Полный текст (670 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
واكتفى في "الإمداد" و"المختصر"، وعبد الرؤوف بموضع الأداء.
ولو تمتع وأفسد الحج .. كفاه في القضاء الإحرام من مكة.
ولو أحرم بالأداء من ذات عرق فمر في القضاء بذي الحليفة .. وجب إحرامه منها.
وللمفرد المفسد لأحد النسكين قضاؤه مع الآخر تمتعاً أو قراناً، وللمتمتع والقارن القضاء إفراداً، ولا يسقط عنه الدم في القضاء بذلك، فعلى القارن المفسد: بدنة، ودم للقران وآخر للقضاء وإن أفرده.
ولو فات القارن الحج .. فاتته العمرة، وعليه دم للفوات ودم للقران الفائت ودم للقران المأتي به في القضاء.
(و) يجب عليه مع إتمامه والقضاء والإثم الكفارة، وهي (بدنة) تجزئ في الأضحية وإن كان نسكه نفلاً؛ لقضاء جمع من الصحابة بذلك، ولا يعرف لهم مخالف.
وهي: بعير ذكر أو أنثى له خمس سنين؛ وكذا في كل محل أطلقت فيه.
(فإن عجز) عنها ( .. فبقرة) تجزئ أضحية.
(فإن عجز) عنها ( .. فسبع شياه) أو سبع من كلًّ من سبع بدنات أو بقرات تجزئ كل منها أضحية.
(فإن عجز) عن ذلك ( .. فطعام) يجزئ في الفطرة (بقيمة البدنة) بالنقد الغالب بسعر مكة حال الأداء، كما في "التحفة"، يتصدق بكل مما ذكر مساكين الحرم الكائنين فيه ولو غرباء، والمتوطنون أولى إن لم يكن غيرهم أحوج.
وواجب الإطعام غير مقدر في غير دم التخيير والتقدير، فلا يتعين لكل مسكين مد.
نعم؛ الأفضل أن لا يزاد على مدين ولا ينقص عن مد.
ولو كان الواجب ثلاثة أمداد فقط .. لم تدفع لدون ثلاثة، بل لهم أو لأكثر، أو مدين دفع لاثنين فأكثر لا لواحد، أو واحد .. فلواحد، كذا نقله الكردي عن ابن علان.
لكنه في "الحاشية" عقبه بكذا قيل.
وفي "الإيعاب": ولا يتعين لكل مد، بل تجوز الزيادة عليه والنقص عنه.
(فإن عجز) عن جميع ما ذكر .. قوّم البدنة، وعرف ما يحصل من قيمتها من الطعام و (صام بعدد الأمداد) ويكمل المنكسر.
стр. 632
فعلم: أن دم الجماع دم ترتيب وتعديل.
قال الكردي: الجماع أقسام:
الأول: لا يجب فيه شيء، وذلك في نحو الناسي.
الثاني: تجب له الفدية على واطئ عالم عامد مختار عاقل قبل تحلل أول، والموطوءة حليلة ولو محرمة.
الثالث: تجب على المرأة فقط فيما إذا كانت هي المحرمة فقط، ومستجمعة للشروط السابقة، أو كان الزوج غير مستجمع لها وإن كان محرماً.
الرابع: تجب على غير الواطئ والموطوءة، وذلك في الصبي المميز، فتجب على وليه.
الخامس: تجب على كل منهما فيما إذا زنى محرم بمحرمة أو وطئها بشبهة، وفيهما الشروط السابقة.
السادس: تجب فدية مخيرة، وهي شاة، فيما إذا وطئ ثانياً أو بين التحللين، هذا ما اعتمده (حج)، واعتمد (م ر): أن لا فدية على المرأة مطلقاً.
(السادس:) من المحرمات على الرجل وغيره (اصطياد المأكول البري) المتوحش جنسه وإن تأهل هو، كدجاج حبشي وإن ألف البيوت؛ لأن أصله وحشي، لا البلدي، ولا الإوز عند (م ر)؛ إذ المصيد هو المتوحش طبعاً، لا يمكن أخذه إلا بحيلة طيراً كان أو دابة، مباحاً أو مملوكاً، قال تعالى: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً) [المائدة:٩٦]، أي: يحرم التعرض لجميع أجزائه.
ومنها: لبنه وريشه ومسكه وفأرته المتصلات به وبيضه غير المذر ولو بالإعانة أو الدلالة لحلال كتنفيره إلا لضرورة، كأن يأكل طعامه أو ينجس متاعه؛ لأنه صيال، والصائل غير مضمون إذا لم يندفع بأقل مما فعل به.
ولا فرق في ضمان الإتلاف كالصيد بين نحو عالم وغيره، أمَّا الإثم .. فلا يأثم إلا مع علم وتعمد واختيار.
وإذا تعرض لريشه مثلا .. ضمنه بما بين كونه سليماً ومنتوفاً، وإن عاد الريش أحسن مما كان، وعليه أن يمسكه ويطعمه ويسقيه؛ لينظر ما يؤول إليه حاله، وكذا لو جرحه بالأولى، ولو نقص لبنه في تعرضه له .. ضمنه، ثم إن كان مثلياً فنقص عشر قيمته
стр. 633
مثلاً .. لزمه عشر مثله، فيلزمه عشر شاة مثلاً، أو التصدق بقيمته طعاماً، أو يصوم عن كل مد يوماً.
أو غير مثلي .. فالواجب أرشه، يتخير بين التصدق بقيمته طعاماً، والصوم، ولو اندمل جرحه، لكنه صار زمناً .. ضمنه بجزاء كامل، وإن قتله هو أو محرم أخر أو من بالحرم .. لزمه جزاؤه زمناً، أو قتله قبل الاندمال .. فلا شيء عليه.
ويحرم على المحرم التعرض لبيض المتولد بين وحشي وإنسي.
وخرج بـ (المأكول): غيره؛ إذ منه مؤذ يندب قتله كنمر ونسر وكالقمل.
نعم؛ يكره التعرض لقمل شعر رأس، ولحية محرم؛ خشية الانتتاف، وندب فداء الواحدة ولو بلقمة وكالنمل الصغير المسمى بالذر بخلاف كبير ونحل، فيحرم قتلهما كالخطاف والهدهد والصرد.
وكالفواسق الخمس الغراب الذي لا يؤكل والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور، فيندب قتلها ولو في الحرم.
وأُلحق بها: أسد ونمر وذئب ونسر وعقاب وبرغوث ونحوه كل مؤذ، بل يجب قتل عقور كخنزير يعدو وحية تعدو، ويحرم اقتناء شيء منها.
ومنه ما فيه نفع وضر كقرد وصقر وفهد، فلا يسن قتله؛ لنفعه، ولا يكره؛ لضره.
وما لا يظهر فيه نفع ولا ضر كسرطان ورخمة .. يكره قتله، ويشكل بحرمة قتل كلب لا نفع فيه ولا ضرر.
وبـ (البري): البحري، والمراد به ما في الماء ولو نحو بئر ولو في الحرم، فإن عاش في البر والبحر .. فبري؛ تغليباً للحرمة.
وبـ (الوحشي): الإنسي وإن توحش، إذ لا يسمى صيداً.
(أو المتولد منه) أي: المأكول المتقدم (ومن غيره) فيحرم التعرض له كالمأكول المتقدم بأن يكون أحد أصليه مأكولاً بقيوده السابقة وإن علا، والآخر ليس كذلك كمتولد بين شاة وظبي، أو بين حمار وحشي وحمار أهلي، أو بين ضبع وذئب؛ تغليباً للتحريم، بخلاف المتولد بين ذئب وشاة، أو بين حمار أهلي وزرافة؛ بناءً على أنها غير مأكولة، كما هو ظاهر "النهاية".
لكن في "شرحي الإرشاد" وغيرهما؛ أنها مأكولة.
стр. 634
(ويحرم ذلك) أي: التعرض للصيد المذكور بأي وجه كان (في الحرم على الحلال) ولو كافراً ملتزماً لأحكامنا؛ للنهي الآتي عن تنفيره؛ تعظيماً للحرم، سواء أرسل السهم أو الكلب من الحل على صيد كله أو قائمة من قوائمه في الحرم واعتمد عليها وإن اعتمد على الأخرى في الحل أو عكسه؛ تغليباً للحرمة.
وإنما لم يضمن صيداً سعى من الحرم إلى الحل، أو من الحل إلى الحل، لكنه مرَّ أثناء سعيه في الحرم، ثم قتله؛ لأن ابتداء الاصطياد من حين الرمي أونحوه، لا من حين السعي، ولذا سنت التسمية عند الأول دون الثاني.
ولو أخرج يده من الحرم ونصب شبكة في الحل فتعقل فيها صيد .. لم يضمنه، ولا عبرة بكون قوائمه في الحرم كرأسه، والعبرة في القائم بمستقَره.
نعم؛ إن أصاب الجزء الذي في الحرم .. ضمنه ولو كان مستقراً على غيره كما في "الشرح".
قال الشرقاوي: (ويحرم دلالة المحرم على صيد، ثم إن قتله المدلول وهو محرم .. فميتة، وعليه الجزاء دون الدال إن لم يضع يده عليه، أو وهو حلال في الحرم فكذلك، أو في غيره فحلال، ولغير الدال الأكل منه، أمَّا هو .. فيحرم عليه.
ويحرم على الحلال أن يدل المحرم أيضاً على صيد وإن اختص بالجزاء، ولو أمسكه محرم، فقتله حلال .. ضمن المحرم الممسك، والقاتل ليس طريقاً في الضمان، فلا رجوع للممسك عليه بشيء، أو قتله محرم آخر .. ضمن وإن كان الممسك طريقاً في الضمان.
ثم قال: ويحرم على المحرم أكل ما صاده له الحلال وإن لم يعلم به ولم يدل عليه؛ تنزيلاً لصيده له منزلة دلالته عليه، ولا يحرم على الحلال الأكل منه في هذه الحالة، كما قرره الشيخ خضر.
وقرر شيخنا عطية حرمة الأكل على الحلال أيضاً، كالمحرم، وهو ظاهر؛ إذ قصد المحرم بالاصطياد يؤثر في التحريم أكثر من تأثير الدلالة.
واعلم: أنه لا يلزم الجزاء بدلالة ولا إعانة ولا أكل ما صيد للمحرم، خلافاً للأئمة الثلاثة، وقال أيضاً -عند قول التحرير: ويجوز أكله لضرورة الجوع- ومع جوازه هو ميتة وإن ذبحه خلافاً لـ (حج)؛ لأن مذبوح المحرم ميتة، كما قاله الرحماني.
стр. 635
وقرر شيخنا الحفني أنه ميتة في الاضطرار دون الصيال؛ لأنه أسقط حرمته.
ومحل جواز قتله: حيث لم يجد ميتة أخرى، وإلا .. قدمها إن لم يتضرر بنحو قرف نفس بأكلها، ويقدم الصيد على طعام الغير الذي لم يأذن له في أكله) اهـ
ولو أحرم حلال وفي ملكه صيد .. زال ملكه عنه، فيلزمه إرساله حالاً وإن تحلل، ومن أخذه .. ملكه إن لم يكن محرماً.
(ويحرم) ولو على حلال (قطع نبات الحرم) اي: نابته (الرطب) شجراً كان أو حشيشاً وإن كان بعض مغرسه في الحل أو نقل إلى الحل، أو كان ما بالحل من بزر ما بالحرم مملوكاً كان أو مباحاً، وسواء كان الشجر مستنبتاً أو نابتاً بنفسه.
وأمَّا غيره .. فشرطه: أن لا يكون من شأنه أن لا يستنبته إلا الآدميون، سواء نبت بنفسه أم استنبت؛ للخبر الصحيح: "إن هذا البلد حرام بحرمة الله، لا يعضد شجره، ولا ينفر صيده ولا يختلى خلاه".
و (الخلى): الحشيش الرطب، (وقلعه) أي: النابت بالأولى.
وخرج بـ (الرطب): اليابس، فقطعه وقلعه جائز.
قال الكردي: هو على عمومه في الشجر، أمَّا الحشيش .. فيجوز قطعه لا قلعه إلا أن فسد منبته على المعتمد.
ولو غرست حرمية في الحل .. بقيت حرمتها، ويجب ردها إلى بقعة حرمية ولو غير منبتها، فإن يبست بالنقل .. ضمنها، وكذا لو بقيت فيه، ولو غرس حلية في الحرم .. لم يكن لها حرمة.
ولا يضمن غصن في هواء الحرم وأصله في الحل، ويضمن صيد فوقه؛ نظراً لمكانه، ويضمن غصن في الحل وأصله في الحرم، ولم يضمن صيد فوقه؛ لذلك.
ولو غرس في الحل نواة شجرة حرمية .. ثبت لها حكم الأصل، أو عكسه .. لم يثبت لها حكم الحرم.
ولو أدخل تراباً من الحل إلى الحرم، أو عكسه وغرس فيه .. فهل العبرة بالتراب أو محله؟ محل نظر، الأوجه: الثاني؛ إذ المغرس في الحقيقة إنما هو محل التراب.
نعم؛ إن كان التراب كثيراً بحيث تثبت العروق فيه ولا تتجاوزه .. اعتبر هو لا محله.
стр. 636
(إلا الإذخر) -بكسر فسكون فكسر، وبالذال المعجمة- نبت طيب الرائحة، الواحدة: أذخرة، فيحل قطعاً وقلعاً ولو للبيع؛ لاستثناء الشارع له، والإطلاق يقتضي التعميم، لكن أفتى الشهاب الرملي وتبعه ولده بامتناع بيعه.
(و) إلا (الشوك) قطعاً وقلعاً وإن لم يكن بالطريق، والأعصان المؤذية كالصيد المؤذي، وقيل: يحرم التعرض له، وصححه في شرح مسلم، وانتصر له بصحة النهي عن قطع الشوك بخصوصه.
(و) إلا قطع وقلع (علف) بسكون اللام المصدر، وبفتحها ما يعلف به، وهو المراد هنا.
(البهائم) التي عنده ولو للمستقبل إلا إن كان يتيسر أخذه كل ما أراده، كما يجوز رعي حشيش الحرم وشجره؛ لأن البهائم كانت تسير فيه في عصره ﷺ ولا تسد أفواهها، بل روى الشيخان عن ابن عباس قال: (أقبلت راكباً على أتان، فوجدت النبي ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فدخلت الصف وأرسلت الأتان)، ترعى ومنى من الحرم.
(و) إلا (الدواء) لمريض ولو بالمستقبل لا قبل المرض، ولو بنية الاستعداد له إن تيسر أخذه كل وقت كما في "الإيعاب"، لكن جوّز (م ر) أخذه؛ ليستعمله عند المرض، وفي جواز أخذه للبيع خلاف.
(و) إلا (الزرع) كحنطة وذرة وشعير والقطاني والخضراوات ولو مما ينبت بنفسه من كل ما يتغذى به كالبقل والرجلة ونحوهما .. فيجوز قطعه وقلعه والتصرف فيه، بنحو بيع، ولا فدية ولا ضمان.
(ويحرم قلع الحشيش اليابس) ويضمن إذا لم يمت؛ لأنه لو لم يقلعه لنبت، فإن مات .. جاز ولا ضمان.
(دون قطعه) فلا يحرم، ولا فدية فيه، ولو أخلف ما قطع من الأخضر .. فلا ضمان، بخلاف يابس الشجر، فيجوز قطعه وقلعه؛ لأنه لا يرجى نباته.
تنبيه: ظاهر كلام المتن شمول الحشيش للرطب، وبه قال أبو عبيدة.
لكن المشهور أنه حقيقة في اليابس، مجاز في الرطب.
стр. 637
ويجوز أخذ ورق من غير خبط يضر بالشجر بأن لا يكسر أغصانها ولا يمنع نموها، وقطع غصن يخلف قبل سنة كاملة مثله تقريباً ولو في محل قريب من محله، وإلا .. ضمنه.
والحاصل: أن الرتب أربع:
أحدها: ما لا يضمن مطلقاً، وهو: ما استثنى من الإذخر وما بعده، وكذا عود السواك على ما هو قضية "المجموع".
ووجهه في "التحفة" بأنه مما يحتاج لأخذه على العموم، فسومح فيه ما لم يتسامح في غيره من الأغصان.
ثانيها: ما يضمن إن لم يخلف في سنته، وهو غصن الشجر ولو عود السواك عند (م ر).
ثالثها: ما لا يضمن إذا أخلف مطلقاً، وهو الحشيش الأخضر المقطوع لغير حاجة، وقلع اليابس، كما مر.
رابعها: ما يضمن مطلقاً وإن أخلف من حينه، وهو الشجر الأخضر غير الإذخر، والمؤذي.
ويحرم إخراج شيء من تراب الحرم المكي والمدني وما عمل منه، كالفخار وأحجاره إلى حل أو إلى حرم آخر ولو بنية رده إليه، ويجب رده إليه، وبالرد ينقطع دوام الحرمة لا عكسه لكن يكره.
(ثم إن أتلف صيداً له مثل النعم) بالنقل عنه ﷺ أو عن أصحابه، أو بحكم عدلين حيث لا نقل فيه ( .. ففيه مثله) تقريباً، لا باعتبار القيمة، بل الصورة والخلقة.
(وإن لم يكن له مثل) بنقل ولا حكم ( .. ففيه قيمته) في محل الإتلاف أو التلف ووقته، بخلاف المثلي فيعتبر بقيمة الحرم.
(ففي النعامة) ذكراً أو أنثى (بدنة) كذلك، ولا يجزئ عنها بقرة، ولا سبع شياه، ولا أكثر، بل لا تجزئ البقرة هنا عن شاة مما يأتي؛ لاعتبار المماثلة هنا.
(وفي بقر الوحش وحماره: بقرة) في الذكر ذكر، وفي الأنثى أنثى، ويجوز عكسه.
стр. 638
(وفي الظبية) وهي كبار الغزال إذا طلع قرناه، وقبل ذلك هي غزال (شاة) أي: (عنز) وهي أنثى المعز التي تم لها سنة؛ لأنها هي التي تماثل الظبية.
وفي الظبي تيس ويجوز عنه عنز؛ لجواز الذكر عن الأنثى وعكسه هنا كما بعده.
وفي الغزال، وهو ولد الظبي إلى طلوع قرنه، ثم هو ظبي أو ظبية عناق في أنثاه، وجدي في ذكره، أو جفر.
وفي الأرنب -أي: أنثاه- عناق، وفي ذكره ذكر في سن العناق، وجاز عكسه.
وفي أنثى اليربوع والوبر جفرة، وفي ذكرهما جفر، وجاز عكسه، و (العناق): أنثى المعز إذا قويت ما لم تبلغ سنة، و (الجفرة): أنثى معز بلغت أربع أشهر وفصلت عن أمها.
وفي الضب وأم حُبَين جدي، وهو ولد المعز إذا رعى وقوي، فالذكر جدي، والأنثى عناق، و (أم حُبَين) -بضم الحاء وفتح الباء- يتلون بحرِّ الشمس، ويكون في الظل أخضر.
(وفي الحمامة) من يمام وقمري ودُبسي -بضم الدال- وفاختة وقطا، ونحوها من كل ما عب، أي: شرب الماء جرعاً بلا مص وهدر، أي: غرد (شاة) بقضاء الصحابة، وسندهم توقيفٌ بلغهم، وإلا .. فالقياس القيمة؛ إذ لا مثل له صورة تقريباً من النعم.
والراجح: أن في الصغير من الحمام: صغيراً، قَدْرُ بَدَنِة كقدر الفرخ من أمه، هذا فيما فيه نص ولو من مجتهد مع سكوت الباقين.
وأمَّا ما لا نص فيه .. فيحكم بالمثل عدلان فقيهان بباب الشبه.
ولو حكم عدلان بمثل وآخران بقيمة .. فمثلي، أو بمثل آخر .. تخير.
ويفدي الصحيح والصغير والهزيل وأضدادها بمثله ولو أعور يمين بأعور يسار، وعكسه، ويجزئ ذكر عن أنثى وعكسه.
ولو أفدى الرديء نوعاً بأجود، أو المعيب بالجيد .. كان أفضل.
نعم؛ لا يجزئ كبير عن صغير وعكسه؛ لفقد المماثلة.
ويجب في الحامل حامل، ولا تذبح بل تقوم حاملاً بسعر مكة وقت العدول، ويتصدق بقيمتها طعاماً، أو يصوم عن كل مد يوماً، ولا يضمن جنين خرج ميتاً، ويضمن نقص أمه.
стр. 639
واعلم: أن قتل الصيد والجماع كبيرة، وفعل غيرهما من المحرمات صغيرة، وأنَّ دم الصيد والأشجار دم تخيير وتعديل كما قال:
(ويتخير في المثلي بين ذبح مثله في الحرم) ولا يجزئ في غيره وإن تصدق به فيه (والتصدق به فيه) على مساكينه ثلاثة فأكثر، أو يملكهم جملته مذبوحاً.
فإن أعطى اثنين .. غرم للثالث أقل ما يقع عليه الإسم، والقاطنون أولى ما لم يكن الغرباء أحوج.
فإن لم يجد مسكيناً فيه .. أخر حتى يوجدوا، ويجوز إعطاء مساكين الحرم خارجه حيث كانوا من أهله، ومرَّ: أن الحامل لا تذبح.
(وبين التصدق) على ما ذكر (بطعام) يجزئ في الفطرة (بقيمة المثل) من غالب النقد يوم الإخراج في جميع الحرم.
فإن اختلفت القيمة باختلاف بقاعه .. جاز اعتبار أقلها.
ولا يتعين لكل مسكين مُدٌّ، بل يجوز وفوقه ودونه وغير دم تخيير وتقدير.
(وبين الصيام) في أي: محل شاء؛ إذ لا غرض لأهل الحرم في صومه فيه، لكنه فيه أفضل (بعدد الأمداد) ويكمل المنكسر؛ إذ الصوم لا يتبعض.
(وفي لا مثل له، كالجراد) والطيور غير الحمام، وما ألحق بها صغاراً وكباراً (يتخير بين إخراج طعام) يجزئ فطرة على من مر (بقيمته) يوم الإتلاف أو التلف (والصيام بعدد الأمداد) ويكمل المنكسر، ويرجع في القيمة لعدلين.
(ويجب في الشجرة) الحرمية (الكبيرة) عرفاً بالنسبة لنوعها (بقرة لها سنة) بل سنتان تامتان؛ إذ لا بد على المعتمد من إجزائها أضحية كغيرها من الدماء.
(وفي الصغيرة) عرفاً، وهي (التي كسُبع الكبيرة) تقريباً؛ إذ الشاة كسُبع البقرة (شاة) تجزئ أضحية؛ ذلك لما روى الشافعي عن ابن الزبير، ومثله لا يقال إلا بتوقيف.
стр. 640
وتجب الشاة أيضاً فيما جاوز سبع الكبيرة ولم ينتهي إلى حد الكبيرة، لكن تكون فيها فوق الشاة الواجبة في سبع الكبيرة، كما اعتمده شيخ الإسلام، و (م ر) وغيرهما.
وكذا (حج) في غير "التحفة"، ونظر فيه فيها، وقال: الأوجه ما اقتضاه إطلاقهم من إجزاء الشاة فيما لا تسمى كبيرة وإن ساوت ستة أسباع كبيرة؛ إذ المماثلة معتبرة في الصيد لا هنا.
(ويتخير بين ذبح ذلك)، أي: البقرة والشاة المذكورتين (والتصدق بقيمته) يوم الإتلاف، كالصيد (طعاماً) نظير ما مر (والصيام بعدد الأمداد) ويكمل المنكسر.
(وفي الشجرة) الحرمية المتلفة (الصغيرة جداً) بحيث لا تساوي سبع كبيرة عرفاً من نوعها (قيمتها، يتصدق بقدرها) أي: بقدر قيمتها (طعاماً، أو يصوم بعدد الأمداد) ويكمل المنكسر.
فعلم مما مر: أن دماء الحج أربعة؛ وقد نظمها ابن المقري ﵁ بقوله [من الرجز]:
أربعةٌ دِماءُ حَجٍّ تُحْصَرُ ... أوّلُها المُرتَّبُ المُقَدَّر
تَمَتُعٌ فَوْتٌ وَحَجٌّ قُرِنا ... وتركُ رَمْيٍ والمبيتُ بمنى
وتركه الميقاتَ والمزدلفة ... أو لم يودِّع أو كمشي أخلفه
ناذره يصوم إنْ دماً فقد ... ثلاثةً فيه وسبعاً في البلد
والثان: ترتيب وتعديل ورد ... في مُحصَرٍ ووطءِ حج إن فسد
إن لم يجد .. قوَّمَه ثم اشترى ... به طعاماً طُعْمَة للفقرا
ثم لعَجْزٍ عدلُ ذاك صوماً ... أعني به عن كُلِّ مُدٍّ يوما
والثالث: التخيير والتعديل في ... صيد، وأشجار بلا تكلُّف
إن شئت فاذبح، أو فعدِّل مثل ما ... عدَّلت في قيمة ما تقدما
وخيِّرَنْ وقَدِّرَنْ في الرابع ... إن شيت فاذبح أو فجد بآصع
للشخص نصفٌ أو فَصُمْ ثلاثا ... تجتَثُ ما اجتَثَثْتَه اجتثاثا
في الحلق والقَلْم ولبس دهن ... طيبٍ وتقبيلٍ ووطءٍ ثنِّي
أو بين تحلِيلَيْ ذوي إحرام ... هذي دماء الحجِّ بالتمام
стр. 641
خاتمة
تسن زيارة قبر النبي ﷺ حتى للنساء اتفاقاً، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ) [النساء:٦٦] الآية، وهذا لاينقطع بموته، وفي الحديث: "من حج ولم يزرني .. فقد جفاني".
والتقييد بالحج؛ لبيان الأولى أو الأغلب بدليل سقوطه من روايات.
وصح خبر "من زار قبري .. وجبت له شفاعتي"، وفيه بشرى بموته مسلماً.
ويستحب أن يزور المساجد النبوية في طريق المدينة، كمسجد بدر ومسجد خليص عند العقبة، ومسجد عند التنعيم عنده قبر أم المؤمنين ميمونة، ويزور الشهداء ببدر وغيرهم.
وأن يكثر من الصلاة والسلام عليه ﷺ ، ويزيد إذا رأى حرم المدينة؛ لما في الصلاة عليه من عظيم الثواب، سيما في هذه الأحوال، ويتطهر لدخولها وبالغسل أولى، ويتطيب.
وأن يدخلها الذكر المطيق المشي ماشياً حافياً، ومن باب جبريل ﵇، ويقصد الروضة الشريفة، ويصلي تحية المسجد، ويشكر الله على هذه النعمة العظيمة، ثم يقصد المواجهة للزيارة مستقبلاً رأس القبر الشريف ويبعد عنه نحو أربعة أذرع، ويسلم، ثم يتأخر نحو ذراع، فيسلم على أبي بكر، ثم يتأخر قدر ذراع، فيسلم على عمر ﵄، ثم يرجع إلى عند مواجهة رأسه ﷺ ، ويقرأ، ويدعو ما استطاع، ويستقبل القبلة في دعائه، لكن يميل إلى أن يكون بحيث لا يستدبر القبر الشريف.
ثم يأتي الروضة فيكثر فيها من الذكر والدعاء خصوصاً الصلاة والسلام على النبي ﷺ ، ويخرج إلى مسجد قباء وغيره من المآثر الشريفة، ويزور البقيع وأُحُداً وغيرهما، ويبذل غاية جهده في الطاعة والأدب ما أمكنه.
وإذا أراد السفر .. أتى المسجد وصلى به ركعتين سنة الخروج منه، ويدعو بما أحب، ثم يأتي القبر الشريف فيقرأ ويدعو.
ومنه: اللهم لا تجعله آخر العهد برسولك ﷺ ، ويسر لي العود إلى الحرمين.
стр. 642
وساكن نحو مكة يقول: إلى نبيك، وأرزقني العفو والعافية في الدنيا والآخرة، وردنا سالمين غانمين.
ثم ينصرف تلقاء وجهه، وليكن خروجه من المدينة من طريق الشجرة؛ للاتباع.
وفي زيارته ﷺ آداب كثيرة لم نأت منها إلا بقطرة من بحر، فمن أراد ذلك .. فعليه بالمؤلفات فيها، والله أعلم.
* * *
(فصل) في الإحصار والفوات وما يذكر معهما .
والإحصار لغة: المنع. واصطلاحاً: المنع عن إتمام أركان النسك من حج أو عمرة.
فلو منع عن الرمي أو المبيت .. لم يتحلل؛ لأنه متمكن من الطواف والحلق، ويجبر الرمي والمبيت بالدم.
(ويجوز للأبوين) أي: لكل منهما وإن علا ولو رقيقاً، ومن جهة الأم ومع وجود أقرب منه (منع الولد) وإن سفل (غير المكي من الإحرام بتطوع حج أو عمرة) ابتداءً ودواماً، بأن يأمره بالتحلل فيلزمه؛ إذ التطوع أولى باعتبار إذنهما فيه من فرض الكفاية؛ لما صح من قوله ﷺ لمن استأذنه في الجهاد: "ألك أبوان؟ " قال: نعم، قال: "استأذنتهما؟ "، قال: لا، قال: "ففيهما فجاهد".
ومحله: ما لم يسافر المانع في ذلك، وما لم يقصد معه طلب علم أو نحو تجارة أو إجارة، وزاد ربحه في السفر فيهما على مؤنة سفره، وإلا .. لم يشترط إذن أحدهما إن أمن الطريق، ولم يكن أمرد يخاف عليه. أمَّا المكي .. فلا يمنعانه.
قال في "الشرح" على ما بحثه الأذرعي: وإنما يمنع الأصل الفرع من نسك النفل (دون الفرض) أي: حجة الإسلام وعمرته أداءً وقضاءً، ومثلهما النذر، فليس له منعه منه ولو فقيراً؛ لأنه إذا تكلفه .. أجزأه عن فرضه.
وندب استئذان أصل فيه، فإن أذن، وإلا .. أخَّر ما لم يتضيق كالقضاء.
стр. 643
نعم؛ للأصل منع فرعه من الفرض لنحو خوف طريق، ولغرض شرعي كسفره مع غير مأمونين أو ماشياً وهو لا يطيقه، وله منعه من السفر حتى يترك له نفقة أو منفقاً، حيث وجبت مؤنته عليه، وكذا الزوجة يلزمه لها ذلك، أو طلاقها عند (حج).
وقال (م ر) في "شرح الإيضاح": هذا فيما بينه وبين الله، أمَّا الحاكم .. فلا يجبره عليه.
(و) الثاني من الموانع: الزوجية فـ (للزوج منع الزوجة) ولو أمة وإن أذن لها سيدها (من) النسك (الفرض والمسنون).
أمَّا المسنون .. فظاهر، إذ به يفوت تمتعه الواجب عليها ومن ثم أثمت بذلك.
وأمَّا الفرض .. فلأن حقه فوري، والنسك على التراخي باعتبار أصلهما.
فلا نظر لتضيقه عليها بنحو خوف عضب. قال في "التحفة": على ما اقتضاه إطلاقهم. واعتمد (م ر) وغيره: أنه لا يملك حينئذٍ تحليلها.
ولا لامتناع تمتعه بنحو إحرامه أو صغرها، وشمل الفرض هنا النذر ما لم يكن قبل النكاح أو بعده بإذنه، والقضاء الذي لزمها لا بسبب من جهته.
ومحل منعه النفل والفرض إن لم يأذن، فإن أحرمت بإذنه .. امتنع تحليلها، ولو سافرت معه بإذنه وأحرمت بعد إحرامه وكان إحرامها يفرغ مع إحرامه .. لم يكن له منعها؛ إذ لم يفت به تمتع عليه، ولو حبست نفسها لقبض المهر .. لم يكن له منعها، وتحليله لها بأن يأمرها به كما في السيد، فإن أبت .. وطئها، وعليها الإثم، لكن ليس لها أن تتحلل بغير إذنه، كما أنه ليس له وطؤها إلا بعد امتناعها من التحلل.
قال في "التحفة": ولو قيل بجوازه حيث حرم الإحرام، كأن كان بغير إذنه .. لم يبعد، ومرَّ أن لا كفارة عليها عند (م ر) مطلقاً، وعند (حج) فيه تفصيل مرَّ أيضاً.
ويسن للزوج أن يحج بزوجته؛ للأمر به في الصحيحين، وللزوجة أن لا تحرم بفرض إلا بإذنه.
أمَّا النفل .. فيحرم بغير إذنه، وإنما حرم الإحرام على القن بغير إذن سيده مطلقاً؛ لأنه لا يجب عليه، ولا يقع منه إلاَّ نفلاً، بخلاف الحرة يقع عنها فرضاً، فبإحرامها ..
стр. 644
انتقلت من فرض طاعة الزوج إلى فرض الحج.
(و) الثالث: الملك، فـ (للسيد) أي: مستحق المنفعة كموصى له بها (منع رقيقه) ولو مكاتباً وأم ولد ومبعضاً، حيث لا مهايأة، أو أحرم في نوبة السيد أو في نوبة نفسه والمدة لا تسع نسكاً.
(من ذلك) أي: النسك (فرضاً) كان كقضاء ونذر (أو سنة) كغيره إن لم يأذن له مالك المنفعة في الإحرام ولا في المضي، أو بعد الإذن وقبل دخول الوقت الذي عينه، وإلا .. فيمتنع تحليله وإن أفسده، لكن لا يلزمه أن يأذن له في القضاء؛ لأنه لم يأذن له في الإفساد.
(فإن أحرموا) أي: الفرع والزوجة والقن (بغير إذنهم) أي: الأصل والزوج والسيد .. جاز لهم تحليلهم بأن يأمروهم به، فيلزمهم حينئذٍ التحلل.
فإن امتنعت الزوجة والأمة مع تمكنهما منه .. فللزوج والسيد وطؤهما وسائر التمتعات، والإثم والكفارة عليهما على ما مرَّ، بل يحرم على القن الإحرام بغير إذن سيده، وتلزمه المبادرة بعد الأمر بالتحلل.
والأولى لسيده أن يأذن له في إتمام نسكه، ولو لم يمتثل أمره بالتحلل .. فله أن يفعل به محرمات الإحرام، والإثم على القن فقط، وله أن يأمره بالذبح، ومذبوحه حلال بالنسبة لغيره؛ لأنهم نزَّلوا امتناعه منزلة تحلله حتى أبيح للسيد إجباره على فعل المحرمات كما في "التحفة"، لكن اعتمد (م ر): حرمة ذبيحته.
وليس لفرع وزوجة تحلل بغير إذن أصل وزوج.
ويفرق بأن العبد منافعه مستغرقة للسيد مع عدم مخاطبته بالنسك بخلافهما، فكان إقدامه على الإحرام أشد، وكان القياس وجوب تحلله؛ ليخرج من المعصية، لكن لشبهة التلبس بالنسك مع احتمال أن يؤذن له فيه أبيح له البقاء إلى أن يأمره به سيده.
وإذا أمروهم بالتحلل .. (تحللوا) وجوباً بما يأتي.
الرابع: الدين، فلدائن منع مدينه من السفر ولو ميلاً، ويحرم عليه السفر بلا إذنه ولو لفرض تضيق عليه ما لم يعسر أو يتأجل الدين وإن لم يبق من الأجل إلا لحظة إن بقي الأجل إلى مفارقته محل الإقامة؛ إذ لا يسمى مسافراً إلا حينئذٍ.
الخامس: الحصر العام بأن يمنع المحرم من إتمام أركان نسكه من جميع الطرق دون
стр. 645
الرجوع أو مع الرجوع، سواء كان العدو مسلماً أم كافراً وإن أمكن المضي بقتال أو بذل مال؛ إذ لا يجب احتمال الظلم، فحينئذٍ يجوز له التحلل بما يأتي؛ لآية (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ) [البقرة:١٩٦]، أي: وأردتم التحلل؛ إذ مجرد الإحصار لا يوجب هدياً.
نعم؛ الأولى الصبر لمن رجا زوال حصره قبل فوات الوقت، بل لو ظن زواله قبل فوات الحج وقبل مضي ثلاثة أيام في العمرة .. امتنع تحلله.
أمَّا إذا أحصر من بعض الطرق فقط .. فيجب سلوك التي لم يحصر منها ولو بحراً غلبت سلامته ووجدت شروط الاستطاعة فيه وإن علم الفوات؛ لأن سبب التحلل الحصر ولم يوجد.
فإذا وصل وقد فات .. تحلَّلَ بما يأتي في الفوات.
وأمَّا إذا خشي فوات الحج لو صبر .. فالأولى التحلل؛ لئلا يدخل في ورطة لزوم القضاء.
وبما قررناه علم: أن التحلل يكون تارةً ممتنعاً، وتارة تركه أولى، وتارة تركه مباحاً، وهو الأصل فيه.
أمَّا المحصر عن الواجبات كمبيت ورمي .. فلا يتحلل لها، ويجبرها بدم كم قاله (حج) و (م ر).
وقال الزيادي وغيره: يسقط دم المبيت بالحصر.
السادس: الحصر الخاص بنحو حبس ظلماً، أو بدين وهو معسر، فله التحلل به، أمَّا حبسه بحق .. فلا يتحلل به.
وإذا أراد الفرع والزوجة والمدين التحلل .. فليتحللوا (هم والمحصر) بقسميه (عن الحج، و) كذا عن (العمرة بذبح ما يجزئ في الأضحية) من شاة أو سبع بدنة أو بقرة وإن شرط التحلل بلا دم؛ للآية السابقة.
وفارق ما يأتي في نحو المرض بأنَّ هذا لا يتوقف على شرط، فلم يؤثر فيه الشرط، بخلاف نحو المرض فإنه لا يبيح التحلل، وإنما يبيحه شرطه به، فلذا توقف التحلل به عليه، وكان على حسب ما شرطه من الدم وعدمه، ويتعين ذبح ذلك ككل ما لزمه من الدماء والإطعام وما معه من هدي تطوّع، حيث أحصر ولو في الحل، وإن تمكن من طرف الحرم.
стр. 646
نعم؛ يسن بعثه إلى ما يقدر عليه من مكة أو الحرم، وواضح أنه لا يحل حتى يغلب على ظنه ذبحه ثمَّ بخبر من يقع في قلبه صدقه، لا مجرد طول الزمن؛ وذلك لأنه ﷺ ذبح هو وأصحابه بالحديبية.
ويفرقه على مساكين ذلك المحل ثم مساكين أقرب محل إليه؛ لأنه صار في حقه كالحرم، ومن ثم حَرُم نقله من حل إلى حل لا حَرَم.
قال الكردي: (المراد بمحل الإحصار: المحل الذي يمتنع القصر فيه لو كان مقيماً، ولو ذبحه بمحل لا فقراء به .. جاز النقل، ومتى أمكن الذبح فيه ونقل لحمه إليهم بلا تغير .. تعين، وإلا .. نقله إليهم حياً، ولو أحضره في طرف الحرم .. لم يجز له ذلك في الحل، فإن ذبح ظاناً وجود الفقراء فتبين فقدهم، أو عدموا بعد الذبح .. لم ينقل، وتحلل وتصرف في اللحم عند خوف فساده، ويبقى في ذمته إلى وجود المستحقين، فيفرق لحماً بلا ذبح، ولا يكفيه تفرقته قديداً، ولو ذبح عالماً بالفقد .. لم يجزه الذبح) اهـ
(ثم) بعد الذبح (الحلق) أي: إزالة ثلاث شعرات فأكثر على ما مر (مع اقتران نية التحلل بهما)؛ لأنهما يكونان لغير تحلل، فاحتاجا لنية مقارنة لهما تخصصهما به.
وإنما اشترط الترتيب هنا بخلافه في تحلل الحج؛ لأن زمن الحج يطول، فوسع فيه بأن جعل له تحللان، وبعدم الترتيب بخلافه هنا، فليس له إلا تحلل واحد، فاشترط الترتيب؛ لعدم المشقة فيه كالعمرة.
(ومن عجز عن الذبح) بالطريق السابق في دم التمتع ( .. أطعم) مع الحلق والنية حيث عذر؛ لأنه أقرب إلى الحيوان من الصوم؛ لكونهما مالاً (بقيمة الشاة) طعاماً.
(فإن عجز) عن الإطعام ( .. صام بعدد الأمداد) والمنكسر، ولا يتعين للصوم محل، ولا يتوقف عليه التحلل، بخلاف الذبح والإطعام كما مر.
(والرقيق) إنما (يتحلل بالنية مع الحلق فقط).
قال في "الإيضاح": (وكل دم لزمه -أي: القن- لمحذور أو تمتع أو قران أو فوات أو إحصار لا يجب على سيده منه شيء، سواء أحرم بإذنه أم لا، وواجبه الصوم، وللسيد
стр. 647
منعه منه، أي: لغرض كضعف به -إلا صوم تمتع أو قران أذن لهما فيهما) اهـ
قال في "حاشيته": (ومثلهما دم إحصار لإذنه في سببه، وله الذبح عنه بعد موته؛ لحصول اليأس من تكفيره، وتمليكه بعد موته ليس بشرط، ولذا لو تصدق عن ميت .. جاز لا في حياته؛ لتضمنه تمليكه وهو ممتنع) اهـ
زاد في "النهاية": (فإن عتق الرقيق وقدر على الدم .. لزمه؛ اعتباراً بحالة الأداء، والمكاتب يكفر بإذن سيده؛ لأنه يملك.
والمبعض إن ارتكب محظوراً في نوبته .. فعليه دم، وإلا .. فالصوم.
والحر الذي لم يجد دماً يتحلل بالحلق مع النية إن كان برأسه شعر، وإلا .. فبالنية فقط، وتثبت الشاة في ذمته يخرجها متى قدر عليها أو على بدلها) اهـ
وسيأتي في الضحية أنَّ له أن يشرك غيره في ثواب ضحيته، وهو ينافي ما مر إلا أن يفرق.
(ولا قضاء عليهم) أي: الستة المذكورين من حيث الإحصار إذا تحللوا وإن اقترن به فوات؛ إذ لم يرد الأمر به، وقد أحصر عام الحديبية ألف وأربع مئة، ولم يعتمر منهم في العام القابل إلا نحو نصفهم، ولم يؤمر البقية بالقضاء.
ولا يرد: أنَّ المحصر يلزمه القضاء إذا أخر التحلل عن الحج مع إمكانه من غير رجاء أمن حتى فاته، أو فاته ثم أحصر، أو زال الحصر والوقت باق ولم يتحلل، ومضى في نسكه ففاته، أو سلك طريقاً مساوياً للذي أحصر منه ففاته الوقوف؛ لأن القضاء في جميع ذلك للفوات لا للحصر.
وخرج بـ (من حيث الإحصار): لزوم القضاء لغيره، كأن يكون ما حصر فيه فرضاً مستقراً عليه، كحجة إسلام بعد أولى سني الإمكان، وكنذر قدر عليه قبل عام الحصر، أو معين فيه وقضاء.
فهذه فروض مستقرة قبل الحصر، فتبقى بعده على ما كانت قبله.
ولو أحصر بعد الوقوف وتحلل ثم زال حصره .. لم يجز أن يحرم ويبني، كما في الصلاة والصوم.
(ومن شرط التحلل) من إحرامه بأن قارن نية شرطه -الذي تلفظ به عقب نية الإحرام- نية الإحرام بأن وجدت قبل تمام نية الإحرام.
стр. 648
(لفراغ زاد أو مرض) يبيح ترك الجمعة، كما في "التحفة"، أو تلحقه به مشقة لا تحتمل عادة كما في "النهاية"، أو تبيح التيمم كما في "الفتح" (أو غير ذلك) كضلال طريق وخطأ في العدد وفوات. ( .. جاز)؛ للخبر الصحيح: "حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني".
ومن العذر: وجود من يستأجره، والحيض وغيره من كل غرض مباح مقصود، فإن عين شيئاً .. لم يتحلل لغيره، وإن قال: إن عرض عذر .. جاز تحلله لكل غرض مباح مقصود، ثم إن شرط التحلل بهدي .. لزمه، وإلا .. كان تحلله بالنية مع الحلق، ولا يلزمه الدم.
ولو قال: إن مرضت فأنا حلال .. صار حلالاً بوجود المرض من غير حلق ولا نية ولو بعد الوقوف، فإن أراد المضي في النسك .. فبإحرام جديد.
وله شرط انقلاب حجه عمرة عند نحو المرض، وتجزئه حينئذٍ عن عمرة الإسلام.
فإن قال: فلي أن أقلبه عمرة .. توقف قلبه على أن ينوي قلبه عمرة، فإن وجد العذر من غير شرط التحلل به .. لم يتحلل به، بل يصبر حتى يزول عذره، ثم إن كان نسكه عمرة .. أتمها، أو حجاً وبقي وقته .. أتمه، وإلا .. تحلل بعمل عمرة، وكان فواتاً؛ لأن المرض لا يزول بالتحلل، ولا يمنع الإتمام.
(ويتحلل من فاته الوقوف) بعرفة بعذر أو غيره، وفواته بطلوع فجر يوم النحر، فلا يجوز التحلل قبله، وإن علم عدم إدراكه، وبعده يحرم عليه استدامة إحرامه؛ لئلا يصير محرماً بالحج في غير وقته، ولو استمر محرماً إلى العام القابل مع تحمله الإثم .. لم يجزئ له؛ لأن إحرام سنة لايصلح لسنة أخرى.
قال في "التحفة": ولم نعلم أحداً جوزه إلا رواية عن مالك.
ثم إن لم يمكنه أن يتحلل بعمل عمرة .. تحلل بما مر في المحصر.
وإن أمكنه .. وجب وله تحللان، ويحصلان (بطواف وسعي) إن لم يقدمه بعد طواف القدوم (وحلق) بنية التحلل وإن لم ينو العمرة، ولا تجزئه عن عمرة الإسلام.
ويحصل الأول بواحد منهما، والثاني بفعل الثاني منهما، وسقط الرمي كالمبيت.
وإنما لم يجزه عن عمرة الإسلام؛ لأن إحرامه انعقد بالحج، فلا ينصرف لغيره،
стр. 649
وقيل: يجزئه عنها؛ وذلك لما في الموطأ: (أن هبار بن الأسود فاته الوقوف، فأمره عمر ﵁ بالطواف والسعي، وبنحر ما معه من الهدي وبالحلق، والحج والهدي في القابل) ولم ينكره أحد.
(ويقضي) -إن لم ينشأ الفوات من الحصر- حجه فوراً، سواء كان فرضاً أو تطوعاً عند (م ر)؛ لأن الفوات لا يخلو عن تقصير، ولذا لم يفرق فيه بين المعذور وغيره، بخلاف الإحصار.
واعتمد (حج): القضاء فوراً في التطوع؛ لأنه أوجبه على نفسه بالشروع فيه، فتضيق عليه.
وأمَّا الفرض .. فلم يغير الشرع حكمه، بل يبقى على ما كان قبل الإحرام.
ويراعي في إحرام القضاء ما كان عليه إحرامه في الأداء، فلو أحرم به من الحليفة، ففاته ثم أتى على طريق قرن في القضاء .. لزمه أن يحرم من مثل مسافة الحليفة.
أمَّا لو نشأ الفوات من الحصر، كأن أحصر فسلك طريقاً آخر ففاته؛ لصعوبته أو طوله .. لم يقض، بل له حكم المحصر.
(وعليه) أي: من فاته الوقوف ولو بعذر (دم كدم التمتع) فيكون دم ترتيب وتقدير (ويذبحه) وجوباً (في حجة القضاء) بعد الإحرام بها، ويجوز بعد دخول وقت الإحرام بالقضاء.
كما أن دم التمتع وقت جوازه الفراغ من العمرة، ووقت وجوبه بعد الإحرام بالحج، ولا يجوز صوم الثلاث إلا بعد الإحرم بالحج في التمتع، وبالقضاء في الفوات.
قال الكردي: (ومحل الذبح -أي: وجوبه في حجة القضاء- في حجة التطوّع عند (حج)، أمَّا الفرض .. فلا قضاء عنده فيه، وقد نبه على ذلك في "الإيعاب"، وعلى هذا: فانظر متى يكون الذبح؟) اهـ
واعلم: أن كل دم أو بدله وجب في نسك يجب في عامه إلا دم الفوات .. فيجب في نسك القضاء كما مر.
(وكل دم واجب) في نسك (يجب ذبحه) وتفرقته أو تفرقة بدله من الطعام (في الحرم) على مساكينه.
стр. 650
وتجب النية عند الصرف، كما يأتي (إلا دم الإحصار) وسائر ما معه من الدماء، كما مر .. فحيث أحصر. (والأفضل) لذبح ما وجب أو ندب (في الحج) ولو لقارن ومتمتع (منى، وفي العمرة) المنفردة عن حج (المروة)؛ لأنهما محل تحللهما، وكل دم وجب في النسك أو ندب لترك سنة متأكدة كركعتي الطواف.
والجمع بين الليل والنهار بعرفة، لا يختص ذبحه بوقت، فيذبحه (في أي وقت شاء)؛ إذ الأصل عدم التأقيت، ولم يرد ما يخالفه، لكن يسن ذبحه في وقت الأضحية.
نعم؛ إن عصى بسببه .. لزمته المبادرة إليه؛ للخروج عن المعصية، كما في الكفارة.
(ويصرفه) أي: الدم أو بدله المالي جميعه (إلى) ثلاثة أو أكثر من (مساكينه) -أي: الحرم- الشاملين للفقراء؛ لأن القصد من الذبح بالحرم: إعظامه بتفرقة اللحم فيه، لا مجرد الذبح؛ لأنه تلويث له، وهو مكروه كما في "الكفاية".
والمستوطنون أولى إلا إن كان الغرباء أحوج، ولا يجب استيعابهم وإن انحصروا، ويجوز أن يدفع لكل منهم مُدّاً أو أقل أو أكثر إلا في دم التخيير والتقدير كما مر.
فإن عدموا من الحرم .. أخَّرَ الواجب المالي حتى يجدهم، ولا ينقل كالزكاة؛ إذ لا نص فيها صريح بتخصيص البلد، وأنما فيها أحاديث ظاهرها ذلك.
بخلاف ما هنا ففيه الآية، وهي (هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ) [المائدة:٩٥] والحديث وهو "منى كلها منحر"، وخبر أبي داوود: "كل فجاج مكة منحر" وذلك صريح في التخصيص.
أمَّا الواجب البدني، وهو الصوم .. فيصومه حيث شاء، وكذا الإطعام الذي هو بدل الصوم إذا كفر عنه بالإطعام.
ولو سرق المذبوح في الحرم أو غصب ولو بغير تقصير وإن كان السارق له أو الغاصب من مساكين الحرم سواء نوى الدفع اليهم أم لا .. ذبح بدله، وهو أولى، أو اشترى بقيمته لحماً وتصدق به عليهم؛ لأن الذبح قد وجد، وينبغي أن يشتري غير اللحم أيضاً ككبد،
стр. 651
وإذا ذبح بدله .. أجزأ ما يجزئ أضحية وإن كان أقل من المسروق كما في "الإيعاب"، وتجب النية عند التفرقة أو العزل أو الذبح.
قال في "التحفة": (وظاهر كلامهم هنا: أن الذبح لا تجب النية عنده، وهو مشكل بالأضحية ونحوها إلا أن يفرق بأن القصد هنا إعظام الحرم بتفرقة اللحم فيه كما مر، فوجب اقترانها بالمقصود دون وسيلته، وثَمَّ إراقة الدم؛ لكونها فداء عن النفس، ولا يكون كذلك إلا إن قارنت نية القربة ذبحها فتأمله) اهـ
ودم غير الواجب لأجل النسك من هدي تطوّع أو نذر، كدم الجبران في المكان والأفضلية، فيختص بالحرم، والأفضل في منى لحاج، وفي المروة لمعتمر.
وأمَّا وقته .. فوقت الأضحية حيث لم يعين في نذره وقتاً، فلو أخره عن أيام التشريق .. فات إن كان تطوعاً، ووجب ذبحه قضاءً، وصرفه لمساكين الحرم إن كان واجباً، وإن عين في نذره غير وقت الأضحية .. تعين كما في "التحفة".
وقال (م ر): لم يتعين؛ إذ ليس في تعيين اليوم قربة.
وأمَّا ما ساقه الحلال .. فلا يختص بزمن كدم الجبرانات، والله أعلم.
* * *
стр. 652
(باب الأضحية)
(هي) -بضم الهمزة وكسرها مع تشديد الياء وتخفيفها- ما يذبح في الزمن الآتي؛ تقرباً إلى الله تعالى.
والأصل فيها قبل الإجماع: الكتاب والسنة، ومن ذلك (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر:٢]، أي: صلِّ العيد وانحر النسك، وخبر مسلم: (أنه ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين)، وخبر "ما عمل ابن آدم يوم النحر من عمل أحب إلى الله من إراقة الدم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها، وإن الدم يقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفساً"، وخبر "عظموا ضحاياكم، فإنها على الصراط مطاياكم".
ومذهبنا أنها (سنة) في حقنا (مؤكدة) ولو لمن بمنى وإن أهدى؛ لخبر الترمذي: "أمرت بالنحر، وهو سنة لكم" وغيره.
ويكره لمن تسن له تركها؛ للخلاف في وجوبها، ومن ثم كانت أفضل من صدقة التطوّع.
وإنما تسن لحر أو مبعض مسلم رشيد، نعم؛ لأصل قادر بأن ملك زائداً عما يحتاجه يوم العيد وليلته وأيام التشريق ما يحصل به الأضحية كما في (بج)، تضحية عن فرعه من مال نفسه.
ثم هي إن تعدد أهل البيت سنة كفاية.
وتجزئ من رشيد منهم ولو غير من تلزمه النفقة كما في "التحفة" وغيرها، وإلا .. فسنة عين.
وفي "التحفة": يحتمل أن المراد بأهل البيت: أقاربه الرجال والنساء، كما قالوه في الوقف على أهل بيته، ويوافقه ما مر أن أهل البيت إن تعددوا .. كانت سنة كفاية، وإلا .. فسنة عين.
فمعنى كونها سنة كفاية مع كونها تسن لكل منهم: سقوط الطلب بفعل الغير لها، لا حصول الثواب لمن لم يفعل.
стр. 653
وفي تصريحهم بندبها لكل واحد من أهل البيت ما يمنع أن المراد بهم المحاجير؛ لعدم توجه الطلب إليهم.
ويحتمل أن المراد بهم ما يجمعهم نفقة منفق واحد ولو تبرعاً وفرق بين ما هنا والوقف.
وفي (م ر) أهل البيت: من يلزم نفقتهم وإن تعددت البيوت، وأنه لو أشرك غيره في ثوابها .. جاز.
قال (ع ش): ولو بعد نيته التضحية لنفسه.
وفي "التحفة": وهو ظاهر في الميت؛ قياساً على التصدق عنه.
و (لا تجب) الأضحية (إلا بالنذر) كسائر القرب، كـ (لله عليَّ)، أو (عليَّ أن أضحي بهذه أو بشاة)، أو (إن ملكت شاة .. فعليَّ أن أضحي بها)، بخلاف: (إن ملكت هذه .. فعلي أن أضحي بها)؛ لأن المعين لا يثبت في الذمة.
(وبقوله: "هذه أضحية"، أو "جعلتها أضحية")؛ لزوال ملكه عنها بمجرد التعيين، كما لو نذر التصدق بمال عينه، ولزمه ذبحها في وقتها أداء.
وإنما لم يزل ملكه عن قِنًّ نَذَرَ أن يعتقه إلا بإعتاقه وإن لزمه؛ لأن الملك هنا ينتقل للمساكين، وثَمَّ لا ينتقل، بل ينفك عنه اختصاص الآدميين.
وإنما لم يجب الفور في أصل النذور والكفارات؛ لأنها مرسلة في الذمة وما هنا في عين، وهي لا تقبل التأخير كما لا تقبل التأجيل.
وألحق به ما في الذمة، كعليَّ أن أضحي بشاة؛ لأن الغالب هنا التعيين.
وخرج بقوله: (هذه أضحية) نية ذلك بلا لفظ فلغو، ولا يحتاج مع قوله: هذه أضحية لنية، بل لا عبرة بنية خلافه؛ لأنه صريح.
فما يقع في العامة من قولهم: (هذه أضحية) جاهلين ما يترتب على ذلك، بل وإن قصدوا الإخبار .. تصير به منذورة كما في (حج) و (م ر).
لكن قال السيد عمر البصري: محله ما لم يقصد الإخبار، وإلا .. لم تتعين وفي "الأصل" زيادة بسط هنا، ولو زال وقت المنذورة .. لزمه ذبحها قضاء، وتصرف
стр. 654
مصرفها، فإن تلفت أو تعيبت .. فلا شيء عليه إن لم يفرط ولم يؤخرها عن وقتها بلا عذر، أو أتلفها أو قصر .. ضمنها بالأكثر من قيمتها يوم تلفها، ومن مثلها يوم النحر، ولزمه إذا لزمته القيمة أن يشتري بها مثلها جنساً ونوعاً وسِنّاً.
ولو نذر التضحية بمعيبة .. لزمه ذبحها وصرفها مصرف الأضحية، ولا تجزئه أضحية، بخلاف ما لو نذر سليمة ثم تعيبت .. فتصح بها، وتثبت لها أحكام التضحية.
(ولا يجزئ) في الأضحية (إلا الإِبل والبقر) الأهلية (والغنم)؛ لأن التضحية بغيرها لم تنقل.
لكن قال -حافظ عصره- ابن حجر: يعكر عليه ما ذكره السهيلي عن أسماء، قالت: (ضحيت على عهد رسول الله ﷺ بخيل)، وعن أبي هريرة: (أنه ضحى بخيل).
وقال في "التحفة": للاتباع، وكالزكاة، فلا يجزئ غيرها ولا متولد بينها وبين غيرها، بخلاف متولد بين نوعين منها على الأوجه، فيعتبر سنه بأعلاهما كسنتين في متولد بين ضأن ومعز أو بقر، ولا يجزئ إلا عن واحدٍ وإن كان بصورة البقر.
وكالأضحية الهدي، والعقيقة، وجزاء الصيد.
(وأفضلها:) للواحد عند الانفراد، فلا ينافي أنَّ سبع شياه أفضل من البدنة.
(بدنة، ثم بقرة، ثم ضائنة، ثم عنز)؛ لأن كلاً أكثر لحماً مما بعده، ثم شرك من بدنة، ثم من بقرة، ولا تجزئ شاتان لاثنين أضحية عنهما.
(وسبع شياه) من الضأن أفضل من سبع من المعز.
وسبع من المعز (أفضل من البدنة) والبقرة، وإن كان كل منهما أكثر لحماً؛ لطيب لحم الشياه مع تعدد إراقة الدم، بخلاف دون السبع.
فالبدنة أفضل منه، وكثرة الثمن أفضل من كثرة العدد، فسمينة أفضل من هزيلتين وإن كانتا ذكرين، وبلون أفضل، وكثرة اللحم أفضل من كثرة الشحم.
(وأفضلها:) من حيث اللون (البيضاء، ثم الصفراء، ثم العفراء) وهي ما لا يصفو بياضها.
стр. 655
(ثم البلقاء) وهي ما بعضها أبيض وبعضها أسود (ثم السوداء، ثم احمراء).
والمعتمد: تقديم الحمراء على البلقاء.
والفضل في ذلك، قيل: للتعبد، وقيل: لحسن المنظر، وقيل: لطيب اللحم، وورد: "لدم عفراء أحب إلى الله من سوداوين".
والذكر ولو بلون مفضول أفضل من الأنثى ولو بلون فاضل إن لم يكثر نزوانه، إلا .. فأنثى لم تلد أفضل؛ لأنها أطيب وأرطب لحماً منه، فإن ولدت .. فالذكر أفضل منها مطلقاً.
وما جمع ذكورة وسمناً وبياضاً أفضل مطلقاً، ثم ما جمع ثنتين، ويظهر عند تعارضهما تقديم السمن، فالذكورة، قاله (حج).
وظاهره: أنَّ ما فيه بياض وذكورة أفضل من سمينة خلت عنهما.
وقد ينافيه ما مرَّ من أن سمينه أفضل من هزيلتين، وخصي أفضل من ذكر ينزو.
(وشرطها من الإبل: أن يكون لها خمس سنين تامة، ومن البقر والمعز) أن تبلغ (سنتين تامتين، ومن الضأن) أن تبلغ (سنة تامة) أو تجذع، أي: يسقط سنها ولو قبل السنة كالزكاة في جميع ذلك.
لكن في "مسلم": "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم .. فاذبحوا جذعة من الضأن"، وتأوَّله الجمهور بحمله على الندب، ونظر فيه في "التحفة"، فالتي لها سنة مقدمة ولو ندباً على الجذعة.
ومحل تقديم الضأن على المعز: إن استويا.
(و) شرطها أيضاً: حيث لم يلتزمها ناقصة فقد عيب ينقص لحماً حالاً، كقطع فلقة كبيرة مطلقاً، أو صغيرة من نحو أذن، كما يأتي.
أو مآلاً كـ (أن لا تكون جرباء وإن قل) الجرب أو رجي زواله؛ لأنه يفسد اللحم والودك وينقص القيمة.
وحذف في "التحفة" نقص القيمة؛ إذ العيب هنا ما ينقص اللحم لا القيمة، وألحق به الشلل والقروح والبثور.
стр. 656
(ولا شديدة العرج) بأن تسبقها الماشية للمرعى الطيب، ومثله بالأَوْلى كسر بعض الأعضاء.
(والعجفاء) وهي التي ذهب مخها من الهزال، بحيث لا يرغب في مثلها غالباً؛ لما صح: "أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والكسيرة".
وفي رواية: "والعجفاء التي لا تنقى" من: (النقي) -بكسر النون وسكون القاف- وهو المخ.
(ولا مجنونة) أي: ثولاء -بفتح المثلثة- إذ حقيقة الجنون: ذهاب العقل ولا عقل لها؛ للنهي عنها، ولأنها تترك الإكثار من الرعي فتهزل.
وفي "القاموس" (الثول): استرخاء أعضاء الشاة خاصة، وكالجنون يصيبها فلا تتبع الغنم.
(ولا عمياء ولا عوراء) وإن بقيت الحدقة، وتجزئ عمشاء وعشواء، وهي: التي لا تبصر ليلاً، ومكوية.
(ولا مريضة مرضاً يفسد لحمها) أي: يوجد هزالة، أمَّا اليسير من غير الجرب .. فلا يضر، وما ذكر هو ما ينقص لحمها مآلاً؛ لأنها ينقص لحمها به.
(و) أمَّا ما ينقصه حالاً .. فهو (أن لا يبين شيء من أذنها وإن قل) ذلك المبان على الأصح في "الروضة"، وعبارتها: ولا تجزئ مقطوعة الأذن، فإن قطع بعضها ولم يبن بل بقي متدلياً .. لم يمنع على الأصح.
وقال القفال: يمنع وإن أبين، فإن كان كثيراً بالإضافة إلى الأذن .. منع قطعاً، وإن كان يسيراً .. منع أيضاً على الأصح؛ لفوات جزء مأكول، وضبط الإمام الكثير بما يلوح من بعد، وإلا .. فيسير) اهـ
ولا يضر قطع بعضها من غير إبانة وشقها وثقبها من غير أن يذهب منها شيء، ولا فقد قرن وكسره.
стр. 657
(أو) من (لسانها أو ضرعها أو أليتها) وإن قل، بأن لم يلح من بعد؛ لنقص جزء مأكول، وللأمر في خبر الترمذي باستشراف العين والأذن، وتجزئ مخلوقة بلا ألية ولا ضرع؛ إذ الذكر بلا ضرع والمعز بلا ألية، بخلاف فاقدة الأذن؛ لأنها عضو لازم غالباً.
وألحق الذنب بالألية، لكن اعترض بأنه كالأذن، بل فقده أندر.
ورجح في "التحفة": أنه لا يضر قطع شيء قليل من الألية؛ لتكبر.
ووجهه (ع ش): بأن الألية وإن صغرت هي كبيرة بالنسبة للأذن، وقطع اليسير من عضو كبير لا يضر، ولو شك فيما قطع أهو كثير أم يسير؟ لم يضر.
(و) شرطها أيضاً: أن (لا) يبين (شيء ظاهر من) عضو كبير، نحو (فخذها) بخلاف غير الظاهر، وهو: ما لا يلوح من بعد؛ لأنه بالنسبة إليه غير بَيِّن.
(وأن لا تذهب جميع أسنانها) وإن لم تؤثر فيها نقصاً، بخلاف ذاهبة أكثرها إن لم يؤثر نقصاً في الاعتلاف.
قال (سم): لا يضر فاقدة اسنان خلقة، وكأن الفرق أن فقدها بعد الوجود مؤثر، بخلاف فقده خلقة.
ولا يجوز التضحية بحامل على المعتمد؛ لأن الحمل ينقص لحمها، وزيادة اللحم بالجنين لا يجبر عيباً كعرجاء سمينة، وتجزئ قريبة عهد بالولادة كما في "التحفة".
(وأن ينوي التضحية بها)؛ لأنها عبادة، وكونها (عند الذبح)؛ لأن الأصل اقترانها بأوّل الفعل (أو قبله) وإن لم يستحضرها عنده.
نعم؛ المعينة ابتداء بنذر لا تجب لها نية أصلاً؛ اكتفاء بالنذر عن النية، لخروجها عن ملكه.
والمعينة عن نذر في ذمته أو بالجعل تحتاج لنية عند الذبح، وتجوز مقارنتها للجعل أو الإفراز، أو لتعيين ما يضحى من واجبة أو مندوبة.
وفرق بين المنذورة والمجعولة؛ بأن الجعل فيه خلاف في لزومه، فاحتاج لنية، ويجوز أن يُوكِّل مسلماً مميزاً في النية والذبح، أو كافراً في الذبح فقط.
وكالأضحية سائر الدماء.
стр. 658
ولا يضحي أحد عن غيره بلا إذنه في الحي، وبلا إيصائه في الميت، فإن فعل ولو جاهلاً .. لم يقع عنه، ولا عن المباشر.
وفي "التحفة": (ومرَّ أن للأصل التضحية عن موليه، وعليه فلا يقدر انتقال الملك للمولى، أي: كالعقيقة عنه؛ إذ لو انتقلت إليه .. لامتنع التصدق بها كسائر أمواله.
ثم قال: وللولي إطعام المولي منها) اهـ
وإنما جاز وفاء دين الغير حياً أو ميتاً بغير إذنه لا التضحية عنه؛ لأنها عبادة، والأصل منعها عن الغير إلا لدليل، بخلاف وفاء الدين.
ويفرق بينها وبين الصدقة بأنها تشبه الفداء عن النفس، فتوقفت على الإذن، بخلاف الصدقة، ومن ثم لم يفعلها عنه وارث ولا غيره وإن وجبت.
بخلاف نحو حج وزكاة وكفارة فلا فداء فيها، فأشبهت الديون.
ولا تضحية لرقيق بسائر أنواعه؛ لعدم صحة تبرعه في المكاتب، ولعدم إمكان ملك غيره، وصحتها من المبعض، إنما هي بما فيه من الحرية.
نعم؛ إن أذن السيد فيها للمكاتب .. صحت منه، ووقعت عنه؛ لأنه يملك، وفيما لو أذن السيد لقنه أن يضحي عن نفسه كلام في "الأصل".
ولو قال لأجنبي: ضحِّ عني، فضحى عنه .. صح، وكان ثمنها قرضاً.
وقوله: ضحِّ عني متضمن لاشترائها له وذبحها عنه بالنية، كما لو قال: اشتر لي كذا، ولم يعطه شيئاً .. فاشتراه.
(ووقت التضحية) يدخل (بعد طلوع الشمس يوم النحر، و) بعد (مضي ركعتين وخطبتين خفيفات) بأن يمضي من الطلوع أقل ما يجزئ من ذلك وإن لم يخرج وقت الكراهة ولم يذبح الإمام.
فلو ذبح قبل ذلك .. لم يجز، وكان شاة لحم لخبر الصحيحين: "أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي، ثم نرجع فننحر، من فعل ذلك .. فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك .. فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء".
نعم؛ مرَّ: أنهم لو وقفوا في العاشر .. حسبت الأيام للذبح على الوقوف.
والأفضل: تأخير ذبحها إلى إرتفاع الشمس قدر رمح، ومضي ما مر.
стр. 659
بل صوب الأذرعي: أنه لا يدخل إلا بذلك؛ بناء على أن صلاة العيد لا يدخل وقتها إلا بالارتفاع المذكور.
ويمتد وقت التضحية ليلاً، لكنه مكروه لغير عذر ولا مصلحة، ونهاراً (إلى أخر أيام التشريق) فلو ذبح بعد غروب شمس آخرها .. لم تقع أضحية ما لم تكن منذورة فتقع قضاءً كما مر.
(ويجب) في أضحية التطوّع (التصدق بشيء من لحمها) يقع عليه الاسم.
قال (ع ش): (ولا بد من كون له وقع كرطل) فيحرم أكل جميعه؛ إذ المقصود إرفاق المساكين، ولا يحصل بمجرد الذبح، ولا يبعد هنا كما في "التحفة" جواز إخراج الواجب من غيرها ولا يجب له لفظ مملك، بل يعطيه ذلك، بخلاف الكفارة؛ إذ المقصود هنا مجرد الثواب، وهو حاصل بمجرد الإعطاء، وفي الكفارة تدارك الجناية بالإطعام، فأشبه البدل، والبدلية تستدعي التمليك.
ويجب أن يعطيه (نيئاً) طرياً لا مطبوخاً ولا قديداً لمسلم حر أو مبعض في نوبته، أو مكاتب -والمعطي غير سيده- فقير أو مسكين ولو واحداً، ولا يكفي جعله طعاماً ودعاء المسكين أو إرساله إليه؛ لأن حقه في تملكه لا في أكله، ولا مما لا يسمى لحماً كجلد وكبد، وكذا ولد ولو قلنا بجواز التضحية بالحامل؛ لأنه يشبه اللبن، ولأنه يجب مما يقع عليه اسم التضحية أصالة، والولد ليس كذلك، وإنما لزم ذبحه معها؛ تبعاً.
وتردد البلقيني في الشحم، وقياس ذلك: أنه لا يجزئ كما في "التحفة".
ولفقير التصرف فيه ببيع وغيره، أي: لمسلم، بخلاف الغني إذا أرسل إليه شيء أو أعطيه، فإنما يتصرف فيه بنحو أكل وتصدق وضيافة؛ لأن غايته أنه كالمضحي.
والقول بأنهم -أي: الأغنياء- يتصرفون فيه بما شاؤوا ضعيف وإن أطالوا في الاستدلال له، وإنما جازت لهم؛ لآية (وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) [الحج:٣٦].
قال (ع ش): لأنه أطلق القانع والمعتر، فشمل الغني وغيره، وجوز (م ر) كون الغني هنا من تحرم عليه الزكاة، والمسكين من تحل له.
ولا يجزئ ما يهديه عن الواجب، وفي وجه لا يجب التصدق بشيء منها.
ويكفيه في الثواب إراقة الدم، والأفضل في أضحية التطوّع أن يقتصر على أكل لقم منها، والأفضل كونها من الكبد.
стр. 660
ولا يزيد على الثلاث ويتصدق بالباقي جميعه، ثم أكل الثلث ويتصدق بالباقي، ودونه أكل ثلث والتصدق بثلث وإهداء ثلث.
ويثاب في الأولى على التضحية والتصدق بالكل، وفي الأخيرتين على التضحية بالكل وعلى التصدق بالبعض.
نعم؛ إن ضحى عن غيره كميت أوصى بها .. تصدق وجوباً بجميعها.
(ولا يجوز بيع شيء منها) أي: أضحية التطوّع، ولا إتلافه بغيره، ولا إعطاء الجزار أجرته منها ولو جلدها، بل مؤنته على الذابح، ويحرم نقلها كالزكاة، ويكره ادخار شيء من لحمها.
(ويتصدق) حتماً (بجميع المنذورة) والمعينة عن نذر في ذمته والمجعولة حتى نحو جلدها.
وإنما لم تتعين الزكاة بإفراز قدرها بنيتها؛ لأن حق الفقراء شائع في جميع المال، بخلافه هنا، فإنه لا حق للفقير في غير المعينة.
ويكره شرب لبن أضحية واجبة أو مندوبة فاضل عن ولدها، وهو ما لا يضره فقده ضرراً لا يحتمل كمنعه نموه كأمثاله، كما أن له ركوبها، لكن لحاجة؛ كأن عجز عن المشي ولم يجد غيرها ولو بأجرة، ولا أثر لوجود استعارة غيرها للمنة والضمان، وإركابها لمحتاج بلا أجرة، لكن يضمن نقصها بذلك.
ويسن له التصدق بلبنها، وله جزُّ صوفها إن أضرها والانتفاع به كجلد مندوبة.
(ويكره) لمريد التضحية عن نفسه، أو إهداء شيء من النعم (أن يزيل شيئاً من شعره أو غيره) كظفره وسائر أجزائه الظاهرة إلا الدم على خلاف فيه (في عشر ذي الحجة) وما بعدها من أيام التشريق إن لم يضح يوم العيد.
(حتى يضحي)؛ للأمر بالإمساك عن ذلك في خبر مسلم.
وحكمته: شمول المغفرة والعتق من النار لجميعه، لا التشبه بالمحرمين، وإلا .. لكره نحو الطيب.
وقيل: يحرم ما لم يحتج إليه، وعليه أحمد.
стр. 661
فإن احتاج .. فقد يجب، كقطع يد سارق وختان بالغ، وقد يسن كختان صبي، وقد يباح كقلع سن وجعه.
ولو تعددت ضحيته .. انتفت الكراهة بالأولى؛ بناء على لأصح عند الأصوليين: أن الحكم المتعلق على معنى كلي يكفي فيه أدنى المراتب لتحقق المسمى فيه، فيشمل المنذورة المتعددة، فتنتفي الكراهة بأولهن. وإلا .. لم يتحقق المسمى فيها؛ لأن القصد: وجوب المغفرة وقد وجد.
قال (بج): (أيُّ فائدة لشمول العتق لها مع أنها لا تعود إلا منفصلة تطالب بحقها كعدم غسلها من الجنابة؟ فقياسه هنا عودها لتوبيخه على عدم شمول المغفرة لها) اهـ
أمَّا من لم يرد التضحية .. فلا يكره له إزالة نحو شعره وإن سقط عنه الطلب بفعل غيره من أهل بيته.
ويسن أن يذبح ضحيته يوم النحر وإن تعددت، وأن يذبحها بنفسه إن كان يحسنه؛ للاتباع.
نعم؛ الأفضل لغير ذكر أن يوكلَّ فيه، فإن لم يرد الذبح بنفسه .. ندب له أن يشهدها؛ لما صح من أمر فاطمة ﵂ بذلك، وأن تقول: (إن صلاتي ونسكي ... ) إلى (وأنا من المسلمين)، ووعدها بأنه يغفر بأوَّل قطرة كل ذنب عملته، وأَنَّ هذا لعموم المسلمين.
وتكره استنابة كافر كتابي وصبي لا حائض، لكن إنابتها خلاف الأولى؛ لما مر من ندب التوكيل لغير ذكر فيه.
ويسن لغير إمام أن يضحي في بيته وبمشهد أهله، وله إذا ضحى عن المسلمين أن يذبح بنفسه في المصلى عقب الصلاة ويخليها للناس.
ويسن تحديد الشفرة والذبح بقوة، والاستقبال للذابح وبمذبحها؛ لأن القبلة أشرف الجهات، وذلك في الضحية والهدي آكد منه في غيرهما، ولأن الاستقبال في العبادات مستحب، بل واجب في بعضها، والتسمية والصلاة على النبي ﷺ عند الذبح، وإرسال السهم والجارحة؛ لقوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [الأنعام:١١٨]، (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) [المائدة:٤] وللاتباع، ولأن كل محل سن فيه ذكر الله فيه ذكر رسوله ﷺ ، وتركهما مكروه؛ لتأكدهما.
стр. 662
ولا تحل ذبيحة كتابي للمسيح مثلاً، ولا ذبيحة مسلم لمحمد ﵊، أو للكعبة أو غيرهما مما سوى الله؛ لأنه مما أهل به لغير الله، بل لو ذبح تعظيماً لمن ذكر .. كفر، فإن ذبح للكعبة؛ لكونها بيت الله أو لرسول أو ولي لكونه رسول الله، أو وليه .. جاز.
قال في "الروضة": وإلى هذا المعنى يرجع قول القائل: أهديت للحرم أو للكعبة.
ويحرم الذبح تقرباً إلى سلطان أو غيره عند لقائه؛ لما مر، فإن قصد الاستبشار بقدومه .. فلا بأس، أو ليرضي غضباناً .. جاز؛ لأنه لا يتقرب به إلى الغضبان، بخلاف الذبح لنحو الصنم.
ولو ذبح للجن .. حرم إلا إن قصد التقرب إلى الله؛ ليكفيه شرهم .. فيسن، بل لو ذبح لا بقصد التقرب إلى الله ولا إلى الجن، بل لدفع شرهم .. فهو كالذبح لإرضاء غضبان، أفاده في "الروض" و"شرحه" ونقل في الأخيرة عن أبي مخرمة وغيره الحرمة، ولكن ما مر عن "شرح الروض" من عدمها هو القياس، كما مر.
ويندب في الإبل وسائر ما طال عنقه كالنعام والوز النحر في (اللَّبة) -بفتح اللام- أي: الثغرة أسفل العنق بقطع الحلقوم والمريء؛ للاتباع، ولأنه أسهل لخروج روحها.
وينحر البعير قائماً معقولاً ركبته اليسرى، وإلا .. فباركاً، وأن ينحر البقر والغنم والخيل ونحوها مضطجعة مشدودة القوائم إلا الرجل اليمنى .. فتترك؛ لتستريح بتحريكها، ولو عكس .. حلَّ، لكنه خلاف الأفضل.
ويندب أن يزيد على قطع الحلقوم والمريء والودجين، وقطع الأوّلين واجب، والأخيرين مندوب، وأن يتركها حتى تموت، وأن تسقى قبل الذبح ثم تضجع برفق، وأن لا يحد الشفرة ولا يذبح غيرها قبالتها، وأن يكبر قبل التسمية وبعدها عند الذبح ثلاثاً، فيقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد؛ لأنه في أيام التكبير، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يقول: اللهم هذه منك وإليك، فتقبل مني.
* * *
стр. 663
(فصل) في العقيقة .
وهي لغة: شعر رأس المولود حين ولادته.
وشرعاً: ما يذبح عن المولود.
ويسن كون ذبحه عند حلق شعره، وقال أحمد: العقيقة نفس الذبح؛ لأن (عقَّ) لغةً: قطع.
والأصل فيها: أخبار، كخبر "الغلام -أي: الولد ولو أنثى- مرتهن بعقيقته"، أي: لا ينمو مع تركها نمو أمثاله، قال أحمد: أو لا يشفع لأبويه.
وشرعت؛ إظهاراً للبشر ونشراً للنسب.
وكره الشافعي تسميتها عقيقة؛ للفأل القبيح، بل تسمى نسيكه أو ذبيحة، ونقل (ب ج) عن سلطان: عدم كراهة تسميتها عقيقة.
وإنما لم تجب؛ لخبر أبي داوود: "من أحب أن يعق عن ولده .. فليفعل".
ولو نوى بها العقيقة والضحية .. حصلا عند (م ر) ولم تحصل واحدة منهما عند (حج)، قال: لأن كلاً منهما مقصودة، والقصد بالضحية الضيافة العامة، وبالعقيقة الخاصة، ولاختلافهما في أمور كما يأتي.
وإنما صح الغسل بنية الجنابة وسنة نحو الجمعة؛ لبناء الطهارة على التداخل.
(العقيقة: سنة) مؤكدة؛ لما مر، ويحصل بها أصل السنة ولو قبل انفصال الولد بعد إمكان نفخ الروح، فتسن عن سقط بلغ ذلك.
والمخاطب بها من عليه نفقة الولد لو كان فقيراً، وإنما يعق الأصل من مال نفسه؛ لأنها تبرع، وهو لا يجوز من مال الولد، ويبقى طلبها من الموسر إلى بلوغ الولد، وهذا إن كان الأصل موسراً بما مر في الفطرة في أيام أكثر النفاس، فإن أيسر بعد ذلك .. لم تصح منه كما في"الإيعاب".
لكن في (ع ش) على (م ر): أنه يسقط بها الطلب عن الولد.
نعم؛ تسن للولد بعد بلوغه إن لم يعق عنه، وتطلب من الأمهات في ولد الزنا، لكن لا يظهرنها.
стр. 664
والولد القن لا يعق عنه عند (م ر) وعند (حج): يعق عنه أصله الحر.
وهي (كالأضحية) سِنّاً وجنساً وسلامة من العيوب ونية ووجوباً بالنذر ونحوه، وامتناع الأكل من الواجبة، والتصدق بجميعها وغير ذلك.
نعم؛ تخالفها في أمور قليلة، منها:
أن ما يهدي منها للغني يملكه، وأنها يسن طبخها بحلو تفاؤلاً، وإعطاء رجلها إلى أصل الفخذ والأفضل اليمنى للقابلة وإن تعددت.
ولو تعددت العقيقة .. كفى لهن رجل واحدة في أصل السنة، ولا يجب التمليك من لحمها نيئاً، بل يطبخه، ولا يكسر عظامها كما يأتي.
(وقتها: من الولادة) في حق الأصل الموسر كما مر (إلى البلوغ) فإنِ أعسر بها الأصل في مدة أكثر النفاس .. لم يؤمر بها على ما مر (ثم) بعد البلوغ يسقط الطلب عمن خوطب به، ويسن له أن (يعق عن نفسه)؛ تداركاً لما فات كما مر.
(والأفضل) ذبحها (في اليوم السابع) من الولادة، فيدخل يومها في حساب السبع ولو قبيل الغروب، فإن حصلت الولادة ليلاً .. لم تحسب تلك الليلة، بل اليوم الذي يلي الولادة، بخلاف الختان فلا يحسب يوم الولادة من السبع؛ لأنه كلما أخر .. كان أخف ألماً.
ومحل ندب ختانه يوم السابع إن أطاقه، وإلا .. أخر حتماً، فإن ختنه الولي في وقت لا يحتمل لنحو ضعف أو شدة برد .. لزمه القصاص ما لم يكن أصلاً، وإلا .. فالدية المغلظة، فإن ظن احتماله .. فلا قود بل دية، فإن احتمله .. فلا ضمان ولو كان الولي غير أصل، ما لم يكن الخاتن له أجنبياً فيقتل به وإن قصد إقامة الشعار؛ لتعديه.
(فإن لم يذبح فيه .. ففي الرابع عشر، وإلا .. ففي الحادي والعشرين) وهكذا في الأسابيع.
وقيل: إن تكررت السبعة ثلاث مرات .. فات وقت الاختيار، وكلام المصنف يومئ إليه.
وأقل الكمال في العقيقة لغير ذكر: شاة عند (حج)، وعند (م ر) الخنثى كالذكر.
стр. 665
و (الأكمل) أي: أقل الكمال (شاتان) ويسن تساويهما (للذكر)؛ لخبر عائشة (أمرنا رسول الله ﷺ أن نعق عن الغلام بشاتين متكافئتين، وعن الجارية بشاة) ولكونها فداء النفس أشبهت الدية في كون الأنثى على النصف من الذكر كما في "التحفة".
ويجزئ في أصل السنة شاة أو سبع بدنة أو بقرة عن الذكر؛ لأنه ﷺ عقَّ عن كل من الحسن والحسين بشاة، وآثر الشاة؛ تبركاً باللفظ الوارد، وإلا .. فالأفضل هنا سبع شياه ثم الإبل فالبقر فالضأن فالمعز، فسبع بدنة فسبع بقرة كالأضحية.
بل قضية (كونه ﷺ ضحى بمائة بدنة نحر منها بيده ثلاثاً وستين، وأمر علياً أن ينحر باقيها): أن لا حد لهما.
ولو ذبح بدنة أو بقرة عن سبعة .. جاز، وكذا لو أراد بعضهم بسبعه اللحم، وبعضهم بسبعه العق.
(و) من السنة هنا بخلاف الأضحية (أن لا يكسر عظمها) سواء العاق والآكل؛ تفاؤلاً بسلامة أعضاء الولد.
وقضية هذا: أنه لا بأس بكسرها فيما لو عقّ عنه بعد موته، فإن كسره .. فخلاف الأولى لا مكروه؛ لعدم النهي.
ولو ضحى بسبع بدنة وأمكن قسمها بلا كسر .. كان الكسر خلاف الأولى.
(وأن يتصدق به مطبوخاً وبحلو)، ويكره كما في "النهاية" طبخه بحامض.
(والإرسال) به مع مرقة على وجه التصدق للفقراء (أكمل) من دعائهم إليه.
والأفضل: ذبحها بعد طلوع الشمس، وأن يقول عند ذبحها: بسم الله والله أكبر، اللهم لك وإليك، اللهم هذه عقيقة فلان؛ لخبر البيهقي به.
(و) يسن (حلق شعره) أي: شعر رأسه (بعد الذبح) كما في الحاج ولو أنثى، وأن يكون يوم السابع كالتسمية، ولو سقطاً بلغ أوان النفخ .. فيعق عنه، ويُسمَّى؛ احتياطاً، والتسمية لمن له الولاية وإن لم تجب عليه النفقة، كالأب فالجد، ولا عبرة بتسمية غيرهما، وينبغي كونها قبل الذبح.
(والتصدق بزنته) أي: شعر رأسه (ذهباً، ثم) إن لم يفعل .. تصدق بزنته
стр. 666
(فضة)؛ لما صح من أمره فاطمة ﵂ أن تزن شعر الحسنين، وتتصدق بزنته فضة، وألحق بها الذهب بالأولى، وبالذكر الأنثى.
(وتحنيكه بتمر) ذكراً أو أنثى بأن يمضغه ويدلك به حنكه حتى يصل بعضه لجوفه، ويقدم الرطب على التمر كما في الصيام (ثم حلو) لم تمسه نار.
وينبغي كون المحنك من أهل الصلاح؛ لتحصل للمولود بركة ريقه.
(ويكره تلطيخ رأسه) أي: المولود (بالدم)؛ لأنه فعل الجاهلية، وإنما لم يحرم؛ لأنه قيل: بندبه: لخبر فيه ضعيف.
(ولا بأس) بتلطيخه (بالزعفران) بل يسن كما في "المجموع"، ولخبر الحاكم عن بريدة: (كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة، ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالإسلام .. كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بالزعفران).
وتسن تهنئة الوالد، ونحوه ببارك الله لك في الموهوب، وشكرت الواهب، وبلغ أشده، ورزقت بره.
ويسن الرد عليه بجزاك الله خيراً، وتمتد ثلاثاً بعد العلم كالتعزية.
(والعتيرة) -بفتح المهملة وكسر الفوقية- وهي ما تذبح في العشر الأول من رجب.
(والفرع) -بفتح الفاء والراء وبالعين المهملة- وهي أوّل نتاج البهيمة، تذبح رجاء بركتها وكثرة نسلها مندوبتان؛ لأن القصد بهما ليس إلا التقرب إلى الله تعالى بالتصدق بلحمهما على المحتاجين، ولا يثبت لهما أحكام الأضحية أفاده في "التحفة".
ويسن أن يؤذن من حضر ولو امرأة في أذن المولود اليمنى ولو غير ذكر، ويقيم في أذنه اليسرى؛ لأنه ﷺ أذَّن في أذن الحسين حين ولد، وليكون أوَّل ما يطرق سمعه ذكر الله تعالى، ولأن الشيطان ينخسه حينئذٍ، فإذا سمع الأذان .. أدبر، ولما ورد: (أنه إذا فعلا له .. لم تضره أم الصبيان).
وأن يقرأ في أذنه اليمنى على إرادة النسمة (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [آل عمران:٣٦].
ويقرأ عندها حال طلقها (آية الكرسي)، و (إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي) [الأعراف:٥٤] ... إلخ، و (المعوذتين).
ويكثر من دعاء الكرب، وهو: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم.
* * *
стр. 667
(فصل) في محرمات تتعلق بالشعر ونحوه .
(ويحرم تسويد الشيب) ولو لامرأة كما في "الشرح" وغيره.
لكن قال الشهاب الرملي في "شرح الزبد"، وتبعه ابنه في شرحها: (يجوز لها بإذن حليلها؛ لأن فيه تزييناً لها، وقد أذن لها فيه، قال: ويحرم على الولي خضب شعر الصغير ولو أنثى إذا كان أصهب بالسواد؛ لما فيه من تغيير الخلقة).
قال الكردي: (وهو مفهوم كلام حج السابق، أي: في "الشرح") اهـ
نعم؛ يجوز بالسواد في الجهاد؛ لإرهاب العدوّ.
(ووصل الشعر) بشعر آدمي أو نجس مطلقاً، وكذا بطاهر لم يأذن فيه حليل، كما مر.
(وتفليج الأسنان) بنحو المبرد؛ للتحسين (والوشم)؛ لما ورد من لعن فاعل ذلك والمفعول به (والحناء للرجل) والخنثى المكلفين (بلا حاجة) إليه؛ لما فيه من التشبيه بالنساء، كما مر.
وثقب أذن الصبي لا الصبية كما في "التحفة"، ونقلت عبارتها في "الأصل"، واعتمد ابن زياد جوازه ولو للصبي.
خاتمة
أحسن الله خاتمتنا بمنه وكرمه وإفضاله.
ويسن تحسين الأسماء، وأفضلها عبد الله ثم عبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة، ولا يكره اسم نبي ولا ملك، بل جاء في التسمية بمحمد فضائل علية.
وفي "التحفة": وهو أفضل الأسماء بعد عبد الله وعبد الرحمن، ولا تغتر بمن اعتمد أنه أفضل منهما.
ويكره قبيح كشهاب ومُرَّة وحرب وعاصي، وما يتطير بنفيه كيسارٍ ونافع ومبارك وسعيد وأفلح ونحوها؛ لخبر: "لا تسمين غلامك أفلح، ولا نجيحاً ولا يساراً
стр. 668
ولا رباحاً، فإنك إذا قلت: أَثّمَّ هو، قالوا: لا"، ونحو ست الناس أو العرب أو العلماء أشد كراهة؛ لأنه من أقبح الكذب، ولا تعرف الست إلا في العدد، ومرادهم سيدة.
ويحرم ملك الملوك؛ لأنه ليس لغيره تعالى، وشاهنشاه وحاكم الحكام وعبد الكعبة أو الحسين.
وكذا عبد النبي عند (حج)؛ لإيهام التشريك، ومنه أخذ حرمة التسمية بجار الله ورفيق الله ونحوهما.
وحرمة قول بعض العامة: (الحملة على الله)، و (حامل الجور الله) وإن لم يقصد المعنى المستحيل عليه تعالى.
قال بعضهم: ويحرم قاضي القضاة، وأفظع منه حاكم الحكام.
وفي "المنح": ويفرق بين قاضي القضاه وأقضى القضاة، وبين حاكم الحكام بأن فيه من الشمول ما ليس فيهما.
ويتردد النظر في حاكم الحكام، ولحوقه بملك الملوك في الحرمة أقرب، ثم رأيت ما يصرح بجواز الأولين وهو أوّل من سمي قاضي القضاة: أبو يوسف، ولم ينكره أحد مع توفر الأئمة.
وأول من سمي أقضى القضاة الماوردي، واعترضه بعض أهل عصره، وأجاب هو والمحققون بأنه إنما ينصرف عرفاً إلى أفضل أهل زمانه.
ومثلهما وزير الوزراء، وأمير الأمراء، ونحو ذلك مما كان قديماً، ولم ينكر اعتماداً على تخصيص العرف لذلك.
لكن قد يؤيد المنع ما فيه من الإيهام، كما منع جار الله مع أنه مخصوص في العرف بذلك الشخض المسمى به.
وقد يجاب: بأن (أل) في القضاة للعهد؛ أي: أقضى القضاة المعهودين، فلا عموم فيه عرفاً؛ لأن أل حيث أمكن فيها العهد وجب الحمل عليه، والمعهود هم من دونه من القضاة، ولا استعمالاً لأنه إنما يقصد به ذلك، لكن يقال بمثله في ملك الملوك إلا أن يقال: إنه يخرج بالنهي الصريح عنه.
وبالجملة: فهذه أسماء لو اجتنبوها .. لكان أولى، سيما وهم هم. اهـ باختصار، وفي الأصل هنا زيادة بسط.
стр. 669
ويندب تغيير الاسم القبيح، وما يتطير بنفيه؛ لأن زينب بنت جحش كان اسمها برة، فقيل: تزكي نفسها، فسماها النبي ﷺ زينب، وغير اسم عاصية إلى جميلة.
ويسن أن يكنى أهل الفضل من الرجال والنساء وإن لم يكن لهم ولد، وأن يكنى الشخص بأكبر أولاده، ولا يكنى الشخص نفسه إذا عرف بغيره، وإلاّ .. فلا بأس، وعليه حمل تكنية أبي هريرة، وأبي ذر، وأم هانئ أنفسهم.
ولا يكنى نحو فاسق ومبتدع إلاّ لخوف فتنة، أو لم يعرف إلا به.
ويحرم التكني بأبي القاسم. قال الكردي: (أي وضع هذه الكنية على شخص.
أما إذا اشتهر بها .. فلا حرمة، ولذلك يكنى النووي الرافعيَ بها، مع اعتماده حرمة ذلك) اهـ
ولا بأس باللقب الحسن، وإن لم يكن كذلك تفاؤلاً به كمحب الدين، وزين العابدين، إلا ما توسع فيه السفلة حتى سموا بعلاء الدين ونحوه.
وينبغي أن لا يخلي الشخص أولاده من اسم محمد، ويلاحظ في ذلك عود بركة اسمه ﷺ عليه.
قال الشافعي ﵁ لما ولد له ولد وسماه بمحمد: سميته بأحب الأسماء إليّ، وكثير يسمون محمداً.
ويقول: سميته باسم أبي أو جدي، فكان الأولى أن يلاحظ فيه اسمه ﷺ أولاً، ثم اسم أبيه.
وينبغي لمن سمى محمداً أن يحترمه؛ لكونه سميه ﷺ ، فقد ورد: "إذا سميتم محمداً فلا تضربوه ولا تحرموه".
وبالجملة: فما زالت الأفاضل يعتنون باسم محمد حتى إن بعضهم يبلغ الثلاث الدرج وأكثر على اسم محمد، كما وقع للغزالي نفع الله به؛ فإنه محمد بن محمد بن محمد، فعادت بركته ﷺ عليهم كما هو معلوم.
ولا نعلم أحداً اعتنى باسمه، وتكرر فيهم وإلا وأفلح، وعادت بركته ﷺ عليهم.
وقد لاحظت ما لاحظه هؤلاء الأخيار، فختمت كتابي هذا بذكره، صلى الله عليه
стр. 670
وسلم، وبذكر اسمه الشريف؛ رجاء أن تعود بركته عليّ وعلى أولادي ووالديّ وأحبابي والمسلمين، وعلى كتابي هذا وغيره؛ فإنه باب الله، ولا خير من خيرات الدنيا والآخرة إلا وهو بواستطه، وببركته ﷺ .
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، كلما ذكرك وذكره الذاكرون، وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون، عدد خلقك، ورضاء نفسك، وزنة عرشك، ومنتهى علمك وآياتك يا رب العالمين، آمين.
* * *