Полный текст (6 802 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
نصر من هذا النوع بعد أن كان الملوك حتى اليوم مستأثرين بمجدها دون سائر الناس.
ومما أضافه ابن السماء على تلك الاكتتابات لإنشاء المدارس نزع ملكية الأراضي والعقارات لأجل المنافع العامة فصدر أمره إلى المعابد التي لم تقم على نفقة الحكومة ولا اعترفت هي بها أن تدفع مداخليها إلى خزانة الدولة لتخصص للمدارس. وعلى هذا الفكر أحالت الحكومة الصينية قصر أمير توأن السابق أثار ثورة البوكسر إلى مدرسة حربية خاصة بتعليم الأمراء والإشراف وأبناء الحكام من أهل الطبقة العالية وهذا القصر في بكين في المدينة التاتارية. ولا بد من الملاحظة هنا أن إنشاء المدرسة الحربية هي على طرفي نقيض مع تعاليم كونفوشيوس الذي ينفي الحرب ويحظره على الصينيين يعده أسوأ الجرائم. ولقد كان من كره هذا الفيلسوف ومقاومته للحروب أن أصبحت به المملكة السماوية بلا مدافع يدفع عنها عادية أعدائها فعرف الصينيون اليوم بما لقنتهم إياه يابان من دروسها الحاجة الماسة في الشرق الأقصى إلى تأليف الجيوش المنظمة القوية بمحض تجاربهم واستعدادهم ليقاوموا بها الدخيل الذي لا يرمي إلا إلى تجزئة بلادهم واكتساح أرضهم. وقد شعروا بأتن خضوعهم لتقاليدهم ولدينهم قد أضر بهم فقضى عليهم الحكيم كونفوشيوس. بيد أنهم لم يعصوا عليه ولم ينزعوا حبه من نفوسهم بل تركوه وشأنه وأخذوا ينظرون في أمرهم من طريق أخر. وأنشأت الحومة بجانب نظارة المعارف العمومية نظارة أخرى للمعارف مهمتها الأولى لأن تؤسس في المملكة كلها مدارس للتجارة والزراعة وتربية الدود والغابات وكان الصينيون على مثال قدماء الرومان يحتقرون التجارة ويعدون أهلها من الساقطين في الهيئة الاجتماعية ولا يرى الصينيون إلا الطاعة العمياء لما رسمته شريعة كونفوشيوس لأن هذا لا يحترم إلا الأدباء ورجال الدرس والبحث فأصبح ما كان دونهم ودون الترقي قروناً كثيرة جائز العمل مرخصاً.
وكأنت الصين من قبل محرومة من المكاتب العامة على مثال خزائن الكتب في أوروبا فلم يظهروا لأحدهم منذ عهد كونفوشيوس ما يتأتى من الفوائد للمدينة فأسسوا اليوم مكاتب جمعوا فيها جميع الكتب المنقولة إلى اللغة الصينية التي نشرت في ممالك كثيرة في العلوم العلمية والمعارف الشائعة التي من شأنها أن تساعد الصين على النهوض وأنشأت الحكومة مكاتب للترجمة رسمية في جميع المدن الصينية الكبرى. أما المجلات فليس غير المرسلين
стр. 912
الكاثوليك والبروتستانت من يعنى بنشرها في الصين حتى الآن وهي تبحث في الموضوعات الدينية وتشغل قليلاً من صفحاتها بالأبحاث العلمية وقد ارتقت الصحافة كثيراً في الصين وفيها اليوم كثير من الجرائد اليومية والجرائد التي تصدر ثلاث مرات في الشهر وأدرك الصينيون منذ كارثة البوكسر أن الصحافة من المواد الجوهرية في الحياة العامة ولذلك ترى كل من تعلم القراءة منهم يقرأ الجرائد حتى الأمبراطور وجميع الجرائد الجديدة كلها تقريباً تكتب على مثال جريدةسهان باو التي تصدر في مدينة شنغاي وهي التي أسست سنة ١٨٦٨ على يد شركة صينية وذرع هذه الصحيفة الكبيرة متر وثلاثون سنتيما ذات ثماني صفحات طولها ٣٠ سنتيمتراً وعرضها ٣٠ وتباع بعشر سبايك وهي تعادل خمسة سانتيمات. وترى المقالات في هذه الجريدة التي يكتبها الأدباء العارفون من أهل الكفاءة جيدة في موضوعاتها منوعة الأساليب وهي في العادة مفعمة بالإحساس الطاهر ويظهر استقلال هذه الصحيفة مما تنصح به للحكومة وبما تدل عليه من الفساد المستحوذ في الإدارة وبما تعلقه على السياسة الخارجية وقد تكون تعليقاتها سديدة. وفي هذه الجريدة مجال طويل للبحث في الشؤون المختلفة وترى رواد الأخبار في الصين على غاية من المهارة يدخلون في كل مكان ويعرفون كيف يحدثون غيرهم ويروون عنهم الأخبار وهي طريقة أخذوها عن اليابانيين. وأحسنوها وترى الصفحات الأربع الأخيرة غاصة بالإعلانات التجارية صينية أو أجنبية وفي إعلانات الأجانب حروف باللغات الإفرنجية لإلفات أنظار الصينيين وورق هذه الجرائد معمول من ورق الخيزرانالبامبو ولذلك تراه رقيقاً للغاية ويطبع من وجه واحد ويترك الوجه الآخر أبيض لأنه شفاف يرى ما وراء لأنه أميل إلى الصفرة على أن لون ورق الجرائد وطبعها يمكن تغييرها في بعض الأحوال على نحو ما يفعل أرباب الطباعة إذا مات أحد أفراد الأسرة المالكة فتطبع الورقة التي تذكر الأمر المعلن بالخبر على طبع أزرق وهو علامة الحداد عند إمبراطورتهم لأن البياض لا يتجلى على الورق الأصفر المستعمل في العادة وعند زواج الأمبراطور وعيد ولادته أو ولادة الأمبراطورة والدته تصدر الصحف على ورق أحمر وهو لون العيد والسعادة وتطبع بالسواد. ويستعمل اللون الأحمر أيضاً في اليوم الأول من السنة وهو يصادف بعد شهر من رأس السنة في أوروبا.
стр. 913
والجرائد المصورة ناجحة في المدن العظمى وهذه الصحف مؤلفة من اثنتي عشرة ورقة مضاعفة ولها غلاف أحمر أو أخضر وثمن النسخة عشرون سنتيما أما الصور فتكون خطوطاً في موضوع جديد.
ليس في الصين قوانين مقيدة لحرية الكلام والكتابة كما أنه ليس فيها قوانين تتضمن لها حقوقها بحيث أن الصحافيين الصينيين هم تحت رحمة رجال الشرطة والحكام كل حين. ولما لم تكن الصحف الصينية لهذا العهد لسان حال حزب سياسي فليس لها قوة ولا خطر منها على الحكومة ولذلك يصح أن يقال أن ليس في الصين صحف غير ولا صحف معارضة وقد حاولت مؤخراً جريدة أنشئت في وسط بلاد الصين بشركة صينية يابانية أن تنزع عن تلك الطريقة وتخرج عن رقبتها فألغاها الوالي للحال.
ولا بأس أن نختم هذا الفصل بالكلام على الصين الحديثة بأن الحكومة الصينية أخذة بتنشيط تعليم النساء وكان حتى الآن مهملاً بالمرة إذ أن المرأة كانت أبداً في الشرق ولاسيما في الشرق الأقصى بعيدة عن الإتمام بشؤون بلادها أما الأن فقد أسست الأميرات المالكة المدارس وتطوعت العقائل اليابانيات للتدريس في كل مكان من بكين وسو تشو وهذه من بلاد الصين بمثابة باريس من فرنسا. وأنشئت عدة مدارس كثيرة لبنات الأسرات الكبيرة وقد حضر في العهد الأخير أربع عشرة أميرة مغولية إلى بكين ليلقين فيها التعليم الأوروبي. واللغو الإنكليزية تدرس في جميع هذه المدارس.
وأنت ترى أن للصين الجديدة مستقبلاً زاهراً يبعث الغرب على الطمأنينة الآن وهو خائف من الحظر الأصفر وأن الصين تسير إلى المستقبل في نفس الخطة التي اختطها الغربيون نعم أن هذا الأمر يحتاج إلى زمن طويل قبل أن تأتى الشجرة المغروسة بأثمار يعتد بها حقيقة ولكن الصيني عرف بصبره لذلك تراه يؤمل نيل النتيجة في هذا القرن وهو الذي عرف أن ينتظر الغد ويرقبه رقبة الفلاسفة مدة طويلة لا تقل عن بضعة ألوف من السنين.
стр. 914
صحف منسية
كتاب الاشربة
لابن قتيبة
استخرجه أحد علماء المشرقيات من الفرنسيس
توطئة
ابن قتيبة أشهر من أن يذكر هنا بكلمات قليلة تكون له وقائمة ولذلك لم أر حاجة إلى إعادة ما ترجم به في وفيات الأعيان كما مذهب كل من طبع له كتاباً في الشرق فاكتفي بما أتى ابن خلكان عن البحث اللائق بشأن عيون الأخبار وكتاب المعارف.
ثم أني أن صغر حجم كتاب الاشربة لا يقبل الإطاعة في الخطبة_وإن كأنت الأطالة في الخطب مما عوقب ابن قتيبة في الوفيات_فأرجأت إلى وقت آخر إنشاء مقالة تفي بحقوق هذا العلامة إن شاء الله فأحضر الكلام الأن في الكتاب الذي بدأت اليوم بنشره ووصف النسخة التي نقلته عنها وبالله التوفيق.
أما الكتاب فمعروف وقد ذكره صاحب كشف الظنون (تحت عدد ٩٨٤٦ الجزء ٥ ص٤٣) واستشهد ببعض فقراته غير واحد من الأدباء لاسيما ابن عبد ربة فإن هذا النهاب نقل إلى العقد الفريد معظم كتاب الاشربة بعد أن خلط بين أجزائه ولو كان طبع العقد بما يجب له من العناية والدقة لكنا ربما أمسكنا عن نشر كتاب الاشربة مع ما أسقطه ابن عبد ربه من الفوائد الجزيلة والمحاسن الجليلة التي جرت عادة ابن قتيبة أن يأتي بها على أسلة قلمه. وإذا قرأت ما كتبه صاحبنا في الخمر والنبيذ وغيرهما مما قد حرم أو أحل شربه فلا بأس بأن تقرأ ما جاء به ابن ربه في هذه المسألة لتصلح الأغلاط العديدة الواقعة في نسخ العقد المطبوعة وتطلع على ما عاتب به الأمام ابن قتيبة من أطالة الكلام وعلة النسيأن المؤدية إلى التناقض بين قوليه فنأسف لأن الله لم يمن على ابن قتيبة بعمر طويل ليحيا إلى عصر ابن عبد ربه فيطلع على ما كتبه هذا ويهديه التوفيق لشرح الأحاديث التي أدعى الناس تناقضها في كتابه المؤلف في تأويل مختلف الحديث.
أما النسخة التي نقل عنها النص فعبارة عن أحد المؤلفات الموجودة في مجموع من مجاميع مصطفى باشا المحفوظة في دار الكتب الخديوية وقد نقلت من المجموع الذي عدده ١٦٦
стр. 915
ثلاثة كتب للأصمعي وهي كتاب الشاء وكتاب الدارات وكتاب النبات والشجر نشرها كلها الدكتور أوغست هفنر وطبع منها الأدباء اليسوعيين ببيروت في سنة ١٨٩٨ كتاب الدارات وكتاب النبات والشجر. وتصفحت فهارس للمخطوطات المحفوظة في دور الكتب في الشرق والغرب فلم أظفر بغير نسخة من كتاب الاشربة. فلله در هذا الناسخ الذي وقى من أيدي الضياع هذه الأثار الأصمعية والقتيبية وأن لم يكن علمه باللغة والمعاني يوازي مهاراته بفن الخط فإنه يحذف الكلمات والفقر ولا يشعر وهذا شأن متأخرين النساخ كلما رأى الرائي ما ينسخون يحكم عليهم بأنهم ينقلون الكلام بدون فهم ولا علم. واسم الناسخ عبد الحليم بن أحمد اللوجي نسخ مجموعة النفيس في جزئيين قدم الثاني وأخر الأول في التجليد فأوله قد انتهى من تحريره يوم الجمعة غزة محرم سنة ١١٠٥ وثانيه في أواخر ذلك الشهر وكتاب الاشربة موجود في الجزء الثاني المقدم من الصفحة ٥٥ إلى الصفحة ٨٠ وطول الصفحة ٣٧ سنتيمتراً وعرضها ١٦ وعدد السطور في الصفحة ٢٩ سطراً والخط دقيق واضح ولما لم أعثر على نسخة أخرى للكتاب عمدت إلى النص المنقول في العقد الفريد لضبط هذه الرسالة بعد المقابلة. وأما الرواية فإنها جاءت مرتين فأثبتنا التي بعد البسملة كما ترى وأزلنا التي بعد ترجمة الكتاب وهي رواية الحسين بن المظفر بن أحمد بن كنداج عن أبي محمد عبد الله بن جعفر ابن دستورية النحوي عن ابن طاهر محمد بن عبد الله البيع. إذ المشهور أن ابن دستورية كان من تلاميذ ابن قتيبة وروى عنه.
كتاب الاشربة
وذكر اختلاف الناس فيها
تأليف أبي محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اخبرنا الشيخ أبو طاهر محمد بن علي بن عبد الله فيما أذن لنا أن نرويه عنه قال اخبرنا أبو عبد الله الحسين بن المظفر كنداج (وفي الأصل كداج) البزاز قراءة عليه قال اخبرنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن دستورية النحوي قراءة عليه قال أبو محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة:
الحمد لله الذي هدانا لدينه المرتضى. وأكرمنا بنبيه المصطفى. وجعلنا خير أمة أخرجت
стр. 916
للناس إيمانا بالغيب وتصديقا بالوعد وشفقا من الوعيد وإخلاصا للتوحيد. وأعطانا بالصغير الكبير. وباليسير الكثير. وبالحقير الخطير. وبطاعته في الأيام المعدودة الخلود في النعيم المقيم ورضي منا بعفو الطاعة وفسح لنا في التوبة وجعل من وراء الصغير المغفرة ومن وراء الكبير الشفاعة فلم يهلك عليه إلا من نفر نفار الظليم وشرد شراد البعير وأوسع لنا من طيب الرزق وحرم علينا الخبائث ولم يجعل في الدين من حرج ولا حظر بالاستبعاد إلا ما جعل منه الخلف إلا طيب والبذل إلا ما وفر منه رحمة منه وبرا ولطفا وعطفا. فحرم علينا بالكتاب الميتة والدم ولحم الخنزير وبالسنة سباع الوحش والطير وعوضنا من ذلك بهيمة الأنعام الثمانية الأزواج وسائر الوحش وصنوف الطير وحرم علينا بالكتاب الميسر وبالسنة القمار وعوضنا من ذلك اللهو بالرهان والنضال وحرم علينا الربا واحل البيع وحرم السفاح واحل النكاح وحرم بالسنة الديباج والحرير وعوضنا الخز والوشي والعقم والرقم وحرم بالكتاب الخمر وبالسنة المسكر وعوضنا منهما صنوف الشراب من اللبن والعسل وحلائل النبيذ.
وليس فيما عازنا من وراء من هذه الأمور التي وقع الحظر والإطلاق شيء اختلف فيه الناس اختلافهم في الاشربة وكيفية ما يحل منها وما يحرم منها وما يحرم على قديم الأيام مع قرب العهد بالرسول ﷺ وتوافر الصحافة وكثرة العلماء المأخوذ عنهم المقتدى بهم حتى يحتاج ابن سيرين مع ثاقب علمه وبارع فهمه إلى أن يسأل عبيدة السلماني عن النبيذ وحتى يقول له عبيدة وقد لحق خيار الصحابة وعلماؤهم منهم علي وابن مسعود اختلف علينا في النبيذ. وفي رواية أخرى. أخذت الناس أشربة كثيرة فمالي شراب منذ عشرين سنة إلا اللبن أو ما العسل. وإن شيئا وقع فيه الاختلاف في ذلك العصر بين أولئك الأئمة لحري أن يشكل من بعدهم وتختلف فيه آراؤهم ويكثر فيه تنازعهم وقد بينت من مذاهب الناس فيه وحجة كل فريق منهم لمذهبه وموضع الاختيار من ذلك بالسبب الذي أوجبه والعلة التي دلت عليه ما حضرني من بالغ العلم ومقدار الطاقة لعل الله يهدي به مسترشدا ويكشف من غمة وينقذ من حيرة ويعصم شاربا ما على دخل الفاسد من التأويل والضعيف من الحجة ويردع طاعنا على خيار السلف بشرب الحرام وأؤمل بحسن النية في ذلك من الله حسن المعونة والتغمد للزلة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 917
قد اجمع الناس جميعا على تحريم الخمر بكتاب الله إلا قوما من مجان أصحاب الكلام وفساقهم لا يعبأ الله بهم فإنهم قالوا: ليست الخمر محرمة وإنما نهى الله عن شربها تأديبا كما أنه أمر في الكتاب بأشياء ونهى عن أشياء على جهة التأديب وليس منها فرض كقوله في العبيد والأماء: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا. وقوله في النساء فاهجروهن في المضاجع واضربوهن - ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط وقالوا لو أراد تحريم الخمر لقال حرمت عليكم الخمر كما قال حرمت عليكم الميتة والدم. وليس للشغل بهؤلاء وجه ولا لتشقيق الكلام بالحجج عليهم معنى إذ كانوا ممن لا يجعل حجة على إجماع وإذ كان ما ذهبوا إليه لا يختل على عأقل ولا على جأهل واجمع الناس على أن ما غلا وقذف الزبد من عصير العنب من غير أن تمسه النار خمر وانه لا يزال خمرا حتى يصير خلا واختلفوا في الحال التي يخرج بها من منزلة الخمر إلى منزلة الخل فقال بعضهم: هو إن يتناهى في الحموضة حتى لا يبقى فيها مستزاد وقال آخرون: هو إن تغلب عليها الحموضة وتفارقها النشوة. وهذا هو القول لأن الخمر ليست محرمة العين كما حرم عين الخنزير وإنما حرمت بعرض دخلها فإذا زايلها ذلك العرض عادت حلالا كما كانت قبل الغليان حلالا وما أكثر من يذهب من أهل النظر إلى أن الخمر إذا انقلب عن عصير والخل إذا انقلب عن خمر أن عين كل واحد غير عين الآخر وهذا القول ما ليس به خفاء على من تدبره وأنصف من نفسه وكيف يكون هاهنا عينان والجسم واحد لم يخرج من الوعاء ولم يبدل وإنما أنتقلت أعراضه تارة من حلاوة إلى مرارة وتارة من مرارة إلى حموضة ولم يذهب العرض الأول جملة واحدة ولا أتى العرض الثاني جملة (واحدة) وإنما زال من كل واحد شيء بعد شيء كما ينتقل طعم الثمرة وهي غضة من الحموضة إلى الحلاوة وهي يانعة والعين قائمة وكما يأجن الماء بطول المكث فيتغير طعمه وريحه والعين قائمة وكما يروب اللبن بعد أن كان صريفا فيتغير طعمه والعين قائمة ومثل الخمر مما حل بعرض وحرم بعرض المسك كان دما عبيطا حراما ثم جف وحدثت رائحته فيه فصار طيبا حلالا. وأما النبيذ فاختلفوا في معناه فقال قوم: هو ماء الزبيب وماء التمر من قبل أن يغليا فإذا اشتد ذلك وصلب فهو خمر. وقالوا: إنما كان الأولون من الصحابة والتابعين يشربون ذلك يتخذونها في صدر نهارهم ويشربونه في آخره ويتخذونه من أول الليل ويشربونه على
стр. 918
غدائهم وعشائهم. وقالوا: سمي نبيذا لأنهم كانوا يأخذون القبضة من التمر أو الزبيب فينبذونها في السقاء أي يلقونها فيه. وقال آخرون: النبيذ ما أتخذ من الزبيب والتمر وغيرها من المستخرج بالماء أو ترك حتى يغلي وحتى يسكن. ولا يسمى نبيذا حتى ينتقل عن حاله الأولى كما لا يسمى العصير خمرا حتى ينتقل عن حلاوته ولا يسمى الخمر خلا حتى تنتقل عن مرارتها ونشوتها وإنما سمي نبيذا لإنه كان يتخذ وينبذ أي يترك ويعرض عنه حتى يبلغ. وهذا هو القول لأن النبيذ لو كان ماء الزبيب لما وقع فيه الاختلاف ولأجمع الناس جميعا على أنه حلال من قبل أن يغلي ففيم اختلف المختلفون وعم سأل السائلون؟ قال الشاعر:
نبيذ إذا مر الذباب بدنه ... تعطر لو خر الذباب وقيذا
وقال ابن شبرمة:
ونبيذ زبيب ما اشتد منه ... فهو تخمر والطلاء نسيب
وقال آخر:
تركت النبيذ وشرابه ... وصرت حديثا لمن غاب
فسماء نبيذا وهو يفعل هذا الفعل ولا يجوز أن يكون أراد ماء الزبيب ولا ماء التمر قبل أن يغليا وروى الراقدي عن أخيه سملة بن عمر بن شيبة بن أبي كبير الاشمعي عن أبيه عن رسول الله ﷺ . قال: يخدر الوجه من النبيذ ولتفاتر منه الحسنات وروى شريك عن أبي اسحق عن عمرو بن حريث قال: سقاني ابن مسعود نبيذا شديدا من جر اخضر وحدثني سبابة عن عمرو بن حميد عن بن سليم قال: حدثني أصحاب انس إنه كان يشرب النبيذ الصلب الذي يكون في الخوأبي وما جاء في مثل هذا مما يدل على أن النبيذ ما غلي واسكر كثيره وفرق قوم بين نبيذ الزبيب ونبيذ التمر ولا اعلم بينهما فرقا فيكره واحد ويستحب وآخر لإنهما جميعا مسكران. أنشد ابن أعرأبي (هزج)
ألا أيها المهدي ... إلينا من شهر
دع الآس ولا تغفل ... إذا جئت عن التمر
فإن الآس لا يسك - ر واللذة في السكر
حجج المحرمين لجميع ما أسكر
стр. 919
وأما المسكر فإن فريقا يذهبون إلى أن كل شيء أسكر كثيره كائنا ما كان ولو بلغ فرقا فقليله كائنا ما كان ولو كان مثقال حبة من خردل حرام. فلم يفرقوا بين ابن ثلاث ليال من نبيذ التمر إذا غلي وبين ابن ثلاث أحوال من عتيق السكر وعتيق الخمر ولا فرقوا في ذلك بين منفرد وخليطين ولا بين شديد وسهل ولا بين ما استخرج بالماء وما استخرج بالنار وقضوا عليه بأنه حرام وبأنه خمر وذهبوا من الأثر إلى حديث حدثنيه محمد بن خالد خداش عن أبيه عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: كل ما مسكر خمر وكل مسكر حرام. وحديث حدثنيه اسحق بن راهويه عن المعتمر بن سليمان عن المهدي بن ميمون عن أبي عثمأن الأنصاري عن القاسم عن عائشة رحمة الله عليها أن النبي صلى الله وسلم قال: كل مسكر حرام وما أسكر الفرق فالحسوه منه حرام. وحديث حدثنيه محمد بن عبيد عن ابن عيينة عن الزهري عن أبي سلمه عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: كل شراب أسكر فهو حرام. مع أشباه لهذا من الحديث يطول الكتاب باستقصائها وفي ما ذكرنا من هذه الأحاديث غنى عن ذكر جميعها لأنها أغلظها في التحريم وأشدها إفصاحا به ووإبعادا من حيلة المتأول.
وقالوا: والشاهد على ذلك من النظر أن الخمر إنما حرمت لإسكارها وجرائرها على شاربها لأنها رجس. قال الله تعالى وجل من قائل: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطأن فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل انتم منتهون﴾. وقد كان كثير من أصحاب رسول الله ﷺ حرموا الخمر على أنفسهم في الجاهلية لعلمهم بسوء مصرعها وكثرة جناياتها. قالت عائشة رحمة الله عليها: ما شرب أبو بكر رحمة الله عليه خمرا في جاهلية أو إسلام. وقال عثمان رحمة الله عليه: ما تغنيت ولا تفتيت ولا شربت خمرا في جاهلية أو إسلام ولا مست فرجي بيميني منذ بايعت رسول الله ﷺ ١وكان عبد الرحمن بن عوف ترك شربها وقال فيها بيتا:
رأيت الخمر شاربها معنى ... برجع القول أو فصل الخطاب
حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعد قال قال عثمان: إياكم والخمر فإنها مفتاح كل شر. أتي برجل فقيل له: إما أن تخرق هذا
стр. 920
الكتاب وإما أن تقتل هذا الصبي وإما أن تسجد لهذا الوثن وإما أن تشرب وإما أن تقع على هذه المرأة. فلم ير أهون عليه من شرب الكأس فشرب فوقع على المرأة وقتل الصبي وخرق الكتاب وسجد للصليب. وقيل للعباس بن مرداس في جاهليته: لم لا تشرب الخمر فإنها في جرأتك. فقال: ما أنا بأخذ جهلي بيدي فادخله في جوفي وأصبح سيد قومي وسفهيهم. وقيل له بعد ما أسن واسلم: قد كبرت سنك ودق عظمك فلو أخذت من هذا النبيذ شيئا يقويك. فقال: أصبح سيد قومي وأمسي سفهيهم وآليت أن يدخل رأسي ما يحول بيني وبين عقلي. وكان قيس بن عاصم يأتيه في جاهليته تاجر خمر فيبتاع منه ولا يزال الخمار في جواره حتى ينفذ ٢ ما عنده فشرب قيس ذات يوم فسكر سكرا قبيحا فجذب ابنته وتنأول ثوبها ورأى القمر فتكلم بشيء ثم انهب ماله ومال الخمار وانشأ يقول وهو يضربه.
من تاجر فاجر جاء الإله به ... كان لحيته أذناب أحمال
جاء الخبيث بميسانية٣تركت ... صحبي وأهلي بلا عقل ولا مال
فلما صحا خبرته ابنته بما صنع وما قال فإلى لايذوق الخمر أبدا وقال.
رأيت الخمر صالحة وفيها ... خصال تفسد الرجل الحليما
فلا والله اشربها صحيحا ... ولا اشقي بها أبدا سقيما
ولا أعطي بها ثمنا حياتي ... ولا أدعو لها أبدا نديما
وكان عثمان بن مظعون حرم الخمر في الجاهلية وقال: لا اشرب شرابا يذهب بعقلي ويضحك بي من هو أدنى مني وأزوج كريمتي من لا أريد. فبيتنا هو بالعالي إذ أتاه آت فقال: أشعرت أن الخمر حرمت؟ وتلا عليه الآية في المائدة فقال تبا لها لقد كان بصري فيها نافذا. قيل لأعرأبي أتشرب النبيذ؟ فقال: لا اشرب ما يذهب عقلي. ودعا يزيد بن عبد الملك نصيبا أو كثيراً إلى ندامته فقال: يا أمير المؤمنين اني لم أصر إلى هذه المنزلة بمال ولا دين وإنما وصلت إليها بلساني وعقلي فإن رأيت أن لا تحول بيني وبينهما فافعل وقال بعض الشعراء:
ومن تقرع الكأس الذميمة سنة ... فلا بد يوما أن يريب ويجهلا
فلم أر مشروبا أخس غنيمة ... وأوضع للإشراف منها واخملا
وأجدر إن تلقي حليما بغيها ... ويشربها حتى يخر مجدلا
стр. 921
وقال آخر:
ولست بلاح لي نديما بزلة ... ولا هفوة كانت ونحن على الخمر
عزلت بجبني قول خدني وصاحبي ... ونحن على صهباء طيبة النشر
وأيقنت أن السكر طار بلبه ... فاغرق في شتمي وقال وما يدري
ودخل أمية بن خالد بن أسيد على عبد الملك بن مروان وبوجهه أثار فقال: ما هذا؟ فقال: قمت الليل فأصاب الباب وجهي فقال عبد الملك:
رأتني صريع الخمر يوما فسؤتها ... وللشاربيها المدمنيها مصارع
فقال أمية: لا أخذني الله بسوء ظنك يا أمير المؤمنين. فقال لا بل لا أخذني الله بسوء مصرعك. ودخل حارثة بن بدر العداني على زياد وكان حارثة صاحب شراب وبوجهه أثر. فقال له زياد: ما هذا الأثر في وجهك؟ فقال: ركبت فرسا لي أشقر فحملني حتى صدم بي الحائط. فقال له زياد: إما أنك لو ركبت الأشهب لم يصبك مكروه.
وقال ابن هرمة الشاعر في شرفه ونسبه وجودة شعره يشرب الخمر بالمدينة ويسكر فلا يزال الشرط وقد أخذوه ورفعوه إلى الوالي في المدينة فحده فوفد على أبي جعفر المنصور وقد قال فيه المدحة التي امتدحته بها وقافيتها لام فاستحسنها وقال له: سل حاجتك. قال يا أمير المؤمنين تكتب إلى عامل المدينة أن لا يحدني إن وجدني سكرانا. فقال أبو جعفر: هذا حد من حدود الله وما كنت لأعطله فهل من حاجة غيره؟ قال لا والله يا أمير المؤمنين فاحتل لي بحيلة فكتب المنصور إلى عامله. من أتاك بابن هرمة وهو سكرأن فاجلده مائة جلدة واجلد ابن هرمة ثمانين. فرضي ومضى بكتابه فكان العون إذا مر به صريعا قال: من يشتري ثمانين بمائة؟ ثم أعرض عنه. وكان مالك بن قيس من ثقيف يشرب مع ابن الكأهلية يوم عرفة وهم محرومون فغلبه السكر فنام حتى فات الحج وأدركه ابن الكأهلية فقال:
أليس الله يا مال ابن قيس ... وان غبنا عليك رقيب عين
أقم صدر المطيعة وانج اني ... أراني وابن نعجة هالكين
فأية جريرة أعظم من هذه وأية غبنة أشد من غبنتها وأية صفقة أخسر من صفقتها وماذا يلقى صاحبها فإذا عاودها هان عليه القبيح قال القطامي
стр. 922
أفر إذا أصبحت من كل عاذل ... وأمسي وقد هانت علي العواذل
وقال ابن هانئ:
اسقني حتى تراني ... حسنا عندي القبيح
وسقى قوم إعرأبية مسكرا فلما أنكرت نفسها قالت لهم: أيشرب هذا نساؤكم؟ قالوا: نعم قالت: لئن كنتم صدقتم لا أحدكم من أبوه. وكان العرب في الجاهلية وفي صدر الإسلام يشتدون على النساء في شربه حتى ما يحفظ أن امرأة شربت ولا أن امرأة سكرت. وحدثني الرياشي عن الأصمعي قال عقيل بن علقمة المري غيورا فكأن يسافر ببنت له الجرباء فسافر بها مرة فقال
قضت وطرا من دير سعد وربما ... على غرض ناطحنه بالجماجم
ثم قال لابن له يقال له عملس: أجز فقال لا
فا صبحن بالموماة يحملن فتية ... نشاوى من الادلاج ميل العمائم
ثم قال لابنته: أجيزي يا جرباء فقالت
كان الكرى سقأهم صرخدية ... عقارا تمشي في المطا والقوائم
فقال: والله ما وصفتها هذه الصفة إلا وقد شربتها ثم أحال عليها يضربها (بالسوط) فلما رأى ذلك بنوه وثبوا عليه فحلوا فخذه بسهم فقال
إن بني زملوني بالدم ... من يلق أبطال الرجال يكلم
شنشنة أعرفها من اخزم
واخزم فحل والشنشنة الشبه وقد فضح الله بالشراب أقوأما من الإشراف فحدوا ودونت في الكتب أخبارهم ولحقت بتلك السبة أعقابهم. منهم الوليد بن عقبة (بن أبي معيط أخو عثمأن لأمه) شهد عليه أهل الكوفة بشرب الخمر وأنهم صلى بهم الغداة (ثلاث ركعات) وهو سكرأن فقال: (إن شئتم) زدتكم. شهره الله بذلك وبمنادمة أبي زبيد الشاعر وكان نصرانياً فحده علي بن أبي طالب بين يدي عثمان وفيه يقول الحطيئة: كامل
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالغدر
نادى وقد تمت صلواتهم ... أأزيدكم ثملا وما يدري
ليزيدهم خيرا ولو قبلوا ... لجمعت بين الشفع والوتر
стр. 923
كبحوعنانك إذ جربت ولو ... تركوا عنانك لم تزل تجري.
ومنهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب شرب بمصر) فحده هناك عمرو بن العاص سرا فلما قدم على عمر ﵁ حده حدا آخر (علانية). ومنهم العباس بن عبد الله بن العباس كان ممن شهر بالشرب وبمنادمة الأخطل الشاعر وكان نصرانيا وفيه يقول:
ولقد غدوت على التجار بمسح ... هرت عواذله هرير الاكلب
لذ تقبله النعيم كانما ... مسحت ترائبه بماء الذهب
لباس أردية الملوك يروقه ... من كل مرتقب عيون الربرب
ينظرون من خلل النور إذا بدا ... نظر الهجأن إلى الفنيق المصعب
فضل الكياس إذا تشتى لم يكن ... خلفا مواعده كبرق الخلب
وإذا تعورت الزجاجة لم يكن ... عند الشراب بفاحش منقطب
فأخبر أنه غدا على تجار الشراب به وأخبر أنه يروقه عيون النساء ويرقنه. وكان عبيد الله بن عبد الله بن عباس من أحمل الناس وكأن يقال له المذهب لجماله فمدحه كما كان يمدح بعض النصارى وكأنت الشهرة في الشعر على حسب حسنه ورغبة الناس في حفظه.
ومنهم قدامة بن مظعون من أصحاب رسول الله ﷺ حده عمر بشهادة علقمة الحصي عليه وغيره في الشراب. ومنهم عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب المعروف بأبي شجمة حده أبوه في الشراب وفي أمر آخر فمات. وعاصم بن عمر بن الخطاب حده بعض ولاة المدينة في الشراب. وعبد الله بن عروة بن الزبير حده هشام بن إسماعيل المخزومي في الشراب. وعبد العزيز (بن) مروان حده عمر بن الأشدق في الشراب. وممن فضح بالشراب بلال بن أبي بردة (الأشعري) قال يحيى بن نوفل الحميري:
وأما بلال فذاك الذي ... تميل الشراب به حيث مالا
يبيت يمص عتيق الشراب ... كمص الوليد يخاف الفصالا
ويصبح مضطربا ناعسا ... تخال من السكر فيه أحولا لا
ويمشي ضعيفا كمشي النزيف ... تخال به يمشي شكالا
ومنهم عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي القاضي بالكوفة فضح بمنادمة سعد بن هبار فقال
стр. 924
حارثة بن بدر (٤).
نهاره في قضايا غير عادلة ... وليله في هوى سعد بن هبار
ما يسمع الناس أصواتاً لهم عرضت ... إلا دوياً دوي النحل في الغار
فأصبح القوم إطلاقا أضر بهم ... حث المطايا وما كانوا بسفار
يدين أصحابه فيما يدينهمو ... كأساً بكأس وتكراراً بتكرار
وهذا عبد الملك بن مروان بعد اجتهاده في العبادة فضحه الله تعالى في الشراب فكان يشرب المغذي وقال له سعيد بن المسيب: بلغني يا أمير المؤمنين أنك تشرب بعدي الطلا.
فقال أي والله والدماء. وهذا الوليد نقم عليه الناس شرب المسكر ونكاح أمهات أولاد أبيه فقتلوه. وهذا يزيد بن معاوية كأن يقال إذا ذكر الخمور والقرود فقال فيه.
ابني أمية أن آخر ملككم ... جسد بحوارين ثم مقيم
طرقت منيته وعند وساده ... كوب وزق راعف مرثوم
ومرنة تبكي على نشوانة ... بالصبح تقعد تارة وتقوم
ومنهم خالد بن عمرو بن الزبير وفيه يقول القائل
إذا أنت نادمت العتير وذا الندى ... جبيراً وعاطيت الزجاجة خالدا
أمنت بأذن الله أن تقرع العصا ... وأن يوقظوا من رقدة السكر راقدا
وصرت بحمد الله في خير فتية ... حسأن الوجوه لا تخاف العربدا
والعجب عندي قوله * وأن يوقظوا من السكر * وأكثر ما يوقظ السكرأن للصلوة افتراء حمدهم على تركهم إيقاظه للصلوة إذا سكر؟ وهذا أبو محجن الثقفي شهد يوم القادسية وأبلى بلاء حسناً شهر وكان فيمن شهد ذلك اليوم عمرو بن معد يكرب فقدم عليه وهو القائل.
إذا مت فادفني إلى أصل كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذقها
فحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب قال: أخبرني الأصمعي عن ابن الأصم عن عبد العزيز بن مسلم العفيلي قال رأيت قبر أبي محجن الثقفي بأرمينية الرابطة تحت شجرات من كرم. (الباقي يتبع)
стр. 925
مطبوعات ومخطوطات
شرح ديوان المتنبي
ما رزق أحد من الشعراء حظوة كحظوة المتنبي في شعره وما خدم ديوانه. ولعل ذلك والله أعلم من أجل تلك الحكم الرائعة التي تخللت شعره. وما يخيل لي أن المتنبي بقي اسمه يردد على الأفواه كل يوم ألوفاً من المرات إلا بفضل حكمه وإلا فالمديح والنسيب الذي فيه يوجد مثله في دواوين غيره من الشعراء. اطلعت بالاتفاق على شرح لهذا الديوان لأبي الحسن علي بن أحمد الو احدي المتوفى سنة ٤٦٨ قال صاحب كشف الظنون فيه وهو أجمل ما وجدنا عليه من الشروح وأكثرها فائدة ليس في شروحه مثله.
قال فيه الشارح بعد البسملة والحمدلة والصلاة: أما بعد فإن الشعر أنقى كلام. وأعلى نظام. وأبعد مرقى في درجة البلاغة. وأحسنه ذكراً عند الرواية والخطابة. وأعلقه بالحفظ مسموعاً. وأدله على الفضيلة الغريزية مصنوعاً. وحقاً لو كان الشعر جوهراً لكان عقياناً. أو من نبات لكان ريحاناً. ولو أمسى نجوماً لزاد ضياؤها. أو عيوناً لما غار ماؤها فهو ألطف من در الطل. في أعين الزهر إذا انفتحت الرياض غب المطر. وأرق من دمع المستهام. ومن رقرق بماء الغمام. وهذا وصف أشعار المحدثين الذين تأخروا عن الجاهلية. وعن نأنأة الإسلام إلى أيام ظهور الدولة العباسية. فإنهم الذين أصبح بهم الشعر عذباً فراتاً بعد ما كان ملحاً أجاجاً. وأبدعوا في المعاني غرائب أوضحوا بها لمن بعدهم طرقا فجاجاً. حتى أصبحت روضة الشعر. مفتحة الأنوار يانعة الثمار. مفتقة الأزهار. متسلسلة الأنهار. فثمرات العقول منها تجتبى. وذخائر الكتابة عن غرائبها تقتني. وكواكب الآداب منها تطلع. ومسلك العلم من جوانبها يسطع وإليها تميل الطباع. وعليها تقف الخواطر والأسماع. وإليها ينشط الكسلان وعند سماعها يطرب الثكلان. لما لها من المزاين والتدبيج. وسطوع روائح المسك الأريج.
وبعد أن أورد حديث أن من الشعر لحكمة وقول عائشة الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح فخذ الحسن ودع القبيح قال: ولقد رويت أشعاراً منها القصيدة أربعون ودون ذلك وأن الناس منذ عصر قديم قد أولوا جميع الأشعار صفحة الأعراض مقتصرين منها على شعر أبي الطيب المتنبي نائين عما يروى لسواه. وأن فاته وجاوز في الإحسان مداه. وليس ذلك
стр. 926
إلا البحث اتفق لها فعلاً وبلغ المدى وقد قال:
هو الجد حتى تفضل العين أختها ... وحتى يكون اليوم لليوم سيدا
وجاء في آخر الشرح. هذا آخر ما اشتمل عليه ديوانه الذي رتبه بنفسه وهو خمسة آلاف وأربعمائة وأربع وتسعون من الفراغ من نسخ هذا التفسير والشرح السادس عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وأربعمائة قال الشيخ الأمام ﵀: إنما دعاني إلى تصنيف هذا الكتاب مع خمول الأدب وانقراض زمانه اجتماع أهل الكتاب أهل العصر قاطبة على هذا الديوان وشغفهم بحفظه وروايته والوقوف على معانيه وانقطاعهم عن جميع أشعار العرب جأهليها وإسلاميها إلى هذا الشعر واقتصارهم عليه في تمثلهم ومحاضرتهم وخطبهم ومقاماتهم حتى كان الأشعار كلها فقدت وليس ذلك إلا لتراجع الهمم وخلو الزمان وتقاصر الرغبات وقلة العلم بجوهر الكلام ومعرفة جيده من رديه ومطبوعه من متكلفه ومع ولوع الناس بهذا الديوان لا ترى أحداً يرجع في معرفته إلى محصول أو يعي ببيان عن مودعاته وغوامض معانيه ومشكلاته. . . .
وهاك نموذجاً صغيراً من شرحه قال:
أبي خلق الدنيا تديمه ... فما طلبي منها حبيباً ترده
قوله تديمه من فعل الدنيا وكذلك ترده أي تدفعه ويجوز أن يريد ترده إلى الوصل يقول حبيب تديمه الدنيا قد أبت ذلك أي تأبى أن تديم حبيباً على الوصال فكيف أطلب منها حبيباً تمنعه عن وصالنا وكيف أطلب منها أن ترده إلى الوصال بعد أن أعرض وهجر.
وأسرع مفعول فعلت تغيراً ... تكلف شيء في طباعك ضده
يقول أن الدنيا لو ساعدتنا بقرب أحبتنا لما دام ذلك لأن الدنيا بنيت على التغير والتنقل فإذا فعلت غير ذلك كانت كمن تكلف شيئاً هو ضد طبعه كما قال حاتم
ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه ... يدعه وترجعه إليه الرواجع
ومثله قول الأعشى السني
ومن يقترف خلقا سوى خلق نفسه ... يدعه وتغلبه عليه الطبائع
وأدوم أخلاق الفتى ما تشابه ... وأقصر أفعال الرجال البدائع
وقول إبرأهيمبن المهدي
стр. 927
من تحلى شيمة ليست له ... فارقته وأقامت شيمه
وقال في شرح
وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده
هو مثل ضربه لنفسه كان يقول أنا أتعب خلق الله لزيادة همتي وقصور طاقتي من الغنى عن مبلغ ما أهم به وهذا مأخوذ مما في الحديث أن بعض العقلاء سئل عن أسوء الناس حالاً فقال من قويت شهوته وبعدت همته واتسعت معرفته وضاقت مقدرته. وقال الخليل ابن أحمد
رزقت لباً ولم أرزق مروته ... وما المروءة إلا كثرة المال
إذا أردت مسامات تقاعدني ... عما ينوه باسمي رقة الحال
فلا ينحل في المجد مالك كله ... فينحل مجد كان بالمال عقده
هذا نهي عن تبذير المال والإسراف في إنفاقه يقول لا تذهب مالك كله طلب المجد لأن المجد كله لا ينعقد إلا بالمال فإذا ذهب مالك كله انحل ذلك المجد الذي كان يعقد بالمال ألا ترى إلى قول عبد الله بن معاوية
أرى نفسي تتوق إلى أمور ... يقصر دون مبلغهن مالي
فلا نفسي تطاوعني ببخل ... ولا مالي يبلغني فعالي
وقد كتب الأصل بالحمرة والشرح بالحبر الأسود على عادة الكتب القديمة ولولا نقص كراس منه لكان جديراً بالطبع وقد روى بعضهم أن هذا الكتاب مطبوع في أوروبا والنسخة التي تكلمت عليها كتبت في شهر رمضأن سنة ١٠٧٥ وعدد أوراقها ٥٢٥ من الحجم الوسط
الإدراك للسأن الأتراك
نشر مسيو لوسين بوفا من مشاهير علماء المشرقيات عند الفرنسيس هذه الرسالة النافعة لمؤلفها أبي حيان الأندلسي المولود في غرناطة سنة ٦٥٤ والمتوفى في مصر سنة ٧٥٤ وكان أبو حيان كثير التصنيف ذكر له مترجموه زهاء سنين مصنفاً وهو العلم المفرد في النحو وله خمس رسائل في نحو اللغة التركية وصرفها وقد قال عن هذه الرسالة أنها لم ينسخ على منوالها كتبها عقيب مقامه في مصر واختلاطه بالترك الذين كانوا ملوك عصره
стр. 928
وهذه الرسالة تنقسم كما قال ناشرها إلى كتاب مفردات اللغة التركية مترجمة إلى العربية وفيها نحو ألفين لفظة والقسم الثاني في التلفظ والتصريف والقسم الثالث في النحو فنشكر للناشر عنايته أكثر الله في خدمة العلم أمثاله
الفنون السبعة
أهدنا مسيو هرمان كيز من علماء المشرقيات من الألمان نسخة واحدة من هذه الرسالة وعني بالفنون السبعة الشعر القريض والموشح والزجل والمواليات والكان وكان والقوما وشرحها كلها بالألمانية مع إيراد بعض الفقرات باللغة العربية. والقوما والكان وكان لا يعرفها سوى أهل العراق. وحبذا لو عاد هذه الآونة إلى ما كان كتبه في هذا الموضوع وأشبعه مع ترجمة جميع ما يكتبه لتعم فائدته الجميع
مناقضاة العلماء
اطلعنا على رسالة للأمير شكيب أرسلأن في رثاء فقيد اللغة الشيخ إبرأهيماليازجي فما قاله فيها
لم يبرح الدهر فتاك المضارب عن ... أيامه البيض أو ليلاته السمر
إذا لها غافل عن رعي طارقه ... فللشدائد منه بالغ النذر
كفى برب المنايا واعظاً وجزاً ... رشداً لمن كان من دنيا على غرور
تخالف الناس في الأهواء حين حيوا ... وجمع الموت منهم كل منتثر
وقد يلج ببعض كيد شانئه ... ولو درى لصفا صفواً بلا كدر
وقد يحاول في أعدائه ظفراً ... وأنه بين ناب الموت والظفر
كم وترت قوس ضغن كف ذي ترة ... فأذهب الموت عزم الوتر والوتر
والدمع يغسل ما بالقلب من وضر ... كما يزول غبار الأرض بالمطر
إلى أن يقول بعد أن وفاه حقه من الرثاء
إليك حقك لا ظلم ولا سرف ... لاينكر الشمس إلا فاقد البصر
وأن يؤأخذك نقاد بباردة ... فليس يرجم إلا مثمر الشجر
وقد يعاب الذي في البدر من كلف ... وليس يسلب معنى الحسن في القمر
الإسلام في أفريقية الشرقية
стр. 929
مسيو لشاتليه من كبار علماء المشرقيات المنصرفين في فرنسا إلى دراسة أحوال الشرق ولاسيما أهل الإسلام وبلادهم قضى في ذلك السنين الطويلة وهو اليوم رئيس مجلة العالم الإسلامي الفرنسوية وله في الأبحاث المشار إليها عدة مصنفات ممتعة ومنها هذا الكتاب الذي أتحفنا بنسخة منه قرأنا فيها أدلة على فضله وتحقيقه فقد تكلم فيه على مسلمي غربي أفريقية كلام من رحل إليهم وخالطهم وعرف عجرهم ونجرهم وشفع كلامه بنصوص تاريخية ووصف أحوالهم الاجتماعية والدينية والمعاشية والسياسية في سفر ضخم وقع في زهاء ٣٧٠ صفحة وشفعة بمصورات تفيد القارئ إذا أراد أن يتصور تلك البلاد. ومما استنتجته أن الإسلام عريق في تلك البلاد يرد عهده إلى زمن عمرو بن العاص لما فتح مصر وجاءه ستة من البربر ودانوا بالإسلام وراحوا ينشرونه بين أهلهم وعشيرتهم وأن الويز دي كاداموستو قال سنة ١٤٥٥ أن الإسلام يزداد انتشاره بين قبائل الزنوج في أفريقية الغربية. ومن رأي المؤلف أن الدين المحمدي يعم الزنوج في أفريقية إذا لم يستخدم المرسلون الكاثوليك والبروتستانت لتنصير من بقي منهم من بلا دين. وعلى الجملة فقد وصف بلاد السودانيين والصحراء والبربر والعرب بما لم يبق بعده مجال لقائل شأن العارفين المحققين الذين يؤلفون ويحسنون فجاء هذا الكتاب مرجعاً يستفتيه كل من تهمة دراسة أحوال أولئك الزنوج.
منهل الوراد
قسطاكي بك من أعيان حلب مشهور بأدبه وفضله ألف بعد بحث ستة عشر عاماً كتاباً في علم الانتقاد أصدر الجزء الأول منه في نحو ثلاثمائة صفحة تكلم فيه على علم النقد عند العرب وقال أنه لم يكن معروفاً عندهم أيام استبحار العلم والحضارة في أقطارهم وأن ما عرف عنهم لا يصح في الأكثر أن يسمى نقداً وتكلم على تاريخ النقد عند سائر الأمم وفي القرون الوسطى والقرون الحديثة وعلى أساليب الإنشاء ورتب الشعر وطبقاته وأفاض في ذلك فهذا الجزء الأول هو في تاريخ النقد وموضوعه استوفى تاريخه عند الإفرنج أكثر مما استوفاه عند العرب والجزء الثاني وهو تحت الطبع في قواعد هذا الفن وفروعه. وقد أهدى المؤلف كتابه لطلاب العلم وتلاميذ المدارس عسأهم يقعون على فائدة في تضاعيف سطور صرف المصنف على تدوينها شطراً من العمر قائلا أنه خالف بذلك عادة متقدمي
стр. 930
العلماء والكتاب في هذا اللسأن العربي المبين من إهداء تآليفهم لبعض أمراء عصرهم وحكام زمانهم كما فعل أبو منصور الثعالبي بإهداء كتابه نثر النظم وحل العقد إلى الملك المؤيد أبي العباس خوارزم شاه وكتأبيه المشهورين فقه اللغة ويتيمة الدهر إلى الأمير عبيد الله أبي الفضل الميكالي وحذا حذوه الفتح بن خاقان بإهداء كتاب قلائد العقيأن إلى أمير المؤمنين أبي اسحق بن يوسف ين تاشفين والفيروزابادي بإهداء القاموس لمجلس الملك الأشرف إسماعيل صاحب اليمن وأهدى الفيلسوف ابن خلدون تاريخه إلى أمير المؤمنين أبي عبد الله المريني.
بارك الله لقسطا كي بك بهمته التي ساقته إلى أفراد هذا الفن بالتأليف. والنقد كما هو معلوم يرتقي بارتقاء الأمة فعسى أن يكون من الكتب النافعة ما ينتج منه ارتقاؤه في هذا العصر بين الأمة العربية.
نجعة الرائد
أتحفنا الشيخ حبيب اليازجي بنسخة من هذا الكتاب النفيس في المترادف والمتوارد تأليف عمه فقيد اللغة الشيخ إبرأهيماليازجي وفي هذا الكتاب أبواب مهمة لا يستغني كاتب معرب عن ألفاظها وجملها التي اختارها الشيخ من أرق الألفاظ ومنسجم التراكيب للعرب وهذا الجزء في العلم والأدب وما إليهما وفي سياقه أحوال وأفعال شتى مما يعرض في الألفة والمجتمع والمعاش وفي معالجة الأمور وذكر أشياء من صفاتها وأحوالها وهو ما يقع في ٢٢٥ صفحة جيدة الطبع تدل على غور كاتبها وتدقيقه فحبذا لو اعتمدت عليه المدارس المصرية في التدريس والمراجعة فإنه من خير ما ألف في موضوعه وهو يطلب من مطبعة المعارف بالفجالة بمصر.
كتاب الأخلاق
طبع محمد أفندي هاشم الكتبي هذه الرسالة المفيدة للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي كتبها إلى بعض أخوانه سنة إحدى وتسعين وخمسمائة هجرية بقلم بليغ يذكرنا بنمط الأندلسيين في الإنشاء. وهذه الرسالة مما يعلي مقام الشيخ الأكبر في صدر المنكرين عليه دع عنك المعتقدين به لأنه لم يذكر فيها ما لا يقع تحت الحس بل ذكر فاضل الأخلاق وسفسافها ومما قاله فيها: وملاك الأمر في تهذيب الأخلاق وضبط النفس الشهوانية والنفس
стр. 931
الغضبية هي تقوية النفس الناطقة فإن بهذه تكون جميع السياسات وهذه النفس إذا قويت (وأصبحت) متمكنة من صاحبها أمكنه أن يسوس بها قوتيه الباقيتين ويكف نفسه عن جميع القبائح ويتبع أبداً مكارم الأخلاق وإذا لم تكن هذه النفس قوية في صاحبها وكانت مقهورة خافتة فلول ما ينبغي أن يعتمده في سياسة أخلاقه أن يروض هذه النفس ويقويها وتقوية هذه النفس إنما يكون بالعلوم العقلية فإنه إذا نظر في العلوم العقلية ودقق النظر فيها ودرس كتب الأخلاق والسياسة وداوم عليها تيقظت نفسه وتنبهت وانتعشت من خمولها وأحست بفضائلها وأنفت من رذائلها وذلك أن هذه إنما تضعف وتخفت إذا عدمت الفضائل والمناقب واستولت عليها فإذا اقتبست الفضائل واكتسبت الآداب تيقظت وتنبهت من غشيتها وثارت من سكرتها وقويت بعد ضعفها وفضائل هذه النفس هي العلوم العقلية وخاصة ما دق منها والرسالة كلها من هذا النمط في الانسجام والمرامي السامية في تهذيب النفس واشرابها حب الفضيلة.
غريب القرآن
طبع محمد أمين أفندي الخانجي وشركاؤه هذا الكتاب المسمى بنزهة القلوب للأمام أبي بكر محمد عزيز السجستاني من أهل المئة الرابعة وهو على حروف المعجم مشروح ألطف شرح وأسهله متيسر معاني مفردات الكتاب العزيز أن يرجع إليها في أسرع ما يمكن من الحجم الصغير وبطلب من طابعه بثلاثة قروش.
أمالي السيد المرتضى
السيد المرتضى المتوفى في سنة ٤٣٦ هو شقيق الشريف الرضي الأول عالم والثاني أديب وقد طبع هذه الآونة محمد أمين الخانجي وشركاؤه أماليهوهي أربعة أجزاء صدر الجزء الأول منها وقد جعل اشتراكه ١٥ قرشاً أميرياً بالاشتراك إذا اشترك المشترك قبل صدور الجزء الثاني وما بعد ذلك يباع بخمسة وعشرين قرشاً. وهذا الكتاب هو أحد مأخذ الإتقأن في علوم القرآن للسيوطي وفيه نبذ كثيرة في الأدب والتاريخ قد لا نجد أكثرها في الكتب المتدأولة وقد جعله المؤلف مجالس فكان هذا الجزء اثنين وعشرين مجلساً كل مجلس فيه ما رق وراق من الأخبار والأثار مثل تراجم بعض الدهرين والزنادقة والمعمرين وبعض رؤساء المعتزلة ومما رواه لابن المفقع من الحكم قوله: قيل أن يحيى بن زياد الحارثي
стр. 932
كتب إليه يلتمس معاقدة الإخاء والاجتماع على المودة والصفاء فأخر جوابه فكتب إليه كتاباً آخر يسترثيه فكتب إليه عبد الله: أن الإخاء رق فكرهت أن أملكك رقي قبل أن أعرف كهنك. وكان يقول ذلل نفسك بالصبر على الجار السوء والعشير السوء والجليس السوء فأن ذلك من لا يكاد يخطئك. وكان يقول إذا نزل بك أمر مهم فإنظر فإن كان مما له حيلة فلا تعجز وإن كان مما لا حيلة فيه فلا تجزع وقال لبعض الكتاب: إياك والتبغ لوحشي الكلام طمعاً في نيل البلاغة فأن ذلك هو العي الأكبر. وقال لآخر عليك بما سهل من الألفاظ مع التجنب لألفاظ السفلة. وقيل له ما البلاغة فقال التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها. ومن كلام الجاحظ: ينبغي للكاتب أن يكون رقيق حواشي الكلام عذب ينأبيعه إذا حاور سدد سهم الصواب إلى غرض المعنى. وقال لا تكلم العامة بكلام الخاصة ولا الخاصة بكلام العامة.
وروى من أخبار المعمرين أن عبد المسيح بن بقيلة الغساني ذكر الكلبي وأبو مخنف وغيرهما أنه عاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة وأدرك الإسلام ولم يسلم وكان نصرانياً وروي أن خالد بن الوليد لما نزل على الحيرة وتحصن منه أهلها أرسل أبعثوا إلي رجلاً من عقلائكم وذوي أنسابكم فبعثوا إليه بعبد المسيح بن بقيلة فأقبل يمشي حتى دنا من خالد فقال: أنعم صباحاً أيها الملك قال: قد أغنانا الله عن تحيتك فمن أين أقصي أثرك أيها الشيخ قال: من ظهر أبي. قال: من أين خرجت قال: من بطن أمي. قال: فعلام أنت قال: على على الأرض قال: ففيم أنت قال: في ثيأبي. قال: أتعقل لا عقلت. قال: أي والله وأقيد. قال: ابن كم أنت. قال: ابن رجل واحد. قال خالد: مل رأيت كاليوم قط أني أسأله عن الشيء وينحو في غيره. قال: ما أجبتك إلا عما سألت فأسأل عما بذلك. قال: أعرب أنتم أم نبط قال: عرب استنبطنا ونبط استعربنا. قال: فحرب أنتم أم سلم. قال: بل سلم. قال: فما هذي الحصون. قال: بنيناها للسفينة نحذر منه حتى يجيء الحليم فينهاه. قال: كم آتي لك. قال: خمسون وثلاثمائة سنة. قال: فما أدركت سفن البحر في السماوة في هذا الجرف ورأيت المرأة تخرج من الحيرة وتضع مكتلها على رأسها لا تزود إلا رغيفاً حتى تأتي الشام ثم قد أصبحت خراباً يباباً وذلك دأب الله في العباد والبلاد قال: ومعه سم ساعة يقلبه في كفه. فقال له خالد: ما هذا في كفك. قال: هذا السم. قال: ما تصنع به. قال أن كان عندك ما
стр. 933
يوأفق قومي وأهل بلدي حمدت الله وقبلته وإن كأنت الأخرى لم أكن أول ساق إليهم ذلاً وبلاءً أشربه فأستريح من الدنيا فإنما بقي من عمري اليسير. قال خالد: هاته فأخذه ثم قال بسم الله وبالله رب الأرض والسماء الذي لا يضر مع اسمه شيء فشربه فتجللته غشية ثم ضرب بذقنه في صدره طويلاً ثم غرق فأفاق كانما نشط من عقال فرجع ابن بقيلة إلى قومه فقال جئتكم من عند شيطان أكل سم ساعة فلم يضربه صانعوا القوم وأخرجوهم عنكم فإن هذا أنر مصنوع لهم على مائة ألف درهم يقول:
أبعد المنذرين أرى سواماً ... يروح بالخور نق والسد ير
أبعد فوارس النعمان أرعى ... مراعي نهر مرة فالحقير
تحاماه فوارس كل قوم ... مخافة ضيعم عالي الزئير
فصرنا بعد هلك أبي قبيس ... كمثل الشاء في اليوم المطير
تقسمنا القبائل من معد ... علانية كأيسار الجزور
نودي الخرج بعد خراج كسرى ... وخرج بني قريظة والنضير
كذاك الدهر دولته سجال ... فيوم من مساة أو سرور
وبالجملة فالكتاب رخيص الثمن ثمين القيمة والنفع جداً وقد عني السيد محمد بدر النعساني
الحلبي بتصحيحه وضبط ألفاظه وتعليق بعض حواش هذا الجزء في ٣٣٠ صفحة مطبوع الطبع المتوسط مشكول محل الأشكال من ألفاظه.
стр. 934
العدد ١٧ - بتاريخ: ١٥ - ٦ - ١٩٠٧
стр. 935
غلو الشرقيين
عرف العلماء البيأن المبالغة بأنها وصف شيء بما لا يزيد على الواقع واختلفوا في جوازها وأباحتها فجعلوا منها المقبول ومنها المردود وهو الرأي الراجح وقسموا المبالغة إلى أقسام ثلاثة الأول التبليغ وهو وصف الشيء بالممكن البعيد وقوعه في العادة والثاني الإغراق وهو وصف الشيء بالممكن في العقل دون العادة والثالث الغلو وهو الوصف الذي لا يمكن عقل ولا عادة.
ولقد درجت سوق الغلو ولا تزال رائجة في الشرق بما سرى إليه من ضعف العقول بضعف العلوم التي تنفع في التميز بين ما يقع وما يمتنع. والغلو موجود عند كل أمة ولكنك تراه على أشد عند المشارقة فإن المفهوم من تاريخ المغاربة وآدابهم بأنهم دوننا في المبالغات والسبب في ذلك والله أعلم أن فلسفة أبناء الغرب فلسفة حسية مبنية على الحس وفلسفتنا فلسفة خيالية.
الشرقي يبالغ ويفحش في الغلو بالدقيق والجليل من شؤونه الدنيوية والأخروية فقد بالغ في تصوير الأمور الروحية حتى صار كثير من أممه يؤلهون المخلوقات ويسجدون للجمادات والعجماوات أو يثبتون لما يحترمون من الآداميين من ضروب الصفات ما تضل في تكييفه العقول ويعتريها الذهول.
جاءت الأديأن السماوية لنزع هذا الغلو من العقول فسلمت بتعاليمها العقول في بعض أصقاع الشرق حيناً من الدهر حتى عادت بالتدريج إلى سابق أعراقها وإفراطها في وصف البشر وتاليههمإلى حد الهزل فدل ذلك على عموم الجهل وضعف العقل. الشرقي يبالغ في تصوير الصفات فإذا وصف أحد بالعفة اختلق له النعوت ما تمليه المخيلة وتساعد عليه محفوظاته من ألفاظ اللغة وأقل ما يصف به من يريد وصفه أن يثبت له من الصفات ما لا يليق بعضه إلا بأكبر دعاء من أفراد العالم.
الشرقي يبالغ إذا وصف أحداً بالسخاء والشجاعة والمروءة والشمم وكل ما يرفع النفوس إلى المقامات السامية. وفي دواوين الشعر وكتب المحاضرات أمثلة أكثر من أن تحصى أو يشهد بها فأقرأها يتجلى لك كيف تضيق الأحلام بالأوهام وأنى تسطو الخرافات على المخلوقات.
نعوذ بالله من شعرائنا الجاهلين والمخضرمين والمولدين إذا أنشأوا ينشئون القصائد
стр. 936
ويشدون بالمناقب والمحامد. تأملها ملياً وضعها على محك النقد الصحيح وأنصف في تطبيق مفأصلها على وأنظر إذا كنت لا توجب عليهم الكفارات لفرط ما غلوا في المبالغات وإذا غاليت أيضاً فأحكم عليهم بالجلد مئين واسجنهم لئلا يعلموا الناس هذا الخلق المشين ويحملوا إليهم ذاك الرأي الدفين. وقل معي أن أمة تقول أعذب الشعر أكذبه وأشعر الناس من استجيد كذبه هي أمة المبالغة والغلو.
ومع أن الحساب من اخترع الشرقيين وكان له فيما مضى بين ظهرانيهم شأن عظيم ترى خاصتنا في القديم والحديث إذا عدوا وقاسوا نسوا الحساب والمساحة وإذا قدروا وغلوا في عالم الخيال عن طور الحس وتناسوا التدقيق فكالوك أو وزنوك بالألوف وربما كانت في العشرات.
ترى قومنا هدأهم الله إذا سألت أكثر الطبقة العالية منهم كم قوة الدولة الفلانية أجابوك لساعتهم كذا وكذا بتحديد الأرقام مع أنك لو سألت كبار رجال تلك الدولة لتمهلوا في الجواب واضطروا أن يرجعوا إلى حساب وربما في نفوسهم بعد ذلك من صحة ما قالوا أشياء كما مات الفراء وفي نفسه شيء من حتى.
ترى كثيرين من خاصتنا إذا سألتهم عن الثروة لا يسعك إلا أن تقف شاخصاً تستعيذ بالله من غلو المشارقة وتجويزهم الكذب وإيغالهم في الباطل وضعف استقرائهم واستنتاجهم وغفلتهم عن القياس. قف وأسأل الله السلامة وهم يصورن لك صاحب المئة من الألوف وصاحب مئات الألوف وهكذا إلى ما شاء الله وشاء اتساع عقولهم.
ولقد كان بعض الظرفاء يقول: إذا ذكرت أموال في صاحب الثروة في الشرق وقدر ما تملك يمينه فأحذف صفرين من اليمين الأرقام فإذا قالوا لك فلاناً يملك عشرة آلاف فأعرف أنه يملك مئة وإذا قيل لك مئة ألف فأعرف أنه يملك عشرة آلاف وهكذا افرض أقل تعديل لعلك تسقط على الحقيقة وكان يقول إذا لم تصدق فأسأل العابدين ممن يقدرون ثروات الأفراد إلى آخر درهم مما عندهم على حين أنك لو سألت أصحابها عما يملكون لما عرفوا أن يقدروا لك إلا بالتخمين والتقريب هذا إذا لم يكونوا من أهل الغلو والإغراق.
أجارك الله من شرقي يتشدق بذكر عالم عرفه أو سمع به أو جد نسب إليه ولاسيما إذا كان ذاك العالم في عالم الأموات والشرقي يرى المبالغات بالأموات من أقرب القربات ولعله
стр. 937
يحيل على بعيد عن قصد لأن الحكم على الأحياء القريبة يستلزم منه أن يأخذ المتكلم من لسانه وبيانه.
ساعدت الجرائد والمطابع والمدارس على تخفيف الشرقيين من المبالغات ولكنها لم تتمكن إلى اليوم من نزع هذا الخلق المتأصل في السواد الأعظم وبعض الناس في الغالب مسوقون إلى المبالغة بحكم العادة والبيئة. ولقد وقعت من ذلك حادثتان كانتا من أكبر الأدلة على أن هذا الخلق فينا لا ينزع إلا إذا أكثر الكتاب من التنديد فيه وعملنا كلنا على قلب أوضاع مجتمعنا وعاداته.
فالحادثة الأولى جرت في مصر إبأن العقبة في السنة الماضية فقالت إحدى الجرائد المتحمسة أن الدولة حشدت في عريش مصر ثمانمائة ألف جمدي كتبت ذلك برقم غليظ ولما سئلت من الغد في معنى هذه المبالغة قالت أن المحشود من الجنود هو ثمانون ألفاً وأن الصفر زائد وبعد التحقيق تبين أن ما كان جمع هناك من الجند لم يتجاوز الألفين فتأمل مبالغة تقولها جريدة كبرى في مدينة كالقاهرة في مثل هذا العصر عصر الإحصاء والتقدير في قطر اتصل جنوبه بشماله وشرقه بغربه بالخطوط الحديدية والأسلاك البرقية والتلفونية بحيث لا يحتاج تحقيق هذا الغلو إلا لشيء من البحث.
والحادثة الثانية جرت لصاحب هذه المجلة أذكرها للقارئ على سبيل التمثيل والفكاهة فإني ما ذكرتها إلا وذكرت معها غلو الشرقي. ذلك أني كنت منذ تسع سنين أكتب جريدة الشام فنعى الناعي ذات يوم رجلاً من وجهاء إلا طراد في صالحية دمشق كان معروفاً بين أهل جيله وحيه بأنه من المعمرين المتمتعين فقال لي الناعي وكان من أكابر الفضلاء: أكتب أنه مات عن خمس وثلاثين سنة بعد المئة. فقلت له: أن العدد عظيم فهل لك أن تنزله فنهرني وقال: أكتب والحق أقول أن المرحوم كان أطول عمراً مما قلت لك يعرف الناس حتى أن فلاناً قال لي ذلك وأكده أفلا يسعك ما يسع العارفين به وعندها كتبت: ومات عن عمر جاوز الخامسة والثلاثين بعد المئة. ولم يكشف الناعي بذلك بل قال أن المتوفى خلف خمسمائة نفس ذكوراً وإناثاً فكتبت بعد تأبينه والغلو في ذكر عاداته وصحته طول حياته: ومما يجدر بالذكر أن له من الولد وولد ما ينوف عن خمسمائة نفس ذكوراً وإناثاً.
كتبت هذا وأنا بين الشك واليقين في صحته لكني كنت والحق يقال إلى اليقين أقرب لأن
стр. 938
النأقل ممن اعتقد فيهم سعة العقل وصحة القياس. فأعجب الناس بما كتب وتحدثوا به وربما زاد بعضهم فقال: أن عمر المرحوم كان أكثر مما ذكر وأن الجريدة أخطأت في تقدير عمره ولعل سنه لا تقل عن مئة وخمسين وأولاده وأحفاده أكثر مما ذكر وأن الجريدة أخطأت في تقدير سنه لا تقل عن مئة وخمسين وأولاده وأحفاده أكثر من ذلك بمئين.
ولما انتشرت الصحيفة في البلاد تنأقلت الخبر عنها بعض المجلات العلمية وأكثر الجرائد السيارة في البلاد العثمانية وربما لم تغفل زميلاتها في مصر أيضاً عن نقل هذا النبأ الغريب فدهشت من هول ما رأيت ونبهني أحد العقلاء إلى هذا التسرع في الحكم على عمر الميت وأولاده فلم يستغني إلا أن أخذت في تحقيق فتبين أن الرجل لم يتجاوز المئة وأن أبناؤه وأبناء أبناؤه هم دون الخمسين بيقين. ون ظل بعض أحباب المبالغة يقولون أن الرجل مسن جداً وقد حارب في جيش إبرأهيمباشا المصري ولكن لم يسعهم أن يكثروا في عداد أولاده لأن الإغراق في عددهم يكذبه العيان وأما عمر والدهم فليس فيه مستند تاريخي صحيح يعول عليه ما دام الشرقي يأخذ تاريخ رجاله وأكثر ساسته في الأكثر من أفواه الشيوخ والعجائز. وبعد مدة ظهر لي أن المتوفى ومن صحته ونشاطه وقالت أن عمره مئة وخمس وعشرون سنة. فكان مل جرى من المبالغة في تقدير عمر الرجل وأولاده وأحفاده أشبه بما تأتيه الجرائد الصفراء في أميركا من الغلو في تجسيم الأخبار لإلفات الأنظار.
وأحسن تعليل للمبالغة ما ذكره ابن خلدون بقوله: وقد نجد الكافة من أهل العصر إذا أفاضوا في الحديث عن عساكر الدول التي لعهدهم أو قريباً منه. وتفاوضوا في الأخبار عن الجيوش المسلمين والنصارى أو أخذوا في إحصاء أموال الجبايات وخراج السلطان ونفقات المترفين وبضائع الأغنياء والموسرين توغلوا وطاعوا وساوس الأغراب فإذا استكشف أصحاب الدواوين عن عساكرهم واستنبطت أحوال أهل الثروة في بضائعهم وفوائدهم واستجليت عوائد المترفين في نفقاتهم لم تجد معشار ما يعدونه وما ذلك إلا لولوع النفس بالغرائب وسهولة التجاوز على اللسان والغفلة على المتعقب والمنتقد حتى لا يحاسب نفسه على خطأ ولا عمد ولا يطالبها في الخبر بتوسط ولا عدالة ولا يرجعها إلى بحث وتفتيش فيرسل عنانه ويسيم في مراتع الكذب لسانه ويتخذ آيات الله هزواً ويشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله وحسبك بها صفقة خاسرة.
стр. 939
المرأة في الإسلام
تعدد الزوجات حالة لأزمة لبعض درجات النشوء العمراني لا مناص منها فكثرة الحروب بين القبائل وما ينشأ عنها من نقص الرجال مع حفظ عدد النساء واستبداد الأمراء أمور توجب أمور كلها توجب هذه العادة التي نستقبحها في عصرنا هذا ونراها ضرراً عظيماً.
ولقد عرف تعدد الزوجات في القديم بين الأمم الشرقية كافة واستعمال الملوك لها وهم مظنة الاتصال بالله تعالى حللها للرعية وحببها إليهم وقد انتشرت في الهندوس وهم مجوس الهند منذ ابتداء أمرهم والظاهر أنهم كانوا كالماديين والآشوريين والبابليين والفرس لا حد لهم في التزوج من النساء وأن برأهمة الصف الأول إلى يومنا هذا يباح لهم من تعدد الزوجات ما تشتهي نفوسهم.
وانتشرت هذه العادة أيضاً في بني إسرائيل قبل ظهور موسى وهو رضي بها من غيره أن يضع حداً لها إلا أن التلمود في الأعصر المتأخرة علق العدد على كفاءة الرجل ومع أن الربانيين وهم أحبار اليهود نصحوا للناس بأن لا يتزوجوا بأكثر من أربع فقد خالفهم القراء ون في ذلك ولم يجوزوا وضع حد ما.
ودين الفرس الأقدمين يكافئ الرجل على تعدد زوجاته وقد انحطت هذه العادة عند الفينيقيين والسوريين الأقدمين إلى الخروج عن الأطوار البشرية وبلغت عند التراسيين والليديين والبلاسجيين الذين نزلوا القارة الأوروبية وغربي آسيا ما لم تبلغه ويوصي به بعد الموت. وأبيح لهم من التعدد ما شاؤوا.
أما رومية فإن الأحوال الخاصة التي بنيت عليها أدارتها منعت تعدد الزوجات غالباً.
ومهما يكن من صحة ما ورد من اغتصاب الصابنيات فإن وجود هذا في الأساطير الرومانية الخاصة بالزواج. أما في الأقطار المجاورة وخصوصاً عند الأترسكانيين فإن تعدد الزوجات من العادات الممتازة أصحابها. ومجاورة الرومانيين لغيرهم من الأمم سكان إيطاليا أحقاباً متوالية وحروبهم وانتصاراتهم قروناً عديدة مع ما ينشأ عن ذلك من عادات البذخ كل ذلك منه أخيراً أن الارتباط الأخلاقي في الزواج أصبح سبيهاً بالألفاظ المرددة ليس إلا.
وإذا كان تعدد الزوجات ممنوعاً في صريح القانون الروماني فإن السيدات الرومانيات بعد الغلبة على قرطا جنة تطالب نفوسهن للانتفاع من منافع جمهورية حرة ضخمة كالجمهورية
стр. 940
الرومانية فلم يروهن غير العاشقين وأصبح الزواج حينئذ تسرباً مختلطاً. وتشير حرية النساء وضعف ارتباطهن بالرجال وكثرة تغيير الزوجات وإفراغهن على الغير - إلى أن انتشار تعدد الزوجات تحت اسم مستعار.
وفي غضون ذلك ابتدأت تعليم النصرانية الأولى تنتشر على شطوط الجليل وتنير العالم الروماني كله. وتأثير الاسينيين الظاهر في تعاليم المسيح وما يضاف إليه من الاعتقاد بقرب صراحة.
وهكذا بقي حال تعدد الزوجات حتى منعه يستيانس إلا أن هذا المنع القانوني لم يغير شيئاً في آداب الأمة وبقي حال تعدد الزوجات كما كان عليه حتى مجته أذواق أهل القرون المتأخرة وكأنت الزوجات ما عدا الزوجة الأولى تئن تحت أعباء ثقيلة لا حقوق لهن ولا ضامن بل كن عبيد أوهام أزواجهن وتصوراتهم وأولادهن لا يورثون بل كانوا يدعون نغولاً ويعاملون معاملة المتشردين ولم يكن هذا النوع من الزواج محصورا في الطبقة العالية فقط لأن خدمة الدين كثيراً ما نسوا عهد الرهبانية وارتبطوا بغير واحدة من النساء سواء كان ارتباطا مشروعا أو غير مشروع.
ومن المحققات التاريخية التي لا تقبل الشك أن تعدد الزوجات لم يستنكر إلا في الأعصر المتأخرة. والظاهر أن القديس اغسطينس نفسه لم ير فيه سقوطاً في الآداب أو إثماً وحرجاً بل صرح أن تعدد الزوجات لا يعد جريمة لأن قوانين البلاد تبيحه.
وأننا نرى المصلحين الجرمانيين وهم في عصر متأخر كالعصر السادس عشر أباحوا الزواج مثنى وثلاث لأسباب العقر أو ما أشبهه.
ويقول بعض الباحثين وهم لا يرون إثماً في تعدد الزوجات أن المسيح لم يصرح بمنع هذه العادة ويذهبون إلى أن الاقتصار على زوجة واحدة هو من العوائد الداخلة على النصرانية من الجرمانيين أو اليونانيين والرمانيين. أما الاحتمال الثاني فهو يخالف الحقائق التاريخية مخالفة ظاهرة ولا يجدر بالذكر.
وأما الاحتمال الأول وهو القول بالأصل الجرماني فإنه يتوقف على شهادة ضعيفة لواحد أو اثنين من الرومانيين الذين هم أكذب الناس في شهادات ينتفعون من التلاعب بها ولو فرضنا صحة شهادة تأستس فبماذا نعلل تعدد الزوجات بين سراة الجرمانيين حتى القرن
стр. 941
التاسع عشر؟
ومهما يكن من عوائد الرومانيين في العصور الأولى فمن الواضح أن تعدد الزوجات في أواخر أيام الجمهورية وابتداء الأمبراطورية كأن سنة مقررة أو على الأقل لم يحسب مخألفاً للقانون. والأمر الصادر بمنع نشر تعدد الزوجات يشير إلى وجوده واستعماله ونجاح هذا الأمر البريتوري في إصلاح الخلل ودفع الضرر يظهر لمن طالع جواب الأمبراطور هونور يس والأمبراطور أركاديس في أواخر القرن الرابع وعرف سلوك قسطنطين وابنه اللذين كانت لهما زوجات متعددة. وأن الأمبراطور فالينتيأن الثاني أذن علناً لأفراد رعيته أن يتخذوا من الزوجات ما شاؤا. أما الكنيسة استاؤا أو أطهروا على الأقل اعتراض على القانون بل أننا نرى ملوك رومية كانوا على العكس وتزوجوا بعدة نساء وكذلك عامة الناس لم يقصروا عنهم فقلدوهم.
وهكذا بقي حال الشرائع الرومانية حتى أيام يستيانس حين تجمعت حكمة ثلاثة عشر قرناً من قرون النشوء في تدبير المعيشة فسنت تلك الشرائع الجديدة التي لم يكن للنصرانية فيها أثر يذكر وأعظم مشيري يستيانس كان ملحداً وثنياً. على أن منع تعدد الزوجات في قوانين يستيانس لم ينجح في أبطألها وإيقاف أميال العصر. وهذا القانون يدل على ترق في الفكر واختص تأثيره ببعض الأفراد أرباب العقل وأما العامة فكان عندهم حبراً على ورق.
أما في مقاطعة غربي أوروبا فاختلط البرابرة بالسكان الأصليين وامتزج آدابهم بآدابهم حط من علاقة الرجل بالمرأة. ولا ينكر أن بعض القوانين البربرية سعى في إصلاح تعدد الزوجات إلا أن المثال أقوى من الكلام فكان اعتياد الملوك هذه العادة قدوة للعامة لا يقوى عليها النظام حتى أن خدمة الدين والرهبانية الدائمة مما يستحب لهم حباً بطاعة الكنيسة قد رووا أنفسهم من عادة تعدد الزوجات بحصولهم على رخصة بسيطة من المطارنة أو غيرهم من رؤساء الدين.
وأعظم خطأ ارتكبه كتاب النصارى اعتقادهم أن النبي العربي تمتع بتعدد الزوجات أو شرعه وما كأن يقال قديماً من أنه هو الذي أحدث هذه العادة هو علامة على جهل القائلين به وقد ظهر فساده ورده الأعداء ولأصدقاء. وأما القول بأن النبي انتحل هذه العادة أو شرعها فلا يزال تقول به عامة النصرانية وكثير من خاصتها من أهل العام ولكن لا أرى
стр. 942
أفسد من ذلك وأن النبي لم يجد عادة تعدد الزوجات في أمته فقط فقد وجدها شائعة عند جميع الأمم المجاورة حيث اتخذت بعض أقبح صورها. نعم أن المملكة النصرانية سعت في دفع هذا الضرر إلا أنها حاولت عبثاً فتعدد الزوجات بقي على ما كان عليه غير وازع المرأة البائسة ما عدا الزوجة الأولى بقيت تئن أنيناً.
وقد كانت بلاد فارس أيام منبعث الفساد ولم يكن لها قانون للزواج معترف به وإذا فرضنا وجوده فإنه كان مجهولاً منبوذاً ولم يحدد الزند فستا عدد الزوجات التي يمكن التزوج بها أرخى الفرس لأنفسهم عنأن التمتع بزوجات متعددة شرعيات وسراري.
وزواج المتعة كان مألوفاً عند الجاهلين واليهود مع عادة تعدد الزوجات فأثرت هذه النصورات الأخلاقية الدنيئة في الجزيرة العربية أسوأ تأثير.
حسنت الإصلاحات التي قام بها النبي العربي حال المرأة تحسيناً ظاهراً ورفعت مقامها لأن المرأة كانت في الجاهلية وعند اليهود من أهل الجزيرة العربية على أحط ما يكون فكأنت الفتاة اليهودية تعامل معاملة كالخادمة في بيت أبيها وكان له أن يبيعها إذا كان مقلاً من المال ولأولاده من بعده أن يتصرفوا بها كيفما شاؤا وهي وأبيها لا ترث شيئاً من مال أبيها أن لو يمت أبتر لا ذكور له وكأنت المرأة عند الحضر من العرب مالا وتحسب جزءاً صحيحاً من ثروة والدها أو زوجها والأرملة تصبح بعد وفاة زوجها مما يرثه الأولاد لذلك كثيراً ما تزوج الأبناء بزوجات أبائهم من بعدهم وهو زواج حرمه الإسلام وسماه المسلمون زواج المقت. ومما استعملها أهل اليمن.
وبلغ بغض الجاهليين للنساء أنهم يئدون بناتهم وهي عادة فظيعة كانت منتشرة بين قريش وكندة. وقد استقبحها النبي جداً وأنكرها بعبارات كالصواعق بل هي أشد وجعل لها ولعادة تقديم الأطفال للأرباب أشد العقاب.
أما المرأة في المملكتين الفارسية والبيزنطية فكانت منحطة وبعض أهل الطيش ممن دعأهم النصارى بعد زمن قديسين كان ديدنهم أن يحطوا من قدر المرأة ناسين أن الشر الذي رأوه فيها إنما هو صورتهم المعكوسة. وعلى هذا الحال من الانحطاط العمراني والانحلال الأدبي ونداء الناس أن الشرائع القديمة بعد وزنها بميزأن التجربة ناقصة أدخل النبي إصلاحاته فجعل احترام المرأة من أركان دينه ودعي أتباعه ابنته خاتون الجنة حباً بها
стр. 943
واحتراماً لها وهي عندهم مثال لنوعهاوسيدتنا الزهراء تمثل الأخلاق الفاضلة وعفة الإزار في المرأة وهي أسرف كمال أدركه الإنسان وقد خلفتها سلسلة من النساء طويلة كرمت هذا الجنس بفضائلها حتى قل من لم يسمع بالسيدة رابعة وبألف من اضرابها. وقد منع النبي في شريعته عادة الزواج المشروط ومع أنه أباح المتعة في أول الأمر لكنه حرمها في السنة الثامنة من الهجرة. وأعطى المرأة من الحقوق ما لم يكن لها من فبل وخولها امتيازات سوف تقدر قدرها كلما تقدم الزمن فساواها بالرجل كل المساواة من حيث استعمال القوى الشرعية ووضع لتعدد الزوجات حداً أعلى وشرط العدل بينهن ومما هو حري بالنظر أن الآية القرآنية التي تبيح التزوج بأربع يتبعها ما يرجع العدد إلى الحد الطبيعي والآية هيوأن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فإنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة.
والتشديد في هذا الشرط مع النظر إلى معنى كلمة العدل في التعاليم القرآنية لم يخف على عقلاء الأمة الإسلامية وليس المقصود من العدل المساواة في المسن والملبس وغيرهما من الحاجات الأهلية بل المقصود منه أيضاً المساواة في المحبة والميل وهذا لم يخف على التزوج بواحدة فقط. ومع أن اضطهاد المتوكل الطائش منع مبادئهم فإن الاعتقاد يسري في أركان البلاد الإسلامية الراقية بأن تعدد الزوجات مخالف الشريعة الإسلامية الغراء كما ينافي تقدم العلم والتمدن.
ومما يجب النظر إليه أن تعدد الزوجات ينشأ عن أحوال خاصة ففي بعض الأزمنة وفي بعض انتقال الهيئة الاجتماعية من حال إلى حال يكون من الضروريات الأساسية لحفظ المرأة من الهلاك وإذا صحت الأخبار والإحصائيات فأكثر الفظائع المنتشرة في منبعث المدينة الغربية ناشئ عن الحاجة الشديدة وقد أشار أب هك والسيدة دف غوردن إلى أن تعدد الزوجات في الشرق هو في الغالب مما تؤدي إليه ضرورة الحال.
ولما تقدمت الأفكار وتحولت الأحوال ذهبت ضرورة تعدد الزوجات وأصبح استعمالها إما مهجوراً مسكوتاً عنه أو ممنوعاً صراحة. ولذلك أصبحت البلاد الإسلامية التي تغيرت فيها الأحوال الداعية إلى تعدد الزوجات تعد هذه العادة ضرراً عمرانياً ومبدأ يخالف روح الإسلام التي لم تتغير فيها هذه الأحوال حيث لا توجد الوسائط والمعاشية التي تعتمد عليها
стр. 944
النساء في البلاد المتمدنة.
ولمعترض أن يقول أن الإباحة الكلامية تترك محلا للتمتع المشبوه والتلذذ المستكره لذلك يكون تعدد الزوجات من الأعمال الشاقة ونحن نسلم بقوة هذا الاعتراض وهو حري بألفات نظر من يريد تخليص التعاليم الإسلامية من المذمة الملتصقة بها ويريد التقدم مع الزمن. ومما يجب ذكره أن مرونة الشرائع هي أعظم محك نعرف به قيمة تلك الشرائع ومنافعها وهي سر القرآن لأنه تقبله أرقى الشعوب وهو يسد عوز أحطها ولا يتعامى عن الاقتصار على زوجة واحدة ضرراً شديداً. أما القيام بأبطال تعدد الزوجات فليس الصعوبة بالمكان الذي يتوهمه بعضهم. والمصيبة التي أصابت المسلمين وهي أصل ما هم عليه اليوم منعهم الاجتهاد وتمسكهم بالتقليد.
وليس بالبعيد يوم يرجع فيه الفقهاء إلى كلام النبي في حل مسألتهم وهي هل يقلدون النبي أم يقلدون الذين استعملوا اسمه الكريم في أغراضهم أو أغراض الأمراء الذين عاشوا في أكنافهم. وقد مرت أوروبا في مثل هذا الطريق وكلن الأولى بها أن تراقب نهضة الإسلام وإصلاحه بالصبر والحنو لا أن تسلقه بالسنة حداد. ومتى تم التخلص من شرك الأفكار القديمة يصير من السهل على مشتر عي البلاد الإسلامية نسخ تعدد الزوجات إلا أن سداداً كهذا لا يتأتى إلا بعد ترق عام في إدراك الحقائق وأحاطة بروح الإسلام.
وإن موافقة التعاليم الإسلامية لكل درجة من درجات الترقي تدل على حكمة المعلم. وليس تعدد الزوجات بين أقوام متدنية وله من الشروط ما وضعه النبي مما يؤسف له وهو على الأقل خير من عادة تعدد الأزواج وخير وازع أدبي. وكلما انتشر العلم وكثر التهذيب قدرت أضرار تعدد الزوجات قدرها وصار الناس أكثر علماً بوسائط منعها. ولا نقول الآن أن مسلمي الهند استفادوا كثيراً من اختلاطهم بالبرأهمة الذين يحل لهم في مذهبهم الفجور جهاراً بل نقول أن هؤلاء المسلمين فسدت أخلاقهم وانحطت تصوراتهم التي من شأنها رفعة الإنسان وتشريفه ونقاء قلبه وانتشرت طبقة الهتري بينهم كما هي بين جيرانهم الوثنيين ومع ذلك فثمة دلائل محسوسة يضيء قلوبهم ويخرجهم من ظلماتهم. وقد أدى المعتزلي اجتهاده إلى الاقتصار على زوجة واحدة لأن الشريعة تمنعه من ارتباط ثأن في خلال وجود ارتباط سابق. والخلاصة أن الزواج في عرف المعتزلة هوأن يكون ارتباطاً
стр. 945
اختيارياً حتى آخر رمق بين رجل وامرأة واحدة وهو اليوم حد الاقتصار على زوجة واحدة.
وقد سرى كره تعدد الزوجات وصار من المسلمات العمرانية أن لم يكن من المسلمات الأخلاقية وهو مع كثير من العوامل الخارجية يقتلع هذه العادة من بين الهنود المسلمين حتى صار من المعتاد بينهم أن يضعوا في عقد الزواج جملة تمنع الزوج صراحة من حق التزوج بثانية ما دامت الأولى موجودة. وفي كل مئة منهم اليوم خمسة وتسعون مقتصرون على زوجة واحدة وهذا إما لاقتناعهم بفائدة ذلك أو لاضطرارهم إليه. وتستقبح عادة تعدد الزوجات بين الطبقات المهذبة العالمة بتاريخ أسلافها والقادرة على مقابلته بتاريخ بقية الأمم إما في بلاد فارس فقسم صغير من السكان يتمتع بهذه العادة المشكوك بلذتها والمأمول أن يقوم قريباً جماعة من حكماء المسلمين يفتون بأن تعدد الزوجات كالرق مكروه في شريعة الإسلام.
ولنرجع الأن إلى موضوع زواج النبي المتعدد وهو يظهر لكثيرين ممن يجهلون الحقيقة أو يتجأهلون موضع انتقاد ومحل لوم. ومنتقدوه من النصارى يذهبون إلى أنه باتخاذه زوجات متعددة ميز نفسه بما لم يجوزه الشرع فأظهر ضعفاً في الأخلاق يصعب اتفاقه مع النبوة. إلا أن التعمق في التاريخ وتقدير الحقائق بدلاً من أن يبرهن أن النبي كان مفرطاً في الشهوات يدل دلالة صريحة على إنه كان يفادي بالعزيز في سبيل الغير باتخاذه بحسب شرع أمته عدة زوجات فقيرات وسد حاجتهن وهو فقير لا مال له ولا عقار. وأننا إذا درسنا عواطفه درساً مدققاً ونظرنا إليها من الجهة الإنسانية يظهر لنا تخرص المعترضين عليه. ولما تزوج خديجة كان في الخامسة والعشرين من العمر وكانت هي أسن منه كثيراً وقد قضيا سوية نحو ربع قرن رافلين في أثواب السعادة والإخلاص وكانت كل هذه المدة رفيقه الوحيد ومساعده الأمين على تخفيف ما كان يصيبه من أذى قريش واضطهادهم وعند حلول أجلها كان في الحادية والخمسين ولا يمكن لأعدائه أن ينكروا أنهم لا يرون في حياته كل هذه المدة ثلمة في أخلاقه أو نقطة سوداء في صحيفته البيضاء. وهو لم يتزوج بغيرها في حياتها على أن الرأي العام في عشيرته يجّوز له ذلك لوشاء.
وعند رجوعه من الطائف بعد بضعة أشهر من وفاتها وهو ضعيف مضطهد تزوج بسودة
стр. 946
أرملة السكران وهو ممن كان أسلم وهاجر إلى بلاد الحبشة فراراً بدينه وبنفسه من قريش وقد توفي في منفاه وأبقى من بعده أمرأته في أشد البؤس والشقاء. وعوائد البلاد لا تمكنه من مساعدة هذه المسكينة الفقيرة أن لم يتزوج بها لذلك نرى أن مبادئ الإنسانية والشفقة تحتم عليه اتخاذها زوجاً له على إنه كان حينئذ في أضيق الحالات.
وكان عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة المعروف بعد ذلك في التاريخ (بأبي بكر) من أتقى الأتباع وأشدهم تعلقاً بالنبي وأسبقهم للإسلام وهو أشبه بعلي بن أبي طالب من حيث حبه للنبي وكانت له ابنة صغيرة اسمها عائشة فكإن جل قصده أن يمكن علاقته بالنبي بتزويجه ابنته وكانت في السابعة من العمر إلا أن عوائد البلاد تسمح بذلك الزواج وبعد الإلحاح صارت تلك الآنسة الصغيرة في مصاف الزوجات الطاهرات.
وبعد مدة من وصول المهاجرين إلى المدينة حدثت مسألة تدل على حال المعيشة العربية في ذاك الزمن وكل من عرف العرب وعرف أنهم أهل أنفة وحرب وأثار يتيسر له أن يدرك سر هذه الحادثة وهي أن عمر بن الخطاب الخليفة الثاني كانت له ابنة اسمها حفصة فقدت زوجها في غزوة بدر وكانت صعبة المراس وصعبة المزاج كأبيها لذلك كان يتجنبها الصحابة ويكرهون التزوج بها فكان هذا كاللوم والتوبيخ عند أبيها وليدفع عن نفسه ذلك عرضها زوجة على أبي بكر فأبى ثم عرضها على عثمأن فأبى فذهب مغضباً إلى النبي ليشكو إليه ما لحقه من العار فكان لا بد من إرضائه وتستكين غضبه بحل هذا النزاع وأسبابه الواهية من المضحكات لكنه كان كافياً في ذلك الزمن لإشعال نار الفتنة بين المؤمنين وهم في أول أمرهم فتدارك النبي ذلك وسكن غضبة عمر بتزوجه ابنته وهكذا أرضى أصحابه وأصلح ذات البين.
ومن زوجاته هند أم سلمة وأم حبيبة وزينب أم المساكين وهن أيضاً كن أرامل ذهبت عداوة قريش بمن يعيلهن وامتنع قرابتهن عن مساعدتهن أو لم يكونوا أكفاء قادرين.
وكان النبي زوّج صديقه ومولاه زيداً سيدة اسمها زينب تنتسب لبيتين من أشرف بيوت العرب فلفخرها ونسبها وربما بجمالها أيضاً كانت تغتاظ من زواجها بمولى من الموالي وربما زاد الطين بلة تكرار زينب في حال مناسبة كليمات كان قالها النبي وقد زار زيداً ورآها مكشوفة الوجه وهي (سبحان الله العظيم سبحان الله مصرف القلوب) - جملة يقولها
стр. 947
اليوم كل مسلم يرى صورة جميلة - وكانت زينب كثيراً ما تكرر أمام زوجها هذه الكلمات التي قيلت في الإعجاب الطبيعية لتريه أن جمالها أعجب الناس حتى النبي.
ولما عيل صبر زوجها زيد عزم أخيراً أن يطلقها فذهب إلى النبي ليظهر له فقال له النبي (مالك أرابك منها شيء؟) قال (لا والله ما رابني منها شيء يا رسول الله ولا رأيت إلا خيراً) فقال له النبي (أمسك عليك زوجك واتق الله) إلا أن زيداً لم يطع الأمر الشريف فطلقها فأغتاظ النبي من عمله خصوصاً وهو الذي خطبه عليه وزجه بها وبعد نجاح زينب في الخلاص من عصمة زيد قامت تلح في التزوج بالنبي ولم ترجع حتى تشرفت بأن تكون في عداد زوجاته.
وللنبي امرأة أخرى تدعى جويرية ابنة الحارث سيد بني المصطلق كان في غزوة لإخماد ثورة قامت بها عشيرتها ورضي منها من أسرها أن تفتدي نفسها بفدية تقدمها له فسألت النبي هذا المال فأعطاها اياه حالاً فاعترافاً بفضله عليها وشكراً له عرضت نفسها عليه فرضيها زوجة وحالما عرف المسلمون هذا الارتباط الجديد قالوا فيما بينهم أن بني المصطفق صاروا من ذوي قرابة النبي فيجب علينا أن نكرمهم ونعاملهم بما هم أهله وهكذا عفوا عن الأسرى حتى بارك هذا الزواج السعيد مئة أسرة أطلقت من الوثاق. وكانت صفية اليهودية ممن أسره المسلمون في غزوة خيبر فأعتقها النبي وكرمها بالتزوج بها.
ومن زوجاته ميمونة وهي من ذوي قرابته تزوجها في مكة وكانت فوق الخمسين من العمر وهذا الزواج أكسب الإسلام رجلين مشهورين هما العباس وخالد بن الوليد قائد قريش في وقعة وقاهر الروم.
وهكذا كان حال زواج النبي ومن الممكن أنه تزوج بعض الأحيان ليرزق ولداً لأنه لم يكن من الآلهة وربما شعر بالميل الطبيعي إلى ترك وارث من بعده وقد يكون أحب التخلص من اللقب الذي لقبه به أعداؤه ولكن إذا نظرنا إلى الحقائق كما هي نرى أن الزواج المتعدد نشأ عنه من المنافع زيادة على ما ذكرنا ميل لائتلاف القبائل المتعادية واجتماع كلمتها. ومما يجب ذكره أن عادة الأخذ بالثأر كانت شائعة في الجاهلية وهي أضعف القبائل ولم يكن إذ ذاك بيت ليس له ثارات أو عليه ثارات تقتل فيها رجال وتستحي النساء. ولما قام موسى وجد هذه العادة شائعة في قومه أيضاً (كما تشيع في الأمم إذا كانت على درجة من
стр. 948
العمران مخصوصة) ولما ينجح في أبطألها أباحها إلا أن النبي محمداً كان أشد إدراكا للدواء الذي يجب استعماله فربط القبائل المتنازعة بعضها ببعض كما ربطها برباط الزواج وعند حلول أجل البعثة وقف على عرفات وصرح بأبطال هذه العادة الجاهلية.
إلا أن خبث أعداء يجورون في أحكامهم ويتعصبون لأوهامهم شوه عواطف حملت محمداً على تعدد زوجات كن أرامل ومستضعفات لولاه لنبا بهن المربع ولجفت قلوبهن من حرارة الجوع على أن هذه العواطف أباحها الأنبياء السابقون. وربما عد الغربيون اليوم عادة تعدد الزوجات شراً محضاً وليست هي بالمحرمة فقط بل نتيجة شه وفساد وكاني بهم قد نسوا أن هذ١هـ العوائد كلها هي نتيجة المحيط وابنة الحاجة وإن كبار الأنبياء من اليهود وهم مثال الكمال في المذاهب السامية أجازوا تعدد الزوجات واستعملوه إلى حد يعد في نظر المعاصرين نهاية الفساد.
والغالب أن يقال أن الواجب على النبي لا يخضع لأي ضرورة تضطره إلى مدح عادة سيئة كهذه أو لأباحتها وأن الواجب عليه تحريمها بتاتاً فالمسيح غض الطرف عنها ولم يتعرض لها. لكن من أمعن النظر يرى أن هذه العادة مثل كثير غيرها من العوائد ليست شراً محضاً والشر كلمة نسبية لأنه قد تكون عادة من العادات مباحة في أول الأمر تقبلها مبادئ الأفراد والجماعات إلا تقدماً في أفكار الأمة تغيراً في أحوالها ربما يجعل هذه العادة مضرة حتى تمنعها الحكومة بعد حين. أما أن الأفكار تترقى فهو من المسلمات وإما أن العوائد والأعمال تتوقف على ترقي الأفكار وأنها إما أن تكون حسنة أو سيئة بحسب الأحوال و (روح العصر) فهي حقيقة يجهلها أهل الأفكار السطحية كثيراً. بيروت
عبد الرحمن شهبندر
стр. 949
الكنى والألقاب
جرى الاصطلاح في الأسماء على تقسيمها إلى علم وهو ما علق على سيء بعينه غير متنأول ما أشبهه ولقب وهو ما أشعر بمدح أو ذم وكنية وهو ما صدر بأب أو أم.
وقد ولع العرب بالكنى والألقاب ولعاً غريباً حتى صاروا يكنون الطفل والعقيم بل الوحش والطير بل الجماد والمعاني كما ستراه.
من أعظم مقاصد الكنى في الأناسي خشية مبادرة اللقب السيئ على لسان عدو أو ماجن فيلصق بالمرء لصوق الجرثومة في المنيب الوبيء وفي أثر (بادروا أولادكم بالكنى أن تغلبهم الألقاب). ومن مقاصدها فيها تعظيم المكنى وتوقيره فقد فطرت الأنفس على كراهة خطابها باسمها ومشافهتها به. وأما في غير الأناسي فلقصد التوسع في باب الأعلام والتفنن في الأوضاع والازدياد من المعاني. ولم تك كنأهم تخلو عن نكتة وسر في وضعها أي ملاحظة معنى بإزائه يكون الوضع كما قالوا في أبي لهب كني به لجماله لأن اللهبة البياض الناصع وأوثر في التنزيل الكريم أما لشهرته أو للتعريض بكونه جهنمياً وكما قالوا للضبع أم لأنها ترسم الطريق لا تفارقه وأم المثوى لصاحبه المنزل والأمثلة يطول تعدادها ويسهل تعرف أسرارها من معاجم اللغة المطولة.
وما برحت الكنى والألقاب أخذة في الأعلام دوراً هاماً في الجاهلية والإسلام سيما في قرونه الوسطى فقد نسيت بسببها كثير من الأعلام لغلبتها عليها ولقد رأيت من يخفى عليه مثلاً اسم الأمام أبو يوسف أو القاضي أبي الطيب ونحوهما ممن اشتهر بكنيته فنسي اسمه لذا سنح لي أن أبين قاعدة للمتقدمين نوع الكنى والألقاب تنكشف بها معرفة الأعلام مما اصطلح عليه أولئك وجرى على المؤرخون.
فمن الكنى أبو اسحق كنية لمن اسمه إبرأهيمتأسياً باسمي الخليل وابنه ﵉ أبو إبرأهيملمن اسمه إسماعيل. أبو الحرث لليث وأرسلان. أبو الحسن لعلي. أبو داود لسليمان. أبو الدر لياقوت. أبو زكريا ليحيى. أبو سليمأن لداود. أبو الشكر لأيوب. أبو الصبر له أيضاً. أبو الطيب لطاهر. أبو العباس لأحمد وخضر. أبو علي للحسن والحسين. أبو عمرأن لموسى. أبو الفضل لجعفر وللربيع وليحيى. أبو الفتح لنصر. أبو القاسم لعلي ومحمود. أبو محمد لعبد الله. أبو محفوظ لمعرف. أبو المعالي لعبد الملك. أبو مروان له أيضاً. أبو المسك لكافور. أبو الميمون لمبارك. أبو المنصور لظافر. أبو الوقت لعبد الأول.
стр. 950
أبو هريرة لعبد الرحمن. أبو يحيى لزكريا. أبو يوسف ليعقوب.
ومن الألقاب للمتأخرين. سيف الدين لغازي. شمس الدين لمحمد. شهاب الدين لأحمد. صلاح الدين ليوسف. عماد الدين لإسماعيل.
هذا ما غلب من الكنى والألقاب واشتهر في تلك الأسماء وقد يكون لها كنى وألقاب أخرى. وقد يكون للمرء عدة كنى كما تراه في قولهم ذو الكنى وقد يشتق للمرء من معنى اسمه له إشارته أو حاله (أبو الطيب) لمن اسمه طاهر لما بين الطيب والطهر من التناسب وكذا (أبو السرور) لمن اسمه عيد. وأبو الجود للسخي. وأبو مطاع للأمير. وأبو الغارات للمجاهد. وذو القرنين لعظيم الملك. وقد لا يكون لشيء من ذلك كما حدث في عهد منح الألقاب المضافة لذوي السيطرة من أجيال والمضافة للدين وقد أشار للثاني الأديب الخليع عبد الرحمن المسجف الملقب ببدر الدين من رجال فوات الوفيات (مدفون في بستانه بدمشق قرب المزة وأمام قبره المحجر قبة يجري عندها نهر تظن أهل القرى هناك أنه من الأولياء وليس تحت القبة مزار) في قوله:
قالوا تلقب بدر الدين مفتخراً ... نجل الجنوبي من قد زين الأمنا
فقلت لا تعجبوا منه فذا لقب ... وقف على كل نجس والدليل أنا
وقد يكنى الرجل بأكبر أولاده أو بأشهرهم أو بأحبهم إليه وقد يكنى بابن أخيه كما كنيت السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂ بأم عبد الله وقد يكنى الرجل بما يقوم عليه ويعرف به كأبي الرجال لمن تربى عنده النجباء مجازاً ولمن له عدة أولاد حقيقة وبما ظهر فيه من اليمن والخير كأبي البركات وقد وضع كثير من الألقاب والكنى علماً برأسه في العصور الأخيرة كبهاء الدين وصلاح الدين وأبي الخير وأبي بكر ولا حجر في ذلك إلا أن القرون الأولى كان لأسمائها نوع نظام سهل به وضع نظام بإزائها لألقابها وكناها مع ما شف عن أدب مع الأئمة الأعلام فإن من رعاية الكبير وقدره قدره وضع لقب له يعرف به. نعم لكل عصر مظهر ولكل دور طور ولكن باب الأدب مع الأعلام لا يغلق على الدوام.
قلنا قد بلغ من شغف العرب بالكنى أن وضعتها للطير والوحش والجماد والمعاني لما ملئت به أسفار اللغة من ذلك فمن ذلك أبو الحباحب لدويبة تظهر ليلاً صغيرة يخيل أنها نار. وأبو الحصين للثعلب. وأبو جعده للذئب. وأبو براقش لطائر فيه ألوان. وأبو فراس للأسد.
следующие страницы →