← Фикх шафии

Фикх шафии · id 26535

شرح المقدمة الحضرمية المسمى بشرى الكريم بشرح مسائل التعليم

سعيد باعشن

Полный текст (670 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(باب التيمم) وهو لغةً: القصد. وشرعاً: إيصال التراب إلى الوجه واليدين بشرائط تأتي. وهو رخصة مطلقاً إلا في العاصي بسفره، فعلى خلاف يأتي، وصح بالتراب المغصوب؛ لأنه آلة للرخصة لا سببها، ومن خصائصنا؛ لخبر: "جعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وتربتها طهوراً"، وفُرض سنة أربع أو خمس أو ست، ويختص بالوجه واليدين وإن كان لحدث اكبر. (يتيمم المحدث والجنب) والحائض والنفساء ومأمور بطهر مسنون عن غير نجس والميت. (لفقد الماء، والبرد، والمرض) أي: لواحد منها، ويكفي في كل منها غلبة الظن. قال في "التحفة": وجعل هذه أسباباً؛ نظراً إلى الظاهر أنها المبيحة له، فلا ينافي أن المبيح له هو: العجز عن استعمال الماء حساً أو شرعاً، وتلك أسباب للعجز. تنبيه: أراد المصنف بالفقد: الحسيّ فقط، لا ما يشمل الشرعي، وإلاَّ .. كان ذكره السببين بعده تكراراً. قال في "التحفة": فالحسي: ما تعذر استعماله حساً، ويؤيده قولهم في راكب بحر خاف من الاستقاء منه: لا إعادة عليه؛ لأنه عادم للماء. ويترتب على كون الفقد هنا حسياً: صحة تيمم العاصي بسفره حينئذٍ؛ لأنه لما عجز عن استعمال الماء حساً .. لم يكن لتوقف صحة تيممه على التوبة فائدة، بخلاف ما إذا كان مانعه شرعياً كعطش ومرض. وعبارة "المجموع": (لا يتيمم لعطشٍ عاص بسفره قبل التوبة اتفاقاً، وكذا من به قروح وخاف من استعمال الماء الهلاك؛ لأنه قادر على التوبة واجد للماء) اهـ فالفقد في كلام المصنف لم يشمل التيمم لنحو الحاجة إلى الماء أو إلى ثمنه، فيكون قد أخل به فلذا كان تعبير "المنهج" بالعجز عن استعمال الماء -أي: حساً أو شرعاً-

стр. 107

أولى؛ لأنه شامل لجميع أسباب التيمم، وجعل في "الروضة" كأصلها أسباب العجز المذكورة سبعة، والأولى كونها: خمسة، أحدها: الفقد الحسي، وقد أشار إليه بقوله: (فإن تيقن) من ذكر من المحدث والجنب (فقد الماء) ولو بخبر عدل عند (م ر)، وإن كان الفقد بفعله كأن أتلف الماء، لا إن باعه في الوقت؛ لعدم صحة البيع ( .. تيمم بلا طلب)؛ لأنه حينئذٍ عبث. (وإن توهم) وجود (الماء، أو ظنه، أو شك فيه) .. وجب طلبه لكل تيمم في الوقت ولو بنائبة الثقة، أو من وقع في القلب صدقه وإن أنابه جمع ولو قبل الوقت؛ لآية (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [النساء: ٤٣]؛ إذ لا يقال لمن لم يطلب: لم يجد، ولأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة مع إمكان الطهر بالماء، وإنما لم يجب طلب المال للحج والزكاة؛ لأنه شرط للوجوب، وهو لا يجب تحصيله، وما هنا شرط للانتقال عن الواجب إلى بدله، فلزم، كطلب الرقبة في الكفارة، وإنما منعت الإنابة في القبلة؛ لأن مدارها على الاجتهاد، وهو يختلف باختلاف الأشخاص، بخلاف الفقد هنا، فإنه حسي لا يختلف. وإنما يحصل الطلب إن (فتش) بنفسه أو نائبه (في منزله وعند رفقته) المنسوبين لمنزله عادة إن جوز وجود ماء عندهم، وبذلهم له ولو بأن ينادي: من معه ماء يجود به ولو بالثمن؛ لا كل القافلة إن فحش كِبرُها، ثم نظر حوليه من الجهات الأربع إن كان بمستو، ويمعن نظره في موضع خضرة وطير، وإلا .. صعد مرتفعاً ونظر (و) إن احتاج لنحو شجر إلى تردد .. (تردد) من كل جهة (قدر حد الغوث) وهو: ثلاث مئة ذراع، (فإن لم يجد) الماء فيما ذكر ( .. تيمم)؛ لتحقق الفقد حينئذٍ، ولو طلبه لفائتة أو نافلة لو لعطش، فلم يجده، فلما فرغ من الطلب دخل وقت حاضرة .. تيمم بلا طلب، ولو مكث موضعه بعد التيمم ولم يتيقن فقد الماء .. وجب الطلب لكل تيمم يطرأ، ولو خفيت عليه بئر عند تيممه، ثم علمها .. فلا قضاء لما صلاه به قبل علمه بها، كما لو ورث ماء، وتيمم مع عدم علمه به. (وإن تيقن وجود الماء) أي: وثق به بحسب العادة، أو بخبر ثقة، أو من وقع في قلبه صدقة ( .. طلبه) وجوباً إن كان (في حد القرب) وهو قرب نصف فرسخ (وهو ستة آلاف خطوة)؛ إذ الفرسخ: ثلاثة أميال، والميل: أربعة آلاف خطوة، قال

стр. 108

الشرقاوي: وهو بسير الأثقال: إحدى عشرة درجة وربع؛ وذلك أنهم يقصدون ما ذكر لدنياهم من نحو احتطاب، فلدينهم أولى. (فإن كان) الماء (فوق حد القرب) ويسمى حد البعد ( .. تيمم) أي: جاز له التيمم وان علم وصوله في الوقت للمشقة في قصده. (و) لكن (الأفضل) لمسافر، ومثله عار وعاجز عن قيام ومنفرد (تأخير الصلاة إن تيقن وصول الماء) أي: القدرة عليه أو على السترة أو القيام أو الجماعة (آخر الوقت) وقد بقي ما يسع جميع الصلاة وطهرها فيه؛ لما في ذلك من مزيد الفضل، وهذا إن لم تقترن بالتقديم فضيلة كالجماعة يخلو عنها التأخير، وإلاَّ .. فهو أفضل. نعم؛ الأفضل أن يصليها أول الوقت بالتيمم، وآخره بالماء، أمَّا إذا لم يتيقنه .. فالتعجيل أفضل. نعم؛ يسن تأخير لم يفحش عرفاً لظان جماعة، أو غيرها -مما مر- أثناء الوقت. ولو علم ذو النوبة من متزاحمين على بئر أو سترة أنها لا تأتيه إلا بعد خروج الوقت .. صلى بلا إعادة؛ لأنه عاجز حالاً حساً، والقدرة لا تعتبر بعد الوقت، بخلاف من به خبث، وعنده ماء لو غسله به .. خرج الوقت، فيسعى في تطهيره؛ لأنه غير عاجز حالا. وخرج بتقيدي الأفضلية بـ (المسافر) -وهو من بمحل لا يغلب فيه وجود الماء وإن كان مقيما- المقيم وهو من بمحل يغلب فيه وجوده، وإن كان مسافراً .. فيجب عليه التأخير جزماً وإن خرج الوقت. والثاني من الأسباب: الخوف من طلبه، كما قال: (ولا يجب طلبه) أي: الماء (في حد الغوث وحد القرب إلا إذا أمن نفساً) وعضواً وبضعاً (ومالاً) واختصاصاً محترمات ولو لغيره، نعم إن تيقن وجوده .. لم يعتبر الأمن على الاختصاص، والمال الذي يجب بذله لماء الطاهر ثمناً أو أجرة؛ لأنه ذاهب على كل تقدير، والاختصاص وإن كثر دانق خير منه. (و) أمن (انقطاعاً عن الرفقة) وإن لم يستوحش، وفارق الجمعة بأنها لا بدل لها، ولا تتكرر كل يوم.

стр. 109

(وخروج وقت) لصلاة مسافر، وإلاَّ كأن نزل آخره -ولو قصده .. وخاف فوته- تيمم وصلى ولا قضاء، بخلاف من معه ماء لا يحتاج في تحصيله إلى طلب، كأن كان في منزله -ولو فوق حد الغوث- فيستعمله وإن خرج الوقت، وما ليس في منزله ليس في يده، فلا يعد واجداً له وإن قرب، بل يتيمم -كما في "الايعاب" وغيره- إن كان قصده .. يخرج الوقت، لكن في كلام الشرقاوي، و (ب ج) وغيرهما: أنه لو تيقن الماء في حد الغوث، فإنه كالذي معه الماء، فلا يشترط حينئذٍ الأمن على خروج الوقت. ويؤيده قولهم: (ولو انتهى إلى المنزل في آخر الوقت، والماء بحد القرب ولو قصده خرج الوقت .. تيمم ولا قضاء)؛ لأن ظاهره أن قولهم: (والماء بحد القرب) قيد يخرج به ما لو كان بحد الغوث .. فيجب قصده، أمَّا المقيم .. فيقصد الماء وإن خرج الوقت كالعاصي بسفره، قال (سم): ولو فوق حد القرب ما لم يعد قصده سفرا). (فإن وجد ماء لا يكفيه) لطهره ( .. وجب) عليه (استعماله)؛ إذ الميسور لا يسقط بالمعسور، وإنما لم يجب شراء بعض الرقبة في الكفارة؛ لأنه ليس برقبة وبعض الماء ماء، والتراب كالماء. (ثم) بعد استعماله في بعض ما يريد تطهيره (تيمم) عن الباقي؛ إذ لا يتحقق الفقد المجوز للتيمم إلا بعد استعماله. نعم؛ الترتيب واجبٌ في محدث، سنة في نحو جنب. ولو كان عليه حدث وخبث، ومعه ما يكفي أحدهما فقط .. قدم الخبث؛ إذ لا بدل له وإن كان مقيما عند (م ر). (ويجب) بعد دخول الوقت (شراؤه) أي: الماء، وكذا التراب ولو ناقصاً، وبمحل لا يسقط به الفرض، وشراء نحو دلو، واستئجاره، كما يلزمه شراء ساتر العورة فإن امتنع صاحبه من بيعه بثمن مثله ولو تعنتا .. لم يجبر عليه لطهر، وأجبر عليه لعطش محترم إن لم يحتجه مالكه لذلك حالاً، وله حينئذٍ مقاتلته عليه، فإن قتله .. فهدر، وإنما يجب ما ذكر لما يكفي الواجب فقط، و (بثمن) أو أجرة (مثله) وهو ما يرغب به زماناً ومكاناً ما لم ينته الأمر لسد الرمق؛ إذ قد تساوي الشربة حينئذٍ دنانير ولا يكلف الزيادة على ذلك وإن قلَّت، نعم؛ الزيادة في المؤجل التي لا تعد فيه غبناً يكلفها، وهذا (إن لم يحتج إليه) أي: الثمن أو الأجرة (لدين) عليه ولو مؤجلاً، و (مستغرقٍ) صفة.

стр. 110

لازمة؛ إذ من لازم الاحتياج إليه لأجله استغراقه (أو مؤنة سفره) المباح ذهاباً وإياباً على التفصيل في الحج. ولذا اعتبرت هنا الحاجة للمسكن والخادم أيضاً، ويعتبر في المقيم الفضل عن يومه وليلته كالفطرة (أو نفقة) أي: مؤنة (حيوان) من آدمي وغيره وإن لم يكن له ولا معه؛ لأن هذه الأمور لا بدل لها، بخلاف الماء (محترم) وهو من حرم قتله كذمي وكلب غير عقور، بخلاف نحو مرتد وحربي وتارك صلاة -بشرطه الآتي- وزان محصن وكلب عقور، فلا يجوز لغير محترم شرب الماء، ويتيمم، ويحتمل خلافه؛ إذ لا يجوز له قتل نفسه، واستقربه في "الايعاب"، نعم إن كان إهداره يزول بتوبته كمرتد .. امتنع عليه شربه؛ لقدرته على التوبة المبيحة لترخصه، بخلاف نحو الزاني المحصن. (ويجب) في الوقت إن تعين طريقاً، ولم يحتجه مالكه، وجوز بذله ولم يضق الوقت عن طلبه (طلب هبة الماء) وقرضه (واستعارة) نحو (دلو) ورشاء وقبولها إذا عرضت عليه؛ إذ لا تعظم المنة فيها ولم ينظروا لاحتمال تلف المعار، ووجوب غرم ثمنه مع زيادته على ثمن الماء؛ لأن الأصل السلامة، فإن لم يطلب أو يقبل .. أثم، ولم يصح تيممه ما دام الماء بحد القرب (دون اتهاب ثمنه) أي: ما ذكر من الماء، ونحو الدلو وأجرته واقتراض ثمن الماء، ونحو دلو؛ لثقل المنة فيه، وساتر العورة -فيما ذكر- كالدلو. المبيح الثالث: الجهل بالماء ونسيانه: فإذا نسي بئراً بمحل نزوله أو ماء في رحلة أو ثمنه أو أضلهما، وتيمم وصلى، ثم تذكره أو وجده .. أعاد الصلاة، وإن أمعن الطلب؛ لوجود الماء مع نسبته إلى تقصير. فإن أضل رحله الذي فيه نحو الماء في رحال، وأمعن الطلب، أو أُدرج في رحله ولم يعلمه، أو خفيت عليه بئر في موضعه، وتيمم وصلى .. فلا إعادة؛ إذ من شأن مخيم الرفقة أنه أوسع من مخيمه، فكان التقصير فيه أبعد، ولا ينافي وجوب القضاء -فيما مر- كونه مبيحاً لجواز التيمم، بل وجوبه معه على أنه يمكن دخوله في فقد الماء، كما يمكن دخول الثاني في الخامس، فترجع الأسباب إلى ثلاثة كما في "المنهاج".

стр. 111

تنبيه: مر عن "التحفة" أن المراد بالفقد الحسي: تعذر استعمال الماء حساً وإن كان موجودا، كما في راكب سفينة خاف غرقاً من أخذه من البحر، وعليه فهذا السبب من الفقد الحسي أيضاً. وأما الثاني .. فمنه شرعي كخوف خروج الوقت، والانقطاع عن الرفقة، ومنه: حسي كالخوف من نحو سبع، لكن نقل (ب ج) عن (ق ل)، و (ح ف): أن ذلك من الشرعي، ويمكن أن يقال: إن نحو السبع مانع حسي من حيث أنه مانع له منه، وشرعي؛ لكون الشرع مانعاً له منه. المبيح الرابع: الحاجة إلى الماء، كما قال: (ولو كان معه ماء يحتاج إليه لعطش حيوان محترم) بأن يخشى عليه من العطش مرضاً أو غيره مما يأتي، وإن كان غير آدمي، أو لغيره، أو لم يكن معه (ولو في المستقبل) وإن ظن وجود الماء فيه ( .. وجب التيمم) وكالاحتياج إليه لعطش الاحتياجُ لبيعه لطعم محترم، أو لنحو دين عليه، أو لغسل نجاسة، ومع الاحتياج إليه لذلك يحرم الطهر به وإن قل ما توهم احتياج محترم في القافلة إليه وإن كبرت جداً، وكثير يتوهمون أن الطهر به حينئذٍ قربة، وهو من إفراط قبحهم وجهلهم، ولا يكلف الطهر به وجمعه لشرب غير دابة؛ لاستقذاره، ويلزمه ذلك لدابة خشي عليها وكفاها الذي استعمله، وكالمستعمل متغير بمستقذر عرفاً، بخلاف المتغير بنحو عرق سوس، يلزمه شربه إن كان يدفع العطش، والتطهر بالماء. ولا يجوز شرب نجس ما دام معه ماء طاهر، بل يشربه ويتيمم، ويجوز سقي الدابة النجس، ويتطهر بالطاهر. وغير المميز كالدابة في اسقائه المستقذر لا النجس، ويجوز لعطشان إيثار عطشان آخر بالماء، ولا يجوز لمحتاج إلى طهر إيثار محتاج آخر إليه بالماء، وإن كان حدثه أغلظ، إذ لا يجوز الإيثار في القرب، لأنها حق لله، بخلاف الشرب فحقه، ومن ظن حاجة غيره إلى الماء مآلاً .. لزمه تزوده له إن قدر، ولا يجوز ادخار ماء ولا استعماله لطبخ، وبلِّ كعك يسهل أكله يابساً، لكن جوّز (م ر) التيمم لاحتياجه لذلك حالاً، والخطيب: جوّزه مطلقاً.

стр. 112

ولو وجد العاصي بسفره الماء، واحتاجه لشربه أو كان به قروح .. لم يتيمم إلا إن تاب. والخامس: أن يخاف من استعمال الماء محذوراً -مما يأتي- ولو متوقعاً، أو في الحضر؛ لآية (وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى) [النساء: ٤٣] أي: وخفتم من استعمال الماء محذوراً (فَتَيَمَّمُوا) [النساء: ٤٣] بقرينة تفسير ابن عباس المرض بالجرح والجدري ونحوهما، كما قال: (ولا يتيمم للمرض) الحاصل أو المتوقع (إلا إذا خاف من استعمال الماء على نفس، أو) مال أو (منفعة عضو) -بضم أوّله وكسره- أي: خاف ذهاب ذلك أو نقصه، كنقض ضوء عين (أو) خاف (طول) مدة (المرض) وإن لم يزد، أو زيادته وإن لم يبطئ (أو حدوث شين قبيح) أي: فاحش كتغير لون أو نحول أو استحشاف أو ثغرة تبقى أو لحمة تزيد، وإنما يؤثر ذلك (في عضو ظاهر) وهو ما يبدو عند المهنة غالباً كالوجه واليدين، أو ما لا يعد كشفه هتكاً للمروءة، بخلاف الشين اليسير، كسواد قليل .. وبخلاف العضو الباطن ولو لأمة حسناء تنقص به قيمتها، ثم إن عرف ذلك بالتجربة أو بخبر عدل .. اعتمده، فإن انتفيا، وتوهم شيئا -مما مر- تيمم عند (حج)، وأعاد. (ولا يتيمم للبرد إلا إذا لم تنفع تدفئة أعضاءه) في دفع المحذور المتقدم (ولم يجد ما يسخن به الماء) من إناء وحطب ونار (وخاف على) شيء -مما مر في المرض- من نفس، أو (منفعة عضو) له (أو حدوث) مرض، أو زيادته، أو بطأه أو (الشين المذكور) في المرض، فحينئذٍ يجوز للضرر، لكن عليه القضاء -كما يأتي- فإن نفعته التدفئة، أو قدر على التسخين، أو لم يخف شيئا مما مر في المرض .. لم يتيمم وإن تألم بالماء؛ إذ مجرد التألم لا يبيح التيمم. (وإن خاف) شيئاً -مما مر- (من استعمال الماء) في جميع بدنه أو في جميع أعضاء وضوء المحدث .. وجب تيمم واحد، ولا غسل، أو (في بعض بدنه .. غسل الصحيح) ويتلطف بوضع خرقة مبلولة بقرب العليل ليغسل بقطرها ما حواليه من غير أن

стр. 113

يسيل إليه شيء، وهو غسل حقيقي، فإن تعذر .. أمسَّه ماء بلا إفاضة، وهذه رتبة فوق المسح ودون الغسل جوزت للحاجة هنا بدل الغسل للضرورة. (وتيمم عن الجريح) تيمماً كاملاً (في الوجه واليدين) وإن كان الجرح في غيرهما بدلاً من غسل العليل؛ لئلا يخلو محل العلة عن الطهارة، ويجب أن يمر التراب على محل العلة -حيث لا ضرر إن كان بمحل التيمم- لا مسحه بالماء، لكن يسن، ولا يلزمه وضع ساتر على العليل لكن يسن إن تعذر إمرار التراب على العليل، وإلا .. لم يجز. (فإن كان) مريد الطهارة (جنباً) أو نحوه ممن طلب غسل ولو مندوباً ( .. قدم ما شاء) من غسل الصحيح والتيمم؛ إذ لا ترتيب عليه، والأولى تقديم التيمم؛ ليزيل الماء أثره. (وإن كان محدثاً) حدثاً أصغر ( .. تيمم عن الجراحة وقت غسل العليل)؛ رعاية لترتيب الوضوء، فلا ينتقل عن عضو عليل حتى يكمله غسلاً وتيمماً ومسحاً، فإن كان اليد .. وجب تقديم تيممها ومسحها -كغسلها- على مسح الرأس، وتأخيرهما عن غسل الوجه، وله تقديمهما على غسل الصحيح منها، وهو أولى؛ ليزيل الماء أثر التراب، وتأخيرهما عنه، وتوسيطه بينهما؛ إذ لا ترتيب في العضو الواحد، أو وجهه ويديه، فتيممان، فإن عمت الأعضاءَ الأربعة .. فتيمم واحد؛ لسقوط الترتيب. ولا فرق فيما تقرر بين أن يكون على العليل جبيرة، أو لا، (ثم إن كان عليه جبيرة) وهي ألواح تهيأ للكسر أو الانخلاع تجعل على محله، لكن المراد هنا مطلق الساتر؛ ليشمل نحو اللصوق ( .. نزعها وجوباً) إن أمكن غسل الجرح بالماء، أو أخذت بعض الصحيح، أو كانت بمحل التيمم وأمكن مسح العليل بالتراب. (فإن خاف من نزعها) محذوراً مما مر ( .. غسل الصحيح) حتى ما تحت أطرافها منه، ويتلطف -كما مر- (ومسح عليها) كلِّها في كل طهر وقت غسل العليل بماء إلى أن يبرأ بدلاً عما تحتها من الصحيح، فلو لم يكن تحتها منه شيء .. لم يجب مسحها، لا بتراب -لأنه ضعيف لا يؤثر مع الحائل، بخلاف الماء كما في مسح الخف- ولا بالماء؛ لأنه طهر لما تحتها من الصحيح، ولا شئ منه تحتها، ولو ترشح الساتر

стр. 114

بنحو دم .. عفي عن ماء مسحها كما في "التحفة" وغيرها، خلافاً "للشرح" (وتيمم عما تحتها) من الجريح تيمماً كاملاً (في الوجه واليدين) كما مر. (ويجب عليه) أي: ذي الجبيرة (القضاء) إذا أخذت من الصحيح زائداً على حاجة الاستمساك وخشي شيئا مما مر من نزعها مطلقاً، أو (إذا) أخذت بقدر حاجة الاستمساك فقط، وقد (وضع الجبيرة على غير طهر) كامل، ولو في غير أعضاء الوضوء -عند (م ر) - وتعذر نزعها؛ لفوات شرط الستر من الوضع على طهر كالخف (أو كانت في الوجه واليدين) وإن وضعت على طهر؛ لنقص البدل والمبدل كما في "الروضة" لكن نقل عن "المجموع" ما يخالفه، ولا يجب القضاء إذا لم تكن بأعضاء التيمم، ولم تأخذ من الصحيح شيئاً مطلقاً، أو أخذت منه بقدر الاستمساك فقط، ووضعت على طهر. (ويقضي) وجوباً أيضاً (إذا تيمم للبرد) ولو في السفر؛ لندرة فقد ما يسخن به، أو ما يدثر فيه أعضاءه، وإنما لم يؤمر بالقضاء عمرو بن العاص لما تيمم للبرد؛ لأنه على التراخي، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز. (أو) إذا (تيمم لفقد الماء في الحضر) أي: في محل يندر فقده فيه، وفيما حواليه من سائر الجوانب إلى حد القرب، والعبرة عند (م ر): بمحل الصلاة، وبمحل التيمم عند (حج)، بخلافه في السفر أي: في محل يغلب فيه فقده، أو يستوي الأمران، فلا قضاء، وكذا لو شك فيه، أهو مما يغلب فيه الفقد، أم لا؟ (و) يقضي أيضاً المتيمم (المسافر العاصي بسفره) كآبق وناشزة في الأصح؛ لأن سقوط الفرض بالتيمم فيه رخصة أيضاً، فلا يناط بمعصية، وإنما يصح تيممه مع القضاء إن فقد الماء حساً، كحيلولة نحو سبع، فإن فقده شرعاً .. لم يصح تيممه. وخرج بالعاصي بسفره: العاصي بإقامته بمحل لا يغلب فيه وجود الماء، وتيمم لفقده، والعاصي في سفره كأن سرق في سفره المباح، فلا قضاء عليهما، ومقابل الأصح لا قضاء على العاصي بسفره؛ لأنه لمَّا وجب عليه .. صار عزيمة، وفيه فسحة عظيمة؛ إذ قل مسافر غير عاص بسفره. قاعدة تشمل التيمم وغيره وهي:

стр. 115

أنَّ العذر إمَّا عام -وهو ما يغلب وقوعه- أو نادر، وهو إما دائم .. فلا قضاء في العام والدائم- أو غير دائم، وهو إما قتال، أو فرار مباح، ولا قضاء أيضاً فيهما، أو غيرهما فيجب. * * * (فصل: شروط التيمم) أي: مالا بد منه فيه؛ إذ بعض ما سيذكره أركان (عشرة) بل أكثر؛ إذ منها أيضاً ما لم يذكره، كفقد الماء حساً، أو شرعاً، وعدم المعصية بالسفر في الفقد الشرعي، لكنه قد أشار لذلك فيما مر، أو يقال: هذه ليست شروطاً له؛ لأنها عدمية، والشرط وجودي. الأول: (أن يكون بتراب) على أي لون كان -كالمدر والسبخ وغيرهما- ولو محروقاً بقي اسمه أو مخلوطاً بنحو خل جف وإن تغيرت به أوصافه، وما أخرجته الأرضة من التراب وغير ذلك من كل ما له غبار، حتى ما يتداوى به، وغبار رمل خشن ولو منه، بحيث لا يلصق بالعضو؛ لأن الرمل من جنس التراب، لا من جنس الحجر، فلا يصح بالحجر المسحوق وإن صار له غبار، ولا بما يلصق من التراب بالعضو، لنداوته أو نعومته -نعم؛ رطوبة العضو الضرورية، كمن بلي بدمع عينيه، أو بعرق يصح تيممه- ولا بغير التراب من أجزاء الأرض أو المتصل بها؛ لأن الصعيد في الآية: هو التراب، كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد ذكرت في "الشرح" هنا ما ينبغي مراجعته. (و) الثاني: (أن يكون طاهراً) فلا يصح بمتنجس بنحو بول وإن جف، أو بعين نجاسة كتراب مقبرة نبشت؛ لاختلاطه بأجزاء الميت، ولو وقعت نجاسة في جانب من تراب، وجهل محلها منه .. لم يجتهد إلا إن جعله قسمين. (و) الثالث: (أن لا يكون مستعملاً) في حدث -كما بقي في الوجه مثلاً بعد مسحه، أو تناثر منه بعد مسحه به- وكذا في خبث بأن استعمل في سابعة المغلظ، أو فيما قبلها وطهر، ولا يصير مطهراً بغسله في الصورتين؛ إذ وصف الاستعمال لا يزول عنه.

стр. 116

(و) الرابع: (أن لا يخالطه دقيق، ونحوه) وإن قل؛ لأنه لنعومته يمنع وصول التراب إلى العضو. (و) الخامس: (أن يقصده)؛ لآية (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً) [النساء:٤٣] أي: اقصدوه بالنقل بالعضو أو إليه ولو بفعل غيره بإذنه ولو صبياً أو كافراً أو حائضاً عند (م ر) ولا بد من نية الآذن (فلو) انتفى النقل كأن (سفته) عليه (الريح، فردده) عليه، أي: على العضو، ونوى ( .. لم يكفه)؛ لانتفاء القصد بانتفاء النقل المحقق له وإن قصد بوقوفه في هبوبها التيمم؛ لأنه لم يقصد التراب، بل التراب قصده. نعم؛ لو نقله بعد ذلك العضو ولو من بعض عضو إلى بعضه الآخر، أو أخذه من الهواء ومسح به مع النية .. كفى. (و) السادس: (أن يمسح وجهه ويديه بضربتين) أي: نقلتين يحصل بكل منهما استيعاب محله، وتكره الزيادة حينئذٍ، فإن لم يحصل الاستيعاب .. وجبت الزيادة؛ لخبر الدارقطني مرفوعاً: "التيمم ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين". (و) السابع: (أن يزيل النجاسة) غير المعفو عنها إن كانت على بدنه (أولاً) أي: قبل التيمم إن أمكن، فلو تيمم قبل إزالتها .. لم يصح، سواء نجاسة محل النجو وغيرها؛ لأنه للإباحة، ولا إباحة مع المانع، فأشبه التيمم قبل الوقت، بخلاف ما لو تيمم عارياً وعنده سترة؛ لأن سترة العورة أخف من إزالة النجاسة، ولذا لا إعادة على من صلى عارياً، بخلاف ذي الخبث فإن لم يمكن .. صح تيممه عند (حج)، ويصلي صلاة فاقد الطهورين عند (م ر)، ويجب عليه القضاء عندهما. (و) الثامن: (أن يجتهد في القبلة قبله) فلو تيمم قبل الاجتهاد فيها .. لم يصح عند (حج)، قال: ويفارق ستر العورة بما مرّ -أي: من أنه أخف من الخبث- فكذا هو أخف من ترك القبلة، وإنما صح طهر المستحاضة قبله؛ لأنه قوي أي: لأنه بالماء. (و) التاسع: (أن يقع) التيمم للصلاة التي يريد فعلها (بعد دخول الوقت) ولو ظناً؛ لأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة قبله، بل يتيمم له فيه ولو قبل الإتيان بشرطه كستر وخطبة جمعة.

стр. 117

قال في "التحفة": (وإنما لم يصح التيمم قبل إزالة النجاسة الغير المعفو عنها عن البدن؛ للتضمخ بها مع كون التيمم طهارة ضعيفة؛ لا لكون زوالها شرطاً للصلاة، وإلا لما صح قبل زوالها عن الثوب والمكان، وألحق به الاجتهاد في القبلة -لما مر من وجوب الإعادة فيهما- ويدخل وقت الثانية في جمع التقديم بفعل الأولى، فيتيمم لها بعدها، لا قبلها. نعم إن دخل وقتها قبل فعلها .. بطل تيممه؛ لأنه إنما صح لها تبعاً، وقد زالت التبعية بانحلال رابطة الجمع، وبه فارق ما مر من استباحة الظهر بالتيمم ضحىً لفائتة؛ لأنه ثم لما استباحها .. استباح غيرها تبعاً، وهنا لم يستبح ما نوى الصفة المنوية فلم يستبح غيره وقضيته بطلان تيممه ببطلان الجمع بطول الفصل، وإن لم يدخل الوقت فقولهم: (يبطل بدخوله) مثال، لا قيد، ولو أراد الجمع تأخيراً .. صح التيمم للظهر وقتها؛ لأصالته، لا للعصر؛ لأنه ليس وقتاً لها ولا لمتبوعها، لأنها الآن غير تابعة للظهر) اهـ واستوجه (م ر) جواز صلاته بالتيمم فريضة أخرى، وإن خرج الوقت ويتيمم للفائتة وقت تذكرها، فلو تيمم شاكاً فيها، ثم بانت عليه .. لم يصح، والمنذورة المتعلقة بوقت معين لا يصح لها قبله، وصلاة الجنازة بعد أقل غسله لكن يكره قبل التكفين، والنقل المؤقت بعد دخول وقته، فلا يتيمم لراتبه بعدية إلاَّ بعد فعل الفرض، وذو السبب بعد دخول الوقت الذي تجوز فيه، فيتيمم لتحية مسجد بعد دخوله، ولاستسقاء، وكسوف بعد تجمع أكثر الناس إن أرادها معهم، والاَّ .. فبعد انقطاع الغيث في الأولى وعند أول الانكساف في الثانية. وإنما لم يتوقف العيد والجنازة على تجمع الناس؛ لأن الجنازة مؤقتة بوقت معلوم من فراغ الغسل إلى الدفن، والعيد وقته محدود، فلم يتوقفا على اجتماع بخلاف الكسوف والاستسقاء لا نهاية لوقتهما، فنظر فيهما إلى ما عزم عليه، لكن توقف الرشيدي كـ (سم) في الفرق بين صلاة الجنازة والكسوف، بل هو مؤقت بوقت معلوم كالجنازة، ويتيمم للنفل المطلق أي وقت شاء إلاَّ وقت الكراهة أو قبله؛ ليصلي به فيه. (و) العاشر: (أن يتيمم) ولو صبياً (لكل فرض عيني) ولو نذراً أو غير صلاة -أداء أو قضاء-، لقول ابن عباس: (من السنة أن لا يصلي بتيمم واحد إلا صلاة واحدة)، ولأن الوضوء كان يجب لكل فرض، فنسخ يوم الخندق في الوضوء، وبقي التيمم على ما كان عليه. نعم؛ تمكين الحليل فرض، وله حكم النفل، وخطبة الجمعة فرض كفاية، ولها

стр. 118

حكم فرض العين؛ رعاية للقول إنها بمثابة ركعتين، وإنما لم يستبح الجمعة -عند (حج) - بنيتها نظراً لكونها فرض كفاية، بخلاف المعادة، فيجمع بينها وبين الأولى بتيمم سواء أسقطت الأولى القضاءَ، أم لا؛ لأن الفرض في الحقيقة أحدهما فقط، ولو نذر أن يصلي أربع ركعات، فإن صلاهن بتحرم واحد .. كفاه تيمم واحد، وإلا .. تيمم لكل ركعتين. وخرج بالفرض العيني: النفل، وفرض الكفاية كصلاة جنازة وإن تعينت، فله أن يستبيح بتيمم واحد ما شاء منهما، وجمع كل منهما مع فرض. * * * (فصل: فروض) أي: أركان (التيمم خمسة: الأول: النقل) للتراب، أي: تحويله من أرض أو هواء إلى العضو الممسوح، وأما القصد .. فداخل في النقل، لكن عدَّه جمع ركناً كالتراب، ولم يعدوا الماء ركناً في نحو الوضوء؛ لعدم اختصاصه به، بخلاف التراب. (الثاني: نية الاستباحة) لما يفتقر إليه، كمس المصحف، والصلاة، وإذا نوى ذلك الأمر العام .. نزل على أدني مراتبه الآتية، ولو تيمم بنية الاستباحة مثلاً ظآناً أن حدثه أصغر، فبان أكبر، أو عكسه .. صح؛ لأن موجَبهما متحد، بخلاف ما لو تعمد ذلك؛ لتلاعبه. ولو كان عليه حدث أكبر وأصغر، وتيمم بنيتهما، أو الأكبر فقط .. كفى لهما، أو بنية الأصغر فقط .. كفى له دون الأكبر. ولا تصح نية التيمم إلا في بدل نحو غسل الجمعة، ولا فرض التيمم -نعم؛ إن نوى به الفرض الإبدالي .. صح واستباح به ما عدا الصلاة، وإن زاد للصلاة .. استباح به ما عدا الفرض، وإن زاد للصلاة المفروضة .. استباح به الفرض وما دونه- ولا رفع الحدث أو الطهارة عنه في نيته ما لم ينو بالحدث المنع، وبرفعه رفعاً خاصاً بفرض ونوافل. (ويجب قرنها بالضرب) أي: النقل؛ لأنه أول الأركان (واستدامتها إلى مسح) شيء من (وجهه) حتى لو عزبت قبل مسح شيء منه .. بطلت وإن استحضرها عنده عند

стр. 119

(حج)؛ لأنه المقصود، والنقل وسيلة له، ولو نقل فأحدث، ثم جدد النية قبل المسح .. صح؛ لحصول النقل ثانياً مع النية (فإن نوى) بتيممه (استباحة الفرض) واحداً أو أكثر ( .. صلى الفرض) أي: استباح به فرضاً واحداً من صلاة أو غيرها ولو نذراً، أو غير ما نواه (والنفل) بأنواعه وإن لم ينو استباحته مع الفرض؛ لأنه تابع، كما إذا أعتق الأم .. فيعتق الحمل، وصلاة الجنازة في رتبة النفل وإن تعينت، وتمكين الحليل وإن كان فرضاً في رتبة مس المصحف، (أو) نوى (استباحة النفل أو الصلاة) أو الطواف (أو صلاة الجنازة) .. استباح به ما دون الفرض العيني من نفل صلاة وطواف وصلاة جنازة، ونحو سجدة تلاوة، وكذا خطبة جمعة عند (حج)، و (لم يصل) أي: يستبح (به الفرض) العيني أصالة، ولو من صبي ومعادة وطواف وداع؛ لأنه كالفرض العيني؛ لأن الفرض العيني أصل، فلا يكون تابعاً للنفل، ولا لمطلق الصلاة؛ إذ الأحوط تنزيلها على النفل، ولا لصلاة الجنازة؛ لأنها اشبهت النفل في جواز الترك، وإن نوى استباحة ما عدا الصلاة والطواف، كمس مصحف وحمله وسجدة تلاوة، ومكث نحو جنب بمسجد وقراءته قرآناً ولو فرضاً، وتمكين حليل .. استباح بكل مما ذكر ما في رتبته، وهو ما ذكر من مس المصحف وما بعده. (الثالث: مسح) جميع (وجهه) السابق في الوضوء إلا ما يأتي؛ أي: إيصال التراب إليه، ولو بنحو خرقة، ومنه ظاهر لحيته المسترسل، والمقبل من أنفه على شفته، ونقل عن أبي حنيفة جواز الاقتصار على أكثر الوجه. (الرابع: مسح يديه بمرفقيهما) كالوضوء؛ للآية، مع خبر الترمذي: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" ولأنه بدل عن الوضوء، فيعطى حكمه في كون اليد إلى المرفقين، واختار النووي وغيره القديم أنه إلى الكوعين. (الخامس: الترتيب بين المسحتين) ولو لجنب، لا بين النقلين، فلو ضرب بيديه، ونقل بيساره قبل يمينه، ومسح بيمينه وجهه، ثم مسح بيساره يمينه .. جاز؛ لأن النقل -وإن كان هنا ركناً كمسح الوجه- وسيلة، وهي يغتفر فيها ما لا يغتفر في المقاصد. نعم؛ يسن ترتيبه؛ للخلاف القوي في وجوبه.

стр. 120

(وسننه: التسمية) أوّله، ولو لنحو جنب (وتقديم اليمنى) على اليسرى (و) تقديم (أعلى وجهه) على أسفله -كالوضوء في جميع ذلك- (وتخفيف الغبار)؛ للاتباع؛ ولئلا يشوه خلقه، ومن ثم لا يسن تكراره، وندب أن لا يمسح الغبار عن أعضاءه إلا بعد الصلاة، وأن لا يرفع يده عن العضو حتى يتم مسحه (والموالاة) فيه بتقدير التراب ماء كالوضوء (وتفريق الأصابع في الضربتين)؛ لأنه أبلغ في إثارة التراب، ولا ينافي ندب التفريق في الثانية نقل ابن الرفعة: الاتفاق على وجوبه فيها؛ لأنه محمول على من لم يرد تخليل الأصابع، والندب على من أراده (ونزع الخاتم)؛ في الضربة الأولى؛ ليكون مسح الوجه بجميع الراحة (ويجب نزع الخاتم في الثانية) عند المسح؛ ليصل الغبار إلى محله، ولا يكفي تحريكه ما لم يتيقن وصول التراب لجميع ما تحته. (ومن سننه: إمرار اليد على العضو) الممسوح كالدلك في الوضوء (ومسح العضد) للتحجيل كالوضوء (وعدم التكرار) للمسح؛ إذ يسن تخفيف الغبار في الأولى، وأن يأتي به على الكيفية المشهورة، (والاستقبال) للقبلة (والشهادتان) وما بعدها كما في الوضوء (بعده) مستقبلاً للقبلة، رافعاً يديه وبصره إلى السماء كالوضوء. وأمَّا مكروهاته .. فمنها: تكثير التراب، وتكرار المسح، وعدم التيامن، وغير ذلك. وأما مبطلاته .. فثمانية: الحدث، والردة، ووجود الماء ولو في صلاة لم تسقط القضاء، وتوهم الماء في غير صلاة، كأن رأى من جوز معه ماء بلا حائل من نحو سبع وعطش، فلو سمع قائلاً يقول: من يريد ماء للشرب .. بطل تيممه؛ للتوهم، بخلاف من يريد للشرب ماء، والقدرة على ثمنه بلا مانع، كدين، وزوال العلة المبيحة للتيمم ولو في صلاة لا تسقط القضاء، لا توهم زوالها، والإقامة أو نيتها وهو في صلاة مقصورة في غير التوهم. ويخالف الوضوء أنه لا يرفع الحدث بمعنى الأمر الاعتباري، ولا يجب إيصال التراب فيه إلى منابت الشعر، ولا يجمع به فرضان ولو من صبي، ولا يصلي به فرض

стр. 121

عين إذا تيمم لغيره، ولا يجاوز الوجه واليدين، وتبطله الردة، ويجب قصد التراب فيه، ونقله، وضربتان، ولا يصح قبل الوقت، ولا قبل معرفة القبلة، ولا قبل ازلة النجاسة، وتجب الإعادة فيه في صور، ولا يستحب تجديده ولا تثليثه، بخلاف الوضوء في جميع ذلك. (ومن لم يجد ماء ولا تراباً .. صلى الفرض) المكتوب (وحده)؛ لحرمة الوقت، كالعاجز عن نحو السترة، وهي صلاة صحيحة في أحكامها، لكنها تبطل بتوهم التراب ولو بمحل لا يسقط القضاء، كما نقله (سم) عن (م ر)، وتجوز منه أول الوقت وإن رجى أحد الطهورين في الوقت عند (حج). وخرج بالفرض المذكور: النفل ومنه نحو سجدة تلاوة ومس مصحف ونحوه، وقراءة قرآن سوى الفاتحة في الصلاة، ومر أن تمكين الحليل في رتبة مس المصحف، وبالمكتوب: النذر، وبالأداء: القضاء؛ لعدم الضرورة إلى جميع ما ذكر، وصلاة الجنازة كالنفل عند (م ر)، وفي "التحفة": يصلي قبل الدفن، ثم يعيد إذا وجد الماء أو التراب (و) إذا صلى فاقد الطهورين الفرض .. (أعاد) بالماء مطلقاً، أو بالتراب بمحل يسقط به الفرض؛ لأنه عذر نادر لا يدوم، والمراد بالإعادة: ما يشمل القضاء. فرع من "العباب": (وجد فاقد الطهورين في الوقت بعد فعل الصلاة التراب بمحل لا تسقط فيه الصلاة بالتيمم وجب فعلها) اهـ واختار النووي القول: بأن كل صلاة وجبت في الوقت مع خلل، لا تجب إعادتها؛ لأن القضاء بأمر جديد ولم يثبت. * * * (فصل) في الحيض والاستحاضة والنفاس. و (الحيض): دم جبلة يخرج في وقت مخصوص من أقصى الرحم، والأصل فيه آية: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ) [البقرة:٢٢٢] وخبر الصحيحين: "هذا شيء كتبه الله على بنات آدم". (وأقل) زمن (الحيض) -تقطع أو اتصل- أربع وعشرون ساعة، وهي قدر (يوم وليلة) متصلاً بأن تكون لو أدخلت فرجها نحو قطنه .. لتلوثت، وذلك باستقراء الشافعي

стр. 122

فيه وفيما بعده، إذ لا ضابط لشيء من ذلك لغةً، ولا شرعاً، فرجع فيه إلى المتعارف بالاستقراء، فما نقص عن ذلك يقيناً .. فليس بحيض، بخلاف ما بلغه ولو بالشك -كما قاله (م ر) - في العدد، ولو مفرقاً في خمسة عشر يوماً بلياليهن، ولو أصفر أو أكدر؛ إذ كل منهما أذىً، فشملته الآية وإن لم يتقدمه قوي وخالف العادة. (وأكثره) زمناً (خمسة عشر يوماً بلياليها) إن بلغ مجموعه منها قدر يوم وليلة وإن لم يتصل، وهو مع نقاء تخلله حيض إن لم يجاوز مع النقاء خمسة عشر يوماً؛ لأنه حينئذٍ يشبه الفترة بين دفعات الدم، فسحب عليه حكم الحيض. أمَّا الذي لم يبلغ أقله أو جاوز أكثره .. فاستحاضة، وكذا ما أتى قبل تسع سنين أو قبل أقل الطهر. (وغالبه: ست أو سبع). (و) أول إمكان (وقته) ووقت إنزال صبي وصبية (تسع سنين) قمرية ولو ببلاد باردة تقريباً، فيتسامح قبل تمامها بما لا يسع أقل حيض وطهر، ولا آخر لسنه. (وأقل) زمن (طهر) فاصل (بين) زمني (الحيضتين) لا بين حيض ونفاس؛ إذ يجوز أن يكون أقل من ذلك قال (ع ش): (بل يجوز أن لا يكون بينهما طهر أصلاً). (خمسة عشر يوماً بلياليها)؛ لأنه أقل ما ثبت وجوده، ولا حد لأكثره إجماعاً؛ إذ قد لا تحيض المرأة أصلاً، ولو اطردت عادة امرأة، أو أكثر بمخالفة شئ من ذلك .. لم تتبع؛ لأن بحث الأولين أتم، وحمل دمها على الفساد أولى من خرق العادة المستمرة، وإنما خرقوها فيمن رأت الدم بعد سن اليأس، حيث حكموا بأنه حيض؛ لأن الاستقراء هنا أتم منه هناك؛ لعدم الخلاف فيه عندنا، بخلافه ثم. (ويحرم به) أي: الحيض (ما يحرم بالجنابة)؛ لأنه أغلظ، بل يزيد بأنه يحرم به الطهر بنية التعبد في غير نحو نسك وعيد. (ومرور المسجد) أي: فيه (إن خافت تلويثه) ولو احتمالاً؛ احتياطاً له، ومثلها كل ذي خبث يخشى منه تلويثه، فإن أمنته .. كره؛ لغلظ حدثها، وبه فارقت الجنب، وذا الخبث. قال (م ر): (ومحل كراهة عبورها إذا لم تكن لها حاجة إلى العبور).

стр. 123

(والصوم) إجماعاً (والطلاق فيه) لزوجة موطوءة ولو في الدبر، أو في طهر وطئها فيه إن أمكن حبلها إن لم تبذل له مالاً في مقابلة؛ لتضررها بطول مدة التربص؛ إذ ما بقي منه لا يحسب من العدة، ومن ثم لو كانت حاملا بلاحق بالمطلق ولو احتمالاً .. لم يحرم. (والاستمتاع بما بين السرة والركبة) بوطء مطلقاً أو بغيره بلا حائل؛ لآية: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة:٢٢٢]، وخبر: "لك ما فوف الإزار"، كناية عن حل ما بينهما بحائل بغير وطء، وحل غيره مطلقاً، وقيل: إنما يحرم الوطء؛ لخبر: "اصنعوا كل شئ إلا النكاح" لكنه معارض للخبر الأول، فقدم الأول؛ لما فيه من الاحتياط. وعبر بالاستمتاع كـ"الروضة"، وجرى عليه (حج) في غالب كتبه، فشمل النظر واللمس بلا حائل، لكنه يختص بالشهوة. وعبر في "التحقيق" وغيره بالمباشرة المختصة باللمس بلا حائل بشهوة، وبغيرها دون النظر ولو بشهوة. قال الكردي: والأول أوجه. ومحل جواز مباشرة ما ذكر ما لم يعلم من عادته أنه إذا باشر .. وطئ؛ لقلة تقواه وقوة شبقه، وإلا .. حرم. ويجوز تمتع الزوجة بما بين سرته وركبته وإن كانت هي المستمتعة عند (م ر)، ويستمر تحريم ما ذكر إلى أن تغتسل أو تتيمم. نعم؛ الصوم والطلاق والطهر يحل بالانقطاع، ويستحب لمن وطئ في أول الدم أن يتصدق بدينار أو قدره ولو على فقير واحد، وبنصفه أو قدره لمن وطئ في آخره زوجاً كان أو غيره، وهو من الكبائر، وكذا يندب لمن ارتكب كبيرة التصدق بدينار، ولمن ارتكب صغيرة التصدق بنصفه. (ويجب عليها) أي: الحائض (قضاء الصوم) بأمر جديد؛ لأن منعها من الصوم عزيمة، والمنع والوجوب لا يجتمعان (دون الصلاة) إجماعاً فيهما؛ لخبر عائشة: "كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"؛ للمشقة في قضائها، لأنها تكثر، ولم يبن أمرها على التأخير ولو بعذر، بخلاف الصوم، بل يكره قضاؤها عند (م ر)، ويحرم ولا يصح عند (حج). * * *

стр. 124

(فصل) في المستحاضة. والاستحاضة: دم علة يخرج من عرق فمه في أدنى الرحم. وتنحصر بأنها: الدم الخارج في غير أوقات الحيض والنفاس، فهي الدم الخارج قبل تسع سنين أو بعدها، ونقص عن قدر يوم وليلة، والزائد على خمسة عشر يوماً بلياليها، والآتي قبل تمام أقل الطهر، أو مع الطلق ولم يتصل بحيض قبله. وقيل: هي المتصلة بدم الحيض فقط، وغيره دم فساد. والاستحاضة حدث دائم، فلا يمنع شيئاً مما يمتنع بالحيض من نحو صلاة ووطء ولو مع جريان الدم. (والمستحاضة) إن لم تستنج بالحجر بشرطه (تغسل) وجوباً (فرجها) من النجاسة (ثم تحشوه) بنحو قطنه وجوباً؛ دفعاً للنجس أو تخفيفاً له (إلا إذا) تأذت به، كأن (أحرقها الدم) .. فلا يلزمها الحشو (أو كانت صائمة) .. فيلزمها تركه، والاقتصار على الشد نهاراً؛ رعاية لمصلحة الصوم، وإنما لم تراع الصلاة هنا، كمن ابتلع بعض خيط وطرفه من خارج حيث يؤمر بنزعه، أو بلعه ويفطر؛ لأن المحذور هنا -وهو النجس- لا ينتفي بالكلية (فإن لم يكفها) الحشو ( .. تعصبه) بعد الحشو (بخرقة) مشقوقة الطرفين على كيفية التلجم المشهور، ولا يضر بعد ذلك خروج الدم، إلا إن قصرت في الشد. (ثم) بعد ما ذكر (تتوضأ أو تتيمم)؛ لوجوب الموالاة عليها في جميع ما ذكر. وإنما يصح الطهر (في الوقت) ولو لنفل لا قبله؛ لأنه طهارة ضرورة كالتيمم. ومن ثم كانت كالمتيمم في تعيين نية الاستباحة، وأنها لا تجمع به بين فرضي عين، ولا تصلي به فرضاً إذا تطهرت لنفل وغير ذلك، لكنها يصح طهرها قبل إزالة النجس. (وتبادر) وجوباً عقب ما مر (بالصلاة) ولو نفلاً؛ تقليلاً للحدث، لكن لا يضر الفصل بدون ركعتين خفيفتين (فإن أخرت) زائداً على ذلك (لغير مصلحة الصلاة) كأكل ( .. استأنفت) جميع ما مر وجوباً وإن لم تزل العصابة عن محلها، ولا ظهر دم

стр. 125

لتكرر حدثها مع استغنائها عن احتماله، بخلاف ما هو لمصلحتها كإجابة مؤذن، وانتظار جماعة من كلِّ كمالٍ مطلوب لأجل الصلاة، فلا يضر وإن خرج الوقت. (وتجب الطهارة، وتجديد العصب) وإن لم يزل عن محله وغير ذلك -مما مر- (لكل فرض) عيني ولو نذراً، ولكل حدث غير حدثها الدائم، ولها مع الفرض ما شاءت من النوافل ولو بعد الوقت. (وسلس البول و) سلس (المذي) والودي والريح والغائط والمني (مثلها) -في جميع ما مر- وذو جرح سائل مثلها في وجوب الشد، وغسل الدم لكل فرض. نعم؛ سلس المني يلزمه الغسل لكل فرض، وبقية أحكام المستحاضة تعلم من المطولات. فائدة: (السلس) بالكسر: الشخص، وبالفتح: المصدر. (وأقل) زمن (النفاس) وهو لغة: الدم الخارج أوله قبل خمسة عشر يوما بعد فراغ الرحم من جميع الولد، ولو علقة أو مضغة فيها صورة خفية؛ إذ لا يسمى ولادة إلا حينئذٍ من النفس، وهو الدم؛ إذ به قوام الحياة، أو لخروجه عقب نفس فأوله من خروج الدم، وإن تأخر عن الولادة .. فزمن النقاء بعد الولادة يلزمها فيه أحكام الطاهرات، لكنه يحسب من الستين (لحظةٌ) أي: ما وجد منه، فهو نفاس وإن قل. (وأكثره) زمناً (ستون يوماً، وغالبه أربعون) يوماً بالاستقراء. (ويحرم به ما يحرم بالحيض) -مما مر- لأنه دم حيض مجتمع قبل نفخ الروح، وبعده يكون غذاء الولد، ولا يؤثر في لحوقه بالحيض مخالفته له في أنه لا تتعلق به عدة، ولا استبراء، ولا بلوغ؛ لحصولها قبله بالولادة، والإنزال الناشئ عنه العلوق. تتمة: يجب على النساء تعلم ما يحتجن من هذا الباب وغيره، فإن كان نحو زوجها عالماً .. لزمه تعليمها، وإلا فليسأل لها ويخبرها، أو لتخرج لتعلم ذلك، وليس لها الخروج لغير تعلم واجب من نحو مجلس ذكر إلاَّ برضاه، وبمحرم أو نحوه معها إن خرجت عن سور أو عمران البلد، بخلاف الواجب فتخرج له ولو غير تعلم ولو وحدها إذا أمنت، والله أعلم. * * *

стр. 126

(باب الصلاة) هي اسم مصدر صلى، مأخوذة من صلَيْتُ العود بالنار بالتخفيف إذا عطفته؛ لانعطاف أعضاء المصلي، أو من صلَّيت بالتشديد إذا حركت الصلوين عرقين في جانبي الخاصرتين ينحنيان عند انحناء المصلي. وهي أفضل أركان الإسلام بعد الشهادتين، فالصوم، فالحج، فالزكاة. وهي أيضاً أفضل عبادة البدن، ففرضها أفضل الفروض، ونفلها أفضل النفل، وإنما قدم الطهارة عليها؛ لأنها شرط لها، وهو مقدم طبعاً فيقدم وضعاً. وخرج بعبادة البدن: عبادة القلب، كالإيمان والتفكر والمعرفة والتوكل والصبر ومحبة النبي ﷺ ، فهي أفضل من عبادة البدن. وشرعت ليلة الإسراء من غير واسطةِ وحيٍ في أشرف الأوقات والأحوال، ولم يشاركها في ذلك شيء من الواجبات الشرعية. وهي لغة: الدعاء بخير. وشرعاً: أفعال وأقوال مفتتحةٌ بالتكبير، مختتمة بالتسليم غالباً، أو وضعاً فما خرج عن ذلك كصلاة المريض الذي يجريها على قلبه، والأخرس .. فمن غير الغالب أو لعارض، وسميت صلاة؛ لاشتمالها على الدعاء الذي هو صلاة لغة. (تجب) أي: الصلاة المكتوبة، وهي الخمس المعلومة من الدين بالضرورة في كل يوم وليلة، والجمعة في يومها من الخمس، ولم تجتمع لعير نبينا ﷺ ، بل لآدم منها الصبح، ولداوود الظهر، ولسليمان العصر، وليعقوب المغرب، وليونس العشاء. ويجب كل منها بدخول وقته وجوباً موسعاً إلى أن يبقى من وقته ما يسعها مع مقدماتها، فحينئذٍ يضيق. (على كل مسلم) ولو فيما مضى، فتشمل المرتد ذكراً كان المسلم أو أنثى،

стр. 127

بخلاف الكافر الأصلي، فلا يطالب بها في الدنيا؛ لعدم صحتها منه وإن عذب على تركها -كغيرها من فروع الشريعة المجمع عليها- في الآخرة؛ لتمكنه من فعلها بالإسلام. (بالغ عاقل) بلغته الدعوة -لا صبي- وإن لزم وليه أمره بها وصحت منه -ولا مجنون ومغمىً عليه وسكران بلا تعد، ولا من لم تبلغه الدعوة؛ لعدم تكليفهم، ووجوبها على متعد بنحو جنونه، وجوب انعقاد سبب؛ لوجوب القضاء. (طاهر) لا حائض ونفساء وإن استعجلتا ذلك بدواء؛ لأنهما مكلفتان بتركها. (فلا قضاء على كافر) أصلي أسلم؛ ترغيباً له في الإسلام؛ ولآية (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال:٣٨]، أي: من حقوق الله، أما حقوق الآدمي .. فلا تسقط عنه، وكذا بعض حقه تعالى، كما لو زنى وأسلم فلا يسقط عنه الحد، وجزم (م ر) بعدم انعقاد قضاء أيام كفره، قال الكردي: والتحقيق خلافه، بل قوله بانعقاد قضاء الحائض يرد عليه. (إلا المرتد) فيلزمه قضاء أيام ردته حتى زمن جنونه أو إغمائه أو سكره فيها، ولو بلا تعد تغليظاً عليه، بخلاف زمن نحو حيضها؛ إذ إسقاطها عنها عزيمة، فلم تؤثر فيها الردة، وعن نحو المجنون رخصة فأثرت؛ إذ ليس هو من أهلها، وأمر الحائض بترك الصوم مع وجوب قضائه خارج عن القياس؛ اتباعاً للنص. (ولا) على (صبي) ولا صبية لما فاتهما في الصبا؛ لعدم تكليفهما، ويسن قضاء ما فاتهما فيه ولو قبل التميز، على خلاف فيه (ولا) على (حائض ونفساء)؛ لأنهما مكلفان بتركها، ومن ثم قال (حج): (يحرم قضاؤهما) -كما مر- (ولا) على (مجنون)؛ لعدم تكليفه (إلا المرتد) فيلزمه قضاء أيام جنونه؛ تغليظاً عليه (ولا) على نحو (مغمىً عليه) كمعتوه ومبرسم وسكران؛ لعدم تكليفهم، إلا المرتد .. فيلزمه القضاء مطلقاً كما مر، و (إلا السكران المتعدى بسكره) .. فيلزمه قضاء الزمن الذي ينتهي إليه السكر غالباً دون ما زاد عليه من أيام الجنون ونحوه، وفارق المرتد بأن من جُنَّ في ردته .. مرتد في جنونه حكماً، ومن جُنَّ في سكره .. ليس بسكران في دوام جنونه قطعاً.

стр. 128

(ويجب على) نحو (الولي) من كلٍّ من الأبوين وإن علا ولو من جهة الأم، والوجوب على الكفاية، فيسقط بفعل أحدهما؛ لأنه من الأمر بالمعروف، ولذا خوطبت به الأم ولا ولاية لها، ثم الوصي، ثم القيم، ثم الملتقط (والسيد) -والمودع، والمستعير، فالإمام، فصلحاء المسلمين- تعليم المميز من ذكر وأنثى، ما يضطر لمعرفته من الأمور الضرورية التي يشترك فيها العام والخاص وإن لم يكفر جاحدها. ومنها: أنه ﷺ رسول الله، واسمه محمد بن عبد الله، وأنه من قريش وأمه آمنة، ولونه أبيض وولد بمكة، وبعث بها، وهاجر إلى المدينة ودفن بها، وبيان النبوة والرسالة، وغير ذلك مما لا يسع المكلف جهله. وأول ما يجب: معرفته ﷺ بوجه، ثم معرفته تعالى بما لا بد منه، بمعرفة عقيدة على مذهب أهل السنة، فأول ما يجب تعليمه المميز ذلك. ثم بعد ذلك يجب (أمر) كل من (الصبي المميز) والصبية المميزة مع التهديد بغير ضرب (بها) أي: الصلاة ولو قضاء، وبغيرها من أمور الشرع الظاهرة ولو سنة، كسواك، وينهاه عن منيهاته (لسبع) أي: عقب تمامها إن ميز وإلا .. فعند التميز، بأن يأكل ويشرب ويستنجي وحده، وإنما لم يجب أمره قبلها؛ لندرة التميز حينئذٍٍ. (و) يجب (ضربه) وضربها (عليها) أي: على تركها أو ترك شيء من واجباتها، أو المجمع عليه من غيرها ضرباً غير مبرح، فإن لم يفد إلا المبرح .. تركه، وسن للمؤدب أن لا يزيد على ثلاث ضربات، ويحرم تبليغه أدنى الحدود (لعشر) أي: ولو في أثنائها عند (م ر)؛ للخبر الصحيح: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع"، لكن قال "الجمل": التفريق ليس بواجب، والصوم كالصلاة إن أطاقه. وحكمة ذلك: التمرين عليها، ويستحب أمر قن صغير لا يعلم سابيه بها؛ ليألفها بعد البلوغ، واحتمال كفره إنما يمنع الوجوب فقط، ويستمر طلب ما ذكره الى بلوغه رشيداً. ويجب ضرب زوجة كبيرة على نحو ترك الصلاة إن أمن نشوزاً، والصغيرة وجوب تعليمها على الأبوين، فإن عدما .. فالزوج، وبجوز للولي استخدام صغير وإعارته، وكذا الأجنبي، كما في "تشييد البنيان" فيما لا يقابل بأجرة؛ لمسامحة الشرع بذلك.

стр. 129

(وإذا) زال مانع إيجاب الصلاة، كأن (بلغ الصبي) أو الصبية (أو أفاق المجنون أو) نحو (المغمى عليه أو أسلم الكافر أو طهرت الحائض أو النفساء قبل خروج الوقت ولو بتكبيرة) أي: بقدر زمن يسع تكبيرة (التحرم) فأكثر ( .. وجب القضاء) لصلاة ذلك الوقت إن لم يمكنه الأداء في الوقت أو الأداء إن أمكنه. وإنما يجب (بشرط بقاء السلامة من الموانع بقدر ما يسع الطهارة) وكذا بقية شروط الصلاة عند (حج)، قال: نعم الصبي والكافر لا يحتاجان إلى الشروط في الوقت؛ لإمكان تقديمها على زوال مانعها. (و) بقدر زمن يسع تلك (الصلاة) بأخف ممكن منها، كركعتين للمسافر وإن أراد الإتمام؛ تغليباً للإيجاب، كما لو اقتدى قاصر بمتم لحظة .. لزمه الإتمام. (ويجب) أيضاً (قضاء ماقبلها إن جمعت معها) كالظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء؛ لاتحاد الوقتين في العذر، ففي الضرورة أولى (بشرط بقاء السلامة من الموانع) بعد زوال العذر (قدر الفرضين) بأخف ممكن. (والطهارة) عن النجس والحدث وإن تعددت كما في طهر الضرورة، ولا بد أن يسع مع ذلك مؤداة وجبت، فلو بلغ، ثم جن -مثلاً- قبل ما يسع شيئاً من الفروض المذكورة .. فلا وجوب وإن زال الجنون عن قرب. ولو أدرك ركعة من العصر -مثلاً- فعاد المانع بعد ما يسع المغرب .. وجبت فقط؛ لأنها صاحبة الوقت، وما فضل لا يكفي للعصر، هذا إن لم يشرع فيها قبل الغروب، وإلا .. تعينت عند (حج). ولو أدرك من العصر قدر ركعتين، ومن المغرب كذلك .. وجبت العصر عند (حج)، ولم تجب واحدة منهما عند (ر م). ولو أدرك ما يسع العصر والمغرب مع الطهارة دون الظهر .. تعين صرفه للمغرب والعصر، وسقط الظهر، وكذا يقال فيما لو أدرك آخر العشاء، فقس عليه. ولو أدرك أول العشاء قدر ثلاث ركعات .. لم تجب هي، ولا المغرب.

стр. 130

(ولو) طرأ مانع، كأن (جن أو حاضت أو أغمى عليه أول الوقت) أو أثناءه، واستغرق المانع باقيه ( .. وجب) بعد زوال المانع (القضاء) لصلاة ذلك الوقت (إن مضى) منه (قدر الفرض مع الطهر) له (إن لم يمكن تقديمه) كتيمم وطهر سلس؛ لأنه أدرك من وقتها ما يمكن فعلها فيه، فلا يسقط بما طرأ، بخلاف طهر يمكن تقديمه، فلا يشترط اتساع ما أدركه من الوقت إلا للفرض؛ لأنه يمكن تقديمه، وقد عهد التكليف بالمقدمة قبل الوقت، كالسعي إلى الجمعة قبل وقت الجمعة على بعيد الدار، وإنما لم يؤثر هنا إدراك ما لا يسع الفرض؛ بخلاف نظيره آخر الوقت -كما مر؛ لإمكان البناء على ما فعله فيه بعد خروجه، بخلافه هنا، ولا تجب الثانية هنا وإن اتسع لها وقت الخلو من زمن الأولى، بخلاف عكسه السابق؛ لأن وقت الأولى لا يصلح للثانية إلا إذا صلاهما جمعاً، بخلاف العكس، كأن أدرك ركعة من الظهر في وقتها، وباقيها في وقت العصر، فتقع أداءً مع أن غالبها في وقت العصر، ويجب مع قضاء ذات الوقت المذكورة قضاء فرض قبلها إن صلح جمعه معها، ومضى من الوقت قدرهما بأخف ممكن من فعل نفسه، وقدر طهر لهما إن لم يمكن تقديمه، وصورة ذلك أن يستغرق وقت الأولى مانع، فيزول ويطرأ مانع آخر في وقت الثانية بعد مضي زمن يسعهما مع طهر لم يمكن تقديمه، كما يقع في ذي جنون تقطع. * * * (فصل) في مواقيت الصلاة ، والأصل فيها: خبر جبريل المشهور. (أول وقت الظهر) وهو لغة: ما بعد الزوال. واصطلاحاً: اسم للصلاة المفعولة حينئذٍ، سميت بذلك؛ لأنها أوّل صلاة ظهرت، أو لفعلها وقت الظهيرة، أي: شدة الحر وتسمى الأولى أيضاً، وصلاة الهجيرة عقب (زوال الشمس) إجماعاً. و (الزوال): ميل الشمس عن وسط السماء المسمى بلوغها إليه بالاستواء باعتبار ما يظهر لنا، وإلا .. فالزوال يتحقق قبل ذلك، لكن لا حكم له حتى لو وافق التحرم أول ميلها في نفس الأمر، وقبل ظهوره لنا .. لم يصح، وكذا باقي الصلوات؛ إذ التكاليف لا ترتبط إلا بما دخل تحت الحس.

стр. 131

(وآخره مصير ظل كل شيء مثله غير ظل) الشمس الموجود عند (الاستواء) في غالب البلاد، وقد ينعدم في بعضها كمكة وصنعاء في بعض الأيام، قال في "العباب": (وهو يوم واحد، وهو أطول أيام السنة) وقال الشرقاوي: (ينعدم في أربعة وعشرين يوماً قبل أطول أيام السنة، وبعده كذلك). والظل لغة: الستر، واصطلاحاً: أمر وجودي يخلقه الله لنفع البدن وغيره، تدل عليه الشمس في الدنيا، أمّا الآخرة .. فلا شمس فيها، والفيء أخص منه؛ لأنه الظل بعد الزوال. والشمس في السماء الرابعة، وقيل: في السادسة، وهي أفضل من القمر؛ لكثرة نفعها، وما ذكر هو الوقت الكلي للظهر (ولها) كغيرها أوقات أخر غير الوقت الكلي من حيث التسمية، وإلا .. فهي أجزاء للوقت الكلي، ومجموع تلك الأوقات سبعة تجري كلها في جميع الصلوات إلا الصبح فليس له وقت عذر، وإلا الظهر فليس له وقت كراهة، فالظهر لها ستة أوقات، وهي: (وقت فضيلة) وسيأتي بيانه (أوله ثمّ) بعده وقت (اختيار) لكن قال الكردي: (المعتمد أن لها ستة أوقات ترجع لخمسة، وقت فضيلة أوله، ووقت جواز إلى ما يسع كلها وهو وقت الاختيار، ووقت حرمة وهو القدر الذي لا يسع كلها بأخف ممكن من فعل نفسه، وضرورة وهو ما تقدم، وعذر وهو وقت العصر لمن يجمع) اهـ فالراجح أنه من أوله ويمتد (إلى آخره)، وقال الشرقاوي: (المعتمد أن الاختيار والفضيلة والجواز تشترك في أول الوقت، فإذا مضى قدر الفضيلة .. خرج وقتها، وبقي وقت الاختيار إلى نصف الوقت تقريباً، فيخرج ويبقى وقت الجواز، فتشترك الثلاثة مبدأً لا غاية إلا المغرب .. فتشترك مبدأ وغاية) اهـ (وأول وقت العصر) وهو لغة: الدهر، واصطلاحاً: الصلاة المخصوصة، ولها أسماء أخر: صلاة البرد والوسطى. وهي أفضل الصلوات بعد الجمعة كما يأتي في صلاة الجماعة. وسميت بذلك؛ لمعاصرتها، أي: مقارنتها وقت الغروب (إذا خرج وقت الظهر) وهو: مصير ظل كل شيء مثله (وزاد قليلاً) على ظل الاستواء؛ إذ المصير من وقت

стр. 132

الظهر، بأدنى زيادة عليه تظهر لنا -لا في الواقع فقط- يدخل وقت العصر؛ لخبر مسلم: "وقت الظهر ما لم يحضر العصر" وليست هذه الزيادة فاصلة بين الوقتين، بل من العصر، لكن لا يكاد يُعرف وقته إلا بمضيها، ويبقى إلى الغروب وإن تأخر عن وقته المعتاد كرامة. (ولها أربعة أوقات) بل سبعة: وقت (فضيلة أوله، واختيار إلى مصير الظل مثلين) غير ظل الاستواء. قال الكردي: (وتقدم في الظهر أن وقت الاختيار هو وقت الجواز، وهما هنا متغايران -وسيأتي في المغرب اتحاد وقت الفضيلة والاختيار ابتداءً وانتهاءً فيها- وفي غيره متغايران، فتلخص أن للاختيار ثلاثة إطلاقات وإن قال في "التحفة": إطلاقان) اهـ (ثم) بعدهما وقت (جواز) بلا كراهة (إلى الاصفرار، ثم كراهة إلى آخره) أي: بقاء ما لا يسعها، ثم حرمة وعذر وضرورة. (وأول وقت المغرب: الغروب) لجميع قرص الشمس. والغروب لغة: البعد، والمغرب: وقت الغروب. واصطلاحاً: الصلاة المخصوصة بعد غروب جميع الشمس، وتسمى أيضاً صلاة الشاهد -وسيأتي في الصيام ما له تعلق بالغروب- ويعرف بزوال الشمس من رؤوس الجبال، وبرؤية الظلام من جهة المشرق، بخلاف الصبح فيخرج بطلوع بعضها. (ويبقى حتى يغيب الشفق) في القديم؛ للأحاديث الصحيحة الصريحة فيه، منها: خبر مسلم: "وقت المغرب مالم يغب الشفق" والشفق هو الحمرة، فقوله: (الأحمر) صفة مؤكدة كعشرة كاملة، وإطلاقه على الأصفر والأبيض مجاز، وقدر المؤقتون مغيبه لعشرين درجة من المغيب، ولو تقدم مغيبه عن ذلك وتأخر .. قال الشرقاوي: اعتمد مشايخنا ما وقتوه، و (ب ج): المعتمد أن العبرة بمغيبه. ولها وقت فضيلة أوله وهو أيضاً وقت الاختيار والجواز، ثم وقت الكراهة، ثم

стр. 133

الحرمة، وأمَّا العذر .. وقت العشاء لمن يجمع. (وهو) أي: غيبوبة الشفق الأحمر (أول وقت العشاء) -بكسر العين والمد- لغة: اسم لأوّل الظلام سميت به الصلاة المخصوصة؛ لفعلها فيه. ويسن تأخيرها إلى مغيب الشفق الأصفر والأبيض خروجاً من الخلاف. (ولها ثلاث أوقات) بل سبعة (وقت فضيلة أوله ثم) بعد وقت الفضيلة -على ما مر من الخلاف- وقت (اختيار إلى ثلث الليل) الأول (ثم) بعدهما وقت (جواز) بلا كراهة إلى الفجر الكاذب، ثم بكراهة إلى بقاء ما لا يسعها، ثم حرمة (إلى الفجر الصادق) ولها وقت عذر وضرورة. (وهو) أي: الفجر الصادق (المنتشر ضؤوه) من جهة المشرق فقط (معترضاً بالأفق) أي: نواحي السماء، وقبله يطلع الكاذب مستطيلاً أعلاه أضواء من باقيه، ثم تعقبه ظلمة، ثم يطلع الصادق مستطيراً وبينهما خمس درج، وقد يتصل بالصادق، وكلاهما بياض شعاع الشمس عند قربها من الأفق الشرقي. (وهو) أي: الفجر الصادق (أول وقت الصبح) -بضم الصاد، وحكي كسرها- أول النهار لغة، واصطلاحا: الصلاة المخصوصة؛ لخبر مسلم: "وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس" سميت بذلك؛ لفعلها فيه، وتسمى أيضاً الفجر والبرد، والوسطى على قول. (ولها أربعة أوقات) بل ستة (فضيلة أوله، ثم اختيار إلى الإسفار) أي: الإضاءة بحيث يميز الناظرُ القريبَ منه؛ لأن جبريل صلاها ثاني يوم كذلك (ثم جواز إلى الحمرة، ثم كراهة) إلى أن يبقى من وقتها ما لا يسعها، ثم حرمة، ولها وقت ضرورة لاعذر. وهي نهارية شرعاً، وليلية حقيقة، ولذا طلب الجهر فيها، وهي عند الشافعي الصلاة الوسطى، لكن صحت الأحاديث أنها العصر، ومذهبه اتباع الحديث.

стр. 134

(ويكره تسمية المغرب عشاء، والعشاء عتمة)؛ للنهي عن ذلك (ويكره)؛ لخوف الفوات (النوم قبلها) بعد دخول وقتها، ولو وقت المغرب لمن يجمع، كأن ينام بعد المغرب قليلاً لا يمنع الجمع؛ ولأنه ﵊ (كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها)، قال ابن صلاح: والكراهة تعم سائر الصلوات، ومحل جوازه حيث غلبه بحيث صار لا يميز، ولم يمكنه دفعه وحينئذٍ فلا كراهة حيث كان عازماً على الفعل، أو غلب على ظنه تيقظه، وقد بقي من الوقت ما يسعها، وإلاَّ .. حرم بخلاف النوم قبلها، فلا يكره، بل لو قصد به حينئذٍ عدم فعلها في الوقت .. لم يحرم على المعتمد؛ لأنه غير مخاطب بها حينئذٍ. (و) يكره (الحديث) وسائر الصنائع (بعدها) ولو مجموعة تقديماً، لكن استوجه (حج)، و (م ر) عدم كراهته إلابعد دخول وقتها، فيكره خوف فوات صلاة الليل، وأول وقت الصبح، وليختم عمله بأفضل الأعمال. أما قبلها: فإن فوت وقت الاختيار .. كان خلاف الأولى، ولا يكره وإن خيف منه ما مر؛ إذ الخوف على ذلك بعد فعلها أكثر (إلا في خير)، كقراءة ومطالعة علم وإيناس نحو أهل أو ضيف ولو فسقه. نعم؛ لو قصد إناسهم لفسقهم .. حرم، وكتكلم بما دعت حاجته إليه كحساب، فلا كراهة في ذلك؛ لأن ذلك خير ناجز، فلا يترك لمفسدة متوهمة؛ لخبر عمران بن الحصين: (كان ﷺ يحدث أصحابه عامة الليل)، ولما كانت الصلاة أفضل موضوع، وكان أفضلها فعلها أول وقتها المسمى بوقت الفضيلة .. أشار لذلك بقوله: (وأفضل الأعمال) البدنية بعد النطق بالشهادتين المدخول في الإسلام بهما (الصلاة) ففرضها أفضل الفروض، ونفلها أفضل النوافل؛ لخبر أبي داوود: "استقيموا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة"، ولخبر: "الصلاة خيرٌ موضوعٌ"، أما القلبية .. فأفضل من البدنية، وأفضلها معرفة الله، ثم العلم بالواجبات العينية. وأفضل أحوال الصلاة -من حيث الوقت مع عدم العذر- أن تقع (أول الوقت) يقيناً ولو عشاء؛ لأنه من المحافظة عليها المأمور بها في آية (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) [البقرة:٢٣٨]؛ وللخبر الصحيح: "أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لأول وقتها" وخبر: "أسفروا

стр. 135

بالفجر، فإنه أعظم للأجر". وخبر: (كان يستحب أن يؤخر العشاء) معارَض؛ بأن تعجيلها هو الذي واظب عليه ﷺ ، ولأن المراد بالإسفار ظهوره يقيناً، لكن الأقوى دليلاً تأخير العشاء إلى ثلث الليل، وروى ابن عمر مرفوعاً: "الصلاة في أول وقتها رضوان الله، وفي آخره عفو الله". والعفو إنما يكون للمقصرين. (ويحصل ذلك) الفضل الذي سببه التعجيل (بأن يشتغل بأسباب الصلاة) كطهر، وستر، وأذان (حين دخل الوقت) أي: عقب دخوله، فلا يشترط لذلك تقدمها عليه وإن كان هو الأفضل، ولا العجلة على خلاف العادة، بل لو أخر متطهر بقدرها .. لم تفته فضيلته، ولا يضر التأخير لعذر كأكل خفيف أو كثير يؤثر فقده في الخشوع، وتقديم راتبة وغير ذلك من كل كمال اقترن بالتأخير دون التقديم، فالتأخير -حينئذٍ لمن أراد الاقتصار على صلاة واحدة- أفضل. (و) من ذلك أنه (يسن التأخير عن أول الوقت للإبراد بالظهر) دون الجمعة؛ لأن الناس مأمورون بالتبكير إليها، فلا يتأذون بالحر، ولأن تعجيلها فيه مراعاة للمبكرين، وفي التأخير مراعاة لغيرهم، والمبكرون أولى بالمراعاة، وما في الصحيح من (الإبراد بها)؛ بيان للجواز، ودون الأذان، والأمر بالإبراد به محمول على الإقامة، أو لبيان الجواز. ولندب الإبراد شروط كونه (في الحر) الشديد، وفي وقت الحر، و (بالبلد الحارة) وإن خالفت قطرها، وكونه (لمن يصلي جماعة) و (في موضع بعيد) مسجد أو غيره ولو مع وجود قريب أقل جماعة من البعيد بأن يحصل بالإتيان إليه مشقة تذهب الخشوع أو كماله؛ لكونهم يمشون في الشمس؛ لخبر: "إذا اشتد الحر .. فأبردوا، فإن شدة الحر من فيح جهنم"، دل بفحواه: أنه لابد من الشروط المذكورة، فلا يسن الإبراد في غير شدة الحر ولو بقطر حار، ولا في قطر بارد أو معتدل وإن اتفق فيه شدة الحر؛ إذ الفقهاء لا ينيطون الأحكام بالنادر ولا لمن يصلي منفرداً أو جماعة بمحل لا يتأذون بالحضور إليه. نعم؛ يسن الإبراد لمنفرد يريد الصلاة بالمسجد، ولمسافرين؛ لشدة مشقة الحر بالبرية، ولمن حضر موضع الجماعة أول الوقت، أو أقام به ينتظر جماعة تبعاً لهم،

стр. 136

والأفضل: أن يصلي أول الوقت منفرداً، ثم وسطه جماعةً (إلى حصول الظل) الذي بقي من الشمس، وغايته نصف الوقت (و) منه أنه يسن التأخير أيضاً (لمن تيقن) وجود الماء، أو (السترة آخر الوقت)؛ لزيادة فضل الصلاة معهما (ولمن تيقن الجماعة آخره) بحيث يبقى منه ما يسعها لذلك (وكذا لو ظنها، ولم يفحش التأخير) عرفاً، ويحتمل ضبطه بنصف الوقت. وخرج بـ (بالظن): الشك، فلا يندب له التأخير مطلقاً (و) أنه يسن أيضاً (للغيم) ونحوه مما يمنع العلم بدخول الوقت (حتى يتيقن) دخول (الوقت) بنحو رؤية شمس، أو إخبار ثقة (أو يخاف الفوات) للصلاة، ويندب أيضاً لمن يرمي الجمار، ولمسافر وقت الأولى، ولحاج تأخير مغرب مع العشاء إلى مزدلفة، وغيرها ذلك. (ومن صلى ركعة) بأن فرغ من السجدة الثانية (في الوقت .. فهي) أي: الصلاة كلها (أداء، أو) صلى فيه (دونها .. فقضاء) سواء آخر لعذر، أم لا؛ لخبر الشيخين: "من أدرك ركعة من الصلاة .. فقد أدرك الصلاة" أي: مؤداة، واختصت الركعة بذلك؛ لاشتمالها على معظم أفعال الصلاة؛ إذ ما بعدها تكرير لها، فجعل ما بعد الوقت تابعاً لها بخلاف ما دونها. (ويحرم تأخيرها) أي المكتوبة والمنذورة لغير عذر (إلى أن يقع بعضها) ولو التسليمة الأولى (خارجة) أي: الوقت وإن وقعت أداء. قال المدابغي: ولو أدرك آخر الوقت، بحيث لو أدى الفريضة بسنتها فات الوقت، ولو اقتصر على الأركان أدركها فيه .. فالأفضل أن يتم السنن، فالأحوال ثلاثة، تارة يبقي ما يسعها بسننها، فالمد -حينئذٍ- خلاف الأولى، وتارة يبقي ما يسع واجباتها فقط، فالمد مندوب، وتارة يبقي ما لايسع واجباتها، فيحرم. * * *

стр. 137

(فصل: ومن جهل الوقت) لنحو غيم ولم يمكنه معرفته ( .. أخذ) وجوباً (بخير ثقة) ولو عدل رواية (يخبر عن علم) كمشاهدة، وسماع مؤذن ثقة عارف بالمواقيت، أذّن في صحو ولم يعلم أن أذانه عن اجتهاد، فأذانه حينئذٍ من الإخبار عن علم، سواء سمعه بنفسه، أم أخبره به ثقة، فإن أمكنه معرفة الوقت .. تخير بين الأخذ بخبر الثقة، وتحصيل العلم به بنحو خروجه لنحو شمس، لكن يمتنع الاجتهاد مع الأول دون الثاني؛ لأن فيه مشقة عليه في الجملة، وأما غير الثقة .. فلا يؤخذ بخبره. وإن وقع في القلب صدقة؛ لأن الشارع ألغاه مطلقاً فيما يدخله الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد أقوى منه، وكذا خبر ثقة عن اجتهاد، فلا يأخذ به إلا أعمى بصر أو بصيرة؛ إذ المجتهد لا يقلد، فإن فقد المخبر عن علم .. أخذ إما بأذان مؤذنين كثروا يوم الغيم -بحيث يغلب على الظن إصابتهم-، أو بأذان ثقة عارف بالمواقيت في يومه ولم يكن أذان من ذكر عن اجتهاد. (أو) باجتهاد بنحو (صياح) نحو (ديك مجرب) بإصابة الوقت أو بغيره -مما يأتي- أو حسابه إن كان عارفاً به، ويجوز تقليده عند جمع، لغلبة الظن بجميع ذلك. (فإن لم يجد) ما ذكر من الإخبار عن علم ( .. اجتهد) وجوباً؛ لتعينه طريقاً (بقراءة أو حرفة) كخياطة أو ورد أو صياح نحو ديك (أو نحو ذلك) من كل ما يظن به دخول الوقت. وقال الكردي: (الرتب ستة: الأولى: إمكان معرفة يقين الوقت، الثانية: وجود مخبر عن علم، ثالثها: دون الإخبار عن علم، وفوق الاجتهاد، وهي: المناكيب والساعات المجربة، والمؤذن الثقة في الغيم، ورابعها: إمكان الاجتهاد من البصير، خامسها: إمكانه من الأعمى، سادسها: التقليد. فصاحب الأولى مخير بينها وبين الثانية إن وجدها، وإلا .. فبينها وبين الثالثة إن وجدت، وإلا .. فبينها وبين الرابعة، وصاحب الثانية لا يعدل لما تحتها، وصاحب الثالثة مخير بينها وبين الإجتهاد، وصاحب الرابعة لا يقلد، وصاحب الخامسة مخير بينها وبين التقليد)، وقد أشار المصنف إلى هذه بقوله:

стр. 138

(ويتخير الأعمى) القادر على الاجتهاد (بين تقليد ثقة) عارف (والإجتهاد)؛ نظراً لعجزه في الجملة، وإنما امتنع عليه التقليد في الأواني عند عدم التحير؛ لأن الإجتهاد هنا يستدعي أعمالاً مستغرقة للوقت، ففيه مشقة ظاهرة بخلافه ثم، وعلم من كلامه حرمة الصلاة، وعدم انعقادها مع الشك في دخول الوقت؛ إذ لابد من دخوله يقيناً أو ظناً، وإلا كانت باطلة؛ لأن مبنى العبادة على نفس الأمر وظنّ المكلف، وإذا اجتهد وظن دخول وقت صلاة وصلاها .. (فإن) تبين له مطابقته للواقع .. فذاك، أو أنها وقعت بعد الوقت .. صحت قضاءً، أو لم يتبن له شيء .. مضت صلاته على الصحة ظاهراً، أو (تيقن) وقوع (صلاته قبل الوقت) .. وقعت له نفلاً مطلقاً؛ لعذرة، ولم تقع له عن الصلاة التي نواها؛ لوقوعها بدون شرطها، وهو الوقت و (وجب قضاؤها) إن علم بعد الوقت في الأظهر، فإن علم في الوقت .. وجب إعادتها فيه إتفاقاً. تنبيه: ظاهر المتن أن صياح الديك في رتبة الإخبار عن علم، وليس كذلك، بل هو مما يجتهد به، كما بينته في "الأصل". (ويستحب المبادرة بقضاء الفائتة) بعذر كنوم ونسيان لم يتعد بهما؛ تعجيلاً لبراءة الذمة، وللأمر به. (و) يندب أيضاً ترتيب الفوائت مطلقاً و (تقديمها) إن فاتت بعذر (على الحاضرة التي لا يخاف فوتها وإن خاف فوت الجماعة فيها) أي: الحاضرة على المعتمد خروجاً من خلاف من أوجب الترتيب، ولا يرد أن أحمد يوجب الجماعة عيناً؛ لأنها ليست شرطاً للصحة عنده على الأصح، بخلاف من يوجب الترتيب كالحنفية، فكان رعاية خلافه أولى، وإن كان الترتيب عندنا سنة، والجماعة فرض كفاية. نعم؛ لو لم يقم الشعار لجماعة الحاضرة .. لم يبعد تقديمها على الفائته؛ لتعين الجماعة عليه أمّا إذا خاف فوت الحاضرة بأن يقع بعضها خارج الوقت عند (حج)، أو بأن لا يدرك في الوقت عند (م ر) .. فتلزمه البداءة بها؛ لتعين الوقت لها، ولئلا تصير قضاءً أيضاً. (وتجب المبادرة بالفائته إن فاتت بغير عذر)؛ تغليظاً عليه ويجب صرف جميع

стр. 139

زمنه إليها، إلاَّ مالا بد منه في تحصيل مؤنة تلزمه، وفعل واجب آخر مضيق يخشى فوته، ونحو نوم وأكل، ولا يجوز له تنفل حتى يفرغ منها، وكذا يجب تقديم ما فات بغير عذر على ما فات بعذر، وإن فقد الترتيب عند (حج)؛ لأنه سنة، والبدار واجب، فإن خالف .. صح مع الحرمة، ولو تذكر فائتة وهو في حاضرة .. لم يقطعها مطلقاً، أو شرع في فائته ظاناً سعة وقت الحاضرة، فبان ضيقه .. لزمه قطعها، أو قلبها نفلاً بشرطه الآتي، ولو كان عليه فوائت لا تنقص عن عشر، ولا تزيد على عشرين .. وجب قضاء العشرين؛ لإنها لزمته يقيناً، فلا يبرأ منها إلا بيقين. * * * (فصل) في الصلاة المحرمة من حيث الوقت . (تحرم الصلاة) التي لا سبب لها أو سببها متأخر عنها، ولا تنعقد (في غير حرم مكة) في خمسة أوقات: ثلاثة منها تتعلق بالزمان من غير نظر إلى من صلى، ولا لمن لم يصل، وهي: (وقت طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح) طوله سبعة أذرع تقريباً فيما يظهر لنا، وإلا .. فالمسافة بعيدة. (ووقت الاستواء) يقيناً (إلا يوم الجمعة) ولو لمن لم يحضرها؛ لأنه -وإن ضاق وقته- يسع التحرم، ويستمر التحريم (حتى تزول) الشمس. (ووقت الاصفرار) للشمس (حتى تغرب). واثنان منها: يتعلقان بفعل صاحبة الوقت، فمن فعلها .. حرمت عليه الصلاة المتقدمة آنفاً (و) هما: (بعد صلاة الصبح) المسقطة للقضاء لمن صلاها (حتى تطلع) الشمس، (وبعد صلاة العصر) المسقطة للقضاء لمن صلاها -ولو مجموعة تقديماً- (حتى تغرب)؛ لما صح من النهي عن الصلاة في هذه الأوقات الخمسة، ومن استثناء حرم مكة؛ لخبر:

стр. 140

"يا بني عبد مناف؛ لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار". وروى الدارقطني، والبيهقي حديث: "لايصلي أحد بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة"، وهذا صريح في تخصيص عموم النهي عن الصلاة في تلك الأوقات، وأن الصلاة المستثناة ليست من خصوص سنة الطواف؛ إذ لا ذكر للطواف فيه، وليست فيه خلاف الأولى عند حج؛ إذ الخلاف إذا خالف سنة صحيحة لا يراعي، وأما استثناء يوم الجمعة .. ففي خبر عند أبي داوود مرسل عضده ندب التبكير إليها وله شواهد، ومن عبر بكراهة تلك الصلاة كـ"المنهاج" .. أراد كراهة تحريم، وقيل: كراهة تنزيه، قال في "التحفة": وعليهما لا تنعقد؛ لأنها -أي الكراهة- بقسميها لذات كونها صلاة، وإلا لحرمت كل عبادة وهي تنافي الانعقاد؛ إذ لا يتناولها مطلق الأمر، وإلا كان مطلوباً منهياً عنه من جهةً واحدة، وهو محال. (ولا يحرم) من الصلاة (ماله سبب غير متأخر) بأن كان متقدماً (كفائتة) ولو نفلا ً -وصلاة جنازة- أو مقارناً كصلاة استسقاء وكسوف، فإن سببهما -وهو التغير والقحط- مقارن دواماً، فيجب مقارنته للتحرم، فإن زال قبله .. لم تنعقد، وجعلهما (حج) مما سببهما متقدم؛ نظراً لتقدم السبب فيهما على التحرم وإن قارنه دواماً، ومما سببه متقدم منذورة ومعادة. (وسنة وضوء وتحية) لمسجد، وسنة طواف وقدوم (وسجدة تلاوة) أو شكر، فلا تحرم هذه المذكورات ونحوها (إن لم يقصدها) أي: يقصد إيقاعها وقت الكراهة لكونه وقت كراهة، وإلا .. حرمت ولو قضاءً مضيقاً؛ لأنه حينئذٍ كالمراغم للشرع، بخلاف مالو لم يتحر ذلك الوقت وإن وقعت فيه، أو تحراه لغرض آخر، كأن أخر صلاة الجنازة إليه لأجل كثرة المصلين عليها، فيجوز وتنعقد. والمراد بالتأخر وقسيميه بالنسبة إلى الصلاة، لا إلى الوقت المكروه، فصلاة الجنازة من طهر الميت وإن وقع في الوقت المكروه، فإذا تم طهره في الوقت المكروه .. كانت مما سببه متقدم وهو الطهر، وهو متقدم على الصلاة وإن تأخر عن دخول وقت الكراهة. (ويحرم ما) لا سبب (لها) أصلاً كنفل مطلق، أو لها (سبب متأخر عنها كصلاة

стр. 141

استخارة وإحرام) وحاجة وخروج من المنزل وعند القتل؛ لتأخر اسبابها عنها، والمتأخر ضعيف؛ لأحتمال وقوعه وعدمه. (و) يحرم على مريد الجمعة -ولو كان في بيته، وإن لم تلزمه وحال مانع اقتداءٍ حينئذٍ- (الصلاة) مطلقاً إجماعاً (إذا صعد الخطيب) المنبر، وجلس عليه ولو بمكة، وإن لم يشرع في الخطبة، ولا سمعها المصلي ولو حال الدعاءِِ للسلطان، ولا تنعقد وإن تضيقت عليه؛ لإعراضه عن الخطيب بالكلية، بخلاف الكلام؛ إذ من شأن المصلي الإعراض عما سوى صلاته، ومن ثم استظهروا أن الطواف ليس كذلك، وكذا سجدة تلاوة وشكر عند (حج). ووجب تخفيف الصلاة التي شرع فيها قبل صعود الخطيب وجلوسه، أما بعد ذلك .. فتحرم ولا تنعقد (إلا التحية ركعتين) لداخل مسجد ( .. فتسن) حينئذٍ (إن لم يخش فوت التكبير للإحرام) بالجمعة؛ لخبر: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام يخطب .. فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما" أي: لا يطولهما عرفاً كما في "التحفة"، و"النهاية"، أو يقتصر على الواجب، كما قاله غيرهما، ولو لم يكن صلى راتبة الجمعة القبلية، فالأولى نية التحية معها؛ ليثاب عليها باتفاق (حج)، و (م ر). وخرج بالركعتين الزيادة عليهما، وبداخل مسجد الماكث فيه، والداخل غير مسجد، فتمتنع الصلاة فيما ذكر مطلقاً. وبقوله: (إن لم يخش .. إلخ) ما لو خشي فواتها، فلا تسن له بل تكره، كالقعود حينئذٍ، بل يستمر قائماً إلى أن يحرم الإمام، فيحرم معه، ولو صلاها في هذه الحاله .. استحب أن يزيد الخطيب في الخطبة بقد ما يكملها. * * * (فصل) في الأذان والإقامة وهما من خصوصياتنا، والأصل فيهما -قبل الإجماع المسبوق برواية عبد الله بن زيد المشهورة ليلة تشاورا فيما يجمع الناس- آية (إذَا نُودِىَ للِصَّلَوةِ) [الجمعة:٩] وهما معلومان من الدين بالضرورة، يكفر جاحدهما، وشرعا في السنة الأولى من الهجرة.

стр. 142

(يستحب) للذكر (الأذان) وهو لغة: الإعلام، وشرعاً: ذكر مخصوص، مطلوبٌ للمكتوبة أصالة، فلا يرد أنه يؤذن للأولى من المتواليتين فقط؛ لأن وقوع الثانية تابعة -حقيقة في الجمع، أو صورة في الفوائت، أو الحاضرة والفائتة- صيرها كجزء من الأولى، ودخل بأصالة المعادةُ فيؤذن لها، على خلاف فيها. (والإقامة) مصدر: أقام، وشرعاً: الذكر الآتي؛ لأنه يقيم للصلاة، وهي مجمع عليها (للمكتوبة) كالأذان، وإنما اختلفوا في كيفة مشروعيتهما، فقيل: فرضا كفاية؛ لأنهما من الشعائر الظاهرة، وفي تركهما تهاون بالدين، وعليه: فيقاتل أهل بلد تركوهما. والأصح أنهما سنة كفاية للجماعة -كالتسمية على الأكل وعند الجماع، والتضحية من أهل بيت، وابتداء سلام، وتشميت عاطس، وما يفعل بالميت من المندوب- وسنة عين لمنفرد كما في أكله ونحوه. ولا بد في أذان الإعلام من كونه، بحيث يسمعه جميع أهل البلد لو أصغوا إليه، ففي بلد صغير يكفي في محل واحد، وفي كبيرة في محال وإن لم يصلوا إلا في محل واحد، كيوم الجمعة. وفي أذان غير الإعلام للجماعة أن يُسمِع ولو واحداً منهم، وللمنفرد أن يسمع نفسه كما يأتي وإنما يسن الأذان للمكتوبة بقيدين: الأول: (إن لم يصلها) بحاضرة أو (بفائته) أو مجموعة، وكذا بمعادة على ما مر. والثاني: كونه (للرجل) أي: الذكر (ولو) صبياً، و (منفرداً) بعمران، أو غيره (ولو سمع الأذان) من غيره ولم يرد الصلاة معهم. (و) يسن أيضاً (لجماعة ثانية) مع رفع الصوت به وإن كرهت، أو كانت بالبيت ولو جار مسجد؛ للخبر الصحيح: "إذا كنت في باديتك، أو غنمك فأذنت للصلاة .. فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة". نعم؛ لا يسن رفع الصوت به في محل وقعت به جماعة، أو صلوا منفردين وإن لم ينصرفوا، (ولفائتة)؛ لإن بلالاً أذن للصبح لما فاتته ﷺ ، لما نام وهو وأصحابه حتى طلعت الشمس.

стр. 143

(فإن اجتمع) عليه (فوائت) وأراد قضاءها متوالية، أو والى بين حاضرة وفائتة (أو جمع تقديماً أو تأخيراً) ووالى بينهما ( ... أذن للأولى وحدها)؛ لثبوت ذلك يوم الخندق وإن كان بسند فيه انقطاع، لكنه اعتضد بما مر من الأذان للفائته، وأقام للكل؛ لما صح من جمعه ﷺ بمزدلفة بأذان وإقامتين. (وتستحب الإقامة وحدها للمرأة) لنفسها وللنساء، لا للرجال والخناثى، وللخنثى لنفسه، على ما في "التحفة" لا للرجال، ولا لمثله؛ لأنها لاستنهاض الحاضرين، فلا رفع فيها يخشى منه الفتنة، لا الأذان؛ لما فيه من الرفع الذي يخشى منه الفتنة؛ ومن التشبه بالرجال، ومن ثم حرم عليهما رفع صوتهما به إن كان ثم أجنبي، لو أذن لهن رجل لم يصل بهن .. صح؛ لعدم المحذور المتقدم، كما قال (سم) في "شرح الغاية"، وإنما لم يحرم غناؤها ولا سماعه لأجنبي حيث لا فتنه؛ لأن تمكينها منه ليس فيه حمل الناس على مؤد لفتنة، بخلاف تمكينها من الأذان؛ لأنه يسن الإصغاء للمؤذن والنظر إليه، وكل منهما إليها مفتن، ولأنه لا تشبه فيه؛ إذ هو من وضع النساء، بخلاف الأذان فمختص بالذكر، فحرم عليها التشبه به فيه. وقضية هذا حرمته عليها وإن لم يسمعه أجنبي؛ إذ التشبه علة للحرمة مستقلة، وخوف الفتنة علة أخرى، قال في "التحفة": (إلا أن يقال: لا يحصل التشبه إلا حينئذٍ، ويؤيده أنها لو أذنت للناس بقدر ما يسمعن .. لم يكره) اهـ لكن نازعه (سم) و (ع ش)، وغيرهما بأنها إذا قصدت الأذان الشرعي .. حرم، واعتمده (م ر)، وهل قراءتها القرآن بحضرة الأجانب كأذانها؟ قال في "المغني": نعم، وفي "النهاية": لا. تنبيه: يسنان أيضاً خلف مسافر، وفي أذني مولود، والأذان وحده في أذن مهموم، مصروع، وغضبان، ومن ساء خلقه ولو بهيمة، وعند مزدحم جيش وحريق، وتغول الغيلان. (و) يستحب (أن يقال في الصلاة المسنونة جماعة) وفعلت جماعة (غير) المنذورة و (الجنازة)، بل كصلاة عيد، وكسوف، واستسقاء، ووتر رمضان، وكذا جنازة لم يكن معها أحد، أو زادوا بذلك: (الصلاة جامعة) برفعهما أو نصبهما، أو رفع أحدهما

стр. 144

ونصب الآخر، أو الصلاة الصلاة، أو حي، أوهلموا إلى الصلاة، أو الصلاة رحمكم الله، أو التراويح -مثلاً- أثابكم الله، وتندب إجابة ذلك بلا حول ولا قوة إلا بالله. (وشرط) صحة (الأذان) -كالإقامة- دخول (الوقت) في الواقع وإن لم يظن دخوله؛ لأنهما للصلاة، ولا معنى لهما قبل طلبها، وفيه لبس قبله، ولهذا حرم قبله، فإن أمنه .. لم يحرم؛ لأنه ذكر. نعم؛ إن نوى به الأذان .. حرم؛ لأنه حينئذٍ تلبس بعبادة فاسدة، ويبقى جوازه ما بقي الوقت، لكن تنتهي مشروعيته بفعل الصلاة بالنسبة لمن صلاها (إلا) أذان (الصبح .. فيجوز بعد نصف الليل) كالدفع من مزدلفة، ولأن العرب تقول حينئذٍ: أنعم صباحاً؛ لخبر: "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم". والأفضل لكل محل جماعة مؤذنان واحد يؤذن قبل الفجر والأفضل كونه من السحر وإن جاز من نصف الليل والآخر بعده لما مر (وإلا) الأذان (الأول يوم الجمعة) .. فيجوز قبل الزوال على ما نسب لـ"الرونق" قياساً على الصبح، وفرق بينهما؛ بأن الناس قبل الفجر مشغولون بالنوم، فندب تقديمه؛ ليتهيؤا لإدراك فضيلة أول الوقت، ولا شاغل لهم يوم الجمعة يمنعهم من التهيؤ لأول وقتها. ولا تقدم الإقامة على وقتها، وهو عند إرادة الدخول في الصلاة، فإن قدمت .. اعتد بها حيث لم يطل فصل بينهما. نعم؛ طوله لتسوية الصفوف لا يضر كما في "التحفة"، ولو أقيمت بدون أذان .. اعتد بها، فإن اقتصر على أحدهما .. فالأذان أولى. (و) شرطه أيضاً -كالإقامة- (الترتيب)؛ للاتباع، ولأن تركه يوهم اللعب ويخل بالإعلام، فإن أخل بالترتيب ولو ناسياً .. لم يصح، ويبني على المنتظم منه، والاستئناف أولى (والموالاة) بين كلماتها؛ إذ تركها يخل بالإعلام، فلو تركها في أحدهما ولو ناسيا .. بطل. نعم؛ لا يضر يسير سكوت، أو كلام ولو عمداً وقصد به قطعه؛ إذ لا تشترط فيهما النية، بل عدم الصارف -ولا يسير جنون أو إغماء أو نوم؛ لعدم الإخلال، لكن يسن

стр. 145

الاستئناف حينئذٍ، ولو عطس في أحدهما .. حمد الله بقلبه. وسن له تأخير رد السلام وتشميت العاطس إلى فراغه منه وإن طال الفصل، فإن لم يؤخره .. فخلاف السنة كالتكلم لمصلحة، وقد يجب لضرورة كإنذارمن محذور. (وكونه) كالإقامة (من واحد)؛ إذ صدوره من اثنين يورث لبساً في الجملة، وهذا كالنسك فلا يبنى أحد فيه على فعل غيره وإن مات؛ لأنه لو أحصر .. لا يبني على فعل نفسه، فعدم بناء غيره على فعله أولى. (و) كونهما (بالعربية إن كان ثم من يحسنها) وإلا صح بغيرها كأذكار الصلاة. نعم؛ إن أذَََّن لنفسه بغيرها وهو لا يحسنها .. صح وإن كان ثم من يحسنها. (وإسماع بعض الجماعة) بالفعل ولو واحداً أو أنثى والباقين بالقوة، والأكمل إسماع جميعهم، فلا يجزىء الإسرار بشيء منهما إلا لترجيع. (وإسماع نفسه) بحيث يسمع جميعه حيث لا مانع من نحو صم (إن كان منفرداً)؛ لأن الغرض منهما حينئذٍ الذكر، لا الإعلام، والأكمل رفع صوته بهما، لكنه في الإقامة أخفض. (وشرط المؤذن) كالمقيم إن نصبه الإمام: كونه مكلفاً أميناً عارفاً بالوقت، أو معه أمين يخبره به؛ لأن ذلك ولاية، فاعتبر فيه شروطها، وإلا .. حرم نصبه، ولا تصح توليته، ولايستحق عليها شيئاً وإن صح أذانه. وشرطه مطلقاً كالمقيم: (الإسلام، والتميز، والذكورة) فلا يصحان من كافر؛ لأن في إتيانه بهما نوع استهزاء، ولأنهما مقدمتان للصلاة -التي هو ليس من أهلها- ولا من نحو صبي غير مميز، كسكران ومجنون وامرأة على ما مر. (ويكره) فيهما التطريب والتلحين والتفخيم والتشادق و (التمطيط) أي: التمديد، قال الشيخ عز الدين: يحرم التلحين إن غير المعنى، أو أوهم محذوراً، بل كثير منه كفر [من العالم العامد]، كمد همزة أكبر أو أشهد، وباء أكبر، لأنه يصير به جمع كبر وهو طبل له وجه واحد، والوقف على إله والابتداء بإلا الله، ومد ألف الله، والصلاة والفلاح زيادةً
следующие страницы →