Полный текст (670 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
خسوف، كما مر ( .. لم يدركها)؛ لعدم أهلية نحو المحدث للتحمل، ولأن الحكم بإدراك ما قبل الركوع رخصة لا يصار إليها إلا بيقين. وقال (سم): يكفي الاعتقاد الجازم بإدراك الركوع، ولا يسع الناس إلا هذا، ولأن الركوع الثاني وقيامه من كل ركعة من صلاة الكسوف تابع للركوع الأول وقيامه، فهو في حكم الاعتدال، ولذا يسن فيه: سمع الله لمن حمده.
وأمَّا إدراك الركوع الزائد .. فإن قرأ المأموم (فاتحته) .. أدرك الركعة ما لم يعلم ذلك وإن نسي.
وإذا أتى الشاك في الطمأنينة بعد سلام إمامه بركعة .. سجد للسهو، للشك في زيادة الركعة المذكورة.
ويشترط في المسبوق الذي أدرك الإمام راكعاً: أن يكبر للإحرام في القيام أو بدله، ثم يكبر للهوي.
ومثله من يسجد للتلاوة خارج الصلاة، أو للشكر؛ لأنه تعارض في حقه قرينتا الافتتاح والهوي؛ لاختلافهما، وحينئذٍ لا يحتاج لنية الإحرام في الأولى؛ إذ لا تعارض.
وحاصله: أن في ذلك ثمان صور:
الأولى: أن يأتي بتكبيرتين: واحده للإحرام، والأخرى للانتقال.
الثانية: أن يكبر واحدة، وينوي بها التحرم فقط، فيصح في هاتين الصورتين.
والست الباقية: أن يقتصر على تكبيرة وينوي بها الإحرام والركوع، أو لم ينو شيئاً، أو ينوي بها الركوع فقط، أو ينوي أحدهما مبهماً، أو يشك أنوى بها التحرم وحده أو لا؟ أو يتم تكبيرة الإحرام وهو إلى الركوع أقرب منه إلى القيام، فلا تنعقد في جميع ذلك.
ولو كبر ثنتين وأطلق في الأولى وقصد بالأخرى الانتقال .. صحت على المعتمد قاله المدابغي.
وقضيته: أنه إذا أطلق في الأولى أن الإحرام ينعقد موقوفاً على الثانية إن كبرها .. صحت، وإلا .. فلا، وهذا مما لا نظير له، على أن في معارضة تكبير الركوع لتكبير الإحرام في الأولى -مع أنها لا يدخل وقتها، ولا تطلب إلا بعد تمام تكبير التحرم- غاية الإشكال.
تتمات: إذا خرج الإمام من صلاته بحدث أو غيره .. انقطعت قدوة المأموم به،
стр. 317
ولا تنقطع بنية الإمام قطعها؛ لعدم توقفها منه على نية إلا في نحو الجمعة. وحيث بقيت القدوة الصورية مع انقطاع حقيقتها، كأن ظهر شيء من عورته مع بقائه في صورة الصلاة .. وجبت نية المفارقة فوراً.
وهل المخل بالفورية هنا قدر سبحان الله، كالشك في أصل النية أو قدر جلسة الاستراحة؟ على الخلاف أنه أقلها أو أكثرها، ولعل الأول أقرب.
ويجوز للمأموم قطع القدوة بنية المفارقة مع الكراهة المفوته لفضيلة الجماعة، حيث لا عذر يرخص في ترك الجماعة ابتداءً، وإلا .. فلا كراهة.
نعم؛ إن ترتب عليه تعطيل الجماعة .. امتنع.
وتجوز نية القدوة أثناء الصلاة، فلو نواها منفرداً .. جاز مع الكراهة، وتبعه حتى لو نواها قائماً قبل قراءة (الفاتحة) بمن في الركوع .. تبعه فيه، وسقطت عنه (الفاتحة).
وللإمام أن يقتدي بآخر بعد تأخره عنه في المكان، ويعرض عن الإمامة، فيصير المأمومون مقتدين بمن اقتدى به تبعاً له، عند (حج)؛ لأنه استخلاف، وهو لا يحتاج المأمون فيه لنية اقتداء بالثاني، كما يأتي.
وما أدركه المأموم مع الإمام مما يحسب له أول صلاته، وما يفعله بعد سلامه آخرها؛ للخبر المتفق عليه: "فما أدركتم .. فصلوا، وما فاتكم .. فأتموا"، والائتمام يستلزم سبق ابتداء، فيعيد في ثانية الصبح القنوت، وفي ثانية المغرب التشهد، وفعلهما مع الإمام إنما كان للمتابعة.
* * *
(فصل): في صفات الأئمة المستحبة .
(أحق الناس بالإمامة: الوالي) في محل ولايته ولو فاسقاً، ويقدم الأعلى فالأعلى، لخبر: "لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه".
نعم؛ لو ولى الإمام أو نائبه شخصاً على مسجد مثلاً .. فهو أولى من والي البلد وقاضيها، والكلام فيمن تضمنت ولايتهم الإمامة نصاً أو عرفاً، بخلاف ولاة الحروب والشرطة، فلا حق لهم فيها.
وإذا كان الوالي أحق (فيتقدم) بنفسه (أو يقدم غيره)؛ إذ الحق له، فينيب من أراد.
стр. 318
(ولو) أقيمت الصلاة (في ملك غيره) وقد أذن في الصلاة فيه، وإن لم يأذن في الجماعة.
نعم؛ إن زاد زمنها على زمن الانفراد .. احتيج لإذنه فيها أيضاً؛ وذلك لأن تقدم غيره بحضرته من غير إذنه لا يليق ببذل الطاعة له.
وسيأتي أن صلاة الجنازة، القريب أولى بها.
(و) الأحق بعد الوالي في الملوك (الساكن) أي: مستحق المنفعة (بملك) لها (أو إعارة أو إجارة أو وقف أو وصية) أو إذن سيد، فحينئذٍ (يتقدم أو يقدم) من تصح إمامته ولو فاسقاً، ومع وجود أفضل منه وإن لم يكن مقدمه أهلاً للصلاة ككافر؛ لخبر أبي داوود: "لا يؤمن الرجل الرجل في بيته" (إلا أن المعير أحق من المستعير)؛ إذ المعير مالك للمنفعة، وله الرجوع فيها متى شاء.
(والسيد أحق من عبده) أي: قنه (الذي ليس بمكاتب) كتابة صحيحة، أما هو .. فمقدم على سيده بالتقدم والتقديم؛ لأنه مستقل.
(والإمام الراتب) بمحل جماعة (أحق من غير الوالي) الذي ولاه.
وإن اختص الغير بنحو فقه وورع .. (فيتقدم أو يقدم) أهلاً للإمامة، ولو لم يحضر الراتب أو لم يأذن ولم يظن رضاه .. سن الإرسال إليه ليحضر، أو يأذن، فإن خيف فوت أول الوقت ولا فتنة ولا تأذ .. أمَّ القوم أحدهم، فإن ضاق الوقت .. جمعوا مطلقاً، وهذا في مسجد غير مطروق، وإلا .. فلا تكره فيه الجماعة مطلقاً وإن تعددت في وقت واحد، وهذا في المقدم بالمكان، فيتقدم أو يقدم، وأمَّا المقدم بالصفة، كأفقه .. فله التقدم لا التقديم.
(ثم) إن لم يكن مقدم بالمكان، كأن كانوا بموات، أو بمسجد لا راتب له، أو له راتب ولم يصل معهم ولم يقدم أحداً .. (قدم) بالصفة.
فيقدم (الأفقه) بأحكام الصلاة؛ إذ الحاجة إلى الفقه أهم؛ لعدم انحصار حوادث الصلاة.
стр. 319
(ثم) إن استوى اثنان فقهاً .. قدم (الأقرأ) أي: الأحفظ، كما في "شرحي الإرشاد"، أو الأصح قراءة كما في "التحفة" و"النهاية"؛ إذ حاجة الصلاة إلى القراءة أشد من الورع.
(ثم) إن استويا فيما مر .. قدم (الأورع) و (الورع): ترك الشبهات، فإن ترك ما زاد على الحاجة من الحلال .. كان زاهداً، ومن ثم يقدم الأزهد على الأورع.
(ثم) إن استويا، فيما مر .. قدم (من سبق بالهجرة) إليه ﷺ بالنسبة لآبائه، أو لدار الإسلام بالنسبة إلى هجرته (هو أو أحد آبائه) إليها.
(ثم) -بعد من ذكر- يقدم الأسن، والمراد به (من سبق إسلامه) فيقدم شاب أسلم أمس على شيخ أسلم اليوم، فإن أسلما معاً .. قدم الشيخ، ويقدم المسلم بنفسه على المسلم تبعاً وإن تأخر إسلام الأول.
(ثم) يقدم -بعد من ذكر- (النسيب) بما يعتبر في الكفاءة (ثم حسن الذكر) بأن يكون ثناء الناس بالجميل عليه أكثر؛ لأنه أهيب، والقلوب إليه أميل.
(ثم نظيف الثوب) فالوجه (ثم نظيف البدن، و) بعده (طيب الصنعة، ثم حسن الصوت)؛ لميل القلوب إلى الأقتداء به، واستماع كلامه.
(ثم حسن الصورة) أي: الوجه، فالأحسن زوجة، فالأبيض ثوباً على لابس الثوب الأسود.
قال في "الشرح": وهذا أخذه من "الروضة"، و"التحقيق"، وهو المعتمد؛ إذ المدار-كما أشعر به تعليمهم- على ما هو أفضى إلى استمالة القلوب، وكل واحد مما ذكر أفضى إلى ذلك مما بعده، وحينئذٍ فالأولى بعد الاستواء في النسب وما قبله: الأحسن ذكراً، فالأنظف ثوباً فبدناً فصنعة، فالأحسن صوتاً فوجهاً.
(فإن استووا) في جميع ما مر وتشاحوا ( .. أقرع) بينهم.
(والعدل) ولو مفضولاً (أولى من الفاسق، وإن كان) الفاسق حراً [أو] (أفقه، أو أقرأ)؛ إذ لا وثوق بمحافظته على الواجبات، ولخبر الحاكم وغيره: "إن سرَّكم أن
стр. 320
تقبل صلاتكم .. فليؤمكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم"، وفي مرسل: "صلوا خلف كل برٍّ وفاجر"، ويعضده صلاة ابن عمر خلف الحجاج، وكفى به فاسقاً، فتكره خلفه إن وجد غيره، على ما مر.
ومثله المبتدع، بل أشد؛ لأن اعتقاده لا يفارقه، بل تحرم على أهل الصلاح؛ لأن ذلك يحمل الناس على تحسين الظن بهما، وتكره الإمامه لكل منهما إلا أن يقتدي به مثله، ويحرم نصبه إماماً؛ لما فيه من الخلل، فيوقع الناس بإمامته في النقص، ولا يصح ولا يستحق المعلوم وإن باشر الإمامة.
ويجوز لكل ذي وظيفة من إمامه وأذان وتدريس وغيرها، أن ينيب مثله أو أحسن منه فيها، ويستحق حينئذٍ المعلوم.
(و) كذلك (البالغ) ولو قناً (أولى من الصبي وإن كان) الصبي حراً، أو (أفقه أو أقرأ)؛ لكراهة الاقتداء، وللخلاف في إمامته.
(والحر أولى من العبد)؛ لأنه أكمل (ويستوي العبد الفقيه) أو القارئ مثلاً (والحر غير الفقيه) أو القارئ؛ لانجبار نقص الرق بما انضم إليه من صفة الكمال.
وإنما كان الحر أولى في صلاة الجنازة مطلقاً؛ لأن القصد بها الدعاء والشفاعة، وهو بهما أليق.
(والمقيم) والمتم (أولى من المسافر) الذي يقصر؛ لأنه إذا أمَّ .. لا يختلفون، وإذا أمَّ القاصر .. اختلفوا.
(وولد الحلال أولى من ولد الزنا) ومن لا يعرف له أب وإن كان أفقه أو أقرأ؛ إذ إمامته خلاف الأولى.
(والأعمى كالبصير) حيث لم يزد أحدهما بشيء مما مر، كحرية ونظافة؛ أذ الأول أخشع؛ لعدم نظره ما يشغله، والثاني أحفظ لتجنب الخبث، فإن لم يكن الأعمى خاشعاً .. فالبصير أولى، أو لم يكن البصير متحاشياً عن الخبث .. فالأعمى أولى، والسميع والأصم سواء.
* * *
стр. 321
(فصل): في بعض سنن الجماعة .
(يستحب) لمريد الجماعة غير المقيم (أن لا يقوم إلا بعد فراغ الإقامة) جميعها وإن فات عليه بذلك الصف الأول؛ لأنه وقت الدخول في الصلاة، وهو قبله مشغول بالإجابة، وهذا إن كان بحيث إذا لم يقم إلا بعدها .. يدرك فضيلة التحرم، وإلا كأن بعد أو كان ثقيل القيام .. قام قبل ذلك بحيث يدركها، أمَّا المقيم .. فيقوم عند إرادته الإقامه.
ويندب: أن لا يبتدئ نفلاً حال أو قرب الإقامة بحيث تفوته فضيلة التحرم؛ لخبر: "إذا أقيمت الصلاة .. فلا صلاة إلا المكتوبة".
ولا يجلس ثم يقوم؛ لأنه يشغل عن كمال الإجابة كقيامه مع الإقامة.
فإن كان في صلاة فرض فائت .. وجب إتمامه ما لم يخش فوت وقت الحاضرة، وإلا .. قطعه حتماً إن لم يمكنه إدراك الحاضرة لو قلبه ركعتين نفلاً، أو في فرض حاضر وكان صبحاً، أو قام لثالثته .. أتمه ندباً إن لم يخش فوت الجماعة لو أتمها، وإلا .. ندب قطعها إن اتسع الوقت لو قطع أو قلب، وإلا .. حرم.
وإن كانت نفلاً .. أتمها ندباً إن نوى عدداً، وإلا .. اقتصر على ركعتين إن أمن فوت الجماعة بأن يدركها ولو قبيل سلام الإمام، أو رجا جماعة أخرى، وإلا .. ندب قطعه.
نعم؛ الجمعة يجب القطع لإدراك ركعة منها مطلقاً.
(و) يستحب (تسوية الصفوف، والأمر بذلك) لكل أحد (و) هو (من الإمام) ولو بنائبه (آكد) والمراد به تعديلها، والتراص فيها، ووصلها، وسد فرجها، وتقاربها، وتحاذي القائمين بحيث لا يتقدم صدر واحد ولا شيء منه على مَنْ بجنبه، ولا يشرع في الثاني حتى يتم الذي قبله، فإن خالف في شيء من ذلك .. كره، وفاتته فضيلة الجماعة عند (حج).
وعند الشهاب الرملي: كل مكروه من حيث الجماعة مفوت لفضيلتها إلا تسوية الصفوف؛ لخبر أبي داوود وغيره: "أقيموا الصفوف، وحاذوا المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفاً ..
стр. 322
وصله لله، ومن قطع صفاً .. قطعه الله"، وفي "الأصل" ما ينبغي مراجعته.
ولا يضر طول الفصل بين الإقامة والصلاة لتعديل الصفوف، كما في "التحفة" في (باب الأذان).
وعد في "الزواجر" قطع الصف وعدم تسويته من الكبائر، قال: وهو ظاهر خبر: "من قطع صفاً .. قطعه الله"؛ إذ هو بمعنى لعنه الله، واللعن من علامة الكبائر، لكن لم أر من عده كبيرة، بل هو عندنا مكروه.
(وأفضل الصفوف: الأول) وهو الذي يلي الإمام وإن تخلله منبر أو مقصورة أو أعمدة.
(فالأول) وهو الذي يليه وهكذا، والصف الأول صادق على المستديرين حول الكعبة، المتصل بما وراء الإمام، وعلى غير من في جهته وهو أقرب إلى الكعبة منه، ولم يفصل بينه وبين الإمام صف، وأفضل كل صف يمينه وإن بعد.
وإنما أفضلية الأول فالأول (للرجال) وإن كان ثم غيرهم، وللخناثى الخلص أو مع النساء، وللنساء الخلص، بخلاف النساء مع الذكور، أو الخناثي والخناثى مع الذكور، فالأفضل لهن التأخير.
وأصل: ذلك خبر مسلم: "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء -أي: مع غيرهن- آخرها، وشرها أولها".
ويسن أن يكتنف المأمومون الإمام بأن يكون محاذياً لوسطهن؛ لخبر أبي داوود: "وسطوا الإمام، وسدوا الخلل".
ويسن المبادرة إلى الصف الأول وإن فاتته بقصده الركعة غير الأخيرة، أمَّأ هي .. فإدراكها أولى من إدراك الصف الأول.
(وتكره إمامة الفاسق) والاقتداء به حيث لم يخش فتنة؛ لعدم أمانته، وللخلاف في صحته.
(و) إمامة (الأقلف) والاقتداء به (وهو الذي لم يختن) ولو قبل البلوغ، لكن قال بعضهم: تكره بعد البلوغ، لا قبله.
(و) إمامة (المبتدع) الذي لم يكفر ببدعته، والاقتداء به وإن لم يوجد غيره على ما مر، والمبتدع المخالف لأهل السنة في العقائد.
стр. 323
وأمَّا الخلاف بين أهل السنة كالأشعرية والماتريدية .. فلا يؤثر، بل جله أو كله لفظي أو قريب منه.
وأمَّا من يكفر ببدعته، كمن يقول: بأنه تعالى جسم كالأجسام، ومنكر البعث .. فلا تصح له صلاة.
(و) إمامه (التمتام) وهو من يكرر التاء، والقياس: التأتاء (والفأفاء) وهو يكرر الفاء (والوأواء) وهو من يكرر الواو، وكل من يكرر حرفاً للزيادة ولتطويل القراءة بالتكرير، ولنفرة الطباع عن سماع كلامهم، وإنما صحت إمامتهم؛ لعذرهم مع إتيانهم بأصل الحرف، بل ولأن المكَرَّرَ حرفٌ قرآني.
ويكره أيضاً: إمامه لاحن لا يغير المعنى، والموسوس، ومن يكرهه أكثر القوم لعذر شرعي.
(وكذا تكره الجماعة) أي: إقامتها (في مسجد له إمام راتب) قبله أو معه أو بعده (وهو غير مطروق)؛ لأن ذلك يورث الطعن في إمامته، ويفرق الناس عليه (إلا إذا) غاب الراتب أول الوقت، و (خُشِيَ) بالبناء للمفعول (فوات فضيلة أول الوقت، ولم يُخش) بالبناء للمفعول (فتنة) ولا تأذى الراتب لو تقدم غيره .. فيسن، كما مر أول الفصل الذي قبل هذا.
(ويندب: أن يجهر الإمام بالتكبير) للتحرم والانتقالات (وبقول: "سمع الله لمن حمده")؛ للانتقال من الركوع (وبالسلام) قاصداً بذلك الخروج من الصلاة، وبما قبله الذكر وحده أو مع التبليغ، وإلا .. بطلت صلاته، كما مر في سنن الصلاة مستوفى؛ وذلك للاتباع في الكل، فإن كبر المسجد .. ندب مبلغ يجهر بذلك، وإلا .. كره.
(و) أن (يوافقه المسبوق في الأذكار) الواجبة والمندوبة حتى في دعاء التشهد الأخير وإن كان المأموم في محل تشهده الأول؛ لأنه للمتابعة، كما مر.
ومن ذلك: أنه يكبر لما يحسب له وإن لم ينتقل معه إليه، كركوع وسجود تلاوة وجده فيهما، ولما انتقل معه فيه وإن لم يحسب له، فإذا أدركه في الاعتدال .. كبر للهوي
стр. 324
ولما بعده من سائر الانتقالات دون ذكر الاعتدال، أو في سجود مثلاً لم يكبر للهوي إليه؛ لأنه لم يتابعه فيه، ولا هو محسوب له.
وخرج بـ (الأذكار): الأفعال، فتجب عليه متابعته فيها فيما أدركه معه منها وإن لم يحسب له.
نعم؛ لو أدركه في جلسة الاستراحة .. لم تجب عليه موافقته فيها؛ لعدم فحش المخالفة، وتجب عليه المتابعة، حتى تبطلُ صلاته بتخلفه عنه بركنين فيما لو اقتدى به في نحو الاعتدال، لكن لو سبقه حينئذٍ بركن، كأن قام من سجدته الثانية، والمأموم في الجلوس بينهما .. تابعه ولا يسجد الثانية؛ لأنها للمتابعة، وقد فاتت، وكذا لو كان بطيء الحركة، فلم يصل إلى قرب السجود إلاَّ وقد فرغ الإمام من السجدتين وإذا سلم الإمام .. انتقل المسبوق إلى القيام أو بدله مكبراً ندباً إن كان قيامه من موضع تشهده الأول، ولا يلزمه القيام فوراً، بل لا يضر تطويله.
وإن لم يكن محل تشهده .. قام فوراً بلا تكبير، وإلاَّ .. بطلت صلاته إن علم وتعمد، وإلا .. لم تبطل، ويسجد للسهو.
قال في "التحفة": (ويظهر أن المخل بالفورية هنا هو ما يزيد على قدر جلسة الاستراحة، ومر أن تطويلها المبطل يقدر به الجلوس بين السجدتين؛ لأنهم عدّوا قدرها تطويلاً غير فاحش، وكذا كل مخل أوجبوا على المأموم القيام أو نحوه فوراً، فضبط الفورية يتعين بما ذكرته) اهـ
والحاصل: أنهم اغتفروا ما بقدر جلسة الاستراحة.
لكن قال (حج): المراد به أكثرها، وقال (م ر): أقلها، وهو قدر الله سبحان الله، والزائد عليه مبطل والله أعلم.
* * *
стр. 325
باب صلاة المسافر
(باب) كيفية (صلاة المسافر)
من حيث القصر والجمع، ويتبعه الجمع في المطر، فاندفع الإعتراض بأن الترجمة ناقصة على أن المعيب أن يترجم لشيء، ويذكر أنقص منه، أمَّا ذكر الزائد كما هنا .. فلا.
والأصل في القصر: آية (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ) [النساء:١٠١].
وهي وإن كانت مقيدة بالخوف فقد صح جوازه في الأمن، كما في خبر يعلي ابن منية.
والإتمام جائز؛ لخبر عائشة: أنها قالت: يا رسول الله؛ قصرت وأتممت وصمت وأفطرت، فقال: "أحسنت".
وأمَّا خبر: "فرضت الصلاة ركعتين" أي: في السفر .. فمعناه لمن أراد الاقتصار عليهما؛ جمعاً بين الأدلة.
(يجوز للمسافر سفراً طويلاً) أي: مرحلتين فأكثر بأن يقصد ذلك وإن لم يبلغه (مباحاً) أي: جائزاً في ظنه، فيشمل الواجب والمندوب والمباح والمكروه، كأن يسافر وحده سيما بالليل؛ لخبر أحمد (كره ﷺ الوحدة في السفر، ولعن راكب الفلاة وحده) أي: إن ظن ضرراً، وقال: "الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب".
نعم؛ من أنس بالله كأنس غيره بالرفقة .. لا تكره له، كما لو دعت حاجة للوحدة.
(قصر الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين) ولو صلاة صبي ومعادة، لا صبح ومغرب إجماعاً.
стр. 326
(أداءً) ولو بأن سافر وقد بقي من الوقت قدر ركعة، أي: شرع فيها، وأدرك من قدر الوقت ركعة كما في "الفتح"، واعتمده في "المغنى" وغيره.
(وقضاءً) عما فات، وقضى في سفر قصر يقيناً وإن تخلل بينهما إقامة طويلة.
(لا فائتة الحضر، و) لا (المشكوك) في (أنها فائتة حضر أو سفر) ولا فائتة سفر لا يجوز فيه القصر؛ وإن قضاها في سفر يجوز فيه القصر؛ لأنها ثبتت في ذمته تامة.
والأصل: الإتمام في المشكوك.
وخرج بـ (الطويل): القصير، وبـ (المباح): الحرام، فلا يجوز في الحرام قصر ولا غيره مِن رخص السفر، ولا شيء من رخص الطويل في القصير.
(والسفر الطويل يومان) أو ليلتان (معتدلان) أو يوم وليلة وإن لم يعتدلا، أي: أربعة وعشرون ساعة ذهاباً فقط تحديداً ولو ظناً (يسير الأثقال) أي: الحيوانات المثقلة بالأحمال ودبيب الأقدام مع اعتبار الحط والترحال والنزول المعتاد لنحو استراحة وصلاة وأكل وشرب على العادة.
قال الشرقاوي: قدر ذلك (ع ش) باثنين وعشرين ساعة ونصف -وفيه نظر- وهو أربعة أبرد، وبالفراسخ ستة عشر فرسخاً، وبالأميال الهاشمية -أي: العباسية- ثمانية وأربعون ميلاً.
والميل: ستة آلاف ذراع؛ وذلك: لما صح أن ابني عمر وعباس ﵃ كانا يقصران ويفطران في أربعة أبرد، ولا يعرف لهما مخالف، ومثله لا يكون إلا عن توقيف، بل جاء ذلك في حديث مرفوع صححه ابن خزيمة عن ابن عباس ﵄.
ومسافة البحر كالبر، فلو قطعها في أحدهما في لحظة .. ترخص أي: وصل فيها مقصداً لا ينتهي سفره بوصوله، لكن لو نوى إقامة نحو يومين فيه وحينئذٍ فيترخص فيه.
ولو شك في طول سفره .. اجتهد، وأخذ باجتهاده؛ لأن القصر وإن كان رخصة لا يصار إليها إلا بيقين، فالظن الناشئ عن اجتهاد أقامه الفقهاء مقام اليقين.
فائدة: الرخص المتعلقة بالسفر الطويل: القصر والجمع والفطر في رمضان ومسح الخف ثلاثاً.
стр. 327
والمتعلقة بالسفر الطويل والقصير: أكل الميتة -وليس مختصاً بالسفر- والنفل على الراحلة وماشياً والتيمم وإسقاط الفرض به -ولا يختص ذلك بالسفر أيضاً- واستصحاب الوديعة معه فيه إذا لم يجد مالكها، ولا وكيله، ولا حاكم أمين وعدم القضاء في استصحاب إحدى زوجتيه لغير من صحبها مدة السفر.
(والإتمام) للصلاة (أفضل) من القصر حيث جاز في السفر (إلا في) ما إذا قصد ما أمده (ثلاث مراحل) وإن لم يبلغها؛ خروجاً من خلاف بعض أقوال الحنفية: إنها لا تقصر إلا في ذلك، بل حقق الكردي: أن المعتمد عندهم: أن الثلاث بقدر يومين عندنا، وحينئذٍ فالقصر في اليومين أفضل؛ رعاية لما اعتمده من أن الصلاة، غير المغرب فرضت ركعتين، فزيدت صلاة الحضر، وبقيت صلاة السفر كذلك.
(و) إلا (لمن وجد في نفسه كراهة القصر) لا رغبة عن السنة؛ لأنه كفر، بل لإيثاره الأصل، وهو الإتمام، فالأَوْلى له القصر، وكذا من شك في جوازه؛ لظن تخيله بشبهة، كتقيده بالخوف في الآية، فيؤمر به؛ قهراً لنفسه، أو كان ممن يقتدى به بحضرة الناس، فتعاطي الرخصة له أفضل؛ لئلا يشق على غيره.
ولملاّح معه أهله الإتمام أفضل له؛ للخلاف في جوازه له، وقد يجب، كأن يضيق الوقت عن الإتمام.
* * *
(فصل) فيما يتحقق، وينتهي به السفر، وبعض شروط القصر .
(وأول السفر) الطويل هنا، والقصير في نحو التنفل في السفر (الخروج من السور) وكتفيه الخارجين عن محاذاة بابه (في) البلد (المسوره) المختص بها ولو في جهة مقصده فقط وإن تعدد أو تهدم وبقيت تسميته سوراً، أو كان ظهره ملصقاً به، أو كان وراءه عمارة؛ إذ ما في باطنه ولو نحو مزارع محسوب من موضع الإقامة، وما كان خارجه لا يعد من البلد، والخندق كالسور، لكن لا عبرة به مع وجود السور، وكذا تحويط أهل القرى عليها بنحو التراب.
(و) أوله فيما لا نحو سور له في جهة مقصده مختص به الخروج (من العمران)
стр. 328
وإن تخلله نحو خراب وميدان وإن كبر، ولا تشترط مجاوزة الخراب والمزارع التي وراء البلد وإن اتصلت به.
لكن قيد (حج)، و (م ر) الخراب بما اتخذوه مزارع، أو حوّطوا عليه، وإلا .. فلا بد من مجاوزته، والقريتان إن اتصلتا عرفاً .. كقرية، وإلاَّ .. فكلٍّ حكمُه، وكل من الاتصال أو الانفصال الطارئ كالأصلي.
والمعتبر في سفر البر الخروج من العمران بحيث لا يسير بينه وإن سافر في طول البلد أو عرضه.
ومثله: سفر البحر المنفصل ساحله عن العمران، وفي سفر البحر المتصل ساحله بالعمران عرفاً الخروج منها (مع ركوب السفينة) وجريها، أو جري الزورق إليها آخر مرة، فإذا جرى كذلك .. جاز القصر لمن به ولمن بالسفينة ولو قبل وصوله إليها.
وإنما يعتبر جري السفينة أو الزورق (فيما لا سور له) كما في "التحفة"، و"الشرح"، واستوجهه الخطيب.
قال الكردي: وفي "شرح الإرشاد"، وكلام (م ر): اضطراب في النفل بينته في "الأصل".
على أنه لا فرق في ذلك بين السور والعمران، فلا بد من ركوب السفينة أو جري الزورق إليها في السواحل التي لا تصل السفينة إليها؛ لقلة عمق البحر فيها؛ فيذهب للسفينة بالزورق، فإذا جرى إليها أي: آخر مرة .. كان ذلك أول سفره.
قال (زي): (ومحل ما تقدم: ما لم تجر السفينة محاذية للبلد، وإلا كأن سافر من بولاق إلى الصعيد .. فلا بد من مفارقة العمران) اهـ
(و) أوله لساكن الخيام: (مجاوزة الحلة) -بكسر الحاء- وهي بيوت مجتمعة أو متفرقة، بحيث يجتمع أهلها للسمر في نادٍ واحد، ويستعير بعضهم من بعض.
ويشترط: مجاوزة مرافقها المختصة بها، كمطرح رماد وملعب صبيان وناد ومعاطن إبل وماء وحطب، وقد يشمل اسم الحلة لجميع ذلك؛ إذ كلها وإن اتسعت، معدودة من مواضع إقامتهم، هذا إن كانت بمستو.
فإن كانت بواد وسافر في عرضه، أوبربوة .. اشترط مجاوزة العرض، ومحل الصعود والهبوط إن اعتدلت هذه الثلاثة.
стр. 329
فإن أفرطت سعتها، أو كانت البيوت ببعض عرضه .. اكتفي بمحاوزة الحلة ومرافقها.
(وينتهي سفره) المجوز لترخصه (بوصوله) ما مر مما يشترط مجاوزته في ابتداء السفر وإن لم يدخله؛ لأن السفر على خلاف الأصل، فانقطع بمجرد وصوله، بخلاف الإقامة فأصل، فاشترط في قطعها الخروج، لا مجرد رجوعه.
وذلك بأن يصل (سور وطنه) فيما له سور (أو عمرانه إن كان) وطنه (غير مسور) وإن لم ينو الإقامة به.
(وبنية الرجوع) وبالتردد فيه من مستقل ماكث ولو بمحل لا يصلح لإقامة، كمفازة قبل وصوله مسافة قصر (إلى وطنه) سواء أقصد مع السفر ترك السفر، أو أخذ شيء منه، فلا يترخص في إقامته ولا رجوعه إلى أن يفارق وطنه؛ تغليباً للوطن، فإن سافر .. فسفر جديد.
وخرج بـ (وطنه): غيره، فيترخص، وإن دخله وكان له أهل فيه، و (بنية الرجوع): رجوعه إليه ضالاً عن الطريق، وبـ (المستقل) نحو عبد وزوجة، فلا أثر لنيتهم، وبـ (الماكث): السائر لجهة مقصده، فلا أثر لنيته؛ إذ فعله يخالف نيته، فألغيت ما دام فعله موجوداً، وبـ (قبل وصوله مسافة القصر): ما لو رجع، أو نوى الرجوع من بعيد لحاجة، ما لم يصل وطنه.
(و) ينتهي أيضاً (بوصول موضع نوى) المستقل (الإقامة فيه مطلقا) أي: من غير تقييد بزمن وإن لم يصلح للإقامة.
(أو) نوى أن يقيم فيه (أربعة أيام) بلياليها (صحيحه) أي: غير يومي الدخول والخروج؛ لأن في الأول الحط، وفي الثاني الرحيل، وهما من أشغال السفر.
(أو) أن يقيم فيه (لحاجة لا تنقضي إلا بالمدة المذكورة)؛ لأنه ﷺ رخص للمهاجرين في إقامة ثلاثة أيام بمكة مع حرمة المقام بها عليهم، والترخص فيها يدل على بقاء حكم السفر فيها، وفي معناها ما فوقها ودون الأربعة، وألحق بإقامتها نية إقامتها.
стр. 330
وشمل قوله: (بوصوله): ما لو خرج قاصداً مرحلتين ثم عنَّ له أن يقيم بمحل قريب منه، فيترخص ما لم يصله؛ لانعقاد سبب الرخصة في حقه، فلم تنقطع إلا بوصوله ما غيَّر النية إليه.
(وإن كان) المستقل نوى الإقامة بمحل لحاجة، كريح وقافلة ورفقة يريد السفر معهم إن خرجوا، وإلاَّ فوحده.
فإن نوى أن يسافر إلا إن سافروا .. لم يترخص؛ لعدم جزمه بالسفر، وذلك بأن (يتوقع قضاءها) أي: الحاجة (كل وقت) أي: قبل مضي أربعة أيام صحاح (ترخص) بقصر وغيره، ولو غير مقاتل (إلى ثمانية عشر يوماً) بلياليهن غير يومي الدخول والخروج؛ (لأنه ﷺ أقامها بعد فتح مكة؛ لحرب هوزان، يقصر الصلاة) حسنه الترمذي، وإن ضعفه الجمهور؛ لأن له شواهد تجبره، وصح رواية: عشرين، فحمل على أنه عدَّ يومي الدخول والخروج منها.
واعلم أن للقصر ثمانية شروط:
الأول: السفر الطويل، كما مر.
وشرطه: أن يكون لغرض صحيح، ولم يعدل عن طريق قصير إلى طويل؛ لغرض القصر وحده، بل لنحو أمن أو سهولة، أو تنزه ولو مع القصر، فالتنزه لا يصح كونه غرضاً حاملاً على السفر، ويصح كونه غرضاً حاملاً على العدول من قصير إلى طويل، فإن سافر لغير غرض صحيح، كأن كان لمجرد رؤية البلدان والتنقل فيها .. لم يقصر، ولو كان لمقصده طريقان: طويل وقصير .. فالعبرة بما سلكه منهما.
الثاني: كونه مباحاً، كما مر، فلا يترخص العاصي بسفره، كآبق وناشزة ومدين بغير رضا دائنه إن حل وقدر على وفائه وإن قل وقصر السفر وجرت العادة بالمسامحة في مثله، وغير الدين من الحقوق كالدين .. فلا بد من نحو وفائه، أو أذن من له الحق أو ظن رضاه، والمراد بالمعصية ولو صورة، كسفر صبي بغير أذن أصله، وإن قصد مع المعصية غيرها كسفر بغير إذن دائن للحج، ولو نوى به مباحاً ثم في أثنائه نوى به معصية .. امتنع ترخصه من حينئذٍ، أو عكسه .. ترخص إن بقي من سفره مرحلتان.
وخرج بـ (العاصي بسفره): العاصي في سفره كأن سافر سفراً مباحاً، ثم في أثنائه سرق مثلاً فيترخص، ومن العاصي بسفره من يتعب نفسه أو دابته بالركض من غير غرض يبيح ذلك.
стр. 331
الثالث: أن يقصد محلاً معلوماً أولاً، بأن يعلم أن مسافته مرحلتان فأكثر، سواء كان معيناً كمكة، أو غير معين كالحجاز.
(و) بما تقرر علم أنه (لا يقصر هائم) وهو من لايدري أين يذهب، سلك طريقاً أم لا، ومن لم يسلكه يسمى راكب التعاسيف، أي: الطرق المائلة، ولا يترخص بشيء من رخص السفر وإن طال تردده؛ لأنه عبث لا يليق به الترخيص.
وبعض أفراده حرام، كمن يتعب نفسه أو دابته بالسفر بلا غرض. فما أوهمه كلام بعضهم: أنه عاص بسفره مطلقاً .. يرده قولهم: لو قصد مرحلتين .. قصر فيهما، وكذا فيما بعدهما عند (م ر)، لكن نظر بعضهم في كونه في المرحلتين هائماً، وأمَّا بعدهما .. فإنما جاز ترخصه عند (م ر) تبعاً.
(و) لا (طالب غريم، أوآبق لا يعرف موضعه) وقد عقد سفره بنية أنه متى وجده .. رجع؛ لأنه لم يعزم على سفر طويل، ومن ثم لو علم أنه لا يجده إلا بعد مرحلتين .. قصر فيهما كما لو قصدهما الهائم، وكذا فيما بعدهما عند (م ر)، والمرحلتان مثال.
فلو علم أنه لا ينقضي قبل عشر مراحل .. قصر فيها.
وقد شمل ذلك قولنا السابق بأن يعلم أن مسافته مرحلتان فأكثر.
كما شمل قولنا: (أولاً) مَنْ قصد في ابتداء سفره مرحلتين، ثم عنَّ له بعد مفارقته العمران أنه يهيم أو يرجع إذا وجد غرضه، أو يقيم قبلها، فيترخص إلى أن يقيم؛ لانعقاد سبب الرخصة في حقه، كما مر.
نعم؛ إن كان من طرأ له أنه يهيم عاصياً بذلك .. امتنع عليه الترخيص.
أمَّا من نوى ابتداء دون مرحلتين، ثم نوى في سفره الزيادة .. فلا يترخص، ما لم يكن من محل نيته الزيادة إلى مقصده مرحلتان.
(ولا) تقصر (زوجة وعبد لا يعرفان المقصد) للزوج والسيد؛ لفقد شرط القصر، وهو تحقق السفر الطويل (إلا بعد مرحلتين) فيقصران؛ لتحققه، وكذا قبلهما أن علما أن سفر متبوعهما يبلغهما ولو برؤيتهما له يقصر الصلاة، بخلاف إعداده عدة كثيرة لا تكون إلا لسفر طويل عادة، خلافاً للأذرعي.
стр. 332
لكن استوجه (سم) كلامه حيث ظن بهذه القرينة طول سفره.
ومثلهما، فيما مر الجندي، وأجيرُ عينٍ، وأسير.
ولو نووا مسافة القصر دون متبوعهم، أو مع الجهل بحاله .. قصر الجندي فقط؛ لأنه ليس تحت يد الأمير وقهره إن كان متطوعاً، ولم يختل به النظام، بخلاف من يختل يه، كأكثر الجيش، وشجاع.
* * *
(فصل) في بقية (شروط القصر) وهي خمسة:
الأول: (العلم بجوازه) فلو قصر أو جمع جاهلاً بجواز ذلك .. لم يصح؛ لتلاعبه.
(و) الثاني: (أن لا يقتدي) في جزء من صلاته (بمتم) حال قدوته به وإن ظنه مسافراً، أو تبين كونه محدثاً، أو ذا نجاسة بعد تبين إتمامه، ولو كان اقتداؤه به لحظة ودون تكبيرة الإحرام، وإن أحدث عقب اقتدائه به ولم يجلس معه، كأن أدركه في آخر صلاته، ولو من نحو صبح أو جمعه أو سنة؛ لأنها تامة.
(ولا بمشكوك السفر) وإن بان مسافراً؛ لأنه حينئذٍ لم يجزم بنية القصر، والجزم بها شرط، فإذا اقتدى في جزء من صلاته بأحدهما أو بمن لم يعلم من حاله شيئاً .. لزمه الإتمام؛ لتقصيره بشروعه متردداً فيما يسهل كشفه في الأخيرين؛ لظهور شعار المقيم والمسافر غالباً، والأصل الإتمام، ولأن ذلك هو السنة في الأولى؛ لما صح عن ابن عباس أنه سئل: ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد، وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: (تلك السنة).
وخرج (بمتم حال القدوة): ما لو لزمه الإتمام بعد مفارقة المأموم له.
و (بتبين حدثه بعد تبين إتمامه): ما لو تبين من ظنه مسافراً .. محدثاً، ثم متماً، أو بانا معاً، فلا يلزمه الإتمام.
وإذا علمه متماً ونوى القصر خلفه وهو مسافر .. انعقدت تامة؛ لأنه من أهل القصر في الجملة، بخلاف المقيم فلا تنعقد له؛ لأنه ليس من أهله.
قال (ب ج): والذي أفاده شيخنا الحفني: أنها لا تنعقد فيهما؛ لأنه متلاعب.
ولو استخلف قاصر لنحو خبث متماً من المقتدين به أو غيرهم .. أتم المقتدون وإن لم
стр. 333
ينووا الاقتداء به حيث لا تجب نيته، كأن كان مقتدياً به، وموافقاً لنظم صلاته، واستخلف عن قرب؛ لأنهم مقتدون به حكماً، بدليل لحوقهم سهوه.
ولو لزمه الإتمام، ففسدت صلاته وإن لم تسقط القضاء، كصلاة فاقد الطهورين ونحوه عند (حج) .. وجب في الإعادة والقضاء إتمامها، بخلاف ما لو تبين عدم انعقادها.
والضابط: أن كل ما عرض فساده بعد موجب الإتمام يجب إتمامه، وما لا، فلا.
ولو ظنه مسافراً وشك في نيته القصر ونواه .. قصر إن قصر وإن علق نيته، كأن قال: إن قصر قصرت؛ لأن الظاهر من حال المسافر القصر، ولا يضر التعليق؛ لأنه محل ضرورة حيث لم يكن تصريحاً بمقتضى الحال، وإلا .. لم يضر، كما هنا.
(و) الثالث: (أن ينوي القصر) وما في معناه، كصلاة السفر أو الظهر ركعتين؛ لأنه خلاف الأصل، فاحتيج لصارف عنه، بخلاف الإتمام، ولا بد من كون نيته (في الإحرام) بأن يقرنها به يقيناً.
الرابع: التحرز عما ينافي نية القصر، بأن لا يأتي بما ينافيها إلى السلام، فإن عرض مناف لها، كأن تردد، هل يقطعها؟ أو شك، هل نوى القصر أم لا؟ أتم وإن تذكر حالاً؛ لأنه الأصل، وبه فارق الشك في أصل النية إذا تذكر حالاً.
نعم؛ لأنه يضر تعليقها بنية إمامه، كما مر قريباً.
ولو قام إمامه لثالثة، فشك، أهو متم أو ساه؟ .. أتم وإن بان أنه ساه.
نعم؛ لو أوجب إمامه القصر -كحنفي- بعد ثلاث مراحل .. لم يلزمه الإتمام؛ حملاً لقيامه على السهو، بل ينتظره أو يفارقه، ويسجد فيهما للسهو؛ لتوجهه عليه بقيام إمامه.
ولو قام القاصر لثالثة عامداً عالماً بلا موجب للإتمام، كنيته .. بطلت صلاته، أو ناسياً أوجاهلاً .. فلا، وليعد عند تذكره أو علمه، فإن أراد أن يتم .. عاد ثم قام بنية الإتمام؛ لأن قيامه الأول لغو، ويسجد للسهو.
(و) الخامس: (أن يدوم سفره من أول صلاته إلى آخرها) فإن انتهت به سفينته إلى ما يقطع ترخصه، أو شك هل بلغتها؟ أو نوى الإقامة المنافية للترخيص، أو شك في نيتها .. أتم؛ لزوال تحقق الرخصة.
* * *
стр. 334
(فصل) في الجمع بين الصلاتين بالسفر والمطر .
(ويجوز) في السفر المجوز للقصر (الجمع بين العصرين) أي: الظهر والعصر، وغلبت؛ لشرفها، لأنها الوسطى.
(و) بين (العشاءين) أي: المغرب والعشاء، وغلبت؛ لأنها أفضل، والنهي عن تسمية المغرب عشاء حيث لا تغليب، وعبر بعضهم بالمغربين كأنه أراد به دفع تسمية المغرب عشاء وهو مكروه.
و (الجواز) يصدق: بـ (خلاف الأولى) كما يأتي، وبـ (المندوب) كأن كان عالماً يقتدى به، وبـ (الواجب)، كأن نوى تأخير الظهر مع العصر وبقي من وقت العصر أربع ركعات، فيجب عليه الجمع تأخيراً مع القصر؛ ليدركهما أداء.
ومنعه المزني كأبي حنيفة مطلقاً إلا في النسك بعرفة ومزدلفة، وجوزا القصر ولو للعاصي بسفره؛ لأنه الأصل عندهما في صلاة السفر، فليس برخصة، بل عزيمة، وفيه فسحة عظيمة؛ إذ يندر غاية الندور مسافر غير عاص بسفره؛ إذ يمتنع سفر من عليه حقٌ حالٌ وإن قل ولو ميلاً إلا برضا دائنه، أو ظن رضاه.
وأما الجمع .. فيمتنع عندهما مطلقاً، وعندنا يمتنع على العاصي للمعصية، وهو مذهب مالك وأحمد كما في "الميزان"، فصار الجمع للعاصي ممتنع اتفاقاً بين الأئمة الأربعة، فلينتبه لذلك.
(تقديماً) في وقت الأولى، قال (ب ج): (فلا بد من فعلهما جميعهما في الوقت، لكن نقل (سم) عن الروياني: أنه يجوز الجمع إن بقي من وقت المغرب -مثلاً- ما يسع المغرب، ودون ركعة من العشاء؛ لأن وقت المغرب يمتد إلى الفجر عند العذر، فكما اكتفي بعقد الثانية في السفر ينبغي أن يكتفي بذلك في الوقت) اهـ
والجمعة كالظهر.
(وتأخيراً) في وقت الثانية ولو لمتحيرة، وفاقد طهورين، بخلاف جمع التقديم، فلا يصح من متحيرة؛ لأن شرطه ظن صحة الأولى، وهو منتف فيها، وألحق بها من لم تسقط صلاته القضاء كفاقد الطهورين، كما في "شرحي الإرشاد" و"الشرح"، لكن نظر فيه في "التحفة"، وقال في"النهاية": فيه وقفة، وإذا جمعهما كان كل منهما
стр. 335
أداء؛ لأن وقتيهما صارا بالجمع كالوقت الواحد، وذلك لثبوت جمع التأخير في الصحيحين عن أنس، وابن عمر، وجمع التقديم: في البيهقي، وصححه ابن حبان، وحسنه الترمذي.
فيمتنع جمع العصر مع المغرب، وجمع العشاء مع الصبح، وهي مع الظهر؛ اقتصاراً على الوارد.
وكذا صلاتان نذرهما في وقتين من يوم واحد.
وكون النذر يسلك به مسلك واجب الشرع إنما هو في العزائم لا في الرخص على أنه ليس كل واجب يجمع.
(وتركه) أي: الجمع (أفضل)؛ لما فيه من إخلاء أحد الوقتين عن الصلاة، وخروجاً من خلاف من منعه وإن خالف السنة الصحيحة؛ إذ تأويلهم لها له نوع تمسك في جمع التأخير، وطعنهم في صحتها في جمع التقديم محتمل مع اعتضادهم بالأصل فروعي، لكن قال الكردي: في التأخير أحاديث لا تقبل التأويل، ومرَّ أن الجمع بعرفة ومزدلفة متفق عليه، لكن الحنفية يجعلونه للنسك، ونحن نجعله للسفر.
والأفضل لمن كان سائراً في أحد الوقتين، نازلاً في الآخر الجمع في وقت النزول.
وإن كان نازلاً أو سائراً فيهما .. فالتقديم عند (حج) أفضل؛ مسارعة لبراءة الذمة، والتأخير عند (م ر) أفضل؛ لأن وقت الثانية وقت للأولى في العذر وغيره، والأولى وقت للثانية في العذر فقط.
فإن اقترن أحد الجمعين بكمال دون الآخر .. فهو أولى اتفاقاً (إلا لمن وجد في نفسه كراهة الجمع، أو شك في) دليل (جوازه) أو كان ممن يقتدى به .. فيسن له الجمع نظير ما مر في القصر (أو) كان (يصلي منفرداً لو ترك الجمع) وفي جماعة لو جمع، وكذا كل كمال اقترن بالجمع وخلا عنه تَركُه .. فالجمع أفضل، وكذا بعرفة وبمزدلفة وإن لم يقترن به كمال، كما يأتي.
(وشروط) جمع (التقديم أربع) ويزاد خامس: وهو بقاء وقت الأولى، فإن خرج أثناء الثانية، أو شك في خروجه .. بطلت؛ لبطلان الجمع.
قال (ب ج) والمدابغي وغيرهما وهو الصحيح، خلافاً لما نقله (سم) عن الروياني
стр. 336
كما مر، لكن قال الكردي: ولم يرتضه الشارح، أي: (حج).
وسادس: وهو ظن صحة الأولى؛ لتخرج صلاة المتحيرة، كما مر.
وسابع: وهو العلم بجوازه، كما في القصر.
الأول من الشروط الأربعة: (البداءة بالأولى)؛ إذ الوقت لها، والثانية تبع لها، والتابع لا يتقدم على المتبوع، فإن قدم الثانية .. بطلت إن علم وتعمد، وإلا .. وقعت نفلاً مطلقاً إن لم يكن عليه فائتة من نوعها، وإلا .. وقعت عنها -على ما مر في ركن النية من صفة الصلاة- وكذا لو بان فساد الأولى .. وقعت له الثانية نفلاً مطلقاً، أو عن فرض فائت عليه من نوعها.
(و) الثاني: (نية الجمع)؛ تمييزاً للتقديم المشروع عن غيره، وتكفي النية (فيها) أي: الأولى (ولو مع السلام) منها، أو بعد نية فعله ثم تركه؛ لوجود محل النية، وهو الأولى.
ولو نوى تركه بعد تحلله، ولو أثناء الثانية ثم أراده ولو فوراً .. لم يجز عند (حج)؛ لفوات محل النية.
وفارق القصر بأنه يلزم من تأخر نيته عن الإحرام تأدي جزء منها على التمتم، والأفضل قرن نيته بتحرم الأولى؛ خروجاً من الخلاف.
(و) الثالث: (الموالاة بينهما) في الفعل؛ للاتباع في الجمع بنمرة، وقياساً في غيره، ولأن الجمع يجعلهما كصلاة واحدة، فوجبت الموالاة كركعات الصلاة الواحدة، ولا يضر فصل بأقل من ركعتين خفيفتين ولو مع تردد في نية الجمع إن تذكرها، بخلاف الطويل ولو سهواً، أو في شغل الطهارة، ولذا تركت الرواتب بينهما، بل يصلي قبلية الظهر مثلاً، ثم الفرضين، ثم بعدية الأولى، ثم قبلية الثانية، ثم بعديتها.
ولو جمعها ثم علم بعد فراغهما أو في أثناء الثانية -وقد طال الفصل بين سلام الأولى والتذكر فيهما- ترك ركن من الأولى .. بطلت الأولى بترك الركن، وتعذر التدارك، وبطلت الثانية؛ لعدم صحة الأولى، وتقع له نفلاً مطلقاً على ما مر وله جمعهما تقديماً وتأخيراً؛ لأنه لم يصل.
أمَّا إذا لم يطل فصل .. فيلغو ما أتى به من الثانية ويبني، أو علم ترك ركن من الثانية .. فيتداركه إن لم يطل فصل، وإلا .. فيعيدها في وقتها، أو جهل الترك، هل هو
стр. 337
من الأولى أو الثانية؟ فيعيدهما لوقتهما ولا جمع، فيجعل الترك من الأولى؛ لتلزمه إعادتها، ومن الثانية؛ ليمنعه من جمع التقديم لطول الفصل بها، وله جمعهما تأخيراً.
(و) الرابع: (دوام السفر إلى) تمام (الإحرام بالثانية) فلو أقام قبله .. فلا جمع، وتعين إيقاع الثانية لوقتها، أمَّا عقد الأولى .. فلا يشترط السفر عنده، حتى لو أحرم بالأولى في الإقامة ثم سافر، فنوى .. كفى.
ولا يشترط في جمع التأخير شيء من الشروط الثلاثة الأولى؛ لأنها إنما اشترطت؛ لتتحقق التبعية، لعدم صلاحية الوقت للثانية، والوقت هنا للثانية، فلم يحتج لشيء منها.
نعم؛ هي سنة فيه.
(و) إنما (يشترط في) جمع (التأخير) شيئان: أحدهما: (نيته) -أي: التأخير- أي: نية إيقاع الأولى في وقت الثانية، فإن نوى التأخير بلا نية إيقاع .. عصى وصارت قضاء.
ولا بد من كون نية التأخير (قبل خروج وقت الأولى ولو بقدر ركعة)؛ ليتميز عن التأخير المحرم، وهذا بناء على أنه يكفي قدر ركعة لوقوع الأولى في وقت الثانية أداءً، وإن عصى بتأخير النية إلى ذلك، واعتمده (حج).
واعتمد (م ر) أنها لا تقع أداءً إلا إذا بقي من وقتها ما يسع جميعها.
ولو ترك هذه النية عامداً عالماً .. أثم، وصارت الأولى في وقت الثانية قضاء، أو جهلاً أو سهواً .. فقضاء بلا إثم.
(و) الثاني: (دوام السفر إلى تمامها) أي: الثانية (وإلا) يدم إلى تمامها بأن أقام ولو في أثنائها ( .. صارت الأولى) وهي الظهر أو المغرب (قضاء)؛ لأنها تابعة للثانية في الأداء للعذر وقد زال قبل تمامها.
وقضيته: أنه لو قدم الثانية وأقام في أثناء الأولى .. لا تكون قضاء؛ لوجود العذر في جميع المتبوعة، واعتمده الإسنوي كالسبكي، وهو قياس جمع التقديم، لكن فرق بين الاكتفاء في جمع التقديم بدوام السفر إلى عقد الثانية واشتراط دوامه -هنا- بأن وقت الظهر ليس وقتاً للعصر إلا في السفر، وقد وجد عقد الثانية، فيحصل الجمع ووقت
стр. 338
العصر يجوز فيه الظهر بعذر السفر وغيره، فلا ينصرف فيه الظهر الى السفر إلا إذا وجد فيهما، وإلا .. جاز أن ينصرف إليه؛ لوقوع بعضها فيه، وأن ينصرف لغيره؛ لوقوع بعضها في غيره الذي هو الأصل، واعتمد ذلك (م ر)، وتردد فيه (حج).
(ويجوز الجمع بالمطر) وكذا الثلج والبرد إن ذابا، وبلاَّ الثوب أو كبر قطعهما (تقديماً) لا تأخيراً؛ إذ استدامه المطر ليست إلى المصلي بخلاف السفر.
ويجوز جمع العصر إلى الجمعة بعذر المطر كالسفر؛ ذلك لما صح: أنه ﷺ جمع بالمدينة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر.
قال الشافعي كمالك ﵄: أرى ذلك بعذر المطر، ويؤيده جمع ابن عباس، وابن عمر ﵃ به.
وإنما يباح الجمع به في العصرين والعشاءين (لمن) وجدت فيه الشروط السابقة في جمع التقديم.
نعم؛ الشرط هنا: وجود المطر عند الإحرام بالأولى، والتحلل منها، ودوامه إلى الإحرام بالثانية، ولا يضر انقطاعه فيما عدا ذلك.
و (صلى) أي: أراد أن يصلي (جماعة في مكان) مسجد أو غيره، وكانت تلك الجماعة تأتي ذلك المكان من محل (بعيد) عنه (وتأذى) كل منهم تأذياً لا يحتمل عادة (بالمطر) أو نحوه (في طريقه) إليه.
بخلاف ما لو صلى منفرداً أو جماعة في بيته، أو في غيره وهو قريب بحيث لا يتأذى به، أو وجد كناً يسير إليه فيه .. فلا يرجع.
ولا يجوز بغير سفر ومطر، كمرض ووحل وريح وظلمة وخوف على المشهور.
واختار النووي وغيره الجمع بالمرض تقديماً وتأخيراً، وهو مذهب أحمد، واختاره جمع من أئمتنا.
وضبط المرض بما يشق معه فعل كل فرض في وقته، كمشقة بلل المشي في المطر، بحيث تبل ثيابه.
وقال آخرون: لا بد من مشقة ظاهرة زائدة على ذلك بحيث تبيح الجلوس في الفرض.
стр. 339
قال في "التحفة": (وهو الأوجه على أنهما متقاربان، ثم قال: ويراعي الأرفق به، فإن كان يزداد مرضه كأن يحم مثلاً وقت الثانية .. قدمها بشروط جمع التقديم، أو في وقت الأولى .. أخرها بنية الجمع، وبما أفهمه ما قررته -أن المرض موجود، وإنما التفصيل بين زيادته وعدمها عادةً- يندفع ما قيل في كلامهم هذا؛ جواز تعاطي الرخصة قبل سبب وجودها اكتفاء بالعادة.
وقضيته: حل الفطر قبل مجيء الحمى؛ بناءً على العادة.
وعلله الحنفية بأنه لو صبر لمجيئها .. لم يستمرئ بالطعام؛ لاشتغال البدن.
ونظيره الفطر قبل لقاء العدو إذا أضعفه الصوم عن القتال) اهـ
وفي .. الأصل .. بسط في هذا المقام.
* * *
стр. 340
باب صلاة الجمعة
من حيث ما تميزت به من اشتراط أمور لصحتها، وأخرى للزومها، وكيفية لأدائها، وتوابع لذلك.
وهي بإسكان الميم وتثليثها، والضم أفصح، وبالسكون فقط: اسم للأسبوع.
وسميت بذلك؛ لاجتماع الناس لها، أو لاجتماع آدم بحواء فيه، أو لأن الله جمع خلق آدم فيه، ويسمى في الجاهلية: يوم العروبة.
وهي فرض عين.
وروي أن يومها سيد الأيام وأعظمها.
وصحح ابن حبان خبر: "لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة".
وفي خبر مسلم: "إنه خير يوم طلعت عليه الشمس".
وفي الخبر: "يعتق الله فيه ست مئة ألف عتيق من النار، من مات فيه .. كتب له أجر شهيد، ووقي فتنة القبر".
وهي من خواص هذه الأمة، وأفضل أيام الأسبوع، بل عند أحمد إنه أفضل من يوم عرفة، وفضَّل كثير من أصحابه ليلته على ليلة القدر.
والجديد: أن صلاتها مستقلة لا ظهر مقصورة؛ لأنه لا يغني عنها، ولقول عمر: (إنها تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ .
وهي: ركعتان، وهي كغيرها في الأركان والشروط والآداب.
ولكن إنما (تجب الجمعة على كل مكلف) أي: بالغ عاقل، وكذا متعد بمزيل عقله، وإن لم يكن مكلفاً .. فتلزمه كغيرها لزوم انعقاد سبب؛ إذ لا تصح منه فيقضيها عند إفاقته فوراً (حرٍّ، ذكرٍ، مقيم) بمحل الجمعة، أو بمحل يسمع النداء منه (بلا مرض، ونحوه مما تقدم) في أعذار الجمعة والجماعة.
فدخل في (مكلف حر ... إلخ) الأخير؛ إذ المعتمد أن المعتمد أن الإجارة غير عذر في
стр. 341
الجمعة، بخلاف جماعة غيرها إن طال زمنها على زمن الانفراد، ويفرق بأن الجماعة صفة تابعة وتتكرر، فاشترط لاغتفارها أن لا يطول زمنها على زمن الانفراد وإلا .. اكتفي لتفريغ الذمة بالصلاة فرادى، بخلاف الجمعة فلم تسقط وإن طال زمنها على زمن الانفراد، والكلام في الصحيحة.
أمَّا الفاسدة .. فتجب فيها الجماعة ما لم يضع يده على ما يتلف أو يفسد عمله فيه بحضوره الجمعة أو الجماعة، وإلا .. فلا تجب وإن أثم؛ وذلك للخبر الصحيح: "الجمعة حق واجب على كلّ مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض".
فلا جمعة على غير مكلف ومن أُلحق به كصبي ومجنون ومغمىً عليه، ولا على من فيه رق وإن قل، ولا على غير ذكر من امرأة أو خنثى، ولا على مسافر ولو سفراً قصيراً، ولا على من له عذر من أعذار الجمعة السابقة مما يمكن إتيانه هنا، كمرض يشق معه الحضور كمشقة المشي في المطر أو الوحل.
نعم؛ تسن لمريض أطاقها، ولعجوز مبتذلة، ولسيد قن أن يأذن له في حضورها، ويجب أمر الصبي بها كغيرها من مأمورات الشرع.
ومن العذر: إبرار قسم من حلف عليه أنه لا يخرج من بيته مثلاً خوفاً عليه، ومن حلف أنه لا يصلي خلف زيد فولي إمامة الجمعة، وقيل: يصلي خلفه ولا يحنث؛ لأنه مكره شرعاً، ولو اجتمع في الحبس أربعون .. لزمهم إقامتها فيه عند (م ر).
(وتجب) الجمعة على أعمى وجد قائداً ولو بأجرة فاضلة عما يعتبر في الفطرة، وإلا .. فلا وإن أحسن المشي بالعصا أو قرب منزله، ولم يخش ضرراً عند (حج)، وعلى زمن وجد مركباً لا يشق عليه ركوبه، و (على المريض، ونحوه) ممن عذر بمرخص في ترك الجماعة (إن حضر) محل إقامتها، أو قريباً منه مما لا يبقى معه مشقة في الحضور (وقت إقامتها) ولا يجوز له الانصراف إن لم يصل الظهر قبل حضوره؛ لزوال المشقة بحضوره، لكن لو انصرف .. لا يجب عليه العود.
نعم؛ إن كان هناك مشقة في عدم انصرافه لا تحتمل عادة، كمن به إسهال ظن انقطاعه، فحضر ثم عاد .. فله الانصراف وإن أحرم بها، حيث علم أنه إن استمر فيها .. جرى جوفه، بل يجب، وكذا إن زاد ضرره بتطويل الإمام.
стр. 342
(أو حضر في الوقت) أي: بعد الزوال (ولم يشق عليه الانتظار) بأن لم يزد ضرره بالانتظار، فلا يجوز له الانصراف؛ لأن المانع: مشقة الحضور وقد حضر، أمَّا إذا حضر قبل الوقت .. فله الانصراف وإن لم يتضرر بالانتظار، ولمن لا تلزمه الانصراف مطلقاً ما لم يحرم بها.
(و) كما تجب على أهل محل إقامتها تجب أيضاً (على) غيرهم من (من بلغه) نداء الجمعة، بحيث يعلم أن ما سمعه نداؤها وإن لم تبن له كلماته، وبحيث يكون معتدل السمع؛ لخبر: "الجمعة على من سمع النداء"، وهو ضعيف، ولكن له شاهد جيد، وهو خبر: "من سمع النداء، فلم يأته .. فلا صلاة له إلا من عذر"، أي: تجب على مقيم بمحل بحيث يبلغه ولو بالقوة، وهو واقف بطرف محلته الذي يلي (نداء) شخص (صيت) أي: عالي الصوت عرفاً، يؤذن كعادته في علو الصوت، وهو واقف بمستو ولو تقديراً (من طرف موضع الجمعة) الذي يلي السامع (مع سكون الريح) ولو تقديراً؛ لأنها تارة تعين على السمع، وتارة تمنعه.
(والصوتِ)؛ لأنه يمنع وصول النداء.
وتجب أيضاً على مسافر من محلها إلى المحل المذكور، وعلى العاصي بسفره.
وأفهم قولنا: بمستو ولو تقديراً: أنه لو علت قرية وسمعوا النداء، ولو استوت .. لم يسمعوا، أو انخفضت .. فلم يسمعوا، ولو استوت .. لسمعوا .. وجبت في الثانية دون الأولى؛ لتقدير الاستواء.
ولمن حضر صلاة عيد يومُه يوم جمعة الانصراف بعده قبل دخول وقتها، وعدم العود إليها وإن سمعوا النداء؛ تخفيفاً عليهم، فإن لم يحضروا العيد .. لزمتهم.
وهذا في محل لا يبلغ أهله أربعين كاملين، وإلا .. فتجب عليهم ببلدهم وإن لم تكن مصراً، ويحرم ذهابهم لها لبلدة أخرى.
و (لا) تجب (على مسافر سفراً مباحاً طويلاً أو قصيراً) إن فارق محل إقامته قبل الفجر.
(ويحرم على من لزمته) وإن لم تنعقد به، كمقيم غير متوطن (السفر بعد الفجر)
стр. 343
ولو قصيراً أو طاعةً؛ لأنها منسوبة إلى اليوم وإن كان وقتها بالزوال، ولذا دخل غسلها بالفجر، ولزم بعيد الدار السعي قبل وقتها من الفجر؛ ليدركها.
(إلا مع إمكانها) بأن يغلب على ظنه إدراكها (في طريقه)، أو مقصده؛ لحصول المقصود، وحينئذٍ فلا يحرم وإن تعطلت بلده عن الجمعة بأن كان تمام الأربعين فيها؛ لأنه تعطيل لحاجة .. فلا يضر، بخلاف ما لو عطل أربعون بلدهم عن الجمعة؛ لأنه لغير حاجة، ولو تبين خلاف ظنه أنه يدركها .. فلا إثم، لكن لو أمكنه العود وإدراكها .. وجب.
(أو توحش بتخلفه عن الرفقة) وإن لم يخف ضرراً.
وفي "التحفة" كـ"النهاية": أن مجرد الوحشة ليس بعذر.
ولو احتاج للسفر؛ لإدراك عرفة أو مال .. جاز ولو بعد الزوال، بل يجب لإنقاذ حيوان.
ويكره السفر ليلة الجمعة؛ لما روي بسند واهٍ: "من سافر ليلة الجمعة .. دعا عليه ملكاه".
(وتسن الجماعة في ظهر المعذورين) الذين ببلد الجمعة؛ لعموم الأدلة الطالبة للجماعة (ويخفونها) كأذانها ندباً (إن خفي العذر)؛ لئلا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام، ولذا كره إظهارها، بخلاف من هم خارج البلد أو فيها وقد ظهر عذرهم، فيظهرونها ندباً.
ولو زال العذر أثناء الظهر قبل فوات الجمعة .. أجزأتهم.
ويسن لهم الجمعة (ومن صحت ظهره) ممن لا تلزمه الجمعة، كالصبي ( .. صحت جمعته) إجماعاً؛ لأنها أكمل في المعنى وإن كانت أقصر صورة، فإذا اجزأت الكاملين الذين لا عذر لهم .. فأصحاب الأعذار أولى.
قال (ق ل): قوله: صحت جمعته، أي: أجزأته عن ظهره؛ لأنها تسقط الظهر عن غير أهل الأعذار، فأهل الأعذار بالأولى.
والفرق بين الإجزاء والصحة أن الإجزاء يستلزم اسقاط القضاء، بخلاف الصحة.
(ومن وجبت عليه) الجمعة وإن لم تنعقد به ( .. لا يصح إحرامه بالظهر قبل سلام الإمام) من الجمعة يقيناً ولو بعد رفع رأسه من ركوع الثانية؛ للزومها له ما أمكن، كما
стр. 344
يأتي؛ إذ يمكن أن يشك الإمام في فعل ركن من الأولى، فيأتي بركعة ويدركها معه المأموم، فإن سلم إمامها قبل إحرامه بها .. لزمه فعل الظهر في وقته فوراً، ويكون حينئذٍ أداء على الأصح فيهما.
تنبيه: لو جرت عادة أربعين ببلد بعدم إقامة الجمعة .. قال (حج): لا يجوز لهم صلاة الظهر إلا بعد اليأس منها، بأن يضيق الوقت عن واجب الخطبتين والصلاة، واعتمد (م ر) جواز الظهر وإن لم يضق الوقت.
(ويندب للراجي زوال عذره) قبل فوات الجمعة، كقن يرجو العتق ومريض يرجو الشفاء، أي: يتوقعانه وإن لم يظناه (تأخير ظهره إلى اليأس من) إدراك (الجمعة) بأن يرفع الإمام رأسه من ركوع الثانية، أو يكون بمحل لا يصل منه لمحل الجمعة إلا وقد رفع الإمام رأسه منه، كما في "التحفة".
نعم؛ لو أخروا الجمعة إلى أن يبقى من الوقت قدر أربع ركعات .. لم يسن تأخير الظهر قطعاً، ولا يشكل بما لو أحرم بالظهر قبل سلام إمام الجمعة ولو احتمالاً، حيث لم يصح؛ لأن الجمعة في هذه لازمة، فلا ترتفع إلا بيقين، بخلافها في المعذورين.
أمَّا من لا يرجو زوال عذره كالمرأة والزمن .. فيسن له -حيث عزم أن لا يصلي الجمعة- تعجيل الظهر لأول وقتها؛ ليحوز فضله.
واعتمد (م ر) ندب التعجيل مطلقاً.
* * *
(فصل: للجمعة) أي: لصحتها (شروط زوائد) على شروط غيرها من بقية الصلاة.
(الأول:) أن تقع كلها مع خطبتيها في (وقت الظهر)؛ للاتباع، رواه البخاري، وعليه عمل الخلفاء الراشدين، وخبر الشيخين بـ (الانصراف منها، وليس للحيطان ظل يستظل به) لا ينافي ذلك؛ لأنه إنما يدل على شدة التعجيل، ومعه لم يحصل عند الانصراف منها ظل يستظل به، خصوصاً وبيوتهم غير مرتفعة.
وقال (حج)، و (م ر): (ولو أمر الإمام بالمبادرة بها أو عدمها .. وجب ما أمر به، قال السيد عمر البصري: يحتمل أن المراد بالمبادرة قبل الوقت، وبعدمها تأخيرها
стр. 345
إلى وقت العصر، كما قال بكلٍّ بعض الائمة، ولا بعد فيه وإن لم يقلد؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف) اهـ
وبينت في "الأصل" أن هذا من أمر الحاكم لا من حكمه، وقد قالوا: العبرة بعقيدة المأمور لا الآمر.
ومنه: لو أمر الإمام بقتل الحر بالعبد وهو يرى ذلك والجلاد لا يراه، فقتله الجلاد بذلك الأمر بلا إكراه .. لزمه القصاص وحده، وغير ذلك.
(فلا) يجوز الشروع فيها مع الشك في بقاء وقتها، ولا تصح، ولا (تقضى جمعة)؛ لأنه لم ينقل، بل إذا فات الوقت .. يصلي الظهر قضاء عنه لا عنها، وكذا لا تقضى راتبتها (فلو ضاق الوقت) عن أن يسعها مع خطبتيها بأقل مجزئ، ولو بخبر عدل أو فاسق اعتقد صدقه، أو شكوا في بقائه ( .. أحرموا بالظهر) وجوباً؛ لفوات الوقت، ولو شك في بقائه - فنوى الجمعة إن بقي الوقت، وإلا .. فالظهر- فبان بقاؤه .. صح عند (م ر)، ولا يضر هذا التعليق؛ لاستناده إلى أصل بقاء الوقت، كما لو نوى صوم غد ليلة الثلاثين من رمضان إن كان منه.
ولو مد الركعة الأولى حتى لو يبق من الوقت ما يسع الثانية .. أثم، وانقلبت ظهراً من الآن عند (حج)، وعند خروج الوقت عند (م ر)، فعليه يجهر إلى خروجه؛ وذلك لأنهما صلاتا وقت واحد، فجاز بناء أطولهما على أقصرهما كصلاة الحضر مع السفر.
ولو خرج الوقت وهم فيها .. أتموا ظهراً وجوباً، ولا يشترط تجديد نيته.
ولو سلم بعض العدد في الوقت وبعضه خارجه جهلاً .. بطلت جمعة الكل، فيتمونها ظهراً إن قرب الفصل بين سلامهم وعودهم إلى الظهر، ولا يضر الشك في أثنائها في خروج الوقت؛ لأن الأصل بقاؤه.
ولو قام المسبوق ليكمل، فخرج الوقت .. انقلبت له ظهراً أيضاً.
(الثاني) من الشروط: (أن تقام في خِطة) -بكسر الخاء- محل الأبنية، وما بينها من كل محل معدود منه بأن لم يجز لمريد السفر القصر فيه، وإن لم يكن مسجداً، سواء كان ذلك من (بلد أو قرية) ولو مبنية من نحو خشب أو قصب أو سعف؛ للاتباع، ويشترط اجتماع الأبنية عرفاً.
стр. 346
وكالبلد والقرية بناء واحد يجتمع فيه العدد المعتبر، والسراديب والغيران بحيث تعد إقامتهم كالقرية الواحدة.
ولو تعددت مواضع متقاربة، وتميز كل باسمٍ .. فلكل حكمه إن عد مع ذلك كل قرية مستقلة عرفاً، وحريم القرية لا تجوز فيه الجمعة إلا تبعاً لأربعين في الخطة، وغير الحريم لا يجوز فيه إن جاز القصر فيه، وإلا .. جازت، قاله (ب ج).
وفي (حج): أنه لا يضر خروج من عدا الأربعين إلى محل القصر، وقد تجب إقامتها في غير أبنية كأن خربت قريتهم، فأقاموا لعمارتها، أو بقصد عدم التحول منها، ولو في غير مظال، بخلاف غير أهلها، أو بقصد التحول منها، وما لو نزل أربعون بمكان؛ ليعمروه قرية .. فلا تقام في جميع ذلك.
فعلم: أنه لا يشترط لها مسجد، بل تصح في الفضاء، ولا إذن إمام، لكن يشترط لتعددها.
وخرج بالأبنية: الخيم؛ لأنهم كالمستوفزين، ولأن قبائل العرب حول المدينة لم يؤمروا بها.
نعم؛ إن سمعوا النداء من قرية أو بلد .. لزمتهم، وكذا لو كانت الخيام في خلال الأبنية.
(الثالث) من الشروط: (أن لا يسبقها، ولا يقارنها جمعة في تلك البلد) مثلاً وإن عظمت وكثرت مساجدها؛ للاتباع (إلا لعسر الاجتماع) بأن لم يكن في محل الجمعة موضع يسعهم بلا مشقة ولو غير مسجد.
والعبرة بمن يغلب فعلهم لها عادة، كما في "التحفة"، و"النهاية"، و"المغني".
أو بمن تصح منه، من تلزمه ومن لا تلزمه، واعتمده جمع، وفيه فسحة عظيمة.
واعتمد (سم) في "حاشية التحفة": أن العبرة بمن يحضر بالفعل في تلك الجمعة.
قال في "الإيعاب": وهو القياس، فإن عسر اجتماعهم إمَّا لكثرتهم، أو لقتال بينهم، أو لبعد أطراف البلد، وحدُّه هنا: كما في الخارج عن البلد؛ أي: بأن لا يبلغهم النداء بشرطه المتقدم .. جاز التعدد بحسب الحاجة، وتبطل فيما زاد عليها.
ومن شك أنه من الأولين أو الآخرين، أو أن التعدد لحاجة، أو لا .. لزمته إعادة الجمعة إن أمكن، وإلا .. فالظهر.
стр. 347
أمَّا إذا سبقت واحدة مع عدم عسر الاجتماع .. فهي الصحيحة، وما بعدها باطل، وأمَّا إذا تقارنتا .. فهما باطلتان، والعبرة في السبق، والمقارنة بالراء من تكبيرة إحرام الإمام وإن تأخر إحرام العدد إلى ما بعد إحرام الأخرى، وإن علم سبق وأشكل الحال، أو علم السابق ثم نسي .. فالواجب الظهر على الجميع؛ لالتباس الصحيحة بالفاسدة.
وإن علمت المقارنة أو شك فيها، أو لم يعلم سبق ولا مقارنة .. أعيدت الجمعة إن اتسع الوقت؛ لعدم وقوع الجمعة مجزئة، فإن أيس من إعادتها .. صلى الظهر، واكتفى (م ر) باليأس العادي.
وقال (حج): لابد من الحقيقي كما مر.
والاحتياط للمصلي ببلد تعددت جمعته لحاجة، ولم يعلم سبق جمعته أن يعيدها ظهراً؛ خروجاً من خلاف من منع التعدد ولو لحاجة، وهو ظاهر النص، وألَّف فيه السبكي أربعة مصنفات، قال: وهو الصحيح مذهباً ودليلاً، وقول أكثر العلماء.
(الرابع) من الشروط: (الجماعة) في الركعة الأولى، فلو أحدث الإمام في الثانية أو فارقوه فيها .. لم يضر، ويتمونها فرادى.
أمَّا العدد .. فيشترط: بقاؤه إلى السلام، حتى لو أحدث واحد من الأربعين قبل سلامه ولو بعد سلام من عداه .. بطلت جمعة الجميع.
(وشرطها) أي: الجماعة فيها زيادة على شروط الجماعة في غيرها: (أربعون)؛ لأن هذا العدد فيه كمال، ولذا كان زمن بعث الأنبياء، وقدر ميقات موسى وغير ذلك، والجمعة ميقات المؤمنين، فاعتبر لها هذا العدد الكامل، حتى قيل: إنه لم يجتمع أربعون إلا وفيهم ولي لله، فلا بد فيها من أربعين ولو بالإمام؛ للإجماع على اشتراط العدد فيها، ولا مدخل للرأي فيه، فاشترط فيه توقيف؛ إذ الغالب على أحوالها التعبد.
وقد صح: أن أول جمعة صليت بالمدينة كانت أربعين، ولقول جابر: (مضت السنة: أن في كل ثلاثة إماماً، وفي كل أربعين جمعة)، وخبر: "لا جمعة إلا في أربعين"، وغير ذلك.
لكن قال بعضهم: لم يثبت في الجمعة حديث، لكن الخبر الصحيح، وهو "صلوا كما رأيتموني أصلي" قد يدل لذلك؛ إذ لم تثبت صلاته لها بأقل من ذلك.
وأمَّا خبر انفضاضهم فلم يبق إلا اثنا عشر .. فمحتمل لعودهم أو لمجيء غيرهم، فلم يصلح دليلاً لما دون الأربعين.
стр. 348
ولو صلاها شخص في قرية، أو صلى مريض الظهر، ثم حضر أحدهما محل جمعة .. حسب من الأربعين، وتكون الجمعة للمريض نفلاً مطلقاً كما رجحه (ب ج)، وقيل: الظهر نفلاً مطلقاً والجمعة الفرض.
ولا بد في كل من الأربعين في كونه: (مسلماً، ذكراَ، مكلفاً) أي: بالغاً عاقلاً (حراً) مميزاً؛ ليخرج السكران، بناء على أنه غير مكلف، فلا تلزم أضداد هؤلاء؛ لنقصهم كما قدمته، ولا تنعقد بهم كما ذكره هنا، فلا تكرار (متوطناً) بمحل إقامتها، فلا تنعقد بغير أهل محل إقامتها وإن لزمهم حضورها.
قال في "التحفة": (لأنه ﷺ لم يقم الجمعة بعرفة في حجة الوداع مع عزمه على الإقامة أياماً وفيه نظر؛ لأنه كان مسافراً؛ إذ لم يقم بمحل أربعة أيام صحاح، وعرفة لا أبنية بها، فليست دار إقامة إلا أن يجاب بأنه لم يقم فيها الجمعة؛ لعدم أبنية ومستوطن) اهـ
قال السبكي: (لم يقم عندي دليل على عدم انعقادها بالمقيم غير المتوطن) اهـ
ومن توطن خارج السور .. لا تنعقد به الجمعة داخله، وعكسه؛ لأنه يجعلهما كبلدتين منفصلتين، كما في "التحفة"، وفي "الأصل" هنا ما له تعلق بذلك.
والمتوطن هنا من (لا يظعن) أي: يسافر عن محل إقامته شتاءً، ولا صيفاً (إلا لحاجة) كتجارة وزيارة، فلا تنعقد بمسافر ومقيم ناوٍ العودَ لبلده ولو بعد مدة طويلة، كالمتفقهة، ومتوطن خارج بلد الجمعة وإن لزمته.
وفي صحة تقدم إحرام من لا تنعقد بهم خلاف رجح في "الإيعاب" كـ"شرح المنهج" لزوم تأخرهم.
وفي "المغني"، و"النهاية" و"التحفة" عدم اللزوم.
(فإن نقصوا) عن العدد المعتبر بانفضاض أو غيره في الخطبة، أو بينها وبين الصلاة، أو (في) الركعة الأولى من (الصلاة .. بطلت) الخطبة في الأوليتين، والجمعة
стр. 349
في الثالثة (وصارت ظهراً) وإن أمكن استئنافها جمعة إلا إن تموا على الفور ممن سمع أركان الخطبتين .. فحينئذٍ يبني في الصور الثلاث على ما مضى إن أدركوا الفاتحة والركوع قبل ارتفاع الإمام عن أقله، كما في تباطئهم الآتي، أو أحرم قبل الانفضاض من كمل العدد به وإن لم يسمع الخطبة؛ لأنهم لما لحقوا والعدد تام .. صار حكمهم واحداً.
ثم إن أدرك الأوّلون الفاتحة .. لم يشترط تمكنهم منها؛ لأنهم تابعون لمن أدركها، وإلا .. اشترط أن يدركها هؤلاء مع الركوع قبل ارتفاع الإمام عن أقله.
ولو أحرم تسعة وثلاثون لاحقون بعد رفع الإمام من ركوع الأولى، ثم انفض الأربعون الذين أحرم بهم .. فالجمعة باقية وإن لم يدرك اللاحقون الركعة الأولى؛ لما مر.
ولا يضر تباطؤ المأمومين بالإحرام بعد إحرام الإمام بشرط أن يتمكنوا من الفاتحة والركوع قبل ارتفاع الإمام عن أقله، وإلا .. لم تصح.
ولو كان في الأربعين أمي قصر في التعلم .. لم تصح؛ لارتباط صحة صلاة بعضهم ببعض، فصار كاقتداء القارئ بالأمي.
وجرى في "التحفة" أخذاً من التعليل: أنه لا فرق بين أن يقصر، وأن لا، وأَنَّ الفرق بينهما غير قوي؛ لما تقرر من الارتباط.
ومنه يعلم: أنه لا بد من إغناء صلاة كل من الأربعين عن القضاء كما في (حج) و (م ر).
ولو جهلوا الخطبة كلهم .. لم تصح الجمعة.
(ويجوز كون إمامها عبداً أو مسافراً أو صبياً) أو محدثاً لم يبن حدثه إلا بعد الصلاة على ما في "الشرح"، وفي "فتاويه"، و (سم). وإن بان في الصلاة.
ومثله ما لا يطلع عليه، كنجاسة خفية ونحوها، أو محرماً برباعية كالعصر.
(إن زاد على الأربعين) ولم يتحمل على أحد منهم الفاتحة، ولا أثر لحدثه؛ لأنه لا يمنع الجماعة، فإن لم يكن زائداً على الأربعين .. لم تنعقد؛ لانتفاء العدد المعتبر.
ومثله: لو بان كافراً أو امرأة، أو ذا نجاسة ظاهرة، ونحو ذلك مما يطلع عليه وإن زاد على الأربعين.
ولو بان حدث المأمومين، أو بعضهم بعد الصلاة .. صحت للإمام وللمتطهر منهم؛ تبعاً له وإن لم يبلغوا الأربعين.
стр. 350
واغتفر في حقه فوات العدد هنا، ولم يغتفر في تبين حدثه؛ لأنه -مع عذره لكون ذلك مما يخفى- متبوعٌ مستقل، كما اغتفر في حقه انعقاد صلاته جمعة قبل أن يحرموا خلفه. وأمَّا تعليل "الشرح" بأنه لم يكلف العلم بطهارتهم .. فيقال بمثله في المأمومين لو بان حدثه، وهو غير صحيح.
تنبيه: الناس في الجمعة ستة أقسام:
من تلزمه وتنعقد به، وتصح منه، وهو من اجتمعت الشروط المذكورة فيه، ولا عذر له.
ومن لا تلزمه ولا تنعقد به، وتصح منه، وهو من فيه رق ومسافر وعبد وصبي وامرأة ومن لم يسمع النداء.
ومن لا تلزمه وتنعقد به، وهو من له عذر كمريض.
ومن تلزمه ولا تصح منه، وهو المرتد.
ومن لا تلزمه ولا تنعقد به، وهو الكافر الأصلي، وغير المميز.
ومن تلزمه وتصح منه ولا تنعقد به، وهو المقيم غير المتوطن، ومتوطن بمحل خارج بلد يسمع منه النداء.
(الخامس) من الشروط: (خطبتان قبل الصلاة)؛ للاتباع.
وأخرت خطبة نحو العيد؛ للاتباع أيضاً، ولأن هذه شرط للجمعة، وهو مقدم، بخلاف تلك فتكملة، فكانت الصلاة أهم منها.
(وفروضهما) من حيث الجميع ثمانية، ومن حيث المجموع (خمسة: حمد الله)؛ للاتباع، أي: الحمد، وما اشتق منه مع إضافته للجلالة، كالحمد لله، أو لله الحمد، أو أحمد الله، أو أنا حامد لله.
فلا يكفي نحو لا إله إلاَّ الله، خلافاً لمالك وأبي حنيفة، ولا الشكر لله، ولا الحمد للرحمن.
(والصلاة على رسول الله ﷺ أي: مصدرها، وما اشتق منه، كاللهم صل، أو صلى الله، أو أصلي، أو نصلي، أو الصلاة والسلام على سيدنا محمد أو على محمد أو أحمد أو الرسول أو النبي أو الحاشر أو البشير أو نحو ذلك.
لا سلام الله على محمد، ولا رحم الله محمداً ولا صلى الله عليه.
стр. 351
(والوصية بالتقوى)، للاتباع، ولأنها المقصود الأعظم من الخطبة، فلا يكفي مجرد التحذير من الدنيا؛ لظهوره لكل أحد، بل لا بد من الحث على الطاعة والزجر عن المعصية، أو أحدهما ولو بغير لفظ الوصية؛ إذ الغرض منها الوعظ نحو احذروا عقاب الله أو النار، او أطيعوا الله.
(وتجب هذه الثلاثة في) كل من (الخطبتين)؛ اتباعاً للسلف والخلف، إذ كل واحدة مستقلة ومنفصلة عن الأخرى.
(الرابع: قراءة آية مفهمة) وإن تعلقت بحكم مسوخ، أو قصة، لا بعض آية وإن طال وأفهم عند (حج)؛ وذلك للاتباع.
ولو قرأ آية وعظ بقصد الوعظ والقراءة .. حصلت ركنية القراءة، وكذا إن أطلق، فإن قصد بها أحدهما .. حصل.
وتكفي الآية (في إحداهما) وقبلهما وبعدهما وبينهما؛ لثبوت أصل القراءة من غير تعين محلها، ويسن كونها في الأولى؛ لتكون في مقابلة الدعاء في الثانية، وخروجاً من خلاف من أوجبها فيها، وكونها في آخرها، بل تسن قراءة (ق) بكمالها بعد فراغ الأولى دائماً وإن لم يرض الحاضرون، ويحصل أصل السنة بقراءة بعضها، فإن تركها .. قرأ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) [الأحزاب:٧٠].
(الخامس:) ما يقع عليه اسم (الدعاء للمؤمنين والمؤمنات) خصوصاً كالحاضرين، أو عموماً ولو لجميع المؤمنين ما لم يُرد جميعَ ذنوبهم، فيحرم؛ لما مر، وذلك لاتباع السلف والخلف، وذكر المؤمنات سنة، وإلا .. فيكفي المؤمنين، لأن المراد بهم الجنس الشامل للإناث، بل لو قصد به أربعين من الحاضرين .. كفى، ولا يكفى تخصيصه للغائبين وإن كثروا.
ومنه يعلم: أنه لا يحصل بالدعاء للصحابة، والولاة ركن الدعاء، ولا بأس بالدعاء للسلطان بعينه حيث لامجازفة في وصفه.
ويسن الدعاء لولاة المسلمين وجيوشهم، لاسيما ولاة الصحابة وولاة العدل، وذكر الولاة المخلطين بما فيهم من الخير مكروه، وبما ليس فيهم حرام إلا لخوف فتنة، فيستعمل التورية.
стр. 352
وصرح القاضي بأن الدعاء لولاة الأمر لا يقطع الولاء ما لم يقطع نظم الخطبة.
وفي (التوسط) بشرط أن لا يطيله إطالة تقطع المولاة، كما يفعله كثيرٌ من الخطباء الجهال.
(وشرطهما) أي: وشروط كل منهما:
(القيام) فيهما (لمن قدر) عليه بالمعنى السابق في قيام فرض الصلاة، فإن عجز عنه .. خطب جالساً، فإن عجز .. فمضطجعاً، والأولى أن يستخلف، ويجوز الاقتداء به وإن لم يتبين عذره؛ لأن الظاهر أنه معذور، فإن بانت قدرته على القيام .. لم يؤثر، كما لو بان الإمام الزائد على الأربعين محدثاً.
ولو علم بعضهم قدرته .. صحت جمعة الباقين إن تم بهم العدد.
(وكونهما) أي: أركانهما فقط (بالعربية) وإن كان الكل أعجميين؛ للاتباع.
نعم؛ إن لم يكن فيهم من يحسنها، ولم يمكن تعلمها قبل ضيق وقت .. خطب غير الآية واحد منهم بلسانهم.
أمَّا الآية .. فيأتي ما مر في الفاتحة فيها، وإن أمكن تعلمها .. وجب على كل منهم، فإن مضت مدة إمكان التعلم ولو لواحد ولم يتعلم .. عصوا كلهم، ولا جمعة، بل يصلون الظهر.
وفائدتها بالعربية مع عدم معرفتهم لها العلم بالوعظ في الجملة.
والواجب: سماعها لا معرفة معناها.
(و) كونهما (بعد الزوال)؛ للاتباع، ولو هجم وخطب فبان أنهما في الوقت .. صح عند (ع ش)، وقال (سم): لا تصح.
(والجلوس بينهما)؛ للاتباع، فلو تركه .. لم تصح ولو سهواً، خلافاً للأئمة الثلاثة، والجالس يفصل بسكتة ولا تجب لها نية، بل عدم الصارف، لكن تسن، ولو لم يجلس بينهما .. حسبتا واحدة.
وأقل الجلوس بينهما كونه (بقدر الطمأنينة) في الصلاة، وأكمله بقدر سورة (الإخلاص)، وأن يقرأها فيه.
(وإسماع العدد الذي تنعقد به) الجمعة لأركانها ولو بالقوة، بحيث يكون لو
стр. 353
أصغى .. لسمع عند (م ر)، فلا تصح مع الإسرار ولا مع صمم ولو لبعضهم، ولا مع لغط أو نوم يمنع سماع ركن.
ولا يشترط طهرهم ولا سترهم، ولا كونهم بمحل الصلاة، ولا داخل السور أو العمران، بخلاف الخطيب.
نعم؛ لا يضر عدم سماع الخطيب؛ لأنه يفهم ما يقول.
قال (سم): أي: يعلم ما يقوله من الألفاظ.
ولا يشترط الفهم كما مر، ولا سماع الأربعين غير الأركان.
وفي "التحرير": يشترط تقدم خطبتين ممن تصح الصلاة خلفه.
قال الشرقاوي: هذا يفيد كونه لا تلزمه الإعادة.
(والمولاة بينهما) أي: بين أركانهما (وبينهما وبين الصلاة) بأن لا يفصل طويلاً عرفاً بما لا تعلق له بهما.
قال في "التحفة": (ثم رأيت بعضهم فصل فيما إذا أطال القراءة بين أن يكون فيها وعظ فلا تقطع، وإلا .. فتقطع) اهـ
ومنه يؤخذ أن الزائد على الآية من القراءة ليس من الركن وهو قاعدة: ما يتجزأ كالركوع، إنَّ أقل مجزئ منه يقع واجباً، والزائد عليه سنة.
وحينئذٍ فما زاد على الواجب وطال الفصل به .. يقطع الموالاة، وبمثله يقال في الدعاء.
لا يقال: القراءة قيدوا الركن فيها بكونها بآية، ولم يقيدوا الدعاء بشيء، قلت: بل قيدوا الركن منه بما يقع عليه اسم الدعاء.
ومنه يعلم: أن طول الدعاء بما يقطع الموالاة يضر خصوصاً في الدعاء للصحابة وولاة الأمر؛ لأنه ليس من ركن الدعاء كما مر، وطول الفصل هنا قدر ركعتين بأقل مجزئ، كما في الموالاة بين صلاتي السفر.
(وطهارة الحدثين) الأصغر والأكبر، فإن سبقه .. تطهر واستأنف وإن قرب الفصل؛ لأن الخطبة تشبه الصلاة، أو نائبة عنها.
(وطهارة الخبث) الذي لا يعفى عنه في ثوب وبدن ومكان، وما يتصل بها بتفصيله في المصلي.
стр. 354
(والستر) للعورة وإن قلنا بالأصح إنها ليست بدلاً عن ركعتين؛ لأنه ﷺ كان يصلي عقب الخطبة، فالظاهر أنه يخطب متطهراً مستوراً.
فالشروط المذكورة: ثمانية، ويزاد: كونهما ممن يصح الاقتداء به كما مر، وكونهما قبل الصلاة، وترتيب أركانهما الثلاثة الأول على ما اعتمده الرافعي، والمعتمد سنة.
* * *
(فصل): في بعض سنن الخطبة والجمعة .
(تسن) الخطبة (على منبر) ولو بمكة، خلافاً لمن قال: يخطب بباب الكعبة؛ للاتباع، ويسن وضعه يمين المحراب، أي: يمين المصلي فيه، وكان منبره ﵊ ثلاث درج غير المسماة بالمستراح.
نعم؛ إن طال .. وقف على السابعة.
(فإن لم يتيسر) المنبر ( .. فعلى مرتفع)؛ لأنه أبلغ في الإعلام، فإنِ فقد .. استند إلى نحو خشبة.
(وأن يسلم) الخطيب (عند دخوله) المسجد على أهل كل صف، لكنه على من عند دخوله (و) من (عند طلوعه) المنبر آكد، ولا تندب له التحية إن قصد المنبر من حال دخوله، وإلا .. ندبت.
(و) أن يسلم أيضاً (إذا أقبل عليهم) بعد صعوده الدرجة التي تلي المستراح؛ لأنه استدبرهم في صعوده، فكأنه فارقهم.
قال (ب ج): (ويؤحذ منه: أنَّ من فارق غيره ثم عاد إليه سن له السلام عليه وإن قصرت المسافة جداً) اهـ قاله (ع ش).
وكون ما ذكر مفارقة فيه نظر، وأمَّا سنه .. فلا يبعد أنه خصوصية للخطيب؛ إذ من استدبر غيره في مكان واحد .. لا يعد مفارقاً له، وفي المرات كلها يلزم المأمومين الرد عليه على الكفاية.
стр. 355
وإنما ندب له استقبالهم مع أن فيه استدبار القبلة؛ لأنه اللائق بالخطاب، وأبلغ في قبول الوعظ.
ومن ثم كره خلافه إلا لمن بالمسجد الحرام؛ لأنه من ضرورة الاستدارة المندوبة في الصلاة.
(وأن يجلس) على المستراح (حالة الأذان)؛ ليستريح من تعب الصعود.
(وأن يقبل عليهم) بوجهه، ويرفع صوته زيادة على الواجب، ولا يعبث؛ للاتباع، وأن يؤذن بين يديه، ويسن اتخاذ المؤذن إلا لعذر وبفراغ الأذان يشرع في الخطبة، وهذا الأذان هو الذي كان في زمنه ﷺ ، وأبي بكر وعمر ﵄، ثم لما كثر الناس في زمن عثمان ﵁ .. أمر بالأذان الأوّل.
قال الشافعي: وتركه أحب إليَّ.
وفي "التحفة"، و"النهاية": إن قراءة المرقي آية (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) [الأحزاب:٥٦] ثم الحديث، بدعة حسنة؛ إذ فيه ترغيب للصلاة عليه ﷺ ، وتحذير من الكلام، وكان صلى الله عليه وسسلم يأتي بالخبر المذكور في خطبه، وهو صحيح.
(وأن تكون) الخطبة (بليغة) اي: في غاية من الفصاحة، ورصانة السبك، وجزالة اللفظ؛ لأنه أوقع في القلوب، ومن لازم البلاغة رعاية ما يقتضيه الحال، ويحسن تضمينها آيات وأحاديث مناسبة؛ إذ الحق أن التضمين والاقتباس جائز منهما ولو في الشعر وإن غير نظمها، ولا محذور أن يراد بالقرآن غيره كـ (ادخلوها بسلام آمنين) لمن استأذنه في الدخول.
نعم؛ إن كان في ذلك مجون .. حرم، بل ربما يكون كفراً.
(و) أن تكون (مفهومة)؛ لأن الغريب الوحشي لا ينتفع به أكثر الناس.
قال علي كرم الله وجهه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!).
(قصيرة) بالنسبة للصلاة؛ لخبر مسلم: "أطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة"،
следующие страницы →