Полный текст (670 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
(ويكره) للصائم ولو نفلاً (السواك بعد الزوال) إلى الغروب وإن لم يتغير فمه من الصوم، بل من نحو نوم عند (حج)؛ للخبر الصحيح: "لخلوف فم الصائم يوم القيامة أطيب عند الله من ريح المسك"، وهو -بضم الخاء المعجمة- التغير، واختص بما بعد الزوال؛ لأنه غالباً ينشأ من الصوم بعده، وقبله من أثر الطعام.
والأطيبية: قال ابن عبد السلام: يوم القيامة؛ للتقيد به في بعض الأحاديث.
وابن الصلاح: في الدنيا؛ لقوله في الحديث: "يمسون وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك"، وألَّف كل منهما في الرد على الآخر، ولا مانع من كونه فيهما.
ولو أزاله عنه غيره بغير إذنه .. حرم؛ لتفويته الفضيلة على غيره، كما في إزالة دم الشهيد.
(ويستحب في رمضان التوسعة على العيال والإحسان) بالقول والفعل والمال (إلى الأرحام والجيران، وإكثار الصدقة) ولو بجميع ماله إن كان يصبر على الإضاقة أو له حرفه يستغني بها، وإلا .. فيتصدق بما لا يضره؛ لخبر الصحيحين: أنه ﷺ : (كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل).
واختص رمضان بذلك وإن كان مطلوباً في غيره أيضاً؛ لضعف الفقراء فيه عن العمل، ولتفريغ قلوب الصائمين والقائمين بدفع حاجاتهم، ولتحصيل أجر الصائم، ولأن الحسنات تضاعف فيه.
(و) إكثار (التلاوة) للقرآن في غير نحو حش (والمدارسة) وهي أن يقرأ عليه غيره ما قرأه هو أو غيره؛ لخبر الصحيحين: (كان جبريل يلقاه ﷺ كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن).
والتلاوة في المصحف أفضل إلا إنْ حصلت فائدة عن ظهر قلب لم تحصل بها من المصحف، كخشوع وتقوية حفظ.
ويسن استقبال القبلة للقارئ والجهر به إن أمن نحو رياء ولم يشوش على غيره.
(و) إكثار (الاعتكاف) فيه؛ للاتباع، ولأنه أقرب لصون النفس عما لا يليق
стр. 527
(لا سيما العشر الأواخر) منه فهي أولى بإكثار ما ذكر وغيره من كل خير؛ للاتباع.
(و) ذلك؛ لأن (فيها ليلة القدر) عندنا، فلعله يصادفها بما ذكر.
وقيل: ليلة تسعة عشر، وقيل: سبعة عشر، وقيل: ليلة النصف، وقيل: جميع رمضان، وقيل: جميع السنة، بل فيها للعلماء أربعون قولاً.
وميل الشافعي ﵀: أنها ليلة الحادي، أو الثالث والعشرين؛ لأنه ﷺ أريها في العشر الأخير في ليلة وتر، وأنه يسجد في ماء وطين، فكان ذلك ليلة الحادي والعشرين كما في الصحيحين، أو ليلة الثالث والعشرين كما في مسلم.
واختير أنها تنتقل في ليالي العشر الأخيرة، وبه تجتمع الأحاديث المتعارضة، وكلام الشافعي في الجمع بين الأحاديث يقتضيه.
وحكمه إبهامها: إحياء جميع الليالي بالعبادة، وهي من خصائصنا، وباقية إلى يوم القيامة، والتي (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) [الدخان:٤].
وأغرب مَنْ جعلها ليلة نصف شعبان.
وعلامتها: أنها معتدلة، وتطلع شمس يومها بيضاء، وليس لها كثير شعاع؛ لنور الملائكة الصاعدين والنازلين، والعمل فيها خير من العمل في الف شهر ليس فيها ليلة قدر.
وصح خبر: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً .. غفر له ما تقدم من ذنبه" وفي رواية: "وما تأخر".
وروى البيهقي: "من صلى العشاء في جماعة حتى ينقضي رمضان .. فقد أخذ من رمضان بحظ وافر".
وخبر "من شهد العشاء الأخيرة في جماعة من رمضان .. فقد أدرك ليلة القدر"، اي: أصل ثوابها، وأمَّا كماله .. فلمن رآها.
وسميت ليلة القدر؛ لعظم قدرها، أو لأن الله تعالى يقدر فيها ما يشاء.
ومن خصائصها أنها لا ينعقد فيها نطفة كافر، وينكشف فيها شيء من عجائب الملكوت، والناس متفاوتون في هذا الكشف.
وقد نظم العلامة القليوبي قاعدة تعلم بها ليلة القدر بقوله [من الرجز]:
يا سِائلي عن لَيْلَةِ القَدْرِ التي ... في عَشْرِ رَمْضان الأخير حلَّت
стр. 528
فإنها في مُفْرَداتِ العشر ... تُعْرَفُ من يوم ابتداءِ الشَّهر
فبالأحدْ والأربعاء التاسعة ... وجمعةٍ مع الثلاثا السابعةْ
وإن بدا الخميسُ .. فالخامسة ... وإن بدا بالسبت .. فالثالثةُ
وإن بدا الإثنينُ .. فهي الحادي ... هذا عن الصوفية الزهادِ
قال الكردي: ورأيت قاعدة أخرى تخالف هذه.
(ويقول) ندباً (فيها: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)؛ لما صح من أمر عائشة بذلك إن وافقتها.
(ويكتمها) ندباً من رآها؛ لأن رؤيتها كرامة، وهي لا ينبغي إظهارها باتفاق أهل الطريق إلا لغرض شرعي.
(ويحييها ويحيي يومها كليلتها) بالعبادة، بإخلاص وبذل وسع.
(ويحرم الوصال في الصوم) فرضاً ونفلاً، وهو صوم يومين فأكثر من غير تناول مفطر بينهما؛ للنهي عنه في الصحيحين وإن لم يكن فيه ضعف.
ومن ثَمَّ لو أكل ناسياً كثيراً قبل الغروب .. حرم عليه الوصال مع انتفاء الضعف.
ولو ترك غير الصائم الأكل أياماً ولم يضره .. لم يحرم، ولا ينتفي إلا بتعاطي ما من شأنه أن يقوي، كسمسة لا نحو جماع.
* * *
(فصل) في بيان كفارة جماع رمضان .
(تجب الكفارة) الآتية مع القضاء، وكذا التعزير في غير من جاء مستفتياً تائباً، وهذا مستثنى من: أنَّ ما فيه حد أو كفارة لا تعزير فيه.
(على من) أي: واطئ بشبهة أو نكاح أو زناً (أفسد) حقيقة أو حكماً كأن طلع الفجر وهو مجامع فاستدام (صوم يوم) تام (من رمضان) يقيناً على نفسه (بالجماع) وحده الذي يأثم به؛ لأجل الصوم وحده، وهو: صوم رمضان، ولا شبهة (ولو) كان
стр. 529
الجماع (في دبر) رجل أو امرأة، ولو ميتاً (أو بهيمة)؛ لما صح من أمر المجامع في نهار رمضان بالإعتاق.
فإن لم يجد .. فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع .. فإطعام ستين مسكيناً.
(لا على المرأة) الموطوءة، ولا الرجل الموطوء وإن فسد صومهما بالجماع، بأن أولج فيه مع نوم الموطوء، ثم استدامه بعد الاستيقاظ، وإلا .. فيفطر بدخول رأس الذكر قبل تمام الحشفة.
والجماع إنما يتحقق بدخول جميع الحشفة؛ لأنه لم يؤمر بها في الخبر إلا الرجل المجامع مع الحاجة إلى البيان، ولأنها غرم مالي يتعلق بالجماع، فيختص بالرجل الواطئ كالمهر.
ولو علت على رجل .. فلا كفارة عليها؛ إذ لا كفارة على المرأة ولا على الرجل، لعدم الفعل منه.
فإن لم ينزل .. لم يفسد صومه، وإلا .. فسد بالإنزال، كالإنزال بمباشرة.
(ولا على من) أي: واطئ لم يفسد صومه، كأن (جامع ناسياً) للصوم أو جاهلاً بالحرمة لنحو قرب عهده بالإسلام (أو مكرهاً)؛ إذ صومهم لا يبطل بذلك؛ لعذرهم، بل لا كفارة عليهم وإن قلنا: إن ذلك مفسد؛ لانتفاء الإثم.
ولو علم تحريم الجماع وجهل الكفارة به .. وجبت قطعاً.
(ولا على من أفسد) بجماعه غير صوم، أو صوم غيره كمسافر مفطر جامع صائمة فأفسد صومها؛ إذ لو أفسدت صومها بالجماع .. لم تلزمها كفارة، فالأولى أن لا يلزم غيرها إذا أفسده.
ولا على من أفسد بجماعه (صوم غير رمضان) كقضائه؛ لورود النص في رمضان، وهو مختص بفضائل لا يشاركه فيها غيره، فلا يقاس عليه غيره.
ولا على من أفسد صوم يوم منه ظناً، كمنجم صامه بتنجيمه وجامع فيه، إلا إن علم بعد أنه منه.
ولا على من أفسد صوم بعض يوم كأن جن فيه بعد الجماع، بخلاف من سافر بعده.
стр. 530
(ولا على من أفطر بغير جماع) كاستمناء وإن جامع بعده؛ لأن الجماع أغلظ، فلا يقاس عليه غيره.
ولا على من أفطر بجماع وغيره، كأن وقع جماعه وأكله معاً؛ لوجود المقتضي والمانع، فقدم المانع.
لكن كون الأكل مانعاً من الكفارة فيه نظر، فالأولى التعليل بأن إسناد الفساد إلى الجماع ليس أولى من إسناده إلى الأكل.
(ولا على) من لم يأثم بجماعه، كـ (المسافر والمريض) إذا جامعا بنية الترخص.
ولا على من أثم به لا من حيث الصوم وحده كمريض ومسافر وطئا حليلتهما.
(و) كذا (إن زنيا)، قال في الشرح: (فإثمهما ليس لأجل الصوم وحده، بل له مع عدم نية الترخص في الأولى، أي: أنهما علة واحدة مركبة منهما، أو لأجل الزنا في الثانية، أي: إن نوى الترخص، وإلا .. فلهما، ولأن الإفطار لهما مباح، فيصير شبهة في درء الكفارة) اهـ
وفيه أن علة الإثم في الأولى عدم نية الترخص لا الصوم، كما قاله (ب ج).
أمَّا إذا كان الصوم علة تامة في الحرمة سواء وجدت مع حرمته حرمة أخرى أم لا، كمقيم أفطر بالزنا .. فتجب عليه الكفارة وإن أثم لأجل الصوم والزنا؛ لأن كلاً منهما علة على حدتها في الأثم.
(و) مر أن الكفارة (لا) تجب (على) غير آثم، ومنه (من ظن أنه) أي: الزمن الذي جامع فيه (ليل) بأن غلط، فظن بقاء الليل أو شك فيه (فتبين نهاراً) وكذا لو ظن دخول الليل أو شك فيه، فجامع، فبان أنه جامع في النهار، أو أكل ناسياً وظن أنه أفطر به، فوطئ عالماً عامداً، أو كان صبياً؛ لعدم الإثم في غير الشك في دخول الليل، ولسقوط الكفارة بالشبهة.
ولو رأى هلال رمضان .. لزمه صومه وإن لم تقبل شهادته، فإن جامع فيه .. لزمته الكفارة.
ويلحق به: من أخبره من اعتقد صدقه؛ لما مر أنه يلزمه الصوم بذلك.
(وهي) أي: الكفارة هنا، وكذا في الظهار والقتل إلا أنه لا إطعام فيه.
стр. 531
(عتق رقبة) كاملة الرق، خالية عن شائبة عوض، لا تستحق العتق بغير جهة الكفارة.
(مؤمنة) ولو تبعاً لأصل أو سابٍ أو دار؛ حملاً للمطلق هنا، والظهار على المقيد في آية القتل.
(سليمة من العيوب التي تخل بالعمل) إخلالاً بيَّناً وإِن لم تسلم عما يُثبت الرد في المبيع ويمنع الإجزاء في الغرة؛ إذ المقصود استقلاله بكفاية نفسه.
فيجزئ مقطوع أصابع رجلين، ومقطوع خنصر أو بنصر من يد واحدة، أو أناملها العليا من غير الإبهام، وأعرج يتابع المشي، وأعور لم تضغف سليمته ضعفاً بيَّناً، ومقطوع أذنين وأنف، وأجذم وممسوح، وفاقد أسنان وضعيف بطش، ومن لا يحسن صنعة وفاسق، ونحو آبق علمت أو بانت حياته.
وخرج بـ (كاملة الرق): مستولدة ومكاتب كتابة صحيحة.
أمَّا المبعض .. فإن أعتق بعض عبدين عن كفارة وكان موسراً ولو بأحدهما أو باقي أحدهما له، أو حر .. صح؛ لحصول الاستقلال المقصود ولو في أحدهما، ويصير في السراية كأنه باشر عتق الجميع.
ويجزئ المدبر والمعلق عتقه بصفة إذا نجَّزَ عتقه، أو علقه بصفة تسبق الأولى، وإلاَّ .. عتق عنها لا عن الكفارة.
وبـ (خالية) ... إلخ: ما لو أعتق بعوض عن كفارته على القن أو أجنبي .. فلم يجزئ عن الكفارة؛ لعدم تجرد العتق لها، ومن ثم استحق العوض على الملتمس.
وبـ (لاتستحق العتق ... إلخ): الأصل والفرع، فلا يجزئان عن كفارة؛ لاستحقاق عتقهما بملكه لهما.
وبـ (سليمة ... إلخ): نحو مجنون ومريض لا يرجى برؤه، ومقطوع خنصر وبنصر من يد أو إبهام أو سبابة أو الوسطى، أو أنملتين من أحدهما، أو أنملة من الإبهام، والشلل كالقطع.
تنبيه: الإعتاق بمال كطلاق به، فيكون معاوضة فيها شوب تعليق من المالك، وشوب جعالة من الملتمس، فيجب فوراً الجواب، وإلاَّ .. عتق على المالك مجاناً.
стр. 532
ولو قال لغيره: أعتق أم ولدك على ألف، ولم يقل: عني، سواء قال: عنك، أم أطلق، فأعتق فوراً .. نفذ عتقه، ولزم الملتمس العوض؛ لأنه افتداء من جهته، كاختلاع أجنبي.
فإن قال: عني فأعتقها عنه .. فتعتق، ولا عوض؛ لاستحالته.
بخلاف: طلق زوجتك عني؛ فإنه يتخيل انتقال شيء إليه.
وكذا لو قال: أعتق عبدك على ألف، ولم يقل: عني، سواء قال: عنك، أم أطلق، فأعتق فوراً .. نفذ العتق، فيستحق المالك الألف في الأصح؛ لأنه افتداء كأم الولد.
ولو قال: أعتقه عني على كذا، أو أطعم ستين مسكيناً ستين مداً عني بكذا، ففعل فوراً .. نفذ عن الطالب، وأجزاءه عن كفارته إن نواها به؛ لتضمن ذلك للبيع، فكأنه قال: بعنيه بكذا، وأعتقه عني، فقال: بعتكه وأعتقته عنك، وعليه المسمى إن ملكه، وإلاَّ .. فبدله كالخلع، فإن قال: مجاناً .. لم يلزمه شيء؛ لأنه هبة بخلاف ما لو سكت عن العوض.
فالمعتمد: أنه إن قال: عن كفارتي، أو عني، وعليه عتق، ولم يقصد المعتق العتق عن نفسه .. تلزمه قيمته، كما لو قال: اقض ديني، وإلا .. فلا.
(فإن لم يجد) رقبة كاملة وقت الأداء بأن يعسر عليه فيه تحصيلها؛ لكونه يحتاجها، أو ثمنها؛ لكفايته أو كفاية لممونه مدة العمر الغالب مطعماً وملبساً ومسكناً وأثاثاً، أو لدينه ولو مؤجلاً، أو لخدمة له أو لممونه لمنصب ونحوه، بحيث تحصل له مشقة لا تحتمل عادة بعتقه لا فوات رفاهية، ويأتي في نحو كتب الفقيه، وحلي المرأة وآلة المحترف، ما مر في قسم الصدقات.
ولا يجب بيع أرض لا تفضل غلتها عن كفايته، ولا صرف مال تجارة لا يفضل ربحه عنها فيها، ومثل ذلك الماشية ونحوها، ولا شراء الرقبة بزيادة على ثمن مثلها وإن قلت، لكن يمنع ذلك إجزاء الصوم، فيصبر إلى وجودها بثمن مثلها، كغيبة ماله ولو فوق مسافة قصر ولا نظر لتضررهما بفوات التمتع مدة الصبر في الظهار؛ لأنه المتسبب في ذلك وإن جاز العدول بذلك إلى الصوم في دم التمتع؛ لأن هذا أغلظ.
ولا يجب بيع مسكن أو عبد ألفهما وإن وجد بثمن العبد مثلاً عبداً يخدمه وعبداً يعتقه، إن لحقه بذلك مشقة لا تحتمل عادة.
стр. 533
نعم؛ إن كفاه بعض المسكن وحصل بباقيه رقبة .. لزمه.
واحتياجه لأمة للوطء كاحتياجه القن للخدمة.
( .. صام شهرين متتابعين) إن لم يتكلف العتق، وهما هلالان.
فإن انكسر الأول .. تمم ثلاثين من الثالث، فإن فسد صوم يوم أو لم يصمه ولو بعذر كمرض وإن أوجبه .. استأنفهما.
نعم؛ لا يضر الفطر بحيض أو نفاس أو جنون أو إغماء مستغرق؛ لمنافاتها له مع كونها اضطرارية.
نعم؛ إن اعتادت انقطاع الحيض شهرين، وشرعت في وقت يتخلله الحيض .. استأنفتهما.
ويجب في الصوم التبييت، وكونه بنية الكفارة وإن لم يعينها ولم ينو تتابعاً.
فلو صام أربعة أشهر وعليه كفارتا قتل وظهار، ولم يعين .. أجزأته عنهما.
(فإن لم يقدر) بأن عسر عليه صومهما، أو تتابعه لنحو هرم أو مرض يدوم شهرين غالباً، أو خاف زيادة مرضه به، أو معه شهوة للوطء، أو غير ذلك مما يحصل به مشقة لا تحتمل عادة ( .. أطعم) - أي: ملك- أي: دفع لهم ولو بلا لفظ تمليك (ستين مسكيناً) أو فقيراً من أهل الزكاة.
ولو كفر عن المجامع غيره بإذنه .. جاز له صرف ذلك له ولممونه؛ إذ المكفر غيره، ولعلها واقعة المجامع في الحديث المتقدم.
(كل واحد) منهم (مداً) يجزئ فطرة، ويكفي أن يضع الستين بين أيدي ستين، ويقول: ملكتكم ذلك، أو خذوه، ونوى به الكفارة وإن لم يقل بالسوية.
ولهم التفاوت في قسمتها في الأولى؛ لأنهم بالقبول ملكوه، بخلافه في الثانية فلم يملكوه إلا بالأخذ، فلا يجزئ إلا لمن أخذ منه مداً لا دونه.
ولو صرف الستين إلى مئة وعشرين بالسوية .. حسب له ثلاثون مداً، فيصرف ثلاثين أخرى لستين منهم بالسوية، ويسترد الباقي من الباقين إن علموا أنها كفارة، وإلا .. فلا.
ويجوز أن يدفع لمسكين مدين من كفارتين، وأن يعطي رجلاً مداً ويشتريه منه، ثم يصرفه لآخر ويشتريه منه، وهكذا إلى الستين، لكنه مكروه؛ لشبهه بالعائد في صدقته.
стр. 534
(وتسقط الكفارة) هنا (بطروء الجنون والموت في أثناء النهار) الذي جامع فيه وإن تعدى بهما؛ لأنه بان بطروء ذلك أنه لم يكن في صوم، وبانتقاله لبلد أهله معيدون ومطلعهم مختلف وإن عاد لبلده؛ إذ الساقط لا يعود.
ولو جامع في بلده يوم العيد، فانتقل لبلد أهله صيام .. فلا كفارة أيضاً.
(لا بالمرض والسفر) والإغماء والردة؛ إذ الأولان لا ينافيان الصوم، فيتحقق هتك حرمته، وطرو الردة لا يبيح الفطر، فلم يؤثر فيما وجب من الكفارة.
(ولا بالإعسار) بل إذا عجز عن الخصال الثلاثة .. استقرت في ذمته، فإذا قدر على خصلة .. فعلها، ولا أثر للقدرة على بعض خصلة إلا في الإطعام، ولو بعض مدّ، والباقي إذا أيسر.
(ولكل يوم يفسده) بالجماع السابق (كفارة) ولا تتداخل وإن لم يكفر عما قبل الأخير؛ إذ كل يوم عبادة مستقلة بنفسها لا ارتباط لها بما بعدها، بدليل تخلل منافي الصوم من نحو أكل بين الأيام من غير إفساد لما قبله.
فعلم: أن على المفسد خمسة أشياء: الإثم، والقضاء، والكفارة، والتعزير إن لم يتب، والإمساك.
* * *
(فصل) في الفدية الواجية بدلاً عن الصوم.
وأنها تارة تجامع الصوم، وتارة تنفرد عنه، وفيمن تجب عليه.
(ويجب) [مع القضاء] الفدية، وهي (مد من غالب قوت البلد) في غالب السنة كالفطرة.
والمراد بـ (البلد): المحل الذي هو فيه عند أوّل مخاطبته بالقضاء.
(ويصرف إلى) واحدٍ لا أكثر من (الفقراء أو المساكين) دون غيرهما من مستحقي الزكاة؛ لأنّ المسكين ذكر في الآية، والفقير أسوأ حالاً منه.
وله الصرف أمدادٍ لواحد، لا مدّ لاثنين، ومد وبعض آخر لواحد؛ لأن كل مدًّ فدية
стр. 535
تامة، وبه فارق ما مرَّ في كفارة الجماع، وقد وجب صرف الفدية لواحد، فلا ينقص عنها.
وفي "التحفة": (وإنما جاز صرف فديتين لواحد كزكاتين، ويجوز بل يجب صرف صاع الفطرة لاثنين وعشرين ثلاثة من كل صنف، والعامل؛ لأنه زكاة مستقلة، وهي بالنص يجب صرفها لهؤلاء؛ إذ تعلق الأطماع بها أشد. وإنما صرف جزاء الصيد لمتعددين؛ لأنه قد يجب التعدد فيها ابتداء بأن أتلف جمع صيداً، وأيضاً فهو مخير، وهو يتسامح فيه ما لا يتسامح في المرتب، وأيضاً فإنّ فيه جمع المساكين، كآية الزكاة، بخلاف الآية هنا) اهـ
ويجب المد (لكل يوم) لما مرَّ: أنَّ كل يوم عبادة مستقلة.
وتجب الفدية بثلاث طرق:
الأولى: فوات نفس الصوم، فحينئذٍ (يخرج) بعد مؤن تجهيزه لكل يوم مد (من تركه من مات وعليه صوم) واجب (من رمضان أو غيره) كنذر وكفارة (و) قد (تمكن من القضاء) ولم يقض (أو تعدى بفطره) وإن لم يتمكن من القضاء، ويأثم بالتعدي والتأخير بعد التمكن، وكذا كل عبادة وجب قضاؤها، فأخره مع التمكن حتى مات وإن ظنَّ السلامة، فيعصي من آخر زمن التمكن كالحج.
بخلاف المؤقت المعلوم الطرفين لا إثم فيه بالتأخير عن زمن إمكانه أدائه.
وأفهم قوله: (من تركه): أنه ليس لأجنبي إخراجها؛ لأنها بدل عن بدني، بخلاف الحج، وكذا إطعام الأنواع الآتية.
ومرَّ أنه لا يجوز إخراج الفطرة بلا إذن، ومثلها الكفارة.
وخرج بـ (الأجنبي): الوارث، فله إمساك التركة وإخراجها من ماله كالدين، بل مثل الوارث قريب غير وارث؛ لأن له الصوم عنه، فالإطعام أولى.
والجديد: تحتم الإطعام عن الميت ومنع الصوم؛ لأنه عبادة بدنية، وهي لا تدخلها النيابة، وأولوا الأحاديث بالصيام على بدله، وهو الإطعام.
والقديم: إمَّا أن يطعم -كما مر- (أو يصوم عنه قريبه) البالغ وإن لم يكن وارثاً ولا عصبة ولا ولي مال، كسفيه ولو بغير إذن الميت (أو) يصوم عنه (من) أي: أجنبي
стр. 536
بالغ (أذن له) أي: أذن القريب المذكور، سواء (الوارث) وغيره (أو الميت) للأجنبي في الصيام عنه بأجرة أو دونها؛ للأخبار الصحيحة، كخبر: "من مات وعليه صيام .. فليصم عنه وليه وغيره".
ولو تعدد الأقارب .. قسم بينهم، وخير من خصه شيء من الأقارب بين الإطعام والصوم بنفسه، أو بالإذن فيه لغيره.
ولو صام أحد الأقارب بغير إذن الباقين .. صح، ولو لم تكن تركة سن الإطعام أو الصوم.
واعلم: أن التركة مرهونة بما عليه من صوم أو كفارة حتى يفعل عنه، وقلَّ أن يخلو أحد عن كفارة اليمين.
أمَّا الأجنبي الذي لم يأذن له الميت ولا القريب .. فلا يصح منه صوم عن الميت، ولا إطعام.
وإنما صحت حجة الإسلام عن الميت من الأجنبي وإن لم يستطع ولا أذن فيها له هو ولا قريبه؛ لأن الصوم لا يقبل النيابة في الحياة، بخلاف الحج، ولأن للصوم بدلاً، وهو الإطعام، ولا بدل للحج، فلذا ضيق في الصوم.
وخرج بقوله: (تمكن) من لم يتمكن وقد أفطر بعذر، فلا فدية عليه كما مر.
ولو مات وعليه صلاة أو إعتكاف .. فلا قضاء عنه ولا فدية.
ولا يصح الصوم عن حيَّ ولو هرماً اتفاقاً، وحكى القفال عن بعض أصحابنا: أنه يطعم عن كل صلاة، أي: مداً، كما في "التهذيب".
وحكى عن القديم: أنه يجب على الولي أن يصلي عنه ما فاته، واعتمده جمع من محققي المتأخرين، وفعل به السبكي عن بعض أقاربه.
وعن البويطي أنَّ الشافعي قال في الاعتكاف: يعتكف عنه وليه.
فائدة: قال في "شرح السنة" للمحب الطبري: إنه يصل للميت ثواب عبادة تفعل عنه واجبة أو مندوبة، ونقله في "شرح المنهج" عن جماعات من الأصحاب.
قال (ب ج): (كأن صلى أو صام، وقال: اللهم أوصل ثواب ذلك إليه) وهو ضعيف. اهـ
والضعف ظاهر إن أريد الثواب نفسه، فإن أريد مثله .. فلا ينبغي أن يختلف فيه.
стр. 537
نعم؛ الصدقة يصل نفس ثوابها للمتصدّق عنه إجماعاً، وكأنه هو المتصدّق، ويثاب المتصدق ثواب البر لا على الصدقة، وكذا يصله ما دعا له به إن قبله الله تعالى.
وأمَّا ثواب الدعاء .. فهو للداعي.
(ويجب المد) إن لم يتكلف الصوم بلا قضاء لكل يوم (أيضاً على من لا يقدر على الصوم) الواجب من رمضان وغيره بأن عجز عنه؛ لضعف (لهرم) أو زمانة (أو) لأجل (مرض لا يرجى برؤه)؛ بأن لحقه مشقة لا تحتمل عادة بالصوم.
قال الكردي: أي: تبيح التيمم؛ لأن ذلك جاء عن جمع من الصحابة ولا مخالف لهم، ولآية (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) [البقرة:١٨٤]؛ إذ المراد لا يطيقونه، أو يطيقونه في الشباب، ويعجزون عنه في الكبر.
وقرأ ابن عباس وعائشة: (وعلى الذين يطوقونه)، أي: يكلفونه فلا يطيقونه، والقراءة الشاذة حجة، والأكثرون أنها منسوخة.
والفدية -هنا- واجبة ابتداء لا بدلاً عن الصوم.
ومن ثم لو نذر صوماً .. لم يصح.
ولو قدر على الصوم قبل إخراج الفدية .. لم يلزمه، بخلاف المعضوب لو قدر على الحج بعد الإنابة؛ لأنه مخاطب بالحج، وإنما جازت له الإنابة؛ للضرورة، وقد بان عدمها.
وهنا مخاطب بالمد ابتداءً، وإذا عجز عنه .. لم يثبت في ذمته، كالفطرة عند (حج).
أمَّا من تكلف الصوم .. فلا فدية عليه؛ لأن محل مخاطبته بالمد ابتداءً إن لم يرد الصوم، وإلا .. خوطب به.
وأمَّا من يرجو البرء .. فواجبه الصوم عند برئه.
ومثله: من لا يطيقه إلا في الأيام القصيرة أو الباردة، فيصوم فيها.
ولو أخر نحو الهرم الفدية عن السنة الأولى .. لم يجب شيء للتأخير؛ لأنّ وجوبها على التراخي، كما في (ب ج) عن "الإيعاب".
الطريق الثاني: يجب المد أيضاً بفوات فضيلة الوقت.
стр. 538
(و) من ثم وجب (على) الحرة والأمة بعد عتقها (الحامل والمرضعة) غير المتحيرة ولو مستأجرة أو متطوّعة، أو كانتا مريضتين أو مسافرتين (إذا أفطرتا خوفاً على الولد) فقط أن تجهض أو يقلَّ اللبن، فيتضرر بمبيح تيمم وإن لم تتعين بأن تعددت المراضع؛ لآية السابقة، لقول ابن عباس: إنها منسوخة إلا في حقهما.
ولو امتنعت من الفطر .. فللمستأجر الخيار، والفدية على الأخيرة.
وفارقت كون دم التمتع على المستأجر بأن فعل تلك من تمام المنفعة الواجبة عليها، وفعل هذا من تمام الحج الواجب على المستأجر، وأيضاً فالعبادة هنا لها، وثَمَّ للمستأجر.
وأمَّا المتحيرة .. فلا فدية عليها إن أفطرت ستة عشر فأقل، وإلا .. وجب لما زاد.
فلو أفطرت كل رمضان .. لزمها مع القضاء فدية أربعة عشر يوماً.
والفطر فيما ذكر جائز، بل يجب إن خيف تضرر الولد بمبيح تيمم.
ومحله كما في "الشرح": في المستأجرة والمتطوعة إذا لم توجد مرضعة مفطرة أو صائمة لا يضرها الإرضاع.
لكن الإجارة للإرضاع إجارة عين، ولا يجوز فيها إبدال المستوفى منه.
وفي "التحفة": جواز الفطر لمن تبرعت أو استؤجرت وإن لم تتعين، وهو منقول المذهب، كما قال الكردي.
ولا تعدد الفدية بتعدد الأولاد؛ لأنها بدل الصوم وهو غير متعدد، بخلاف العقيقة فإنها فداء عن كل واحد.
ولو أفطرت المريضة أو المسافرة بنية الترخص لأجل السفر لا للولد .. لم يلزمهما فدية، وكذا إن أطلقتا أو أفطرتا للسفر والولد.
وأطلق "الأسني": وجوب الفدية عليهما، و"الإيعاب": عدمها.
وخرج بقوله: (على الولد): ما لو خافتا على أنفسهما ولو مع الولد .. فلا فدية عليهما، كالزمن المرجو البرء.
ولا تلزمها الفدية وحدها، بل (مع القضاء) وفارق لزومها لهما -كغيرهما ممن ارتفق بفطره شخصان- عدمه على عاص بفطره بغير جماع، بأن فطرهما ارتفق به شخصان، فجاز أن يجب به أمران كالجماع لمَّا كان من شأنه أن يحصل به مقصود الواطئ
стр. 539
والموطوء .. أوجب القضاء والكفارة العظمى.
وأيضاً فالفدية مما استأثر الله بعلم حكمته، وليست منوطة بالإثم؛ إذ الردة في رمضان لا كفارة فيها مع أنها أفحش من الجماع.
(و) كذا يجب القضاء والمد (على من أفطر لإنقاذ حيوان) محترم (مشرف على الهلاك) أو تلف عضو، أو منفعة بغرق أو صائل أو غيرهما، ولم يمكنه تخليصه إلا بالفطر كالحامل والمرضع بجامع أنَّ في كلٍّ إفطاراً لآجل الغير.
ويأتي في المتحيرة والمريض والمسافر المنقذين ما مر فيهم في الإرضاع والحمل.
وأفهم: تقييده الفدية بإنقاذ الحيوان لزومها فيه وإن كان للمنقذ، وعدم لزومها في غيره، واعتمده (م ر).
واعتمد (حج): أنَّ الحيوان المحترم تجب الفدية بالفطر لإنقاذه؛ لأنه إن كان آدمياً حراً أو غير آدمي وهو له .. ارتفق به شخصان، أو رقيقاً أو حيواناً آخر لغيره .. ارتفق به ثلاثة.
وإن كان غير حيوان، فإن كان لغيره .. فالفدية لارتفاق المنقذ بالفطر ومالكه بتخليصه له، وإن كان له .. فلا فدية.
الطريق الثالث: تأخير القضاء.
(و) حينئذٍ تجب الفدية لكل يوم (على من أخر القضاء) أي: قضاء رمضان، أو شيء منه سواء فاته بعذر أو بغيره (إلى رمضان آخر بغير عذر) بأن أمكنه القضاء في تلك السنة بخلوه فيها عن سفر ومرض قدر ما عليه من القضاء؛ لخبر ضعيف فيه.
لكن وافقه إفتاء ستة من الصحابة به، ولا مخالف لهم، ولتعدية بالتأخير.
وإنما جاز تأخير قضاء الصلاة إلى ما بعد صلاة أخرى؛ لأنَّ تأخير الصوم إلى رمضان آخر تأخير إلى زمن لا يقبله، بخلاف قضاء الصلاة فيصح كل وقت.
أمَّا تأخيره بعذر كسفر وإرضاع ونسيان وجهل حرمة التأخير ولو مخالطاً لنا .. فلا فدية فيه؛ لأن تأخير الأداء جائز به، فالقضاء أولى وإن استمر سنين.
نعم؛ مرَّ حرمة التأخير لما أفطره بغير عذر ولو في نحو السفر، وإذا حرم .. كان بغير عذر، فتجب الفدية، واعتمده الخطيب.
стр. 540
وأجيب بأنه لا يلزم من الحرمة الفدية، ومالا إليه في "الإمداد" و"النهاية" ولم يرجح في "التحفة" شيئاً.
وقضية كلامهم: أنه لو شفي أو أقام مدة تمكن فيها من القضاء، ثم سافر في شعبان مثلاً، ولم يقض .. لزمته الفدية.
نعم؛ القن لا تلزمه الفدية بتأخير القضاء؛ إذ لا مال له، وفي لزومها بعد عتقه خلاف.
وتلزم الفدية بتحقق الفوات وإن لم يدخل رمضان، فلو فاته عشر من رمضان، فمات باقي خمس من شعبان .. لزمه خمسة عشر مداً، عشرة لأصل الصوم، وخمسة للتأخير؛ إذ لو عاش .. لم يمكنه إلاَّ قضاء خمسة.
* * *
(فصل: صوم التطوّع سنة).
وللصوم من الفاضائل ما لا يحصى؛ ولذا اضافه تعالى إليه دون غيره من العبادات، فقال: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به"، فهو مع كونه من أعظم قواعد الإسلام بل أعظمها عند جمع، لا يطَّلع عليه من غير إخبار به غير الله، حتى قيل: إنَّ التبعات لا تتعلق به، وقيل: التضعيف له ولغيره لا يؤخذ فيها.
والراجح: خلافهما.
(وهو) أي: المؤكد منه (ثلاثة أقسام):
الأول: (ما يتكرر بتكرر السنين، وهو صوم) يوم (عرفة) وهو تاسع ذي الحجة؛ لخبر مسلم: "صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده".
وآخر الأولى سلخ الحجة وأوّل الثانية أوّل المحرّم الذي يلي ذلك.
وفي "التحفة": (المكفَّر: هو الصغائر الواقعة في السنتين، فإن لم تكن له .. رفعت درجته) اهـ
стр. 541
ومال (م ر) إلى ما قاله ابن المنذر بأنه يكفر الكبائر.
قال الكردي: (ما صرحت الأحاديث بأن شرط التكفير اجتناب الكبائر .. لا شبهة في عدم تكفيره الكبائر، وما صرحت فيه أنه يكفر الكبائر .. لا ينبغي التوقف أنه يكفرها، وما أطلقت الأحاديث في التكفير به .. ملت في الأصل: أنَّ الإطلاق يشمل الكبائر، والفضل واسع) اهـ
ونقل الشرقاوي عن ابن عباس ﵁ أن في الحديث بشرى بحياة السنة المقبلة لمن صامه.
وإنما يسن صومه (لغير الحاج والمسافر) ولو سفراً قصيراً والمريض.
أمَّا الحاج .. فيسن له فطره وإن لم يضعفه؛ تأسياً به ﷺ ، ويتقوّى على الدعاء.
فصيامه له خلاف السنة، وقيل: مكروه، واستوجهه في التحفة؛ لصحة النهي عنه.
نعم؛ يسن صومه لحاج غير مسافر لا يصل عرفة إلا ليلاً.
وأمَّا المسافر .. فيسنّ له الفطر إن أتعبه الصوم، ومثله: المريض.
وظاهر كلامهم أنَّ باقي ما يطلب صومه لا فرق فيه بين المسافر وغيره؛ لأنهم خصوا التفصيل المذكور بعرفة.
وأجاب بعضهم بأنه يجري في غير عرفة بالأولى؛ لأنه دون عرفة في التأكيد.
وظاهر إطلاقهم: عدم انتفاء الكراهة بضم يوم إلى عرفة قبله أو بعده، بل فرقوا بينه وبين الجمعة وإن اتحدت العلة فيهما.
ويسن صوم الثمانية الأيام قبله، وهي المراد بقوله: (وعشر ذي الحجة).
لكن الثامن مطلوب؛ احتياطاً ليوم عرفة، ولدخوله في الثمانية، كما أن يوم عرفة مطلوب؛ لكونه من عشر ذي الحجة.
ويوم عرفة (وعاشوراء) بالمد -كما بعده- عاشر المحرم؛ لخبر: "أحتسب على الله -أي: أدّخر عنده، أو أرجو منه- أن يكفر السنة التي قبله".
ولعظم فضل هذه الأمة شاركت أهل الكتاب في فضيلة هذا اليوم، واختصت بعرفة الذي فيه الأجر ضعفه وبغيره.
وصَرف الأمر بصومه في الإخبار عن الوجوب إلى الندب المؤكد خبر الصحيحين:
стр. 542
"إنّ َهذا اليوم يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، فمن شاء .. فليصم، ومن شاء .. فليفطر".
(وتاسوعاء) وهو: تاسع المحرم؛ لخبر: "لئن بقيت إلى القابل .. لأصومنّ التاسع"، فمات قبله.
والحكمة في صومه: الاحتياط لعاشوراء؛ لاحتمال الغلط والمخالفة لأهل الكتاب، والاحتراز من إفراده على ما قيل: إنه مكروه.
(و) لذا يسنّ صوم (الحادي عشر منه)؛ لحصول الاحتياط به كالتاسع، بل يسنّ صوم عشر المحرم الأول نظير ما في الحجة، ذكره الغزالي.
(و) صوم (ست من شوّال)؛ لأنها مع صوم جميع رمضان "كصيام الدهر" رواه مسلم؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، كما جاء: (أنّ َصيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام -أي: من شوال- بشهرين، فذلك صيام السنة) أي: مثل صيامها بلا مضاعفة.
نظير ما قالوه في (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص:١]: تعدل ثلث القرآن، والمراد ثواب الفرض، وإلا .. لم يكن لخصوصية ست شوّال معنى.
وحاصله: أنَّ من صامها مع رمضان كل سنة .. كان كمن صام الدهر فرضاً بلا مضاعفة.
وقضية إطلاق المتن: ندب صومها حتى لمن أفطر رمضان.
وقيده (حج) بغير من تعدّى بفطره؛ لأنه يلزمه القضاء فوراً.
قال (م ر): أي: يحصل له أصل السنة وإن لم يحصل له الثواب المذكور؛ لترتبه في الخبر على صيام رمضان).
ثم قال: (وقضيةُ قول المحاملي: يكره لمن عليه قضاء تطوّع بالصوم كراهةُ صومها لمن أفطره بعذر، فينافي ما مرَّ، إلا أن يجمع بأنه ذو وجهين، أو يحمل ذاك على: من لا قضاء عليه كصبي بلغ، وهذا: على من عليه قضاء) اهـ
وإذا لم يصمها في شوّال .. سنَّ له قضاؤها بعده؛ لتوقيتها.
(وسنّ تواليها واتصالها بالعيد)؛ مبادرة بالعبادة، ولما في التأخير من التعريض للفوات، ويحصل أصل السنة بصومها منفصلة عن العيد.
ويظهر أنَّ اتصالها بالعيد أفضل من صومها أيام البيض والسود وإن تأدى بذلك ثلاث
стр. 543
سنن؛ لما في ذلك من الخلاف القوي، خصوصاً إذا نوى ست شوّال مع البيض والسود؛ لما مر في الكلام على التعين في النية عن الإسنوي من عدم حصول شيء منها.
(و) القسم الثاني: صوم (ما يتكرر بتكرر الشهور، وهي أيام) الليالي (البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر)؛ لصحة أمر أبي ذر بصومها.
والاحتياط: صوم الثاني عشر معها، وخروجاً من الخلاف أنه أوَّلها، لكنه مخالف للسنة الصحيحة.
نعم؛ في الحجة يصوم بدل الثالث عشر السادس عشر أو يوماً بعده.
وحكمة كونها ثلاثة: أنَّ الحسنة بعشر أمثالها، فصومها كصوم الشهر كله، ولذا حصل ذلك أيضاً بصوم ثلاثة من أيّ أيام الشهر، وكان صومها في أيام البيض سنة ثانية.
وخصت هذه؛ لتعميم لياليها بالنور المناسب للشكر بالعبادة عليه، ولتعسر تعميم اليوم بعبادة غير الصوم.
(و) صوم (الأيام السود، وهي الثامن والعشرون وتالياه) أي: أيام الليالي السود.
وإن نقص الشهر .. صام أوّل يوم من الشهر الداخل، ويتأدّى به أيضاً سنة صوم أوّل يوم من الشهر؛ إذ يسن صوم ثلاثة أيام أول كل شهر.
وإذا فاتته البيض وأراد صوم السود .. ينويهما؛ ليحوز فضلهما.
وسميت سوداً؛ لسواد لياليها.
وحكمة صومها: تزويد الشهر بالعبادة، وطلباً لكشف سواد القلب؛ فإنّ الشيء بالشيء يذكر.
وينبغي أن يصوم معها السابع والعشرين؛ احتياطاً، وخروجاً من الخلاف.
(و) القسم الثالث: (ما يتكرر الأسابيع، وهو الإثنين والخميس)؛ للخبر الحسن: أنه ﷺ كان يتحرّى صومهما ويقول: "إنهما تعرض الأعمال فيهما، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" أي: فتعرض فيهما عرضاً إجمالياً، وكذا في ليلتي النصف من شعبان والقدر.
стр. 544
وتعرض عرضاً تفصيلياً كل يوم وليلة، بالليل مرة وبالنهار مرة؛ إذ تجتمع ملائكة الليل والنهار عند صلاة العصر ثم ترتفع ملائكة النهار، وتبقى ملائكة الليل وتجتمع عند صلاة الصبح، فترتفع ملائكة الليل وتبقى ملائكة النهار، وهو معنى خبر: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار"، وعرض أعمال الأسبوع من ملائكة الليل والنهار، والعرض جميعه على الله تعالى.
وفائدته: إظهار شرف الطائعين، وإلا .. فهو تعالى لا يخفى عليه شيء.
وفي (ب ج): أنها تعرض أيضاً على النبي ﷺ سائر الأيام، وعلى الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة.
والراجح: أنَّ أوّل الأسبوع السبت، وقيل: الأحد.
(ويسن صوم الأشهر الحرم) بل هي أفضل الشهور للصوم بعد رمضان (وهي: ذو القَعدة) -بفتح القاف- (وذو الحجة) -بكسر الحاء على الأشهر- (ومحرم ورجب).
وعليه: فهن من سنتين، وقيل: من سنة، فيقال: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة.
(وكذا) يسنّ (صوم شعبان)؛ لما صح: أنه ﷺ كان يصوم غالبه. (وأفضلها) أي: الأشهر المذكورة وغيرها بعد رمضان (المحرم)؛ لخبر مسلم بذلك (ثم باقي الحرم).
وفي "الأسنى": تقديم رجب وفي "الإيعاب" تقديم ذي الحجة، فرجب فذي القعدة.
(ثم) بعد الحرم (شعبان)؛ لأنه ﷺ كان يصوم غالبه، وظاهره أَنَّ بقية الشهور سواء.
(ويكره إفراد الجمعة) بالصوم؛ لصحة النهي عن صومه، إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده، وليتقوّى بفطره على الوظائف الدينية.
قال في "الشرح"، و"الإمداد": (ومن ثمَّ لو لم يضعف عنها بالصوم .. لم يكره إفراده) اهـ
стр. 545
ورده في "التحفة" كـ"النهاية" بندب فطر عرفة وإن لم يضعف به؛ لأن من شأنه الضعف.
(و) إفراد (السبت والأحد) بالصوم؛ للنهي عن الأول، وقيس به الثاني بجامع أن اليهود تعظم الأوّل، والنصارى تعظم الثاني، فقصد بذلك الشارع مخالفتهم.
قال في" الإيعاب": (ففي الصوم تشبه بهم في مطلق التعظيم، وإلا .. فتعظيمهم إياه بتحريم الشغل، والتخلي للعبادة والتبسط بالتنعم بالأكل وغيره، وكذلك النصارى تعظم الأحد) اهـ
والكراهة من حيث الإفراد، أمَّا الصوم .. فمندوب، ولذا يصح نذره إن لم يقيده بالإفراد، ومحلها حيث لا سبب له.
أمًّا صومه لسبب كقضاء ونذر وعادة، كأن يصوم ويفطر يوماً فوافق صومه يوماً منها .. فلا كراهة.
وخرج بـ (الإفراد): جمع اثنين منها ولو الجمعة والأحد، وجمع غيرها معها، فلا كراهة؛ إذ المجموع لم يعظمه أحد.
وفي "الإيعاب": أنَّ العزم على وصله بما بعده يدفع الكراهة وإن لم يصم غيره ولو لغير عذر.
ولا يكره تخصيصه بالاعتكاف، ولا فراد صوم يوم عيد من أعياد أهل الملل؛ لأنه لم يشتهر.
ويسن صوم الدهر غير العيدين، وأيام التشريق لمن لم يخف ضرراً، أو فوات حق ولو مندوباً راجحاً على الصوم، أو متعلقاً بحق الغير كالزوجة؛ لخبر: "من صام الدهر .. ضيقت عليه جهنم هكذا، وعقد تسعين".
فإن خاف ما ذكر .. حرم إن خاف فوات واجب، وإلا .. كره إن كان راجحاً على الصوم، وإلا كأن خاف فوت صلاة الضحى من صوم يوم .. فلا كراهة، بل يسن، ومع ندبه فصوم يوم وفطر يوم أفضل منه كما قال.
(وأفضل الصيام: صوم يوم وفطر يوم)؛ لخبر: "أفضل الصيام صيام داوود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً".
وفي "التحفة": (وظاهر كلامهم: أنَّ من فعله فوافق فطره يوماً يسن صومه
стр. 546
كالبيض: يكون فطره فيه أفضل، لكن بحث بعضهم: أن صومه أفضل) اهـ
وبه أفتى الشهاب الرملي، قال: ولا يخرجه ذلك عن صوم يوم وفطر يوم.
ومن تلبس بتطوع من صوم أو غيره .. فله قطعه، لكن يكره لغير عذر؛ لخبر: "الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام، وإن شاء أفطر".
وقيس بالصوم غيره، ولا يجب قضاؤه خلافاً للأئمة الثلاثة.
وأمَّأ قوله تعالى: (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) [محمد:٣٣] .. فمحمول على الفرض أو النهي فيه للتنزيه؛ للحديث المذكور، لكن يندب قضاؤه، وكذا ما اعتاده، وهذا في نفل غير نسك؛ لوجوب إتمامه.
وحرم قطع فرض عيني ولو غير فوري، بل هو من الكبائر.
أمَّا فرض الكفاية .. فالأصح أنه يجوز قطعه إلا جهاداً ونسكاً، وتجهيز ميت.
نعم؛ لا بأس بترك نحو غسله؛ ليدخل غيره محله وإن لم يتعب؛ إذ لا محذور فيه، كما قاله الشوبري.
وحرَّم جمعٌ قطعه مطلقاً، إلا طلب علم إن كان غير فرض عين؛ لأن كل مسألة مستقلة برأسها، فلا قطع في الحقيقة فيه.
فرع: يحرم على مزوجة صوم نفل مما يتكرر في السنة أو الأشهر أو الأسبوع، وقضاء موسع وزوجها حاضر بالبلد، إلا بعلم رضاه وإن جرت عادته بغيبته جميع النهار؛ إذ قد يأتي على خلاف عادته نهاراً.
أمَّا ما يتكرر بتكرر السنين كعرفة .. فلها إن لم يمنعها صومه، وحيث حرم فصامت صح، ولزوجها وطؤها، والحرمة عليها.
وكالزوج السيد إن حلت له أو حصل لها ضرر ينقص الخدمة، والعبد كالأمة التي لا تحل له.
ولا يلحق صلاة التطوع بالصوم؛ لقصر زمنها.
أمَّا الفرض غير الموسع ولو نذراً نذرته بلا إذنه .. فليس له قطعه، والله أعلم.
* * *
стр. 547
(كتاب الاعتكاف)
وهو لغة: لزوم الشيء ولو شراً. وشرعاً: مكث مخصوص من شخص مخصوص في مكان مخصوص بنية، هو بالمعنى اللغوي من الشرائع القديمة.
و (هو) بالمعنى الشرعي (سنة مؤكدة) كل وقت إجماعاً، وهو في عشر رمضان الأخيرة آكد.
(وشروطه سبعة: الإسلام والعقل) فلا يصح من كافر ومجنون ومغمى عليه وسكران ونحوهم؛ إذ لا نية لهم.
(والنقاء عن الحيض والنفاس، وأن لا يكون جنباً)؛ لحرمته مع كل منها.
قال (م ر): وأن لا تكون به نحو قروح تلوث المسجد، ولا يمكن التحرز عنها، ونظر فيه (حج)؛ لأن الحرمة في ذلك لعارض لا لذات اللبث، بخلافها ثمة.
ومن ثم صح اعتكاف زوجة وقنّ بلا إذن زوج وسيد مع الإثم.
ولو اعتكف فيما وقف على غيره .. صح؛ لأن الحرمة من حيث كونه حق الغير لا للمكث.
واعلم: أن في عبارة المتن تسامحاً؛ لأن ما مضى من الشروط شروط للمعتكف الذي هو أحد أركان الاعتكاف لا للاعتكاف، وأطلق الشروط على ما بعضه أركان وهي المقصودة هنا، وهي أربعة:
الأول: المعتكف، أشار إليه بذكر شروطه الأربعة المذكورة.
(و) بقي من الشروط السبعة التي ذكرها ثلاثة، وهي أركان، وهي اللبث والمسجد والنية.
الأول: (أن يلبث فوق قدر طمأنينة الصلاة) ساكناً، أو يتردد قدر ذلك.
وفي "حاشية الفتح": (لو دخل المسجد بقصد أنه إذا وصل الباب الآخر رجع ..
стр. 548
كفته النية حين قصده مع ذهابه، بخلاف ما لو عنَّ له الرجوع .. لا تكفيه مع أخذه في العود، ويحرم على الجنب دخوله في الصورة الأولى دون الثانية؛ لأنه فيها لا يشبه التردد) اهـ
وقيل: يكفي المرور للاعتكاف بلا مكث، كالوقوف بعرفة.
فيسن للمار فيه نية الاعتكاف على هذا القول إن قلده ويصح الاعتكاف ولو من مفطر؛ لخبر: "ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله -أي: ينذره- على نفسه"، فلا يكفي الاعتكاف قدر الطمأنينة فما دونها.
ولو نذر اعتكافاً وأطلق .. كفاه لحظة زائدة على قدر الطمأنينة؛ لحصول اسمه بها.
والأفضل فيه يوم كامل؛ خروجاً من خلاف مالك، ويستحب ضم الليلة إليه.
(و) الركن الثاني: (أن يكون في المسجد) الخالص الذي أرضه غير محتكرة؛ للاتباع، سواء سطحه وروشنه وإن كان كله في هواء غيره ورحبته المعدودة منه وإن خص بطائفة ليس هو منهم، كما مر.
أمَّا ما وقف بعضه شائعاً .. فلا يصح فيه اعتكاف.
ويحرم على الجنب المكث فيه؛ احتياطاً فيهما.
نعم؛ يسن له التحية كما في "فتاوى حج"، ونقله (سم) عن تقرير (م ر).
وأمَّا ما أرضه محتكره، فلا يصح فيه؛ إذ المسجد ما فيها لا هي.
نعم؛ إن بنى فيه نحو مسطبة وبلطها أو سمر نحو خشب أو سجادة فيها، ووقف ذلك مسجداً .. صح؛ لقولهم: يصح وقف السفل دون العلو وعكسه، وجرى أحكام المساجد عليه.
وإذا أزيل الموقوف المذكور .. زال عنه حكم الوقف.
قال (سم): (ولو أعيد في ذلك المكان أو غيره، فهل يعود له حكم المسجد بدون تجديد وقفية لأنه ثبت له حكم المسجد، أم لا؟ فيه نظر) اهـ
ونقل الشرقاوي عن (زي) و (ق ل): ثبوت حكام المسجد له وإن أزيل.
وعلله (ع ش) بأن أحكام الوقف إذا ثبتت .. لا تزول، ويؤيده أنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.
(و) المسجد (الجامع أولى)؛ لكثرة جماعته غالباً، ولاستغنائه عن الخروج منه
стр. 549
للجمعة، وخروجاً من خلاف موجبه، وبه يعلم أنه أولى وإن قلت جماعته، أو لم يحتج للخروج للجمعة منه لنحو قصر مدته.
نعم؛ ما عيَّنه أولى وإن لم يتعين إن لم يحتج للخروج.
ويجب الجامع إن نذر مدة متتابعة يتخللها جمعة، وهو من أهلها، ولم يشترط الخروج لها؛ لأنه لها شرط يقطع التتابع؛ لتقصيره بعدم شرطه، وإذا شرطه .. تعين أقرب جامع إليه إن لم تسبق صلاة بعضها، وإلا .. جاز الذهاب إليه.
ولو عين في نذره مسجد مكة أو المدينة أو الأقصى .. تعين، فلا يقوم غيرها مقامها، ويقوم الأوّل مقام الأخيرين، والثاني مقام الثالث، ولا عكس.
والمراد بمسجد مكة جميع المسجد، وبمسجد المدينة ما كان في زمنه ﷺ ، وهو مئة ذراع دون ما زيد فيه.
أمَّا غير المساجد الثلاثة .. فلا يتعين، ولو مسجد قباء ما لم يشرع في اعتكاف متتابع .. فيتعين فيما هو فيه؛ لئلا ينقطع التتابع.
نعم؛ لو عدل حين خروجه لقضاء الحاجة إلى مسجد آخر مثل مسافته فأقل .. جاز؛ لانتفاء المحذور، ولو عين له زمناً .. تعين، فلو قدمه ... لم يصح، أو أخره .. فقضاء.
ومثله: الصوم وكذا الصلاة، كما جزم به الشيخان في النذر، وأثم بتعمده.
والفرق بينه وبين المكان: أن تعلق العبادة به أقوى؛ لأنه يذهب منه جزء معها، بخلاف المكان.
نعم؛ لا تتعين الصدقة بتعين الزمن، بل بتعين المكان.
فرع: لا يكره للمعتكف صنعة كخياطة بالمسجد ما لم تكثر، إلا كتابة العلم .. فتسنّ؛ لأنها عبادة، وله تسريح شعره فيه؛ للاتباع والأمر بأصلاح أموره، والتحدث بما لا إثم فيه، والأكل والشرب والوضوء وغسل يديه فيه ما لم يقذره، وإلا .. حرم.
وتكره الحرفة فيه لغيره حيث لم يتخذه دكاناً، وإلا .. حرمت.
وكره نحو فصد واحتجام فيه، فإن لوّثه .. حرم، كإدخال نجاسة فيه إلا لحاجة إن أمن تقذيره.
والأولى للمعتكف الاشتغال بالعبادة، كمطالعة علم وسماعه وصلاة.
стр. 550
(و) الثالث (أن ينوي الاعتكاف) في ابتدائه، لا في دوامه؛ لما يأتي في مسألة الخروج مع العزم؛ لأنه عبادة، فاشترط مقارنتها لأوّله من المكث أو التردّد.
وينبغي لداخل المسجد لنحو صلاة أن ينذر الاعتكاف بنحو لله عليَّ، أو نذرت أن أعتكف في هذا المسجد مدة إقامتي هذه فيه؛ ليثاب عليه ثواب الواجب، ثم ينويه.
(وتجب نية الفرضية إن نذره) فيقول: نويت فرض الاعتكاف، أو الاعتكاف المنذور، وندب زيادة لله تعالى، والتعرض للأداء والقضاء.
واعلم: أنه أطلق الاعتكاف .. كفته نيته وإن طال (و) لكنه (يجدد النية) وجوباً إن عاد (بالخروج) من المسجد ولو لقضاء الحاجة إن أراد الاعتكاف؛ لأنّ الثاني اعتكاف جديد فاحتاج لنية جديدة، هذا (إن لم ينو الرجوع) إليه حال خروجه.
فإن نواه وعاد ولو لمسجد آخر .. لم يحتج لتجديدها وإن طال خروجه، وصدر منه ما ينافي الاعتكاف كجماع، لا ما ينافي النية كنية قطع؛ لقيام هذا العزم مقامها؛ لوجود نية الزيادة قبل الخروج، فكانت كنية المدتين معاً.
(وإن قدره) أي: الاعتكاف المذكور (بمدّة) مطلقة أو معينة .. لم يشترط تتابعها، واعتكف لذلك (فيجددها) أي: النية وجوباً إذا عاد (إن خرج) بغير عزم على العود، وإلا .. لم يحتج لتجديدها على المعتمد، وهذا إن خرج (لغير قضاء الحاجة).
فإن خرج لها، أو لإخراج ريح على ما في "الشرح" .. لم يحتج لتجديدها؛ إذ ذلك لابد منه، فهو كالمستثنى عند النية.
(وإن كان) الاعتكاف (متتابعاً .. جددها) إن عاد وجوباً (إن خرج لما يقطع التتابع) كعيادة مريض، بخلاف ما لا يقطعه كقضاء الحاجة، والأكل مما يأتي في الفصل الآتي.
وتجب المبادرة بعد زوال عذره، وإلا .. انقطع التتابع كما يأتي.
وقيد تجديدها هنا في "الشرح" بما إذا خرج غير عازم على العود.
قال الكردي: (ولم يحضرني من قيد به في هذا المحل غيره في هذا "الشرح"، وعليه: فإذا عاد .. يكون عوده ابتداء مدة الاعتكاف من غير تجديد نية) اهـ
стр. 551
والحاصل: أن المراتب ثلاث: الإطلاق، والتقييد بمدة، وبالتتابع، سواء كان منذوراً أم مندوباً.
وإذا أطلقه وكان منذوراً .. وقع أقل مجزئ منه فرضاً، والباقي نفلاً كالركوع ونحوه مما يتجزأ.
واعتمد (ع ش): وقوع الكل فرضاً هنا، وفرق بـ (أن القاعدة المذكورة فيما له أقل وأكمل كالركوع، وأمَّا الاعتكاف .. فلم يجعلوا له إلا أقل) اهـ فليتأمل، فإنه مر أن الأفضل: كونه يوماً كاملاً، لكنهم لم يجعلوه أكمله.
(وإن عين في نذره مسجداً .. فله أن يعتكف في غيره) والأفضل فيما عينه (إلا المساجد الثلاثة) .. فتتعين، ويجزئ فيها الفاضل عن المفضول، ولا عكس، كما مر.
ودليل تفاضلها: ما صح من غير طعن فيه: (أن الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، وفي مسجد المدينة بألف صلاة فيما عدا المسجد الحرام، وفي الأقصى أفضل من خمس مئة صلاة فيما سواه إلا المسجدين الأوّلين).
وقال (حج) في باب النذر: الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف ألف ألف ثلاثاً في غير المسجدين.
(ويحرم) الاعتكاف على الزوجة والقن (بغير إذن الزوج والسيد).
نعم؛ إن لم تفت به منفعة، كأن حضرا المسجد بإذنهما فنوياه .. جاز.
* * *
(فصل: يبطل الاعتكاف) بموجب جناية تفطر الصائم.
فيبطل (بالجماع) من واضح عمداً مع العلم والاختيار.
(وبالمباشرة بشهوة إن أنزل) والاستمناء كما مر في الصوم مبسوطاً، وإن فعل ذلك خارج المسجد؛ لمنافاته له.
стр. 552
فيحرم في الاعتكاف الواجب مطلقاً، وفي المندوب في المسجد، ولايبطل ما مضى لا إن كان متتابعاً، ويبطل في المتتابع من حيث وجوب الإعادة لا الثواب.
وإنما بطل في الصوم والصلاة والوضوء إن أبطله بلا عذر؛ لإنها خصلة واحدة إذا بطل بعض شيء منه .. بطل كله، ولا كذلك الاعتكاف.
ويأتي ذلك في كل ما يبطل ثواب الاعتكاف من غيبة وشتم.
(و) يبطل (بالجنون والإغماء) إن طرأا بسبب تعدياً به؛ لأنهما حينئذٍ كالسكر، فإن طرأا بلا تعد .. لم يقطعانه إن بقيا في المسجد، أو أخرجا منه؛ لعدم إمكان حفظهما فيه، أو لمشقته، لكن لا يحسب زمن الجنون، بخلاف الإغماء.
(و) يبطل أيضاً بالحيض والاحتلام، ونحوه من (الجنابة) التي لا تبطل الصوم، كالإنزال بلا مباشرة، وجماع ناس إن لم يغتسل فوراً؛ لوجوب المبادرة بالغسل، رعاية للتتابع، وإلا .. لم ينقطع.
وله الغسل في المسجد إن لم يمكث فيه، والخروج له وإن أمكنه في المسجد؛ لأنه أصون لمروءته ولحرمة المسجد.
وإذا خرج له .. جدد النية إن كان اعتكافه غير متتابع، وإلا .. فلا.
(والردة، والسكرِ) المحرَّم وإن لم يخرج المتصف بأحدهما من المسجد؛ لعدم أهليته للعبادة، أمَّا غير المحرم .. فلا يبطل به الاعتكاف، ويحسب زمنه من الاعتكاف إن لم يخرج من المسجد.
(وإذا نذر اعتكاف مدة متتابعة .. لزمه) اعتكافها مع تتابعها، فلا يجوز تقديمه عليها ولا تأخيره عنها.
وإنما يلزمه التتابع إن تلفظ بالتزامه، لا إن نواه، أو كانت المدة معينة كشهر كذا، وإلا .. فلا، ولو التزم التفريق .. كفاه التتابع.
(ويقطع التتابع: السكر والكفر وتعمد الجماع) وغيرها مما يبطل الاعتكاف، كما مر.
(وتعمد الخروج) من المسجد لغير ضروري، ولا ملحق به (لا لقضاء الحاجة) فلا
стр. 553
يبطل بالخروج لذلك؛ إذ لا بد منه وإن كثر خروجه له لعارض نظراً إلى جنسه، ولكثرة اتفاقه.
ولا يكلف المشي فيه على خلاف عادته، فإن تأنى على خلافها .. ضر، ومثلها غسل الجنابة وإزالة النجاسة، ولا الصبر إلى حد الضرورة، ولا غير داره كسقاية المسجد إن لم يلق به.
وله الوضوء خارج المسجد ولو مندوباً عند (م ر)؛ تبعاً للاستنجاء، أو لتعذره فيه.
(و) لا لأجل (الأكل) وإن أمكن في المسجد؛ لأنه قد يستحيي منه فيه ما لم يكن مهجوراً.
وقيده في "الفتح" بمن تخترم مروءته بالأكل في الطريق.
وإذا خرج لما ذكر إلى داره، فإن تفاحش بعدها عن المسجد عرفاً بأن يذهب به أكثر الوقت المنذور، وفي طريقه مكان أقرب منه لائق به وإن كان لصديقه .. تعين الأقرب، وإلا .. انقطع تتابعه.
ولا يضر وقوفه لشغل من جميع الأغراض بقدر صلاة جنازة معتدلة، كما في "الشرح" و"الإمداد"، وبأقل مجزئ كما في "التحفة" إن لم يجامع ولم يعدل عن طريقه، أو يتباطأ في مشيه، وإلا .. بطل تتابعه.
ولا يضر تكرر ذلك كعيادة مريض وقادم وصلاة جنازة؛ لأن كلاً على حدته يسير، فلا نظر لضمه لغيره.
(و) لا لأجل (الشرب إن تعذر الماء في المسجد) وإلا بأن أمكن بإحضاره إليه من نحو بيته .. لم يجز الخروج له.
(ولا للمرض إن شق لبثه فيه)؛ لاحتياجه إلى نحو فرش وتردد طبيب (أو خشي تلويثه) بمستقذر ولو طاهراً، فخرج منه لذلك، بخلاف حمى خفيفة وصداع.
(ومثله) في ذلك (الجنون والإغماء) فلا يقطعان التتابع إن دام في المسجد أو خرج منه؛ لعدم إمكان حفظه فيه أو لمشقة احتياجه؛ لما مر.
ولا يحسب زمن جنون من المدة مطلقاً، ولا زمن إغماء إن خرج، وإلا .. حسبت منها.
стр. 554
(ولا إن) أُخرج وقد (أكره بغير حق على الخروج) أو خرج خوفاً من ظالم أو غريم وهو معسر ولا بينة له بإعساره، أو من نحو سبع أو حريق؛ لعذره.
بخلاف من أخرج بحق كزوجة اعتكفت بلا إذن زوج، وغريم موسر أخرج لأداء حق مطل به، فينقطع تتابعه.
(ولا يقطعه الحيض إن لم تسعه مدة الطهر) بأن كانت مدة الاعتكاف لا تخلو عنه غالباً، فتبني على ما سبق إذا طهرت؛ لأنه بغير اختيارها.
ومثَّل لها في "المجموع" بأن تزيد على خمسة عشر يوماً.
واستشكله الإسنوي بأن الثلاثة والعشرين تخلو عنه غالباً؛ إذ غالبه ست أو سبع، وبقية الشهر طهر؛ إذ هو غالباً يكون فيه حيض وطهر.
ولا يقطعه خروج مؤذن راتب للأذان إلى منارة المسجد المنفصلة عنه، لكنها قريبة منه؛ لإلفه صعودها وإلف الناس لصوته.
ولا لإقامة حدّ عليه ثبت بغير إقراره، ولا لعدة ليست بسببها، ولأداء شهادة تعين عليه ولم يمكنه أداؤها في المسجد؛ للعذر في جميع ذلك.
ويسلك في خروجه لذلك أقرب الطرق.
تتمة: إذا شرط ناذر الاعتكاف متتابعاً الخروجَ منه لعارض مباح مقصود لا ينافي الاعتكاف .. صح الشرط، ثم إن عين شيئاً .. لم يتجاوزه، وإلا .. جاز الخروج لكل عارض مباح ولو دنيوياً، كلقاء أمير.
فإن شرطه لا لعارض كـ: إلا أن يبدو لي، أو لمحرم، أولما ينافي الاعتكاف، كجماع أو لغير مقصود كنزهة؛ إذ لا تسمى غرضاً مقصوداً في مثل ذلك .. فهو باطل، ويبطل نذره أيضاً به.
ولو نذر نحو صلاة أو صوم أو حج، وشرط الخروج لعارض .. فكما تقرر.
بخلاف نحو الوقف لا يجوز فيه شرط احتياج مثلاً؛ لأنه يقتضي الانفكاك عن اختصاص الآدمي به، فلم يقبل ذلك الشرط كالعتق، ثم الزمن المصروف لذلك العارض لا يجب تداركه إن عين المدة، كهذا الشهر، وإن لم يعينها كشهر مطلقاً .. وجب تداركه.
* * *
стр. 555
(باب الحج)
بفتح الحاء وكسرها مصدر، والأكثر الفتح، والقياس الكسر.
لغة: القصد، أو كثرته إلى من يعظم.
وشرعاً: قصد الكعبة؛ للأفعال الآتية، كما في "المجموع".
واعترض بأنه نفس الأفعال، واستدل له بخبر: "الحج عرفة"، أي: إتيانها، وهو فعل لا قصد، فالأفعال أجزاؤه لا وجود له بدونها، والأول هو الموافق للغالب من أن المعنى الشرعي مشتمل على المعنى اللغوي بزيادة.
لكن يؤيد أنه الأفعال قولهم: أركان الحج خمسة أو ستة، فدل على أنه نفس الأركان، وهي أفعال.
(والعمرة) بضم أوّليه، أو بفتح فسكون: الزيارة، وقيل: القصد إلى محل عامر.
وشرعاً: زيارة الكعبة؛ للأفعال الآتية.
وهما من الشرائع القديمة، فالمخصوص بنا ما عدا الطواف، أو كونهما على هذه الكيفية.
وفرض في السنة السادسة.
وهو -حيث كان مبروراً- يكفر جميع الذنوب حتى الكبائر وتبعات الناس عند (م ر) بشرط أن لا يتمكن من الوفاء بعده.
(هما) سنتان من صبي ورقيق، وفرضا كفاية؛ لإحياء الكعبة كل سنة مرة من جمع يظهر بهم الشعار ولو صغاراً، وهما على من لم يؤد نسكه بشرطه. (فرضان) أمّا الحج .. فإجماعاً، بل معلوم من الدين بالضرورة، ومن أركان الإسلام.
وأمّا العمرة .. فعلى الأظهر؛ لما صح عن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: "نعم، جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة".
ولا يغني عنها الحج؛ لأن كلاً أصل برأسه؛ لاختلاف ميقاتهما زماناً ومكاناً.
стр. 556
ولا يشكل بإجزاء الغسل عن الوضوء؛ لبناء الطهارة على التداخل، ولأن ما قصد من الوضوء موجود في الغسل.
ولا يجبان بأصل الشرع غير مرة على التراخي بشرط العزم على الفعل بعد، وأن لا يتضيقا بنذر أو خوف غصب أو تلف مال بقرينة.
وإذا أخر، فمات .. تبين فسقه من وقت خروج قافلة بلده في أخر سني الإمكان إلى موته.
ولهما خمس مراتب:
صحة مطلقة، وشرطها: الإسلام، فيصح إحرام ولي عن محجوره، أي: ينوي جعله محرماً، ويحضره المواقف، ويفعل عنه بنفسه أو نائبه ما لا يتأتى منه.
والوقت القابل لما نواه، وإلا كأن نوى فيما لا يقبله أصلاً كأيام منى .. لم ينعقد، أو في غيرها ونوى حجاً في غير أيامه .. انعقد عمرة.
والعلم بالكيفية عند الإحرام، وبالأعمال عند فعلها ولو بوجه فيهما.
وصحة مباشرة، وشرطها على ما مر في الصحة المطلقة التمييز، وإذن الولي، ولو كمل بعد الإحرام وقبل غيره من الأركان .. أجزأه عن حجة الإسلام.
فلا تصح مباشرة غير مميز ومن لم يأذن له وليه.
ووقوع عن نذر، وشرطه مع ما مر في الصحة المطلقة التكليف.
ووقوع عن فرض الإسلام، وشرطه مع ما مر فيما قبله الحرية التامة.
فلو تكلف الفقير النسك .. أجزأه عن الفرض، كما لو حج القن عن نذره بلا إذن سيده .. فيكفيه عن نذره.
(وشرط وجوبهما: الإسلام) فلا يجبان على كافر أصلي إلا للعقاب على تركهما في الآخرة نظير ما مر في الصلاة، ولا أثر لاستطاعته في كفره.
أمّا المرتد .. فيجبان عليه كالمسلم، إلا أنهما لا يصحان منه في ردته.
وإذا مات مرتداً .. لا يقضيان عنه.
(والحرية، والتكليف، والاستطاعة) فلا يجبان على قن وغير مكلف ومستطيع؛ لنقصهم.
стр. 557
واستطاعة الحج استطاعة للعمرة؛ لتمكنه من القران، وهو لا يزيد على عمل إفراد الحج في العمل.
ولا يصح نسك غير فرض الإسلام إلا بعده، فيجب فرض الإسلام، فالقضاء، فالنذر.
نعم؛ لو أفسده حال كماله .. وقع عن حجة الإسلام وعن القضاء، وكذا عن نذره إن عين سنة وحج فيها.
والاستطاعة نوعان:
أحدهما: استطاعة مباشرة، فتمتد من خروج أهل بلده للنسك إلى عودهم، فمن لم يستطع في جزء من ذلك .. لم يلزمه، ولا عبرة بما قبل ذلك ولا بما بعده لتلك السنة.
(ولها) أي: استطاعة المباشرة (شروط) أحد عشر:
(الأول: وجود) مؤن السفر من (الزاد وأوعيته) حتى السفرة (ومؤنة) نفسه وغيرها مما يحتاجه، كأجرة خفير، مدة (ذهابه وإيابه) وإقامته على العادة وإن لم يكن له في بلده أهل ولا عشيرة.
نعم؛ لو قصر سفره للنسك بأن كان دون يومين من مكة، وكان يكتسب في أول يوم كفاية أيام الحج، وهي ما بين زوال سابع ذي الحجة وزوال ثالث عشره لمن لم ينفر النفر الأوّل .. لم يشترط في حقه وجود الزاد، وكذا غيره مما أمكن تحصيله، بخلاف ما لو لم يكتسب كذلك أو طال سفره؛ لما فيه من الجمع بين مشقة الكسب ومشقة السفر.
ولو قدر على كسب كفاية أيام الحج في الحضر .. فقياس ما مر وجوبه.
ورد بأنه إذا قدر على الكسب أوّل السفر .. عدّ مستطيعاً، ولا كذلك في الحضر، فلا يعد بها مستطيعاً، بل محصلاً لسبب الاستطاعة في السفر، وتحصيل السبب لا يجب.
ويعتبر في العمرة القدرة على مؤنة ما يسعها، وهو نصف يوم مع مؤنة مدة سفره.
(الثاني: وجود الراحلة) ولو لم تلق به، كبقرة عند (حج) بشراء أو استئجار بعوض المثل، لا بأزيد وإن قل كالتيمم، والشراء أفضل.
وإنما تجب (لما بينه وبين مكة مرحلتان) بسير الأثقال وإن قدر على المشي بلا مشقة؛ لأنها من شأنه حينئذٍ.
стр. 558
نعم؛ هو الأفضل؛ خروجاً من خلاف موجبه ولو لامرأة لا تخشى منه فتنة بوجه، وللعصبة منعها عند خوفها عليها.
ولو قدر على دابة إلى دون مرحلتين، ومشى الباقي أو عكسه .. قال (حج): لم يلزمه؛ لأن تحصيل السبب لا يجب، وردّ كونه من تحصيل السبب.
والمعتبر وجود الراحلة لمن لم تلحقه بها مشقة تبيح التيمم عند (م ر) أو لا تحتمل عادة عند (حج).
(أو) وجود (شق محمل لمن لا يقدر على الراحلة) بأن تلحقه بها المشقة المذكورة؛ إذ لا استطاعة معها.
فإن لحقته بالمحمل .. اشترط كنيسة، أي: محارة.
فإن لحقته بها .. فسرير يحمله رجال، ولا نظر لزيادة مؤنتهما؛ إذ الفرض أنها فاضلة، كما يأتي.
(وللمرأة) والخنثى وإن لم يتضررا، ولم يعتادا المحمل كنساء الأعراب؛ لأنه أستر لهما، ولا ينافيه ما مر من ندب المشي لهما؛ لأن الوجوب يحتاط له أكثر.
ويشترط في وجود المحمل كونه (مع وجود الشريك) عدل لائق به، غير مشهور بخلاعة، وأن يوافقه على الركوب بين المحملين إِذا نزل لنحو قضاء حاجة، ولا نحو برص به، ولا شديد العداوة له.
فإن لم يجده بشروطه .. لم يلزمه النسك وإن قدر على تمام المحمل.
نعم؛ إن سهلت معادلته بما يريد استصحابه .. تعين هو أو الشريك.
(ولا تشترط الراحلة لمن بينه وبين مكة أقل من مرحلتين وهو قوي على المشي) ولو امرأة بأن لا تلحقه به المشقة المتقدمة وإن كان إلى عرفة مرحلتان.
ومقتضاه أنه لو قرب من عرفة وبعد من مكة .. لم يعتبر؛ وذلك لأنه لا ضرر عليه في ذلك.
وحيث لم يلزمه المشي فالركوب قبل الإحرام وبعده أفضل ولو لامرأة لم تخش من المشي فتنة، وهو على القتب أفضل.
تنبيه: (الشق) بفتح أوله، و (المحمل) بفتح ميمه الأولى وكسر الثانية، -وقيل:
стр. 559
عكسه-: وهو شيء من نحو الخشب يجعل في جانب البعير بلا شيء يستر الراكب فيه.
و (الكنيسة) هي: المحمل إلا أن عليه أعواداً عليها ما يظلل من الشمس من الكنس، أي: الستر، ومنه (الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) [التكوير:١٦]. و (المحفة): التخت.
(ويشترط كون ذلك كله) أي: ما مر من الراحلة والمؤن (فاضلاً) عما يعتبر في الفطرة بتفصيله.
ومن ذلك: كونه فاضلاً (عن دَيْنه) ولو مؤجلاً ولو لله ككفارة، ودينه الحال على مليء وبه حجة كالذي بيده، وإلا .. فكمعدوم.
(و) عن (مؤنة من عليه مؤنتهم) من زوجة وقريب ومملوك محتاج لخدمته.
والمراد بـ (المؤنة): اللائقة بهم مطعماً وملبساً، وإعفاف أصل وأجرة طبيب وثمن دواء وغيرها.
وبـ (من عليه مؤنتهم): ما يشمل أهل الضرورات من المسلمين ولو من غير أقاربه؛ لما ذكروه في "السير" من: أن دفع ضرورات المسلمين بإطعام جائع وكسوة عار ونحوهما فرض على من ملك أكثر من كفاية سنة، وقد أهمل هذا غالب الناس حتى من ينتمي إلى الصلاح.
وشرط الفضل المذكور كونه لجميع مدة غيبته (ذهاباً وإياباً) وإقامة؛ لئلا يضيعوا، بل وإن لم يكن له ببلده أهل ولا عشيرة كما مر؛ لما في الغربة من الوحشة، ولنزع النفوس إلى الأوطان.
ويحرم عليه السفر حتى يترك لممونه مؤنة مدة ذهابه وإيابه.
لكن يخيره الحاكم بين طلاق زوجته وترك مؤنتها عند (حج).
(وعن مسكن وخادم يحتاج إليه)؛ لخدمة له أو لممونه؛ تقديماً لحاجته الناجزة، وفيهما التفصيل المار في الفطرة، ومثلهما الثوب.
ولو احتاج إلى صرف ما يحج به لتزوجه مع خوف عنت .. فالأفضل له التزوّج به، لكن يستقر عليه الحج؛ لأن النكاح من الملاذ، فلا يمنع استقراره.
وأفتى الشهاب الرملي بوجوب الحج على من بيده وظيفة أمكنه النزول عنها بما يكفيه للحج وإن لم يكن له غيرها.
стр. 560
ونقل (سم) عن السيوطي: أنه لا يلزمه ذلك.
(الثالث: أمن الطريق) أمنا لائقاً بالسفر ولو بخفير، بأجرة مثله على نفسه، وجميع ما يحتاج لاستصحابه لسفره، لا على مال نحو تجارة أمن عليه ببلده، ولا على مال غيره إن لم يلزمه حفظه والسفر به؛ لأن خوفه على ذلك -ولو من رصدي، ما لم يكن المعطي له الإمام- يمنع الاستطاعة إن خاف في جميع الطرق.
وإلا .. وجب سلوك الذي يأمن فيه وإن طال إن وجد مؤنة سلوكه.
ويشترط أيضاً: وجود رفقة يخرج معهم وقت العادة إن خاف وحده، ولا أثر لمجرد وحشة؛ لأنه لا بدل له، وبه فارق الوضوء.
ولو اختص الخوف به .. لم يستقر في ذمته كما اعتمده (حج) و (م ر).
وقال شيخ الإسلام والخطيب: يستقر عليه.
والأظهر: وجوب ركوب البحر ولو على امرأة وجدت محلاً تنعزل فيه عن الرجال إن تعين طريقاً، ولو لجدب الأرض وغلبت السلامة فيه وقت سفره.
ويجوز للولي ركوبه البحر بنحو الصبي إن غلبت السلامة وله مصلحة فيه، لا بماله ولو لتجارة؛ إذ المال يحتاط له أكثر.
(الرابع: وجود الزاد والماء في المواضع المعتاد حمله منها بثمن مثله، وهو القدر اللائق به في ذلك المكان والزمان) وإن غلت الأسعار، ولا نظر لما مضى.
نعم؛ لا يعتبر حالة الضرورة التي يقصد فيها القوت والماء لسد الرمق.
فلو خلا بعض المنازل عن ذلك .. فلا وجوب؛ لأنه إن لم يحمل ذلك معه .. خاف على نفسه، وإن حمله .. عظمت المؤنة.
وكذا لا يجب عليه الحج إذا لم يجد أحدهما إلا بأكثر من ثمن مثله وإن قلت الزيادة.
ونقل (م ر) والخطيب عن الدميري: أنه يغتفر الزيادة اليسيرة؛ لأنه لا بدل له، بخلاف ماء الطهارة.
(و) وجود (علف الدابة في كل مرحلة)؛ لعظم المؤنة في حمله؛ لكثرته، بخلاف الماء والزاد.
стр. 561
لكن في "المجموع" وغيره: اعتبار العادة فيه أيضاً، واعتمدوه، وإلا .. لم يجب الحج على آفاقي.
والخامس: ما أشار إليه بقوله: (ولا يجب) ولا يستقر النسك (على المرأة) ولو عجوزاً لا تشتهى أو مكية.
(إلا إن) وجد فيها ما مر، و (خرج معها) ولو بأجرة مثل قدرت عليها (زوج أو محرم) ولو فاسقاً؛ لأنه يغار عليها من مواقع الريب.
نعم؛ لو علم أنه لا يغار عليها .. لم يكف.
أو مراهقاً أو أعمى له حذاقة تأمن معه.
وتشترط: مصاحبته لها بحيث تمنع الريبة وإن بعد عنها في بعض الأوقات، أو لم يكن معها، لكنه قريب.
ويكفي عبدها، أو أجنبي ممسوح إن كانت هي وهو ثقتين (أو نسوة ثقات) -أي: ثلاث فأكثر- ذوات عدالة ولو إماء.
ويتجه الاكتفاء بالمراهقات بقيده السابق، وبمحارم فسقهن بغير زنا أو قيادة وإن لم يكن معهن نحو محرم لإحداهن؛ لانقطاع الأطماع باجتماعهن.
ومن ثَمّ جازت خلوة رجل بامرأتين دون عكسه.
واعتمد في شرحي "المنهج"، و"التحرير" و (م ر)، والخطيب: الاكتفاء باثنتين.
قال الكردي: ومحله: إن كانت واحدة منهما لا تفارقها.
أمّا الجواز .. فلها أن تخرج لفرض الإسلام ككل واجب ولو وحدها إذا أمنت.
ومن الواجب: خروج المرأة إلى محل حراثتها؛ لأن طلب الحلال واجب ولو شابة، لكنهن قد فرطن في عدم ستر جميع البدن وغيره.
(الخامس) وهو في الحقيقة السادس: (أن يثبت على الراحلة بلا مشقة شديدة) وإلا .. لم يجب عليه بنفسه، بل هو معضوب، وسيأتي.
السابع: وجود ما مر من الزاد وغيره وقت خروج الناس من بلده.
стр. 562
الثامن: أن يبقى بعد الاستطاعة ما يمكنه الوصول فيه إلى مكة بالسير المعتاد، بحيث لا يحتاج في بعض الأيام أو الليالي لقطع أكثر من مرحلة شرعية وإن اعتيد، وإلا .. لم يجب.
وإنما وجبت الصلاة بأوّل وقتها قبل مضي ما يسعها؛ لإمكان تتميمها بعده، بخلاف الحج، على أن ابن الصلاح قال: يجب ثم يسقط.
وفائدته عنده: وصفه بالإيجاب، وأنه لو مات يقضي من تركته قطعاً، ويلزمه الشروع في المقدمات.
أمّا العمرة .. فيعتبر لها ما يسع أعمالها، وقدر بثلثي يوم.
التاسع: أن يجد رفقة حيث لم يأمن وحده، يخرج معهم في الوقت المعتاد لا قبله؛ لزيادة المؤنة عليه، ولا بعده؛ لأنه يحتاج إلى قطع أكثر من مرحلة شرعية في بعض الأيام، وكل منهما يمنع الوجوب، وإن كان الأفضل خروجه معهم.
العاشر: أن يجد ما مرَّ من الزاد ونحوه بمال حاصل عنده، أو بدين حال على مليء، فلا تلزمه الاستدانة لذلك وإن تعينت لوفائه جهة ظاهرة، ولا اتهاب، ولا قبول نحو هبة؛ للمنة، ولا شراؤه بأكثر من ثمنه.
والحادي عشر: ما أشار إليه بقوله: (ولا يجب على الأعمى الحج) ولا العمرة (إلا إذا وجد قائداً) يقوده ويهديه عند ركوبه ونزوله، ولو بأجرة مثل قدر عليها، ويشترط فيه ما في الشريك المتقدم، ولا على أقطع إلا إن وجد معيناً، ولا على سفيه إلا إن وجد حافظ نفقة له.
تنبيه: لو استطاع ثم افتقر .. لزمه الكسب والمشي إن قدر عليه ولو فوق مرحلتين، وكذا السؤال على ما في "الإحياء".
لكنه لا يجب لدين آدمي عصى به، فالحج أولى.
النوع الثاني: استطاعة تحصيله بإنابة غيره عنه، وإنما تكون في ميت ومعضوب كما أشار إليه بقوله:
(ومن عجز عن) نسك (الحج) أو العمرة وقد أيس عن مباشرته (بنفسه)؛ لزمانة أو مرض لا يرجى برؤه أو هرم، ويسمى معضوباً -بمعجمة- من العضب، أي: القطع، كأنه قطع عن الحركة، أو بمهملة، كأنه قطع عصبه.
стр. 563
( .. وجب عليه الاستنابة) فيه عن نفسه فوراً إن عضب بعد الوجوب والتمكن.
وعلى التراخي إن عضب قبل الوجوب أو معه أو بعده ولم يمكنه الأداء؛ لأنه مستطيع؛ إذ الاستطاعة بالمال كهي بالنفس، ولخبر الصحيحين: (إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم") وهذا في حجة الوداع، وهذا فيمن بينه وبين مكة مسافة قصر، وإلا .. وجب أن يتكلفه بنفسه كما يأتي.
وإنما تجب عليه الاستنابة (إن قدر عليها) بعد عضبه (بماله) بأن وجد أجرة من يحج عنه بأجرة مثل، فاضلة عما يحتاجه من نحو مسكن وخادم، ونحو كتب فقه وإن كانت تبقى سنين عديدة، وكذا مؤنة ممونه وجميع ما يحتاجه يوم الاستئجار لا ما بعده؛ لأنه لم يفارقهم، فيمكنه تحصيل مؤنة ممونه لما بعده.
ويكلف استئجار من رضي بأقل من أجرة مثل، كالإذن للمطيع الآتي بالأولى، وليست المنة هنا كهي بالمال.
ولو لم يجد إلا أجرة ماش .. لزمه استئجاره.
(أو) قدر عليها (بمن يطيعه) بأن وجد متبرعاً يحج عنه غير معضوب، وهو عدل تصح منه حجة الإسلام، ولا حج عليه.
أمّا الفاسق .. فلا تصح إنابته عن غيره مطلقاً ولو مع المشاهدة؛ لأن النية لا اطلاع عليها.
نعم؛ المعضوب نفسه يصح استئجاره فاسقاً ليحج عنه.
ويقبل قول الأجير: حججت ولو فاسقاً؛ لأن ذلك لا يعرف إلا منه.
وإذا اجتمعت الشروط في المطيع ولو أنثى معها محرم .. لزمه القبول فوراً وإن لزمه الحج على التراخي.
نعم؛ إن كان المطيع بعضاً وهو ماش .. لم تجب إجابته؛ لأن مشيه يشق عليه، وكذا إن لم يجد كفايته لسفره وإن كان راكباً كسوباً، ما لم يكن قريباً من مكة، ويكسب في يوم كفاية أيام الحج.
والفقير المعوّل على الكسب أو السؤال كالبعض عند (حج). فيما ذكر.
وللولي منع أنثى من المشي فيما لا يلزمها، وللوالد منع ولده من حج تطوّع.
стр. 564
ولو توسم الطاعة من قريب أو أجنبي .. لزمه سؤاله، بخلاف ما لو بذل له مالاً ليستأجر به من يحج عنه ولو بعضه؛ للمنة.
نعم؛ لو استأجر بعضه من يحج عنه، أو قال له: استأجر، وأنا أدفع للأجير الأجرة .. لزمه الإذن في الأولى، والاستئجار في الثانية كما في "التحفة".
لكن اعترض بأن فيهما لزوم قبول المال من البعض، وهو لا يجب.
قال الونائي: وليس لمطاع أذن رجوع مطلقاً، ولا لمطيع أحرم.
ولا يُلزم وارث إجابة متطوع عن ميته، ولا يحج عن معضوب إلا بإذنه؛ لافتقاره إلى نية، والمعضوب من أهلها، ولا يصح عنه حج تطوّع.
وفي "الفتح": وتجوز نيابة رقيق وصبي مميز عنه وعن ميت في نفل لا فرض.
وفي "التحفة": (ولو مات أجير عين قبل الإحرام .. لم يستحق شيئاً، أو بعده .. استحق القسط بأن توزع أجرة المثل على السير والأعمال، ويعطى ما يخص عمله من أجرة المثل وإن لم يجز عن المستأجر له، ولا تصح على زيارته ﷺ ؛ لعدم انضباطها.
نعم؛ إن انضبطت، كأن كتب ما يدعو له بورقة، أو جاعله على الدعاء .. صحت) اهـ
قال الكردي: (وتجوز استنابة معضوب أجيراً بأكثر من أجرة مثل، أو مطيعاً معضوباً أو معوّلا على الكسب أو السؤال أو بعضاً ماشياً أو امرأة ماشية، أو لم يجد ما يكفيه أيام الحج، أو بذل له مالاً؛ ليستأجر به من يحج عنه، أو استأجر المطيع الأجنبي عنه، أو قال: ائذن لي في الاستئجار، ويجب فيما عدا ذلك) اهـ
وعلى كلٍّ فتصح استنابته (إلا إذا كان بينه وبين مكة دون مسافة القصر) وإلا ( .. فيلزمه) أن يحج (بنفسه)؛ لأنه لا يتعذر عليه الركوب فيما مر من محمل فمحفة فسرير، ولا نظر للمشقة عليه؛ لاحتمالها في حد القرب وإن كانت تبيح التيمم كما في "التحفة".
وفي "المغني"، كـ"النهاية": عدم اللزوم عند كثرتها.
وفي "حاشية متن العباب" لـ (حج): عدم الصحة للمكي مطلقاً، والصحة لمن دون مسافة القصر، وتعذر عليه بنفسه ولو على سرير.
стр. 565
ولو امتنع المعضوب من الإذن في النسك .. لم يأذن الحاكم عنه، ولا يجبره عليه مطلقاً، ولا يلزم الفرع امتثال أمر أصله المعضوب في الحج عنه.
تنبيه: الإحجاج عن المعضوب قلَّ في دائرة الإسلام، بل لا يكاد يوجد، فينبغي التنبيه عليه.
وأمّا من مات بعد استقرار النسك عليه ولم يؤده .. فعلى وصيه، فوارثه، فالحاكم إنابة من يؤديه عنه من تركته فوراً؛ لخبر البخاري: (إن أمي نذرت أن تحج، فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: "حجي عنها، أفرأيت أن لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ " قالت: نعم، قال: "فالله أحق بالوفاء").
فإن لم تكن تركة .. سن للوارث والأجنبي وإن لم يأذن له الوارث أن يؤدي نسكه وإن لم يستطع؛ لأنه بالدين أشبه.
بخلاف الصوم فلا بد من إذنه؛ لأنه عباده بدنية محضة.
ولا يجوز التنفل عنه به إلا إن أوصى به.
فرع:
الإجارة: إجارة عين، كاستأجرتك لتحج عني، أو عن ميتي بكذا.
فيشترط: أن يحج بنفسه، وأن يكون قادراً على الشروع في العمل.
فلا يصح استئجار من لا يمكنه الشروع لنحو مرض أو خوف، أو قبل خروج القافلة، لكن لا يضر انتظار خروجها بعد الاستئجار.
فالمكي ونحوه يستأجر في أشهر الحج؛ لتمكنه من الإحرام، وغيره يستأجر عند خروجه بحيث يصل الميقات في أشهر الحج.
وإجارة ذمة، كألزمت ذمتك الحج عني، أو عن ميتي، فتصح ولو لمستقبل بشرط حلول الأجرة، وتسليمها في مجلس العقد.
وله أن يحج بنفسه، وأن يحج غيره، ويجوز أن يحج عن غيره بالنفقة.
واغتفرت الجهالة فيه؛ لأنه ليس إجارة ولا جعالة، بل إرزاق.
* * *
следующие страницы →