← Фикх шафии

Фикх шафии · id 26535

شرح المقدمة الحضرمية المسمى بشرى الكريم بشرح مسائل التعليم

سعيد باعشن

Полный текст (670 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

نعم؛ إن أخذ بالغرم وأعطاه دائنه وبقي فقيراً ... أخذ به. أمَّا من زكاتين، كمِن ذهب بالفقر، ومن فضة بالغرم .. فيجوز ولو من شخص واحد. * * * فصل: ويجب تعميم الأصناف الثمانية بالزكاة حتى العامل إن قسم الإمام، وإلا .. فمن عداه إن وجدوا، وإلا .. فإلى من وجد منهم، حتى لو لم يوجد إلا فقير واحد .. صرفت كلها له. والمعدوم لا سهم له، والموجود غالباً فقير ومسكين وغارم وابن السبيل. فإن لم يوجد أحد منهم .. حفظت إلى أن يوجدوا كلهم أو بعضهم. وعلى الإمام تعميم آحاد الصنف؛ إذ لا يتعذر عليه ذلك، لكن يجوز له إعطاء زكاة شخص واحد بواحد. لأن الزكوات في يده كالزكاة الواحد. نعم؛ إن قل مال الزكاة بحيث لا يسد مسداً لو استوعبهم .. لم يلزمه الاستيعاب. وتجب التسوية بين الأصناف وإن تفاوتت حاجاتهم إلا العامل كما مر. ولو زاد سهم صنف عن كفايتهم .. ردَّ زائدة على سهم من نقص سهمه عن كفايته. ولا تجب بين آحاد الصنف إن قسم المالك أو الإمام، وقلَّ ما عنده منها؛ لعدم انضباط الحاجات التي من شأنها التفاوت، بخلاف الأصناف، فمحصورة، لكن يسن التساوي إن تساوت حاجاتهم. أمَّا إذا قسم الإمام وكثر ما عنده، فإن استوت حاجاتهم .. وجبت، وإلا .. فيراعيها، وإذا لم تجب .. فالقاطنون أولى. (وأقل ذلك) أي: من يعطى إذا فرَّق المالك (ثلاثة)؛ عملاً بأقل الجمع في غير الأخيرين وقياساً فيهما، إلا العامل .. فيجوز كونه واحداً. فإن أخل بصنف .. غرم حصته، أو ببعض الثلاثة .. غرم له أقل متمول. نعم؛ الإمام إنما يغرم مما عنده من الزكاة (إلا إذا انحصروا) -أي: المستحقون- في محل الوجوب، بأن سهل عادة ضبطهم، ومعرفة عددهم. فيجب الاستيعاب إن لم يزيدوا على ثلاثة من كل صنف، أو زادوا (ووفت الزكاة بحاجاتهم) الناجزة، وهي مؤنة يوم وليلة، وكسوة فصل، ويملكونها في الأولى وإن لم

стр. 492

تف بحاجاتهم، وفي الثانية إن وفت بها بقدر حاجاتهم، ولا يضرهم حدوث نحو غنى أو موت، بل تورث عنهم وإن كان ورثتهم أغنياء أو ورثة للمزكي، ولهم التصرف فيها قبل قبضها إلا بالاستبدال، ولا يشاركهم قادم عليهم بعد وقت الوجوب. فأن زادوا على ثلاثة ولم ينحصروا .. لم يملكوا إلا بالقسمة. فإن انحصر بعض الأصناف دون بعض .. فلكل حكمه. نعم؛ العامل يملك بالعمل. والحاصل: أنه يجب تعميم الأصناف، والتسوية بينهم مطلقاً، وتعميم آحاد كل صنف إن وفي المال بهم، والتسوية بينهم إن تساوت حاجاتهم، حيث قسم الإمام مطلقاً أوالمالك، وانحصروا في ثلاثة مطلقاً، أو في أكثر، ووفت بحاجاتهم، فيملوكنها بقدر حاجاتهم. (وإلا العامل .. فإنه) لا يجب الإعطاء فيه لثلاثة، بل (يجوز أن يكون واحداً) إذا حصل به الغرض، بل لو قسم المالك .. سقط سهمه. فرع: لا يجوز نقل الزكاة على الأظهر عن محل المؤدى عنه في الفطرة، وعن محل المال الذي وجبت فيه الزكاة، وهو الذي كان فيه عند وجوبها مع وجود مستحق فيه، إلى محل آخر؛ لتصرف لمستحقه ما لم ينسب إليه، بحيث يعد محلاً واحداً وإن خرج عن سوره وعمرانه، كما في "التحفة" من اضطراب طويل. وإذا منعنا النقل .. حرم، ولم يجز؛ لخبر الصحيحين: "صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم"، ولامتداد أطماع مستحقي كل محل إلى ما فيه من الزكاة، والنقل يوحشهم. وبه فارقت الكفارة والنذر والوصية والوقف على الفقراء. ويؤخذ من أن العبرة ببلد المال أن العبرة في الدين ببلد المدين. لكن قال بعضهم: له صرف زكاته في أي محل شاء؛ لأن ما في الذمة ليس محل مخصوص وهو المعتمد. وفي (ب ج): (لا يجوز نقل الزكاة لمن هو خارج السور) اهـ والكلام في غير الإمام ونائبه.

стр. 493

أمَّا هما .. فيجوز لهما نقلها كل إلى محل عمله، لا خارجه، ولهما أن يأذنا للمالك فيه. ولو حال الحول على مال بنحو بادية لا مستحق بها .. صرفت لأقرب محل إليها، ولنحو أهل خيام لا قرار لهم صرفها لمن معهم ولو بعض صنف، كمن بسفينة في لجة. فإن فقدوا .. فلأقرب محل إليهم عند تمام الحول، فإن تعذر الوصول إليه .. حفظت إلى أن يتيسر الوصول إليه إن ترجاه عن قرب، وإلا .. صرفت للأقرب إليه، وفي هذا كله عسر شديد، وربما كان سبباً لضياع الزكاة. فالأحسن أن يستأذن القاضي أو الإمام في نقلها، أو يعمل بمقابل الأظهر من جواز النقل مطلقاً، كما هو مذهب أكثر العلماء، بل لا دلالة في الحديث المار لمنع النقل إلا بإضمار في (فقرائهم)، أي: إلى فقراء بلدهم. فإن لم يضمر .. كان دليلاً لجواز النقل؛ لأن الظاهر أن الضمير في (فقرائهم) للمسلمين الصادقين بمن ببلده وغيرها. وعلى كل فعدم النقل أولى وأحوط. وإذا نقل الزكاة فتلفت .. ضمنها إن لم يجب، وذلك، كأن فقدت الأصناف ببلد الوجوب، أو فضل عنهم شيء، فيجب حينئذٍ نقل الكل أو الفاضل؛ لكن ينقله لأقرب محل إليه، فإن جاوزه .. حرم على الأظهر. وإنما امتنع نقل دم النسك مطلقاً؛ لأنه وجب لأهل الحرم بالنص الصريح، بخلاف الزكاة لا نص صريح فيها. وإذا نقل، فإن وجب .. فمؤنته من الزكاة، وإلا .. فعلى الناقل. فرع: إذا امتنع المستحقون من أخذ الزكاة .. قوتلوا؛ لتعطيلهم هذا الشعار العظيم. ولو قال له: فرّق هذا على المساكين .. لم يدخل هو ولا ممونه فيهم، وإن نص على ذلك، قاله في"التحفة". * * *

стр. 494

(فصل) في صدقة التطوع . وهي المراد عند الإطلاق غالباً، وهي سنة مؤكدة؛ للأحاديث الشهيرة فيها، منها، الخبر الصحيح: "كل امرء في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس". وقد تحرم، كأن ظن أن آخذها يصرفها في معصية. وقد تجب كأن يجد مضطراً ومعه ما يطعمه فاضلاً عنه، لكن قد ذكروا أنه لا يجب بذله له إلا ببدله. قال في "التحفة": والحاصل: أنه يجب البذل هنا -أي: للمحتاجين- من غير اضطرار بلا بدل، لا مطلقاً، بل مما زاد على كفاية سنة، وثم -أي: في المضطر- يجب البذل بما لم يحتجه حالاً ولو على فقير، لكن بالبدل. (والأفضل الإسرار بصدقة التطوع)؛ لأنه ﷺ عدَّ من السبعة الذين يستظلون بظل العرش من أخفى صدقته حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه. نعم؛ إن أظهرها مقتدى به؛ ليقتدى به، ولم يقصد نحو رياء، ولا تأذى به الآخذ .. كان أفضل. وجعل بعضهم من الصدقة الخفية أن يبيع مثلاً درهمين بدرهم, (بخلاف الزكاة) فإظهارها للإمام، وكذا للمالك أفضل. وقد ذكرت في "الأصل" من يستظل بالعرش، وهم سبعون. (و) الأفضل (التصدق على القريب)؛ لأنه أولى من الأجنبي، والأفضل تقديم (الأقرب) فالأقرب من المحارم وإن لزمته نفقتهم (والزوج) أو الزوجة، فهما في درجة الأقرب، كما في "الشرح". وفي"التحفة": ثم الزوج أو الزوجة. (ثم) بعد ما ذكر (الأبعد) من الأقارب، يقدم منهم الأقرب فالأقرب رحماً؛ والرحم من جهة الأب والأم سواء (ثم محارم الرضاع، ثم المصاهرة، ثم الولاء) من الجانبين، كأن زوج عتيقه بعتيقته، فولاء ولدهما له من الجانبين، ثم من جانب.

стр. 495

(و) الأفضل (الجار) فرحمه الجار أولى من رحم لا جوار له، ولذا لم يعطف فيه وما بعده بـ (ثم)؛ لأنهم يكونون من الأقارب وغيرهم والجار الأجنبي أولى من قريب بمحل لا يجوز نقل زكاة المتصدق إليه، وإلا .. قدم القريب. (و) الأفضل التصدق (على العدوّ) القريب، ثم الأجنبي، والأشد عداوة أولى؛ لما فيه من التأليف وكسر النفس. (و) على (أهل الخير) و (المحتاجين)؛ إذ هما أولى من غيرهما وإن اختص الغير بقرب ونحوه، وكان عبد الله بن المبارك يخص طلبة العلم بصدقته. (و) الأفضل كون تصدقه (في) سائر (الأزمنة الفاضلة، كالجمعة) ورمضان، لاسيما عشره الآخر؛ لخبر أبي داوود بذلك، وللعجز عن الكسب فيه. ويليه عشر ذي الحجة (والأماكن الفاضلة) كمكة، فالمدينة، فبيت المقدس. والمراد: أنه إذا حصلت تلك الأزمنة والأمكنة .. تأكدت الصدقة فيها، لا أنه يسن التأخير لها إليها. (وعند الأمور المهمة كالغزو والكسوف والمرض والحج) والسفر؛ لأنها أرجى للقبول وقضاء الحوائج، وكشف الكرب، وعقب كل معصية. (وبما يحبه)؛ لآية (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران:٩٢]. وتكره برديء عرفاً إن وجد غيره، كمسوس حب، لا بنحو فلس وثوب خلق كما في "الإيعاب"، وبما فيه شبهة. وينبغي أن يأنف من التصدق بقليل؛ إذ ما قبله الله كثير، ولآية (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه) [الزلزلة:٥]، وخبر: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، وغيرها. وأن يتصدق بثويه إذا لبس جديداً غيره، ويقول عند لبسه: الحمد لله الذي كساني ما أواري به سوأتي، وأتجمل به في حياتي. (و) أن يكون تصدقه بالبسملة و (بطيب نفس، وبشر)؛ لما فيه من تكثير الأجر وجبر القلب، وأن لا يطمع في دعاء المعطى، فإن دعا له .. ندب الرد عليه.

стр. 496

ويكره الأخذ بمن بيده حلال وحرام كسلطان جائر، وتشتد الكراهة وتخف بكثرة الشبهة وقلتها، ولا يحرم إلا ما تيقن حرمته ويمكن معرفة صاحبه. وإنما لم يحرم؛ لأن الأصل المعتمد في الأملاك اليد، ولم يثبت أصل آخر فيه يعارضه، فاستصحب ولم يبال بغلبة الظن. (ولا يحل التصدق بما يحتاج إليه لنفقته) إن لم يصبر على الإضاقة (أو نفقة من عليه نفقته)؛ لخبر: "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت"، ولأن كفايتهم فرض، وهو لا يترك لسنة، وكالنفقة بقية المؤن. وخرج بـ (الصدقة): الضيافة، فتجوز ولو بقوته وقوت عياله؛ لتأكدها، حتى ذهب جمع إلى وجوبها. لكن حمل في "الإيعاب" وغيره الجواز على ما إذا لم يتضرر الممون، أو علم رضاه وكان الضيف محتاجاً. ولا يرد أن كثيراً من السلف تصدقوا بما يحتاجونه لعيالهم؛ لأنه يحتمل رضاهم وصبرهم. وإنما تحرم بما يحتاج إليه هو، أو ممونه (في) مؤن (يومه وليلته) وكسوة الفصل، لا بما زاد على ذلك، كما يأتي. (أو) بما يحتاج إليه (لدين لا يرجو له وفاء) من جهة ظاهرة ولو عند حلول المؤجل. نعم؛ الواجب لا يجوز تركه لسنة. ومع حرمة التصدق بما ذكر، يملكه المتصدق عليه؛ لأن الحرمة لأمر خارج عن الصدقة كما في "التحفة" و"النهاية"، بل ألَّف (حج) في ذلك مؤلفاً بسيطاً سماه: "قرة العين ببيان أن التبرع لا يبطله الدين". وجرى جمع أنه لا يملكه، منهم: (حج) في "الشرح"، و"الفتح"، وعبارتهما: (وحيث حرم التصدق بشيء لا يملكه المتصدق عليه، زاد في "الفتح": كما بينته في "الأصل" مع فروع أخر) اهـ واعتمده جمُّ غفير منهم: ابن زياد، وبالغ في الرد على (حج)، وألف في ذلك أربعة مؤلفات.

стр. 497

أمَّا إذا ظن وفاءه من جهة ظاهرة ولو عند حلول المؤجل .. فلا بأس بالتصدق، بل قد يسن. نعم؛ إن وجب أداؤه فوراً؛ لطلب صاحبه أو لعصيانه به ولم يعلم رضا صاحبه بالتأخير .. حرم قبل وفائه. (ويستحب) التصدق (بما فضل عن حاجته) وحاجة ممونه يومهم وليلتهم وكسوة فصلهم ووفاء دينه مطلقاً. وفي وجه: (إذا لم يشق عليه الصبر على الضيق) ولا عليهم على الأصح؛ لأن الصديق ﵁ تصدق بجميع ماله، وقبله منه ﷺ . فإن شق الصبر عليه .. كره؛ للخبر الصحيح: "الصدقة من كان عن ظهر غنى"، أي: غنى النفس، وهو صبرها على الفقر. وبهذا التفصيل جمعوا بين الأحاديث المختلفة الظواهر، كهذا الحديث، وخبر أبي بكر السابق. نعم؛ يلزم الموسر -وهو هنا من معه زائد على كفاية سنة- المواساة لأهل الحاجات بما زاد على كفاية سنة بنحو إطعام جائع، وإكساء عار، وتجهيز ميت لا تركة له، وغير ذلك مما به دفع ضرورات المسلمين. (ويكره) للمتصدق (أن يأخذ صدقته) أو نحوها، كزكاته وكفارته ونذره (ممن أخذ) ذلك (منه ببيع أو غيره)؛ لأن (العائد في صدقته كالكلب العائد لقيئه) كما في الحديث. وخرج بـ (يأخذ) المشعر بالاختيار: ما لو ورثها، فلا يكره له التصرف فيها، وما لو أخذها من غيره .. فلا يكره. ولو بعث لفقير صدقة أو زكاة .. لم يملكه إلا بقبضه، فإن لم يأخذ الصدقة .. سن له التصدق بها على غيره؛ لئلا يكون في معنى العائد في صدقته. (ويحرم السؤال على الغني بمال أو حرفة) تليق به ولم تشق عليه مشقة لا تحتمل عادة، ويكفيه وممونه دخلها.

стр. 498

فإن اختل شرط من ذلك .. جاز له السؤال، وله أن يسأل ما يحتاج إليه بعد يوم وليلة إلى وقت يعلم فيه تيسر ما يكفيه بسؤال أو غيره، وهذا في غير سؤال ما اعتيد سؤاله بين الأصدقاء كقلم وسواك، وإلا .. فلا حرمة مطلقاً في سؤاله. ولا يحرم على الدافع الدفع ولو لمظهر فاقة مع علمه بغناه وإن كان الدفع لغيره أفضل. ومن أعطي لوصف ظن اتصافه به كفقر أو صلاح، بأن توفرت له القرائن أنه إنما أعطي لذلك، أو صرح له المعطي بذلك، وهو باطناً بخلافه، أو به وصف باطناً، لو اطلع عليه المعطي لم يعطه .. حرم عليه الأخذ، ولا يملك ما أخذه. وكذا لو علم إنما أعطاه؛ لباعث الإلحاح، أو الحياء منه أو من الحاضرين، ولولاه لما أعطاه .. فهو حرام، يلزمه رده. ويكره السؤال بوجه الله تعالى ما يتعلق بالدنيا، لا ما يتعلق بالآخرة، كتعليم خير. (والمن بالصدقة) حرام (يبطلها)؛ لآية (لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى) [البقرة:٢٦٤]، ولخبر مسلم: "ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم"، فقال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: "المسبل، والمان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذبة". (وتتأكد) الصدقة (بالماء)؛ لخبر: "أي الصدقة أفضل؟ قال: "الماء"، أي: إن كان الاحتياج إليه أكثر من الطعام، وإلا .. فهو أفضل، ولخبر: "من أطعم جائعا .. أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمناً على ظمأ .. سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم، ومن كسى مؤمناً عارياً .. كساه الله من خضر الجنة" رواه أبو داوود، والترمذي باسناد جيد. (والمنيحة) وهي: الشاة ونحوها اللبون، بأن يعطيها المحتاج؛ ليأخذ لبنها ما دامت لبوناً، ثم يردها إليه؛ لما في ذلك من مزيد البر والإحسان. ويستحب أن لا يخلي يوماً من الصدقة بشيء وإن قل؛ لما مر، ولخبر البخاري: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وفيه ملكان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً". وأخذ الزكاة للفقير أسلم من أخذه الصدقة والهدية؛ إذ الزكاة لكل فقير ولو عاصياً. والصدقة والهدية قلَّ أن يسلم آخذها من أمر لو اطلع عليه المعطي .. لم يؤثره بها، والله سبحانه أعلم. * * *

стр. 499

(كتاب الصوم) هو لغة: الإمساك، ومنه: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً) [مريم:٢٦] أي: سكوتاً. وشرعاً: الإمساك عما يأتي على وجه مخصوص. وفرض في شعبان ثاني سني الهجرة، وينقص ويكمل. وثوابهما واحد من حيث الثواب المترتب على رمضان من غير نظر لأيامه وإن زاد الكمال بما يترتب على يوم الثلاثين من الواجب والمندوب. وهو من خصوصياتنا، وقيل: ليس من أمة إلا وفرض عليها رمضان إلا أنهم ضلوا عنه. (يجب صوم رمضان) إجماعاً، وهو معلوم من الدين بالضرورة، يكفر جاحد وجوبه، وأحد أركان الإسلام. من (الرمض) وهو شدة الحر؛ لأن وضع اسمه على مسماه وافق ذلك. وكذا بقية الشهور؛ بناء على أن اللغات اصطلاحية، والراجح أنها توقيفية، أي بتوقيف الله تعالى عليها لآدم ﵇. وهو أفضل الشهور حتى من عشر ذي الحجة؛ لخبر: "رمضان سيد الشهور"، كما أن ليلة القدر أفضل الليالي، ويوم عرفة أفضل الأيام مطلقاً، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع. نعم؛ يوم ولادته ﷺ أفضل الأيام مطلقاً في حق أمته، وليلة الإسراء أفضل الليالي في حقه، لكنهما غير دائرين في بقية السنين. وأفهم المتن أنه لا يكره ذكر رمضان بلا ذكر شهر، وهو كذلك. (باستكمال شعبان ثلاثين) يوماً، حتى لو رأى شعبان وحده ولم يثبت .. ثبت في حقه باستكمال شعبان ثلاثين من رؤيته. (أو) بثبوته عند قاض ولو بعلمه إن بين مستنده. أو (برؤية عدل) واحد (الهلال) بعد الغروب وإن كان حديد البصر، لا بواسطة نحو مرآة ليلة الثلاثين من شعبان.

стр. 500

وفي "التحفة": (ولو دل الحساب القطعي باتفاق أهله على عدم رؤيته، وكان المخبر منهم بذلك عدد التواتر .. ردت الشهادة به) اهـ والمراد عدل شهادة لا رواية، فلا يكفي فاسق وصبي وعبد وامرأة، بخلافهما في الرواية. ولا تشترط هنا العدالة الباطنة في الشاهد، وهي التي يرجع فيها إلى قول المزكين، بل تكفي العدالة الظاهرة، وهي التي لا يعرف لصاحبها مفسق وإن لم يعلم له تقوى؛ احتياطاً للعبادة. ولا بد من لفظ الشهادة كأشهد أني رأيت الهلال، أو أنه هلَّ، لا أن غداً من رمضان عند (حج) وإن لم يتقدم دعوى؛ لأنها شهادة حسبة. ومن قول القاضي ثبت عندي، أو حكمت بشهادته. وليس المراد حقيقة الحكم؛ لأنه إنما يكون على معين مقصود، ومن ثَمَّ لو ترتب عليه حق لآدمي ادعاه .. كان حكماً حقيقة، ولا أثر لتردد يبقى بعد الحكم بشهادته. نعم؛ إن علم قادحاً فيه .. عمل به باطناً، كفسق الشاهد، وكذا القاضي إن انعزل بالفسق بأن لم يعلم بفسقه موليه، أو بزيادته، ولا لدلالة الحساب على عدم الرؤية ما لم يكن قطعياً كما مر. ودليل الاكتفاء بواحد خبر ابن عمر: (أخبرت النبي ﷺ أني رأيت الهلال، فصام، وأمر بصيامه) وغيره. وقوله: أخبرت، أي: شهدت عنده؛ لأنه من باب الشهادة، لا الرواية. ولا يكلف الشاهد ذكر صفة الهلال، لكن لو ذكر محله، ثم بان الليلة الثانية بخلافه مما لم يمكن عادة .. ردت شهادته. ولو تعارضا في محله .. عمل باتفاقهما على أصل الرؤية ولا أثر لرجوع شاهد أو حاكم بعد الحكم بثبوته، أو بعد الشروع في الصوم ولو بلا حكم .. قال الونائي: فإن رجعا .. امتنع العمل بالشهادة والحكم. ومحل ثبوته بواحد بالنسبة للصوم، وكذا توابعه، كتراويح، ونحوها مما يتعلق برمضان، وكذا كل عبادة ثبتت بواحد، لا بالنسبة لنحو أجل وطلاق وعتق علقا به إلا في حق من رآه.

стр. 501

وخرج برؤية العدل: شهادته بثبوته في بلد آخر، فلا بد من اثنين، وما مر في ثبوته على العموم. وأمَّا ثبوته على الخصوص .. فعلى من رآه ولو فاسقاً، وعلى من تواتر عنده -ولو من كفار- رؤيته أو ثبوته في محل متفق مطلعه مع مطلع محله، وعلى من أخبره موثوق به أنه رآه، أو ثبت فيما يوافق مطلعه مطلع محله ما لم يعتقد خطأه، أو غير موثوق به، كصبي أو فاسق وقع في قلبه صدقه، وعلى من عرفه بحسابه أو تنجيمه، ولا يجزئهما عن صوم رمضان عند (حج)، وعلى من أخبراه ممن اعتقد صدقهما، وكله مشكل؛ فإنَّ الحساب والتنجيم غايتهما إن يدلا على وجوده، وقد قالوا: لا عبرة به، بل العبرة برؤيته. وعلى من رأى العلامات التي تدل على ثبوته، كقناديل معلقة بالمنائر وسماع مدافع أو طبول مما يحصل له به اعتقاد جازم على ثبوته، وعلى من ظن دخوله بالاجتهاد في حق نحو محبوس جهل وقته. وهذه المذكورات كما يجوز له بها صوم رمضان يجوز بها الفطر عنه. وإذا صمنا ثلاثين بعدل .. أفطرنا وإن لم نر الهلال بعدها، ولم يكن غيم، كما لو صمنا بعدلين. والشيء قد يثبت ضمناً بطريق لا يثبت فيها مقصوداً، كالنسب والإرث لا يثبتان بالنساء، ويثبتان بهنّ ضمناً؛ تبعاً للولادة الثابتة بهنّ. ولو صام بقول من اعتقد صدقه ثلاثين، ولم ير الهلال ليلة إحدى وثلاثين .. لم يفطر عند (حج)؛ لأنه إنما صومناه؛ احتياطاً، فلا نفطره احتياطاً. وفارق العدل بأنه حجة شرعية. (وإذا رئي الهلال ببلد .. لزم) الصوم (من وافق مطلعهم مطلعه) دون من خالفه، كما في طلوع الفجر والشمس وغروبهما، أي: في إلحاق من لا فجر أو لا نهار أو لا ليل له بمن له ذلك في دخول أوقات ذلك باتحاد المطلع، لا بمسافة القصر. قال في "التحفة": (ولأن الهلال لا تعلق له بمسافة القصر، ولأن المناظر تختلف باختلاف المطالع والعروض، فكان اعتبارها أولى، وتحكيم المنجمين إنما يضر في الأصول دون التوابع كما هنا) اهـ قال (ب ج): (ولأن اعتبار مسافة القصر يؤدي إلى أن يجب الفطر على من بالبلد،

стр. 502

والصوم على من هو خارجها؛ لوقوعهم في مسافة القصر؛ إذ هي تحديد، وإلى أن يكون من خرج من البلد .. لزمه الإمساك، ومن دخلها .. لزمه الفطر، وهذا يجري أيضاً على قول (م ر) في اختلاف المطلع أن يكون بين البلدين أربعة وعشرون فرسخاً) اهـ وقال الشرقاوي: (الذي عليه الفقهاء أنَّ ما بينهما أربعة وعشرون فرسخاً، مطلعهما مختلف، وما دونهما متحد، ذكره (ح ل) على "المنهج"، وقرره شيخنا عطيه) اهـ وفي شرح "المنهج" قال الإمام: (اعتبار المطالع يحوج إلى حساب وتحكيم المنجمين، وقواعد الشرع تأبى ذلك، بخلاف مسافة القصر التي علق بها الشارع كثيراً من الأحكام، والأمر كما قال) اهـ واتحاد المطلع: أن يكون غروب الشمس والكواكب وطلوعها في المحلين في وقت واحد، فإن طلع أو غرب شيء من ذلك في أحد المحلين في وقت قبل الآخر، أو بعده .. فمختلف. والشك في اختلافها كتحققة؛ إذ الأصل عدم الوجوب ما لم يبن اتفاقها. ومعرفته فرض كفاية كالقبلة، وكذا ترائي الأهلة. ولا يمكن اختلاف الهلال في أقل من أربعة وعشرون فرسخاً. ولو أثبت مخالف الهلال مع اختلاف المطالع .. لزمنا العمل بمقتضى إثباته. ولو سافر من محل الرؤية إلى محل يخالفه في المطلع، ولم ير أهله الهلال .. وافقهم في الصوم آخر الشهر، فيمسك معهم وإن كان معيِّداً؛ لأنه صار منهم. وكذا ولو وصل صائم لمحل أهله معيِّدون .. فيفطر معهم، وقضى يوماً إن صام ثمانية وعشرين ما لم يرجع منه قبل تناوله مفطراً. ولا يختص ذلك بالصوم، بل لو صلى المغرب بمحل، فسافر لمحل آخر لم تغرب فيه .. وجبت إعادتها. وخرج بـ (آخر الشهر): ما لو انتقل إليهم من محل رأوه فيه إلى محل لم يروه .. فلا يفطر معهم، كما في "التحفة". قال (سم): والوجه التسوية بين الأول والآخر، ونقله (ب ج) عن (ح ل) عن (م ر). وبه يلغز بأن شخصاً رأى الهلال ليلاً، وأصبح مفطراً بلا عذر.

стр. 503

وفي (ب ج): (أن القمر لا يستتر أكثر من ليلتين، أي: لا يطلع بعد الفجر آخر الشهر أكثر منهما قبل الشمس، فإذا استتر ليلتين .. فالليلة الثالثة أوَّل الشهر بلا ريب) اهـ وفي "النهاية" و"الإمداد": (يلزم من رؤيته بالمشرق كمكة .. رؤيته بالمغرب كمصر، دون العكس، وأنه لو مات متوارثان أحدهما بالمشرق، والآخر بالمغرب، كل منهما وقت زوال محله .. ورث الغربي الشرقي؛ لتأخر زوال بلده) اهـ وهو ظاهر في الإرث غير ظاهر في الرؤية؛ إذ ما ذكر يستلزم وجود الشهر، لا رؤيته، والمدار عليها لا عليه. (ولصحة الصوم) لرمضان وغيره (شروط) أي: أمور لابد منها، بعضها أركان، وهي الأربعة الأول: (الأول) منها (النية)؛ لخبر: "إنما الأعمال بالنيات". وإنما وجبت فيه، وهو ترك، وهو لا تجب فيه نية؛ لأنه كف قصد به قمع الشهوة، فالتحق بالفعل. وهي: واجبة بالقلب، سنة باللسان. ويصح تعليقها بأن شاء الله إن قصد التبرك، لا التعليق، ولا أن أطلق. ولا يجزئ عنها التسحر وإن قصد به التقوي على الصوم، ولا الامتناع من تناول مفطر قبل الفجر ما لم يخطر بباله الصوم بصفاته التي يجب التعرض لها في النية -أي: من الإمساك والتعيين- لأن ذلك يستلزم قصده غالباً. أي: (ويجب التبييت) ولو لصبي، اي: إيقاع النية فيما بين غروب الشمس وطلوع الفجر ولو قبل الفطر من اليوم الماضي (في الفرض) كرمضان، ولو قضاء وكفارة ومنذوراً وما أمر به الإمام؛ للخبر الصحيح: "من لم يبيت الصيام قبل الفجر .. فلا صيام له". والأصل في النفي حمله على الحقيقة إلا لدليل، ولم يوجد. وتشترط النية (لكل يوم)؛ إذ كل يوم عبادة مستقلة؛ لتخلل اليومين بما يناقض الصوم، كالصلاتين يتخللهما السلام.

стр. 504

ولو تيقن النية وشك بعد الفجر، أوقعت قبل الفجر أو بعده؟ أو شك عند النية أطلع الفجر أم لا؟ لم يصح؛ إذ الأصل عدم تقدمها، وقد يقال: الأصل بقاء الليل فيصح. بخلاف ما لو نوى مع عدم الشك، ثم شك هل طلع الفجر عند نيته أم لا؟ فيصح؛ إذ الأصل بقاء الليل مع جزمه بالنية. ولو شك في النية أو التبييت فذكره قبل الغروب، كما في "التحفة". وقال (م ر): ولو بعد أيام .. لم يضر. ولو شك بعد الغروب، هل نوى أو لا؟ لم يضر. وإنما ضر في الصلاة بعد السلام؛ للتضييق في نيتها، لأن نية الخروج تضر فيها، لا فيه. ولو نوى مع طلوع الفجر .. لم يصح؛ لحديث التبييت السابق، وقيل: يصح كسائر العبادات. ويسن لمن لم يبيتها أو ينوي قبل الزوال، وقبل تعاطي مفطر؛ ليصح له على مذهب أبي حنيفة، لكن لا بد من تقليده. ويسن أيضاً أن ينوي أوَّل ليلة من رمضان صوم جميع رمضان على مذهب مالك؛ لأنه يجزئ لجميع الشهر، ويقلده؛ خشية أن ينسى التبييت في بعض الليالي. ولا يضر بعد النية ليلاً حدوث مناف للصوم كأكل وجماع قبل الفجر، بخلاف منافي النية، كنية تركه. ولا يجب فيه نية الفرضية؛ لأنه من البالغ العاقل لا يكون إلا فرضاً، بخلاف الصلاة، فالمعادة منها نفل؛ لأنها وإن وجبت فيها نية الفرضية .. فالمراد صورة الفرض لا حقيقة (دون النفل) فلا يجب فيه. (فتجزئه نيته قبل الزوال) وإن نذر إتمامه، كأن قال: إن نويت صوم يوم كذا .. فعلي إتمامه، فنواه. وخبر التبييت السابق حملوه على الفرض؛ لما روى الدارقطني عن عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ذات يوم، فقال: "هل عندكم من شيء؟ " قلت: لا، قال: "إني إذاً أصوم"، ويوماًً آخر، فقال: "أعندكم شيء؟ "فقلت: نعم، قال: "إذاً أفطر وإن كنت فرضت الصوم" أي: شرعت فيه وأكدته.

стр. 505

واختص بما قبل الزوال؛ لما في رواية له، وقال: إسنادها صحيح: "هل عندكم من غداء" و (الغداء): اسم لما يؤكل قبل الزوال. (ويجب التعيين أيضاً) للمنوي في النية، كصوم غد من رمضان، أو نذر، أو كفارة وإن لم يعين سببها، فإن عينه وأخطأ .. لم يجز؛ لأن ذلك عبادة مضافة إلى وقت، فوجب التعيين كالمكتوبة. وفي "التحفة": (نعم؛ لو تيقن أن عليه صوماً، وشك أهو قضاء أو نذر أو كفارة؟ أجزأه نية الصوم الواجب وإن كان متردداً؛ للضرورة ولم يلزمه الكل، كمن شك في واحدة من الخمس؛ لأن الأصل بقاء وجوب كل منها، وهنا الأصل براءة الذمة، ومن ثَمَّ لو كانت الثلاثة عليه فأدى اثنين، وشك في الثالث الباقي عليه .. لزمه الكل) اهـ واستوجه (م ر): أنه يكفيه صوم يوم واحد في هذا أيضاً بنية الصوم الواجب. وشمل إطلاق المصنف التعيين الفرضَ والنفلَ بقسميه، وهو المنقول عن "المجموع" واعتمده الإسنوي. لكن اعتمد (حج) في غير "التحفة" و (م ر) والخطيب وغيرهم: أن الصوم في الأيام المتأكد صومها منصرف إليها وإن نوى به غيرها. قال: الشرقاوي: بل وإن نفاه. وفي "الفتح": فرع: أفتى جمع متأخرون بحصول ثواب عرفة وما بعده بوقوع صوم فرض فيها. وقال الإسنوي: إنه إن لم ينو التطوع .. حصل الفرض، وإن نواهما .. لم يحصل واحد منهما اهـ وإنما يتم له إن ثبت أن الصوم فيها مقصود لذاته. والذي يتجه: أن القصد وجود صوم فيها، فهي كالتحية. فإن نوى التطوع أيضاً .. حصلا، وإلا .. سقط الطلب عنه، وبه يجمع بين العبارات المختلفة في ذلك. وعليه: لو نوى ليلاً الفرض، وقبل الزوال النفل .. فهل يثاب على النفل حينئذٍ؛ لأن التقرب بالصوم عن الجهتين، وقد حصل، أو لا؟ لأن صحة نية الصائم صوماً آخر بعيدة، كلٌ محتمل) اهـ ونحوه "الإمداد"، لكنه كالمتردد في "التحفة".

стр. 506

(دون) نية (الفرضية في) صوم (الفرض)؛ لما مر. وكمال النية في رمضان أن ينوي صوم غد عن أداء فرض رمضان هذه السنة لله تعالى، وبهذه النية يصح الصوم اتفاقاً، ويتميز عن أضدادها. ولإطلاق الأداء على الفعل ذكر معه هذه السنة وإن اتحد محترزهما، وأضيف رمضان لهذه السنة؛ لأن قطعه عن الإضافة يوهم أن هذه السنة ظرف لنويت، ولا معنى له. وذكر الغد لا يجب التعرض له بخصوصه، بل إمًّا أن يأتي به، أو يدخله في نية صوم الشهر، كأن يقول ليلاً: نويت الصوم عن رمضان، أو صوم رمضان، ويحصل به اليوم الذي يعقب الليلة التي نوى فيها، ولو كان عليه قضاء رمضانين، فنوى صوم غد عن قضاء رمضان .. صح وإن لم يعين؛ لأنه كله جنس واحد. ولو أخطا في صفة المعين، فنوى صوم الغد، وهو الأحد بظن الإثنين، أو رمضان سنة، وهي سنة اثنتين بظن أنها سنة ثلاث .. صح صومه، بخلاف ما لو نوى الأحد ليلة الإثنين، أو رمضان سنة اثنتين، وهي سنة ثلاث؛ لأنه لم يعين الوقت. ولو كان عليه يوم من رمضان من سنة معينة، فنوى يوماً من سنة أخرى غلطاً .. لم يجزئه. ولو كان عليه قضاء أول رمضان، فنوى قضاء ثانية .. لم يجزئه. ولو نوى صوم الغد يوم الأحد، وهو غيره .. صحح الأذرعي الإجزاء من الغالط. ولو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غد نفلاً إن كان منه، وإلا فمن رمضان .. صح له نفلاً؛ لأن الأصل بقاء شعبان ما لم يبن أنه من رمضان، فلا يصح؛ إذ رمضان لا يقبل غيره. أو نوى به: أنه من رمضان .. لم يصح عن رمضان؛ لعدم الجزم بالنية ولا أصل يستصحبه، بخلاف ما لو نواه آخر ليلة من رمضان .. فيصح إن لم يبن أنه من شوال؛ لأن الأصل بقاء رمضان، ولا نفلاً؛ لأنه لم ينوه. نعم؛ إن ظن أنه من رمضان بقول من يثق به ولو عبداً أو امرأة .. صح. ومع ذلك لا بد أن لا يأتي بما يشعر بالتردد كـ (من رمضان، فإن لم يكن منه .. فتطوع). لكن قال في "التحفة": (والذي يتجه أنه لا نزاع في المعنى، وأنه متى زال بذكر ذلك ظنه .. لم يصح، وإلا .. صح. ولا ينافي هذا ما يأتي أن بكلام عدد من هؤلاء يتحقق يوم الشك الذي يحرم صومه؛

стр. 507

لأن الكلام هنا في صحة النية؛ اعتماداً على خبرهم، ثم إنْ بان أنه من رمضان ولو بعد الفجر .. لم يحتج لإعادتها، وإلا .. كان يوم الشك، فلا يجوز صومه، وفارق ما مر من وجوب الصوم على معتقد صدق مخبره؛ لأن ذاك في اعتقاد جازم، وهذا في الظن، وشتان ما بينهما) اهـ وسيأتي تتمة له. (الثاني: الإمساك عن الجماع) في فرج، بحيث يجب بالإيلاج فيه الغسل (عمداً) أي: من عامد عالم بالتحريم مختار، ودخل في ذلك الواطئ والموطوء، وفرج الآدمي وغيره، من قبل أو دبر ولو زائداً أو مباناً، أنزل أم لا. وأمَّا ما لا يجب الغسل بالإيلاج فيه كأحد فرجي المشكل .. فلا فطر بالإيلاج به ولا فيه. نعم؛ إن أولج فيه .. أفطر. (وعن الاستمناء) أي: بإخراج المني بغير جماع حراماً كان كإخراجه بيده، أو حلالاً في غير نحو صوم كإخراجه بيد حليلته، فيفطر به واضح ومشكل، خرج من فرجيه ولو بحائل إن علم وتعمد واختار؛ لأنه أولى من مجرد إيلاج. ولو حك ذكره لنحو جرب فأنزل .. لم يفطر إن لم يعلم من عادته الخروج بذلك، أو لم يطق الصبر، وإلا .. أفطر، وكإخراجه بلمسِ ما ينقض لمسه كقبلة ومضاجعة بلا حائل، لا بإخراجه بلمس محرم وصغير وأمرد وإن تكرر ما لم يقصد به الإنزال، وإلا .. أفطر، ولا بلمس فرج بهيمة أو بنظر أو فكر وإن كررهما وإن قلنا بحرمة ذلك عند خوف الإنزال على ما في "الأسني"، و"النهاية". وحرم على صائم فرض لمس بنحو قبلة إن حرك شهوته بحيث يخاف الإنزال أو الجماع، لا مجرد انتصاب ذكر وخروج مذي، لكن يكره. أمَّا الجاهل المعذور والناسي والمكره .. فلا يفطرون بجماع، ولا بإخراج مني؛ لعذرهم. لكن في (ب ج): أنه لو أكره على الزنا .. أفطر؛ لأن الإكراه على الزنا لا يبيحه، بخلافه على الأكل ونحوه. (الثالث: الإمساك عن الاستقاءة) فيفطر من استدعى القيء عامداً عالماً بالصوم والتحريم مختاراً؛ لخبر: "من ذرعه القيء .. فليس عليه قضاء، ومن استقاء ..

стр. 508

فليقض"، أي: وإن لم يعد لجوفه منه شيء؛ لأنها مفطرة بنفسها. (ولا يضر تقيؤه) ناسياً أو جاهلاً إن عذر بنحو قرب إسلام، وفي "الفتح" يعذر مطلقاً. قال في "الإيعاب": ومنه يؤخذ: أن ما يجهله أكثر العامة يعذر فيه. ولا تقيؤه (بغير اختياره)؛ للخبر المتقدم، ولا قلعه نخامة من دماغه أو باطنه ومجها على الأصح؛ لتكرر الحاجة إليه، فرخص فيه. أمَّا لو نزلت بنفسها أو بغلبة نحو سعال فلفظها .. فلا يفطر قطعاً. وكذا لو لم يقدر على مجها حال دخولها من ظاهر لباطن وما لو قلعها من باطن لباطن. ولو أصبح وفي فمه خيط متصل بباطنه، فإن أبقاه .. لم تصح صلاته، وإن بلعه أو نزعه مختاراً .. بطل صومه. فطريقه أن ينزعه غيره وهو غافل، أو يجبره على نزعه حاكم ولا يفطر؛ لأنه غير مختار فيهما، وإلا .. ابتلعه أو نزعه؛ لتصح صلاته، ويفطر؛ لأنها أغلظ من الصوم. ولو أصبح صائم وفي أذنه أو دبره نحو عود .. لم يفطر بإخراجه، لاختصاص الاستقاءة بالخارج من الفم. ومن الاستقاءة ما لو دخلت ذبابة جوفه قهراً .. فأخرجها، فيفطر إن علم وتعمد. (الرابع: الإمساك عن دخول عين) من أعيان الدنيا وإن قلت ولم تؤكل كحجر، فيفطر بإدخاله لها، وبدخولها بنفسها مع تمكنه من دفعها (جوفاً) له وإن لم تكن فيه قوة تحيل الغذاء أو الدواء. (كباطن الأذن) وهو ما وراء المنطبق، وباطن الأنف، وهو ما وراء القصبة جميعها. (و) باطن (الإحليل) وهو مخرج البول من الذكر، ومخرج اللبن من الثدي، وباطنه ما لا يظهر عند تحريكه، وكخريطة الدماغ من مأمومة وإن لم يصل باطنها أو جوف من نحو طعنه من نفسه أو غيره بإذنه وإن لم تصل الأمعاء. قال (سم): ويفطر بمجاوزة ما يظهر من رأس الذكر والدبر، لكنه في الدبر بشرط

стр. 509

أن يصل إلى محل المجوف، بخلاف أول المسربه، فلا يسمى جوفاً. وإنما يفطر (بشرط) إدخاله أو (دخوله) أي: دخول ما ذكر من العين المذكورة إلى الجوف من ظاهر إلى باطن، و (من منفذ مفتوح) مع العلم والعمد والاختيار. فخرج بـ (العين): الأثر، كطعم وريح، فلا يفطر بما وصل الجوف من ذلك من غير عين. قال (م ر): (ومنه يؤخذ أنه لا يفطر بوصول الدخان إلى الجوف وإن تعمد فتح فِيْه لذلك؛ إذ ليس هو عيناً عرفاً وإن كان ملحقاً بها في باب الإحرام) اهـ لكن استثنوا منه دخان التنباك؛ لأنه يتحصل منه العين، بل نازع (سم) في كون الدخان ليس بعين؛ لأنه إذا كان من نجس .. ينجس. وبـ (من أعيان الدنيا) أعيان الجنة، لو حصلت كرامة وأكلها, لا يفطر بها؛ لأنها من جنس الثواب، والكرامة لا تبطل العبادة. وبـ (جوفاً): وصولها لنحو مخ ساقه، وبطن فخده مما لا يسمى جوفاً. وبـ (من ظاهر لباطن): ما لو ابتلع نخامة من رأسه لبطنه؛ لأنه من باطن لباطن، ومثله بلع ريقه الصرف من فمه؛ لأنه عدوه في ذلك من باطن إلى باطن. قال في "الشرح": (مخرج الهاء والهمزة باطن، ومخرج الخاء والحاء ظاهر، ثم داخل الفم إلى منتهى الغلصمة، والأنف إلى منتهى الخيشوم له حكم الظاهر في الإفطار، بإخراج القيء إليه وابتلاع النخامة منه، وفي عدم الإفطار بدخول شيء فيه ووجوب غسله إذا تنجس، وله حكم الباطن في عدم الإفطار ببلع الريق منه، وسقوط غسله عن نحو الجنب، وإنما وجب غسل النجاسة عنه؛ لغلظها) اهـ وبـ (من منفذ مفتوح) وصولها من منفذ غير مفتوح. (و) من ثم (لا يضر تشرب المسام) بتشديد الميم الأخير، جمع سَمٍّ بتثليث أوله، والفتح أفصح، ثقب البدن من محال الشعر، وهي ثقب لطيفة لا تدرك. (بالدهن والكحل والاغتسال) فلا فطر بذلك وإن وصل لجوفه ووجد لونه في نحو نخامة؛ لأنه لما لم يصل من منفتح .. كان في حيز العفو، لكنه خلاف الأولى؛ لخلاف مالك.

стр. 510

وبـ (مع العلم) .. إلخ: الناسي والجاهل والمكره، كما أشار إليه بقوله: (فإن أكل أو شرب) أو أدخل نحو عود في نحو أذنه (ناسياً) للصوم (أوجاهلاً) بأن ذلك مفطر، أو مكرهاً على الأكل مثلاً، سواء أكل (قليلاً أو كثيراً .. لم يفطر)؛ لعموم خبر الصحيحين: "من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب .. فليتم صومه"، وفي رواية: "فإنما أطعمه الله وسقاه"، وصح "ولا قضاء عليه". وخبر: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". نعم؛ من أكل ناسياً مثلاًً، فظن أنه أفطر فأكل .. أفطر، والجاهل كالناسي بجامع العذر. ولو علم تحريم الأكل مثلاً، وجهل الفطر به .. لم يعذر؛ لن حقه مع علم التحريم الامتناع. (ولا يعذر الجاهل) هنا، وفيما مر (إلا إن قرب عهده بالإسلام) ولم يكن مخالطاً أهله بحيث يعرف منهم أن ذلك مفطر. (أو نشأ ببادية) أي: محل، ولو بلداً (بعيدة عن العلماء) بذلك، بحيث لا يستطتع النقلة إليهم، أو كان المفطر من المسائل الخفية كإدخاله عوداً في أذنه؛ لعذره حينئذٍ، بخلاف غير من ذكر؛ لتقصيره بترك تعلمه ما يجب عليه تعلمه. ولا يفطر عود مقعدة مبسور وإن اضطر لدخول إصبعه معها، ولا بدخول نحو ذبابة جوفه بغير اختياره. نعم؛ إن أخرجها منه أفطر إن علم تحريمه وتعمد، ويأثم حيث لا ضرر في إبقائها. (ولا بغبار) نحو (الطريق) ولا بغربلة نحو دقيق (وإن تعمد فتح فمه)؛ لأن التحرز عن ذلك شأنه أن يشق، فهو بدخول ذلك غير مختار. وقضية إطلاقه: عدم الفرق بين القليل والكثير، والطاهر والنجس، واعتمده (م ر). والذي اعتمده في "التحفة": أن النجس يضر مطلقاً، والطاهر إن تعمده. عفي عن قليله، وإلا .. عفى حتى عن كثيره.

стр. 511

(ولا) يفطر أيضاً (ببلع الريق) أي: ريقه (الطاهر الخالص من معدنه) وهو ما تحت لسانه، والمراد به جميه فمه (وإن) جمعه و (أخرجه على لسانه)؛ لتعسر الاحتراز عنه. ومرَّ أنهم جعلوا الفم في الريق الصرف، والوضوء والغسل باطناً، وفي إزالة النجاسة، ودخول غير الريق منه، وخروج شيء من الباطن إليه ظاهراً. وخرج بـ (ريقه): ريق غيره، وما جاء: (أنه ﷺ كان يمص لسان عائشة) .. فيحتمل؛ أنه يمجه. وبـ (الطاهر) المتنجس ولو بدم لثته وإن صفى؛ لأنه لما تنجس .. حرم ابتلاعه، وصار تنجسه بمنزلة عين. واستظهر في "التحفة": العفو عما ابتلى به من دم اللثة بحيث لا يمكنه الاحتراز عنه؛ قياساً على مقعدة المبسور، ولنا وجه بالعفو عنه مطلقاً إذا كان صافياً، وفي تنجس الريق به إشكال؛ لأنه نجس عمَّ اختلاطه بمائع، وما كان كذلك لا ينجس ملاقيه، كما في الدم على اللحم إذا وضع في الماء للطبخ، فإن الدم لا ينجس الماء. وبـ (الخالص): المختلط بما تغير به لونه أوطعمه أو ريحه إن نشأت من عين، بخلاف تغيره بمجاور فلا يضرمطلقاً، كما أنه يضر بالمخالط مطلقاً. وبـ (من معدنه): ما ابتلعه من نحو سواك أو خيط أخرجه عن الفم، ثم رده إليه وابتلعه، أو من ظهر شفته، فيفطر العالم بحرمة ذلك لا الجاهل؛ لأنه مما يخفى. ولو حال بينه وبين اللسان حائل .. قال (ب ج): اعتمد الحفني الإفطار. (ويفطر بجري الريق بما بين أسنانه) وبما في حنكه (بقدرته) -أي: مع قدرته- حال جريانه (على مجه) وإلا .. فلا، وإن قدر على مجه قبل جريانه ولو نهاراً. قال (ب ج): وهل يجب عليه الخلال ليلاً إذا علم جري ريقه بما بين أسنانه نهاراً، ولا يمكنه التمييز والمج؟ الأوجه لا، كما هو ظاهر إطلاقهم. ويوجه بأنه يخاطب بالتمييز والمج عند القدرة عليهما حال الصوم، لا قبله، لكن ينبغي أن يتأكد ذلك ليلاً؛ خروجاً من خلاف من قال: إنه لم يتخلل .. أفطر. (و) يفطر أيضاً (بالنخامة كذلك) بأن وصلت حد الظاهر من الفم فأجراها هو وإن

стр. 512

عجز بعد ذلك عن مجها، أو جرت بنفسها وقدر على مجها؛ لتقصيره مع أن نزولها منسوب إليه، بخلاف ما لو جرت بنفسها وعجز عن مجها .. فلا يفطر؛ لعذره، وكذا لو لم تصل لحد الظاهر؛ لما مر. (و) يفطر أيضاً (بوصول ماء المضمضة) أو الاستنشاق (إلى الجوف) من باطن أو دماغ إن بالغ مع تذكره للصوم وعلمه بعدم مشروعيته، وإلا .. لم يفطر. وضابط المبالغة: أن يكون بحيث يسبق غالباً إلى الجوف، وهذا (إن بالغ في غير نجاسة) في الفم أو الأنف وإلا .. لم يفطر بالمبالغة لها ولو معفواً عنها أو مشكوكة؛ لطلب غسلها حينئذٍ ولو بمبالغة توقف يقين الطهارة عليها، وبه فارقت المضمضة لنحو الوضوء، إذ لا تتوقف فيه عليها. (و) يفطر أيضاً بوصول ما ذكر لجوفه ولو (بغير مبالغة من مضمضة) أو استنشاق؛ (لتبرد أو رابعة) أو من انغماس في الماء حيث تمكن من الغسل بغيره؛ لأن ذلك جميعه غير مأمور به. والقاعدة: أن ما سبق لجوفه من غير مأمور به يفطر به، أومن مأمور به ولو مندوباً لم يفطر به. وأخذ منه أنه لو وصل إلى جوفه من أذنيه في الغسل الواجب أو المندوب ماء .. لم يفطر؛ لتولده من مأمور به، ولا نظر لإمكان إمالة رأسه بحيث لا يدخل الماء جوفه؛ لعسره. وفي (ب ج): (ولو وضع في فمه ماء بلا غرض، فسبقه .. أفطر، أو ابتلعه ناسياً .. لم يضر، أو وضعه فيه كتبرد وعطش فوصل جوفه بغير فعله، أو ابتبعه ناسياً .. لم يفطر، كما قاله شيخنا في "الشرح") اهـ قال: ونحوه في "شرح الغاية") لـ (سم). ويحرم أكل الشاك آخر النهار لا آخر الليل؛ لأن الأصل بقاؤهما، فإن ظن انقضاء النهار باجتهاد .. جاز له الإفطار. والأحوط أن لا يتعاطى مفطراً إلا بعد اليقين بجوازه. (و) إن تعاطاه بغير يقين .. بطل صومه (بتبين الأكل) أو غيره من المفطرات

стр. 513

(نهاراً) بخلاف ما إذا بان الأمر كما ظنه، أو لم يتبين غلط ولا إصابة وقد تعاطاه باجتهاد فيهما أو هجوماً في أوله؛ لأن الأصل بقاء الليل. فإن هجم بإفطاره أو أخذ فيه بظن غير اجتهاد في آخره .. فصومه باطل ما لم يبن إفطاره ليلاً؛ لأنه لم يعتمد في إفطاره على ظن يعتمد، ولا على أصل؛ إذ الأصل بقاء النهار. ويجوز اعتماد خبر عدل أو فاسق اعتقد صدقه بالغروب، وبالأولى في بقاء الليل. وإن أخبره بالفجر .. وجب العمل بقوله (لا بالأكل) أو مفطر غيره (مكرهاً) فلا يفطر به إلا الجماع كما مر. نعم؛ شرط عدم الفطر بالإكراه أن لا يتناوله لشهوة نفسه، بل لداعي الإكراه لا غير. (الخامس والسادس والسابع: الإسلام، والنقاء عن الحيض والنفاس، والعقل في جميع النهار) في الكل، فإن ارتد أو حاضت أو نفست أو جن ولو لحظة .. بطل صومه كالصلاة، وإن كان الجنون بشرب مجنن ليلاً، وكذا لو ولدت وإن لم تر دماً؛ لأن الولادة مفطرة؛ بناءً على الراجح أنها توجب الغسل. لكن نفل في "الإسعاد" عن النووي: (أن الأقوى دليلاً عدم بطلان الصوم بها؛ لأنهم عللوا وجوب الغسل بها بأن الولد مني منعقد، وخروجه يوجب الغسل، ولا يفطر من غير استمناء ولا مباشرة) اهـ ويحرم على حائض ونفساء الإمساك بنية الصوم، لكن لا يجب عليهما تعاطي مفطر، وكذا في نحو العيد؛ اكتفاء بعدم النية. ولا يضر النوم المستغرق جميع النهار؛ لبقاء أهلية الخطاب فيه، وبه فارق الإغماء. (ولا يضر الإغماء والسكر) الذي لم يتعد به (إن أفاق) أي: خلا عنهما (لحظة في النهار)؛ اكتفاء بالنية مع الإفاقة في جزء. وإن لم توجد إفاقة منهما، كأن طلع الفجر ولا إغماء ولا سكر، ثم طرأ أحدهما واستمر إلى الغروب .. فهذا خلا لحظة عنهما لا أفاق، والحكم واحد، فإن لم يخل لحظة عنهما .. لم يصح صومه؛ لأنهما في الإستلاء على العقل فوق النوم ودون الجنون.

стр. 514

فلو قلنا بعدم ضرر المستغرق منهما كالنوم .. لألحقنا الأقوى بالأضعف، ولو قلنا بضرر اللحظة منهما كالجنون .. لألحقنا الأضعف بالأقوى فتوسطنا وقلنا: إفاقة لحظة منهما كافية. وأمَّا إذا تعدى به .. قال الكردي: (فيأثم به، ويبطل صومه ويلزمه القضاء وإن كان في لحظة من النهار، وكذا إن شرب مزيلاً للعقل تعدياً، فإن كان لحاجة .. فهو كالإغماء. وأمَّا الجنون من غير تسبب فيه، فمتى طرأ لحظة من النهار .. بطل صومه، ولا قضاء، ولا إثم) هذا ملخص ما في "التحفة" ثم اضطرب كلامه، اهـ وفي (م ر): لا يضر إغماء أو سكر بعض النهار ولو بتعد، وبه قال (سم) و (حج) في "شرحي الإرشاد"، بل فيهما: لا يبطل صوم غير المتعدي منهما وإن استغرق النهار. ولو مات أثناء النهار .. بطل صومه في أحكام الدنيا، لا الآخرة. ومن شروط الصوم قابلية الوقت له. (ولا) يجوز، ولا (يصح) صوم رمضان عن غيره وإن أبيح له فطره لنحو سفر؛ لأنه لا يقبل غيره بوجه. ولا (صوم يوم العيدين) عيد الفطر والأضحى مطلقاً اتفاقاً. (و) لا صوم يوم من (أيام التشريق) ولو لمتمتع عادم للهدي؛ لعموم النهي عن صيامها. والقديم: جواز صيامها لمتمتع عن الثلاثة الواجبة في الحج أو لنحو كفارة، وهو مذهب مالك وإحدى الروايتين عند أحمد، وهو الراجح دليلاً في "المجموع"، و"الروضة"؛ لصحة الحديث فيه. (ولا) صوم يوم من (النصف الأخير من شعبان)؛ للنهي عنه. ولا صوم يوم الشك؛ لقول عمار بن ياسر: (من صام يوم الشك .. فقد عصى أبا القاسم ﷺ رواه الترمذي وغيره، وصححوه. فيحرم صومه؛ لكونه يوم الشك مع حرمة كونه من النصف الثاني. والمعنى فيه القوة على صوم رمضان. وفهم منه أنه لو صام الخامس عشر وتالييه، وأفطر السابع عشر .. حرم الصوم؛ لأنه

стр. 515

صوم بعد النصف بلا سبب، ولم يصله بما قبله. ويوم الشك: يوم الثلاثين من شعبان إذا تحدث برؤيته اثنان فأكثر، بحيث يتولد من ذلك الشك في رؤيته. وإن أطبق الغيم ولم يعلم من رآه، أو شهد برؤيته عدد يردّ كعبيد أو فسقه، وظن صدقهم. قال (ب ج): (وظن الصدق بمعنى احتمل، بخلاف المقطوع بكذبه، ومظنون الصدق، فلا يكون به يوم شك. لكن مرَّ أنه مع ظن الصدق يوم الشك، فتجوز معه النية، فإن تبين كونه من رمضان، وإلا .. حرم صومه. وحاصله: أنه مع اعتقاد صدق المخبر تجب النية والصوم ويصح وإن لم يبن كونه من رمضان، ومع ظن الصدق تصح النية، وكذا الصوم إن تبين كونه من رمضان ليلاً أو نهاراً، وكذا بعد مضي اليوم وإن حرم عليه، وإلا .. لم يصح. ومع الشك تحرم النية والصوم، ولا يصحان وإن بان أنه من رمضان) اهـ ملخصاً قال (م ر): (عمت البلوى بثبوت هلال ذي الحجة يوم الجمعة مثلاً، ثم يتحدث الناس برؤيته ليلة الخميس، ويظن صدقهم ولم يثبت، فهل يندب صوم اليوم المذكور؛ لكونه يوم عرفة ظاهراً، أو يحرم؛ لاحتمال كونه يوم عيد؟ أفتى الوالد بالثاني؛ إذ دفع مفسدة الحرام مقدم على جلب تحصيل مصلحة المندوب) اهـ وعليه: فيحرم صومه ولو قضاء عن فرض وإن وصله بما قبله؛ لأنه بتقدير كونه يوم عيد لا يقبل صوماً ألبته، بخلاف يوم الشك فيقبله عما ذكر. لكن اعترضه البرلسي بأن التحريم لا يثبت بالشك أي والمعنى الذي حرم لأجله صوم يوم الشك غير موجود هنا (إلا لورد)، كأن اعتاد صوم الدهر، أو صوم يوم وفطر يوم، أو يوم الإثنين، أو السود، فصادف ما بعد النصف، أو يوم الشك، فيصح صومه؛ لخبر الصحيحين بذلك. وتثبت العادة بمرة (أو نذر) مستقر في ذمته، كأن نذر صوم كذا فوافق النصف الثاني من شعبان، بخلاف ما لو نذر صوم غد وهو عالم أنه يوم شك مثلاً .. فلا ينعقد، بخلاف ما لو لم يعلم ذلك.

стр. 516

(أو قضاء) ولو لنفل يشرع قضاؤه (أوكفارة) فيجوز صوم ما بعد النصف عنها ولو يوم الشك، ولا كراهة في صوم ما ذكر؛ لأن له سبباً فجاز كنظيره من الصلاة في الأوقات المكروهة، ومن ثَمَّ يأتي في التحري هنا ما مرَّ ثمَّ، ومسارعة لبراءة ذمته في غير الأول. (أو وصل) صوم (ما بعد النصف بما قبله) ولو بيوم الخامس عشر وإن اقتضى خبر: "إذا انتصف شعبان .. فلا تصوموا" حرمة صومه؛ حفظاً لأصل مطلوبية الصوم. * * * (فصل: شروط من يجب عليه) صوم (رمضان): (العقل، والبلوغ) فلا يجب على مجنون غير متعد بجنونه، ولا على صبي أداءً ولا قضاءً؛ لرفع القلم عنهما، ويجب على من تعدى بجنونه أو سكره أو إغمائه مطلقاً على ما مر وجوب انعقاد سبب؛ ليترتت القضاء عليهم، لا وجوب أداء. (والإسلام) ولو فيما مضى بالنسبة للمرتد حتى يلزمه القضاء إذا أسلم، بخلاف الكافر الأصلي نعم؛ يعاقب على تركه في الآخرة نظير ما مر في الصلاة، ويحرم إطعامه في نهار رمضان؛ لأنه إعانة على معصية وإن لم نمنعه منه، ولم يصح صومه منه؛ لأنه قادر عليه بالإسلام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالإسلام واجب لذاته ولإداء العبادة، فإذا لم يصح صومه .. وجب عليه الإمساك؛ لتعديه. نعم؛ إنما يتجه إن كان الإمساك مجمعاً عليه؛ لأنه إنما يخاطب بما أجمع عليه، فإن لم يجمع عليه .. حرم على من يوجب الإمساك -كالشافعية- إطعامه؛ لأنه معصية في اعتقاده. قال في "التحفة" في فصل: لا تزوج امرأة نفسها: (لا يجوز لشافعي التسبب فيه، أي: العقد الذي لا يرى صحته، إلا إن قلد القائل بحله) اهـ ولو اعتقد الصبي الكفر عند النية .. لم ينعقد صومه، بخلافه بعده.

стр. 517

(والإطاقة) حساً وشرعاً، والصحة والإقامة ولو حكماً؛ ليدخل العاصي بسفره، والمسافر سفراً قصيراً؛ لأنهما في حكم المقيم، فلا يجب على من لا يطيقه حساً لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، أو شرعاً لنحو حيض، ومريض يرجى برؤه ومسافر بقيدهما الآتي. ووجوبه على المريض والمسافر والحائض والسكران والمغمى عليه عند من عبر بوجوبه عليهم، وجوب انعقاد سبب؛ لوجوب القضاء عليهم. ومن ألحق بهم المرتد .. فقد سها؛ لأن وجوبه عليه وجوب أداء؛ لأنه مخاطب بعوده للإسلام، وبالصوم أداء. ولا يرد الكافر الأصلي؛ لأنه وإن خوطب بالإسلام يكتفى منه ببذل الجزية، فلم يستلزم خطابه بالصوم أصالة ولا تبعاً، فمن ثَمَّ لم يلزمه القضاء؛ إذ لم ينعقد السبب في حقه، ولا يسن قضاؤه ولا ينعقد، كما أفتى به الشهاب الرملي إلا اليوم الذي أسلم فيه. (ويؤمر) وجوباً (الصبي به لسبع) من السنين (ويضرب على تركه لعشر) منها (إن أطاقه) كما مر في الصلاة بتفصيله فيها. * * * (فصل) فيما يبيح الفطر . (ويجوز الفطر) في رمضان وغيره من الواجب ولو قضاء مضيقاً (للمرض الذي يبيح التيمم)، كأن يخاف منه محذوراً من محذوراته المارة في بابه وإن تعدى بسبب ذلك عند (حج)، كأن تعاطى ما يمرضه قصداً، لأنه لا ينسب إليه، ثم إن أطبق مرضه .. فظاهر، وإلاَّ .. فإن وجد المرض المعتبر قبل الفجر .. لم تلزمه النية، وإلا لزمته وإن ظن عوده عن قرب، ثم إن عاد .. أفطر، وهذا فيمن لم ينته حاله إلى أن يخاف من الصوم مبيح تيمم لضعفه من المرض وإن لم يعد له، وإلا .. جاز ترك النية مطلقاً. (و) يجوز أيضاً الفطر (للخائف من الهلاك) من الصوم على نفس أو منفعة له أو لغيره، كما يأتي.

стр. 518

(ولغلبة الجوع أو العطش) بحيث يخاف من الصوم مع أحدهما مبيح تيمم. وظاهر المتن: استواء ما ذكر في الجواز، واعتمد (حج) أن مبيح التيمم يوجب الفطر. وعند (م ر): لا يوجبه إلا خوف الهلاك، وهذا وارد على تعبير المتن بالجواز، لكنه جواز بعد امتناع فيصدق بالوجوب، وعلى كلام (م ر) فالجواز فيه مستعمل في حقيقته ومجازه، أو بمعنى غير الممتنع الشامل للواجب والمباح. ويلزم أهل العمل المشق في رمضان كالحصادين ونحوهم تبييت النية، ثم مَنْ لحقه منهم مشقة شديدة .. أفطر، وإلا .. فلا. ولا فرق بين الأجير والغني وغيره، والمتبرع وإن وجد غيره وتأتى لهم العمل ليلاً، كما قاله الشرقاوي: وقال في "لتحفة": إن لم يتأت لهم ليلاً. ولو توقف كسبه لنحو قوته المضطر إليه هو أو ممونه على فطره .. جاز له، بل لزمه عند وجود المشقة الفطر، لكن بقدر الضرورة، ومن لزمه الفطر فصام .. صح صومه؛ لأن الحرمة لأمر خارج، ولا أثر لنحو صداع ومرض خفيف لا يخاف منه ما مر. (و) يجوز الفطر أيضاً (للمسافر سفراً طويلاً مباحاً)؛ للكتاب والسنة والإجماع، لا لذي السفر القصير أو المحرَّم، ويأتي هنا جميع ما مر في القصر، فحيث جاز .. جاز الفطر (إلا) أنه هنا لا يفطر (إن طرأ السفر) بأن فارق العمران أو السور (بعد الفجر)؛ تغليباً للحضر، بخلاف القصر فيقصر بعد مجاوزة ما ذكر في يوم السفر وإن طرأ السفر بعد الفجر، وبخلاف الفطر بالمرض فيباح بحدوث المرض أثناء النهار؛ لوجوده من غير اختياره بخلاف السفر، فإن سافر قبل الفجر .. جاز له الفطر ولو بعد نية الصوم وإن نوى ليلاً، فقد صح: أنه ﷺ أفطر بعد العصر في رمضان في سفر بقدح ماء لمّا قيل: إن الناس يشق عليهم الصوم، ولوجود سبب الترخيص. ولو نوى ليلاً ثم سافر ولم يدر أسافر قبل الفجر أم بعده؟ امتنع الفطر؛ للشك في مبيحه. وتجب نية الترخص عند الفطر على مسافر ومريض يرجى برؤه ومن غلبه نحو جوع

стр. 519

كالحصادين ونحوهم؛ قياساً على محصر تحلل، وليتميز الفطر المباح من غيره. قال الونائي: لا على شيخ وشيخه ومريض لا يرجى برؤه، وحامل ومرضع. (والصوم في السفر أفضل) من الفطر؛ لآية (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة:١٨٤]، ولبراءة الذمة، وحيازة فضيلة الوقت. وفارق أفضلية القصر بأنه يحصل به براءة الذمة وفضيلة الوقت، بخلاف الصوم، وبأن فيه خروجاً من خلاف موجبة كأبي حنيفة. وليس في إيجاب الفطر خلاف يعتد به، هذا (إن لم يتضرر) حالاً ولا مآلاً، وإلا فالفطر أفضل؛ لخبر الصحيحين: إنه ﷺ مر برجل في ظل ثجرة يرش عليه الماء، فقال: "ليس من البر الصيام في السفر"، بل قد يجب، كما مر. وعليه حمل قوله ﷺ في الخير لما أفطر فبلغه أن أناساً صاموا: "أولئك العصاة"، أي بالصوم مع خوف المحذور، أو عصاة لمخالفتهم أمره ﷺ لهم بالفطر، ليتقووا على عدوهم. نعم؛ إن نذر المسافر إتمام صومه .. لم يجز له الفطر، وكذا مديم السفر؛ لأنه يؤدي إلى إسقاط الوجوب بالكلية، ومسافر غلب على ظنه أنه لا يعيش إلى أن يقضيه -كذي مرض مخوف- وهو قادر على الصوم قاله (م ر)، ونظر في الأولى في "التحفة"، و"الإيعاب"، و"الإمداد" في كليهما. وفي "التحفة": أنه يمتنع الفطر على من قصد بسفره محض الترخص، كمن سلك الطريق الأبعد للقصر، ثم قال: وصريح كلام الأذرعي والزركشي امتناع الفطر على من نذر صوم الدهر؛ لأنه انسد عليه القضاء. (وإذا بلغ الصبي أو قدم المسافر أو شفي المريض وهم صائمون) بأن نووا ليلاً، ولم يتناولوا مفطراً ( .. حرم الفطر)؛ لزوال مبيحه، ولذا لو جامع أحدهم لزمته الكفارة.

стр. 520

(وإلا) يكونوا صائمين بل مفطرين ولو بترك النية ( .. استحب) لهم (الإمساك) كمن طهرت من حيضها، ومن أفاق أو أسلم أثناء النهار؛ لحرمة الوقت، وإنما لم يجب؛ لأن الفطر مباح لهم ظاهراً وباطناً. وزوال العذر بعد الترخص لا يؤثر، بخلاف المتعدي بفطره وتارك النية ومن أفطر أول يوم من رمضان قبل تبينه؛ لأنهم غير مباح لهم الفطر ظاهراً وباطناً، بل لازم الصوم لهم باطناً وظاهراً إلا في من أفطر يوم من رمضان .. فباطناً فقط، فلما أفطر بظن تبين خطؤه .. وجب عليه الإمساك. والحاصل: أن من جاز الفطر له ظاهراً وباطناً لا يجب عليه الإمساك بل يسن، ومن حرم عليه ظاهراً وباطناً، أو باطناً فقط .. وجب عليه الإمساك. (وكل من أفطر لعذر أو غيره .. وجب عليه القضاء) ولو بيوم قصير عن طويل؛ لما فاته من واجب رمضان أو غيره لسفر أو مرض؛ للآية، أو حيض أو نفاس؛ لما مر في الحيض، أو إغماء أو سكر؛ لأن الإغماء مرض، ولذا جاز على الأنبياء، بخلاف الجنون، ويخالف الصلاة؛ لتكررها. والسكران في معنى المكلف، قال (ب ج): والظاهر أن السكران لا يجب عليه القضاء إلا بتعد، وبه صرح (حج) و (م ر). وقال (سم): يجب على السكران مطلقاً كالمغمى عليه. ثم من أفطر رمضان أو واجباً غيره تعدياً .. لزمه القضاء مطلقاً حتى تلزم الفدية عنه لو مات قبل صومه وإن لم يتمكن منه. ومن أفطره بعذر كمرض وسفر وحيض وناسي النية .. فإنما يجب عليه القضاء (بعد التمكن) منه، وإلا كأن مات عقب موجب القضاء، أو استمر به العذر إلى موته أو سافر أو مرض بعد أول يوم من شوال إلى أن مات .. فلا فدية عليه؛ لعدم تمكنه منه. (إلا الصبي والمجنون) الذي لم يتعد بجنونه .. فلا قضاء عليهما؛ لرفع القلم عنهما. (و) إلا (الكافر الأصلي) .. فلا قضاء عليه؛ ترغيباً له في الإسلام. لكن يسن لصبي قضاء ما فاته زمن تمييزه، ولكافر قضاء يوم إسلامه.

стр. 521

أمَّا المعتدي بجنونه وكذا من ارتد، ثم جن .. فيلزمهما قضاء مدة جنونهما، بخلاف من سكر ثم جن .. فيلزمه قضاء مدة سكره، ويرجع فيه لأهل الخبرة. (ويستحب) فيما فات بعذر (موالاة القضاء) فيه (والمبادرة به)؛ مسارعة لبراءة ذمته. نعم؛ قد يجبان لنحو ضيق وقت، كأن لم يبق من رمضان إلا قدر الأيام التي عليه. (وتجب) المبادرة المستلزمة للموالاة (إن أفطر لغير عذر)؛ ليخرج عن معصية الترك المتعدي به. قال في "الإمداد": وفي هذه الحالة يلزمه القضاء ولو في السفر ونحوه؛ إذ التخفيف بالتأخير لا يليق بالمتعدي. (ويجب الإمساك في رمضان)؛ لحرمة الوقت، وتشبيهاً بالصائمين دون غيره كنذر وقضاء؛ لانتفاء شرف الوقت عنهما. ولذا لم تجب في إفسادهما كفارة (على تارك) الصوم في رمضان، وقد وجب عليه ولو باطناً. ومنه تارك (النية) ليلاً ولو سهواً؛ لأن نسيانه يشعر بتقصيره بترك الاهتمام بالعبادة، ومن أكل ظاناً بقاء الليل فبان نهاراً (والمتعدي بفطره) ولو شرعاً عقوبة له. (و) المفطر (في يوم الشك إن تبين كونه من رمضان)؛ لتوجه الأمر عليه بصومه، لكنه جهله .. فعذر بإفطاره قبل التبين، فلما تبين .. وجب الإمساك. وفارق المسافر بعدم توجه الأمر عليه أصلاً. (ويجب قضاؤه) أي: يوم الشك المذكور كغيره مما تعدى بفطره (على الفور) على المعتمد؛ للتقصير بعدم رؤية الهلال مع رؤية غيرهم له. وإنما لم يجب على ناسي النية الفور في قضائه؛ لأن عذره أعم وأظهر من عذر مفطر يوم الشك المذكور، ولأنه له حيلة في إدراك الهلال، بخلاف ناسي النية لا حيلة له في دفع النسيان، كذا قالوه. * * *

стр. 522

(فصل) في سنن الصوم . وهي كثيرة، منها: أنه (يستحب) لصائم رمضان وغيره تناول مفطر. أمَّا الفطر بمعنى: الخروج من الصوم .. فيحصل بالغروب. ومنه أيضاَ أنه يستحب (تعجيل الفطر)؛ للخبر الصحيح: "لا تزال الناس بخير ما عجلوا الفطر، وأخروا السحور". وهل يحصل الفطر بنحو جماع وإدخال نحو عود في أذنه؟ قال (ب ج): الأولى نعم؛ وقال (ق ل): قوله (وتعجيل فطر) أي: بغير جماع. وإنما يسن ما ذكر (عند تيقن الغروب) أو ظنه بأمارة قوية. (و) يسن (أن يكون) الفطر (بثلاث) رطبات، فثلاث (تمرات، فإن عجز) عن الثلاث ( .. فبتمرة) وأولى منها رطبة. (فإن عجز) عنهما ( .. فالماء) الذي يسن الفطر به؛ للخبر الصحيح: "إذا كان أحدكم صائماً .. فليفطر على التمر، فإن لم يجد التمر .. فعلى الماء، فإنه طهور". وفي الخبر الصحيح: (كان ﷺ يفطر قبل أن يصلي برطبات، فإن لم تكن .. فعلى تمرات، فإن لم تكن .. حسى حسوات) وهذا الترتيب للأكمل. أمَّا أصل السنة .. فيحصل بأي شيء وجد من الثلاثة، وبعدها حلو كزبيب، فحلواء. وقدَّم الروياني الحلو على الماء، والمحب قدَّم ماء زمزم على التمر، أو الجمع بينهما، والقاضي قدَّم ما يأخده بكفه من نحو نهر؛ لأنه أبعد عن الشبهة. وهذا ظاهر إن خلا ماء النهر عن الشبهة، وقد قويت في نحو التمر. (و) يسن (أن يقول عنده) أي: عند إرادته، والأولى بعده (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت) حقيقة على الثاني، وأردت الإفطار على الأول وبك آمنت وعليك توكلت ورحمتك رجوت وإليك أنبت، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى.

стр. 523

ويقول ذلك وإن لم يكن به ظمأ وإن أفطر على غير ماء؛ اتباعاً للوارد؛ إذ المراد حينئذٍ: دخل وقت ذلك. وورد: يا واسع الفضل؛ اغفر لي، الحمد لله الذي عافاني فصمت، ورزقني فأفطرت. وأن ينوي الصوم عند إفطاره؛ خوف أن ينسى النية بعد، وأن يعيدها بعد تسحره؛ للخلاف في صحتها أوَّله، وفيما لو تعاطى مفطراً ليلاً بعدها. (و) يسن (تفطير الصائمين) ولو بتمرة أو شربة وبعشاء أفضل؛ لخبر: "من فطر صائماً .. فله مثل أجره، ولا ينقص من أجر الصائم شيء". ولو تعاطى الصائم ما يبطل ثوابه .. لم يبطل أجره لمن فطره. وندب للمفطر عند الغير أن يقول: "أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة الأخيار، وأفطر عندكم الصائمون"، كما صح به الخبر. (وأن يأكل معهم)؛ لأنه أليق بالتواضع، وأبلغ في جبر قلوبهم. (و) يسن (السُّحور) بضم السين: الأكل في السحر، وبفتحها: ما يؤكل فيه. والمراد هنا بالضم؛ لأن الأجر في الفعل حقيقة، وفي المأكول مجاز؛ لما مر، ولما صح من الأمر به، وأنه بركة، وتحصل أصل سنته ولو بجرعة ماء، ويدخل وقته بنصف الليل. وحكمته: التقوى ومخالفة أهل الكتاب، فيسن ولو لشعبان خلافاً لـ (م ر)، وكونه برطب فتمر كالفطر. (وتأخيره)؛ لما مر في تعجيل الفطر، وصح: (تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قمنا إلى الصلاة) وكان قدر ما بينهما خمسين آية. فما يفعله الناس من التمكين في المغرب وإيقاع الأذان الثاني قبل الفجر مخالف للسنة. قال القسطلاني: فلذا قلَّ فيهم الخير. وهذا (ما لم يقع) به (في شك) في طلوع الفجر، وإلا .. فالأولى تركه؛ لخبر: "دع ما يريبك". وظاهر كلامهم أنه مع ظن بقاء الليل لا يسن تركه.

стр. 524

(و) يسن (الاغتسال إن كان عليه غسل) من جنابة أوغيرها (قبل الصبح)؛ ليؤدي الصوم على طهارة، ومن ثم ندب المبادرة إلى الغسل نهاراً وليلاً؛ ولئلا يصل الماء جوفه من نحو أذنه ودبره، ومن ثم ندب له غسل هذه المواضع قبل الفجر إن لم يتهيأ له الغسل الكامل قبله؛ تخفيفاً للحدث، وخروجاً من خلاف إبي هريرة ﵁ القائل بوجوبه؛ لخبر الصحيحين: "من أصبح جنباً .. فلا صوم له"، لكونه منسوخ أو مؤول. (ويتأكد له) -أي: للصائم- من حيث الصوم وإن وجب لذاته (ترك الكذب والغيبة) وإن أبيحا لنحو إصلاح أو تظلم .. فيسن تركهما، بخلاف الواجبين ككذب؛ لإنقاذ مظلوم وذكر عيب خاطب توقفت النصيحة عليه، وحفظ جوارحه من كل منهي عنه؛ لخبر البخاري: "من لم يضع قول الزور والعمل به .. فليس لله حاجة في أن يضع طعامه وشرابه". وخرج بزيادتي (من حيث الصوم) نحو النميمة والكذب والغيبة لذاتها، فيجب تركها، فهي يجب تركها لذاتها ويسن للصوم. فإذا اغتاب مثلاً .. حصل عليه إثم الغيبة لذاتها، وبطل ثواب الصوم لا الصوم بمخالفة الأمر المندوب بتنزيه الصوم عنها، كما دلت عليه الأحاديث، ونص عليه الشافعي والأصحاب، وبه يُرد بحث الأذرعي حصول الثواب، وعليه إثم المعصية كما في الصلاة في المغصوب. وقال الأوزاعي: يبطل أصل الصوم، وهو قياس مذهب أحمد. وخبر: "خمس يفطرن الصائم: الغيبة والنميمة والكذب والقبلة واليمين الفاجرة" باطل، كما في "المجموع" ولو فرض صحته .. فالمراد بطلان الثواب. ولو اغتاب وتاب .. لم يعد له ثواب الصوم. (ويسن ترك) تعاطي (الشهوات) المباحة لغير من يتعاطى بيعها من مسموع ومبصر ومشموم وملبوس وملموس، كشم ريحان ولمسه والنظر إليه؛ وذلك لما فيها من الترفه الذي لا يناسب حكمة الصوم من كسر الهوى. ويسن له ترك اللغو ونحو النميمة والمشاتمة.

стр. 525

(فإن شاتمه) أي: شتمه أو تعرض لمشاتمته (أحد .. تذكر) بقلبه (أنه صائم)؛ زجراً لنفسه عن إدخال الخلل على صومه، ويندب أن يقول ذلك بلسانه أيضاً حيث لم يظن رياءً؛ زجراً لخصمه، ودفعاً بالتي هي أحسن. فإن اقتصر على أحدهما .. فبلسانه أولى؛ إذ يلزم من ذكر اللسان تذكر القلب، ففي الخبر الصحيح: "الصوم جنة، أي: مانع من ارتكاب الآثام -أي: شأنه ذلك- فإذا كان أحدكم صائماً .. فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه .. فليقل: إني صائم مرتين"، أي: أو أكثر. (وترك الحجامة) وتكره منه لغيره وعكسه؛ خروجاً من خلاف من فطر بها، وصح خبر احتجامه ﷺ وهو صائم، وأنه رخص في الحجامة بعد أن قال: "أفطر هذان"، أي: الحاجم والمحجوم. وكلام "النهاية"، و"الشرح"، يفيد: أن الفصد فيه خلاف الحجامة. لكن في كلام غيرهما: أنه لا خلاف فيه. (و) ترك (المضغ) لنحو لبان، فيكره؛ لأنه يعطش، بل ويفطر إن وصل الجوف شيء من الريق المخلوط على قول إنْ كثُر. (و) ترك (ذوق الطعام) بل يكره خوف وصوله لجوفه. نعم؛ إن احتاج إلى مضغ نحو خبز لطفل ليس له من يقوم به، أو لتحنيكه .. لم يكره. (و) ترك (القبلة) في فم أو غيره، واللمس ونحو ذلك وإن لم تكره بأن لم يخش الإنزال؛ لأنها قد يظنها غير محركة وهي محركة. (وتحرم) ولو على نحو شيخ (إن خشي منها) أو من اللمس (الإنزال) أو الجماع ولو بلا إنزال؛ لأن في ذلك تعريضاً لإفساد العبادة. وصح الترخيص للشيخ في القبلة، ونهي الشاب عنها، وقال: "الشيخ يملك إربه، والشاب يفسد صومه". فأفهم: أن الحكم دائر مع خشية ما ذكر وعدمها، ومحل الحرمة في صوم الفرض، أمَّا النفل .. فلا حرمة فيه.

стр. 526

(ويكره) للصائم ولو نفلاً (السواك بعد الزوال) إلى الغروب وإن لم يتغير فمه من الصوم، بل من نحو نوم عند (حج)؛ للخبر الصحيح: "لخلوف فم الصائم يوم القيامة أطيب عند الله من ريح المسك"، وهو -بضم الخاء المعجمة- التغير، واختص بما بعد الزوال؛ لأنه غالباً ينشأ من الصوم بعده، وقبله من أثر الطعام. والأطيبية: قال ابن عبد السلام: يوم القيامة؛ للتقيد به في بعض الأحاديث. وابن الصلاح: في الدنيا؛ لقوله في الحديث: "يمسون وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك"، وألَّف كل منهما في الرد على الآخر، ولا مانع من كونه فيهما. ولو أزاله عنه غيره بغير إذنه .. حرم؛ لتفويته الفضيلة على غيره، كما في إزالة دم الشهيد. (ويستحب في رمضان التوسعة على العيال والإحسان) بالقول والفعل والمال (إلى الأرحام والجيران، وإكثار الصدقة) ولو بجميع ماله إن كان يصبر على الإضاقة أو له حرفه يستغني بها، وإلا .. فيتصدق بما لا يضره؛ لخبر الصحيحين: أنه ﷺ : (كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل). واختص رمضان بذلك وإن كان مطلوباً في غيره أيضاً؛ لضعف الفقراء فيه عن العمل، ولتفريغ قلوب الصائمين والقائمين بدفع حاجاتهم، ولتحصيل أجر الصائم، ولأن الحسنات تضاعف فيه. (و) إكثار (التلاوة) للقرآن في غير نحو حش (والمدارسة) وهي أن يقرأ عليه غيره ما قرأه هو أو غيره؛ لخبر الصحيحين: (كان جبريل يلقاه ﷺ كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن). والتلاوة في المصحف أفضل إلا إنْ حصلت فائدة عن ظهر قلب لم تحصل بها من المصحف، كخشوع وتقوية حفظ. ويسن استقبال القبلة للقارئ والجهر به إن أمن نحو رياء ولم يشوش على غيره. (و) إكثار (الاعتكاف) فيه؛ للاتباع، ولأنه أقرب لصون النفس عما لا يليق

стр. 527

(لا سيما العشر الأواخر) منه فهي أولى بإكثار ما ذكر وغيره من كل خير؛ للاتباع. (و) ذلك؛ لأن (فيها ليلة القدر) عندنا، فلعله يصادفها بما ذكر. وقيل: ليلة تسعة عشر، وقيل: سبعة عشر، وقيل: ليلة النصف، وقيل: جميع رمضان، وقيل: جميع السنة، بل فيها للعلماء أربعون قولاً. وميل الشافعي ﵀: أنها ليلة الحادي، أو الثالث والعشرين؛ لأنه ﷺ أريها في العشر الأخير في ليلة وتر، وأنه يسجد في ماء وطين، فكان ذلك ليلة الحادي والعشرين كما في الصحيحين، أو ليلة الثالث والعشرين كما في مسلم. واختير أنها تنتقل في ليالي العشر الأخيرة، وبه تجتمع الأحاديث المتعارضة، وكلام الشافعي في الجمع بين الأحاديث يقتضيه. وحكمه إبهامها: إحياء جميع الليالي بالعبادة، وهي من خصائصنا، وباقية إلى يوم القيامة، والتي (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) [الدخان:٤]. وأغرب مَنْ جعلها ليلة نصف شعبان. وعلامتها: أنها معتدلة، وتطلع شمس يومها بيضاء، وليس لها كثير شعاع؛ لنور الملائكة الصاعدين والنازلين، والعمل فيها خير من العمل في الف شهر ليس فيها ليلة قدر. وصح خبر: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً .. غفر له ما تقدم من ذنبه" وفي رواية: "وما تأخر". وروى البيهقي: "من صلى العشاء في جماعة حتى ينقضي رمضان .. فقد أخذ من رمضان بحظ وافر". وخبر "من شهد العشاء الأخيرة في جماعة من رمضان .. فقد أدرك ليلة القدر"، اي: أصل ثوابها، وأمَّا كماله .. فلمن رآها. وسميت ليلة القدر؛ لعظم قدرها، أو لأن الله تعالى يقدر فيها ما يشاء. ومن خصائصها أنها لا ينعقد فيها نطفة كافر، وينكشف فيها شيء من عجائب الملكوت، والناس متفاوتون في هذا الكشف. وقد نظم العلامة القليوبي قاعدة تعلم بها ليلة القدر بقوله [من الرجز]: يا سِائلي عن لَيْلَةِ القَدْرِ التي ... في عَشْرِ رَمْضان الأخير حلَّت

стр. 528

فإنها في مُفْرَداتِ العشر ... تُعْرَفُ من يوم ابتداءِ الشَّهر فبالأحدْ والأربعاء التاسعة ... وجمعةٍ مع الثلاثا السابعةْ وإن بدا الخميسُ .. فالخامسة ... وإن بدا بالسبت .. فالثالثةُ وإن بدا الإثنينُ .. فهي الحادي ... هذا عن الصوفية الزهادِ قال الكردي: ورأيت قاعدة أخرى تخالف هذه. (ويقول) ندباً (فيها: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)؛ لما صح من أمر عائشة بذلك إن وافقتها. (ويكتمها) ندباً من رآها؛ لأن رؤيتها كرامة، وهي لا ينبغي إظهارها باتفاق أهل الطريق إلا لغرض شرعي. (ويحييها ويحيي يومها كليلتها) بالعبادة، بإخلاص وبذل وسع. (ويحرم الوصال في الصوم) فرضاً ونفلاً، وهو صوم يومين فأكثر من غير تناول مفطر بينهما؛ للنهي عنه في الصحيحين وإن لم يكن فيه ضعف. ومن ثَمَّ لو أكل ناسياً كثيراً قبل الغروب .. حرم عليه الوصال مع انتفاء الضعف. ولو ترك غير الصائم الأكل أياماً ولم يضره .. لم يحرم، ولا ينتفي إلا بتعاطي ما من شأنه أن يقوي، كسمسة لا نحو جماع. * * * (فصل) في بيان كفارة جماع رمضان . (تجب الكفارة) الآتية مع القضاء، وكذا التعزير في غير من جاء مستفتياً تائباً، وهذا مستثنى من: أنَّ ما فيه حد أو كفارة لا تعزير فيه. (على من) أي: واطئ بشبهة أو نكاح أو زناً (أفسد) حقيقة أو حكماً كأن طلع الفجر وهو مجامع فاستدام (صوم يوم) تام (من رمضان) يقيناً على نفسه (بالجماع) وحده الذي يأثم به؛ لأجل الصوم وحده، وهو: صوم رمضان، ولا شبهة (ولو) كان

стр. 529

الجماع (في دبر) رجل أو امرأة، ولو ميتاً (أو بهيمة)؛ لما صح من أمر المجامع في نهار رمضان بالإعتاق. فإن لم يجد .. فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع .. فإطعام ستين مسكيناً. (لا على المرأة) الموطوءة، ولا الرجل الموطوء وإن فسد صومهما بالجماع، بأن أولج فيه مع نوم الموطوء، ثم استدامه بعد الاستيقاظ، وإلا .. فيفطر بدخول رأس الذكر قبل تمام الحشفة. والجماع إنما يتحقق بدخول جميع الحشفة؛ لأنه لم يؤمر بها في الخبر إلا الرجل المجامع مع الحاجة إلى البيان، ولأنها غرم مالي يتعلق بالجماع، فيختص بالرجل الواطئ كالمهر. ولو علت على رجل .. فلا كفارة عليها؛ إذ لا كفارة على المرأة ولا على الرجل، لعدم الفعل منه. فإن لم ينزل .. لم يفسد صومه، وإلا .. فسد بالإنزال، كالإنزال بمباشرة. (ولا على من) أي: واطئ لم يفسد صومه، كأن (جامع ناسياً) للصوم أو جاهلاً بالحرمة لنحو قرب عهده بالإسلام (أو مكرهاً)؛ إذ صومهم لا يبطل بذلك؛ لعذرهم، بل لا كفارة عليهم وإن قلنا: إن ذلك مفسد؛ لانتفاء الإثم. ولو علم تحريم الجماع وجهل الكفارة به .. وجبت قطعاً. (ولا على من أفسد) بجماعه غير صوم، أو صوم غيره كمسافر مفطر جامع صائمة فأفسد صومها؛ إذ لو أفسدت صومها بالجماع .. لم تلزمها كفارة، فالأولى أن لا يلزم غيرها إذا أفسده. ولا على من أفسد بجماعه (صوم غير رمضان) كقضائه؛ لورود النص في رمضان، وهو مختص بفضائل لا يشاركه فيها غيره، فلا يقاس عليه غيره. ولا على من أفسد صوم يوم منه ظناً، كمنجم صامه بتنجيمه وجامع فيه، إلا إن علم بعد أنه منه. ولا على من أفسد صوم بعض يوم كأن جن فيه بعد الجماع، بخلاف من سافر بعده.

стр. 530

(ولا على من أفطر بغير جماع) كاستمناء وإن جامع بعده؛ لأن الجماع أغلظ، فلا يقاس عليه غيره. ولا على من أفطر بجماع وغيره، كأن وقع جماعه وأكله معاً؛ لوجود المقتضي والمانع، فقدم المانع. لكن كون الأكل مانعاً من الكفارة فيه نظر، فالأولى التعليل بأن إسناد الفساد إلى الجماع ليس أولى من إسناده إلى الأكل. (ولا على) من لم يأثم بجماعه، كـ (المسافر والمريض) إذا جامعا بنية الترخص. ولا على من أثم به لا من حيث الصوم وحده كمريض ومسافر وطئا حليلتهما. (و) كذا (إن زنيا)، قال في الشرح: (فإثمهما ليس لأجل الصوم وحده، بل له مع عدم نية الترخص في الأولى، أي: أنهما علة واحدة مركبة منهما، أو لأجل الزنا في الثانية، أي: إن نوى الترخص، وإلا .. فلهما، ولأن الإفطار لهما مباح، فيصير شبهة في درء الكفارة) اهـ وفيه أن علة الإثم في الأولى عدم نية الترخص لا الصوم، كما قاله (ب ج). أمَّا إذا كان الصوم علة تامة في الحرمة سواء وجدت مع حرمته حرمة أخرى أم لا، كمقيم أفطر بالزنا .. فتجب عليه الكفارة وإن أثم لأجل الصوم والزنا؛ لأن كلاً منهما علة على حدتها في الأثم. (و) مر أن الكفارة (لا) تجب (على) غير آثم، ومنه (من ظن أنه) أي: الزمن الذي جامع فيه (ليل) بأن غلط، فظن بقاء الليل أو شك فيه (فتبين نهاراً) وكذا لو ظن دخول الليل أو شك فيه، فجامع، فبان أنه جامع في النهار، أو أكل ناسياً وظن أنه أفطر به، فوطئ عالماً عامداً، أو كان صبياً؛ لعدم الإثم في غير الشك في دخول الليل، ولسقوط الكفارة بالشبهة. ولو رأى هلال رمضان .. لزمه صومه وإن لم تقبل شهادته، فإن جامع فيه .. لزمته الكفارة. ويلحق به: من أخبره من اعتقد صدقه؛ لما مر أنه يلزمه الصوم بذلك. (وهي) أي: الكفارة هنا، وكذا في الظهار والقتل إلا أنه لا إطعام فيه.
следующие страницы →