← Фикх шафии

Фикх шафии · id 26535

شرح المقدمة الحضرمية المسمى بشرى الكريم بشرح مسائل التعليم

سعيد باعشن

Полный текст (670 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

استخارة وإحرام) وحاجة وخروج من المنزل وعند القتل؛ لتأخر اسبابها عنها، والمتأخر ضعيف؛ لأحتمال وقوعه وعدمه. (و) يحرم على مريد الجمعة -ولو كان في بيته، وإن لم تلزمه وحال مانع اقتداءٍ حينئذٍ- (الصلاة) مطلقاً إجماعاً (إذا صعد الخطيب) المنبر، وجلس عليه ولو بمكة، وإن لم يشرع في الخطبة، ولا سمعها المصلي ولو حال الدعاءِِ للسلطان، ولا تنعقد وإن تضيقت عليه؛ لإعراضه عن الخطيب بالكلية، بخلاف الكلام؛ إذ من شأن المصلي الإعراض عما سوى صلاته، ومن ثم استظهروا أن الطواف ليس كذلك، وكذا سجدة تلاوة وشكر عند (حج). ووجب تخفيف الصلاة التي شرع فيها قبل صعود الخطيب وجلوسه، أما بعد ذلك .. فتحرم ولا تنعقد (إلا التحية ركعتين) لداخل مسجد ( .. فتسن) حينئذٍ (إن لم يخش فوت التكبير للإحرام) بالجمعة؛ لخبر: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام يخطب .. فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما" أي: لا يطولهما عرفاً كما في "التحفة"، و"النهاية"، أو يقتصر على الواجب، كما قاله غيرهما، ولو لم يكن صلى راتبة الجمعة القبلية، فالأولى نية التحية معها؛ ليثاب عليها باتفاق (حج)، و (م ر). وخرج بالركعتين الزيادة عليهما، وبداخل مسجد الماكث فيه، والداخل غير مسجد، فتمتنع الصلاة فيما ذكر مطلقاً. وبقوله: (إن لم يخش .. إلخ) ما لو خشي فواتها، فلا تسن له بل تكره، كالقعود حينئذٍ، بل يستمر قائماً إلى أن يحرم الإمام، فيحرم معه، ولو صلاها في هذه الحاله .. استحب أن يزيد الخطيب في الخطبة بقد ما يكملها. * * * (فصل) في الأذان والإقامة وهما من خصوصياتنا، والأصل فيهما -قبل الإجماع المسبوق برواية عبد الله بن زيد المشهورة ليلة تشاورا فيما يجمع الناس- آية (إذَا نُودِىَ للِصَّلَوةِ) [الجمعة:٩] وهما معلومان من الدين بالضرورة، يكفر جاحدهما، وشرعا في السنة الأولى من الهجرة.

стр. 142

(يستحب) للذكر (الأذان) وهو لغة: الإعلام، وشرعاً: ذكر مخصوص، مطلوبٌ للمكتوبة أصالة، فلا يرد أنه يؤذن للأولى من المتواليتين فقط؛ لأن وقوع الثانية تابعة -حقيقة في الجمع، أو صورة في الفوائت، أو الحاضرة والفائتة- صيرها كجزء من الأولى، ودخل بأصالة المعادةُ فيؤذن لها، على خلاف فيها. (والإقامة) مصدر: أقام، وشرعاً: الذكر الآتي؛ لأنه يقيم للصلاة، وهي مجمع عليها (للمكتوبة) كالأذان، وإنما اختلفوا في كيفة مشروعيتهما، فقيل: فرضا كفاية؛ لأنهما من الشعائر الظاهرة، وفي تركهما تهاون بالدين، وعليه: فيقاتل أهل بلد تركوهما. والأصح أنهما سنة كفاية للجماعة -كالتسمية على الأكل وعند الجماع، والتضحية من أهل بيت، وابتداء سلام، وتشميت عاطس، وما يفعل بالميت من المندوب- وسنة عين لمنفرد كما في أكله ونحوه. ولا بد في أذان الإعلام من كونه، بحيث يسمعه جميع أهل البلد لو أصغوا إليه، ففي بلد صغير يكفي في محل واحد، وفي كبيرة في محال وإن لم يصلوا إلا في محل واحد، كيوم الجمعة. وفي أذان غير الإعلام للجماعة أن يُسمِع ولو واحداً منهم، وللمنفرد أن يسمع نفسه كما يأتي وإنما يسن الأذان للمكتوبة بقيدين: الأول: (إن لم يصلها) بحاضرة أو (بفائته) أو مجموعة، وكذا بمعادة على ما مر. والثاني: كونه (للرجل) أي: الذكر (ولو) صبياً، و (منفرداً) بعمران، أو غيره (ولو سمع الأذان) من غيره ولم يرد الصلاة معهم. (و) يسن أيضاً (لجماعة ثانية) مع رفع الصوت به وإن كرهت، أو كانت بالبيت ولو جار مسجد؛ للخبر الصحيح: "إذا كنت في باديتك، أو غنمك فأذنت للصلاة .. فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة". نعم؛ لا يسن رفع الصوت به في محل وقعت به جماعة، أو صلوا منفردين وإن لم ينصرفوا، (ولفائتة)؛ لإن بلالاً أذن للصبح لما فاتته ﷺ ، لما نام وهو وأصحابه حتى طلعت الشمس.

стр. 143

(فإن اجتمع) عليه (فوائت) وأراد قضاءها متوالية، أو والى بين حاضرة وفائتة (أو جمع تقديماً أو تأخيراً) ووالى بينهما ( ... أذن للأولى وحدها)؛ لثبوت ذلك يوم الخندق وإن كان بسند فيه انقطاع، لكنه اعتضد بما مر من الأذان للفائته، وأقام للكل؛ لما صح من جمعه ﷺ بمزدلفة بأذان وإقامتين. (وتستحب الإقامة وحدها للمرأة) لنفسها وللنساء، لا للرجال والخناثى، وللخنثى لنفسه، على ما في "التحفة" لا للرجال، ولا لمثله؛ لأنها لاستنهاض الحاضرين، فلا رفع فيها يخشى منه الفتنة، لا الأذان؛ لما فيه من الرفع الذي يخشى منه الفتنة؛ ومن التشبه بالرجال، ومن ثم حرم عليهما رفع صوتهما به إن كان ثم أجنبي، لو أذن لهن رجل لم يصل بهن .. صح؛ لعدم المحذور المتقدم، كما قال (سم) في "شرح الغاية"، وإنما لم يحرم غناؤها ولا سماعه لأجنبي حيث لا فتنه؛ لأن تمكينها منه ليس فيه حمل الناس على مؤد لفتنة، بخلاف تمكينها من الأذان؛ لأنه يسن الإصغاء للمؤذن والنظر إليه، وكل منهما إليها مفتن، ولأنه لا تشبه فيه؛ إذ هو من وضع النساء، بخلاف الأذان فمختص بالذكر، فحرم عليها التشبه به فيه. وقضية هذا حرمته عليها وإن لم يسمعه أجنبي؛ إذ التشبه علة للحرمة مستقلة، وخوف الفتنة علة أخرى، قال في "التحفة": (إلا أن يقال: لا يحصل التشبه إلا حينئذٍ، ويؤيده أنها لو أذنت للناس بقدر ما يسمعن .. لم يكره) اهـ لكن نازعه (سم) و (ع ش)، وغيرهما بأنها إذا قصدت الأذان الشرعي .. حرم، واعتمده (م ر)، وهل قراءتها القرآن بحضرة الأجانب كأذانها؟ قال في "المغني": نعم، وفي "النهاية": لا. تنبيه: يسنان أيضاً خلف مسافر، وفي أذني مولود، والأذان وحده في أذن مهموم، مصروع، وغضبان، ومن ساء خلقه ولو بهيمة، وعند مزدحم جيش وحريق، وتغول الغيلان. (و) يستحب (أن يقال في الصلاة المسنونة جماعة) وفعلت جماعة (غير) المنذورة و (الجنازة)، بل كصلاة عيد، وكسوف، واستسقاء، ووتر رمضان، وكذا جنازة لم يكن معها أحد، أو زادوا بذلك: (الصلاة جامعة) برفعهما أو نصبهما، أو رفع أحدهما

стр. 144

ونصب الآخر، أو الصلاة الصلاة، أو حي، أوهلموا إلى الصلاة، أو الصلاة رحمكم الله، أو التراويح -مثلاً- أثابكم الله، وتندب إجابة ذلك بلا حول ولا قوة إلا بالله. (وشرط) صحة (الأذان) -كالإقامة- دخول (الوقت) في الواقع وإن لم يظن دخوله؛ لأنهما للصلاة، ولا معنى لهما قبل طلبها، وفيه لبس قبله، ولهذا حرم قبله، فإن أمنه .. لم يحرم؛ لأنه ذكر. نعم؛ إن نوى به الأذان .. حرم؛ لأنه حينئذٍ تلبس بعبادة فاسدة، ويبقى جوازه ما بقي الوقت، لكن تنتهي مشروعيته بفعل الصلاة بالنسبة لمن صلاها (إلا) أذان (الصبح .. فيجوز بعد نصف الليل) كالدفع من مزدلفة، ولأن العرب تقول حينئذٍ: أنعم صباحاً؛ لخبر: "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم". والأفضل لكل محل جماعة مؤذنان واحد يؤذن قبل الفجر والأفضل كونه من السحر وإن جاز من نصف الليل والآخر بعده لما مر (وإلا) الأذان (الأول يوم الجمعة) .. فيجوز قبل الزوال على ما نسب لـ"الرونق" قياساً على الصبح، وفرق بينهما؛ بأن الناس قبل الفجر مشغولون بالنوم، فندب تقديمه؛ ليتهيؤا لإدراك فضيلة أول الوقت، ولا شاغل لهم يوم الجمعة يمنعهم من التهيؤ لأول وقتها. ولا تقدم الإقامة على وقتها، وهو عند إرادة الدخول في الصلاة، فإن قدمت .. اعتد بها حيث لم يطل فصل بينهما. نعم؛ طوله لتسوية الصفوف لا يضر كما في "التحفة"، ولو أقيمت بدون أذان .. اعتد بها، فإن اقتصر على أحدهما .. فالأذان أولى. (و) شرطه أيضاً -كالإقامة- (الترتيب)؛ للاتباع، ولأن تركه يوهم اللعب ويخل بالإعلام، فإن أخل بالترتيب ولو ناسياً .. لم يصح، ويبني على المنتظم منه، والاستئناف أولى (والموالاة) بين كلماتها؛ إذ تركها يخل بالإعلام، فلو تركها في أحدهما ولو ناسيا .. بطل. نعم؛ لا يضر يسير سكوت، أو كلام ولو عمداً وقصد به قطعه؛ إذ لا تشترط فيهما النية، بل عدم الصارف -ولا يسير جنون أو إغماء أو نوم؛ لعدم الإخلال، لكن يسن

стр. 145

الاستئناف حينئذٍ، ولو عطس في أحدهما .. حمد الله بقلبه. وسن له تأخير رد السلام وتشميت العاطس إلى فراغه منه وإن طال الفصل، فإن لم يؤخره .. فخلاف السنة كالتكلم لمصلحة، وقد يجب لضرورة كإنذارمن محذور. (وكونه) كالإقامة (من واحد)؛ إذ صدوره من اثنين يورث لبساً في الجملة، وهذا كالنسك فلا يبنى أحد فيه على فعل غيره وإن مات؛ لأنه لو أحصر .. لا يبني على فعل نفسه، فعدم بناء غيره على فعله أولى. (و) كونهما (بالعربية إن كان ثم من يحسنها) وإلا صح بغيرها كأذكار الصلاة. نعم؛ إن أذَََّن لنفسه بغيرها وهو لا يحسنها .. صح وإن كان ثم من يحسنها. (وإسماع بعض الجماعة) بالفعل ولو واحداً أو أنثى والباقين بالقوة، والأكمل إسماع جميعهم، فلا يجزىء الإسرار بشيء منهما إلا لترجيع. (وإسماع نفسه) بحيث يسمع جميعه حيث لا مانع من نحو صم (إن كان منفرداً)؛ لأن الغرض منهما حينئذٍ الذكر، لا الإعلام، والأكمل رفع صوته بهما، لكنه في الإقامة أخفض. (وشرط المؤذن) كالمقيم إن نصبه الإمام: كونه مكلفاً أميناً عارفاً بالوقت، أو معه أمين يخبره به؛ لأن ذلك ولاية، فاعتبر فيه شروطها، وإلا .. حرم نصبه، ولا تصح توليته، ولايستحق عليها شيئاً وإن صح أذانه. وشرطه مطلقاً كالمقيم: (الإسلام، والتميز، والذكورة) فلا يصحان من كافر؛ لأن في إتيانه بهما نوع استهزاء، ولأنهما مقدمتان للصلاة -التي هو ليس من أهلها- ولا من نحو صبي غير مميز، كسكران ومجنون وامرأة على ما مر. (ويكره) فيهما التطريب والتلحين والتفخيم والتشادق و (التمطيط) أي: التمديد، قال الشيخ عز الدين: يحرم التلحين إن غير المعنى، أو أوهم محذوراً، بل كثير منه كفر [من العالم العامد]، كمد همزة أكبر أو أشهد، وباء أكبر، لأنه يصير به جمع كبر وهو طبل له وجه واحد، والوقف على إله والابتداء بإلا الله، ومد ألف الله، والصلاة والفلاح زيادةً

стр. 146

على ما تكلمت به العرب، وكقلب ألف الله هاء، أو عدم النطق بهاء الصلاة؛ لأنه يصير دعاء إلى النار، وعلى كل حال فقد عم الجهل في جميع أهل وظائف الدين، وتساهل بها غالب المسلمين. (والكلام) اليسير (فيه) وفي الإقامة، حيث لا مصلحة ولا ضرورة كما مر. (وترك إجابته) كالإقامة خروجاً من خلاف موجبها؛ للحديث الآتي، بل قيل: إن الكلام فيه يورث سوء الخاتمة. (و) يكره (أن يؤذن) أو يقيم (قاعداً أو راكباً) لتركه القيام المأمور به (إلا المسافر الراكب) .. فلا يكرهان له؛ لحاجته إلى الركوب، لكن الأولى أن لا يقيم إلا بعد نزوله، ولا يكره له فيهما ترك الاستقبال ولا المشي؛ لاحتمالهما في صلاة النفل للمسافر، ففي أذانه أولى. (وفاسقاً أو صبياً)؛ لأنهما غير مؤمنين على الوقت، ولا يقبل خبرهما فيه وإن ظن صدقهما وحصل به أصل السنة، ومن ثم لا يكرهان لكل منهما لنفسه، وكونه أعمى أيضاً ليس معه من يعرفه الوقت. (وجنباً ومحدثاً)؛ لخبر: "كرهت أن أذكر الله على غير طهر"، وقضيته كراهة كل ذكر على غير طهر، وليس كذلك؛ ولذا استدل في "شرح المنهج" بخبر الترمذي: "لا يؤذن إلا متوضىء" (إلا إذا أحدث أثناء الأذان .. فيتمه) ندباً؛ لئلا يوهم التلاعب، فإن تطهر بنى إن قصر الفصل، وإلاَّ .. استأنف، وهما من جنب أشد كراهة من المحدث، والإقامة من كل أغلظ من الإذان؛ لقربها من الصلاة. (و) يكره (التوجه لغير القبلة) لكل منهما إن قدر على الإستقبال؛ لتركه الاستقبال المنقول سلفاً وخلفاً، لكنه يجزىء؛ لأنه لا يخل بالإعلام. قال الأطفيحي: (قال "م ر": "وعلم من سن التوجه حال الأذان أنه لا يدور على ما يؤذن عليه من منارة أو غيرها" اهـ ونقل (سم) عن (م ر): "أنه لا يدور، فإن دار كفى إن سمع آخره من سمع أوله وإلا .. فلا" اهـ

стр. 147

والراجح: كراهة الدوران مطلقاً كبرت البلد أو صغرت، وإذا لم يسمع من بالجانب الآخر .. سن أن يؤذن فيه) اهـ شيخنا (ع ش) لكن كتب (ب ج) على "شرح المنهج" ما نصه: (قوله: "وتوجه لقبلة" أي: إن لم يحتج لغيرها، وإلا كمنارة وسط البلد .. فيدور حولها) اهـ زاد غيره: (وكذا لو كانت منارة البلد لغير جهة القبلة .. فيستقبل البلد وإن استدبر القبلة). واعتمد هذا، بل جزم به جل المحشين، وعليه عمل أهل مصر وغيرها من غالب البلدان. (وسن ترتيله) أي: التأني فيه بأن يأتي بكلماته مبينة، وإدراج الإقامة؛ للأمر بهما، ولأنه للغائبين فالترتيل فيه أبلغ، وهي للحاضرين فالإدراج فيها أشبه، ولذا كانت أخفض منه صوتاً. (والترجيع) ولو في أذان غير الصلاة؛ لثبوته في خبر مسلم، وهو ذكر الشهادتين مرتين بحيث يسمع نفسه، فإن أذن لجمع .. سن أن يسمع من بقربه؛ ليتدبرها ويخلص فيهما؛ إذ هما المقصودتان، وليتذكر خفاءهما أول الإسلام، ثم ظهورهما الذي أنعم الله به، وسمي بذلك؛ لأنه رجع إلى خفص الصوت بعد رفعه بالتكبير، أو لأنه رجع للشهادتين بعد ذكرهما. والأشهر: أنه اسم للأول، وفي "الروضة" أنه اسم للثاني، ولو جهر بالأولين .. أسر بالأخيرين. (والتثويب) من ثاب إذا رجع (بالصبح) في أذانيه (أداءً، وقضاءً) وهو أنه يقول: الصلاة خير من النوم؛ لما صح أنه ﷺ علمه لأبي محذورة وخص بالصبح؛ لما بالنائم من الكسل، وسمي بذلك؛ لأنه لما دعا إلى الصلاة والفلاح باللفظ الصريح .. عاد إلى الدعاء إليهما بالكناية، وهي أبلغ منه. (والالتفات) فيهما ولو لنفسه، قال الشرقاوي: (لأنه قد يسمعه من لا يعلم به وقد يريد الصلاة معه، فمظنة فائدة الالتفات قائمة، فإن كان بمحل يقطع بعدم إتيان غيره له فيه .. لم يلتفت، ويسن الالتفات في الأذان لتغول الغيلان؛ لأنه أبلغ في الإعلام وأدفع لشرهم، ولذا يسن رفع الصوت فيه، بخلاف الأذان في أذن المولود؛ لعدم فائدتهما) اهـ

стр. 148

ولا يلتفت بصدره بل (برأسه وحده يمينه) مرة (في) مرتي (حي على الصلاة، ويساره) مرة (في) مرتي (حي على الفلاح)؛ لما في الصحيحين: أن بلالاً كان يفعل ذلك في الأذان وقيس به الإقامة، واختص به الحيعلتان؛ لأنه خطاب آدمي كسلام الصلاة، ولا يلتفت في الخطبة ولا في التثويب، كما قاله ابن العجيل. (ووضع) طرفي أنملتي (أصبَعيه) وطرفي المسبحتين أولى (في صماخي أذنيه)؛ لما صح من فعل بلال ذلك بحضرته ﷺ ، فإن كان بإحدى السبابتين علة .. جعل أصبعاً أخرى، أو بإحدى يديه .. جعل السليمة فقط (في الأذان دون الإقامة)؛ لأن علته كونه أجمع للصوت الطلوب رفعه فيه أكثر، ويستدل به الأصم والبعيد وذلك مفقود فيها، ولذا لا يسن لمن يؤذن لنفسه بخفض الصوت، كذا قالوه، وقد يقال: نحو الأصم، كما يستدل به في الأذان يستدل به في الإقامة. (وكون المؤذن) والمقيم (ثقة) أي عدل شهادة عارفاً بالمواقيت ولو بأجرة؛ ليقبل خبره بالوقت، وليؤمن نظره إلى العورات، ومن ذرية مؤذنيه ﷺ ، فمن ذريته، فمن ذرية أصحابه، (ومتطوعاً)؛ لخبر: "من أذن سبع سنين محتسباً .. كتب الله له براءة من النار" (وصيتاً) أي: عالي الصوت؛ لأنه أبلغ في الإعلام، ولخبر: "ألقه على بلال، فإنه أندى صوتاً منك". (وعلى مرتفع) كمنارة أوسطح؛ لأنه حينئذٍ أبلغ في الإعلام، فإن لم يكونا .. فعلى باب المسجد، ولا يسن المرتفع للإقامة إلا لحاجة ككبر المسجد. (وبقرب المسجد)؛ لأنه دعاء للجماعة، وهي فيه أفضل. ويكره الخروج من المسجد بعد الأذان بغير صلاة. (وجمع كل تكبيرتين بنفس)؛ لخفتهما، وإفراد كل من باقي كلماته بصوت، ويسن في الإقامة جمع كل كلمتين بصوت، وتبقى الأخيرة فتفرد بصوت. (وبفتح الراء في الأولى) من التكبيرتين (في قوله: الله أكبر الله أكبر) قال ابن هشام في "مغنيه": (قال جماعة منهم المبرد: حركة راء أكبر فتحة، وإنه وصل بنية الوقف،

стр. 149

ثم اختلفوا فقيل: هي حركة الساكنين، وقيل: حركة الهمز نقلت، وهذا كله خروج عن الظاهر لغير داع، والصواب: أن حركة الراء ضمة إعراب) اهـ والحاصل: أن الوقف أولى؛ لأنه المروي، ثم الرفع وأن الرفع أولى من الفتح؛ لأنه حركته الأصلية الإعرابية، فالإتيان به أولى من اجتلاب حركة أخرى؛ لالتقاء الساكنين، وإن كان جائزاً، (ويسكن) الراء (في) التكبيرة (الثانية) ندباً. (و) يسن (قول: ألا صلوا في الرحال) أو في رحالكم أو بيوتكم مرتين، كما في "سنن أبي داوود" (في الليلة الممطرة) واليوم المطير وإن لم يكن ريح (أو ذات الريح) أو ذي الريح (أو) ذات (الظلمة) وفي كل ما هو من أعذار الجماعة؛ للأمر به، ويقول ذلك (بعد الأذان أو) بعد (الحيعلتين) والأول أولى، وجرى الشربيني على أن ذلك يجزي عن الحيعلتين. (و) يسن (الأذان للصبح مرتين) ولو من واحد، والأفضل كونه من اثنين كما مر ليتميز الأول من الثاني، فإن اقتصر على أحدهما .. فالأولى الثاني (ويثوب فيهما). (و) يسن لكل مؤذن ومقيم (ترك رد السلام) الذي سلم به غيره (عليه)؛ إذ لا يليق الكلام في أثنائهما، ويسن الرد بعدهما وإن طال الفصل، وكذا تشميت العاطس (وترك المشي فيه) وفيها؛ لأنه يخل بالإعلام ويجزيان وإن بعد كما مر ويستثنى المسافر، فلا بأس بأذانه ماشياً وراكباً، والأولى أن لا يؤذن إلا بعد نزوله. (وأن يقول السامع) ولو نحو جنب إن فسر اللفظ على ما في "التحفة"، وكذا إن لم يفسره على ما في "الإمداد"، و"النهاية" (مثل ما يقول المؤذن والمقيم) وإن كرها، أو حرما لا لذاتهما، وإلاَّ .. لم يجب كما في أذان المرأة؛ لخبر: "إذا سمعتم المؤذن .. فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ"، وقيس به المقيم، ولما صح: "أن من فعل ذلك دخل الجنة"، وذلك بأن يجيب كل كلمة عقب فراغه منها، أو يسكت حتى يفرغ كل أو بعض الأذان والإقامة، ويجيب قبل أن يطول الفصل عرفاً، فأن قارنه من غير تقدم .. أجزأه عند (م ر).

стр. 150

قال الكردي: (وقد يقال: إن غفران الذنب ودخول الجنة اللذين في خبر مسلم، يتوقفان على الإجابة عقب كل كلمة؛ إذ الذي فيه: "إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله ... " الحديث) اهـ وأخذ من قوله في الحديث: "فقولوا مثل ما يقول" أنه يجيب الترجيع وإن لم يسمعه؛ لإنه لم يقل مثل ما تسمعون، وفي "فتاوى م ر" أنه لا يجيب غير أذان وإقامة الصلاة، ونحوه لـ (سم) في "حاشية التحفة"، لكن في "القلائد": أنه يجيبه. وخرج بسامع المؤذن نفس المؤذن، ويجيب مؤذنين مرتبين سمعهم ولو بعد صلاته، والأول آكد، قال غير واحد: إلا أذاني الفجر فسواء، ولو سمع بعض الأذان .. أجاب حتى فيما لم يسمعه أيضاً؛ تبعاً لما سمعه، ولو ترك المؤذن الترجيع .. أتى به السامع؛ تبعاً لإجابته فيما عداه كما في "حاشية التحفة" لـ (سم)، ولو كان المؤذن يغير معنى بعض كلماته .. فيظهر أنه لا تسن إجابته؛ لأنه بعض أذان وهو لا يسن، فكذا إجابته، لكن نقل (سم) عن "العباب"، و"شرحه": سن إجابته، ثم قال: وقد يتوقف فيه، بل في إجزائه فليتأمل. (إلا في الحيعلتين) وفي ألا صلوا في رحالكم (فيقول) في إجابتها (عقب كل: لا حول) أي: عن المعصية (ولا قوة) على الطاعة (إلا بالله، ويكرر ذلك أربعاً في الأذان بعد الحيعلتين) ومرتين في: ألا صلوا في رحالكم والإقامة؛ لخبر الصحيح: "أن من قال ذلك مخلصاً من قلبه .. دخل الجنة"، ويسن أن يجيب كلاً من الحيعلة بلفظة أيضاً، ثم يحوقل ويزيد مع حي على الفلاح: اللهم اجعلنا من المفلحين. (وإلا في التثويب، فيقول) في إجابته مرتين: (صدقت وبررت) -بكسر الراء، وحكي فتحها- أي: صرت ذا بر؛ لخبر فيه، وبالحق نطقت؛ لأنه مناسب، وقيل: يقول: صدق رسول الله ﷺ الصلاة خير من النوم، كما في "الأذكار"، فينبغي الجمع بينه وبين ما قبله. (وإلا في) كلمة (الإقامة) فيقول: (أقامها وأدامها) ما دامت السماوات

стр. 151

والأرض، وجعلني من صالحي أهلها مرتين، ولو ثنى الإقامة .. لم يجبه في الزائد، كما في "الإمداد"، وتردد فيه (م ر). (و) يسن (أن يقطع القراءة) ونحو الذكر، كتدريس وإن كان واجباً؛ لأنه لا يفوت، بخلاف الإجابة؛ (للإجابة، وأن يجيب بعد) انقضاء ما لا تطلب معه الإجابة نحو (الجماع والخلاء والصلاة ما لم يطل الفصل) كما في "التحفة"، و"النهاية"، بل وأن طال كما في "الإمداد"، فإن أجاب فيما ذكر .. كرهت، إلا مصلياً أجاب بحيعلة أو تثويب أو صدقت أو قد قامت الصلاة .. فتبطل؛ لأنه كلام آدمي، بخلاف الإجابة بغير ذلك ولو بـ (صدق رسول الله ﷺ و (أقامها الله). (و) تسن (الصلاة) والسلام (على النبي ﷺ من المؤذن والمقيم والسامع (بعده) وبعدها، وكذا قبل الإقامة، ولا يسن بعدهما بعد لا إله إلا الله أن يقول: محمد رسول الله، قال في المغني: (وجهلة المؤذنين تقول قبل الإقامة: استغفر الله العظيم، وهو من البدع). (ثم يقول) عقب ما ذكر: (اللهم رب هذه الدعوة) وهي الأذان، أو هو والإقامة (التامة) أي: السالمة من تطرق نقص؛ لاشتمالها على جميع شرائع الإسلام (والصلاة القائمة) أي: التي ستقام (آت محمداً الوسيلة) وهي أعلى درجة في الجنة لا تكون إلا له ﷺ بالوعد الصادق، وحكمةُ طلبها له الإشارة إلى أنها من فضل الله عليه، ولينال السائل لها له ﷺ الشفاعة منه. (والفضيلة) عطف عام على خاص؛ لشمولها الوسيلة وغيرها (وابعثه مقاماً محموداً) أي: حال كونه في مقام محمود، وفي رواية صحيحة أيضاً: "المقام المحمود" (الذي وعدته) به بقولك: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) [الإسراء:٧٩] وهو هنا اتفاقاً، وعلى الأشهر في الآية مقام الشفاعة العظمى في فصل القضاء، يحمده فيه الأولون والآخرون.

стр. 152

وقال اللَّقَّاني: (الحق أن الشفاعة أول المقام المحمود). (و) يسن (الدعاء عقبه وبينه وبين الإقامة)؛ لأنه بينهما لا يرد، كما في خبر الترمذي، وأن يقول بعد أذان المغرب: اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك، اغفر لي، وبعد أذان الصبح: اللهم هذا إقبال نهارك وإدبار ليلك وأصوات دعاتك، اغفر لي. قال الكردي: (وروى مسلم: "من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً .. غفر له ذنبه". وفي روايه للبيهقي زيادة: "وبالقرآن إماماً وبالكعبة قبلة، وبعد الشهادتين والمتقدمتين: اللهم اكتب شهادتي هذه في عليين، وأشهد عليها ملائكتك المقربين، وأنبياءك المرسلين وعبادك الصالحين، واختم عليها بآمين، واجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد .. بدرت إليه بطاقة من تحت العرش فيها أمانة من النار"، وتردد في "الإيعاب" هل يقول ذلك بعد الشهادتين أو بعد الدعاء بعد الأذان؟ ورجح الثاني) اهـ وفي "الأذكار" و"شرح البداية" للفاكهي: ويقول بعد قوله: وأشهد أن محمداً رسول الله: وأنا أشهد أن محمداً رسول الله، رضيت بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً. (والأذان) وحده (أفضل من الإمامة) عند (م ر)، بل ومنها مع الإقامة عند الزيادي، وعند (حج): الأذان مع الإقامة أفضل من الإمامة؛ لما ورد في فضل الأذان، ومنه: "المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة"، وخبر: "الأئمة ضمناء، والمؤذنون أمناء"، والأمانة أعلى من الضمان، وخبر: "المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس"، ورجح الرافعي أن الإمامة أفضل منه مطلقاً؛ لأنها فرض كفاية، وهو سنة، ولقيامه ﷺ والخلفاء بعده بها دونه. (ويسن) للمتأهل لهما (الجمع بينهما) ولو لجماعة واحدة؛ لحديث حسن فيه، والنهي عن ذلك لم يثبت.

стр. 153

(وشرط المقيم: الإسلام والتمييز) وغيرهما كما مر. (ويستحب أن تكون الإقامة في غير موضع الأذان، وبصوت أخفض من الأذان)؛ لحضور المصلين، (والالتفات في الحيعلة) فيها كالأذان، لا وضع أصبعيه في صماخيه فيها، ويسن لكل محل جماعةٍ مؤذنان؛ للاتباع ويزاد فيهما بقدر الحاجة، ويرتبون في أذانهم إن اتسع الوقت، وإلا .. تفرقوا في أقطار المسجد الكبير وأذنوا من غير مراعاة ترتيب، واجتمعوا عليه في مسجد صغير، ويقفون عليه كلمة كلمة إن لم يحصل اختلاط واضطراب، وإلا .. أذن بعضهم بالقرعة، ويندب أن يقيم المؤذن دون غيره؛ لخبر: "من أذن فهو مقيم" (فإن أذن جماعة .. فيقيم الراتب) وإن تأخر أذانه، (ثم) إن لم يكن راتب، أوكانوا كلهم راتبين .. فليقم (الأول)؛ لتقدمه، فإن أقام غيره .. اعتد به، لكنه خلاف الأولى، (ثم يقرع إن أذنوا معاً) وتشاحوا؛ لعدم المرجح، ولا يقيم في المحل الواحد إلا واحد، كما عليه السلف. (و) وقت (الإقامة بنظر الإمام والأذان بنظر المؤذن)؛ لخبر: "المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة" فإن أقام من غير استئذانه .. اعتد بها في الأصح. تنبه: يجوز الاستنابة في الأذان والإمامة ونحوهما من الوظائف، بشرط كون المناب أهلاً ومثل المنيب، فإن أناب غير أهلٍ كصبي وفاسق .. لم تصح إنابته، بل ويأثم المنيب، فإن تكرر منه ذلك .. انعزل، ولا يستحق شيئاً مما رصد لتلك الوظيفة. * * *

стр. 154

(باب صفة الصلاة) أي: كيفيتها؛ إذ صفة الشيء ما كان زائداً عليه، وما سيذكره هو ذات الصلاة من واجب ومندوب. وينقسم الواجب: إلى ما هو داخل في ماهيتها، ويسمى ركناً، وإلى ما هو خارج عنها -أي: يفعل قبل التلبس بها، ثم يستمر إلى آخرها- ويسمى شرطاً كالطهارة. وينقسم المندوب: إلى ما يجبر بسجود السهو ويسمى بعضاً وإلى ما لا يجبر ويسمى هيئة. (فروضها) أي: أركانها (ثلاثة عشر) على ما في أكثر الكتب، يجعل الطمأنينة في محالها الأربعة هيئةً تابعة لها، ويؤيده جعلهم لها في التقدم والتأخر على الإمام، مع نحو الركوع ركناً واحداً، وقياس ذلك: أنه لو شك بعد الانتقال عن السجود مثلاً هل اطمأن فيه، أم لا؟ .. أنه لا يضر على القاعدة: إنه لا يضر الشك في شيء من الأركان بعد الفراغ من صلاة أو غيرها. وأما الأثناء .. فيضر الشك في أصل الركن مطلقاً، لا في بعضه بعد فراغه، لكن المعتمد أنه يضر الشك فيها أثناء الصلاة مطلقاً؛ نظراً إلى القول بأنها ركن مستقل. والأركان المذكورة ثلاثة أقسام: قلبي وهو: النية. وقولي وهو: تكبيرة الإحرام، والفاتحة، والتشهد الأخير، والصلاة على النبي ﷺ بعده والسلام. وفعلي وهو: القيام والركوع والاعتدال والسجود والجلوس بين السجدتين، والجلوس في التشهد الأخير، والترتيب. (الأول: النية)؛ لما مر في الوضوء، ولوجوبها في بعض الصلاة؛ لأنه بتمام التكبير يتبين دخوله فيها من أوله. وهي (بالقلب) فلا يكفي النطق بها مع غفلته، ولا يضر النطق ما فيه، فلو

стр. 155

نوى بقلبه الظهر ونطق لسانه بغيره .. كان العبرة بما نواه، ثم الصلاة فرض، ونفل مقيد بوقت أو سبب، ونفل مطلق. (فيكفيه في النفل المطلق) وهو ما لا يتقيد بوقت ولا سبب (و) ما ألحق به من المقيد، وهو ما المقصود منه إيجاد مطلق الصلاة، لا صلاة مخصوصة، وذلك نحو (تحية المسجد وسنة الوضوء) والاستخارة والطواف والزوال، والقدوم من سفر، ودخول منزل، والخروج منه أو من الحمام، وصلاة الحاجة، وبأرض لم يعبد الله فيها، ونحوها (نيةُ فعل الصلاة)؛ لتتميز عن غيرها، فلا يكفي إحضارها في الذهن مع عدم قصد فعلها، وهي هنا ماعدا النية؛ لأنها لا تنوى، وإلا .. لزم التسلسل؛ إذ كل نية تحتاج إلى نية، لكن هذا على القول أنه ينوي كل فرد فرد من أجزائها، فإن قلنا: ينوي مجموع الصلاة، وهو المعتمد .. فلا يلزم ذلك، كالعلم يتعلق بغيره ونفسه، وكالشاة من الأربعين تزكي نفسها وغيرها، وتندرج سنة الوضوء وما بعدها في غيرها من فرض أو نفل وإن لم تنو، بمعنى أنه يسقط طلبها ويثاب عليها عند (م ر)، وقال (حج): لا يثاب عليها إلا إذا نواها مع تلك الصلاة. ٍأمَّا ما ليس في المعنى النفل المطلق كسنة الضحى .. فلا يندرج في غيره، بل إذا نوى مع ذلك غيره .. لم تنعقد الصلاة؛ لأن التشريك بين فرضين أو نفلين مقصودين أو بين فرض ونفل مقصود مبطلٌ فيما لم يبنَ على التداخل كالطهارة. (وفي) النافلة (المؤقتة والتي لها سبب) إنما يكفيه (نية الفعل) للصلاة (والتعيين) لما أراده منهما؛ ليتمز عن غيره من الصلاة، وتمييزها إمَّا بما اشتهرت به كالضحى أو بالإضافة (كسنة الظهر) القبلية أو البعدية، ولا يجب تعين المؤكدة، بل تنصرف إليها عند الإطلاق، ويسن أن لا يطول فصل بين القبلية والبعدية وبين الفرض، وقيل: يجب، وكذا في سنة غير الظهر (أو) كسنة (عيد الفطر أو الأضحى) لا سنة العيد فقط، وإن اكتفي بذلك العز بن عبد السلام، كما في الكفارات، لكن فرقوا بأن الصلاة آكد، وكذا يقال في الكسوفين، وينوي في الجمعة قبليتها أو بعديتها، ولا يجوز أن يضيف سنة الوتر إلى العشاء وإن توقف فعلها على فعلها، بل ينوي سنة الوتر ولو في غير الأخيرة، أو مقدمة الوتر أو صلاة الليل في الأخيرة، ويصح نية الوتر، ويحمل على ما يريده عند

стр. 156

(حج)، وعلى ركعتين عند (م ر)، والأولى فيما زاد على ركعتين أن يقول: ركعتين من الوتر مثلاً وقيل: يجب. (وفي الفرض) ولو نذراً أو كفاية إنما يكفيه ثلاثة أمور: (نية الفعل، والتعيين صبحاً أو غيرها) لما مر لا فرض الوقت، ولا ينافي ذلك أنه قد ينوي الجمعة ويتم ظهراً، وينوي القصر ويتم؛ لأن ما هنا باعتبار الذات، وصلاته غير ما ما نواه لعارض اقتضاه. (ونية الفرضية) ويجمع الثلاثة قولك: أصلي فرض الظهر، أو أصلي الظهر فرضاً، وبذلك يتميز الفرض عن النفل، ومنه المعادة؛ لأن المراد بنية الفرض فيها صورته، وهنا المراد الفرض الحقيقي، وإنما تجب نية الفرضية (للبالغ) أي: عليه لا على الصبي، واعتمده (م ر)، لكن أوجبها (حج) عليه أيضاً، ويكفي نية المكتوبة فيها، والمنذورة في النذر عن نية الفرضية. واعلم: أن من الفرض ما لا يشترط فيه نية الفرضية بلا خلاف وهو الحج والعمرة والزكاة وما تشترط فيه على الأصح وهو الصلاة وما لا تشترط فيه على الأصح وهو الصوم. (ويستحب ذكر عدد الركعات) فإن أخطأ فيه ولو سهواً .. لم تنعقد عند (م ر). (و) ذكر (الإضافة إلى الله) تعالى؛ ليتحقق معنى الإخلاص، ومراعاة لمن أوجب ذلك. (و) ذكر (الأداء والقضاء) ولو في النفل؛ ليمتاز كل عن ضده، ويصح كل منهما بنية الآخر إن جهل حال لنحو غيم، أو قصد المعنى اللغوي؛ إذ كل بمعنى الآخر لغةً، وإلا .. لم يصح؛ لتلاعبه، وظاهر الشرح الصحة عند الإطلاق، ولو صلى الصبح مثلاً قبل وقته، وعليه صبح فائتة .. وقع عن الفائته مطلقاً عند (م ر)، وقيده (حج) بما إذا لم ينو به صبح اليوم الذي هو فيه في ظنه، وإلا .. لم يصح عنه؛ للصارف، وإذا نوى الصبح وأطلق، وعليه صبح فائت .. وقع عن صبح يومه لاعن القضاء، وتردد (سم) فيمن صلى الظهر مثلاً ثانياً، ولم يقيده بأداء ولا إعاده ولا قضاء، فهل يقع إعاده أو قضاء؟

стр. 157

واعلم: أن لهم استحضاراً حقيقياً، بأن يستحضر أركان الصلاة مفصلات، وما يجب التعرض له من القصد والتعيين ونية الفرضية، والقصر في السفر، والمأمومية للمأموم، والإمامة للإمام، ومقارنة حقيقية (و) وهي أنه (يجب أن يقرن النية) المشتملة على جميع ما مر (بالتكبيرة) أي: بابتداء تكبيرة الإحرام، ويستمر مستصحباً لذلك كله إلى الراء، واستحضاراً عرفياً وهو أن يستحضر هيئة الصلاة إجمالاً مع ما يجب التعرض له كما مر ومقارنة عرفية بأن يقرن ما استحضره بالتكبير. ٍقال القليوبي: (قال بعضهم: المقارنة العرفية عدم الغفلة بذكر النية حال التكبير مع بذل المجهود. وقال شيخنا (م ر): المراد بها الإكتفاء باستحضار ما مر في أي جزء من التكبير أوله أو وسطه أو آخره. وقال بعضهم: هو استحضار ذلك قبيل التكبير، وإن غفل عنه فيه وفاقاً للأئمة الثلاثة، والذي يتجه الأول؛ لإنه المنقول عن السلف) اهـ والأول هو أصل المذهب، لكن المختار الثاني، وصوبه المحققون؛ إذ الأول لا تحويه القدرة البشرية. (الثاني) من الأركان (أن يقول: الله أكبر)؛ للخبر الصحيح: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم". وحكمه افتتاحها بالتكبير: ليستحضر المصلي عظمة معناها الدال على عظمة من تهيأ لخدمته، حتى يتم له الهيبة والخشوع، ومن ثم زيد في تكريرها؛ ليدوم له ذانك في جميع صلاته؛ إذ لا روح ولا كمال لها بدونهما، ومر أنه يتبين بتمامها دخوله فيها بأولها كغيرها من العقود. (ولا يضر تخلل يسيرِ وصفٍ لله تعالى) بين الله وأكبر، كالله الجليل، أو أكبر، بخلاف نحو الله لا إله إلا هو أكبر؛ إذ وجود ثلاث كلمات فاصلة بينهما مضر. وخرج بـ (تخلل): إلحاق صفات بعد التكبير أو تقديمها على الجلالة فلا يضر، وبـ (الوصف) غيرة كـ (هو) أو (يا) نحو الله هو، أو يا رحمن أكبر، فيضر. (أو) يسير (سكوت) كسكتة تنفس (ويترجم) وجوباً (العاجز) عن النطق بالتكبير بالعربية (بأي لغة شاء) ولا يعدل لذكر غيره. ٍ

стр. 158

(ويجب تعلمه) لنفسه، ونحو طفله (ولو بالسفر) وإن طال إن قدر ووجد مؤن السفر المعتبرة في الحج. ووقت وجوب التعلم من الإسلام فيمن طرأ إسلامه، وفي غيره من التمييز عند (حج)، ومن البلوغ عند (م ر)، وكذا غير التكبير من الواجبات. والأخرس يحرك لسانه به إن قدر، وإلا .. نواه (ويؤخر الصلاة) عن أول الوقت (للتعلم) إن رجاه؛ حتى لا يبقى إلا ما يسعها بمقدماتها، فحينئذٍ يجب فعلها بحسب حاله، ولا يعيد إلا فيما فرط في تعلمه. (ويشترط إسماع نفسه) جميع حروف (التكبير) حيث لا مانع من نحو لغط، وإلا .. فيرفع قدر ما يسمعه لو لم يكن مانع (وكذا القراءة، وسائر الأركان) والسنن القولية، فلا يعتد بها إلا بما ذكر. ويشترط أيضاً لتكبيرة التحرم: إيقاعها في القيام في الفرض وإلى القبلة، وتقديم الجلالة، وعدم مد همزة الجلالة ويجوز إسقاطها إن وصلها بـ (إماماً) أو (مأموماً)، لكنه خلاف الأولى، بخلاف همزة أكبر؛ لأنها همزة قطع وعدم مد ألف لجلالة زيادة على سبع ألفات، وعدم مد باء أكبر؛ إذ مده يصيره جمع كبر، وهو طبل له وجه واحد، وعدم تشديد بائها، لكن قال الكردي: (لا يمكن تشديد الباء إلا بتحريك الكاف) وعدم زيادة واو ساكنة أو متحركة بين الكلمتين، وعدم واوٍ قبل الجلالة وإنما صح في السلام زيادتها؛ لتقدم ما يمكن العطف عليه ثم لا هنا، وتأخيرها عن جمع تكبيرة إمامه، وفقد الصارف فيضر هنا التشريك على المعتمد بخلاف تكبيرات الانتقال؛ لأن الانعقاد يحتاط له أكثر من غيره، ولو كبر للإحرام تكبيرات ناوياً بكل افتتاحاً .. دخل بالأوتار وخرج بالأشفاع إن لم يتكلم، أو ينو خروجاً أو افتتاحاً بينهما .. وإلاَّ فيخرج منها ويدخل بالتكبير، فإن لم ينو بغير الأولى شيئاً .. لم يضر. (الثالث) من الأركان (القيام) من أول التحرم إجماعاً (في الفرض) ولو منذوراً أو كفاية، أو على صورة الفرض، كصلاة صبي ومعادة (للقادر) عليه ولو بمعين، ولو بأجرة فضلت عما يعتبر في الفطرة، أو بعكازة أطاق القيام عليها؛ لخبر البخاري: "صل قائماً، فإن لم تستطع .. فقاعداً .. فإن لم تستطع .. فعلى جنب" زاد النسائي: "فإن لم تستطع .. فمستلقياً".

стр. 159

(وشرطه) أن يعتمد على قدميه، و (نصب فقار) أي: عظام (ظهره) لا رقبته، ولا يضر استناده إلى شيء وأن كان بحيث لو رفع .. لسقط؛ لوجود اسم القيام، لكن يكره كقيامه على ظهر قدميه، وإنما لم يجز نظيره من السجود؛ لأنه ينافي وضع القدمين المأمور به فيه، ولو وقف منحنياً بحيث صار إلى أقل الركوع أقرب، أو مائلاً لأحد جنبيه بحيث لا يسمى قائماً .. لم يصح. (فإن لم يقدر) على القيام إلا منحنياً أو متكئاً على شيء ( .. وقف منحنياً) في الأولى، وكما قدر في الثانية؛ إذ الميسور لا يسقط بالمعسور، ويلزمه في الأولى زيادة انحناء لركوعه إن قدر، وإلا .. ميز كلاً من القيام والركوع والاعتدال بالنية. (فإن لم يقدر) على القيام بأن لحقته به مشقة شديدة أو ظاهرة -عبارتان معناهما واحد- وهي: التي لا تحتمل عادة وإن لم تبح التيمم، كدوران رأس. وهل التي تذهب الخشوع شديدة؟ قال (حج): لا، و (م ر): نعم، بل قال الشرقاوي: أو كماله ( .. قعد) كيف شاء ولا ينقص ثوابه. ولو نهض محتملاً للمشقة .. قال (حج): لم تجزه القراءة في نهوضه؛ لأنه دون القيام الصائر إليه، ولا يَرد أن النهوض أعلى من الجلوس الذي هو فرضه؛ لأن الجلوس إنما هو بفرضه ما دام فيه، وفيه نظر. وأفضل القعود هنا: الافتراش، فالتربيع؛ للخلاف في أفضليته حتى على الافتراش، فالإقعاء المسنون؛ لأنه في كل جلوس تعقبه حركة، وهو أن يلصق بطون أصابع رجليه بالأرض، ويضع ألييه على عقبيه، بخلاف الإقعاء الآخر فمكروه مطلقاً، وهو أن يجلس على وركيه ناصباً ركبتيه. (وركع) المصلي قاعداً ولو نفلاً (محاذباً جبهته) ما (قدام ركبتيه) وهذا أقله. (والأفضل أن يحاذي محل سجوده) وهما على وِزَان ركوع القائم تقريباً. (فإن لم يقدر) على القعود بأن نالته به مشقة شديدة ( .. اضطجع) وجوباً (على جنبه)؛ للخبر المتقدم، ويستقبل القبلة بوجهه ندباً، وبمقدم بدنه وجوباً (و) الاضطجاع على الجنب (الأيمن أفضل) ويكره على الأيسر بلا عذر.

стр. 160

(فإن لم يقدر) على الاضطجاع ( .. استلقى) على ظهره (ويرفع رأسه) قليلاً (بشيء) وجوباً، ليتوجه بوجهه للقبلة، فإن تعذر به .. وجب بأخمصاه، وإلا ندب .. ثم إن أطاق الركوع والسجود .. أتى بهما، أو الركوع فقط .. كرره للسجود، وزاد له قليلاً على أكمل الركوع إن أمكن؛ ليتميز عن الركوع، فإن لم يمكنه .. لم يلزمه جعل أقل الركوع له وأكمله للسجود. (ويومىء برأسه للركوع والسجود) حتماً من عجز عما ذكر (و) يجب كونه (للسجود أكثر). وظاهر قوله: (قدر إمكانه) أنه لا يكفي للسجود أدنى زيادة على الركوع إذا قدر على أكثر من ذلك، وبه صرح في "الإمداد"، لكنه صرح في "الفتح"، و"التحفة" بالاكتفاء. (فإن لم يقدر) على الإيماء برأسه ( .. أومأ بطرفه) إلى أفعال الصلاة، ومن لازِمِه الإيماء بالجفن والحاجب، ولا يجب هنا زيادة إيماء للسجود، واعتمده (حج) و (م ر)، ونظر فيه (سم). (فإن لم يقدر) عليه ( .. أجرى الأركان) الفعلية (على قلبه) وكذا القولية إن اعتقل لسانه، بأن يمثل نفسه مكبراً، وقائماً وقارئاً وراكعاً وهكذا، ولا إعادة عليه. وقال (سم): إذا كان عدم القدرة للإكراه .. تجب؛ لندرته، ومتى قدر على مرتبة أثناء صلاته أعلى مما هو فيها .. لزمه الانتقال إليها، كما أن من عجز عن مرتبة .. انتقل لما دونها وبنى حتى على قراءته، ويقرأ في انتقاله هاوياً، لا ناهضاً. تنبيه: كما يسقط القيام بالعجز الحسي يسقط بالعجز الشرعي، ومنه ما لو لم يمكن مداوته إلا قاعداً أو مستلقياً .. فيصلي كذلك بلا إعادة، وما لو كان دائم حدث ويستمسك بالقعود مثلاً .. فيصلي قاعداً بلا إعادة، وما لو خاف من صلاته قائماً السقوط، ومن لو صلى جماعة .. عجز عن القيام ولا يعجز عنه منفرداً، فيصلي جماعة قاعداً، ولا إعادة وإن كان الانفراد قائماً أفضل، ومن لو قام .. خاف رؤية عدو وفساد تدبير الحرب،

стр. 161

فيصلي قاعداً ويقضي، بخلاف ما لو خاف من رؤيته على نفسه .. فلا قضاء، وما لو صلى بمكان ضيق لا يمكنه القيام فيه حال المطر .. فيصلي فيه قاعداً، وانتظاره انقطاع المطر أفضل، وما لو كان لا يمكنه الصلاة قائماً إلا بثلاث حركات متوالية .. فيصلي قاعداً وجوباً، ولا إعادة كما قاله عبد الله بن عمر مخرمة، لكن أفتى (حج) في هذه بوجوب القيام، ومن لو صلى قاعداً توجه إلى القبلة أو قائماً فلا فيصلي قاعداً. (ويتنفل القادر) على القيام (قاعداً) إجماعاً؛ لكثرت النوافل (ومضطجعاً) وعلى اليمين أفضل (لا مستلقياً)؛ لعدم وروده (ويقعُدُ) من صلى مضطجعاً وجوباً إن قدر (للركوع والسجود) ولا يومئ بهما، ويكفي الاضطجاع في الاعتدال وبين السجدتين. قال في "الإمداد": ووجوب القعود للركوع والسجود لا يحيل ذلك؛ إذ يتصور بترك الطمأنينة في ذلك القعود. (وأجر القاعد) في النفل (القادر) على القيام (نصف أجر القائم) فيه (و) أجر (المضطجع) فيه (نصف أجر القاعد) فيه؛ للخبر الصحيح بذلك، أما العاجز .. فلا ينقص أجره بالقعود والاضطجاع، وكذا الأنبياء، وللمتنفل قراءة الفاتحة في نهوضه إلى القيام؛ لأنه أعلى من الجلوس وفي هويه، وله أيضاً أن يكبر للإحرام في حال نهوضه. (الرابع) من الأركان: قراءة (الفاتحة) في قيام كل ركعة أو بدله في الفرض والنفل للمنفرد وغيره، في السرية والجهرية، حفظاً أو تلقيناً أو نظراً في مصحف؛ لخبر الصحيحين: "لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب"، ولخبر: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" (إلا لمعذور لسبقٍ) حقيقةًٍ (أو غيره) وهو السبق الحكمي، كزحمة ونسيان وبطء حركة، كأن لم يقم من السجود إلا والإمام راكع أو قريب منه، فتسقط عنه (الفاتحة) كلها في الأولى وبعضها في الثانية كما يأتي في شروط القدوة. (والبسملة) آية كاملة منها عملاً، ويكفي في ثبوتها الظن، سيما وقد قرب من اليقين؛ لإجماع الصحابة على ثبوتها في المصحف بخطه، مع مبالغتهم في تجريده عما ليس منه حتى نقطه وشكله، وأما إثبات نحو أسماء السور والأعشار فيه .. فأحدثها

стр. 162

الحجاج فيه، على أنه ميز ذلك بجعله بغير خط المصحف، بل هي من المتواتر عند بعض قراء السبع، وصح عدّها آية منها. وخبر: "إذا قرأتم .. فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم"، ويجهر بها حيث يجهر بالفاتحة، كما رواه أحمد وعشرون صحابياً بطرق ثابتة. والأصح: أنها آية من كل سورة إلا (براءة)؛ لأنها نزلت بالسيف، فتحرم أولها، وتكره أثناءها، وقال (م ر): (تكره أولها، وتسن أثناءها، وتندب أثناء غيرها اتفاقاً). واعلم: أن واجبات الفاتحة عشرة: الأول: قراءة جميع آياتها. الثاني: وقوعها كلها في القيام أن وجب. الثالث: عدم الصارف، فلو نوى بها نحو ولي .. وجبت إعادتها، بخلاف ما لو شرك. الرابع: أن تكون قراءتها بحيث يسمع جميع حروفها لو لم يكن مانع. الخامس: كونها بالعربية؛ فلا يعدل عنها وإن عجز عنها. (و) السادس: مراعاة (التشديدات منها)، فلو خفف مشدداً من الأربعة عشر المشددة .. لم تصح قراءته لتلك الكلمة، ومنه فك الإدغام في حق العالم، بل تبطل صلاته إن غير المعنى، ولو شدد مخففاً .. أساء ولم تبطل صلاته ولا قراءته ما لم يغير المعنى، فتبطل قراءته، وكذا صلاته إن علم وتعمد. والسابع: رعاية حروفها، فلو أسقط منها حرفاً ولو همزة قطع كهمزة أنعمت .. وجبت إعادة الكلمة التي هو منها وما بعدها قبل طول فصل وركوع، وإلا .. بطلت صلاته. (ولا يصح إبدال) قادر أو مقصر بترك التعلم (الظاء عن الضاد) ولا إبدال حرف آخر منها بغيره، ومنه عند (حج) أن ينطق بالقاف مترددة بين القاف والكاف، وتبطل صلاته إن غير المعنى وعلم وتعمد، وإلا .. فقراءته لتلك الكلمة، فيبني عليها إن قصر الفصل، ويسجد للسهو، لكن قال (ب ج): المتعمد أنه متى تعمد .. ضر وإن لم يغير المعنى؛ لأن الكلمة حينئذٍ صارت أجنبية، كما نقله سلطان عن (م ر)، وقرره العزيزي.

стр. 163

نعم؛ إن كان الإبدال قراءة شاذة .. لم تبطل إن لم يختل المعنى. (و) الثامن: أنه (يشترط) لصحة القراءة (عدم اللحن المخل بالمعنى) بأن غيره، كضم تاء (أنعمت)، أو كسرها، أو أبطله كـ (المستيقن) ممن يمكنه التعلم ولو بقراءة شاذة، كقراءة (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر:٢٨] برفع الجلالة ونصب العلماء، وعليها فالخشية مستعملة في التعظيم، أي: إنما يعظم الله من عباده العلماء، وهو معنى صحيح، لكنه غيَّر معنى المتواترة، ولو قرأ: (رَبِّ الْعَالَمِينَ ِ) بكسر اللام .. لم تبطل إن قلنا: العالمين مختص بالملائكة والإنس والجن؛ لأنه حينئذٍ بمعنى العالَمين بفتح اللام، ورجح (حج) في "فتاويه" البطلان، قال: (لأن تغيير المعنى ليس المراد به رفع المعنى المقصود من أصله، بل أن تصير الكلمة لا تفيد المعنى المقصود بتمامه) اهـ أي والحاصل: أنها تبطل بتغيير المعنى، وبإبطاله وكذا بإبدال حرف في غير القراءة الشاذة وإن لم يغير المعنى، وكذا فيها إن غيره، ولو نطق بالكلمة الواحدة مرتين .. حرم، كأن يقف ولو يسيراً بين السين والتاء من (نستعين). تنبيه: بين اللحن المخل بالمعنى وبين الإبدال، عموم وخصوص وجهي. (و) التاسع: (الموالاة) في (الفاتحة)، وكذا في التشهد عند (م ر)؛ بأن لا يفصل بين شيء منهما وما بعده بأكثر من سكتة التنفس؛ للاتباع، مع خبر: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (فتنقطع "الفاتحة" بالسكوت الطويل) وهو ما يزيد على سكتة التنفس (إن تعمده) وإن لم ينو القطع؛ لإشعاره بالإعراض، فإن لم يتعمده، كأن سكت لإعياء، أو لتذكر آية، أو سهواً .. لم يضر وإن طال؛ لعذره، كما لو كرر آية منها في محلها، ولو لغير عذر أو عاد إلى ما قرأه قبل، واستمر، ولو شك أثناءها في ترك البسملة مثلاً، ثم ذكر أنه أتى بها .. لزمه إعادة ما قرأه على الشك فقط، وقال ابن سريج: (يجب استئنافها)، قال (حج) و (م ر): (إذا ما قرأه مع الشك كالأجنبي لتقصيره بقراءته) (أو كان يسيراً) أي: وتنقطع بالسكوت اليسير إن (قصد به قطع القراءة)؛ لتعديه، بخلاف مجرد قصد قطع القراءة فلا يقطعها، وإنما بطلت الصلاة بنية قطعها؛ لأن النية ركن في الصلاة، فتجب إدامتها فيها حكماً، والقراءة لا تفتقر إلى نية لها خاصة، ومن ثم لم تؤثر نية قطع الركوع أو غيره من الأركان غير النية.

стр. 164

تنبيه: في عبارة المتن قلاقة ظاهرة؛ لأنها تقتضي أن (الفاتحة) تنقطع بالسكوت الطويل حيث تعمده، أو كان يسيراً، فيكون البطلان بالسكوت الطويل إن كان يسيراً، وهو تنافٍ ظاهرٌ، وعبارة "المنهاج" مع بعض توضيح من "النهاية": (ويقطع الموالاة السكوت الطويل العمد، وكذا يسير قصد به قطع القراءة في الأصح) اهـ وقد يجاب بأن الضمير في (كان) عائد على السكوت، لا بقيد كونه طويلاً، أي: فتنقطع (الفاتحة) بتعمد السكوت حيث كان طويلاً أو يسيراً قصد به قطع القراءة، وتنقطع الموالاة أيضاً بقراءة آية من غيرها. (وبالذكر) وإن قل، كالحمد ولو من عاطس وإن سن ولو فيها وكإجابة مؤذن بغير الحيعلتين؛ لعدم اختصاص ذلك بالصلاة لمصلحتها، فأشعر بالإعراض بخلاف اليسير في العقود، (إلا إذا كان ناسياً) أو جاهلاً؛ لعذره. (وإلا إذا سن في الصلاة) بأن كان مأموراً به لمصلحتها، فلا تنقطع به القراءة، وذلك: (كالتأمين) لقراءة إمامه (والتعوذ) من العذاب (وسؤال الرحمة) عند قراءة آيتها منه، أو من إمامه، وقوله: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين آخر (التين)، وبلى إنه على كل شيء قدير آخر (القيامة)، وآمنا بالله آخر (المرسلات)، والحمد لله آخر و (الضحى)، وسبحان ربي العظيم عند قراءة آية التسبيح، والاستغفار عند قراءة آيته، وفي ندب الصلاة على النبي ﷺ عند ذكره، خلاف يأتي في القنوت (وسجود التلاوة لقراءة إمامه) إن سجد (والرد عليه) أي: على إمامه إذا توقف وسكت عن القراءة ولو في غير الفاتحة، فلا تنقطع بذلك، ويندب الاستئناف للخلاف. أما غير قراءة إمامه .. فلا يسجد لها، وإلا بطلت صلاته. وأما فتحه عليه قبل سكوته .. فلا يسن وتنقطع به الموالاة، بل وتبطل به الصلاة إن لم يقصد القراءة على ما يأتي في شروط الصلاة. ويجب -أيضاً ولو خارج الصلاة وهو العاشر- ترتيب (الفاتحة) بأن يأتي بها على نظمها المعروف؛ للاتباع، ولأنه مناط الإعجاز فلو قدم كلمة أو آية .. نظر فإن غير المعنى أو أبطله .. بطلت صلاته إن علم وتعمد، وإلا .. فقراءته وإن لم يغيره ولم يبطله لم يعتد بما قدمه مطلقاً، وكذا بما أخره إن قصد به عند شروعه فيه التكميل على ما قدمه، وإلا بأن قصد الاستئناف أو أطلق .. كمل عليه إن لم يطل فصل، فإن عجز عن قراءة (الفاتحة) .. قرأ سبع آيات من غيرها ولو مفرقة وإن تفاوتت ولم تفد معنى منظوماً، كـ (ثُمَّ نَظَرَ) [سورة المدثر:٢١]

стр. 165

لكن بشرط كونها بقدر حروفها ولوظناً، فإن عجز عن القرآن .. أتي بذكر، ويعتبر سبعة أنواع منه، أو من دعاء، أو منهما. مثالها من الذكر: (سبحان الله، والحمد لله، وولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله)، فهذه خمسة أنواع. و (ما شاء الله كان) نوع منه، و (ما لم يشأ لم يكن) نوع، فهذه سبعة أنواع، لكن حروفها لم تبلغ قدر (الفاتحة)، فيزيد ما يبلغ قدرها ولو بتكريرها، ولو أحسن شيئاً من (الفاتحة) .. أتي به في محله، ويبدل الباقي إن أحسن شيئاً من الذكر، وإلا .. كرره حتى يبلغ قدر الفاتحة، فإن عجز عن جميع ما مر .. وقف قدر (الفاتحة) معتدلة ولو ظناً؛ إذ الوقوف بقدر (الفاتحة) واجب كـ (الفاتحة)، والميسور لا يسقط بالمعسور. ويسن الوقوف أيضاً قدر السورة والقنوت والقعود بقدر التشهد الأول. (الخامس: الركوع)؛ للكتاب والسنة والإجماع. وهو لغة: الانحناء، وشرعاً: انحناء خاص وسيأتي في السنن أكمله وأكمل غيره. (وأقله) للقائم (أن ينحني) بلا انخناس (حتى تنال) يقيناً (راحتاه) وهما ما عدا الأصابع من الكفين (ركبتيه) لو وضعهما عليهما عند اعتدال خلقته، فلا يحصل مع انخناس، ولا ببلوغ الأصابع دون الراحتين أو أحدهما، ولا ببلوغ راحتي طويل يدين ولو كان معتدلهما لم تبلغهما، ولا مع الشك؛ لأنه في جميع ذلك لم يسم ركوعاً، بل وتبطل صلاته إن رفع عمداً. والانخناس: أن يخفض عجيزته، ويرفع أعلاه، ويقدم صدره. أما القاعد .. فقد مر ركوعه. (ويشترط أن يطمئن) في الركوع يقيناً؛ للأمر بها في خبر المسيء صلاته فيه، وفيما بعده. وهي (بحيث تستقر أعضاؤه) حتى ينفصل رفعه من ركوعه عن هويه، ولا تقوم زيادة الهوي مقامها (وأن لا يقصد به) أي: الهوي (غيره) أي: غير الركوع فقط، بأن يوجد الصارف عنه مطلقاً وإن لم يقصده كمسألة السقوط الآتية، ومع عدم الصارف لا يجب قصده، لأن نية الصلاة منسحبة عليه كغيره من الأركان، فيكفيه أن يهوي إليه بقصده، أو بقصده مع غيره ولو مع وجود الصارف، وكذا بلا قصد حيث لا صارف.

стр. 166

(فلو هوى لتلاوة) أي: لسجودها، أو لقتل نحو حية (فجعله) عند بلوغه حد الراكع (ركوعاً .. لم يكفيه) بل يجب أن ينتصب، ثم يركع؛ لصرفه هويه لغير واجب فلم يقم عنه، ولو شك وهو ساجد هل ركع؟ .. لزمه الانتصاب فوراً ثم الركوع، ولا يجوز له القيام راكعاً، وإنما لم يحسب له هويه عن الركوع؛ لأنه لا يلزم من هوي السجود من قيام وجودُ هوي الركوع، بخلاف ما لو شك غير مأموم بعد تمام ركوعه في الفاتحة، فعاد للقيام، ثم تذكر أنه قرأها .. فيحسب له انتصابه عن الاعتدال، وما لو رفع من السجود يظن جلوسه للاستراحة أوالتشهد الأول، فبان له الحال بخلافه .. فيكفيه رفعه، فإنَّ القيام في الأول والجلوس في الأخيرين واحد لا يختلف، فقول الزركشي، واعتمده (م ر): (إنه لو هوى إمامه فظن أنه يسجد للتلاوة فتابعه فبان أنه ركع .. حسب له، واغتفر ذلك للمتابعة) خالفهُ فيه (حج) لما مر، وفي "الشرح": (لو أراد أن يركع فسقط .. قام ثم ركع، ولا يقوم راكعاً، فإن سقط أثناء انحنائه عاد للمحل الذي سقط منه) اهـ وقياس ما يأتي في السقوط من الهوي من الاعتدال أنه يقوم هنا إلى الركوع، لا إلى المحل الذي سقط منه. (السادس: الاعتدال، وهو) لغة: الاستقامة والمماثلة. وشرعاً: (أن يعود) الراكع (إلى ما كان عليه) قبل ركوعه من قيام وغيره، فلو صلى نفلاً من قيام وركع منه .. تعين اعتداله من قيام، ولو ركع من جلوس بعد اضطجاعه مع القدرة بأن قرأ فيه، ثم جلس؛ لأنه يجب عليه الجلوس ليركع منه .. عاد إلى الاضطجاع، أو إلى الجلوس؛ لأنه أعلى منه، كما قرره الحفني، لكن رجح غيره: أنه يجب عوده للجلوس؛ لأنه ابتدأ ركوعه منه. (وشرطه) أي: الاعتدال (الطمأنينة فيه) يقيناً (وأن لا يقصد به غيره) نظير ما مر في الركوع. (فلو رفع) من الركوع (فزعاً من شيء .. لم يكف) ذلك الرفع للاعتدال؛ لوجوده الصارف، ولو سقط من ركوعه من قيام قبل الطمأنينة .. عاد إليه وجوباً، واطمأن ثم يعتدل، أو بعدها .. نهض معتدلاً.

стр. 167

ومن شرطه أيضاً: أن لايطوله كما يأتي. وخرج بـ (فزعاً) ما لو شك راكعاً في (الفاتحة)، فرفع بعد الطمأنينة ليقرأها، فتذكر أنه قرأها .. فيكفيه هذا الرفع للاعتدال؛ لأنه ليس أجنبياً كما مر بخلاف صرفه للفزع. (السابع: السجود مرتين) في كل ركعة؛ للكتاب والسنة والإجماع. وهو لغة: الخضوع، وشرعاً: وضع الأعضاء السبعة الآتية. (وأقله أن يضع) المصلي (بعض بشرة جبهته) أو بعض شعرها (على مصلاه) وبعضاً من كلًّ من كفيه وركبتيه وقدميه و (الجبهة): ما اكتنفه الجبينان وهما المنحدران عن جانبيها، وإنما وجب كشفها دون بقية الأعضاء؛ لسهولته، وذلك للحديث الصحيح: "إذا سجدت .. فمكن جبهتك، ولا تنقر نقراً"، مع خبر: (أنهم شكوا إليه صلى لله عيه وسلم شدة الحر فلم يرشدهم لسترها) ولو جاز .. لأرشدهم لذلك. تنبيه: عد السجدتين ركناً واحداً؛ لاتحادهما، والمناسب -لما يأتي في التقدم والتأخر- عدهما ركنين، وكرر السجود دون غيره؛ لأنه أبلغ في التواضع، ولما فيه من إرغام الشيطان. و (شرطه الطمأنينة) يقيناً (ووضع جزء) على مصلاه وإن قل ولو مستوراً، وإن لم يتحامل عليه من كل (من ركبتيه، وجزء من بطون) كل من (كفيه) يقيناً، و (الكف): ما ينتقض الوضوء بمسه الذكر، لكن لا يجزئ وضع بطن أصبع زائدة وإن نقض مسه (و) جزء من بطون (أصابع) كل من (رجليه) في آن واحد؛ للخبر الصحيح: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين". (و) شرطه أيضاً (تثاقل رأسه) بحيث لو كان تحته قطن .. لانكبس وظَهَرَ أثره على يده، أي: أحست بذلك، وتخصيص الجبهة بذلك ظاهر من الحديث السابق. (وعدم الهوي لغيره) نظير ما مر في الركوع (فلو سقط) من الاعتدال (على وجهه) قهراً .. لم يحسب له؛ إذ لا بد من نيته أو فعل اختياري، ولم يوجد واحد منهما، و (وجب العود إلى الاعتدال)؛ ليهوي منه، والطمأنينة إن لم يطمئن.

стр. 168

وخرج بسقوطه من الاعتدال سقوطه من الهوي إلى السجود، أو من الاعتدال بعد قصده الهوي، فلا يضر؛ لعدم الصارف؛ إذ الهوي مقصود له. نعم؛ إن سقط على جبهته بقصد الاعتماد عليها .. وجب اعادة السجود بعد أدنى رفع لجبهته. (و) شرطه أيضاً (ارتفاع أسافله) أي: عجزه وحولها (على أعاليه) وهي رأسه ومنكاباه يقينا؛ لما صح عن البراء أنه قال: (هكذا رأيته ﷺ يفعله)، فلو ارتفع أعاليه .. لم يصح جزماً، أو استويا فكذا على الأصح، فلو لم يتمكن من ارتفاع أعاليه .. صلى بحسب حاله وأعاد، ولو عجز عن وضع جبهته إلاَّ على نحو وسادة .. وجب إن حصل به التنكيس، وإلا .. فلا؛ إذ لا فائدة فيه. (وعدم السجود على شيء) محمول له (يتحرك بحركته) ولو بالقوة عند (م ر)، كأن يسجد على شيء لا يتحرك بحركته قاعداً ولو قام لتحرك بحركته، فلا يصح خلافاً لمالك وأبي حنيفة؛ لأنه كالجزء منه، وتبطل به صلاته إن علم وتعمَّد، وإلا .. أعاده (إلا أن يكون) شيئاً (في يده) كمنديل فيصح سجوده عليه مع الكراهة؛ لأنه في حكم المنفصل. وخرج بمحموله نحو سرير يصلي عليه، وهو يتحرك بحركته؛ لأنه في معنى المنفصل. وعلم مما مر أنه لا بد من مباشرة [بعض] جبهته مصلاه (فلو عصب جبهته لجراحة، وخاف من نزع العصابة) محذور تيمم، وكذا مشقة شديدة كما في "الإيعاب" .. (سجد عليها)؛ للعذر (ولا قضاء)؛ لأنه عذر غالب دائم. تنبيه: ظاهر المتن بل صريحه أن السجود وضع الجبهة فقط، وأن وضْعَ بقية الأعضاء شروط، وهو ظاهر صنيع غيره من الكتب. قال (ب ج): (وصريح كلامه -أي: "المنهج"- أن مسمى السجود وضع الجبهة فقط، والبقية شروط له، وقيل: مسمى السجود: وضع الجميع) اهـ ورجح هذا القيل الأشخرُ، كما بستطه في "الأصل".

стр. 169

(الثامن: الجلوس بين السجدتين) ولو في النفل. (وشرطه: الطمأنينة) فيه يقيناً (وأن لا يطوله، ولا الاعتدال)؛ لأنهما شرعا للفصل، لا لذاتهما فكانا قصيرين، فإن طول أحدهما فوق ذكره المشروع فيه قدر الفاتحة في الاعتدال، وقدر أقل التشهد في الجلوس بين السجدتين عامداً عالماً .. بطلت صلاته، واختار كثيرون أنهما طويلان. (وأن لا يقصد) بالرفع (غيره) أي: الجلوس (فلو رفع فزعاً من شيء .. لم يكفه)؛ لما مر. (التاسع: التشهد الأخير) أي: المأتي به آخر كل صلاة، فيشمل نحو الصبح؛ لما صح من الأمر به في خبر: "قولوا التحيات لله ... " إلخ؛ وبأنه فرض بعد أن لم يكن، كما في رواية ابن مسعود. وسمي الكل تشهداً؛ تسمية له باسم جزئه. (وأقله: التحيات) جمع تحية أي: جميع ما يحيا به، أي: يعظم به من سلام وغيره ثابت (لله) ومختص به بطريق الاستحقاق الذاتي (سلامٌ) بالتنوين ولو حذفه لم يضر؛ لأنه لم يغير المعنى، وخالف (سم)، أي: اسم السلام، وهو الله. (عليك) أي: حفيظ ورقيب، بالحفظ والمعونة، أو التسليم، أو السلامة من الآفات عليك، وقيل: معناه الله معك. (أيها النبي، ورحمة الله وبركاته) خوطب به ﷺ ؛ لأنه يكشف له عن المصلين، ولذا قال في "الإحياء": (واحضر شخصه الكريم في قلبك عند ذلك). (سلام علينا) أي: الحاضرين من آدمي وملك وجني (وعلى عباد الله الصالحين) جمع صالح من جميع الخلق، وهو القائم بحقوق الله وحقوق عباده. وإنما فسر في خبر: "أو ولد صالح يدعو له" بالمسلم؛ لأن المراد فيه الحث على التزوج للنسل، وهنا المراد تعظيم المدعو له، فناسب تفسيره بما مر.

стр. 170

(أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) أو عبده ورسوله، وكذا: وأن محمداً رسوله عند (م ر). (وتشترط موالاته) بمعناها في (الفاتحة). نعم؛ يغتفر زيادة الكريم هنا بعد أيها النبي، وزيادة ياء قبله، وزيادة والملائكة المقربين بعد الصالحين، وزيادة وحده لا شريك له بعد إلا الله. ولا يشترط ترتيبه، بل يسن، ولا موالاته عند (حج). (وأن يكون بالعربية) -كغيره من الأذكار- إن قدر عليها، وإلا .. ترجم عن المأثور فقط. وبقية شروط الفاتحة: شروط هنا أيضاً. ويجب أيضاً إدغام النون في اللام في أن لا إله إلا الله، واللام في الراء من الرحمن، وكذا كل مدغم، فلو أظهر .. لم يصح، فإن أعاده على الصواب .. صحت، وإلا .. بطلت، ولا نظر لكون النون واللام لمَّا ظهرت خلفت الشدة؛ لأن في ذلك تركَ شدة أو إبدال حرف بأخر، وهو مبطل إن غير المعنى كما هنا، على ما مر. قال في "التحفة": (فزعْمُ عدم إبطاله؛ لأنه لحن لا يغير المعنى ممنوعٌ؛ لأن محل ذلك حيث لم يكن فيه ترك حرف، والشَّدة بمنزلة الحرف، كما صرحوا به، نعم؛ لا يبعد عذر الجاهل بذلك) اهـ لكن نازعه (سم) في الإبطال به من القادر، قال: لأنه لا يزيد على اللحن الذي لايغير المعنى، سيما وقد جوز بعض القراء الإظهار في مثل ذلك. قال ابن الجزري في أحكام النون الساكنة والتنوين: (وخيَّر البزي بين الإظهار والإدغام فيهما، أي: النون والتنوين عندهما، أي: عند اللام والراء ... إلخ) اهـ وأما قوله: (لأن محل ذلك .... إلخ) فجوابه: (أنه لم يترك هنا حرفاً، بل رجع إلى الأصل هنا) اهـ، وهو ظاهر. (العاشر: القعود) على القادر (في التشهد الأخير)؛ لأنه محله، فيتبعه في الوجوب باتفاق من أوجبه.

стр. 171

(الحادي عشر: الصلاة على النبي ﷺ بعده) أي: التشهد (قاعداً)؛ إذ القعود ركن فيها. والمراد بالبعدية عدم تقدمها على شيء منه، لا الموالاة بينهما، فلا يضر تخلل ذكر أو سكوت طويل. والأصل في وجوبها: آية (صَلُّوا عَلَيْهِ) [الأحزاب:٥٦] مع الإجماع على عدم وجوبها في غير الصلاة، فتعين كونها فيها. (وأقلها: اللهم صل) أو صلى الله (على محمد، أو على رسوله، أو على النبي) دون: أحمد، أوعليه والرسول والحاشر والعاقب ونحوها. وإنما أجزأت دون (عليه) في الخطبة؛ لأنها أوسع من الصلاة. وشروطها: شروط التشهد. ولو قال بإثبات الياء: (صلي) .. حرم، وفي البطلان به خلاف بينته في "الأصل". ولو عجز المصلي عن التشهد، أو الصلاة على النبي ﵊ .. لم يجب بدله عند (سم)، ونقل (ب ج) عن (م ر) الوجوب. ولو ظن مصلي فرض أنه في نفل، فكمل عليه .. لم يضر، بخلاف ما لو شك، هل نوى فرضاً أو نفلاً؟ أو هل نوى ظهراً أو عصراً؟ فيضر. (الثاني عشر: السلام، وأقله: السلام عليكم) وشروطه عشرة: الإتيان بأل، فلا يصح مع حذفها، بخلافه في التشهد؛ لوروده فيه لا هنا، وبكاف الخطاب، وميم الجمع، وأن يتلفظ به بحيث يسمع نفسه لو لم يكن مانع، وأن يوالي بين كلمتيه، وأن يأتي به أو ببدله من جلوس، ومستقبل القبلة بصدره إلى تمامه، وأن لا يقصد به غيره فقط، وأن لا يزيد فيه على الوراد، ولا ينقص عنه. نعم؛ لو قال: السلام التام، أو الحسن، أو السلم -بكسر السين، أو فتحها مع

стр. 172

سكون اللام، أو بفتح السين واللام- وقصد به معنى السلام ولو مع غيره .. لم يضر، وكفى. ولو جمع بين أل والتنوين في السلام، أو زاد فيه الواو .. لم يضر؛ لوجود ما يعطف عليه، بخلاف زيادتها في التكبير. ولو قال: عليكم السلام .. صح مع الكراهة، أو سلام أو سلامي أو سلام الله عليكم أو عليك أو عليكما .. بطلت صلاته، أو عليهم لم تبطل؛ لأنه دعاء ولا خطاب فيه، لكنه لا يجزئه، بل قال الرشيدي: (ينبغي أن محل عدم ضرره حيث لم يقصد به التحلل). (الثالث عشر: الترتيب) لأركانها، كما ذكر في عدها المشتمل على قرن النية بالتكبير في القيام، والقراءة به، والتشهد والصلاة على النبي ﷺ والسلام بقعودها، فالترتيب فيما عدا ذلك، وعده ركناً بمعنى الجزء فيه .. تغليب، وبمعنى الفرض .. صحيح. وخرج بالأركان السنن، فإذا قدّم مؤخراً .. اعتد به وفات المتروك، حتى لو أتى به بعده، أو أعادهما جميعاً .. لم يحصل. نعم؛ لو قدّم السورة على (الفاتحة)، ثم أتى بها بعدها .. اعتد بها؛ لأن هذا ترتيب بين واجب وسنة، لا بين مندوبين. (فإن تعمد تركه) أي: الترتيب بتقديم ركن قولي هو السلام أو فعلي مطلقاً (كأن سجد قبل ركوعه) عامداً عالماً ( .. بطلت صلاته) إجماعاً؛ لتلاعبه. أمَّا تقديم قولي -غير السلام- على قولي أو فعلي .. فلا يضر، لكن لا يحسب ما تقدم على محله. (وإن سها) بترك الترتيب، ثم تذكر المتروك ( .. فما) فعله (بعد المتروك لغو)؛ لوقوعه في غير محله. (فإن تذكر) -غير مأموم- المتروك (قبل أن يأتي بمثله) من ركعة أخرى ( .. أتى به)

стр. 173

فوراً؛ محافظة على الترتيب، وإلا .. بطلت صلاته. أما المأموم .. فلا يعود للمتروك، بل يأتي بركعة بعد سلام إمامه. وكالتذكر الشك فلو شك راكعاً هل ترك الفاتحة؟ أو ساجداً هل ركع أو اعتدل .. قام فوراً وجباً، ولا يكفيه في الثانية أن يقوم راكعاً كما مر. وما اقتضاه المتن من الاقتصار على فعل المتروك محله في غير هذه الصورة. لكن قال (سم): (يمكن أن يستغني عن ذلك) وفيه نظر. أو شك في قراءة الفاتحة قائماً .. لم يلزمه القراءة فوراً؛ لأنه لم ينتقل عن محلها (وإلا) يتذكر حتى أتى بمثله من ركعة أخرى ( .. تمت به) أي: بالمثل المفعول (ركعته) إن كان آخرها كالسجدة الثانية وألغى ما بينهما، وإن كان أولها أو أثناءها كالفاتحة .. حسب له عن المتروك وأتى بما بعده منها (وتدارك الباقي) من صلاته، هذا إن كان المثل من الصلاة -وإن نوى به غيره كجلوس بين السجدتين نوى به جلوس الاستراحة، وإلاَّ كسجدة التلاوة .. لم يجزه عنه- وعرف عين المتروك ومحله، وإلاَّ .. أخذ باليقين وأتى بالباقي. نعم؛ إن جوز أن متروكه النية، أو تكبيرة التحرم .. بطلت صلاته، ولم يشترط هنا طول ولا مضي ركن؛ لأن هنا تيقُنَ ترك انضم لتجويز ما ذكر، وهو أقوى من مجرد الشك في ذلك. وفي تلك الأحوال كلها ما عدا المبطل يسجد للسهو ما لم يكن متروكه السلام، فيأتي به ولو بعد طول الفصل، ولا سجود للسهو؛ لفوات محله بالسلام. (ولو تيقن، أو شك في آخر صلاته) أو بعد سلامه بشرطه الآتي (ترك سجدة من الركعة الأخيرة .. سجدها، وأعاد تشهده)؛ لوقوعه في غير محله، وسجد للسهو (أو من غيرها) أي: الأخيره (أو شك فيها) هل هي من الأخيرة أو من غيرها؟ ( .. أتى بركعة)؛ لأن الناقصة في مسألة اليقين كملت بسجدة من التي بعدها، ولغى ما بينهما، وأخذ بالأسوأ في مسألة الشك وهو جعل المتروك من غير الأخيرة حتى تلزمه ركعة؛ لأنه أحوط.

стр. 174

(وإن قام إلى) الركعة (الثانية) مثلاً (وقد ترك سجدة من الأولى) أو شك فيها (فإن كان قد جلس) قبل قيامه وبعد سجدته التي قام عنها (ولو للإستراحة .. هوى للسجود) فوراً من قيام، واكتفى بذلك الجلوس وإن ظنه للإستراحة؛ إذ الفرض يتأدى بنية النفل حيث كانت نية الصلاة شاملة له بطريق الأصالة، كما يجزئ التشهد الأخير بنية التشهد الأول؛ لشمول نية الصلاة له، بخلاف سجدة التلاوة، فلم تشملها نية الصلاة إلا بطريق التبع للقراءة المندوبة، وبخلاف التسليمة الأولى بنية الثانية؛ لوقوعها خارج الصلاة، فلا تقوم مقام الأولى عند شكه في الأولى، بل يأتي بها. (وإلاَّ) يجلس قبل قيامه ( .. جلس) للركن (مطمئناً، ثم يسجد، فإن تذكر) يقيناً (ترْكَ ركن غير النية وتكبير التحرم بعد السلام .. بنى على صلاته إن قرب الفصل) بأن لا يسع ركعتين بأخف ممكن (ولم) يأت بمناف كأن (يمس نجاسة) غير معفو عنها، وإلاَّ .. استأنف فيهما. (و) لكن (لا يضر استدبار القبلة) إن قصر زمنه عرفاً، وإن خرج من المسجد مثلاً من غير فعل كثير متوال، وكذا إن حصل منه أفعال متوالية على ما هو الظاهر من حديث ذي اليدين، كما يأتي. (ولا الكلام) إن قل، وهو ست كلمات عرفية فأقل؛ لأنه ﵊ تكلم بها في قصة ذي اليدين، واستدبر القبلة، ومشى إلى ناحية المسجد. (فأن طال الفصل) عرفاً، وهو قدر ركعتين بأخف ممكن ( .. استأنف) الصلاة وإن لم يحدث فعلاً؛ لأنه وإن كان سكوتاً، وهو ولو طويلاً لا يبطلها، انضم إليه سلام في غير محله. أمّا النية وتكبيرة التحرم .. فبتذكر ترك أحدهما يتبين عدم انعقادها، وكذا بالشك في أحدهما وإن لم يضر الشك في غيرهما بعد السلام؛ لأن الانعقاد يحتاط له أكثر من غيره. * * *

стр. 175

(فصل: في سنن الصلاة) أي: بعض سننها؛ إذ لم يذكر جميعها؛ لأنها كثيرة جداً. والسنن: جمع سنة، وهي لغة: الطريقة ونحوها. وشرعاً: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. وتسمى بعضاً إن جبر تركها بالسجود، وإلا .. فهيئة. والمراد هنا ما يشملهما، وبـ (الصلاة) الفرض والنفل. (ويسن) لذكر مستور تفرقه بين قدميه قدر شبر، ولغيره ضمها، ولكل (التلفظ بالنية) أي: المنوي السابق فرضه كقصد الفعل ونفله كعدد الركعات (قبيل التكبير)؛ ليساعد اللسانُ القلبَ، ولأنه أبعد عن الوسواس، وخروجاً من خلاف من أوجبه في كل عبادة لها نية -وإن شذ- قياساً على الحج. (واستصحابها) ذُكراً -بضم أوله- بقلبه إلى فراغها؛ لأنه معين على الحضور، وأبعد عن الوسواس والشك. أمَّا استصحابها حكماً بأن لا يأتي بما ينافيها من نحو قطع .. فواجب في جميعها. (ورفع اليدين) ولو مضطجعاً، وامرأة إجماعاً؛ للأحاديث الصحيحة. قال الشرقاوي: والسنة تحصل بأي رفع. والأكمل أن ينظر أولاً إلى موضع سجوده، ويطرق رأسه قليلاً، ثم يرفع يديه (مع إبتداء) همزة (تكبيرة الإحرام). (و) أن تكون (كفه) أي: كل منهما (مكشوفة)؛ لكراهة سترهما إلا لعذر. ويظهر أن منه سترَ المرأة كفيها خوفاً من أن يظهر شيء مما يجب ستره من يديها، سيما عند رفعهما في نحو ركوع. ومتوجهة ببطنها (إلى الكعبة) أو بدلها. (ومفرجة الأصابع) تفريجاً وسطاً؛ ليكون لكل عضو استقلال بالعبادة، وأن يميل عند (م ر) أطرافها نحو القبلة؛ ليحصل محاذاة أطراف الأصابع لأعلى أذنيه.

стр. 176

(و) أن يكون رفعه (محاذياً بإبهاميه) أي: بروؤسهما (شحمة أذنيه) وبروؤس بقية الأصابع أعلى أذنيه، وبكفه ومنكبيه. وهذه الكيفية جمع بها الشافعي بين الروايات المختلفة في ذلك. (وينهي رفع اليدين) بهيئتهما المذكورة (مع آخر التكبير) على المعتمد، ولو فعل بعض ما ذكر .. أثيب عليه، وفاته الأكمل. (ويرفع) أيضاً (يديه) والأكمل كونهما بهيئتهما المذكورة السابقة في رفع التحرم. (عند الركوع) بأن يبدأ به قائماً مع ابتداء تكبيرة الإحرام، فإذا حاذى كفاه منكبيه .. انحنى مادّاً التكبير إلى استقراره في الركوع؛ لئلا يخلو جزء من صلاته من ذكر، وكذا سائر الانتقالات حتى في جلسة الاستراحة، كما يأتي. (و) عند (الاعتدال) يرفع يديه، والأكمل كونهما بهيئتهما في التحرم، وكون الرفع مع ابتداء رفع رأسه إلى انتصابه، فإذا انتصب قائماً .. أرسل يديه. وقيل: يجعلهما تحت صدره كالقيام. (و) عند (القيام من التشهد الأول) فيرفع يديه كما مر؛ للاتباع. أمَّا في الأولين .. فلثبوته من رواية نحو خمسين صحابياً، كما في "الأشباه" للسيوطي. بل قال ابن خزيمة وغيره بوجوبه. وأمَّا الثالث .. فلثبوته في "صحيح البخاري"، وغيره. وزاد بعضهم: الرفع من القيام من السجود، وقيده بعضهم، كما قاله الشرقاوي بمن قام من جلسة الاستراحة. وقد بينت ذلك في "الأصل" وذكرت صحة الحديث به، وشمول بعض نصوص الشافعي له. (فإذا فرغ من) تكبير (التحرم .. حط يديه) من انتهاء التكبير؛ لكراهة استدامة الرفع حينئذٍٍ (تحت صدره) وفوق سرته، وكذا إذا قام من التشهد الأول ومن السجود على

стр. 177

القول به (وقبض بكف) يده (اليمنى) وبأصابعها (كوع) يده (اليسرى) وهو العظم الذي يلي إبهام اليد (وأول الساعد) وبعض الرسغ، وهو المفصل بين اليد والساعد، وقد نظم بعضهم ذلك فقال: وعظمٌ يلي الإبهام كوعٌ وما يلي ... لخنصره الكرْسُوع والرسغُ ما وسط وعظمٌ يلي إبهام رجل ملقبٌ ... ببوعٍ، فخذ بالعلم واحذر من الغلط وحكمة ذلك: أن يكون فوق أشرف الأعضاء، وهو القلب، الذي هو محل النية والإخلاص والخشوع؛ إذ من خاف على شيء .. وضع يده عليه. وقيل: يبسط أصابعها في عرض المفصل، أو ينشرها صوب الساعد. ولو ترك الرفع عمداً أو سهواً أول التكبير .. رفع أثناءه لا بعده؛ لزوال سنه حينئذٍ. (و) يسن أيضاً للمصلي (نظر موضع السجود) أي: سجوده في جميع صلاته ولو صلاة جنازة، والأعمى ومن في ظلمة تكون حالتهما كحالة الناظر لمحل سجوده؛ لأنه أقرب إلى الخشوع (إلا عند الكعبة) .. فينظرها على ما قاله الماوردي، والمعتمد: أنه ينظر محل سجوده. (وإلا عند قوله) في تشهده (إلا الله .. فينظر) ندباً، كما في خبر صحيح (مسبحته) -بكسر الباء- عند الإشارة بها ولو مستورة مادامت مرتفعة، وذلك إلى القيام في الأول، وإلى السلام في الأخير. (و) ويسن، وقيل: يجب أن (يقرأ) في غير صلاة الميت ولو على القبر أو غائباً (دعاء الاستفتاح) سراً (عقب) أي: بعد (تكبيرة الإحرام) بأن لا يفصل ذكرغير مشروع بينهما إلا بسكتة يسيره؛ للاتباع، إلا لمن أدرك الإمام في غير القيام، فلا يسن له -نعم؛ يسن لمن سلم إمامه قبل أن يجلس- وإلاَّ لمن خاف فوت بعض الفاتحة أو بعض الوقت بحيث يخرج بعض الصلاة عنه لو أتى به، لكن يرد على الأخير ما مر قبيل فصل (ومن جهل الوقت).

стр. 178

ومثله: التعوذ في غير الأول. وإلا لمن شرع في التعوذ أو القراءة. وورد فيه ادعية كثيرة أفضلها: "وجهت وجهي .. إلخ" إلا أنه يقول: وأنا من المسلمين، بدل: وأنا أول المسلمين. ولا يزيد إمام عليه أن أتى به إلا إن أمَّ محصورين بمحل غير مطروق، وقد رضو بالتطويل، ولم يطرأ غيرهم وإن قل حضوره، ولا تعلق بعينهم حق، كأجراء إجارة عين على عمل ناجز، وأرقاء وحليلات. (ومنه) أيضاً (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً) ومنه أيضاً: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وغير ذلك. (ويفوت) ندب دعاء الافتتاح (بالتعوذ) أي: بالشروع فيه، أو في القراءة ولو سهواً. (وبجلوس المسبوق مع الإمام)؛ لفوات محله (لا بتأمينه معه) أي: مع الإمام؛ لأنه يسير. (و) يسن (التعوذ) للقراءة بعد الافتتاح، وتكبيرات صلاة العيد إن أتى بهما ولو في صلاة جهرية، وكونه في الصلاة (سراً) ولو في صلاة جهرية كسائر الأذكار. أمَّا خارجها .. فيجهر به للفاتحة وغيرها إن جهر به و (قبل القراءة) فيفوت بالشروع في البسملة لا بالتكبيرات. وإنما يسن بشروط دعاء الافتتاح السابقة، لكنه يخالفه في أنه يسن في صلاة الجنازة، ولمسبوق جلس مع إمامه بعد قيامه. و (في كل ركعة) وفي كل من قيامات الكسوف، وهو في الأولى آكد، لا للقراءة بعد القيام من سجدة التلاوة؛ لقرب الفصل. قال في "التحفة": (أخذ منه أنه لا يعيد البسملة أيضاً وإن كان السنة لمن ابتدأ من أثناء سورة غير براءة أن يبسمل، وكسجود التلاوة كل ما يتعلق بالقراءة، بخلاف ما إذا سكت إعراضاً، أو تكلم بأجنبي وإن قل كرد سلام، وألحق بذلك إعادة السواك) اهـ

стр. 179

وقيد (م ر) ندب التعوذ والتسمية في أثناء السورة بخارج الصلاة. ومفهومه: أنه لا يتعوذ ولا يبسمل لأثناء السورة في الصلاة، وقرره بعضهم، وعلى ما مر عن "التحفة". فالبسملة في أثناء السورة ليست قرآناً؛ إذ لا بسملة هناك، فيسر بها مطلقاً في الصلاة كالتعوذ. وأفضل صيغ التعوذ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والافتتاح أفضل منه؛ للقول بوجوبه. (و) يسن -ولو خارج الصلاة، وفيها آكد سواء الإمام والمنفرد والمأموم لقراءته وقراءة إمامه الذي سمع من آخر فاتحته جملة مفيدة- (التأمين) أي: قول آمين، بمعنى استجب، مخففة الميم مع المد أفصح منه مع القصر، فإن شدد الميم على معنى قاصدين إليك يا رب وأنت أكرم من أن تخيب قاصداً .. لم يضر، وإلا .. بطلت صلاته. وإنما يسن (بعد فراغ) قراءة (الفاتحة) أو بدلها؛ للخبر الصحيح: "إذا قال الإمام: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّآلِّينَ) [الفاتحة:٧] .. فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة -أي: في الزمن، وقيل: في الإخلاص- غفر له ما تقدم من ذنبه"، أي: من الصغائر، بل قيل: ومن الكبائر. تنبيه: عبر المصنف بـ (عقب الفاتحة)، وهو يفيد فوت التأمين بالتلفظ بغيره بعد (وَلا الضَّآلِّينَ)، وبالركوع ولو سهواً فيهما، وكذا بسكوت طويل عند (حج). نعم؛ يسن بعد (وَلا الضَّآلِّينَ)، وقبل "آمين" كما في الخبر: "رب اغفر لي". قال السيد عمر البصري: (فإن زاد: ولوالدي ولجميع المسلمين .. لم يضر) اهـ وهو مساوٍ لقول غيره: لا بأس بذلك، أي أنه لا مسنون ولا مكروه. وندب لكل أحد سكتة لطيفة بين آخر (الفاتحة) و"آمين"، وحسن بعدها زيادة "رب العالمين". والأفضل: تأمين المأموم مع تأمين إمامه؛ ليوافق تأمين الملائكة وإن وصل التأمين بالفاتحة، ولأن التأمين لقراءة إمامه وقد فرغت، فالمراد من خبر: "إذا أمن الإمام .. فأمنوا" إذا أراد أن يؤمن. ولا يسن تحري موافقته إلا في هذا، فإن فاتته المقارنة .. أمَّن عقبه وإن شرع في

стр. 180

السورة، ولو أخره عن زمنه المسنون .. آمن قبله؛ اعتباراً بالمشروع. ووقضيته: أنه لو جهر به في السرية .. لايؤمن لقراءته، واعتمده في "الأسنى"، لكن في "التحفة"، و"النهاية" خلافه. ولو فرغا من الفاتحة معاً .. كفى تأمين واحد، وإلا .. أمَّن لكل. وقضية كلامهم: عدم ندبه لغير المأموم وإن سمع، كما في "التحفة". (و) يسن للمأموم وغيره (الجهر به في الجهرية) على الأظهر في المأموم، وقطعاً في غيره؛ لما صح: أن ابن الزبير كان يؤمن هو ومَنْ وراءه بالمسجد حتى إن للمسجد للجة. ولما صح عن عطاء: أنه أدرك مئتي صحابي بالمسجد الحرام يرفعون أصواتهم بالتأمين، وقيس بما فيهما: المنفرد. فائدة: يجهر المأموم خلف الإمام في تأمينه؛ لتأمينه، ولدعائه في القنوت، وفي فتحه عليه، وتنبيهه، وفي نحو سؤال الرحمة عند قراءة آيتها، والجهر بتكبيرات الانتقالات إذا كان مبلغاً. (و) يسن (السكوت) بين التحرم والافتتاح، وبينه وبين التعوذ، وبينه وبين البسملة. و (بين آخر "الفاتحة" وآمين، وبين آمين والسورة) إن قرأها، وبين آخرها والركوع؛ ليتميز آمين عن القراءة، وإلا .. فبين آمين والركوع. (و) كلها بقدر سبحان الله، إلا التي بين آمين والسورة (يطولها الإمام) ندباً (في الجهرية بقدر "الفاتحة") التي يقرأها المأموم إن ظن قراءة المأموم لها؛ ليتفرغ لسماع قراءة الإمام، ويشتغل في سكوته هذا بذكرٍ أو قراءة، وهي أولى إن رتب ووالى. وندب: كون قراءة الأولى أطول من قراءة الثانية (و) سكتة لطيفة (بعد فراغ السورة) على ما مر. ويندب وصل البسملة بالحمدلة للإمام وغيره؛ لما ورد: (أن من فعل ذلك .. غفر له، وقبلت حسناته، وتُجُوِّز عن سيئاته، وأعيذ من عذاب النار وعذاب القبر وعذاب يوم القيامة، ومن الفزع الأكبر).
следующие страницы →