← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فأبت نفسه العار واختار الصارم البتار. ووجد عليه أهل مملكته فقتل كثير منه نفوسهم حزناً وأسى. ومن له إلمام بالتاريخ الحديث يذكر أن فريدريك الكبير بعد أن ظهر على أعدائه ظهوراً كبيراً عاوده النحس ولزمه الفشل وتألبت عليه ثلاث دول كبرى وتخلى عنه محالفوه فاحتواه اليأس ونال منه القنوط وعمد إلى الانتحار. ولكنه عاد فغلبته على أمره بقية عزيمة فيه وتحول عن قتل نفسه بنفسه. نابليون لم ينتحر ولا يسعنا إلا أن نذكر نابليون ذلك الملك الكبير صاحب الحروب والغارات ورب القتال الذي نال من الأمم ما لم ينله الإسكندر أو هنيبال فإنه بعد أن كان من أمره ما كان وأسرته إنكلترا مالكة البحار وقذفت به إلى تلك الجزيرة القصية التي يحيط بها بحر الظلمات إحاطة المطبق بالأسير وبقي فيها في ذل وانكسار تحت حكم رجل جاف الطبع غليظ القلب لا يعبأ بأكاليل النصر ولا تهمه تيجان الفخار ست سنين طوال لم يدر في خلده أمر الانتحار. فما أكبر تلك النفس في النصر والأسر. انتحار المرأة والرجال الذين يقتلون نفوسهم أكثر من النسوة اللاتي يقترفن الانتحار لأن الرجل أقرب إلى متاعب الحياة وهمومها وهو الذي يلقى آلام العيش ويذوق أصناف العذاب فهو الهارب الطالب الراغب الراهب الهالك النادب. وهو الذي يخوض غمار معترك الحياة فإما فائزاً منصوراً أو مخذولاً محسوراً. أما المرأة فهي سيدة الرجل ومليكة قلبه يسعى ليأتيها برزقها وينصب ليصونها من الشقاء فهي أبعد منه عن مصائب الدهر وطوارئ الحدثان. وإنك لترى أن النساء لا يعمدن إلى الانتحار فراراً من فقر أو هرباً من عار أو حرصاً على شرف من أن تناله يد الأذى أو حزناً على مال مضيع أو أسفاً على نصر عقد للأعداء لواؤه ولكن لحب دب في النفي دبيب الجنون في العقل أو غيرة نالت من قلوبهن ما تناله النار من الحطب. وكأن المرأة لا تزال تخشى على جمالها من أن تذبل زهرته حتى بعد الموت فهي تقتل

стр. 877

نفسها بما لا يمس حسن وجهها فتعمد إلى السم أو الغرق. وأشهر من قتلن نفوسهن من النسوة الملكة كلوبطرة. فإنها بعد أن مات عشيقها (انطونيوس) وأمست الدنيا في عينيها أضيق من سم الخياط عمدت إلى قتل نفسها. فدعت إليها وصيفة لها وقالت ألبسيني حلة الملك وضعي فوق رأسي تاج السلطان فقد آن لي أن أموت وكنت أهوى أن كون من الخالدات أما الآن فما أسهل الموت وما أحلاه وما أمر العيش وما أقسى الحياة. آه. . . إني أكاد أسمع صوت حبيبي وهو يدعوني إليه. وأراه يهم بنفسه فإذا رآني أسعى نحوه تبرق أسرته. ثم أخذت بالحية وقالت إلي أيتها الحية الفانية حلي عقدة حياتي. ووضعت بها على صدرها وحنت عليها حنو أم مرضع ففغرت الأفعى فاها كأنها تبسم لها ورضعت من ثديها ماء الحياة. . . ولما جنت أوفليا عشيقة همليت عمدت إلى قتل نفسها فأرخت غدائر فرعها ووضعت فوق رأسها إكليلاً من الزهور وسعت إلى غصن شجرة على شاطئ البحر وجلست عليه وأخذت تهز بنفسها طرباً ما تهتز الطيور على الأغصان وهي تشدو وتغرد فلم يقو الغصن على حمل قدها وهوى بها فعانقها الموت على صدر الماء. على أن هناك سبيلاً إلى الموت أيسر من السم والغرق. روى رجل أن فتاة سلكت ذلك السبيل قال: ودفعنا بالباب فهبت علينا من الحجرة روائح الأزهار وعطر الرياحين ونظرنا إلى الفراش فإذا به مثقل بالفل والياسمين والورد والنسرين. وبصرنا بالفتاة وهي بني خمائل الزهور وقد نامت ملء جفونها ولكن ورد خدودها لم يذبل فخلناه بعض الزهور الزاهرة. الانتحار داء من أدواء المدنية قال ابن خلدون: إن البداوة أقرب إلى الخير من الحضارة وسبب ذلك أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير أو شر وأهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها قد تلوثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه. وأهل البدو وإن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنه في المقدار الضروري لا في الترف ولا في شيء من أسباب الشهوات واللذات ودواعيها فعوائدهم في معاملاتهم على

стр. 878

نسبتها وما يحصل منهم من مذاهب السوء ومذمومات الخلق بالنسبة إلى أهل الحضر أقل بكثير فهم أقرب إلى الفطرة الأولى وأبعد مما ينطبع في النفس من سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة وقبحها. ونزيد على قول ذلك العالم الجليل إن في جسم الحضارة شوائب وأدواء البداوة سليمة منها. فإن أهل الحضر يجمعون في طباعهم بين الأنانية والاستئثار بالنفع والكذب والنفاق والسرقة فتنزع نفوسهم إلى الشر والفساد وأما أهل البدو فهم أبعد عن تلك العيوب والمثالب لأن الخيرات عندهم وافرة فلا يتسرب الطمع إلى نفوسهم ولا يجد حب الذات من قلوبهم مكاناً رحيباً. وليس الانتحار إلا داء من أدواء المدنية الحديثة يلجأ إليه كل بائس ظلمه ذلك المجتمع الإنساني وأهمل شأنه وهو في حاجة إليه. ولذا ترى قتل النفس يزداد رويداً رويداً في كل البلدان التي انتشرت فيها المدنية وهو على الأكثر في المدن الكبرى حيث معترك الحياة أشد باساً ونار الجهاد في سبيل هذه الحياة الدنيا أحمى وطيساً وعلى أقله في القرى الصغيرة وبين الفلاحين وحيث يجد كل إنسان عملاً يعمله هو. وحيث لا ترى المرأة تتبرج وتتزين فتأخذ بعقل الرجل وحيث لا حانات يأوي إليها الفتيان فيزيدون جنونهم بما لديهم من المال القليل وحيث الطبيعة ساكنة هادئة تشهد بجمال الخالق وقدرته وكماله. هل الانتحار عدل؟ لا يستطيع الكاتب أن يبوح برأيه في أمر قتل النفس بعد أن بينه هذا التبيين ويجدر بالقارئ أن يحكم على الأمر بنفسه. وغير نكير أن الحياة كلها شر وأن الخير فيها صائر إلى الزوال. . . وإن ذوي المفسدة ينالون ما لا يناله أهل الخير والفضل. ونعم إن حب الحياة فطرة في الإنسان فهو لا يعمد إلى قتل نفسه إلا إذا بلغت به الهموم والأحزان أو الفقر والفاقة مبلغاً شديداً أو نال منه داءُ لا يرجى شفاؤه أو غرام مبرح منالاً كبيراً أو أبت نفسه الذل بعد العز. وتلك أمر ولا يعرفها إلا من يذوق مرّها لأن الشوق لا يعرفه إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها. ونحن نعلم أن أحد هذه البواعث يحدث في العقل جنوناً فيقتل المجنون نفسه. فهلا التمسنا عذراً للمجانين؟

стр. 879

القاهرة محمد لطفي جمعة

стр. 880

الجباية في الإسلام لفن المالية منزلة عالية عند رجال الدول لأنهم في أشد الحاجة إلى معرفه ليعلموا كيف يفرضون الضرائب على الأمة ولهذا عني به الأوروبيون فجعلوه من أهم الفنون التي تقرأ في أرقى المدارس الجامعة فمن درس هذا الفن واطلع على كتاب الخراج لأبي يوسف رآه جامعاً للأبحاث المالية في صورة مجلة مندمجة القواعد تكون أساساً لروح أموال الدول وبياناً لذلك أشرع بتعريف فن المالية وأذكر موضوعه وغايته فأقول: فن المالية (هو عليم يبحث عن أموال الدول) وضع لوصف تلك الأموال وبيان نوعها وتكييف إدارتها. وغايته تعليم القواعد المقررة المأخوذة عن تجارب جرت لأخذ الأموال بالعدل وصرفها بالعقل على شرط أن تحفظ مصالح الأمة والحكومة معاً فالدولة التي لا تراعي قواعد هذا الفن لا يتيسر لها أن تحصل على الأموال الطائلة التي تلزم لحفظ حياة بلادها والذود عن حياض أمتها. منشأ أموال الدول ثبت بالاستقراء أن كل شيء يبدأ صغيراً ثم يكبر سنة الكون في جميع الأمور وناموس عام يشمل الأشياء كلها وهذا القول يصدق على البشر والدول. ولما اخذ الناس يتكاثرون وينمون في الأرض أنشأوا ينقسمون إلى قبائل وعشائر وأصبح قويهم يطمع في التغلب على ضعيفهم فطرة فيهم منذ خلقوه ودأبهم في كل جيل. وهذا ما دعا كل فريق إلى الحذر من جاره أو الانتقام منه أو التعدي عليه فيتحاربون ويتقاتلون وينهب بعضهم أموال بعض ويعبثون بالسكان ويسبون النساء ويستحيون الذراري فيجعلونهم أذلاء صاغرين. وكان الدولة في تلك الأدوار عبارة عن هيئة تحفظ نفسها من تعدي القبائل والعشائر وتسعى لتكون على وفاق مع غيرها وتنشر لواء العدل وتحكم بالعرف والعادة معتمدة على الوجدان على حين كان لا فرق بين الحكومة والدولة من ثم يتضح أن أساس وظائف الحكومة وأهمها منع اعتداء الأعداء ونشر لواء العدل بين أفراد الأمة وكانت العادة إذ ذاك أن يتجهز أفراد القبيلة للحرب بسلاحهم وأموالهم بيد أنهم كانوا يتركون ما يغنمونه من الأموال والأراضي لرئيسهم وأعوانه جزاء شجاعتهم في الحرب وقيامهم بسنة العدل في زمان السلم وما هذه الأموال والأراضي المسلوبة إلا أموال الدولة الابتدائية وعلى هذا النمط كانت

стр. 881

الأمم الشرقية في العصور المتقدمة توزع الغنائم على الأمراء والشجعان والرهبان وتأسر السكان وتزرع أراضيهم على أكتافهم. ولما ارتقت حكومات اليونان القديمة والدول الشرقية أذهن يوسعن نطاق بلادهن ويقوين سطوتهن فبنين بتلك الأموال وأولئك الأسرى المباني العظيمة والآثار الفخيمة التي لا تزال تدهش المتأخرين وظل هذا الناموس معمولاً بع وقاعدة من قواعد حقوق الدول المعتبرة في ذلك الحين إلى أن بزغت شمس الإسلام فتبين بطلان هذا القانون الواهي وجعل القائمون بدعوة الدين يكتفون بفتح البلاد وضرب الخراج على الأراضي والجزية على الرقاب ويتركون السكان أحراراً يتصرفون في أملاكهم كما يشاؤون كتاب الخراج ص ١٤ و٢٠ وجاء فيه بالحرف قال عمر ﵁ فأقر ما أفاء الله عليك في أيدي أهله واجعل الجزية عليهم بقدر طاقتهم تقسمها بين المسلمين ويكونون عمار الأرض فهم أعمل بها وأقوى عليها ولا سبيل لك عليهم ولا للمسلمين معك (ص: ٨٢) وغدت الدول الإسلامية وحكومات الرومان على ذاك العهد تصرف الأموال في توطيد دعائم الأمن والعدل وتسهيل سبل النجاح على أن الملوك والأمراء في الأجيال المتوسطة أخذوا يحصرون الأموال والأراضي بأنفسهم فصاروا يديرون الممالك بذاتهم وكانت أموالهم يومئذ عبارة عن دخل الرهبان بعد موتهم ريثما يعين غيرهم يضاف إلى ذلك دفائن الذهب والفضة المكتشفة وأموال من لا وارث يرثهم أو من قتلوا جزاء أعمالهم القبيحة وما يحصل من الحراج والمعادن وضرائب المسكرات والصيد وانتقال الأراضي بين الوارثين وعشور البيع والشراء والجزاء النقدي وغير ذلك فيتضح من ذلك أن الأموال المذكورة هي أساس الضرائب الجارية في البلاد المتمدنة الآن. ولما اخترع البارود واستبدلت المحرقات الفاتكات بالجارحات واتحدت الأمم والشعوب جعلت الدول تتيه عجباً بعظمتها فأخذت يثير بعضها على بعض ويشن الغارات أعواماً مديدة حتى صارت الحكومة تنوء بأعباء الديون واضطرت إلى تحصين القلاع وتقوية الحدود واستخدام الجيوش المنظمة في زمن السلم دون الحرب وأنشأت تسعى في تزييد أموال الملة ليزداد دخلها وتسعى في رفاهيتها وسعادتها وتحسي أخلاقا وتهيئ الأسباب الكافية لهذا الغرض فاقتضى لذلك مبالغ طائلة.

стр. 882

فتبين مما تقدم أن أهم وظائف الحكومة نحو الأمة حفظ كيانها من تعدي الأعداء في الداخل والخارج وهذا لا يقوم إلا بأحكام أسس العدل والحرية وتعميم المعارف وتوفير أسباب الزراعة وتنظيم الصنائع وتسهيل طرق التجارة وكل ذلك يحتاج إلى دراهم ولذلك أحق للحكومة أن تأخذ من الأمة أجرة قيامها بنشر العدل والأمن داخلاً وخارجاً براً وبحراً وليست هذه الأجرة إلا أموال الحكومة التي يحق لها تقاضيها من أفراد الأمة. قال أبو يوسف: كتب أمير الطائف إلى عمر بن الخطاب ﵁ أن أصحاب النحل لا يؤدون إلينا ما كانوا يؤدون إلى النبي ﷺ ويسألون مع ذلك أن نحمي لهم أوديتهم فأكتب إلي بريك في ذلك فكتب إليه عمر أن أدوا إليك ما كانوا يؤدونه إلى النبي ﷺ فاحم لهم أوديتهم وإن لم يؤدوا إليك ما كانوا يؤدونه إلى النبي ﷺ فلا تحم لهم قال وكانوا يؤدون إلى النبي ﵊ من كل عشر قرب قربة اهـ ص ٤٠ وقال: فلما رأى أهل الذمة وفاء المسلمين لهم وحسن السيرة فيهم صاروا أشداء على عدوا المسلمين وعوناً للمسلمين على أعدائهم فبعث أهل كل مدينة ممن جرى الصلح بينهم وبين المسلمين رجلاً من قبلهم يتجسسون الأخبار عن الروم وعن ملكهم وما يريدون أن يصنعوا فأتى أهل كل مدينة رسلهم يخبرونهم بأن الروم قد جمعوا جمعاً لم ير مثله فأتى رؤساء أهل كل مدينة رسلهم الأمير الذي خلفه أبي عبيدة عليهم فأخبروه بذلك فكتب والي كل مدينة ممن خلفه أبو عبيدة إلى أبو عبيدة يخبره بذلك وتتابعت الأخبار على أبي عبيدة فاشتد ذلك عليه وعلى المسلمين فكتب أبو عبيدة إلى كل وال ممن خلفه في المدن التي صالح أهلها يأمرهم أن يردوا عليهم ما جبي منهم من الجزية والخراج وكتب إليهم أن يقولوا لهم إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه بلغنا ما جُمع لنا من الجموع وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم وإنا لا نقدر على ذلك وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بينا وبينكم إن نصرنا الله عليم. فلما قالوا ذلك لهم وردوا عليهم الأموال التي جبوها منهم قالوا ردكم الله علينا ونصركم عليهم فلو كانوا هم لم يردوا علينا شيئاً وأخذوا كل شيء بقي لنا حتى لا يدعوا شيئاً اهـ ص ٨١ فتأمل! كيف تطرح الضرائب تبين مما فصلناه أن طرح الضرائب العادلة التي تطبق الأمة حملها (لا يكلف الله نفساً إلا

стр. 883

وسعها) حق صريح من أهم حقوق الحكم والاستقلال ولا يخفى على من قرأ التاريخ أن الحكومات وقعت في ديون جسيمة وتداعت تحت أثقالها بسبب الحروب العظيمة التي امتدت أعواماً وشهوراً لعلل معقولة أو غير معقولة حتى اضطرت إلى تحميل الأمة الأجرة التي تقدم ذكرها مع تسوية ديونها من أجل حفظ كيأن الدول ولذلك عرف علماء هذا الفن الضريبة بقولهم: الضريبة ما أصاب كل فرد من أفراد الأمة من نفقات الحكومة بالنسبة لريعه الحقيقي. فالضرائب يجب أن تؤخذ من أفراد الأمة بالعدل والإنصاف وشرط في أخذها النسبة مع صافي إيراد كل شخص وقد بذل الأوروبيون جهدهم في البحث فلم يروا غير ثلاث طرق يؤملون بها أخذ الضرائب التي لا مناص منها على قاعدة العدل والإنصاف ولكنهم قلما نجحوا فيما قصدوا له وأما تلك الطرق الثلاث فهي: ١ - أن يتبين أفراد الأمة إيرادهم ويعترفوا للحكومة بمداخليهم ٢ - التحقيقات الرسمية ٣ - الإمارات الخارجية فبيان أفراد الأمة واعترافهم هو إجبار كل فرد على بيان حقيقة ريعه لينال نصيبه من النفقات اللأزمة للحكومة. غير أن هذه الطريق لا تكون سالمة لأن الناس يكرهون بيان حقيقة أموالهم مع ريعهم ولا يستثنى من ذلك إلا الإنكليز الذين حرموا على أنفسهم الكذب أمام حكومتهم فيما يترتب عليهم أداؤه لأنهم على ثقة من عدلها فلا تكلفهم مالا يطيقون ومع أن هذه الطريق أقرب للعدل من سواها فهي لا تكون عادلة عند جميع الأمم ويستحيل اعتراف المرء بحقيقة دخله إذا كان مقدار الضرائب فوق الطاقة. وأما التحقيقات الرسمية فهي أن يدقق عمال الحكومة ويحققوا دخل عمال أفراد الحكومة ويحققوا دخل أفراد الأمة ومهما كان أولئك الموظفون متصفين بالعدل معروفين بالإنصاف بريئين عن الغرض والغاية لا يصدقون في تقديراتهم ولا يصلون إلى حفظ النسبة بين المكلفين ولذلك يصعب تحقيق العدل في هذا الطريق. وأما الإمارات الظاهرة فهي أقل عدلاً من غيرها لأن الظواهر لا تكون حقائق وذلك باعتبار المنازل الجسيمة غير سديدة لأن الناس اعتادوا أن يتظاهروا بالمال والغنى

стр. 884

ويضعوا أنفسهم في مصاف من لهم من الإيراد ما يساوي ملكهم وكذلك البخلاء المقترون ممن إذا رأيتهم حسبتهم من الفقراء المدقعين مثلهم كمثل البغال والحمير يحملون الفضة والذهب ويأكلون التبن والشعير فلو نظر لظواهر هؤلاء وفرضت الضرائب على تلك النسبة ظلم الأولون وتضررت الحكومة بخسة الآخرين. ومع شدة عناية الدول المتمدنة بإيجاد واسطة لوضع الضرائب بالعدل لتعم كل فرد وتؤخذ منهم على نسبة واحدة لكي لا يكلف الضعيف بالكثير ولا القوي بالقليل لم ينجحوا حتى الآن. بيد أن سعيهم هذا جعلهم يقربون من العدل وكذا المسلمون في صدر الإسلام بذلوا قصارى جهدهم من أجل أن يعدلوا بين الرعية في حفظ النسبة بين الإيراد والضرائب. جاء في كتاب الخراج ص ٢٠ فمسح عثمأن الأرضيين وجعل على جريب العنب عشرة دراهم وعلى جريب النخل ثمانية دراهم وعلى جريب القصب ستة دراهم وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم وعلى جريب الشعير درهمين وعلى الرأس اثني عشر درهماً وأربعة وعشرين درهماً وثمانية وأربعين درهماً وعطل من ذلك النساء والصبيان. أهم وقال: حدثني الحجاج بن ارطاة عن ابن عوف أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مسح السواد ما دون جبل حلوأن فوضع على كل جريب عأمر أو غأمر لينال الماء بدلو أو بغيره زرع أو عطل درهماً وقفيزاً وأحداً ومن كل رأس موسر ثمانية وأربعين درهماً ومن الوسط أربعة وعشرين درهماً ومن الفقير اثني عشر درهماً وختم على أعناقهم رصاصاً وألغى لهم النخل عوناً لهم وأخذ من كل جريب الكرم عشرة دراهم ومن كل جريب السمسم خمسة دراهم ومن الخضر من غلة الصيف من كل جريب ثلاثة دراهم ومن كل جريب القطن خمسة دراهم. وقال: ثم حمل الأموال على قدر قربها وبعدها فجعل على كل مائة جريب زرع مما قرب ديناراً وعلى كل مائتي جريب مما بعد ديناراً وعلى كل ألف أصل كرم مما قرب ديناراً وعلى كل ألفي أصل من بعد ديناراً وعلى الزيتون على كل مائة شجرة مما قرب ديناراً وعلى كل مائتي شجرة مما بعد ديناراً وكان غاية البعد عند مسيرة اليوم أو اليومين وأكثر من ذلك فتبين من هذا أن مراعاة النسبة للإيراد الصافي من الأمور التي يجب أن يعنى بها في طرح الضرائب.

стр. 885

جباية الأموال وخلاصة الأمر أن رجال الإسلام سعوا لجعل التكاليف متناسبة مع إيراد الأشخاص كي لا يظلم زيد بعمرو. وأما جباية الأموال فشرط فيها علماء هذا الفن أن تكون في زمان سعة المكلف بها فيحصل من الفلاح ضريبته مثلاً بعد أن يذري غلاته ويأتي بها للبيع لئلا يضطر للاستدانة بالربا. فيكون مكلفاً بالمال ورباه. ويتقاضى من أرباب المواشي بعدما تنتج وتدرج ويتمكن من بيعها حتى لا يستدين أيضاً وتؤخذ عن العقارات عندما تؤجر وم الصادرات والواردات عند دخولها وخروجها وأوصوا أن لا تجبى تلك الأموال قبل أوأنها فقال أبو يوسفكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أحد عماله على العشور في العراق والشام من مر عليك فأخذت منه صدقة فلا تأخذ منه شيئاً إلى مثل ذلك اليوم من قابل إلا أن تجد فضلاً_إلى أن فل. حدثني يحيى بن سعيد عن زريق بن حيان وكان على مكس مصر فذكر أن عمر بن عبد العزيز ﵁ كتب إليه أن انظر من مر عليك من المسلمين فخذ مما ظهر من أموالهم ومما ظهر من التجارات من كل أربعين ديناراً وما نقص فيجاب ذلك يبلغ عشرين ديناراً فإن نقصت تلك الدنانير فدعها ولا تأخذ منها وإذا مر عليك أهل الذمة فخذ مما يديرون في تجاراتهم من كل عشرين ديناراً دينارا فما نقص فبحساب ذلك حتى تبلغ عشرة دنانير ثم دعها فلا تأخذ منها شيئاً واكتب لهم كتاباً بما تأخذ منهم إلى مثلها من الحول. وقد شرط على الجباة أن لا يضايقوا الرعية لئلا تنفر من الحكومة وحددوا لهم زمأن الجباية فمن تأخر عن الدفع أنذره الجأبي بلطف يخجله فإذا تأخر عن إيفاء ما عليه بعد أنذاره أنذره ثانية بشدة ممزوجة بلين وإذا تأخر بعد ذلك أقام عليه الدعوى بالمحكمة ثم يوضع الحكم في دائرة الإجراء فتحصله هذه كسائر الديون بحسب القانون على شرط أن لا تمس كرامة المكلف بدفعها. قال أبو يوسف حدثني إسماعيل بن إبرأهيمبن المهاجر البجلي عب الملك بن عمير قال حدثني رجل من ثقيف قال استعملني علي بن أبي طالب ﵁ على عكبراء فقال لي وأهل الأرض معي يسمعون: انظر أن تستوفي ما عليهم من الخراج وإياك أن ترخص لهم في شيء وإياك أن يروا منك ضعفاً ثم قال رح إلي عند الظهر فرحت إليه عند الظهر فقال لي إنما أوصيك بالذي أوصيتك به قدام أهل عملك لأنهم

стр. 886

قوم خدع انظر إذا قدمت عليهم فلا تبيعن لهم كسوة شتاء ولا صيفاً ولا رزقاً يأكلونه ولا دابة يعملون عليها ولا تضربن أحد منهم سوطاً وأحداً في درهم ولا تقمه على رجله في طلب درهم ولا تبع لأحد منهم عرضاً في شيء من الخراج فإنا إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو فإن أنت خالفت ما أمرتك به يأخذك الله به دوني وأن بلغني عنك خلاف ذلك عزلتك. قال: قلت أذن ارجع إليك كما خرجت من عندك قال: وإن رجعت كما خرجت قال: فإنطلقت فعملت بالذي أمرني فرجعت ولم انتقص من الخراج شيئاً. وقد منع عمال الصدقة الجباة عن قبول الهدية والصدقة قال أبو يوسف استعمل النبي ﷺ رجلاً يقال له ابن اللتيبة على صدقات بني سليم فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي قال النبي ﵊ على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال عامل أبعثه فيقول هذا لكم وهذا أهدي إلي أفلا قعد في بيت أبيه وبيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منها شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته أما بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رؤي بياض أبطيه فقال اللهم هل بلغت. ولما كان أمر جباية الأموال من أهم الأمور التي يجب تجنب الظلم والاعتساف وحفظ راحة العامة والخاصة قال أبو يوسف أن تتخذ قوماً من أهل الصلاح والدين والأمانة فتوليهم الخراج ومن وليت منهم فليكن فقيهاً عالماً مشاوراً لأهل الرأي عفيفاً لا يطلع الناس منه على عورة ولا يخاف في لومة لائم ما حفظ من حق وأدي من أمانة احتسب به الجنة وما عمل به من غير ذلك خاف عقوبة الله فيما بعد الموت تجوز شهادته أن شهد ولا يخاف من جور في حكم أن حكم فإنك إنما توليه جباية الأموال وأخذها من حلها ونجنب ما حرم منها أن يرفع من ذلك ما شاء ويحتجن منه ما شاء فإذا لم يكن عدلا ثقة وأميناً فلا يؤتمن على الأموال إلى أن قال: وقد يجب الاحتياط فيمن يولى شيئاً من أمر الخراج والبحث على مذاهبهم والسؤال عن طرائقهم كما يجب ذلك فيمن أريد للحكم والقضاء وتقدم إلى من وليت أن لا يكون عسوفاً لأهل عمله ولا محتقراً لهم ولا مستخفاً بهم ولكن يلبس لهم جلباباً من اللين يشوبه بطرف من الشدة والاستقصاء من غير أن يظلموا أو يحملوا ما لا يجب عليهم ثم قال: ولتصير مع الوالي الذي وليته قوماً من الجند من أهل الديوان في أعناقهم

стр. 887

بيعة على النصح لك فإن من نصحك أن تظلم رعيتك وتأمر بإجراء أرزاقهم عليهم من ديونهم شهراً بشهر ولا تجري عليهم من الخراج درهماً فيما سواه وقال: تقدم في اختيار هؤلاء الجند الذين تصيرهم مع الوالي وليكونوا من صالحي الجند ومن له الفهم واليسر والنعمة منهم إن شاء الله تعالى ويستنتج مما تقدم أن مراعاة النسبة بين الإيراد وبين الضرائب من أهم القواعد الأساسية في فن المالية ويظهر للقارئ مما ذكر أن المسلمين في صدر الإسلام بذلوا طاقتهم من أجل تخفيف أثقال الضرائب عن الأمة كما يفعل القائمون بوضع الضرائب من العمال العالمين بقواعد هذا الفن في البلاد الراقية اليوم وكذا أقر العلماء أن الدولة لا تكون غنية إلا بشعبها ولا يغنى الشعب إلا بقلة الضرائب فمنع أبو يوسف طلب الزيادة في الخراج من المكلفين بعبارة طويلة ثم ختم كلامه قائلا في الزيادة هذا ضرر على أهل الخراج ونقص للفئ مع ما فيه من الإثم

стр. 888

من أين إلى أين من أين من أين يا ابتدائي ... ثم إلى أين يا انتهائي أمن فناء إلى وجود ... ومن وجود إلى فناء أم من وجود له اختفاء ... إلى وجود بلا اختفاء خرجت من ظلمة لأخرى ... فما أمامي وما ورائي ما زلت من حيرة بأمري ... معانق الأس والرجاء أن طريق النجاة وعر ... يكبو به الطرف ذو النجاء يا قوم هل في الزمان نطس ... يهدي إلى ناجع الدواء لأي أمر هذي الليالي ... تأتي وتمضي على الولاء فتطلع الشمس في صباح ... وتغرب الشمس في مساء أرى ضياء يروق عيني ... ولست أدري كنه الضياء وما اهتزاز الأثير إلا ... علالة نزره الجلاء نحن على رغم ما علمنا ... نعيش في غيهب العماء نشرب ماء الظنون عبا ... فلم نعد منه بارتواء تأتي علينا مشاهدات ... نروح منهن في مراء وكم نرى فعل فاعلات ... من القوى وهي في الخفاء ياويلة الحس أنه عن ... حقيقة الأمر في غطاء فإن أجزاء كل جسم ... مبتعدات بلا التقاء وفي دقاق الجماد عرك ... يتهم الحس بالخطاء يا قوة الجذب أطلقيني ... من ثقله أوجبت عنائي لولاك لولاك يا شكالي ... لطرت كالنور في الفضاء أنت عماد السماء لكن ... خفيت عن عين كل راء ربطت كل النجوم فيها ... بعضاً ببعض ربط اعتناء فدرن في الجو جاريات ... كانها السفن فوق ماء نحن بني الأرض قد علمنا ... بأننا من بني السماء لو كنت في المشتري لبانت ... أراضي سماء بلا امتراء

стр. 889

فليس فوق وليس تحت ... ولا اعتلاء لذي اعتلاء وإنما نحن فوق نجم ... نحيا محاطين بالهواء فليت شعري أي ارتقاء ... للروح يبقى أي ارتقاء وأنت يا كهرباء سر ... يدا وما زال في غشاء عجائب الكون وهي شتى ... فيك انطوت أيما أنطواء أضأت إن شئت كل داج ... إن كأنت الروح للبقاء وكم تقاضاك فيلسوف ... حقيقة صعبة الأداء فقال والقول منه ظن ... ما الكون إلا بالكهرباء وليلة بتها أنادي ... نجومها أبعد النداء أأخذ منهن بالتداني ... فكراً ويأخذن بالتنائي فإنثنى باكياً بشعري ... ويطرب الليل من بكائي وربما كر بعد وهن ... فكري فألفى بعض الشفاء فأرجع القهقرى أغني ... وما سوى الشعر من غناء أقول والنسر فوق رأسي ... وطالع النجم في إزائي يا أيها الأنجم الزواهي ... لله ما فيك من بهاء أما كفاك السنى جمالا ... حتى تجللت بالسناء يا أنجم النعش فاصدقيني ... أمات ذو النعش بانطفاء أني إذا كنت في حداد ... إليك أهدي حسن العزاء وأنت يا نسر من كلال ... وقعت أم طلبة الغذاء أخوك هل طائر لوكر ... أم قاصد منتهى الفضاء كان أم النجوم سيف ... سل على الليل ذو مضاء رصع متناه بالداري ... فراق في الحسن والرواء كان نجم السها أديب ... في أرض بغداد ذو ثواء كان خط الشهاب مدل ... لأسفل البئر بالرشاء كانما أنجم الثريا ... في شكلها الباهر الضياء

стр. 890

قفاز كف به فصوص ... من حجر الماس ذي الصفاء برئت للموت من حياة ... ما نكبت مهيع الشقاء لم يكفها أنها اجتياح ... حتى غدت حومة البلاء يا أيها المترف المهنى ... يمرح في ثوب كبرياء مهلا أخا الكبر بعض كبر ... ألست تقنى بعض الحياء أنت ابن فقر إلى أمور ... بهن تدعى يا ابن الثراء

стр. 891

أمريكا الشمالية موقعها الجغرافي_تشغل أمريكا الشمالية القسم الشمالي من القارة الغربية وتحتوي على نحو سدس اليابسة من الكرة الأرضية وهي تقريباً مثلثة الشكل وشواطئها البحرية مسننة لعمق خلجانها. سطحها_أن القسم الغربي من سطحها مرتفعات واسعة تخترقها سلسلة جبال عالية وهي تمتد بلسان طويل من برزخ تانتيبك إلى آخر إلى آخر شمالي غربي القارة. مساحتها_مساحتها ٩، ٣٤٩، ٧٤١ميلا مربعاً وهي أكثر بقليل عن نصف مساحة قارة_أكبر قارة في العالم_وتبلغ زهاء ثلثي قارة أفريقية مساحة وأكبر من قارة أوروبا مرتين. وطولها نحو ٥٥٠٠ ميل وعرضها نحو ٤٥٠٠ ميل وهي ثالثة القارات اتساعاً. جبالها_أعلى جبالها سانت ايلياس. وعلوه ١٨، ٠١٠ أقدام. وجبل أوريزابا وعلوه ٨٣١٤ قدماً. وهذان الجبلان من سلسلة جبال كورديلراس. وهما ثانياً جبال الدنيا يعلوهما. فجبل حملايا في قارة آسيا يعلو عن سطح البحر ٢٧٠٠٠ قدم وهو أعلى جبال الدنيا وجبال القوقاس في أوروبا تعلو عن سطح البحر ١٧٨٠٠٠ قدم وهي خامس جبال الدنيا بالعلو. أما الجبال الصخرية في أمريكا الشمالية فتخترق البلاد من البحر الشمالي من جنوب تخوم الأسكا إلى الجهة الجنوبية من أمريكا الجنوبية. أنهارها_أشهر أنهار أمريكا الشمالية مسيسبي. ولورانس. ومكنكني. وهي أهم سائر شرقي الجبال الصخرية ويوكون وكوليدو. وكولومبيا ثلاثة أنهر مصدرها تلك الجبال وهي تصب في الأوقيانس الباسيفيكي. ومسيسبي من الأنهر التي تسير فيها السفن ومصدره في شمالي البلاد ومصبه في بحر المكسيك وهو أسرع أنهار التي أمريكا ويصب فيه نهر أوهايو ونهر ميسوري ونهر أركانسس. ونسبة نهر مسيسبي في أمريكا الشمالية إلى سائر أنهرها كنسبة نهر أمازون إلى سائر أنهار الدنيا من حيث العظم والكبر والطول. ونهر الأمازون أعظم أنهار الدنيا في برازيل في قارة أميركا الجنوبية ومساحته ٢٦٨١٠٠ ميل وهو ثاني أنهار الدنيا طولاً. فنهر يانيسي في سيبيريا أطول أنهار الدنيا طوله ٣٦٨٨ ميلاً وطول أمازون ٣٥٩٦ بحيراتها_عدد بحيرات أمريكا الشمالية عشر أشهرها وأعظمها خمس بحيرات هي سوبيرير ومشيغن. وهورن. واري. وأونتاريو ومن هذه البحيرة يخرج نهر سانت لورانس

стр. 892

السابق الذكر هواؤها_أعظم قسم من أمريكا الشمالية هو في المنطقة المعتدلة. وفي هذا القسم صحاري وحراج واسعة وقسم صغير منها في المنطقة المتجمدة حيث لا تعيش النباتات والمغروسات أو حيث تكون الأنجم والطحلب هي النباتات الرئيسية. وعلى الجملة فإن شمالي أمريكا الشمالية باردة كثيراً وهواؤها بارد معتدل في أقاليمها المتوسطة وحار في جنوبها حيث تجود الأشجار وتكثر البقول. أمطارها_تهطل الأمطار تهطالاً كثيراً على الأقاليم غربي شمالي كولومبيا وعلى الأراضي الواطئة المحيطة بخليج المكسيك وبحر كريب وقلما تمطر في سلسلة جبال كورديلراس وفي الأقاليم الواقعة غربي المكسيك. أما سائر أقاليم هذه القارة فمطرها معتدل وكثيراً ما تمطر في فصل الصيف كما تمطر في فصل الشتاء. أراضيها_أراضي أمريكا الشمالية جيدة جداً وفيها سهول واسعة وهي مخصبة. وقد بقيت قروناً عديدة قبل اكتشافها فصارت اليوم بهمة الجالية الأوروبية تدر على البلاد أخلاف الثروة واليسار وهي التي يصح القول فيها أنها أرض الميعاد التي تفيض لبناً وعسلاً. حأصلاتها_البر والشعير والذرة والأنس والبطاطا والعنب والمشمش والدراق والخوخ والتين والموز والسكر والتفاح الذي لا نظير له في الدنيا بحجمه وجودته. والأرز والقطن والشاي وأكثر أنواع البقول. حيواناتها_أكبر حيواناتها المفترسة النمر المخطط والدب والأغبر والدب الأسود والجاموس البري والغزال ودب القطب الشمالي والخيل والبقر والخنزير والغنم والمأعز والكلب والهر وغيرها وتبلغ الحيوانات التي لا توجد في بلاد سواها نحو ثمانين نوعاً وعدد الطيور فيها ٣٦٢ نوعاً. أما الوحوش البرية التي كانت تأوي الغابات والحراج فقد أنقرض أكثرها. وأصدرت حكومات الولايات الأوامر بانقراضها وعمر الأوروبيون المهاجرون معظم تلك الأرجاء. معادنها_الذهب والفضة والفحم والقصدير والرصاص والماس والزمرد واللؤلؤ والمغناطيس. وهذه المعادن توجد بكثرة فيها وأمريكا الشمالية أغنى قارة في العالم بالمعادن ومعادنها الذهبية توجد بكثرة في كليفرنيا وهو الأقليم الذي يشبه الأقليم السوري في القارة

стр. 893

الآسيوية من وجوه. أقسامها_تقسم أمريكا الشمالية إلى ثمانية أقسام هي الولايات المتحدة والمكسيك التي استقلت تحت الحكم الجمهوري سنة ١٨٢٤ وأمريكا المتوسطة وجزائر الهند الغربية وكرنيلاند وألاسكا ونيوفوندلاند. وتحكم سبعة أقسام منها الولايات المتحدة. أما كندا فتحكمها الدولة الإنكليزية. حدودها_يحدها شمالاً الأوقيانوس المتجمد الشمالي وشرقاً الأقيانوس الأتلانتكي وجنوباً بحر كريب وبرزخ درايان والأقيانوس الباسيفيكي وغرباً الأقيانوس الأتلانتكي وغرباً الأقيانوس الشمالي المتجمد والأقيانوس الأتلانتكي والأقيانوس الباسيفيكي. أنواع البشر القاطنة في هذه القارة_يقطن هذه القارة خمسة أنواع من البشر هي النوع القوقاسي وأصله من إنكلترا وجرمانيا وفرنسا واسبانيا وفرنسا وسائر ممالك أوروبا. والنوع الحبشي وأصله من قارة أفريقيا الجنوبية وهو يكثر في جنوبي الولايات المتحدة. والنوع المغولي وأصله من الأسكيميين وهم جيل من الناس يقيمون في بعض جهات الشمال من القارة والصينيون أتوا من الشرق الأقصى في آسيا وهم مقيمون غالباً في غربي البلاد في ولاية كليفرنا. والنوع المعروف بهنود أمريكا_سكانها الأصليين الذين كتبنا عنهم نبذة تقدمت هذه أديانها_نشأت أديان عديدة للإنسأن في كل جيل وبلاد قطنها الإنسان وعمرها فمن البشر من عبد الشمس والقمر والنجوم والسيارات والأصنام وبعض أنواع الحيوانات. ومنهم من عبد الله ﷻ . ومنهم من جعلوا أفراداً ممتازين ببعض المواهب العقلية آلهة فسجدوا لهم وعبدوهم. وقد قام الملأحدة ويقومون في كل زمن وقطر ومصر. وتاريخ أديأن الجنس البشري متفاوت فتاريخ دين اليهود يرجع إلى أربعة آلاف سنة في أيام إبرأهيمالخليل في غربي قارة آسيا وهم يؤمنون بالسيد عيسى وإنجيله. وتاريخ دين النصارى إلى نحو خمسة آلاف سنة. وكان هؤلاء يعبدون بعض الحيوانات والصور والنقوش التي توهموا أنها كانت مقدسة. وتاريخ أهل الهند يرد إلى أكثر من أربعة آلاف سنة وكان الهنود ولا يزال أكثرهم يعبدون بزهم وفريق منهم يعبدون بوذاً. وتاريخ بوذا يرجع إلى نحو ٢٥٠٠ سنة. ويرد تاريخ الإسلام إلى أكثر من ألف وثلاثمائة سنة.

стр. 894

وما يقال في أديان سكان البلاد والقارات التي أشرنا إليها يقال في أديان قارة أمريكا الشمالية. فإن عبده الأوثان وهم في وكرنيلاند في شمالي البلاد وكلهم من الأسكيميين وعبدة الشمس والقمر وبعض الحيوانات وهم معظم هنود أمريكا. وفي هذه القارة البوذي والبرهمي والكافر والمؤمن والمحمدي والدرزي واليهودي والنصراني. والديانة العامة في هذه القارة هي الديانة المسيحية. أما أديان أمريكا الشمالية فترجع إلى تاريخ أمريكا المجهول وتاريخ أديان سائر القطان وإذا اعتبرنا تاريخ أديانها منذ اكتشافها فيكون أربعمائة وأربع عشرة سنة. تنوعت المذاهب وتعددت المشارب في هذه البلاد ومع ذلك فليس للتعصب أثر فيها. فالحرية مباحة لكل دين من الأديان وأن المهاجرين السوريين ليأتونها من بقعة عريقة في التعصب إلى بقعة حديثة بالتساهل وقد حمل فريق منهم التعصب معهم إلى هذه القارة وأخذ هذا الفريق يتاجر بالأديأن فكانت ثمرات التعصب وتلك التجارة إهراق الدماء وخسارة المال وإهانة الاسم والسمعة. الولايات المتحدة - أوماها نبراسكا يوسف جرجس زخم

стр. 895

التجارة والشهرة من مقالة في المجلة الباريزية ظهر كتاب في نيويورك مؤخراً اسمه طريقة الإعلانات الجديدة قال فيه مؤلفه أنه انتشر الولع بالسياحة في المجتمع الحديث فلم تكتف كل أمة أن تنعزل وراء تخومها عزلة تامة بل راحت تختص بعمل لا يشاركها فيه سواها. فإذا كأنت المانيا تؤثر كبار رجالها المعروفين وتوسد إليهم الأعمال العلمية وفرنسا تعلم أبناءها الصنائع على اختلاف ضروبها فإن أمريكا تسوق إلى مضأمير الأعمال وهي على ما يظهر موطن المشاريع الصناعية العظمى. وإنا لنميل كل الميل أن نحكم على الأمم حكمنا على الأفراد. نحكم عليهم حكماً مسمطاً في شؤون ليست فيهم على حين كان الواجب علينا أن نقدرهم ونضعهم في المنزلة التي يستحقونها. وقد يذهب بنا الاستقراء الناقص إلى أن نستنبط أن جارنا محروم من الأمر الفلاني. وما على الغريب عن أمة يريد أن يصفها حق وصفها إلا أن يضيف ما رآه إلى ما لم يره. فإن في الأشياء أبداً ما يعجب به ويحب. ولا شك أن الحاجيات بأسرها والنزوع إلى العلى قد أخذت حظها عند كل أمة مثال ذلك أن تشهد التفنن بالصنائع في أمريكا إلا أنك تراه على أتمه في مملكة أخرى وعلى وجه يخالفه كل المخالفة. فمن يطلب المصنوعات الفرنسية في أمريكا يسخر منه كمن يطلب إلى اللابوني أن يلبس ثياب سكان المناطق الحارة أو للنازل على مقربة من خط الاستواء أن يعد الأدوات لصيد الدب الأبيض من جواره. يعيب فلاسفة الألمان على الأمريكي عدم اشتغاله بعلوم ما وراء الطبيعة وعلى العكس يعيب علماء النفس الأمريكان على أساتذة الألمان اكتفاءهم من العلوم بالنظر فيها إلى دون العمل بها. ويعيب المتفنن من الفرنسيين على الأمريكي كونه نفعيا على حين ترى الأمريكي يهزأ إذا نظر إلى ما في بلاد الفرنسيين من أثار التفنن والصناعة. قال الفيلسوف هربرت سبنسر: إن صاحب الفلسفة هو الذي يعرف الصلات التي يهتدي إليها عامة الناس. وبعد فإن أمريكا توصف بأنها مهد الأعمال المالية والحركة التجارية والصناعية والإعلانات هي دليل على ما هناك من نشاط في الاتجار والصنائع. ومتى أوردنا لك بعض الأرقام يتبين لك أن القوم غريبون في أعمالهم. قال موسيوديسي: تنفق الولايات

стр. 896

المتحدة في السنة خمسمائة مليون ريال أجور إعلاناتها. أي أن ما تنفقه يقرب مما تنفقه الدول الأوروبية العظمى كروسيا وألمانيا وفرنسا واسبانيا على جيوشها. وكأنت الولايات المتحدة تنفق هذا المبلغ سنة ١٩٠٥ وبحسب التقدير الذي قدره عألمان آخران ارتقت النفقات من ستمائة مليون ريال إلى مليون ريال للإعلان عن مصنوعاته وها هو اليوم يصرف ألف ريال في اليوم على هذا الغرض. وتخصص المعامل الكبرى التي لبيع بالمفرق في مدينة نيويورك وحدها البريد زهاء أربعة ملايين ريال في السنة لنشر إعلاناتها في الصحف. وفي مدينة شيكاغو يستخدمون البريد لنقل قوائم بإعلاناتهم وقد صرف أحد أصحاب المخازن الكبيرة لإرسال طبعة واحدة من الإعلانات بطريق البريد ٦٤ ألف ريال ومعظم الأجور التي يدفعها أرباب المحال التجارية والصناعية يؤدونها لأرباب المجلات لأن المجلة تبقى على المنضدة معرضة للأنظار نصف شهر أو شهر ريثما يصدر العدد التالي أما الجرائد تغيب عن الأنظار بعد الأنظار بعد ساعات من صدورها. تتقاضى إحدى صحف فلادليفيا وهي تطبع مليون نسخة ستة ريالات عن كل سطر من الإعلانات فتكون أجرة الصفحة الواحدة في اليوم ستة آلاف ريال وإذا خصصت بمحل تجاري واحد تؤجر بأربعة آلاف ريال. وهكذا الحال في جريدة العملة التي تصدر في أوغستا فإن أجرة السطر فيها خمسة ريالات وهده الجريدة تطبع مليوناً وربع مليون نسخة والمجلات تتقاضى في أمريكا عن الإعلانات أجرة أرخص من أجرة الجرائد لأنها أقل انتشاراً وأعظم مجلة تطبع في العالم الجديد ٦٠٣٣٥ نسخة فتأخذ أجرة كل صفحة خمسمائة ريال وكثيراً ما تكون نصف صفحاتها مشحونة بالإعلانات فقط وقد قدر ما تتقاضاه عشر مجلات كبرى في الولايات المتحدة فبلغ معدله السنوي ٤، ١٣٠، ٣٥٣ ريالا. وهكذا قل عن النفقات الطائلة التي ينفقها أرباب التجارة استأجرت ثلاثين ألف مكان لتعليق الإعلانات عشرة ريالات في السنة عن كل قدم مربع في إحدى ساحات نيويورك العظمى. ويكون للتاجر من الرجل الماهر في التفنن بالإعلانات ذخر وأنفع عامل فينقذه راتباً مهماً. لذلك تدفع المخازن الكبرى التي تبيع بالمفرق في أمهات مدن أمريكا مثل نيويورك وشيكاغو الذي يحس صف البضائع في الزجاج يتقاضى أجرة مثل هذه مسانهة.

стр. 897

قدر المقدرون أن متوسط ما ينفقه التاجر الأمريكي على الإعلانات من أصل أرباحه خمسة في المائة ومنهم من ينفق أكثر ومنهم من ينفق أقل. ويقتضي ذلك من التفنن وحسن الذوق شيئاً كثيراً ولما كانت أمريكا المثل السائر بغناها ترى الدراهم فيها تغدو وتروح من جيب إلى جيب كانها بانطلاقها دراهم ذاك الكريم المفتخر بقوله لا يألف الدرهم المضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق فالمرء بادئ بدء لا يرى حاجة ماسة لابتياع المصنوعات وبيعها إلا طمعاً في الأرباح الكثيرة ومباهاة بما لديه من عروض ومتاع وثروة حقيقة أو غير حقيقية ثم تصبح هذه العادة بعد من ضروريات الحياة. قال باسكال في كتابة (الأفكار): أكثر من الصلاة تكن تقياً. ويقول لسان حال التجارة: اجعل الزخرف والزينة ديدنك تغدو بطبعك مفنناً والذوق يحصل لصاحبه بسرعة. قالوا أن التاريخ يعيد نفسه وهو قول صحيح فقد رأينا طبقة الإشراف في الغرب وهي في الأصل من أبناء أولئك البرابرة القساة والأمراء الغلاظ الجفاة في أوائل القرون الوسطى قد رقت طباع أهلها بالتعليم والتربية فالمال هو الذي يولي الشرف ويحسن الأذواق في الحقيقة. وأمر بديهي لأن حواسنا تتأثر في الغالب والعجب يورث الرغبة في الجمال وامتلاك ناصية الجمال تكون مادة للعجب. خذ مثالاً لذلك رغبة القوم في أمريكا بالملاحة والظرف وتأثيرهما في عقولهم. فإن المخازن العظيمة التي تبيع بالمفرق في المدن الكبرى كنيويورك مثلاً يكثر الطلب عليها أيام الاثنين أكثر من سائر أيام الأسبوع. ذلك لأن الجرائد تصدر يوم الأحد طبعات خاصة من صحفها وتملؤها بالإعلانات وعلى العكس في يوم الجمعة فإن الأشغال فيه تكون في فتور حتى يعده التجار من الأيام التي لا حياة فيها ولا رواج لسلعهم. بيد أنه لم يسعهم إلا أن يتداركوا أمره بإعلانات جلبت الزبائن على مخازنهم فعد ثاني الأيام في منافعه التجارية وأنك لترى كثيراًت من ربات يغسلن غسيلهن ويقضين شؤون بيوتهن يوم الثلاثاء ليتمكن يوم الاثنين من الاختلاف إلى المخازن والانتفاع بما جعلته للزبون في ذلك اليوم من الأمتيازات. ولو شئنا تعداد ما يأتيه الأمريكان من ضروب الاحتيال في الإعلانات لضاق المجال فإن القوم يعتبرون الإعلانات من أدوات النجاح النافعة شهدت بذلك العادة والحس مثال ذلك أن

стр. 898

القوم في الولايات المتحدة يصرفون كميات وافرة من الكعك بحيث يحشى أن ينسوا استعمال الخبز فيما بعد. فكان من رغبة الناس في الكعك يباع بالمفرق منذ بضع سنين بأن يوضع عند البدال في صناديق وبراميل مفتحة ويجعل الواحد تلو الآخر فيجئ الزبون يجس الكعك ويذوق قطعة منه ثم يشتري أو ينصرف. فإذا أراد أن يشتري يتناول البائع الكعك بأصابعه في العادة ليضعه في الميزان ويكون قد وزن فيه من قبل سكر أو بن أو ملبس ثم يأخذ فيضعه في كيس الورق. وأنت خبير بأن تنأول الكعك على هذه الصفة فيه ما فيه من الأضرار بالصحة والقذارة التي تؤدي إلى القرف وهي منافية للذوق قليلة السرعة والغناء. خل عنك بأن الكعك إذا ظل على الدوام معرضا للهواء يفقد طراوته وقضمه. على أن الناس لم يشتكوا من هذه الطريقة. وكان من الإعلانات أنها هي التي سدت الخلل وأصلحت الحال. غدا التاجر الأمريكي لا يكتفي بأن تكون بضاعته أحسن بضاعة بل اقتضى عليه أن يؤثر في أذهأن العامة ويحملهم على ابتياع ما لديه والاعتماد في تنأول حاجتهم عليه. فمن ثم كان التاجر أن يشفع جودة بياعاته بفوائد لم يكن للمبتاع على بال اجتناؤها وأخذ الباعة يتفننون بكعكهم حتى أدت الحال إلى أن يباع الأن في رزمة وزنها محدد. فترزم أولا في ورقة غليظة صحية تنفذ إليها الرطوبة والهواء ثم يوضع هذا المغلف في علبة من المقوى على شكل لطيف وتلف تلك العلبة بورقة أيضاً وترسم عليها علامة المعمل واسمه. وبهذه الطريقة أصبح الكعك في أمريكا آمناً من الجراثيم الضارة والغبار الملوث يحفظ بحاله طويلاً ولا ترقد فيه القطط في الليل كما كان من قبل وأخذ الباعة يبيعون منه كميات أوفر. وتبأرى الباعة في هذا التفنن حتى لا يتخلف أحد عن صاحبه ولا يقطع البائع المتفنن على البائع الخامل رزقه وما الداعي إلى كل هذا إلا الرغبة في الإعلان. ولم يقف الأمر في أمريكا عند حد بيع الكعك على هذه الصورة بل أنه تعداه إلى السكر والبن والملح والفلفل والأرز وغيره. وربما بيع الخبز بعد الأن في ورق خاص به لا تمسه يد ولا تراه عين ولا تؤثر فيه عوامل الحرارة والبرودة. وهكذا تدخل روح الترتيب والنظام والنظافة حتى إلى أفقر بيوت الأمريكيين مما يعد خطوة عظيمة في طريق الاتجاه صوب الولوع بالجمال واختيار الأحسن من كل شيء.

стр. 899

ومن فوائد الإعلانات أنها نفعت في بيع الثياب الحاضرة الجاهزة فكان بعض الأمريكيين ومنهم الفقراء فقط يلبسون من قبل ألبسة حاضرة ويعمد بعضهم إلى الخياطين لأن مقادير أجسامهم تختلف بعضها عن بعض وقد لا يوأفق الاكتساء بالأقيسة المعتادة فقام أحدهم وأنشأ معملاً لصنع الثياب الحاضرة من جميع أنواع الطول والعرض والهندام وتوصل بواسطة الإعلان عن محله بالجرائد والمجلات أن أقبل الناس عليه لأن قيمة الثياب الحاضرة تفرق عن التفصيل نحو النصف فإذا وجد كل إنسأن القياس الذي يطلبه يفضل أخذ بدلةثم ما زال ما كان علق في الأذهأن القوم من أن الألبسة الجاهزة لا تلاءم كل جسم وغدا معظم أهل أمريكا يبتاعون الألبسة المهيأة على الأيام ذاك الوهم الذي غرسه الخياطون وغيرهم. وكان من رخص الثياب في أمريكا أن غدا الأمريكيون غاية في نظافتهم ولبسهم الجديد من الثياب. وحدث أن أحد الأمريكان نزل إلى مدينة هامبورغ في ألمانيا فقال لأحد رفاقه عجبت من أهل المدينة كيف لا يوجد فيهم غني يلبس بزة جديدة. ذلك لأنه رأى القوم يلبسون ثياباً لا تماثل في نظافتها وحسن نظامها ما يلبسه سكان المدن الأمريكية وبهذا عرفت أن الأمريكيين فاقوا الأوربيين في ولعهم باتخاذ الجميل من كل شيء وإن كان هذا الخلق فيهم قديماً في الأوربيين. ومثل ذلك قل عن الأثاث والرياش في المساكن فإن الأمريكأن يستجدونها ويستجدونها. وارتأى كثيرون من مراقبي سير الإعلانات أن ما كان منها منظوماً يفضل على المنثور لأن العامة تطالعها برغبة وينظرون فيها إذا كانت شعراً ولو عامياً أكثر من نظرهم في غيرها. ومن الناس من يقول أن الإعلانات كثيراً ما جلبت ضرراً لأن القارئ بما فيها ويكون فيها مبالغة أو خديعة فيبتاع السلعة أو الشيء فيبخس أو يغبن وأنها كثيراً ما أتت بما لا تحمد مغبته. ولكن القائلين بالاستكثار من الإعلانات يقولون أبداً: أن لكل سبب من أسباب العمل سلاحاً ذا حدين وذكاءنا أيضاً نصرفه في الشر كما في الخير. فلا داعي إذا لتعنيف المعلنين بحجة ما في إعلاناتهم من الخطاء. وليس من العقل أن ينبذ الدين والأدب بحجة أن هناك ناساً من المنأفقين المخادعين كما لا يجوز بحال أن يزهد في سهام المصارف (البنوك) لأن في بعضها تدليساً وغشاً.

стр. 900

قيل لخياط في فيلادلفيا أنك تغش الناس بما تنشره من إعلاناتك التي تخالف أكثرها حقيقة الواقع فقال: أن في هذه المدينة مليون فلو خدع بما أعلنه عشرة في المائة منهم وأكثرهم بله مغفلون وتيسر لي أن القي في شرك احتيالي عشرة في المائة منهم أي عشرة آلاف نسمة فإنا في سعة من العيش وبسطة من الغنى. وفاته أن من خدع مرة لا يرجع ثانية في الغالب. وأحسن طريقة لدفع الغش عن القراء أن يجعل أرباب الصحف والمجلات أجوراً غالية على الإعلانات التي يلحق عليه إدارة الجريدة من مالها لأنها هي التي كأنت السبب في خديعته. العامة وضعاف العقول يخدعون في العادة بكل ما حوت الإعلانات. والعامة أكثر الناس. ويليهم في الانخداع النساء ثم العملة. على أن العامة يقل عددهم في أمريكا لشيوع التعليم فيها فيقل لذلك المنخدعون بالإعلانات الساقطة يوماً بعد آخر. قال المسيو بوأنكره في كتابه (قيمة التعليم) وهو الكتاب الذي اشتهر بين الخاصة والعامة: لا يعرف كم نفع البشر الاعتقاد بعلم الفلك. فإن قدر الفلاح لكبار وتيخو براهي فذلك لإنهما كانا يروجان على السذج من الملوك أخباراً من المغيبات يبنيانها على قرانات الكواكب. فلو لم يكن أولئك الأمراء على جانب من التغفل يصدقون بما يلقى عليهم لكنا بقسنا إلى اليوم نعتقد أن الطبيعة تابعة لهوى النفوس وظللنا نتسكع في بيداء الجهالة. وهذا القول ينسج مثله على منواله فيقال: لو لم يكن للأمريكيين رغبة في اكتساب المال ولو لم يتنافسوا فيه ويتفاخروا في إحرازه ولو لم يكونوا متعجرفين ربما كنا رأينا القوى السامية في الإنسان تسقط في المزاحمة مع القوى العملية النافعة الصرفة في جنسنا الإنساني وكنا نسير الشؤون المادية على وجه سمج. فالصنائع هي زخرف الحياة ولا يكون الزخرف إلا مع الغنى ولا يحصل الغنى في هذه العصور الديمقراطية البعيدة عن العبودية إلا بالتفإني في اصطياد الدرهم والدينار وقد ينتج من شر كبير خير كثير ومن الولوع بالمال في الاتجار بالأدب والفنون.

стр. 901

نظام الأكل معربة عن مبحث للدكتور فلوري في المجلة الفرنسوية سوء الهضم أكثر الأمراض انتشارا ولاسيما في الطبقة المستنيرة من الناس ومسبباته كثيرة فليست أسبابه الأخلاقية هي الغمم والملل فقط بل الاهتمام بالأشغال والأعمال. وإذا تيسر للمصاب به أن يسلي نفسه ويبدل محيطه الذي يعيش فيه وأن يستحم في حمامات البحر والنهر وأن يصرف زمناً في الخلاء يزول هذا المرض مؤقتاً ثم يعود إلى حالته عند عودة صاحبه إلى معاطاة أعماله. ولطالما نصح الطبيب للمصاب بسوء الهضم أن يتخلى عن أفكاره ويتناسى ما يشغل ذهنه ولكن هذه النصيحة قلما عمل بها إلا إذا كان في خلال الطعام. ولقد أبان بافلوف الفسيولوجي الروسي المشهور أنه ينبغي تنأول الطعام بسرور ليجود الهضم. فإذا كان صاحب المرض مشتت البال وقضي عليه أن يتناول طعاماً لا طعم له ولا لذة فيه لا يسيل اللعاب وعصارة المعدة ولا يعمل الهضم عمله وعلى العكس إذا استحسن المصاب به صحفه من الطعام فإنه يسيل لعابه في فمه وتحسن عصارة المعدة ويتم الهضم بسهولة. يقولون أن الطاهي إذا أجاد الطبخ يحمل الآكل على أن يتناول من الطعام فوق حد الكفاية وهذا غلط فإن الناس لا يفكرون بأن أمثال هذا الطاهي ينتفع بغفلة المصاب بسوء الهضم ويستدعي سيلأن اللعاب والعصارة. وينبغي أن يكون تام النضج على أن ذلك لا يكفي إذ الواجب على الآكل أن يتنأوله كما ينبغي على الوجه الذي ينبغي. وإن معاشر الناس بأسرنا نأكل أكلاً رديئاً أي أن طريقتنا في تعاطي الطعام ليست صحية فلا نرى حرجاً في الإسراع بتنأول كمية من الطعام على المائدة. وجوب التمهل في تنأول الطعام من الآفات المنتشرة كثيراً تنأول الطعام بسرعة فإن الوقت يقضي على بعض الناس أن يسرعوا في خضمهم وقضمهم لأن دواعي أعمالهم تبعثهم على ذلك وبعضهم وهم أهل المزاج العصبي يعجلون في جميع الأعمال ويستحيل عليهم أن يقوموا بالتأني في معاطاة عمل لهم فترأهم يقضون أعمالهم كلها بسرعة ويصدم حركاتهم بعضها بعضاً وتأخذ أفكارهم بعضها برقاب بعض ترى كثيرين منهم من إذا حفزتهم الشهوة للطعام وجلسوا إلى الخوان

стр. 902

يشعرون بحاجة شديدة لتنأول الأكل فيزدرونه ازدراداً دون أن يجعلوا في وقتهم متسعاً للمضغ وقصارا هم أن يخضموا طعامهم مسرعين. كانهم يرون الغذاء ضرباً من ضروب السخرة فيأبون التريث والتلكؤ فلا يكاد يفرغ ما بين أيديهم من الصحاف حتى يطلبوا غيرها بإلحاح وسرعة. وقد أطلقت اللغة ألفاظاً منوعة على الأكولين من مثل الاشتراط والنهم والشره أما الطبيب فإن هذه الأسماء تتساوى في نظره ويراها كلها بنتائجها فإن النهم وسرعة تنأول الغذاء على اختلاف حالاتها تؤول إلى نتيجة واحدة من تشويش الصحة. ذلك أن العصارات الهاضمة لا تؤثر التأثير الحسن في الأطعمة التي لم يحسن مضغها فإن الغذاء يتخمر ويحدث اضطرابات وبروزاً فاسداً وهي من الأسباب الفعالة في حدوث داء المفأصل. تزول هذه الاضطرابات بأسرها إذا عقد المرء العزم على أن يحسن المضغ بالتدريج وقد نصح الدكتور فلتشر الأمريكي بإجادة المضغ على مهل وبتقليب اللقمة بحيث تستحيل كالمرق وتنعم وتمتزج باللعاب أي امتزاج ومن رأيه أن يبقى اللبن والحساء والخمر وكل شراب مغذ مدة في الفم قبل البلع. واللقمة إذا جزئت وطحنت على هذا النحو تصبح كالمادة القلوية باللعاب السائل. وقد قال فلتشر أن هذه القلويات ضرورية لهضم الطعام ومما ينفع في هذا الاستعمال الفواكه الحامضة مثل التوت الإفرنجي (فريز) والريباس (عنب الثعلب). وقد تبين له أن الهضم سهل بهذه الطريقة فقلت جراثيم الأمعاء ولم يبق فيها غازات ولا فساد وقلت رائحة المواد البرازية وبقيت في الأمعاء مدة أطول وقل مقدارها وتقلصت الأمعاء. والمتمهل في طعامه يشعر بزيادة المسرة عند الغذاء وتطيب نفسه لتنأول طعام بسيط ويتبدل سير صحته فلا تعب في الجسم ولا في الفكر غب الطعام ولا وجع في ولا أوجاعا مجهولة وتقل أعراض الرثية والنقرس بل تزول وهكذا الحال في ضعف المجموع العصبي فإنه يتبدل ويبتهج صاحبه ويحسن نظره في المستقبل. لأن جميع هذه الأعراض السيئة وكثيراً غيرها هي ولا جرم ناشئة من تسمم الإنسان بيده من الطعام فوق طاقته على طريقة مختلة. وأن كثيراً من الأمراض المزعجة لتحدث من ذلك فإذا جاد المضغ وحسن تنأول الطعام لا يحدث من سواء أثرها ما يحدث. فليس من الضرورة لمن أراد الاحتفاظ بشبابه أن يملأ معدته كما قال الأستاذ متشنكوف باللبن الرائب أو بحسب رأي القائلين

стр. 903

بالتغذية بالنباتات أنت يمتنع الإنسان عن أكل اللحم بل يكتفي المرء بأن يحتاط لنفسه احتياطاً وأحداً وذلك بأن يمضغ بتأن فإذا فعل ذلك يسعده الحظ فيعمر مئة سنة. نعم أن تحمس أتباع فلتشر لا يخلو من غلو فقد أبان جأن فينوفي كتاب فلسفة طول الأعمار أن أحسن ما يداوي به المرء ليبلغ أقصى حدود الشيخوخة أن لا يكون فقط معتدلاً في كل شيء بل أن يكون من أسرة معمرة يبلغ أفرادها المئة سنة. وقد اعترف الأطباء في كل عصر بضرورة أطالة المضغ ليكون الهضم أصوله. وأنت ترى أن فلتشر لم يأت أمراً جديداً بل جعل من هذه الوصية الشائقة لجميع المصأبين بسوء الهضم قاعدة يسيرون علها وسنة يتبعونها. وقد أثبت المستر ستيدان أستاذ الفسيولوجيا في كلية بال الأميركية قدر هذه الوصية فأخذ ينظر بالدقة في طعام الأساتذة والتلاميذ والجند وقسم جراية كل إلى نصفين وجرب ذلك بالدقة وأخذ يسجل على وجه الصحة ما يدخل الجوف وما يخرج منه. فتوصل أقوياء البنية بمجرد تنأولهم الطعام بتأن أن يهضموا هنيئاً مريئاً نصف الطعام وأحياناً ثلثيه وقللوا خصوصاً من معدل لأنه هو الغذاء الذي يهيج بالأكثر تركيب التو كسين فقويت أجسامهم ونشطت وحالفتها البهجة وأخذوا يتمتعون بصحة أجود من صحة أخوانهم الذين لم يسيروا على سيرتهم. ينبغي تقليل كمية الغذاء أن لا نسرع في تنأول الطعام بل نكثر أيضاً من تنأوله فإن هذين النقصين متلازمين بالضرورة. ولا بد لمن يسرع في تنأول أكله أن يتناول كمية كبيرة من الطعام لأن جزءاً من طعامه لا يهضم وكلما أكل زادت شهوته ونهمه ولا تنتهي به الحال إلى الشبع. ولقد عرف القدماء مضار الإكثار من الطعام فضربوا لذلك الأمثال فاشتهرت عنهم وكان أول مؤلف أشاع ذلك بين الملأ ودعا إلى عدم الإكثار من الطعام لويجي كورنا رو (١٤٦٧_١٥٦٦) فإن هذا الشريف البندقي (نسبة لمدينة البندقية) بعد أن قضى سبابه في الفسق طفق في الأربعين من عمره عقيب مرض شديد عراه يجري على ترتيب مدقق في معيشته على نحو ما يجري الرهبأن النساك فأخذ يقلل كل يوم كمية طعامه شيئاً فشيئاً بحيث أنزله إلى ٣٤٠ غرأما من الطعام الجامد و٤٠٠ غرام من الخمر ونصب له ميزاناً

стр. 904

يتحقق به ما يدخل معدته وما يخرج منها. وهكذا تقدم هذا السري غيره يقرون في الأقلال من الطعام ولكنه لم يذكر الطريقة التي كان يمضغ بها فقويت بذلك صحته كثيراً وفي السبعين من سنة حدث له حادث مربع من عربة فقضقضت أعضاؤه وتهشمت جمجمته فحكم الأطباء بأنه هالك لا محالة ولكنه لم يلبث أن شفي. ولقد أراد أن يزيد طعامه بعض الشيء فمرض وعاد إلى التقشف في أكله ولم يعد يغضب ووجد راحة في فكره وأصبحت أخلاقه دمثة وحالته إلى النشاط والبهجة. وفي الثالثة والثمانين من عمره وضع كتاب ذكر فيه الطريقة التي ينبغي الجري عليها لتطول الحياة بلا أسقام ونشر أيضاً ثلاثة مصنفات في هذا الموضوع ومات في السابعة والتسعين وقال بعضهم في الثامنة بعد المئة. ومن عهد هذا الرجل كثرت الأمثلة المشابهة لحاله وأنا اقتصر على إيراد حدثها فأقول أن الرحالة يوحنا شاركو الذي نزل من السفينة في رحلته الأخيرة إلى القطب الجنوبي في جماعة من رفاقه ليتوغل في الجنوب لما كان توزيع الطعام موكولاً إليه أخذ يعطي كل فرد من رفاقه نصف جرايته بدون أن يقول لهم أنه نقصهم من طعامهم فلم يشك أحدهم جوعاً وكانوا على ما ينالهم من التعب مسرورين ولم يمرضوا وبذلك تيسر له أن يطيل أمد هذه الرحلة حتى إذا كانوا في العودة وقد بقي معه قسم عظيم من المؤن أنشأ يعطيهم الجراية تامة أي الجراية المظنون أنها ضرورية للإنسأن فأصيبوا كلهم إذ ذاك بسوء الهضم. وهنا سؤال وهو كم يقتضي للمرء من الجراية ليعيش على أقل تقدير. فأقول أن ذلك يرجع إلى أمور منها قامة الإنسان ووزنه ثم البلاد التي يعيش بها والجنس الذي ينسب إليه والعمل الذي يتعاطاه. وقد قام التواتر بتجارب مدققة للغاية في هذا الباب فأخذ رجلاً زنته ٦٠ إلى ٧٠ كيلو غراماً وكان يعيش في حرارة ١٧ درجة ويمتنع من كل عمل لا جدوى فيه وجعله في غرفة ووزن ما يدخل إليه وما يخرج منه بأدوات كثيرة منوعة كما وزن تنفسه وقدر جميع أعماله وأعطاه من الغذاء ما يولد فيه الحرارة اللأزمة إذا كان لا عمل له فرأى أنه في حاجة إلى ٢٢٥٠ من الكالوري في كل ساعة هذا إذا كان لا عمل له أي إلى ٣٣ من الكالوري في الكيلو غرام فالشبان يحتملون الإفراط في التغذية فلا يحدث من ذلك فيهم سوى زيادة في حرارة الجسم وعرق غير اعتيادي وحاجة غير معتدل وليس كذلك في الشيخ والرجل الذي بلغ أشده وفي جميع من لم تكن بنيتهم على حالة حسنة فإن الإفراط في

стр. 905

تنأول الأغذية يحمل المعدة فوق طاقتها فيشق عليها ويرهقها من أمرها عسراً. فإذا لم يتأت الهضم تخمر وتسمم ذاتي فتكثر الأملاح والحامض البولي الحامضة ويصاب المرء على الزمن باحتقأن الكبد وتغير الكلى والتحول إلى شحم فيكون بذلك مصاباً يوجع الأعصاب والمفأصل والسويداء وغيرها. كيف يتمكن المرء من الأقلال من الطعام ومن تنأوله بتأن تبين لك مما تقدم أن من مصلحة الإنسان أن يعدل عن طريقة عيشه ولا يقتضي ذلك كبير عناء ويكفي في هذا الباب إقناع المرء بذلك ليتحول إليه. على أنه من المحقق صعوبة التغلب على عادة سيئة حتى أن المصاب بسوء الهضم ليعترف بأنه يسرع في طعامه ويود إصلاح نفسه ولكن أرادته وحدها لا تكفي في مغالبة هواه فتراه يحتاط في أول جلوسه إلى المائدة ولكنه لا يلبث أن يعود إلى طبيعته فتتغلب عليه فيأخذ في القطع والبلع. ونظن أن مداواة هذا النقص تكون بإعطاء أطعمة منوعة كثيراً تتقدمها توابل مطبوخة كحساء الجلبان أو العدس والخذيعة (طعام من لحم أو سمك مخردل) وربما نصحوا باستعمال العلك فيهجم اللعاب والعصارة المعدية على الغذاء إلا أنه يلزم للعاب من الوقت ما يتمكن معه من البسيلان. ولذلك اقتضت الضرورة أن تكون البداءة بالأكل لقماً صغيرة وأن يمضغ بتأن حتى اللحم والحساء بل السوائل من اللبن والمرق والشراب. ويرجو بعضهم أن يعالجوا قلة سيلأن اللعاب بأن يمضغ بعد الأكل قطعة من الصمغ مضغاً طويلاً. فقد اعتاد الأمريكيون هذه الطريقة وما هي إلا ملطفة وملينة مؤقتاً فإن اللعاب يسيل متأخراً كثيراً فإذا وصل إلى المعدة يمتزج مع السوائل وعصارة المعدة فيفقد جزءاً من قوته. وهناك حيل يحتال بها لإصلاح حال الأكولين وزحزحتهم عن الشره فإذا كان الأكول يملأ معدته ليشبع فوق طاقته ونصح له أولا أن يقطع اللحم والخبز قطعاً صغيرة كما تقطع للأطفال وأن لا يتناول منها سوى لقمة دفعة واحدة وأن يتناول الحساء والبقول الناشفة بملعقة صغيرة وأن لا يأخذ إلى فمه شيئاً منها إلا إذا بلغ المعلقة الأولى برمتها. وتتيسر معالجة سوء الهضم بتحريض صاحبه على الأقلال من أنواع الأطعمة كثيراً كان يراد على أن يتناول فطيراً فيأكل منه على وتيرة واحدة وهو طعام قليل اللذة ولكنه من أكثر الأطعمة

стр. 906

هضماً ولا نرى هنا تعداد الطرق المختلفة التي يعمد إليها بعض الأمريكان فإن بعضهم يتنأولون غذاء مقتصرين فيه على الحبوب وبعضهم على الثمار وبعضهم يأبون أن يتنأولوا طعاماً دخل النار. ومما يرتاب فيه أن تكون أمثال هذه التدأبير في الأكل صالحة في ذاتها وعلى كل فهي تقلل من الشراهة. ولهذه التدأبير في نظر الفسيولوجيين عائق عظيم وهو أن المرء يتنأولها بدون لذة على حين قد قلنا آنفاً ينبغي لجودة الهضم أن يستحسن الإنسان ما يتنأوله من الطعام. يقتضي أن يكون طعام المصاب بسوء الهضم بسيطاً ولكن ينبغي أن يكون لذيذاً محضراً أحسن تحضير فإذا استحسنه المريض تنتهي به الحال أن يتلمظه ببطء وإذا رضي بأن يقدم له الطعام على مهل وأن يفصل بين كل صحفه بحديث مفرح فيكون ذلك من حسن طالع المصاب بسوء الهضم إذ يغدو معتدلاً في شرهه. وإذا لم يصلح المعمود نفسه على الرغم مما تقدم فله طريقة أخرى ينصح بها فليتشر قال: إذا بلغ الإنسأن الطعام وفيه بضعة أجزاء لم تستحق كل السحق تقف بعد الحلق أما الجزء السائل من اللقمة فإنه ينزل إلى البلعوم وعندها يستدعي ذلك عملاً جديداً من البلع لتسييرها إلى مقرها. خذ مثالاً لذلك طلمة (قرصاً) من الفاكهة فامضغها وأبلعها فإن التفل يستحيل باللعاب إلى مواد نشائية (هيدرات الكربون) نصف سائلة فتمر بعد ذلك في البلعوم أما قشر الثمار وبزها فإنه يقف قليلاً في الحلقوم وليس أسهل عند ذلك من إبداء حركة يعاد بها الطعام إلى الفم بدون قيء وأن تتعاور وهذه الأجزاء التي لم يحسن المرء سحقها ويعاد مضغها حتى لا يعود يحس بطعمها أصلاً فإن هذه الطريقة التي ارتآها وتحققها بذاته هي أسهل على الأجزاء من إبقاء الطعام ريثما يمضغ بتمامه. وهكذا ينبغي استعمال الحيل على العادات القبيحة فإن الأرادة مهما بلغ من قوتها لا تكفي إذا لم يساعدها الذكاء. الأطعمة السهلة الهضم يقول فلتشر أن كل من بلغت به الحال أن يأكل قليلاً بتأن لا تأتي عليه بضعة أشهر حتى يتمكن من تنأول كل شيء ويستطيع أن يهضم فينبغي له ريثما يسعده الحظ بهذه النتيجة أن يعنى كل العناية باختيار الأطعمة السريعة الهضم. وقد اختلف المؤلفون في معنى سريع الهضم على طرق شتى فقالت فئة: هو كل طعام يجري بسرعة إلى الأحشاء وعلى هذا

стр. 907

النظر قرروا لكل طعام الوقت الذي يصرفه في المعدة بيد أنه يمكن أن يمر في الأحشاء وهو غير مهضوم وغير قابل للتعديل. ويفضل أن ينظر كل طعام سريع على الهضم لأنه يستحيل في الحال إلى كيموس متشابه وأن من الصعب تحقيق أمر هذه الكيموسة. والأفضل أن يعمد في ذلك إلى أن يعمد في ذلك إلى التعريف العامي وهو أن كل طعام سريع الهضم إذا هضم بدون أن يدركه الإنسان وكل طعام لا يهضم هو الذي يحدث ثقلاً وانتفاخاً وتجشؤاً. وقد وضع الكيماويون والفسيولوجيين في كل زمان طبقات للطعام على قابليتها للهضم وعدمه فلم يكن بحثهم إلا تقرير الرأي الشائع. وإنا لا نذكر هنا ما وضعوه من القوائم والفهارس لأنك تجدها في جميع المعمودين بدون تمييز. بيد أن بعض الناس على لطافة معدهم يهضمون بعض الأطعمة الصعبة الهضم. دع عنك الاستعداد الشخصي الذي لا يحسن الأطباء تفسيره ويزخرفونه ستراً لجهلهم باسم مفخم فيدعونه (الأديوسأنكرازيا) وهو الميل أو الكراهة لبعض الأمور وينشأ من استعداد خاص بالمزاج. ثم أني أرى من الأشبه أن يقال أن هذه الأطعمة قابلة للهضم لأنه يلذ المرء تنأولها ولا ينبغي أن يستنتج من هذا أن كل طعام يروق في الذوق يكون سهلاً على الهضم فإن عكس ذلك هو المألوف وأحسن ما يجدر في هذا الباب تعاطيه أن يثق المرء باختباره الخاص. وعلى كل فإن بعض الأصناف من الغذاء سيئة الأثر في جميع المعمودين وهي الأطعمة المهيجة والأطعمة الدسمة. فإن الفلفل الأحمر والبهار والخردل والتوابل المصنوعة في الخل والطرطور الإنكليزي تهيج شهوة الطعام وليس سوى تهيج المخاطيات فينبغي الإمتاع عنها وكذلك الحال في الأدوية المفتحة (كالمياه المعدنية وغيرها) والإبسنت والخمر فإنها كلها تقاس على ما تقاس عليه تلك المشهيات أما الأطعمة الدسمة فإن فيها عائقاً أخر لأن الدهن يتحد مع مخاط المعدة فيمنع عنها البروز ويقاوم هجوم الأطعمة بالعصير المعدي. ومن المبادئ المقررة التي ينبغي للمعمود الجري عليها أن يكون طعامه لا دسم فيه ولحمه لا دهن فيه وسمكه كذلك وأن تكون الثمار التي يتنأولها غير زيتية. وهنا اعتراض وهوانه كيف يتأتى تحضير الأطعمة إذا منع الطاهي من وضع شجم الخنزير والدهن و (السلسات) الدسمة فإن معنى ذلك على أيدي الطاهي بحيث يتعذر عليه أن يحسن طبخ الطعام فيكون من ذلك على المعمود أشق من مرضه على أنه يمكن استخدام مادتين دسمتين سهلتين على

стр. 908

الهضم ألا وهما زيت الزيتون والسمن فإن زيت الزيتون الخالص يحسن أكله ولكن ينبغي ترغيب النفس في طعام الزيت. وسكان الجنوب من فرنسا عرفوا بهذه الميزة. وكذلك السمن فإنه الغذاء الدسم السريع الأنهضام على شرط أن لا يكون مطبوخاً فإذا كان السمن نيئاً يكون مستحلب وقطيرات دقيقة تعوق العصارات الهاضمة عن عملها كثيراً وإذا كان مطبوخاً يسوء هضمه كشحم الخنزير. فلا يضاف السمن على الأطعمة المختلفة إلا إذا رفعت هذه عن النار وتم طبخها وهذه الطريقة التي اعتادها مهرة الطهاة لأن السمن إذا أذيت على الوجه يحفظ طعمه. أما السمن النباتي المستخرج من الجوز الهند الذي أخذ يدخل المطابخ تحت أسماء متنوعة فإنه يهضم كالسمن الحيواني. وأراني في الختام قد مرنت على الكلام في فن الطبخ بكتابة هذه المقالة على أنها ليست فصلاً في الفسيولوجيا بل هي درس في الطبخ أردت أن أبن ببساطة أن لعناية المصأبين بسوء الهضم علاقة بهذا الفن ولو كنت أشكو من هذا المرض لعمدت إلى طبيب ممن عرف بشرهه وأخذت رأيه فيما يقتضي لي الجري عليه فإنه يكون ولا جرم ابن بجدة هذا المرض ولكن من الغلو أن يطلب مجموع هذه الصفات من رجل فرد.

стр. 909

نبأ من الصين لأحد علماء الفرنسيس بعد أن ثارت ثورات البوكسر من دعاة الفتنة في الصين وصار سبيل للأوروبيين أن يتداخلوا في شؤونها عمدت أن تحذو حذو اليابأن في إبدال أوضاعها بأوضاع غريبة وتصبغ بلادها بصبغة الحضارة الأوروبية فكان منها أن صرفت وجهتها إلى التعليم. وبعد أربع سنين ألغت نظام التعليم القديم وطريقة الأمتحانات العقيمة فعد ذلك انقلاباً عظيماً لا في السياسية بل في عد ضربة قاضية على كونفوشيوس وما لقيه بين أبناء الصين منذ القرن التاسع من النفوذ والتأثير فأصبحت تعاليمه هي المعمول بها وأساس كل تعليم في البلاد الصينية فكان يتحكم في جزئيات الصينيين وكلياتهم ولم يعهد أن كان لبشر مثل هذه السلطة على مثل ذي القوم في عدده وإن دامت سيطرة إنسان قروناً لا يجرأ أحد على مقضها. فقد كان من قبل المسيح بستمائة سنة. ولد في إمارة لو التي هي اليوم ولايةشانغ تونوهي للألمان تعد جزءاً من كياوتشو. نعم لم يعهد في تاريخ البشر ما يشبه هذه العبادة وهي مدينة دينية يعبدها رجل بسيط ويعبده شعب لا يحصى مدة ٢٤ قرناً في الشرق الأقصى. ولذلك لم يجسر أحد من أتباع هذا المذهب على إلغاء الطريقة القديمة في الفحوص وحذف اسم كونفوشيوس من المدارس سيما وصورته في كل صف يسجد لها التلميذ والأستاذ على حد سواء. فكان من هذا الانقلاب أن استعيض في المدارس عن تعليم جميع العلوم وجعلها فرعاً وأحداً يجعل كل فرع منها مختصاً بفئة من الناس كان تكون الأولى مدرسة للحقوق والأخرى للطب والثالثة للعلوم السياسية والرابعة للصنائع والفنون وغير ذلك وكأن يكفي في نيا الشهادة المدارس الكلية تأن ينشئ شيئاً في الأدب يأخذ موضوعه من كتب كونفوشيوس ويطلب إليه كتابه شيء في الشعر وكانت تفتح أبواب المناصب والمراتب أمام من يحسن ذلك من الطلاب. فعرفت الحكومة عقم هذه الطريقة في التعليم وأنشأت مدارس خاصة دعتها مدارس العلوم الحقيقية الثابتة وأنشأ الأمبراطور نظارة للمعارف العمومية ترقب أحوالها كما هو الحال في الغرب وستنقسم تلك المدارس على ثلاث طبقات ابتدائية ووسطى وعليا. وقد رخصت الحكومة لبعض الولاة أن ينشئوا في عمالاتهم مدارس مجانية يقرأ فيها التلاميذ نصف النهار ويتمكن الفقراء في خلال ذلك من الدراسة في الصباح والعمل لتحصيل قوتهم بعد الظهر وهذه المدارس أشبه بمدارس

стр. 910

البالغين في فرنسا والفرق بين هذه وتلك أن هذه تفتح في المساء وتلك تفتح في الصباح ذلك لأن الصينيين لا يسهرون في الليل اللهم إلا من يتعاطى الأفيون منهم وما عدأهم فإنهم يباركون منامهم حفظا لصحتهم وحرصا على الأضواء وصرف شيء منها عبثاً. ولقد كان إصلاح التعليم في الصين ونشر المعارف بين طبقات العملة أو الفقيرة من المستحيلات إلا بتسهيل طريقة الكتابة وكانت هذه من الإبهام والألتباس بحيث حالت دون العامة وتلقي المعارف الأدبية وغيرها. فرأى الأمبراطور من الحكمة أن يصدر أمره ليستعمل خط جديد صيني يتألف كله من خمسين حرفاً ويسهل إتقانه في شهرين. وبفضل أهل العلم جرائد تطبع بهذه الحروف الجديدة ليتمكن المتعلمون من استخدام هذه النغمة ولذا أصبحت نتائجها راهنة من الآن. أدركت الصين بعقول رجالها الثاقبة كل الإدراك أن نشر التعاليم الديمقراطية بين الغوغاء من أهلها لا يكون إلا بواسطة الصحافة التي تتنأولها العقول كلفة وأن الطريقة لحقيقة في إزالة غشاوة الأوهام عن الأبصار العامة وإزالة ما علق في نفوسهم عن الأجانب أن يطلعوهم على أوضاع الغربيين وكانوا يرونهم من قبل أعداء لا يمليون إلا على السلب ولا يظمئون إلا السفك الدماء ويطلقون عليهم شياطين الغرب. وإذ أخذت الصحف تستخدم الخط الجديد فستحارب هذه الأوهام وتنتهي بالتغلب عليها وإزالتها من العقول وهذا الرأي الشائع عند من يرون اختطاط خطة النجاح. يطمع الأمبراطور أن يبث العلم في عقول رعاياه وهذا الأمر موقوف على الإكثار من المدارس تحتاج إنفاق والصين يعوزها المال كما قد تمس الحاجة إليه في كل مملكة فلم ير ابن السماء بداً من استو كاف أكف الطبقات كلها وراح يفتتح الاكتتاب العامة وجعل لكل من يؤدي ألف فرنك لقب شرف أو وساماً ومن أدى من عشرة آلاف لإلى خمسين ألف فرنك يحق له أن ينشئ وسط الشوارع العامة قوس من نصر من الحجر يخلد به اسمه وعلى نسبة عظم المبلغ المعطى يكون البناء التذكاري جسيماً. وهذا من غرائب الحيل الباعثة على الطمع النافع. فالصبي يعجب بأجداده ولذلك تراه يتعاظم الآن إذا تخلد ذكره كما تخلدت أسماؤهم ويكون له بهذه الطريقة باب يثبت به إخلاصه لبلاده بل يؤيد به منحه وأعطياته وربما كان في الأوربيين من تطمح نفوسهم إلى هذا التمايز من أقامة أقواس

стр. 911

نصر من هذا النوع بعد أن كان الملوك حتى اليوم مستأثرين بمجدها دون سائر الناس. ومما أضافه ابن السماء على تلك الاكتتابات لإنشاء المدارس نزع ملكية الأراضي والعقارات لأجل المنافع العامة فصدر أمره إلى المعابد التي لم تقم على نفقة الحكومة ولا اعترفت هي بها أن تدفع مداخليها إلى خزانة الدولة لتخصص للمدارس. وعلى هذا الفكر أحالت الحكومة الصينية قصر أمير توأن السابق أثار ثورة البوكسر إلى مدرسة حربية خاصة بتعليم الأمراء والإشراف وأبناء الحكام من أهل الطبقة العالية وهذا القصر في بكين في المدينة التاتارية. ولا بد من الملاحظة هنا أن إنشاء المدرسة الحربية هي على طرفي نقيض مع تعاليم كونفوشيوس الذي ينفي الحرب ويحظره على الصينيين يعده أسوأ الجرائم. ولقد كان من كره هذا الفيلسوف ومقاومته للحروب أن أصبحت به المملكة السماوية بلا مدافع يدفع عنها عادية أعدائها فعرف الصينيون اليوم بما لقنتهم إياه يابان من دروسها الحاجة الماسة في الشرق الأقصى إلى تأليف الجيوش المنظمة القوية بمحض تجاربهم واستعدادهم ليقاوموا بها الدخيل الذي لا يرمي إلا إلى تجزئة بلادهم واكتساح أرضهم. وقد شعروا بأتن خضوعهم لتقاليدهم ولدينهم قد أضر بهم فقضى عليهم الحكيم كونفوشيوس. بيد أنهم لم يعصوا عليه ولم ينزعوا حبه من نفوسهم بل تركوه وشأنه وأخذوا ينظرون في أمرهم من طريق أخر. وأنشأت الحومة بجانب نظارة المعارف العمومية نظارة أخرى للمعارف مهمتها الأولى لأن تؤسس في المملكة كلها مدارس للتجارة والزراعة وتربية الدود والغابات وكان الصينيون على مثال قدماء الرومان يحتقرون التجارة ويعدون أهلها من الساقطين في الهيئة الاجتماعية ولا يرى الصينيون إلا الطاعة العمياء لما رسمته شريعة كونفوشيوس لأن هذا لا يحترم إلا الأدباء ورجال الدرس والبحث فأصبح ما كان دونهم ودون الترقي قروناً كثيرة جائز العمل مرخصاً. وكأنت الصين من قبل محرومة من المكاتب العامة على مثال خزائن الكتب في أوروبا فلم يظهروا لأحدهم منذ عهد كونفوشيوس ما يتأتى من الفوائد للمدينة فأسسوا اليوم مكاتب جمعوا فيها جميع الكتب المنقولة إلى اللغة الصينية التي نشرت في ممالك كثيرة في العلوم العلمية والمعارف الشائعة التي من شأنها أن تساعد الصين على النهوض وأنشأت الحكومة مكاتب للترجمة رسمية في جميع المدن الصينية الكبرى. أما المجلات فليس غير المرسلين

стр. 912

الكاثوليك والبروتستانت من يعنى بنشرها في الصين حتى الآن وهي تبحث في الموضوعات الدينية وتشغل قليلاً من صفحاتها بالأبحاث العلمية وقد ارتقت الصحافة كثيراً في الصين وفيها اليوم كثير من الجرائد اليومية والجرائد التي تصدر ثلاث مرات في الشهر وأدرك الصينيون منذ كارثة البوكسر أن الصحافة من المواد الجوهرية في الحياة العامة ولذلك ترى كل من تعلم القراءة منهم يقرأ الجرائد حتى الأمبراطور وجميع الجرائد الجديدة كلها تقريباً تكتب على مثال جريدةسهان باو التي تصدر في مدينة شنغاي وهي التي أسست سنة ١٨٦٨ على يد شركة صينية وذرع هذه الصحيفة الكبيرة متر وثلاثون سنتيما ذات ثماني صفحات طولها ٣٠ سنتيمتراً وعرضها ٣٠ وتباع بعشر سبايك وهي تعادل خمسة سانتيمات. وترى المقالات في هذه الجريدة التي يكتبها الأدباء العارفون من أهل الكفاءة جيدة في موضوعاتها منوعة الأساليب وهي في العادة مفعمة بالإحساس الطاهر ويظهر استقلال هذه الصحيفة مما تنصح به للحكومة وبما تدل عليه من الفساد المستحوذ في الإدارة وبما تعلقه على السياسة الخارجية وقد تكون تعليقاتها سديدة. وفي هذه الجريدة مجال طويل للبحث في الشؤون المختلفة وترى رواد الأخبار في الصين على غاية من المهارة يدخلون في كل مكان ويعرفون كيف يحدثون غيرهم ويروون عنهم الأخبار وهي طريقة أخذوها عن اليابانيين. وأحسنوها وترى الصفحات الأربع الأخيرة غاصة بالإعلانات التجارية صينية أو أجنبية وفي إعلانات الأجانب حروف باللغات الإفرنجية لإلفات أنظار الصينيين وورق هذه الجرائد معمول من ورق الخيزرانالبامبو ولذلك تراه رقيقاً للغاية ويطبع من وجه واحد ويترك الوجه الآخر أبيض لأنه شفاف يرى ما وراء لأنه أميل إلى الصفرة على أن لون ورق الجرائد وطبعها يمكن تغييرها في بعض الأحوال على نحو ما يفعل أرباب الطباعة إذا مات أحد أفراد الأسرة المالكة فتطبع الورقة التي تذكر الأمر المعلن بالخبر على طبع أزرق وهو علامة الحداد عند إمبراطورتهم لأن البياض لا يتجلى على الورق الأصفر المستعمل في العادة وعند زواج الأمبراطور وعيد ولادته أو ولادة الأمبراطورة والدته تصدر الصحف على ورق أحمر وهو لون العيد والسعادة وتطبع بالسواد. ويستعمل اللون الأحمر أيضاً في اليوم الأول من السنة وهو يصادف بعد شهر من رأس السنة في أوروبا.

стр. 913

والجرائد المصورة ناجحة في المدن العظمى وهذه الصحف مؤلفة من اثنتي عشرة ورقة مضاعفة ولها غلاف أحمر أو أخضر وثمن النسخة عشرون سنتيما أما الصور فتكون خطوطاً في موضوع جديد. ليس في الصين قوانين مقيدة لحرية الكلام والكتابة كما أنه ليس فيها قوانين تتضمن لها حقوقها بحيث أن الصحافيين الصينيين هم تحت رحمة رجال الشرطة والحكام كل حين. ولما لم تكن الصحف الصينية لهذا العهد لسان حال حزب سياسي فليس لها قوة ولا خطر منها على الحكومة ولذلك يصح أن يقال أن ليس في الصين صحف غير ولا صحف معارضة وقد حاولت مؤخراً جريدة أنشئت في وسط بلاد الصين بشركة صينية يابانية أن تنزع عن تلك الطريقة وتخرج عن رقبتها فألغاها الوالي للحال. ولا بأس أن نختم هذا الفصل بالكلام على الصين الحديثة بأن الحكومة الصينية أخذة بتنشيط تعليم النساء وكان حتى الآن مهملاً بالمرة إذ أن المرأة كانت أبداً في الشرق ولاسيما في الشرق الأقصى بعيدة عن الإتمام بشؤون بلادها أما الأن فقد أسست الأميرات المالكة المدارس وتطوعت العقائل اليابانيات للتدريس في كل مكان من بكين وسو تشو وهذه من بلاد الصين بمثابة باريس من فرنسا. وأنشئت عدة مدارس كثيرة لبنات الأسرات الكبيرة وقد حضر في العهد الأخير أربع عشرة أميرة مغولية إلى بكين ليلقين فيها التعليم الأوروبي. واللغو الإنكليزية تدرس في جميع هذه المدارس. وأنت ترى أن للصين الجديدة مستقبلاً زاهراً يبعث الغرب على الطمأنينة الآن وهو خائف من الحظر الأصفر وأن الصين تسير إلى المستقبل في نفس الخطة التي اختطها الغربيون نعم أن هذا الأمر يحتاج إلى زمن طويل قبل أن تأتى الشجرة المغروسة بأثمار يعتد بها حقيقة ولكن الصيني عرف بصبره لذلك تراه يؤمل نيل النتيجة في هذا القرن وهو الذي عرف أن ينتظر الغد ويرقبه رقبة الفلاسفة مدة طويلة لا تقل عن بضعة ألوف من السنين.

стр. 914

صحف منسية كتاب الاشربة لابن قتيبة استخرجه أحد علماء المشرقيات من الفرنسيس توطئة ابن قتيبة أشهر من أن يذكر هنا بكلمات قليلة تكون له وقائمة ولذلك لم أر حاجة إلى إعادة ما ترجم به في وفيات الأعيان كما مذهب كل من طبع له كتاباً في الشرق فاكتفي بما أتى ابن خلكان عن البحث اللائق بشأن عيون الأخبار وكتاب المعارف. ثم أني أن صغر حجم كتاب الاشربة لا يقبل الإطاعة في الخطبة_وإن كأنت الأطالة في الخطب مما عوقب ابن قتيبة في الوفيات_فأرجأت إلى وقت آخر إنشاء مقالة تفي بحقوق هذا العلامة إن شاء الله فأحضر الكلام الأن في الكتاب الذي بدأت اليوم بنشره ووصف النسخة التي نقلته عنها وبالله التوفيق. أما الكتاب فمعروف وقد ذكره صاحب كشف الظنون (تحت عدد ٩٨٤٦ الجزء ٥ ص٤٣) واستشهد ببعض فقراته غير واحد من الأدباء لاسيما ابن عبد ربة فإن هذا النهاب نقل إلى العقد الفريد معظم كتاب الاشربة بعد أن خلط بين أجزائه ولو كان طبع العقد بما يجب له من العناية والدقة لكنا ربما أمسكنا عن نشر كتاب الاشربة مع ما أسقطه ابن عبد ربه من الفوائد الجزيلة والمحاسن الجليلة التي جرت عادة ابن قتيبة أن يأتي بها على أسلة قلمه. وإذا قرأت ما كتبه صاحبنا في الخمر والنبيذ وغيرهما مما قد حرم أو أحل شربه فلا بأس بأن تقرأ ما جاء به ابن ربه في هذه المسألة لتصلح الأغلاط العديدة الواقعة في نسخ العقد المطبوعة وتطلع على ما عاتب به الأمام ابن قتيبة من أطالة الكلام وعلة النسيأن المؤدية إلى التناقض بين قوليه فنأسف لأن الله لم يمن على ابن قتيبة بعمر طويل ليحيا إلى عصر ابن عبد ربه فيطلع على ما كتبه هذا ويهديه التوفيق لشرح الأحاديث التي أدعى الناس تناقضها في كتابه المؤلف في تأويل مختلف الحديث. أما النسخة التي نقل عنها النص فعبارة عن أحد المؤلفات الموجودة في مجموع من مجاميع مصطفى باشا المحفوظة في دار الكتب الخديوية وقد نقلت من المجموع الذي عدده ١٦٦

стр. 915

ثلاثة كتب للأصمعي وهي كتاب الشاء وكتاب الدارات وكتاب النبات والشجر نشرها كلها الدكتور أوغست هفنر وطبع منها الأدباء اليسوعيين ببيروت في سنة ١٨٩٨ كتاب الدارات وكتاب النبات والشجر. وتصفحت فهارس للمخطوطات المحفوظة في دور الكتب في الشرق والغرب فلم أظفر بغير نسخة من كتاب الاشربة. فلله در هذا الناسخ الذي وقى من أيدي الضياع هذه الأثار الأصمعية والقتيبية وأن لم يكن علمه باللغة والمعاني يوازي مهاراته بفن الخط فإنه يحذف الكلمات والفقر ولا يشعر وهذا شأن متأخرين النساخ كلما رأى الرائي ما ينسخون يحكم عليهم بأنهم ينقلون الكلام بدون فهم ولا علم. واسم الناسخ عبد الحليم بن أحمد اللوجي نسخ مجموعة النفيس في جزئيين قدم الثاني وأخر الأول في التجليد فأوله قد انتهى من تحريره يوم الجمعة غزة محرم سنة ١١٠٥ وثانيه في أواخر ذلك الشهر وكتاب الاشربة موجود في الجزء الثاني المقدم من الصفحة ٥٥ إلى الصفحة ٨٠ وطول الصفحة ٣٧ سنتيمتراً وعرضها ١٦ وعدد السطور في الصفحة ٢٩ سطراً والخط دقيق واضح ولما لم أعثر على نسخة أخرى للكتاب عمدت إلى النص المنقول في العقد الفريد لضبط هذه الرسالة بعد المقابلة. وأما الرواية فإنها جاءت مرتين فأثبتنا التي بعد البسملة كما ترى وأزلنا التي بعد ترجمة الكتاب وهي رواية الحسين بن المظفر بن أحمد بن كنداج عن أبي محمد عبد الله بن جعفر ابن دستورية النحوي عن ابن طاهر محمد بن عبد الله البيع. إذ المشهور أن ابن دستورية كان من تلاميذ ابن قتيبة وروى عنه. كتاب الاشربة وذكر اختلاف الناس فيها تأليف أبي محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اخبرنا الشيخ أبو طاهر محمد بن علي بن عبد الله فيما أذن لنا أن نرويه عنه قال اخبرنا أبو عبد الله الحسين بن المظفر كنداج (وفي الأصل كداج) البزاز قراءة عليه قال اخبرنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن دستورية النحوي قراءة عليه قال أبو محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة: الحمد لله الذي هدانا لدينه المرتضى. وأكرمنا بنبيه المصطفى. وجعلنا خير أمة أخرجت
следующие страницы →