معارفهما مبلغ الحكومات الراقية في كثرة المتعلمين والمتعلمات قبل أن تمضي قرون إذا ظل العمل جارياً على هذا النحو في البطء. آثار الأفغان ذكرت إحدى المجلات الإنكليزية في الهند بحثاً لأحد رجال التاريخ والأثر كشف فيه الغطاء عن بعض ما اشتملت عليه أفغانستان من الشؤون التاريخية فقال إن أفغانستان تهم كلاً من الهند وفارس وإن اسمها كان على عهد خلفاء الإسكندر آري كما أطلق عليها آراشوزي وباروباميز ودارنجيان وكانت لها مدنية راقية وبعد أن انتقل منها العنصر اليوناني إلى بلاد الهند كانت كرسي مملكة الهند السيتية (السيت قبائل رحالة متوحشة كانت في الشمال الشرقي من أوروبا وفي الشمال الغربي من آسيا). وهناك اجتمعت أديان ثلاثة وهي المزدكية والبرهمية واليونانية. وإنك لترى إلى اليوم فرعاً من لغة الزاند سارية في لغة أفغان ومعظم أسماء المدن الحديثة من أفغانستان ورد في كتاب ديانة الفرس الأقدمين. أما كون بارسيس من المتشيعين لزرادشت في الهند استولى في غابر الدهور على بلاد الأفغان فذلك ثابت بما شوهد من أنقاض المعابد والحصون. النساء والاجتماع تكلم أحد الباحثين من الفرنسيس في مجلة العالمين الباريزية عن الأعمال التي تقوم بها النساء في فرنسا لتحسين أحوال بنات جنسهن فذكر من الجمعيات المفيدة اتحاد البيوت لمؤسستها الآنسة كاهيري فقال إن غايتها أن تلقي في ذهن أعضائها منذ سن الطفولية حب الإقدام والتبصر والتكافل وإن هذه الجمعية أقامت بيتاً يأوي إليه الأطفال من السنة الثانية ونصف إلى السادسة فيعلمون ما يعدهم لتلقي الدروس الابتدائية بعد ذلك من أسهل الطرق. وقد جرى العمل في هذا المأوى بمذهب فيبرل في التربية ومذهبه مؤسس على مبدأين عظيمين وهما تعلم الولد القراءة قبل أن يتعلمها في الكتب وأن يتعلم الرسم قبل أن يؤخذ

стр. 861

بتعلم الكتابة. والأسرة تدفع عن كل طفل من أولادها أو بناتها عشرة سانتيمات في اليوم وإذا أرادت تعليمه الرياضة البدنية فتدفع عنه أجرة ذلك ٢٥ سانتيماً في الشهر وتدفع خمسين سانتيماً عن كتب تقدم له في الشهر ومتى أحبت أسرته تعلميه الموسيقى تدفع عنه فرنكين في الشهر. ويتعلم البنات في هذا المأوى علم تدبير المنزل ويتلقين دروساً في الطبخ بحيث إذا أتقنها لا ينفقن أكثر من فرنك في اليوم عن كل شخص يراد إطعامه وإعالته. وهذه الجمعية تعلم ثمانمائة طفل ويجتمع آباء الأولاد وأمهاتهم كل شهر مع المعلمات المربيات ليتفاوضوا معهم في تربية أطفالهم. وفي سنة ١٩٠١ أنشئت في فرنسا أول مدرسة لتعليم تدبير المنزل أنشأتها امرأة من فضليات النساء وفي فرنسا اليوم خمسون مدرسة من مثل هذه فيها ١٢٠٠ تلميذ وتلميذة منها خمسة في باريز ويعلم في كل مدرسة ما يلزم للمختلفين إليها من الذكور والإناث وما يلائم حالهم وشأنهم. الذهب كان المستخرج من الذهب سنة ١٧٩٦: ٩٠٠ مليون فرنك فصار سنة ١٩٠٦ ملياراً و٨٠٠ مليون فرنك. إحياء الموتى اخترع أحمد علماء الأمريكان الأستاذ بو آلة كالمضخة الطلمبة التي تستخدم لإملاء إطار الدراجة بالهواء بعد تفريغه منه وقال إنه يحيي بها بعض الحيوانات كالأرانب والكلاب والجرذان وقد أجرى بالفعل تجارب من هذا القبيل فأفلح في تجرباته ويقول إنه يتمكن بآلته من إحياء من يموت من البشر مختنقاً أو مسموماً ويحيي من يموتون تحت البنج ويمنع موت الأطفال اختناقاً عند الولادة ويعيد السكارى إلى صحوهم بعد خمس دقائق ويحيي المصعوقين بالكهربائية إلى غير ذلك من الأعاجيب التي قام بها بعد اشتغال ٣١ سنة ودهش لها العلماء وصفقت لها مجامعهم وأنديتهم. محسنة أمريكية روت جريدة الهدي النيويوركية أن العقيلة رسل ساج أرملة أحد كبار أغنياء نيويورك (خلف لها زوجها ثمانين مليون ريال) قد منحت اليوم ١٠ ملايين ريال اختارت لتوزيعها نخبة من أفاضل جمهورية أمريكا وفاضلاتها وجعلت غايتها: - (١) تحسين حالة بيوت

стр. 862

الفقراء صحياً. (٢) مقاتلة السل في نيويورك وأمهات المدن بتعليم المسلولين كيف يشفون بالعمل في الخلاء وأكل بعض المغذيات والامتناع عن المسكرات والتدخين وتعليم أهلهم كيف يتقون الداء. (٣) إرسال أولاد الفقراء إلى البرية عند اشتداد الحر. (٤) جمع فضلات موائد الأغنياء لإطعام الجياع. (٥) مقاومة تدخين القاصرين. وتنوي هذه المحسنة إنفاق ما خلفه لها زوجها في مثل هذه السبل من أعمال الخير ونفع البشر. الأعمال العقلية - قال الدكتور فلوري في بحث له في المجلة الفرنسوية إن الإقلال من الطعام هو خير ما تداوى به مِعَد أرباب الأعمال العقلية الذين يقضون الساعات الطويلة محصورين في غرف ضيقة يعملون أعمالاً تهيج أعصابهم وتثير قواهم وأدمغتهم وأكثرهم معرضون لوجع المفاصل وضعف المجموع العصبي. وقد أحصى الطبيب المشار إليه ٣٣ رجلاً من أرباب الأعمال والأموال و٢٦ من المستخدمين في الإدارات و٢١ طبيباً فلم يظفر من بينهم بغير ٤ محامين ونقاشين ووكيل دعاوٍ واحد سالمين من الضعف مثل تعب الذاكرة وتشوش الفكر وضياع الإرادة والسويداء وقلة الهمة للعمل وغير ذلك. قال: وكل ذلك ناشئ في الأكثر من الإفراط في تناول اللحوم والخمور والالكحول والشاي والقهوة والدخان. وهو يصف لأرباب الأشغال العقلية إذا كانوا لم يصابوا بأعراض هذه الأمراض أن يقتصروا في الصباح على مائتي غرام من القهوة باللبن وقرصين بالسمن وعند الظهر أن يتناولوا قرصين بالسمن على شكل خبز ومئة إلى مئة وخمسة وعشرين غراماً من اللحم المشوي بدون صلصة وعلى بقول خضراء أو سلاطة مطبوخة وطعام من اللبن وكعكتين وفي المساء أن يتناولوا حساءً وفطائر أو بقولاً ناشفةً أو خضراء وفواكه مطبوخة وكعكتين بالزبدة وان يمتنعوا كل الامتناع عن الخمر والمشروبات الروحية على اختلاف أنواعها ويقللوا من القهوة. آلة للعمى يقال إن عالماً نرويجياً اخترع آلة توضع في عيون العمي فيبصرون ولكن لا بعيونهم كالمبصرين بل بتنبيه حواسهم. سحب الحمولات كان يجري النقل في أوروبا قبل اختراع السكك الحديدية على السفن في البحار والأنهار

стр. 863

والترع وكانت الأجور التي تؤخذ عن النقل قليلة بالنسبة وقد عادت ألمانيا اليوم إلى استعمال النقل في بعضه أنهارها الكبيرة على السفن التي تسير بالكهربائية وتقطر معها عشرات من السفن فثبت لها أن مليوني طن من الأثقال تكلف أجرة نقلها بالكهرباء مثل ما تكلف بالبخار وإذا تضاعف هذا العدد تقلل النفقة عشرين في المئة ولذلك ستحذو أكثر الحكومات حذو ألمانيا. واقي الحبوب اكتشف أحد علماء فرنسا اكتشافاً يقي الحبوب كالقرطمان والحنطة والشعير والذرة وغيرها من الآفات التي تطرأ عليها فتغيرها فخدم باكتشافه الزراعة خدمة لا تقدر بثمن. البحث في الأعماق لم يتمكن الباحثون في أعماق المحيط إلى بلوغ أكثر من ثلاثة عشر متراً فإذا جاوزوا هذا القدر واضطروا إلى النزول إلى عمق أكثر يستخدمون المسبار وقد اخترع أحد المهندسين آلة يستعملها الغطاس فتمكنه من الوصول إلى السفينة الغرقى في قعر البحر وبها ينزل إلى عمق مئة متر بسهولة وقد جرب هذا المهندس هذه الآلة المعدنية ١١٥ مرة فوفت بالغرض وتوفر على تجربة اختراعه خمس سنين فتم كماله أخيراً على ما يرام. وهذه الآلة تجدد الهواء من تلقاء نفسها بواسطة محركات كهربائية معلقة بها وتنير للغطاس طريقه بالكهربائية أيضاً. النزلة الصدرية ثبت لدى كبار الأطباء أن النزلة الصدرية تعدي كالسل والجذام وغيرهما من الأمراض وقد رأى أحدهم في لندن أن تصدر الحكومة أمرها إلى شركات السكك الحديدية بتطهير المركبات ونفض المخدات والمتكآت والمقاعد في عجلات الخطوط الحديدية بعد أن تسير مدة لأن جراثيم النزلة تعلق فيها لا محالة وقال إن المفرط في تناول الالكحول هو معرض للوقوع في هذا المرض أكثر من غيره وقال غيره إن المصاب بالنزلة إذا أقام في منزله خمسة عشر يوماً لم يخرج للناس يقل جداً المصابون بالنزلات الصدرية بقلة اختلاط السقيم بالسليم. جمعيات التعاون

стр. 864

عمت هذه الجمعيات أوروبا بأسرها ففي ألمانيا نحو ألفي جمعية من هذا النوع ومثلها في إيطاليا وفي الدانمارك ألف جمعية وللبلجيك من هذه الجمعيات أنواع وضروب نافعة وفي إنكلترا من هذه الجمعيات ألوف وأهلها ينفقون على البائس والفقير بألوف الألوف فقد قدر أحد كبار رجال الإنكليز العارفين إن الإنكليز أنفقوا على هذه الجمعيات ٧٥٦ مليون فرنك. اللحوم في فرنسا في إحصاء أخير أن فرنسا تكثر في هذه الأيام من تناول لحم الخيل ويقبل أهلها عليه أيما إقبال فإنك ترى في كل مدينة لها بعض الشأن من مدنها مسلخاً لذبح الخيول وقد أكلت مدينة باريس في السنة الماضية أربعين ألف حصان أي ثمانية أضعاف ما كانت تأكل منه سبع سنين. ولحم الخيل يساوي نصف لهم الضأن وإذا روقب أمر تقديمه لا يضر بالصحة أصلاً كما تقدم في غير هذا الموضع. ثروة الولايات المتحدة لو وزعت الثروة في الولايات المتحدة على الأفراد بالتساوي لأصاب كل أمريكي ١٢٣٥ دولاراً و٨٦ سنتاً وفي الولايات المتحدة ١٢٥ ألف رجل يبلغ مجموع ثروتهم ٣٣ مليار دولار فلو قسمت عليهم بالتساوي لأصاب كل واحد منهم ٢٦٤ ألف دولار وفيها ١ مليون و٣٧٥ ألف رجل يبلغ ثروتهم ٢٣ مليار دولار فلو وزعت عليهم بالتساوي لنال كل شخص منهم ١٦ ألف دولار وفيها ٥ مليون و٥٠٠ ألف شخص يبلغ مجموع ثروتهم ٨ مليارات و٢٠٠ مليون دولار فلو وزعت عليهم بالتساوي لنال كل فرد منهم ١. ٥٠٠ دولار وفيها ٥ ملايين و٥٠٠ ألف شخص يبلغ مجموع ثروتهم ٨٠٠ مليون دولار فلو وزعت عليهم بالتساوي لأصاب كل واحد منهم ١٥٠ دولاراً فهؤلاء ١٢ مليون و٥٠٠ ألف شخص من سكان الولايات المتحدة يستحقون أن يذكروا في التقويمات المالية العامة ويبقى ٧١ مليوناً من سكانها غير موجودين مالياً. أصدر المستر ركفلر المثري تقريراً مثبتاً بشرف كلامه أن ثروته لا تتجاوز ٣٠٠ مليون دولار وأن دخله السنوي من ١٥ مليوناً إلى ٢٠ مليون دولار. ومن الأغنياء المستر كارنيجي الذي تقدر ثروته بمبلغ ١٦٦ مليون دولار ومسزانلر واكر التي تقدر ثورتها بمبلغ ١٣٠ مليوناً ويليهما عدد كبير ممن تقدر ثورة الواحد منهم بمئة

стр. 865

مليون دولار كفندربلت وغيره وكل هؤلاء عاملون على زيادة ثروتهم لا على تفريقها فهم يملكون المناجم والسكك الحديدية وأكثر الشركات التجارية وتقدر ثرواتهم مجموعة بمبلغ ٤٠ مليار دولار حال كون الأموال المبذولة في سبيل الخير في الولايات المتحدة كلها تقدر بأربعين إلى خمسين مليون دولار وليست إلا مبلغاً جزئياً بالنسبة إلى دخل الأغنياء وليست كلها مجموعة منهم. عن الهدى بتصرف.

стр. 866

العدد ١٦ - بتاريخ: ١٥ - ٥ - ١٩٠٧

стр. 867

تبذير الكبراء الإسراف الغالب آفة من آفات الحضارة ولا إسراف إذا لم توجد حضارة وعلى نسبة حضارة الأمة وغناها يكون في الأكثر بذخها وإسرافها وإن شئت فقل إسراف أهل البسطة والغنى. مثاله ما نسمعه لهذا العهد عن ديار الغرب وإيغال الموسرين من أهله في الإنفاق على كل ما طاب وحلا وبهرج وزخرف فينفق الفرد في الشهوات والتبرج ما يكف لإعالة عشرات الألوف أعواماً. وتأتينا عنهم أنباء لا تكاد تصدق لولا تناصرها واتفاق المشاهدين لها عياناً على إثبات ما يقال ويروى. ولو استقريت تاريخ الأمم لرأيت الشيء الكثير من ذلك قبل ألوف من السنين وآخر من انتهت إلينا أخبار ترفهم الرومان واليونان لما بلغت الحضارة بينهم حدها. وهذا الشرق أيضاً ما خلا في كل دور من أدواره من مسرفين كانوا إخوان الشياطين وإسراف اليوم يختلف عن إسراف أمس فإنه كان في غابر الأحقاب مقصوراً على رجال الدول والكلمة النافذة عند الملوك والسلاطين أما اليوم فالإسراف يكون من الرعاة والرعاية معاً خصوصاً بعد أن انتقلت الثروة إلى الأفراد. وتاريخ العرب لم ينقل إلينا سوى أخبار الأمراء والملوك وما عني المؤرخون بنقل أخبار الأفراد من الأغنياء ولذلك كان علينا إذا رغبنا أن نستشهد تاريخنا ونبحث في حالتنا الاجتماعية في القرون العابرة أن نقتصر على إيراد ما انتهى إلينا علمه من أخبار أولئك العظماء وهي لا تخلو من عبرة وتسلية. خذ لك أمثلة لا تستغرب بعدها زوال الممالك الشرقية وتقرأ فيها نموذجاً من تفننهم في دورهم وقصورهم وأفراحم ومجتمعاتهم. فقد رأت الرميكية زوج المعتمد بن عباد الأندلسي الناس يمشون في الطين فاشتهت المشي فيه فأمر المعتمد فسحقت أشياء من الطيب وذرت في ساحة القصر حتى عمته ثم نصبت الغرابيل وصب فيها ماء الورد على أخلاط الطيب وعجنت بالأيدي حتى عادت كالطين وخاضتها مع جواريها وغاضبها في بعض الأيام فأقسمت أنها لم تر منه خيراً قط قال ولا يوم الطين فاستحت واعتذرت. ولما اقتعد ابن أبي عامر الذروة في أيام الحكم الأندلسي صنع قصراً من فضة لصبح أم هشام وحمله على رؤوس الرجال فجلب حبها بذلك وقامت بأمره عند سيدها الحكم وحدث الحكم خواصه بذلك وقال إن هذا الفتى قد جلب عقول حرمنا بما يتحفهم به. وكان في دار القاهر بالله عشرة آلاف خادم من الخصيان ويفرق الضحية من الإبل والبقر

стр. 868

أربعين ألف رأس ومن الغنم خمسين ألف رأس. وكان عز الدولة بن بويه متوسعاً في الإخراجات والكلف وكان يتناول أحد الموظفين بإيقاد الشمع أمامه ألف من في كل شهر. ولما بعث ملك الروم يتوعد المستكفي بالله بالقتال استعرض عسكره فكان جملة العسكرة المصفوفة مائة ألف وستين ألفاً ووقف الغلمان بالزينة والمناطق الذهبية وكذلك الخدم والخصيان ووقف الحجاب وكانوا سبعمائة وزينت دار الخليفة بالمستور والبسط فكانت جملة الستور المعلقة ثمانية وثلاثين ألف ستر من الديباج المذهب وكانت جملة البسط اثنين وعشرين ألف بساط وكان في جملة الزينة شجرة من ذهب وفضة تشتمل على ثمانية عشرة غصناً وأوراقها من ذهب وفضة وأغصانها تتمايل بحركات موضوعة وعلى الأغصان طيور خضر من ذهب وفضة ينفخ الريح بها فيصفر كل طير بلغته. وحكى الصابي عن بعض الرسل قال: دعينا إلى باب مسعود يعني ابن محمود بن سبكتكنين بغزنة فشاهدنا بالباب أصناف العساكر وملوك جرجان وطبرستان وخراسان والهند والسند والترك وقد أقيمت الفيلة عليها الأسرة والعماريات الملبسة بالذهب مرصعة بأنواع الجواهر وإذا بأربعة آلاف غلام مرد وقوف سماطين وفي أوساطم مناطق الذهب وبأيديهم أعمدة الذهب ومسعود جالس في سرير من الذهب لم يوضع على أرض مثله وعليه الفرش الفاخرة وعلى رأسه تاج مرصع بالجواهر واليواقيت وقد أحاط به الغلمان الخواص بأكمل زينة ثم قام مسعود إلى سماط من فضة عليه خمسون خواناً من الذهب على كل خوان خمسة أطباق من ذهب فيها أنواع من الأشربة فساقهم الغلمان ثم قام مسعود إلى مجلس عظيم الأقطار فيه ألف دست من الذهب وأطباق كبار خسروانية فيها الكيزان وعلى كل طبق زرافة ذهب وأطباق ذهب فيها المسك والعنبر والكافور وأشجار الذهب مرصعة بالجواهر واليواقيت وشموع من ذهب في رأس كل شمعة قطعة من الياقوت الأحمر تلمع لمعان النار وأشجار العود قائمة بين ذلك وفي آخر المجلس رحى من ذهب تطحن المسك والكافور والعنبر وفي جوانب المجلس بحيرة في جوانبها من الجواهر والعنبر والفصوص شيء بقصر الوصف عنها وذكر أشياء أخر تحير الأسماء والأسماع - قاله ابن فضل الله العمري في مسالك الأبصار. ومما يعد في باب ترف الكبراء وسرفهم ما رواة المقريزي من أعذار (طعام الختان) بني

стр. 869

ذي النون ملوك طليطلة من الثغر الجوفي في الأندلس وكانت لهم دولة كبيرة وبلغوا في البذخ والترف إلى الغاية ولهم الأعذار المشهور الذي يقال هل الأعذار الذنوبي وبه يضرب المثل عند أهل المغرب وهو عندهم بمثابة عرس بوران عند أهل المشرق. وبوران هي ابنة الحسن بن سهل امرأة المأمون قالوا لما دخل إليها نثرت عليه جدتها ألف لؤلؤة من أنف ما يكون فأمر المأمون بجمعه فأعطاه بوران ثم أوقد تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون مناً (رطلاً) وقالوا أن المأمون لم يرقه هذا الإسراف وقال فيه. وأقام المأمون في معسكر الحسن سبعة عشرة يوماً يعد له كل يوم ولجميع من معه ما يحتاج إليه وخلع الحسن على القواد مراتبهم وحملهم ووصلهم وكان مبلغ ما لزمه خمسين ألف ألف درهم وكتب الحسن أسماء ضياعه في رقاع ونثرها على القواد فمن وقعت بيده رقعة منها فيها اسم ضيعة بعث فتسلمها وأوعز إلى النوتية بإحضار السفن لإجازة الخواص من الناس بدجلة من بغداد إلى قصور الملك بمدينة المأمون لحضور الوليمة فكانت الحراقات المعدة لذلك ثلاثين ألفاً أجازوا الناس بها أخريات نهارهم. والمتتبع لهذه الأخبار يعثر منها على الكثير ولاسيما في أيام مباهاتهم وولائمهم وأعراسهم فقد روى المؤرخون أن أبا الجيش خمارويه بن طولون صاحب مصر لما زوّج ابنته أسماء للمعتضد بالله العباسي على صداق قدره ألف ألف درهم جهزها أبوها بجهاز لم يمل مثله حتى قيل كان لها ألف هارون ذهب وشرط عليه المعتضد أن يحمل كل سنة بعد القيام بجميع وطائف مصر وأرزاق جنودها مائتي ألف دينار ويقال إن المعتضد أراد بزواجها افتقار الطولونية وكذا كان. وذكر ابن الأثير في حوادث سنة ثمانين وأربعمائة كيف نقل جهاز ابنة السلطان ملهشاه السلجوقي إلى دار الخلافة على مائة وثلاثين جملاً مجللة بالديباج الرومي وكان أكثر الأحمال الذهب والفضة وثلاث عماريات وعلى أربعة وسبعين بغلاً مجللة بأنواع الديباج الملكي وأجراسها وقلائها من الذهب والفضة وكان على ستة منها اثنا عشر صندوقاً من فضة لا بقدر ما فيها من الجواهر والحلي وبين يدي البغال ثلاثة وثلاثون فرساً من الخيل الرائقة عليها مراكب الذهب مرصعة بأنواع الجواهر ومهد عظيم كثير الذهب وسار بين يدي الجهاز سعد الدولة كوهرائين والأمير برسق وغيرهما ونثر أهل نهر مغلى عليهم الدنانير والثياب وكان السلطان قد خرج عن بغداد متصيداً ثم أرسل

стр. 870

الخليفة - المقتدي بأمر الله - الوزير أبا شجاع إلى تركان خاتون زوجة السلطان وبين يديه نحو ثلثمائة موكبية ومثلها مشاعل ولم يبق في الحريم دكان إلا وقد أشعل فيها الشمعة والاثنتان وأكثر من ذلك وأرسل الخليفة مع ظفر خادمه محفة لم ير مثلها حسناً وقال الوزير لتركان خاتون سيدنا ومولانا أمير المؤمنين يقول إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وقد أذن في نقل الوديعة إلى داره فأجابت بالسمع والطاعة وحضر نظام الملك فمن دونه من أعيان دولة السلطان وكل منهم معه من الشمع والمشاعل الكثير وجاء نساء الأمراء الكبار ومن دونهم كل واحدة منهن منفردة في جماعتها وتجملها وبين أيديهن الشمع الموكبيات والمشاعل يحمل ذلك جميعه الفرسان ثم جاءت الخاتون ابنة السلطان يعد الجميع في محفة مجللة عليها من الذهب والجواهر أكثر شيء وقد أحاط بالمحفة مائتا جارية من الأتراك بالمراكب العجيبة وسارت إلى دار الخليفة وكانت ليلة مشهودة لم ير ببغداد مثلها فلما كان الغد أحضر الخليفة أمراء السلطان لسماط أمر بعمله حي أن فيه ألف منّ من السكر وخلع عليهم كلهم وعلى كل من له ذكر في العسكر وأرسل إلى الخاتون زوجة السلطان وإلى جميع الخواتين وعاد السلطان من الصيد بعد ذلك. وهكذا كانت أعمال أولئك الرجال تصدر عنهم بلا روية ولا حساب لأن الرعايا والبلاد والثروة كانت لهم يتصرفون فيها بما يشاؤون وأين هذا الترف من ذاك الاقتصاد الذي أثر عن عمر بن عبد العزيز وقد أمر جليسه رجاء بن حيوة أن يشتري له ثوباً بستة دراهم فأتاه به فجسه وقال هو على ما أحب لولا أن فيه ليناً قال رجاء: فبكيت قال: فما يبكيك قال: أتيتك وأنت أمير بثوب بستمائة درهم فجسسته وقلت هو على ما أحب لولا أن فيه خشونة وأتيتك وأنت أمير المؤمنين بثوب بستة دراهم فجسسته وقلت هو على ما أحب لولا أن فيه ليناً فقال: يا رجاء إن لي نفساً تواقة تاقت إلى فاطمة ابنة عبد الملك فتزوجها وتاقت إلى الإمارة فوليتها وتاقت إلى الخلافة فأدركتها وقد تاقت إلى الجنة فأرجو أن أدركها. وقال: قوّمت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو يخطب باثني عشر درهما وكانت قباءً وعمامة وقميصاً وسراويل ورداءً وخفين وقلنسوة. بل أين ذاك الإسراف من زهد نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام وديار الجزيرة ومصر فإنه كان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف إلا في الذي يخصه من ملك كان له قد

стр. 871

اشتراه من سهمه من الغنيمة ومن الأموال المرصدة لمصالح المسلمين ولقد شكت إليه زوجته الضائقة فأعطاها ثلاث دكاكين في حمص كانت له يحصل لها منها في السنة نحو العشرين ديناراً فلما استقلتها قال: ليس لي إلا هذا وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمين لا أخونهم فيه ولا أخوض نار جهنم لأجلك. وكذلك كان خليفته صلاح الدين يوسف بن أيوب فإن كان على كثرة فتوحه وبسط يده على ذخائر وكنوز عظيمة لم يدخر منها شيئاً وفرقه في وجوه المبرات وإقامة المعالم الخيرية حتى إذا لحق بربه لم يخلف في خزائنه غير دينار واحد صوري وأربعين درهماً ناصرية ولما بنى له أحد رجاله في دمشق قصراً مشرفاً بهجاً وبخه على عمله ولم يرض أن يسكنه لما أنفق عليه من النفقات الفاحشة. وبالجملة فتاريخ الأمة ينعي على المسرفين أعماله كما ينادي بالثناء على المقتصدين من رجالها فإن جاء مثل ابن عباد وابن أبي عامر والقاهر والمستكفي والحسن بن سهل فقد جاء أمثال عمر بن عبد العزيز ونور الدين وصلاح الدين وكل منهم ذكر بعمله ولقي جزاءه في قصده وإسرافه. الانتحار سلامٌ على الدنيا سلام مودع ... رأى في ظلام القبر أنساً ومغنما

стр. 872

الانتحار وأسبابه الانتحار قل النفس. ولا يعمد المرء إليه حتى تضيق به الدنيا أو تضيق به نفسه. ولا يبعث الإنسان على الانتحار باعث أشد من ضياع أمل له كان يعلل به قلبه أو نعمة زالت كان يمرح في نعيمها أو مال فقده على غير رغبة منه أو أسر وقع فيه وهو لا يرجو منه فكاكاً أو ذنب جناه ولا يرى له من الجزاء عليه خلاصاً أو غرام كوى فؤاده وهو لا يرجو أن يطفئ ناره بماء الوصال. وهناك باعث أشد من تلك البواعث وأعني به سوء التربية ونقص التهذيب. فإن النفس الساذجة كالسيف البتار الذي أغفلته الصياقل أو كالحجر الكريم ولا يبدو بهاؤها حتى يزيل صدأه العامل الحاذق فيبهر الأبصار بنوره. والتهذيب يصقل النفوس ويظهر الفضيلة الكامنة. وإنك ترى أخا الجهل إذا ثارت برأسه سورة الغضب ولم يكن الانتقام طوع بنانه أو أحب حباً أخذ برشده وغشى على بصيرته ولم ينل إربه أو فقد مالاً قليلاً تعب في الحصول عله يضيق به عقله ويقتل نفسه بيده. الحكماء والانتحار وأبعد الناس عن قتل النفس أهل الحكمة والعلم فإنهم يرون الانتحار جبناً وضعفاً في العزيمة ووهناً في الهمة. وهم إذا لم يبلغوا مناهم عادوا فأملوا وإذا زالت نعمة كانوا يرفلون في حللها قنعوا بآثارها وأن فقدوا مالاً فالمال أدنى ما يتطلبون وإن نالهم أسر علموا بان لكل شيءٍ مدة وتنقضي ... ما غلب الأيام إلا من رضي وهم أشد الناس إحجاماً عن الذنوب فأنى لهم أن يجرموا فيحتويهم القنوط؟ أريد بأهل الحكمة أولئك الذين نالوا من العلم منالاً كبيراً فأسفرت لهم الحقيقة وعلموا بخلود النفس. الفلاسفة الماديون والانتحار ومن المفكرين فريق لا يقول بالنفس والخلود ويرون إن الموت نهاية كل حي. وهذا الفريق يؤثر الموت على الحياة والفناء على البقاء ويرى أن الحياة شر وتعذب وفي الموت كل الراحة والهناء. ومن أنصار هذا الفريق فريق الماديين وهم يقولون بأن النفس بدعة لا

стр. 873

وجود لها وإن الكون خلق من المادة. إنما توجد في الخلق الحياة بالحركة وغيرها من القوى الكامنة في المادة. ومنهم الدهريون القائلون بأن العالم أرحام تدفع وأرض تبلع. وإن المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم وإن أمر الإنسان في حياته موقوف على صروف الزمان. هؤلاء بأسرهم يقولون بتفضيل الموت على الحياة ويرون أن الحياة ذنب جناه الناس على النسل. وقد نشأت هذه المبادئ عند الفرس واليونان وغيرهم من الأمم التي أتى عليها الزمان. فلما أشرقت شمس الحكمة في الغرب وأينعت أزهار المدنية الحديثة قام من الغرب أناس يدعون إلى تلك المذاهب وألبسوها لباس الغلو الشديد. حتى حدث الحال ببعضهم أن أسسوا جمعيات بعد أن ائتمروا بينهم على الانتحار بالتعاقب فينتظم الفرد في سلكها على أن يقتل نفسه إذا انتهى إليه الدور وأصابته النوبة. الجهلاء والانتحار وترى الجاهلين وهم لم يسمعوا بالخلود ولم يعوا بأن لم نفوساً زكية لها بالخالق اتصال ولم يعلموا بمبدأ الماديين ولم يبلغهم مذهب الدهريين إذا سئموا تكاليف الحياة (وأي الرجال لم يسأم؟) عمدوا إلى نفوسهم فاختطفوها من بين جنوبهم وهم على يقين من أنهم يلقون عذاباً أليماً قائلين ولعذاب الآخرة خير لنا من تكاليف الأولى. كتاب القصص والانتحار يلعب كتاب القصص بالنفوس لعباً. ويندر أن تقع لك لا تنتهي بقتل نفس ليأس استحوذ على رجل أو حب أحدث في قلبه جنوناً. ولقد تنال تلك الصغائر من صغار العقول منالاً كبيراً فتمهد لهم السبيل إلى ارتكاب ما يرتكبون. على أنه ليس في كتاب (ألف ليلة وليلة) وهو أشهر القصص في لسان العرب قصة تنتهي بقتل النفس. وقد يقاسي أحد أبطال ذلك الكتاب أهوالاً تشيب لها الولدان ولا يخطر على قلبه قتل نفسه. وأخبار العرب في كتب الأدب وهي كثيرة غزيرة فيها أخبار الحرب والغرام والثأر والانتقام لا تجد فيها خبراً ينتهي بقتل النفس. إنما تسرب إلينا الاقتداء بإبطال القصص في قتل النفس من تلك القصص الغربية التي يتحفنا بها المعربون.

стр. 874

فن التمثيل والانتحار وإنك لا تشاهد رواية مؤلمة حتى تجد لقتل النفس فيها أثراً كأنه هو ما يعمد إليه الناس وقت ضيقهم وهم لا يعمدون إلى خالقهم أو يثوبون إلى رشدهم. وأشد تلك الروايات في النفس وقعاً رواية (شهداء الغرام) وخلاصتها أن فتى يعشق فتاة. ويقف العداء في سبيل قربهما. ثم يحدث أنه يقتل قريباً لها فينفيه الملك فتحزن عليه حبيبته وتجرع كأساً ينالها بعد سبات عميق فيدفنها أهلها. ويأتي حبيبها إلى قبرها زائراً على غير علم بأنها لا تزال حية ترزق. وإذا ما رأى قبر حبيبته ورأى جمالها الفتان قد ذبلت زهرته يجرع سماً زعاقاً فيخطف روحه الموت الزؤام وتفيق حبيبته من سباتها فيأخذ بصرها حبيبها فتراه جثة خامدة قد أطفأ الموت شعلتها فتقتل نفسها. وغير هذه من روايات شكسبير رواية القائد المغربي. فإنه تلحقه غيرته على امرأته من رجل غريب ويوقع بينه وبينها رجل من أهل الشر والفساد فيخدم أنفاسها. ثم يحصحص الحق ويدري بأنها بريئة وأن شرفه سليم لم ينله أذى فيقتل نفسه غيظاً من نفسه. ومن روايات فيكتور هوجو رواية طبق الخافقين ذكرها واشتهر أمرها بين أهل الفضل والأدب اسمها (رويبلاس) وخلاصتها أن أميراً من أمراء الإسبان رأى أن الملك صائر إلى الزوال لأن الملك كان كثير التنقل والارتحال والملكة من ربات الجمال فأتى في بعد الملك بغلام من السوقة بهي الطلعة وقال إنه أخوه فأحلته الملكة محل الإكرام والتبجيل. وأحب الغلام الملكة حباً مبرحاً هذب نفسه ولطف من خلقه وسما به سمواً كبيراً. ورأى رويبلاس الوزراء يوماً يتفاوضون فيما بينهم على مال المملكة فعنفهم فسمعته الملكة فأحبته وقربته إليها. ولما علم الأمير المحتال بذلك جمع بينهما تحت مدارع الظلماء على غير علم منهما بقصده ثم فاجأهما ووصم الملكة بوصمة العار وذلك لتتخلى عن الملك ويتفرد به. فعز الأمر على رويبلاس وخلع لباس الأمراء وقال إنك لقيت الملكة مع غلام من بطانتها ولم تجدها مع أمير يظن به وبها السوء. فذعر الأمير الكبير لفعله فأخذ الغلام بسيفه وقتل به الأمير ثم جرع السم فارتاعت الملكة وصرخت بملء فيها (رويبلاس) فيقول وهو يتضاءل بين يدي الموت: مولاتي الرحمة والرضوان

стр. 875

ثم يغلبه الموت على أمره. قصيدة من الشعر وحرام على حافظ إبراهيم أن ينظم قصيدة تهيج النفوس الساكنة وتحرك الشر في القلوب وتحمل من نالت منه الخطوب على أن يقتل نفسه إذا قال حفظ الله نفسه: سعيت إلى إن كدت أنتعل الدما ... وعدت وما أعقبت إلا التندما سلامٌ على الدنيا سلام مودع ... رأى في ظلام القبر أنساً ومغنما أضرّت به الأولى فهام بأختها ... وإن ساءت الأخرى فويلاه منهما فهبي رياح الموت نكبأ واطفئي ... سراح حياتي قبل أن يتحطما فيا قلب لا تجزع إذا عضك الأسى ... فإنك بعد اليوم لن تتألما ويا عين قد آن الجمود لمدمعي ... فلا سيل دمع تسكبين ولا دما ويا صدر كم حلت بذاتك ضيقة ... وكم جال في أنحائك الهم وارتمى فهلا ترى في ضيقة القبر فسحة ... تنفس عنك الكرب إن بت مبرما أكابر الرجال والانتحار ولقد قام فريق من أهل الطب وقالوا بان الجنون أقوى أسباب قتل النفس. وعارضهم في ذلك آخرون وقالوا بأن من يحفظ التاريخ ذكر انتحارهم كانوا من أعقل الناس وأكبرهم نفوساً. ومن هؤلاء الرجال العظام الذين سعوا إلى حتوفهم بأظلافهم وخطفوا أرواحهم بأسيافهم القائد القرطجني الشهير هنيبال فإنه بعد أن هزم جنود الرومان شر هزيمة عاد فأفل نجم سعده ورافقته الخيبة ولازم جنده الفشل وانهزم. فأوي إلى ملك يحتمي به ثم لم تطق نفسه أن تبقى على الذل فانتحر. ومنهم كاتو القائد الروماني الشهير. وكان ذلك القائد من أنصار بومبيوس الذين يمتون إليه بحبل الصداقة والإخلاص وكان من المتألبين على قيصر العاملين على انخذاله فلما أخلفت الأيام ظنه وبات قيصر والنصر حليفه واندحر بومبيوس وأنصاره شق الأمر على كاتو وأبت نفسه أن يبقى على الضيم فطعن نفسه بخنجره طعنة أودت بحياته. ومنهم أوتو القيصر الروماني الكبير الذي تألبت عليه جنود الألمان وردوه مخذولاً محسوراً

стр. 876

فأبت نفسه العار واختار الصارم البتار. ووجد عليه أهل مملكته فقتل كثير منه نفوسهم حزناً وأسى. ومن له إلمام بالتاريخ الحديث يذكر أن فريدريك الكبير بعد أن ظهر على أعدائه ظهوراً كبيراً عاوده النحس ولزمه الفشل وتألبت عليه ثلاث دول كبرى وتخلى عنه محالفوه فاحتواه اليأس ونال منه القنوط وعمد إلى الانتحار. ولكنه عاد فغلبته على أمره بقية عزيمة فيه وتحول عن قتل نفسه بنفسه. نابليون لم ينتحر ولا يسعنا إلا أن نذكر نابليون ذلك الملك الكبير صاحب الحروب والغارات ورب القتال الذي نال من الأمم ما لم ينله الإسكندر أو هنيبال فإنه بعد أن كان من أمره ما كان وأسرته إنكلترا مالكة البحار وقذفت به إلى تلك الجزيرة القصية التي يحيط بها بحر الظلمات إحاطة المطبق بالأسير وبقي فيها في ذل وانكسار تحت حكم رجل جاف الطبع غليظ القلب لا يعبأ بأكاليل النصر ولا تهمه تيجان الفخار ست سنين طوال لم يدر في خلده أمر الانتحار. فما أكبر تلك النفس في النصر والأسر. انتحار المرأة والرجال الذين يقتلون نفوسهم أكثر من النسوة اللاتي يقترفن الانتحار لأن الرجل أقرب إلى متاعب الحياة وهمومها وهو الذي يلقى آلام العيش ويذوق أصناف العذاب فهو الهارب الطالب الراغب الراهب الهالك النادب. وهو الذي يخوض غمار معترك الحياة فإما فائزاً منصوراً أو مخذولاً محسوراً. أما المرأة فهي سيدة الرجل ومليكة قلبه يسعى ليأتيها برزقها وينصب ليصونها من الشقاء فهي أبعد منه عن مصائب الدهر وطوارئ الحدثان. وإنك لترى أن النساء لا يعمدن إلى الانتحار فراراً من فقر أو هرباً من عار أو حرصاً على شرف من أن تناله يد الأذى أو حزناً على مال مضيع أو أسفاً على نصر عقد للأعداء لواؤه ولكن لحب دب في النفي دبيب الجنون في العقل أو غيرة نالت من قلوبهن ما تناله النار من الحطب. وكأن المرأة لا تزال تخشى على جمالها من أن تذبل زهرته حتى بعد الموت فهي تقتل

стр. 877

نفسها بما لا يمس حسن وجهها فتعمد إلى السم أو الغرق. وأشهر من قتلن نفوسهن من النسوة الملكة كلوبطرة. فإنها بعد أن مات عشيقها (انطونيوس) وأمست الدنيا في عينيها أضيق من سم الخياط عمدت إلى قتل نفسها. فدعت إليها وصيفة لها وقالت ألبسيني حلة الملك وضعي فوق رأسي تاج السلطان فقد آن لي أن أموت وكنت أهوى أن كون من الخالدات أما الآن فما أسهل الموت وما أحلاه وما أمر العيش وما أقسى الحياة. آه. . . إني أكاد أسمع صوت حبيبي وهو يدعوني إليه. وأراه يهم بنفسه فإذا رآني أسعى نحوه تبرق أسرته. ثم أخذت بالحية وقالت إلي أيتها الحية الفانية حلي عقدة حياتي. ووضعت بها على صدرها وحنت عليها حنو أم مرضع ففغرت الأفعى فاها كأنها تبسم لها ورضعت من ثديها ماء الحياة. . . ولما جنت أوفليا عشيقة همليت عمدت إلى قتل نفسها فأرخت غدائر فرعها ووضعت فوق رأسها إكليلاً من الزهور وسعت إلى غصن شجرة على شاطئ البحر وجلست عليه وأخذت تهز بنفسها طرباً ما تهتز الطيور على الأغصان وهي تشدو وتغرد فلم يقو الغصن على حمل قدها وهوى بها فعانقها الموت على صدر الماء. على أن هناك سبيلاً إلى الموت أيسر من السم والغرق. روى رجل أن فتاة سلكت ذلك السبيل قال: ودفعنا بالباب فهبت علينا من الحجرة روائح الأزهار وعطر الرياحين ونظرنا إلى الفراش فإذا به مثقل بالفل والياسمين والورد والنسرين. وبصرنا بالفتاة وهي بني خمائل الزهور وقد نامت ملء جفونها ولكن ورد خدودها لم يذبل فخلناه بعض الزهور الزاهرة. الانتحار داء من أدواء المدنية قال ابن خلدون: إن البداوة أقرب إلى الخير من الحضارة وسبب ذلك أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير أو شر وأهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها قد تلوثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه. وأهل البدو وإن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنه في المقدار الضروري لا في الترف ولا في شيء من أسباب الشهوات واللذات ودواعيها فعوائدهم في معاملاتهم على

стр. 878

نسبتها وما يحصل منهم من مذاهب السوء ومذمومات الخلق بالنسبة إلى أهل الحضر أقل بكثير فهم أقرب إلى الفطرة الأولى وأبعد مما ينطبع في النفس من سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة وقبحها. ونزيد على قول ذلك العالم الجليل إن في جسم الحضارة شوائب وأدواء البداوة سليمة منها. فإن أهل الحضر يجمعون في طباعهم بين الأنانية والاستئثار بالنفع والكذب والنفاق والسرقة فتنزع نفوسهم إلى الشر والفساد وأما أهل البدو فهم أبعد عن تلك العيوب والمثالب لأن الخيرات عندهم وافرة فلا يتسرب الطمع إلى نفوسهم ولا يجد حب الذات من قلوبهم مكاناً رحيباً. وليس الانتحار إلا داء من أدواء المدنية الحديثة يلجأ إليه كل بائس ظلمه ذلك المجتمع الإنساني وأهمل شأنه وهو في حاجة إليه. ولذا ترى قتل النفس يزداد رويداً رويداً في كل البلدان التي انتشرت فيها المدنية وهو على الأكثر في المدن الكبرى حيث معترك الحياة أشد باساً ونار الجهاد في سبيل هذه الحياة الدنيا أحمى وطيساً وعلى أقله في القرى الصغيرة وبين الفلاحين وحيث يجد كل إنسان عملاً يعمله هو. وحيث لا ترى المرأة تتبرج وتتزين فتأخذ بعقل الرجل وحيث لا حانات يأوي إليها الفتيان فيزيدون جنونهم بما لديهم من المال القليل وحيث الطبيعة ساكنة هادئة تشهد بجمال الخالق وقدرته وكماله. هل الانتحار عدل؟ لا يستطيع الكاتب أن يبوح برأيه في أمر قتل النفس بعد أن بينه هذا التبيين ويجدر بالقارئ أن يحكم على الأمر بنفسه. وغير نكير أن الحياة كلها شر وأن الخير فيها صائر إلى الزوال. . . وإن ذوي المفسدة ينالون ما لا يناله أهل الخير والفضل. ونعم إن حب الحياة فطرة في الإنسان فهو لا يعمد إلى قتل نفسه إلا إذا بلغت به الهموم والأحزان أو الفقر والفاقة مبلغاً شديداً أو نال منه داءُ لا يرجى شفاؤه أو غرام مبرح منالاً كبيراً أو أبت نفسه الذل بعد العز. وتلك أمر ولا يعرفها إلا من يذوق مرّها لأن الشوق لا يعرفه إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها. ونحن نعلم أن أحد هذه البواعث يحدث في العقل جنوناً فيقتل المجنون نفسه. فهلا التمسنا عذراً للمجانين؟

стр. 879

القاهرة محمد لطفي جمعة

стр. 880

الجباية في الإسلام لفن المالية منزلة عالية عند رجال الدول لأنهم في أشد الحاجة إلى معرفه ليعلموا كيف يفرضون الضرائب على الأمة ولهذا عني به الأوروبيون فجعلوه من أهم الفنون التي تقرأ في أرقى المدارس الجامعة فمن درس هذا الفن واطلع على كتاب الخراج لأبي يوسف رآه جامعاً للأبحاث المالية في صورة مجلة مندمجة القواعد تكون أساساً لروح أموال الدول وبياناً لذلك أشرع بتعريف فن المالية وأذكر موضوعه وغايته فأقول: فن المالية (هو عليم يبحث عن أموال الدول) وضع لوصف تلك الأموال وبيان نوعها وتكييف إدارتها. وغايته تعليم القواعد المقررة المأخوذة عن تجارب جرت لأخذ الأموال بالعدل وصرفها بالعقل على شرط أن تحفظ مصالح الأمة والحكومة معاً فالدولة التي لا تراعي قواعد هذا الفن لا يتيسر لها أن تحصل على الأموال الطائلة التي تلزم لحفظ حياة بلادها والذود عن حياض أمتها. منشأ أموال الدول ثبت بالاستقراء أن كل شيء يبدأ صغيراً ثم يكبر سنة الكون في جميع الأمور وناموس عام يشمل الأشياء كلها وهذا القول يصدق على البشر والدول. ولما اخذ الناس يتكاثرون وينمون في الأرض أنشأوا ينقسمون إلى قبائل وعشائر وأصبح قويهم يطمع في التغلب على ضعيفهم فطرة فيهم منذ خلقوه ودأبهم في كل جيل. وهذا ما دعا كل فريق إلى الحذر من جاره أو الانتقام منه أو التعدي عليه فيتحاربون ويتقاتلون وينهب بعضهم أموال بعض ويعبثون بالسكان ويسبون النساء ويستحيون الذراري فيجعلونهم أذلاء صاغرين. وكان الدولة في تلك الأدوار عبارة عن هيئة تحفظ نفسها من تعدي القبائل والعشائر وتسعى لتكون على وفاق مع غيرها وتنشر لواء العدل وتحكم بالعرف والعادة معتمدة على الوجدان على حين كان لا فرق بين الحكومة والدولة من ثم يتضح أن أساس وظائف الحكومة وأهمها منع اعتداء الأعداء ونشر لواء العدل بين أفراد الأمة وكانت العادة إذ ذاك أن يتجهز أفراد القبيلة للحرب بسلاحهم وأموالهم بيد أنهم كانوا يتركون ما يغنمونه من الأموال والأراضي لرئيسهم وأعوانه جزاء شجاعتهم في الحرب وقيامهم بسنة العدل في زمان السلم وما هذه الأموال والأراضي المسلوبة إلا أموال الدولة الابتدائية وعلى هذا النمط كانت
следующие страницы →