Полный текст (670 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
ويثلث كلاً من دعائه، ويلح فيه، ويرفع يديه ولا يجاوز بهما رأسه، ويكره الإفراط في الجهر، وتكلف السجع.
ومن أفضل الدعاء: (اللهم أعذني من الشر كله، واجمع لي الخير كله، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر).
وإكثار (البكاء معها) -أي: مع جميع ما ذكر- بتضرع وخشوع وذلة، ويستفرغ جهده في جميع ذلك، وفي تفريغ ظاهره وباطنه من كل مذموم، وفي الاجتهاد في أن لا تمضي له لحظة إلا في طاعة، وفي حل مأكوله ومشروبه ونحوهما؛ لخبر: "إذا حج الرجل بالمال الحرام .. فقال: لبيك اللهم لبيك، قال الله تعالى: لا لبيك ولا سعديك حتى ترد ما في يديك" وفي رواية: "وحجك مردود عليك".
وأن يكون على أكمل الأحوال، فإنه أعظم مواقف الإسلام، وأكثر جمع الخاصة والعوام، ففيه تسكب العبرات، وتقال العثرات؛ لأنه أفضل يوم طلعت فيه الشمس، ويباهي الله بالواقفين الملائكة.
وفي حدتث: " إذا كان يوم عرفة يوم جمعة .. غفر الله لجميع أهل الموقف"، أي: بلا واسطة، وفي غيره: "يهب قوماً لقوم"، وفي أخر: "أفضل الأيام يوم عرفة، فإن وافق يوم جمعة .. فهو أفضل من سبعين حجة في غير يوم جمعة".
(والاستقبال) للواقف حال الذكر وغيره.
(والطهارة والستارة)؛ لأنه أكمل.
(والبروز للشمس) لذكر؛ للاتباع إلا لعذر، كأن يتضرر به أو تنقص به عبادته.
أمَّا غيره .. فإن كان له هودج أو نحوه .. وقف، وإلا .. ستر بشيء.
ويكثر من أعمال الخير خصوصاً الصدقة، وأفضلها: العتق، ويتلطف في مخاطبته كلها.
ويتحرى لوقوفه موقفه ﷺ (و) هو (عند الصخرات) أي: الكبار المفروشة في أسفل جبل الرحمة بوسط عرفة.
وإنما يندب ذلك (للرجل) أي: الذكر.
(و) يندب تحري (حاشية الموقف للمرأة) والخنثى كما يقفان في آخر المسجد.
стр. 597
نعم؛ إن كان لها نحو هودج تستر به .. فكالذكر، وكذا لو شق عليها فراق رفقتها، فإن لم يتيسر له موقفه ﷺ .. قرب منه ما أمكنه.
وليحذر صعود جبل الرحمة فإنه بدعة خلافاً لمن زعم أنه سنة، وأنه موقف الأنبياء.
وليحسن ظنه بربه أنه يرحمه، ولذا قال الفضيل: لو ذهبوا لرجل وسألوه دانقاً .. قطع أنه يجيبهم إليه، فكيف بأكرم الأكرمين؟! وجميع ما سألوه عنده أهون من الدانق عندنا.
(و) يسن (الجمع) تقديماً (بين العصرين): الظهر والعصر بمسجد سيدنا إبراهيم ﵇ (للمسافر) سفر قصر بشروطه؛ لأنه عندنا للسفر، كما مر جميع ذلك وعند الحنفية للنسك؛ (لأنه ﷺ جمع ومعه المسافرون وغيرهم).
وردَّ بأنه لم يثبت جمع غير المسافرين معه.
وندب تأخرهم بعرفة إلى زوال الصفرة قليلاً بعد الغروب، ثم يدفعون إلى مزدلفة، فإذا دخل وقت العشاء .. أناخ كل راحلته وعقلها، ثم يصلون العشاء، ثم يحطون عن رواحلهم ويصلون الرواتب والوتر، وهذا في غير مسافر.
(و) يسن (تأخير المغرب إلى العشاء للمسافر) سفر قصير؛ (ليجمعهما) تأخيراً (بمزدلفة)؛ للاتباع.
ويسن بعد صلاة المغرب إناخة كلٍّ منهم جمله ثم يعقله ثم يصلون العشاء ثم يحلون؛ للاتباع، ثم يصلون الرواتب والوتر، هذا إن ظنوا وصولها قبل مضي وقت اختيار العشاء، وإلا .. صلوا في الطريق.
وليجتنب التزاحم في الطريق، والغفلة عن ذكر الله فإنه في مواسم الخير.
تتمة: لو وقفوا غلطاً بعرفة في العاشر .. أجزأهم إذا لم يقلوا على خلاف العادة إجماعاً، سواء بان بعد الوقوف أو أثناءه أو بعده، بل وإن أحرموا بعد التبين؛ لمشقة القضاء؛ ولأنهم لم يأمنوا مثله في القضاء.
وليلة الحادي عشر كيوم العاشر على المعتمد، وإذا وقفوا في ذلك .. كان أداء، ويحسب أيام التشريق وغيرها على وقوفهم فيما يتعلق بالحج.
وألحق به في "الحاشية": التضحية دون صلاة العيد والآجال ونحوهما مما لا يتعلق بالحج.
* * *
стр. 598
(فصل) في الحلق .
ومر أنه ركن للحج والعمرة فلا تحلل منهما إلا به إلا لمن لا شعر برأسه.
(وأقل الحلق) الذي هو ركن (إزالة ثلاث شعرات) من شعر الرأس، أو جزء من كل منها حلقاً أو نتفاً أو قصاً أو إحراقاً وإن خرج بالمد عن حد الرأس؛ لآية (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) [الفتح:٢٧].
قال في "التحفة": أي: شعراً فيها؛ إذ هي لا تحلق.
و (الشعر) اسم جنسي جمعي، أقله ثلاث.
ولو قص واحدة ونتف أخرى وأحرق ثالثة .. كفى، بخلاف ما لو قص مثلاً واحدة ثلاث مرات؛ لعدم الجمع.
(ويندب تأخيره) أي: الحلق (بعد رمي جمرة العقبة) والذبح في يوم النحر، وتقديمه على طواف الإفاضة في ذلك اليوم؛ للاتباع، وأن يعود يوم النحر إلى منى من مكة بعد طواف الإفاضة والسعي إن لم يكن سعى وإن دخل وقت الظهر.
والأفضل: أن يكون بحيث يدرك أوّل وقت الظهر بمنى حتى يصليها بها؛ للاتباع، كذا قالوه. واعترضه (حج) في الحاشية بأن ما في مسلم عن ابن عمر: (أنه رجع وصلى الظهر بمنى) يعارضه ما فيه عن جابر: (أنه صلاها بمكة) فقولهم: يعود إلى منى يصلي بها الظهر، مشكل؛ إذ كان القياس أن يقولوا: يصلي الظهر بمكة ثم بمنى، أو في مكة فقط.
(والابتداء باليمين) كله من رأس المحلوق وبمقدمه ثم الأيسر (واستقبال) المحلوق لجهة (القبلة) وأن يكبر بعد فراغه، ويدفن شعره في غير محل مطروق.
(واستيعاب) حلق (الرأس للرجل) وأن لا يشارط الحالق عليه بأن يدفع الأجرة التي تطيب بها نفسه إليه معجلة، وأن يأخذ شيئاً من ظفره وشاربه، ويمسك ناصيته بيده عند الحلق ويكبر ثلاثاً نسقاً.
ثم يقول: (اللهم هذه ناصيتي بيدك، فاجعل لي بكل شعرة نوراً إلى يوم القيامة، واغفر لي ذنوبي).
стр. 599
وبعد فراغه: (اللهم آتني بعدد كل شعرة حسنة، وامح عني بها سيئة، وارفع لي بها درجة، واغفر لي وللمحلقين والمقصرين ولجميع المسلمين).
وأن يتطيب ويلبس والتقصير كالحلق في ما مر، ويسن ذلك لكل محلوق ولو في غير نسك.
والحلق للرجل غالباً أفضل من التقصير؛ لما في الخبر من الدعاء للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة.
(والتقصير) هو الأخذ من الشعر بنحو قص، وسن تعميم الشعر كله به (للمرأة) والخنثى ولو صغيرة أفضل؛ لخبر أبي داوود: "ليس على النساء حلق، وإنما عليهن التقصير".
ويكره الحلق وأخذه بنحو نورة، بل يحرم إن لم يأذن فيه حليل وسيد، أو قصدت التشبه بالرجال.
ولا يشرع إلا لسابع ولادتها ولتداوٍ واستخفاء من فاسق، وندب تعميم رأسها بالتقصير، وأن يكون بقدر أنملة.
وخرج بـ (غالباً): المتمتع، فيندب له التقصير في العمرة والحلق في الحج، وكذا لو قدم الحج .. قصر في الحج وحلق في العمرة؛ إذ لو عكس .. فاته حلق العمرة، لأنه يجيء ولا شعر برأسه.
وبه يعلم أن هذا فيمن لا يسود رأسه عند الحلق الثاني، وإلا .. ندب له الحلق مطلقاً.
وإنما لم يحلق بعض رأسه في الأول منهما وبعضه الآخر في الثاني؛ لأنه من القزع المكروه، وكثير يظنونه من التقصير، وإنما التقصير الأخذ من كل شعرة بعضها.
ولو نذر الرجل الحلق .. وجب للنذر، أمَّا النسك .. فيكفي له التقصير أو الحلق، ومن لا شعر برأسه وقت تحلله .. سقط عنه الحلق، وإن نبت بعد عن قرب، ويندب له إمرار الموسى في الذكر، وفي غيره إمرار آلة القص، تشبيهاً بالحالقين والمقصرين، وأن يأخذ من نحو لحيته وظفره.
* * *
стр. 600
(فصل: واجبات الحج) وهي ما يصح بدونها مع الدم، وكذا الإثم إن لم يعذر.
(ستة) متفق على الميقات والرمي منها، ومختلف في البقية، بل قيل: إنها سنة، ولا دم فيها.
واثنان منها -وهما الميقات وطواف الوداع- واجبان للعمرة أيضاً.
وجعلها بعضهم خمسة بجعل الرمي لجمرة العقبة يوم العيد، وغيره واحداً، وترك سابعاً وهو التحرز عن محرمات الإحرام.
ومما يجبر بالدم أيضاً: ترك الركوب، والحلق لأكثر من ثلاث شعرات المنذورين.
الأول: (المبيت) أي: الحضور (بمزدلفة وهو: أن يكون ساعة) أي: لحظة (من النصف الثاني) من ليلة النحر (فيها) أي: مزدلفة بعد الوقوف بعرفة؛ للاتباع، ولو ماراً كما في عرفة، وإن لم يكن أهلاً للعبادة، كما قال عبد الرؤوف مخالفاً فيه للشهاب الرملي.
وفارق مبيت منى بأنه ورد فيه لفظ المبيت، وإنما ينصرف للمعظم ولم يرد هنا؛ ولأن الضعفة رخص لهم في الانصراف بعد نصف الليل مع أنهم لا يأتونها إلا نحو ربع الليل الأول، وهو صريح في عدم وجوب المعظم.
وقيل: هو ركن، وقيل: إنه سنة، كما قيل ذلك في مبيت منى.
ولا يسن إحياء ليلتها؛ للاتباع، وليستعين بالإراحة فيها على أعمال ما بعدها كما في "التحفة".
لكن قال غيره: يسن إحياؤها بغير صلاة.
(ولا يجب) مبيتها كمبيت منى (على من له عذر) -مما يأتي في مبيت منى- ولا على من اشتغل عنه بالوقوف بعرفة أو بطواف الإفاضة، لكن ظاهر "النهاية": عدم رضا الأخير.
(و) الثاني: (رمي جمرة العقبة سبعاً) يوم النحر، ويجوز فيما بعده إلى آخر أيام التشريق.
стр. 601
(و) الثالث: (رمي الجمرات الثلاث أيام التشريق، كل واحدة) يرميها لكل يوم منها (سبعاً) إن لم ينفر النفر الأوَّل، وإلا .. فلليومين الأوَّلين.
(و) الرابع: (مبيت لياليها الثلاث) إن لم ينفر النفر الأوَّل (أو الليلتين إذا أراد النفر الأوَّل في اليوم الثاني) من أيام التشريق، ويعذر في ترك مبيتها ومبيت مزدلفة بكل ما يعذر به في الجمعة والجماعة مما مر هناك؛ (لأنه ﷺ رخص للعباس ﵁ أن يبيت ليالي منى بمكة، ولرعاة الإبل أن يتركوا المبيت).
وقيس بهما ما في معناهما من أهل السقاية ولو بغير مكة ولو محدثة، وجميع الرعاة ولو متبرعين إن خرجوا من منى ومزدلفة قبل الغروب وتعسر إتيانهم بالدواب إليهما، وخافوا من تركها ولو باتوا بهما ضياعاً وغيرهم ممن يعذر بما مر.
وهذه الأعذار لا تسقط الرمي، وإنما يسقط: إذا عجز عنه بنفسه، وبنائبه لنحو فتنة.
ويسن أن يخطب الإمام أو نائبه بهم بعد ظهر يوم النحر بمنى خطبة فردة، يعلمهم فيها أحكام الرمي والطواف والمبيت والنحر.
قال في "الأسنى": (وهو مشكل؛ لأن المعتمد فيها الأحاديث، وهي مصرحة بأنها كانت ضحوة).
ثم يخطب بهم بعد الظهر بمنى ثاني أيام التشريق خطبة يعلمهم جواز النفر الأوَّل فيه ويودّعهم ويحثهم على ملازمة التقوى، فإن ذلك علامة الحج المبرور.
ولكن هاتان قد تركتا من أزمان طويلة.
فعلم: أَنَّ خطب الحج أربع، وكلها فرادى وبعد صلاة الظهر إلا التي بعرفة .. فثنتان، وقبل صلاة الظهر أيضاً.
فروع:
مزدلفة من الازدلاف، وهو القرب؛ لقرب الحجاج منها إلى منى، أو من الاجتماع؛ للاجتماع بها، وطولها: سبعة آلاف ذراع وثمانون ذراعاً وأربعة أسباع ذراع، وذلك من مَأْزِمَي عرفة إلى وادي (مُحَسِّر) -بضم ففتح فكسر السين المشددة-: وادٍ بين منى ومزدلفة، طوله خمس مئة ذراع، وخمسة وأربعون ذراعاً، وهذه عرضه.
стр. 602
وندب الإسراع فيه لذكر قدر رمية حجر حتى يقطع الوادي الصغير الذي ببطنه.
وسميت منى بمنى؛ لما يمنى -أي: يراق- فيها من الدماء، واختصت بخمس فضائل:
رفع ما يقبل من حصى الرمي، وكف الحدأة عن اللحم بها، والذباب عن الحلو، وقلة البعوض، واتساعها.
واختصت جمرة العقبة عن أختيها برمي يوم العيد، وكونه قبل الزوال، وبالتكبير مع رميها يوم النحر، وفي غيرها عقبه، وسَنِّ استقبالها يوم النحر، وكونها ليست من منى، وبعدم سنّ الوقوف عندها للدعاء بخلاف أختيها، فيسنّ بعد الرمي بقدر (سورة البقرة) عندهما، وأنها ترمى من جهة وهي أسفلها، وأختيها ترميان من جميع الجوانب، وبأنها يؤخذ حصاها ليلاً من مزذلفة.
(و) الخامس (الإحرام من الميقات) كما مر بما فيه.
(و) السادس (طواف الوداع) على كل من أراد مفارقة مكة من حاج ومعتمر وغيرهما، ومكي وغيره، أو من منى عقب نفره منها وإن طاف للوداع عقب طوافه للإفاضة عند عوده إلى منى من مكة؛ إذ لا يكون طواف وداع إلا بعد الفراغ من جميع نسكه.
وإنما يجب على من أراد مفارقة ما ذكر إلى سفر قصر مطلقاً أو إلى وطنه أو محل يريد الإقامة فيه توطناً وقد فرغ من جميع نسكه إن كان في نسك ولا عذر له.
بخلاف من له عذر كحائض ولو حكماً، كمتحيرة ونفساء ومن به قرح سائل، وخائف من ظالم أو غريم وهو معسر، أو فوت رفقة، ومن فقد الطهورين، وفارق عمران مكة قبل زوال عذره وإن زال عقب ذلك.
لكن بحث الأذرعي لزوم الدم على غير نحو حائض؛ لكون منعها عزيمة، ومنعهم رخصة، واستوجهه في "الإمداد".
قال الكردي: وترك طواف الوداع بلا عذر ثلاثة أقسام:
أحدها: لا دم فيه ولا إثم، وذلك في المسنون منه، وفيمن بقي عليه شيء من أركان النسك، أي: أو شيء من واجباته كما قاله: (سم)، وفيمن خرج من عمران مكة لحاجة ثم طرأ له السفر، أي: لأنه لم يخاطب به عند خروجه.
стр. 603
ثانيها: عليه الإثم ولا دم، وذلك فيمن تركه عامداً عالماً، وقد تركه بغير عزم على عودٍ ثم عاد قبل وصوله لما يستقر به الدم، فالعود يسقط الدم لا الإثم.
ثالثها: مايلزم بتركه الإثم والدم، وذلك في غير ما ذكر، ولو لزمه الصوم بدل الرمي مثلاً فصام الثلاثة، وأراد السفر لبلده .. لزمه طواف الوداع وإن بقيت السبعة إلى وطنه، بل وإن لم يصم شيئاً، بخلاف من سافر يوم النحر فلا يطوفه؛ لأنه لم ينتقل إليه إلا بالترك، ولم يتحقق إلا بفوات الوقت ولم يفت، ويلزم الأجير فعله، ويحط؛ لتركه ما يقابله.
وترك بعضه ولو خطوة وسهواً كترك كله، ففيه الدم ما لم يعد قبل وصوله ما مر.
ويطوفه بشرطه، وهو أن لا يمكث فيما تشترط مجاوزته في القصر بعده وبعد ركعتيه، ودعائه بعدهما وعند الملتزم، وإتيانه زمزم وشربه منها، وبعد شد رحله وشراء زاد ولو مع تعريج الطريق لنحو رخصة، وصلاة أو جماعة أقيمت، وكذا كل شغل بقدر صلاة الجنازة بأخف ممكن وإن كثر ذلك.
فإن مكث زيادة على ذلك ولو ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً .. أعاده.
وسن لمن أتى به وبركعتيه أن يدعو بعدهما، ويأتي (الملتزم)، وهو ما بين الحجر الأسود والباب، فيلصق به بطنه وصدره ويبسط يديه عليه اليمنى على ما يلي الباب، واليسرى على ما يلي الحجر، ويضع خده الأيمن أو جبهته عليه، ويدعو بما أحب مبتدئاً بالثناء عليه تعالى والصلاة والسلام عليه ﷺ ، والمأثور أفضل.
ومنه: (اللهم البيت بيتك والعبد عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك حتى سيرتني في بلادك وبلغتني نعمتك حتى أعنتني على قضاء مناسكك، فإن كنت رضيت عني .. فازدد عني رضاً، وإلا .. فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري ويبعد عنه مزاري، هذا آوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك.
اللهم فاصحبني العافية في بدني والعصمة في ديني وأحسن منقلبي وارزقني العمل بطاعتك ما أبقيتني واجمع لي خير الدنيا والآخرة.
اللهم لا تجعله آخر العهد عن بيتك، فإن جعلته آخر العهد فعوضني الجنة).
ويختم دعاءه بما افتتحه به من الثناء والصلاة والسلام، ثم يذهب إلى زمزم مع صدق
стр. 604
نية، ويقصد بشربه نيل مطلوباته؛ فإنَهُ لِمَا شُرِب له ويتضلع منهما ما أمكنه.
ثم يعود لاستلام الحجر وتقبيله والسجود عليه ثلاثاً، ثم ينصرف تلقاء وجهه كالمتحزن مستدبر البيت، ويخرج من باب بني سهم.
تنبه: أفهم ما مر أن طواف الوداع ليس من المناسك، وإلا لما وجب على غير حاج ومعتمر.
وقضية عدهم له من واجبات الحج: أنه منها، وبه قال الغزالي وإمامه حتى قالا: لا يجب على غيرهما، لكن صحح الشيخان: أنه ليس منها.
وعليه: فلا يندرج في نية النسك، بل يحتاج لنية مستقلة، وبه قال (م ر) وغيره.
لكن قال (حج): إن نية النسك تشمله؛ لأنه وإن لم يكن منه فهو من توابعه، والله أعلم.
* * *
(فصل) في سنن تتعلق بالمبيت والرمي، وفي بعض شروطه.
(ويسن) أن يغتسل أو يتيمم بمزدلفة، وأن يتقدم بعد نصف الليل إلى منى الضعفةُ والنساء إن أرادوا تقديم الرمي؛ للاتباع، وليرموا قبل الزحمة، ويبقى غيرهم بمزدلفة حتى يصلوا الصبح بغلس، أي: أول وقتها.
وتتأكد صلاة الصبح للذكر مع الإمام بمزدلفة؛ للخلاف في وجوبها معه.
ثم بعد صلاة الصبح يسن (الوقوف) بأي جزء من مزدلفة مستقبل القبلة، والأفضل: كونه (بالمشعر الحرام) إن أمكن بلا مزاحمة، وإلا .. فيقرب منه ما أمكن، وهو المبني عليه البناء الموجود الآن. وهو جبل قزح بآخر مزدلفة، وتحصل السنة بالمرور فيه، ويذكرون إلى الإسفار، ومنه: (الله أكبر ثلاثاً، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد)، ويكثرون من: (رَبَّنَا آتِنَا) [البقرة:٢٠٠] الآية، والتلبية والدعاء؛ لآية (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ) [البقرة:١٩٨].
(وأخذ حصى) رمي (جمرة العقبة) يوم النحر، وهي سبع (منها) ويزيد قليلاً؛ إذ قد يسقط منها شيء؛ لما صح أنه ﷺ قال للفضل بن عباس: "التقط لي حصى" فلقط حصيات مثل حصى الخذف.
стр. 605
واستشكل بالأمر بأخذ الحصى من وادي محسر، وأجيب بأنه محمول على حصى غير جمرة العقبة؛ إذ الأولى أخذها منه أو من منى غير الجمرات؛ إذ لم يبق فيها من الحصى إلا ما لم يقبل، فيكره أخذه منها ومن الحل ومن محل متنجس ما لم يغسل، فيسن غسل ما احتمل نجاسته.
ويسن كون أخذ الحصى من المشعر الحرام بعد صلاة الصبح، إلا لمن يريد الخروج منها ليلاً .. فيأخذها ليلاً من مزدلفة.
ثم عقب الإسفار يسيرون إلى منى بسكينة ذاكرين ملبين، ومن وجد فرجة .. أسرع، كمن بلغ بطن محسر قدر رمية حجر وإن لم يجدها.
ويدخلون منى بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، فيرمي كل جمرة العقبة إذا وصلها راكباً أو ماشياً بسبع رميات وجوباً ولو بحصاة واحدة كررها وإن كره، وهذا هو الأفضل، وإلا .. فيجوز رميها من نصف ليلة النحر إلى آخر أيام التشريق.
وندب في رميها يوم النحر فقط الاستقبال للجمرة، وهذا الرمي تحية منى، فالأولى أن يبدأ به فيها قبل كل شيء حتى عن نزول الراكب وجلوس الماشي إلا لضرورة، أو عذر كزحمة أو انتظار وقت فضيلة لمن تقدم دخوله إليها قبل ارتفاع الشمس.
(و) يسن (قطع التلبية عند ابتداء الرمي) لجمرة العقبة إن بدأ به، وإلا .. فعندما ابتدأ به من حلق أو طواف.
والمعتمر يقطعها عند ابتداء الطواف؛ لأنها شعار الإحرام وقد أخذ بنحو الرمي في أسباب التحلل منه.
(والتكبير مع كل حصاة) فيقول: (الله أكبر -ثلاثاً- لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد).
لكن في "التحفة": أنه يقتصر على تكبيرة واحدة.
ثم بعد الرمي ينزل في أي محل من منى، والأفضل: النزول في منزله ﷺ فما قاربه، وهو يسار مصلى الإمام بين قبلة مسجد الخيف والمنحر الذي بين الجمرة الأولى والوسطى وإلى المنحر أقرب.
ثم يذبح هديه، وهو ما يهدى به لمكة وحرمها؛ تقرباً، ودم الجبران والمحظور والأضحية إن كانت، ثم يحلق أو يقص، ثم يذهب لمكة لطواف الركن، وهذا كله سنة.
стр. 606
(ويدخل وقت) جواز (الحلق ورمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة بنصف ليلة) يوم (النحر) لمن وقف بعرفة قبله، ويندب تأخيرها بعد طلوع شمس ذلك اليوم؛ للاتباع.
(ويبقى) جواز (الرمي) حتى رمي يوم النحر (إلى آخر) أيام (التشريق).
ووقت الذبح الواجب (والحلق) والتقصير (والطواف) والسعي إن لم يقدمه يبقى (أبداً) ما دام حياً.
نعم؛ يكره تأخيرها عن يوم العيد وعن أيام التشريق أشد كراهة، وعن خروجه من مكة أشد.
أمَّا الهدي المندوب .. فوقته وقت الأضحية، فيفوت بفوات أيام التشريق.
(و) بما تقرر علم أنه (تسن المبادرة بطواف الإفاضة) يوم النحر (بعد رمي جمرة العقبة) والذبح والحلق.
(فيدخل مكة) بعد ذلك (ويطوف ويسعى) بعد الطواف (إن لم يكن قد سعى) بعد طواف القدوم (ثم يعود إلى منى)؛ ليصلي بها الظهر لأوّل وقتها؛ للاتباع في كل ذلك كما مر بما فيه في فصل الحلق.
(ويبيت بها) معظم كل ليلة من (ليالي التشريق) إن لم ينفر النفر الأول بشرطه، وإلا .. فمعظم كل من الليلتين الأوّلتين منها، كما يأتي.
(ويرمي) وجوباً اتفاقاً، ويدخل وقته لكل يوم بزوال شمسه، ويبقى إلى آخر أيام التشريق أداء، حتى لو أخره كله حتى رمي يوم العيد إلى آخر أيام التشريق ورمى فيه مرتباً، كما يأتي .. جاز.
والأفضل: أن يرمي (كل يوم من أيام التشريق) الثلاث إلى كل من (الجمرات الثلاث) لكل يوم (بعد الزوال) لشمسه (كل واحدة) يرميها في كل يوم بـ (سبع حصيات) يقيناً بعد الزوال، وقبل صلاة الظهر إن لم يضق الوقت ولم يجمع تأخيراً،
стр. 607
وهذا وقت الفضيلة فيه، ويبقى وقت الاختيار لكل يوم إلى غروب شمسه، ثم الجواز بكراهة إلى آخر أيام التشريق.
(ويشترط) للرمي شروط:
الأول: وهو مختص بجمرة العقبة كون الرمي من أسفلها من بطن الوادي.
فلو رمى من أعلاها أو جنبها أو وسطها إلى المرمى .. جاز، بخلاف ما لو رمى إلى خلفها .. فلا يصح كما في "الشرح".
والثاني: (رمي السبع الحصيات) في كل من الجمرات (واحدة) بعد (واحدة) إلى فراغ السبع ولو بتكرير حصاة واحدة.
فلو رمى بسبع مثلاً مرة واحدة، أو حصاتين كذلك، إحداهما بيمينه والأخرى بشماله .. فواحدة، أو رماهما مرتين فوقعتا معاً .. فثنتان.
(و) الثالث (ترتيب الجمرات في أيام التشريق).
فيرمي أولاً الجمرة التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى ثم جمرة العقبة، فلا يعتد برمي مؤخرة قبل تمام ما قبلها، وكذا في الزمان، فيرمي الثلاث عن أمسه ثم عن يومه، ولا بد من أن يرميها أولاً عن نفسه ثم غيره، فإن خالف .. وقع عن أمسه وعن نفسه.
ولو رمى أربع عشرة حصاة إلى جمرة عن أمسه ويومه، أو عن نفسه وغيره .. وقعت سبع عن أمسه في الأولى، ونفسه في الثانية، وألغيت السبع الثانية.
ولو شك في العدد .. بنى على الأقل.
ولو ترك حصاة وشك في محلها .. جعلها من الأولى، فيرميها ثم يعيد رمي الجمرتين الأخيرتين، ولو احتمل كونها من جمرة العقبة يوم العيد .. رماها إليها، وأعاد ما مضى إن بقيت أيام التشريق، وإلا .. فعليه دم.
والرابع: عدم الصارف للرمي إلى غير نسك.
فلو قصد نحو جودة رمية .. لم يصح، أمَّا لو صرفه إلى نسك، كأن صرفه من نفسه لغيره .. فيصح له، ولا ينصرف للغير وإن عذر وأنابه.
الخامس: قصد الرمي.
فلو قصد غيره .. لم يكف وإن وقع فيه، كرميه نحو حية في الجمرة ورميه العلم
стр. 608
المنصوب في الجمرة عند (حج)، قال: نعم إن رمى إليه بقصد الوقوع في الجمرة فوقع فيها .. أجزأ.
قال عبد الرؤوف: الأوجه أنه لم يكف؛ لصرفه عن الجمرة إلى العلم.
وفي "الإيعاب": أنه يغتفر للعامي ذلك.
و (المرمى): هو المحل المبني فيه العلم ثلاثة أذرع من جميع جوانبه، إلا جمرة العقبة .. فليس لها إلا جهة واحدة.
واعتمد (م ر): إجزاء رمي العلم إذا وقع في المرمى، قال: لأن العامة لا يقصدون بذلك إلا فعل الواجب.
والسادس: إصابة المرمى يقيناً بفعله وإن لم يبق فيه.
(و) السابع: (أن يكون) الرمي (بين الزوال والغروب فيها) أي: أيام التشريق، وهو ضعيف، إلا أن يريد أنه لا يصح رمي كل يوم إلا بعد زواله لا قبله، ويؤيده ما يأتي.
(و) الثامن: (كون المرمي) به (حجراً) ولو ياقوتاً وإن رمى به في نحو خاتم ونقصت به قيمته؛ لأن حرمة ذلك لأمر خارج، وحجر حديد وبلور وعقيق وحجر ذهب وفضة لا نفسهما، ولا لؤلؤ وإثمد وحجر نورة وجص وزرنيخ ونحوها.
(و) التاسع: (أن يسمى رمياً) فلا يكفي الوضع في المرمى.
(و) العشر: (كونه باليد)؛ للاتباع، لا بنحو رجله أو قوسه مع القدرة عليه باليد، وبه يجمع بين من قال: يجوز، ومن قال: لا يجوز.
وإذا عجز عنه باليد .. قدم القوس فالرجل فالفم.
(وسننه) كثيرة فمنها: الموالاة.
و (أن يكون) باليد اليمنى، ويرفعها الذكر حتى يرى بياض إبطه، ويستقبل القبلة حال الرمي في أيام التشريق.
وكونه بحصى طاهر، و (بقدر حصى الخذف) -بخاء وذال معجمتين- وهو: قدر الباقلا؛ لخبر مسلم: "عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة"، ويكره دونه وفوقه، وأخذه من الحل ومن المرمى وموضع نجس وإن غسله؛ لبقاء استقذاره، وبهيئة الخذف.
стр. 609
ويصح بحجر ملء الكف وأكبر منه وإن لم ينقله إلا بيديه معاً.
ويجب على من عجز عنه لعذر يُسقِط القيام في فرض الصلاة إنابةُ من يرمي عنه ولو بأجرة فضلت عما يعتبر في الفطرة إن أيس ولو ظناً من القدرة عليه في أيام التشريق، وإلا .. أخره، ولو شفي بعد رمي النائب عنه .. لم تجب إعادته.
وشرط النائب كونه مكلفاً أو مميزاً بإِذن وليه قد رمى عن نفسه، فلا يرمي عنه في يوم إلا بعد رميه عن نفسه.
(ومن ترك رمي جمرة العقبة) يوم النحر كله أو بعضه (أو) رمي (بعض أيام التشريق) ولو بغير عذر .. جاز.
و (تداركه في باقيها) ولو في آخر يوم منها، يكون حينئذٍ أداءً في الأظهر؛ لأنه جوَّزه ﵊ للرعاة، ولو وقع قضاءً لما دخله التدارك، كالوقوف بعرفة ومبيت مزدلفة.
وأفهم قوله: (في باقيها) -أي: أيام التشريق- أنه ليس له تداركه ليلاً، والمعتمد: جوازه ليلاً وقبل الزوال.
بل جزم الرافعي وتبعه الإسنوي، وقال: إنه المعروف بجواز رمي كل يوم قبل زواله، وعليه فيدخل بالفجر.
(ومن أراد النفر) الأول (من منى في ثاني أيام التشريق .. جاز) ولا دم عليه؛ لآية (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) [البقرة:٢٠٣].
والأفضل: التأخير للنفر الثاني سيما الإمام إلا لعذر كخوف وغلاء؛ للاتباع.
قال الكردي: (وللنفر الأول ثمانية شروط ثلاثة منها تدخل في غيرها، فتعود لخمسة:
الأول: أن ينفر في اليوم الثاني من أيام التشريق.
الثاني: أن يكون بعد الزوال.
الثالث: أن يكون بعد جميع الرمي.
وعليه: فلا بد لمن رمى جمرة العقبة ثاني أيام التشريق من أن يعود إلى منى؛ ليكون نفره منها بعد جميع الرمي؛ لأنها خارج منى، وإلا .. لم يصح نفره الأوّل.
стр. 610
الرابع: أن يكون قد بات الليلتين قبله بمنى أو تركهما لعذر.
الخامس: أن ينوي النفر.
السادس: كون نية النفر مقارنة له، لكن يغني عن هذا نية النفر.
السابع: أن ينفر قبل الغروب، أي: تغرب بعد ارتحاله وإن لم ينفصل من منى، وكذا لو غربت وهو في شغل الارتحال عند (حج)، وإلا .. لزمه مبيت الثالثة ورمي يومها، ويغني عن هذا ذكر اليوم السابق أول الشروط.
ثامنها: أن لا يكون في عزمه العود إلى المبيت، وهذا يغني عنه ذكر النفر؛ لأنه مع العزم على العود لا يسمى نفراً) اهـ
فإن اختل شرط مما ذكر .. لم يجز له النفر الأول، ولزمه مبيت الثالثة ورمي يومها.
واعلم: أن في ترك مبيت الليالي الثلاث دماً، كترك ثلاث فأكثر من حصى الرمي، وفي واحدة منها مد طعام، وفي ثنتين مدان.
فإن عجز عن الإطعام .. ففي الواحدة صوم يومين يجب كونهما بعد أيام التشريق فوراً إن تعدى بالترك، وثلاثة إذا وصل وطنه، وفي الثنتين ثلاثة قبل رجوعه لوطنه، وخمسة إذا رجع.
ووجهه: أن في الثلاث عشرة أيام بدل الدم؛ لأنه دم ترتيب وتقدير، ففي الواحدة ثلث العشرة، وهو بتكميل المنكسر أربعة أيام، فيصوم ثلاثة أعشارها معجلاً، وهو بتكميل المنكسر يومان، وسبعة أعشارها إذا رجع، وهو ثلاثة بتكميل المنكسر، وقيل: بدل الحصاة ثلاثة أيام، وثلث ثلاثة أعشارها يوم، ولا كسر، وسبعة أعشارها ثلاثة بتكميل المنكسر، فالأوّل يكمل المنكسر قبل القسمة، والثاني بعدها.
وأمَّا وجوب المد هنا مع أن الدم دم ترتيب وتقدير، وهو لا إطعام فيه .. فلأنه لما ألحق بدم التمتع الذي لا يتصور وجوب بعضه، ولم يكن فيه إلا دم أو صوم، وتبعيض الدم عسر، وكذا الصوم؛ لما يلزمه من تكميل المنكسر، انتقل لجنس آخر أخف منهما؛ للسهولة، فنزل المد منزلة ما ناب عنه، وهو ثلث الدم في كونه مرتباً، فلا يعدل القادر عليه لثلث الصوم، ويجوز الدم عنه كما في "الحاشية".
ولو أخرج ثلث الدم في حصاة أو ثلثيه في حصاتين .. أجزأه.
* * *
стр. 611
(فصل:
للحج تحللان) ؛ لطول زمنه وكثرة أفعاله كالحيض، لما طال زمنه .. جعل له تحللان انقطاع الدم والغسل، بخلاف العمرة ليس لها إلا تحلل واحد، وهو الفراغ من جميع أركانها؛ لقصر زمنها غالباً كالجنابة.
(الأوّل: يحصل باثنين من) ثلاثة، وهي (رمي جمرة العقبة، والحلق) أي: إزالة ثلاث شعرات فأكثر.
(وطواف الإفاضة) المتبوع بالسعي لمن لن يسع بعد طواف القدوم يقدم ما شاء منها؛ بناءً على أن الحلق نسك، وإلا .. فالتحلل الأول يحصل بواحد من رمي وطواف، ويمتنع الحلق إلا بعد واحد منهما.
(وبالثالث) من الثلاثة المذكورة (يحصل التحلل الثاني، ويحل بالأوّل جميع المحرمات) على المحرم (إلا النكاح) أي: الوطء (وعقده والمباشرة بشهوة و) يحل (بالتحلل الثاني باقيها) إجماعاً، وهي الثلاثة المذكورة.
ويجب عليه الإتيان بما بقي من النسك من رمي ومبيت، وهو غير محرم، كما يأتي المصلي بالتسليمة الثانية بعد خروجه من الصلاة.
وندب بين التحللين تطيب ودهن ولبس، وندب أيضاً تأخير وطء عن أيام منى.
ومن فاته الرمي .. توقف التحلل على بدله ولو صوماً؛ تنزيلاً للبدل منزلة المبدل.
وإنما لم يتوقف تحلل المحصر عليه؛ لأنه ليس له إلا تحلل واحد، فيشق بقاؤه محرماً من سائر الوجوه، بخلافه هنا.
وهل يجوز أزالة شعر البدن والظفر بالحلق أو سقوطه عمن لا شعر برأسه كما اعتمده البلقيني؟
وعليه: فللحج ثلاثة تحللات:
أوّل: وهو الحلق أو سقوطه، فيحل به أزالة جميع شعور البدن وظفره.
стр. 612
وثان: يحل به ما عدا ما يتعلق بالنساء من عقد ووطء ومباشرة.
وثالث: فيحل به ما بقي.
وجرى الزركشي وتبعه عبد الرؤوف وابن جمال على جواز إزالة شعور البدن بدخول وقت التحلل وإن لم يفعل شيئاً من الثلاثة.
وجرى في "التحفة" و"الإيعاب" على: عدم حل ذلك إلا باثنين من الثلاثة.
* * *
(فصل) في أوجه أداء النسكين .
(ويؤدي النسكان) أي: الحج والعمرة (على أوجه)؛ لأنه إمَّا يحرم بهما معاً، أو يبدأ بحج أو بعمرة.
(أفضلها: الإفراد)؛ لأن رواته أكثر، ولأن جابراً منهم، وهو أقدم صحبة وأشد عناية بضبط المناسك، ولأنه ﷺ اختاره أوّلاً، وللإجماع على أنه لا كراهة فيه ولا دم، بخلاف التمتع والقران، والجبر دليل النقص.
قال في "التحفة": ولأن بقية الروايات يمكن ردّها إليه.
ومحل أفضليته: (إن اعتمر في سنة الحج) بأن لا يؤخرها عن ذي الحجة، وإلا .. كان كل منهما افضل منه؛ لكراهة تأخيرها عن سنته وإن أطال السبكي في أنه أفضل وإن اعتمر في سنة أخرى؛ لأنه لم ينقل عن فعله ﷺ اعتمار بعد حجه.
قال الكردي: ومن صور الإفراد الفاضل بالنسبة للتمتع الموجب للدم ما لو اعتمر قبل أشهر الحج ثم حج من عامه، لكنها مفضولة بالنسبة للإتيان بالعمرة بعد الحج فيما بقي من ذي الحجة، ويسمى ذلك تمتعاً أيضاً.
(وهو) أي: الإفراد الأفضل (أن يحج) أولاً (ثم) بعد الفراغ من الحج (يعتمر) من سنته.
وقد يطلق الإفراد على الإتيان بالحج وحده، وعلى ما إذا اعتمر قبل أشهر الحج ثم حج، فهو من صور الإفراد الفاضل، كما مر.
стр. 613
(ثم) يليه في الفضلية (التمتع، وهو أن يعتمر) أوّلاً في أشهر الحج أو قبلها (ثم) بعد فراغها (يحج).
سمي تمتعاً؛ لتمتعه بسقوط عوده للإحرام بالحج من ميقات طريقه، وقيل لتمتعه بين النسكين بما كان ممنوعاً منه.
(ثم) بعدهما (القران بأن يحرم بهما) أي: الحج والعمرة معاً (أو بالعمرة) وحدها، ولو قبل اشهر الحج (ثم يحرم بالحج قبل) شروعه في (الطواف) ثم الحج وحده ثم العمرة وحدها.
أمَّا بعد شروعه فيه ولو بخطوة .. فلا يصح إدخاله عليها؛ لأخذه في اسباب التحلل، ولا يؤثر استلامه الحجر بينة الطواف.
وشمل ما لو أفسد العمرة ثم أدخل عليها الحج، فينعقد إحرامه به فاسداً، ويلزمه المضي وقضاء النسكين، والإثم؛ لتلبسه بعبادة فاسدة، ولا يجوز عكسه؛ إذ لا يستفيد به شيئاً آخر.
(ويجب على المتمتع دم) إجماعاً؛ لربحه الميقات؛ إذ لو أحرم أوّلاً بالحج من ميقات طريقه .. لاحتاج بعده أن يحرم بالعمرة من أدنى الحل، وبالتمتع لا يخرج من مكة، بل يحرم بالحج منها.
وبهذا علم: أن من كرر العمرة في أشهر الحج أنه لا يتكرر عليه وإن أخرج الدم قبل التكرر؛ لأن ربحه الميقات بالمعنى المذكور لم يتكرر.
والدم هنا وحيث طلق شاة أضحية، أو ما يقوم مقامها.
وإنما تجب الدم (بأربعة شروط:
الأوّل: أن لا يكون من أهل الحرم، ولا بينه) أي: بين مسكنه (وبين الحرم دون مسافة القصر)؛ لآية (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [البقرة:١٩٦].
وأهله: من استوطنوا محلاً دون مرحلتين من مكة، والأصح من الحرم؛ لأن المسجد الحرام في كل موضع في القرآن المراد به جميع الحرم، إلا في آية، (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [البقرة:١٤٤] وأية (سُبْحَانَ) [الإسراء:١] فالمراد به: الكعبة في الأول وحقيقته
стр. 614
في الثاني، ولأن من على دون مسافة القصر من محل كالحاضر فيه، بل حاضر له، قال تعالى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْر) [الأعراف:١٦٣]، أي: أيلة، وهي ليست عند البحر، بل قريبة منه.
ومن لمسكنه طريقان إلى الحرم أحدهما دون مرحلتين .. فهو حاضر؛ إذ الأصل براءة الذمة من الدم.
فمن جاوز الميقات غير مريد نسك ثم اعتمر حين عنّ له بمكة أو قربها .. لزمه دم على المعتمد؛ لآنه ليس من الحاضرين، لعدم الاستيطان.
(الثاني: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج) من ميقات طريقه، ويفرغ منها ثم يحرم بالحج من مكة ولو أجيراً فيهما لشخصين، ثم إن أذنا له في التمتع .. فالدم عليهما، أو أحدهما .. فعليه نصفه وعلى الأجير نصفه، كما لو كان أحد النسكين له والآخر لغيره وإذن في القران.
فإن أحرم بها في غير أشهره ثم أتمها ولو في أشهره ثم حج في سنته .. لم يلزمه دم؛ لأنه لم يجمع بينهما في وقت الحج، فأشبه المفرد، ولأن دم العمرة منوط بربح الميقات، وبوقوع العمرة بتمامها في أشهر الحج؛ لأن الجاهلية كانوا لا يزاحمون بها الحج في وقت إمكانه، فرخص في التمتع للآفاقي مع الدم؛ لمشقة استدامة الإحرام من الميقات، وتعذر مجاوزته بلا إحرام.
ولو أحرم آفاقي بعمرة في أشهر الحج وأتمها، ثم قرن من عامه .. لزمه دمان كما قاله البغوي.
لكن صوّب السبكي: لزوم دم واحد للتمتع؛ لأن من وصل مكة فقرن أو تمتع .. فهو حاضر، أي: على الضعيف، القائل بعدم اشتراط الاستيطان في الحاضر ثم قال: نعم؛ إن قيل: الحاضر هو المستوطن .. استقام وجوب دمين مع احتمال فيه من جهة التداخل.
قال (حج) في "الحاشية": والتداخل احتمال له، لكن وجهه قوي، ويؤيده ما مر فيمن أفسد عمرته ثم أدخل عليها الحج.
(الثالث: أن يكونا) اي: الإحرام بالعمرة ثم بالحج (في سنة واحدة).
فلو اعتمر في سنة وحج في أخرى .. فلا دم.
стр. 615
(الرابع: أن لا يرجع إلى الميقات) الذي أحرم منه إحراماً جائزاً وإن لم يكن ميقاتاً، كأن لم يخطر له إلا قبيل دخول الحرم، فأحرم منه، فيكفيه العود إليه أو إلى مثل مسافته؛ لأنه ميقاته، أو إلى ميقات آخر ولو أقرب منه، أو إلى مسافة قصر، فإن لم يعد لشيء من ذلك .. لزمه الدم، وإن عاد له محرماً أو ليحرم منه .. فلا دم، بشرط عوده قبل تلبسه بنسك واجب كالوقوف، أو مندوب كطواف قدوم بأن يخرج المتمتع بعد فراغ عمرته من مكة لدون مسافة قصر منها، ثم يدخلها ولو حلالاً، ثم يطوف ولو بعد طواف القدوم.
قال في "الحاشية": أو طاف للوداع أي: بعد إحرامه بالحج عند خروجه لعرفة، فلا ينفعه العود إلى الميقات حينئذٍ؛ لأنه أتى بما يشبه التحلل.
وهذه الشروط تعتبر لوجوب الدم لا لتسميته تمتعاً.
(وعلى القارن دم، بشرطين:
الأول: أن لا يكون من أهل الحرم) أي: من حاضري المسجد الحرام كما تقدم في المتمتع؛ لأنه وجب بالقياس عليه، ودم التمتع لا يجب على الحاضر، ففرعه أولى، والجامع بينهما: الترفه فيهما.
فالمتمتع ترفه بربح ميقات الحج؛ لأنه يحرم به من مكة، ولو قدم الحج .. احتاج أن يحرم بالعمرة من أدنى الحل، كما مر.
والقارن ترفه بترك أحد الميقاتين أيضاً (ولأنه ﷺ ذبح عن نسائه البقر، وكن قارنات).
(الثاني: أن لا يعود إلى الميقات بعد دخول مكة) وقبل الوقوف بعرفة، فإن عاد قبل دخولها أو بعد الوقوف .. لم يسقط عنه الدم، أو بعد دخولها وقبل الوقوف .. سقط.
ومحله: إن لم يشرع في طواف القدوم، وإلا .. لم يسقط، كما في المتمتع، وإن لم يسع بعده كما اعتمداه في "الفتح" و"الشرح" و"الأسني".
لكن مال في "الحاشية" و"الإمداد" إلى أنه ينفعه العود ما لم يقف بعرفة.
وفرق في "الحاشية" بين المتمتع والقارن، كما بينته في "الأصل"، والله أعلم.
* * *
стр. 616
(فصل) في دم الترتيب والتقدير .
(ودم التمتع والقران وترك الإحرام من الميقات والرمي والمبيت بمزدلفة ومنى) وترك طواف الوداع ولو سهواً، ودم فوات عرفة، وناذر نحو المشي إذا أخلفه، وناذر نحو الحلق، والأجير المخالف لما استؤجر له وغيره مما في "الأصل".
(شاة أضحية) صفةً وسِنّاً -كما يأتي في الأضحية- ويجزئ سُبُع بدنه أو بقرة مما يجزئ ثمَّ، وهذا يجري في كل شاة واجبة، إلاَّ جزاء الصيد .. فلا تجزىء البدنة فيه عن شاة؛ لاعتبار المثل فيه.
ويكتفي في غيره ببدنة عن سبع شياه لزمت بأسباب مختلفة أو متحدة.
ويجب الدم في التمتع بفراغ عمرته وإحرامه بالحج، وإن كان الموجب له حقيقة إنما هو الإحرام بالحج؛ لأن ربح الميقات الذي هو سبب الدم إنما هو في الحج، لكن للإحرام بالعمرة دخل في الوجوب أيضاً، بدليل أنه لو وقع آخر جزء من رمضان .. لا يجب الدم وإن أوقع أعمال العمرة، وتحللها في أشهر الحج، وأحرم بالحج من عامه وربح فيه الميقات.
ويجوز تقديم دم التمتع لا صومه على الإحرام بالحج؛ لأن ما له سببان يجوز تقديمه على أحدهما، لا عليهما.
أمَّا الصوم .. فلا يجزئه إلا بعد الإحرام بالحج؛ لأنه عبادة بدنية، وهي لا يجوز تقديمها على وقتها.
وأمَّا ما ليس له إلا سبب واحد كالقران .. فيجب به، وإذا وجب .. فلا يسقط عن موسر بموته، كسائر الديون المستقرة، وكإفساده، ويخرج من تركته، وكذا صوم تمكن المعسر منه قبل موته، فيصام عنه أو يطعم عن كل يوم مد، فإن تمكن من بعض العشرة .. فقسطه.
ويحصل التمكن من صوم الثلاثة بأن يحرم بالحج ليلة السابع سليماً من مرض ونحوه، لا من سفر.
стр. 617
ولا يتعين في الإطعام صرفه إلى مساكين الحرم؛ لأنه بدل عن الصوم، وهو لا يختص بالحرم، بل يسن فيه.
والأفضل: ذبح الدم يوم النحر بمنى؛ للاتباع، ولا يتوقف دم الواجب على وقت، كما مر.
(فإن عجز) عن الدم، كأن لم يجده بموضعه وهو الحرم فقط، أو ما حواليه إلى حد الغوث مع الشك، أو إلى حد القرب مع اليقين، أو إلى دون مرحلتين على الخلاف في ذلك، أو وجده بأكثر من ثمنه كما في التيمم، أو غاب ماله إلى مسافة قصر، أو احتاج إلى صرفه في نحو مؤن سفره، أو ملبس أو مسكن.
ومن أمكنه الاقتراض .. أتى فيه ما مر قسم الصدقات.
( .. صام) وجوباً، وفيه ما مر في رمضان.
نعم؛ السفر هنا لا يمنع التمكن.
(عشرة ايام ثلاثة) منها (في الحج) قبل يوم النحر ولو مسافراً؛ للآية، هذا إن أحرم في زمن يسعها قبل يوم النحر، فإن لم يسع إلا بعضها .. وجب، وليس السفر هنا عذراً في أداء الثلاثة، بل يجب صومها ولو فيه، حيث لا ضرر.
أمَّا قضاؤها .. فهو عذر فيه، ولا يلزمه تقديم الإحرام؛ ليصومها.
وخرج بقولي: (قبل يوم النحر): ما لو أخرها عنه مع تمكنه من صومها قبله، فيأثم، وتكون قضاء.
وإن أخر التحلل عن أيام التشريق ثم صامها ثم تحلل .. صدق عليه أنه صامها في الحج؛ لندرته، فلا يراد من الآية، ويلزمه قضاء ما أمكنه صومه فوراً.
وندب له الإحرام بالحج قبل سادس ذي الحجة؛ ليتم صومها قبل يوم عرفة، إذ يسن له فطره.
ولو علم أنه يجد الدم قبل فراغ صومه .. لم يجب انتظاره، لكن يسن، وإذا لم يجده .. لم يجز انتظاره إن ضاق الوقت عن أداء الثلاث، وإلا .. ندب إن رجاه، ولو وجده قبل الشروع في الصوم .. وجب ذبحه، أو بعد الشروع فيه .. لم يجب، لكنه يسن.
ومحل صوم الثلاثة فيما ذكر إن تصور صومها فيه، كما في دم تمتع وقران وترك إحرام
стр. 618
من الميقات ودم الفوات؛ إذ صومه إنما يفعل في سنة القضاء، وناذر المشي أو الركوب إذا أخلفه، وإلا .. كالبقية، فيصوم الثلاثة بعد أيام التشريق، فإن فعلها عقبها .. فأداء، وإلا .. فقضاء، إلا طواف الوداع؛ فوجوب صوم الثلاثة فيه بوصوله وطنه أو مسافة القصر، فهذا وقت أدائه.
أمًّا العمرة إذا ترك إحرامها من الميقات أو أخلف نحو المشي المنذور فيها، فإن أحرم بها وقد بقي بينه وبين مكة ما يسع الثلاثة .. وجب صومها حينئذٍ، وإلا .. جاز تأخير صومها بعد التحلل منها.
(وسبعة إذا رجع إلى وطنه) أو ما يريد توطنه ولو مكة؛ للآية، ولِمَا صح من أمر المتمتعين الفاقدين الهدي بذلك، وندب توالي صومها وصوم الثلاثة إلا لعارض؛ كأن أحرم ليلة السابع، فيجب تواليها لضيق الوقت.
قال الشرقاوي: (فلو شرع في السبعة في مكة مثلاً؛ لقصده توطنها، ثم أعرض عن توطنها قبل تمامها وسافر .. فالظاهر جواز إتمامها في السفر، نقله الرحماني عن "سم") اهـ
وهو ظاهر، وإن استظهر (ب ج) خلافه؛ لأن صومها مشروط بالرجوع إلى وطنه، وقد رجع إليه.
ومنه يؤخذ أيضاً: أن من رجع لوطنه ثم سافر جاز له صومها في السفر، ومتى صام هذه السبعة .. فأداء؛ إذ لا يتصور فيها القضاء إلا بالموت، فإذا صامها عن ميته .. فقضاء، وندب تتابعها كالأداء، ولو فاتته الثلاثة .. لزمه أن يفرق في قضائها بينها وبين السبعة بقدر تفريق الأداء، وإن كان الفوات بعذر وهو فيمن يتصور منه صوم الثلاثة في الحج كالمتمتع أربعة أيام.
ومدة إمكان السير إلى وطنه على العادة الغالبة، ومن ذلك إقامة الحجاج بنحو مكة، فيفرق بها مع مدة إمكان السير.
أمَّا من لا يتصور منه صومها في الحج، كمن ترك رمي الجمار، فإن كان مكَّياً .. لزمه التفريق بين الثلاثة والسبعة بأقل ممكن، وهو يوم فقط؛ إذ لا سير حتى تعتبر مدته، وصومه لم يجب قبل يوم النحر أصالة حتى تعتبر الأربعة.
وإن كات آفاقياً .. فرَّق بقدر مدة السير فقط.
стр. 619
وعبارة "الفتح": وصوم الثلاثة في ترك نحو الرمي لا يمكن قبل الحج، فيجب بعد أيام التشريق موسعاً على الأوجه، كمن ترك صومها في الحج لعذر.
قال الشرقاوي: (وإذا لم يتمكن من صومها قبل عرفة .. فهي أداء) اهـ
قال الونائي: ولو صام العشرة ولاءً .. حصلت الثلاثة فقط، أو قدم السبعة على الثلاثة .. لم يقع منها ثلاثة عن الثلاثة؛ للصارف.
وإذا أخَّر الصوم لوطنه .. وجب صوم الثلاثة فوراً، فإن صام الثلاثة بمكة، فإن مكث أربعة أيام بعد الصوم ثم سافر .. فله صوم السبعة عقب وصوله وطنه، أو صامها في الطريق .. صبر بعد وصوله وطنه أربعة أيام، وقدر ما ساره من أيام الطريق.
* * *
(فصل) في محرمات الإحرام .
وحكمة تحريمها: الخروج عن العادة؛ ليذكر ما هو فيه من العبادة، والذهاب إلى الموقف في حالة أَرثَّ من هذه، فيحمله على الإخلاص والالتجاء إليه تعالى في الإقالة من الذنوب والتوفيق.
(يحرم بالإحرام) الذي هو نية الدخول في النسك، أو نفس الدخول فيه بالنية كما مر.
(ستة أنواع) وجعلها في "التوضيح" سبعة بزيادة عقد النكاح.
(أحدها): اللبس على الرجل والمرأة.
فأمَّا الرجل فإنه (يحرم على الرجل) المحرم المميز العامد العالم بالتحريم والإحرام المختار الذي لم يتحلل شيئان:
الأول: (ستر رأسه) كله (أو بعضه) وإن قل، ومنه البياض المحاذي لأعلى الأذن، لا المحاذي لشحمة الأذن، وكابتداء اللبس استدامتُه.
وإنما يحرم بما يعد ساتراً عرفاً وإن حكى لون البشرة ولو لغير محيط، كعصابة عريضة بحيث لا تقارب الخيط، وحناء ثخين؛ للنهي الصحيح عن تغطية رأس الميت المحرم، بخلاف ما لا يعدّ ساتراً، فلا يضر، كخيط دقيق وتوسد نحو عمامة، ووضع يده أو يد غيره على رأسه إن لم يقصد الستر بها، وكذا إن قصده كما في "الفتح"، وانغماس في
стр. 620
ماء ولو كدراً، وحمل نحو زنبيل لم يقصد به الستر ولم يسترخ على رأسه كالقلنسوة، وإلا .. حرم، ولزمت به الفدية إن لم يكن فيه شيء، وإلا .. لم يضر.
والاستظلال بنحو محمل وإن مس رأسه وقصد به الستر، ولو كان به قرح فشده بخرقة بلا عقد .. فلا فدية إن لم تكن برأسه، وإلا .. لزمت، فإن احتاج لعقدها .. جاز مع الفدية ولو في غير الرأس، أمَّا عقد خيط عليها .. فلا فدية به.
(و) الثاني: (لبس المحيط) -بالمهملة- سواء أحاط (ببدنه) كله (أو بعضو منه) كخريطة للحيته، سواء كان شفافاً كزجاج أم مخيطاً كقميص، أم معقوداً، أم ملزوقاً كثوب من اللبد، أم منسوجاً، أم مشكوكاً، أم مزرراً.
وإنما يحرم لبسه على الوجه المعتاد كوضع نحو فرجيه على منكبيه وإن لم يدخل يديه في كميه وقصر الزمن؛ لأنه يستمسك بذلك لو قام، فيعد لابساً له، بخلاف ما لو اتزر أو ارتدى بقميص أو قباء، أو التحف بهما أو وضع عليه وهو مضطجع.
ومنه يؤخذ: أنه لا يحرم دخوله في كيس النوم إن لم يستر رأسه؛ إذ لا يستمسك عند قيامه، ولا في إدخاله رجله في ساق الخف دون قراره، ولا يضر لف عمامة بوسطه بلا عقد، ولبس خاتم، واحتباءٌ بحبوة وإن عرضت جداً، وإدخال يديه في كم نحو قباء وإن رفعهما لصدره؛ لعدم الاستمساك عند إرسالهما، ولبس السراويل في أحد رجليه، وشد نحو سيف ومنطقة بوسطه، وعقد إزار بتكة في حجزته؛ لحاجة إحكامه.
والحاصل: أن له عقد طرفي إزاره، وربط خيط عليه ويعقده، وعقد التكة، ولف عمامة على إزاره بلا عقد، وغرز طرفي ردائه في إزاره، ولا يجوز عقد طرف ردائه بطرفه الآخر أو خلهما بخلال.
(و) يحرم (على المرأة) -ولو أمة بشروط الرجل السابقة- شيئان:
الأوّل: (ستر وجهها) بما مرَّ في ستر رأس الرجل؛ لنهيها عن النقاب، وحكمته: أنها تستره غالباً، فأمرت بكشفه؛ لمخالفة عادتها.
نعم؛ يعفى عما تستره من الوجه؛ احتياطاً للرأس ولو أمة عند (حج)؛ إذ ما لا يتم الواجب إلا به .. واجب، ولها أن ترخي على وجهها ثوباً متجافياً عنه بنحو أعواد ولو لغير حاجة.
فلو سقط الثوب على وجهها بلا اختيارها، فإن رفعته فوراً .. فلا شيء عليها، وإلا .. أثمت، وفدت إن أدامته أو قصَّرت في إحكامه.
стр. 621
(و) الثاني: (لبس القفازين) بالكفين أو أحدهما بأحدهما على الأظهر.
قال في "التحفة": (للنهي الصحيح عنهما، لكن أعل بأنه من قول الراوي، ومن ثم انتصر للمقابل بأن عليه أكثر أهل العلم.
و (القفاز): شيء يحشى بقطن، ويزر بأزرار على الساعد؛ ليقيها من البرد، والمراد هنا: المحشو والمزرور وغيرهما) اهـ
ولها أن تلف خرقة على كل من يديها وتشدها وتعقدها، وللرجل شدها بلا عقد.
وأمَّا رجل الرجل .. فقال الكردي: (اعتمد (حج) في "تحفته" و"إيعابه": أن ما ظهر منه العقب ورؤوس الأصابع يحل مطلقاً، وما ستر أحدهما فقط لا يحل إلا مع فقد النعلين، وكلامه في غيرهما ككلام غيره أنه عند فقد النعلين إنما يشترط: ظهور الكعبين فما فوقهما دون ما تحتهما من الأصابع والعقب وغيرهما) اهـ
وظاهر كلامهم: أنه يجوز لبس ذلك وإن لم يحتج إليه إلا لمجرد اللبس.
لكن في "شرحي الإرشاد" كـ"النهاية": أنه لا بد من أدنى حاجة كبرد وخوف تنجس رجله.
نعم؛ يجوز لبس السراويل إن فقد غيره مما يستر عورته، ولا فدية؛ للضرورة.
فإن احتاج لمرض ونحوه للبس غيره .. جاز مع الفدية؛ إذ الحاجة تدفع الإثم لا الفدية، والضرورة تدفعهما.
وخرج بـ (المميز وما بعده): غير المميز، والناسي، والجاهل بما يخفى عليه عادة، والمكره، فلا فدية ولا إثم عليهم إلا السكران.
(الثاني: الطيب) أي: التطيب به للرجل وغيره ولو أخشم (في) ظاهر (بدنه) أو باطنه، كأن أكله أو استعط به.
(أو ثوبه) أي: ملبوسه مما لا يصح السجود عليه أو ما ينسب إليه في الصلاة بالنسبة للطهارة وإن جاز السجود عليه كمنديل، فيشمل حتى النعل؛ للنهي الصحيح عنه في الثوب، وقيس به البدن.
والمراد بـ (الطيب): ما يقصد ريحه غالباً، كمسك وعود وورس وكافور وعنبر وصندل وبنفسج ونرجس وبان وريحان وسوسن ونمام وفاغية ولو يابسة بقيت فيه رائحة تظهر ولو بالرش.
стр. 622
بخلاف ما يقصد منه التداوي أو الإصلاح أو الأكل وإن كان له رائحة طيبة، كالفواكه طيبة الرائحة كسفرجل وتفاح وأترج ونارنج أو قرفة وقرنفل وسنبل ومحلب ومصطكى وغيرها من الأدوية.
قال في "الحاشية": ويتردد النظر في اللبان الجاوي، وأكثر الناس يعدونه طيباً، وكذا الشيح والقيصوم والشقائق وسائر أزهار البراري التي لا تستنبت قصداً للتطيب.
وأمَّا الأدهان، فدهن هو طيب كدهن الورد والبنفسج .. فيحرم استعماله في بدن وثوب، وكذا دهن البان المخلوط بالطيب فهو طيب، ودهن غير طيب كزيت وشيرج وسمن وزبد وشحم وشمع وغيرها مما ليس مخلوطاً بطيب.
والمراد باستعماله أن يستعمله على الوجه المعتاد في ذلك الطيب لا بالنسبة لمحله، فلا يرد أن نحو الاحتقان به غير معتاد.
قال العلامة الكردي: (الطيب على أربعة أقسام:
أحدها: ما اعتيد التطيب به بالتبخر كالعود، فيحرم وصول عين من الدخان إلى بدن المحرم أو ثوبه وإن لم يحتو عليه، ولا يحرم بغير ذلك كأكله وحمله.
ثانيها: ما اعتيد التطيب به باستهلاك عينه، إمَّا بصبه على البدن أو الثوب وبغمسهما فيه، فالتعبير بالصب جري على الغالب، وذلك كماء الورد، فهذا لا يحرم حمله ولا شمه حيث لم يصب بدنه أو ثوبه منه شيء.
ثالثها: ما اعتيد التطيب به بوضع أنفه عليه أو عكسه كالورد وسائر الرياحين، فهذا لا يحرم حمله في بدنه أو ثوبه وإن كان يجد ريحه.
رابعها: ما اعتيد التطيب به بحمله، وذلك كالمسك ونحوه، فيحرم حمله في ثوبه أو بدنه، فإن وضعه في نحو خرقة أو قارورة وحمله في ثوبه أو بدنه .. فلا يحرم إن كان مشدوداً عليه وإن ظهر ريحه، أو مفتوحاً ولو يسيراً .. حرم، ما لم يقصد مجرد نقله ولم يشده بثوبه، وإلا .. فلا حرمة) اهـ
ولا يضر مجرد مس الطيب من غير أن يعلق ببدنه أو ثوبه شيء من عين الطيب، وكذا علوق نحو الرياحين من غير وضعه على أنفه.
ولا يضر ظهور لون ما علق به من الطيب وحده، بخلاف الريح؛ لأنه المقصود الأعظم من الطيب.
стр. 623
ولا يضر جلوس في حانوت عطار أو موضع يبخر إن عبقت به الرائحة دون العين.
نعم؛ إن قصد اشتمام الرائحة .. كره.
(الثالث: دَهن) بفتح الدال (شعر الرأس واللحية) أي: فقط، فلا يحرم غيرهما من بقية شعور الوجه.
قال الكردي: (وهو الأقرب إلى المنقول من خمسة آراء:
ثانيها: إلحاق جميع شعور الوجه بهما، واعتمده في "شروح المنهج" و"الروض" و"البهجة"، و (م ر) في "شروح المنهاج" و"البهجة" و"الدلجية".
ثالثها: جميع شعور الوجه إلا شعر جبهة وخد، واعتمده في "التحفة"، و"شرحي الإرشاد".
رابعها: إخراج ما لم يتصل باللحية، كحاجب وهدب وما على الجبهة، وعليه الولي العراقي والخطيب.
خامسها: إخراج شعر خدٍّ وجبهة وأنف كما في "الحاشية" و"شرح المختصر" لعبد الرؤوف، وهو الأقرب للمَدْرك) اهـ
فيحرم الدَّهن؛ لما ذكر على الخلاف -ولو من امرأة- وإن كان محلوقاً أو أمرداً في أول ظهور نبات لحيته، بخلاف رأس نحو أصلع وأقرع وبقية شعور البدن، وشجةٍ برأسه جعل الدهن بباطنها؛ لانتفاء التنمية والتزيين في ذلك بالدهن.
و (الدهن): هو ما مر من زيت وشيرج وغيرهما، ومما يغفل عنه تلويث نحو الشارب عند أكل الدسم، فإنه حرام مع العلم والعمد والاختيار.
لكن إنما يحرم على غير القول الأول؛ إذ لا حرمة عليه في غير شعر رأس ولحية، كما لو جهل حرمته حتى على غيره من بقية الأقوال.
وإنما حرم الدهن؛ لخبر المحرم: "أشعث أغبر"، أي: شأنه ذلك كما في "الشرح".
لكن قال الكردي: لم أقف عليه بهذا اللفظ، ولفظ ما وقفت عليه: "الحاج الشعث التفل".
و (الشعث): تلبد الشعر المغبر، و (التفل) كريه الرائحة.
أمَّا ما ليس بطيب ولا دهن، كخضب لحيته أو رأسه بنحو حناء رقيق .. فلا يحرم،
стр. 624
ولا يكره غسل رأسه وبدنه بنحو سدر؛ لأنه لإزالة الوسخ لا للتنمية.
نعم؛ الأولى تركه حتى في ملبوسه ما لم يفحش وسخه.
وليحذر عند غسل رأسه من إزالة شيء من شعره.
وكره اكتحال بنحو إثمد؛ لما فيه من الزينة، لا بنحو توتياء، ولا يحرم أخذ قمل نحو لحيته ولا نحو حجامة لم يزل به شعر أو زال به مع احتياج إليه مع الفدية.
ولو دهنه أو طيبه غيره، فإن كان قادراً على الدفع أو أذن فيه .. فعليه الفدية، وإلا .. فعلى الفاعل، ومثله: الحلق والقلم.
تنبيه: ظاهر قوله: (شعر راسه): أنه ثلاث، وليس مراداً، بل ولو شعرة أو بعضها، وفيه دم كامل.
(الرابع: إزالة) شيء من (الشعر) -بسكون العين، وجمعه: شعور، كفلس وفلوس- وبفتحها، وجمعه أشعار، كسبب وأسباب، وهو مذكر، واحده: شعرة، وإنما جمع؛ تشبيهاً لاسم الجنس بالمفرد.
(و) من (الظفر) الواو بمعنى: أو، أي: من أحدهما وإن قل ولو من شعر غير رأس ولحية، أو الظفر من أصبع زائدة بقص أو نتف أو إحراق أو غيرها ولو بدواء علم كونه مزيلاً؛ لآية (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ) [البقرة:١٩٦]، أي: شيئاً من شعرها.
وألحق بشعر الرؤوس: شعر بقية البدن والظفر بجامع الترفه في إزالة كل المنافي كون المحرم أشعث أغبر.
نعم؛ محل ذلك حيث لم يكن المزال من الشعر والظفر تابعاً لمحله، وإلا .. فلا حرمة ولا فدية لكن تسن، وحيث لا ضرورة، وإلا .. فلا حرمة ولا فدية في قلع شعر نبت داخل العين أو غطاها، وظفر انكسر وتأذى به، فلا فدية وإن خرج بإخراجه غيره؛ للضرورة وما هو بسببها لا فدية فيه، كما مر.
ولا يلزمه شراء نعل أو إزار نسيئة، ويلزمه قبول عاريتهما.
ومن المحرم أيضاً: مقدمات الجماع على مكلف عامد عالم مختار، كمفاخذة وقبلة ومعانقة بشهوة ولو بحائل وإن لم ينزل ولو بين التحللين، وفيها بلا حائل وإن لم ينزل الفدية، مع الحرمة ولو من صغير، ويحرم تمكينه من ذلك ولو على حلال، وتجب الفدية مع الحرمة بالاستمناء بيده أو غيرها إن أنزل.
стр. 625
وقضية إطلاقهم المباشرة: شمولها لما لم ينقض كمحرم وأمرد.
قال (ب ج): وبه صرح النووي، وهو مخالف لما مر في بطلان الصوم بها.
وفي حاشية الشرقاوي: لا بد من كونها بما ينقض الوضوء.
ونقله في "المنح" عن "الماوردي"، ثم قال: وليس كذلك كما يصرح به كلام المصنف، وهذا في الفدية.
أمَّا الحرمة مع لشهوة .. فمطلقاً ولو تعددت المقدمات من نوع أو أنواع، فإن اتحد الزمان والمكان .. ففدية واحدة، وإلا .. تعددت، لكن يندرج دم المقدمات في بدنة الجماع أو شاته وإن تخلل بينه وبين المقدمات زمن طويل، سواء تقدم الجماع عليها أم تأخر كما يندرج الأصغر في الأكبر، سواء تقدم موجبه، أم تأخر، لكن قيده بعضهم بما قبل الجماع.
ودم الأربعة المذكورة في المتن ودم المباشرة والجماع غير المفسد دم تخيير وتقدير.
وحينئذٍ (فإن لبس) أي: المحرم بقيوده السابقة (أو تطيب أو دهن) ولو بعض (شعرة) من رأسه أو لحيته، أو جامع بعد الإفساد أو بين التحللين (أو باشر بشهوة) ولو لما لا ينقض وإن لم ينزل (أو استمنى) أي: استدعى خروجه بأي وجه (فأنزل) .. لزمه الدم إن كان (عامداً عالماً) بالإحرام والتحريم، أو قصّر في التعلم (مختاراً)، وإلا .. فلا فدية ولا حرمة، وبكون الممسوس دهناً أو طيباً.
فإن علم التحريم وجهل وجوب الفدية .. (لزمته)؛ إذ حقه الامتناع، وإن علمه بعد نحو اللبس وأخر إزالته فوراً .. عصى، ولزمته الفدية أيضاً، وكذا تلزمه إن لبس أو تستر لحاجة نحو برد، ولا إثم.
ولو ادعى الجهل بتحريم الطيب أو الدهن .. قبل منه؛ لأنه مما شأنه أن يخفى على العوام كما في "الإيعاب"، وإن كان ظاهر "الإمداد" كـ"النهاية": أن المخالط لا يعذر، وهذا في الظاهر، أمَّا الباطن .. فالعبرة بما في نفس الأمر، فالجاهل لا تلزمه الفدية، وإلا .. لزمته.
قال الكردي: المحرمات أربعة أقسام:
الأول: ما يباح للحاجة ولا حرمة فيه ولا فدية، وهو لبس السراويل؛ لفقد الإزار،
стр. 626
والخف المقطوع لفقد النعل، وعقد خرقة على ذكر سلس لم يستمسك بغير ذلك واستدامة ما لبّد به شعر رأسه أو تطيب به قبل الإحرام.
وحمل نحو مسك بقصد النقل إن قصر زمنه، وإزالة شعر بجلده والنابت في العين ومغطيها، والظفر بعضوه والمؤذي بنحو كسر وقتل صيد صائل، ووطء جراد عمَّ المسالك، والتعرض لنحو بيض صيد وضعه في فراشه ولم يمكن دفعه إلا به، أو لم يعلم به فتلف، وتخليص صيد من فم سبع فمات، وما فعله من الترفه كلبس وتطيب ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً.
الثاني: ما فيه الإثم ولا فدية، كعقد نكاح ومباشرة بشهوة بحائل على ما مر، والنظر بشهوة، والإعانة على قتل صيد ولو لحلال، والأكل من صيد صاده غيره له أو تسبب فيه، وقبضه صيداً بنحو شراء أو اصطياد ولم يتلف، ومجرد تنفير الصيد، وفعل محرم من محرمات الإحرام بميت محرم.
الثالث: وهو ما فيه الفدية ولا إثم، وذلك فيما إذا احتاج الرجل إلى اللبس أو المرأة لستر وجهها أو إلى إزالة شعر أو ظفر؛ لنحو مرض، أو أتلف نحو شعر جهلاً وهو مميز، أو نفر صيداً بغير قصد، وتلف به أو اضطر إلى ذبح صيد؛ لجوع، أو تلف صيد برفس دابة معه أو عضه بلا تقصير.
والحاصل: أنَّ ما أبيح للحاجة المبيحة لفعله غير ما مر في القسمين السابقين فيه الفدية ولا إثم، والحاجة هنا ما فيه مشقة شديدة لا يحتمل مثلها وإن لم تبح التيمم.
الرابع: ما فيه الإثم والفدية، وهو باقي المحرمات.
(أو أزال) أي: المحرم المميز (ثلاثة أظفار أو أكثر) من ثلاثة ولو جميع الأظفار، أو بعض كل من ثلاثة أو أكثر (متواليات، أو ثلاث شعرات أو أكثر) أو جزءاً من كل ثلاث أو أكثر (متواليات) بأن اتحد محل إزالتها وزمانها.
(ولو) كان مزيلها (ناسياً) للإحرام أو التحريم أو جاهلاً بحرمته ( .. وجب) عليه الدم الآتي؛ للآية، وأقل الشعر: ثلاث، والاستيعاب هنا غير معتبر إجماعاً.
وإذا لزمت الفدية مع العذر .. فمع غيره أولى، ومن ثم لزمت الفدية هنا كما في الصيد وغيره من الإتلافات نحو ناس وجاهل وولي صبي مميز، لا نحو مجنون ونائم
стр. 627
وغير مميز؛ إذ لا تقصير منهم بوجه، وإن كان قاعدة ضمان الإتلاف .. لا فرق فيها؛ لكونه من خطاب الوضع الذي لا فرق فيه بين عالم وغيره، لكن خفف عن غير المميز كمجنون ونائم؛ لأن القاعدة: أن ما كان إتلافاً محضاً، كقتل الصيد أو المغلب فيه جانب الإتلاف كالحلق والقلم .. تجب فيه الفدية مطلقاً إلا في نحو مجنون، وما كان تمتعاً محضاً، كاللبس، أو المغلب فيه جانب التمتع كالجماع .. لا فدية فيه إلا على عالم عامد مختار.
وله تسريح شعره برفق ما لم يظن الانتتاف به، ولذي الحكة كجرب أن يحك نحو رأسه إن لم يقدر على الصبر عنه، ولا فدية؛ لأنه ضرورة.
واعلم: أن دماء محظورات الإحرام لا تتداخل مطلقاً فيما يقابل بمثل، كالصيد ونحوه كالأشجار؛ إذ النظر للمماثلة أو نحوها ينافي التداخل، وكذا الجماع.
ففي الأوّل منه قبل التحلل الأوّل بدنة، وفيه فيما بعد الجماع الأول، أو بين التحلين في كل جماع شاة وإن تواليا؛ لمزيد التغليظ فيه.
نعم؛ يندرج واجب مقدماته فيه كما مر.
ومحل التعدد به إن قضى بكل وطراً، فإن كان ينزع ويعود على التوالي عرفاً .. فالكل جماع واحد وإن كان غير الثلاثة المذكورة، فإن تخلل فيه بين الأول والثاني تكفير .. فلا تداخل وإن نوى بالكفارة عن الماضي والمستقبل، وإن لم يتخلل .. فلا تداخل في نوعين وإن اتحد زمانهما ومكانهما ما لم يتحد الفعل، كأن لبس ثوباً مطيباً دهيناً، فتندرج فدية الطيب والدهن في فدية اللبس.
وكذا لا تداخل في نوع واحد، كأن لبس قميصاً وعمامة وسراويل، أو حلق رأسه وذقنه وبدنه إلا إن اتحد زمان ذلك ومكانه.
فتحصَّل: أن لا تداخل في القيم الثلاثة الأُوّل مطلقاً، ولا في غيرها في نوعين فأكثر إلا إن اتحد الفعل، ولا في نوع إلا إن اتحد زمان ومكان بشرط أن لا يتخلل تكفير بينهما في الصورتين.
ولا يقدح في التوالي طول الزمن في مضاعفة اللباس بعضه فوق بعض، وتكوير العمامة والكلام حيث ستر اللاحق ما لم يستره ما قبله، وإلا .. فلا تعدد مطلقاً.
قال الكردي: (وللشافعي قول قديم بعدم تعدد الفدية بتعدد الأفعال إن لم يتخلل تكفير.
стр. 628
قال في "الروضة": فإن قلنا بالجديد .. فجمعهما سبب واحد، كأن تطيب أو لبس مراراً لمرض واحد، فوجهان أصحهما تعدد الفدية، والقديم صححه الشيخ في منسك له صغير، والجيلي، وقطع به البندنيجي، قال: سواء اتحد سببهما أم اختلف ما لم يكفر عن الأول.
قال المحب: وهذا أصلح للناس سيما في ساتر الرأس، فإنه يشق ملازمته، ويحتاج لإزالته في الطهارة) اهـ
والمالكية أوسع دائرة من غيرهم إلى أخر ما أطال به عنهم مما حاصله: (أنه إذا فعل موجبات الفدية بأن لبس وحلق وقلم وتطيب .. فتتحد الفدية إذا كان نيته فعل جميع ما يحتاج إليه من موجبات الفدية ونوى التكرار، وإن لبس ثوبه ثم نزعه للنوم ليلبسه إذا استيقظ، أو ليلبس غيره .. فعل واحد) اهـ
ولو لبس عمامة لحاجة وخلعها لغسل جنابة أو كشف بعض رأسه لنحو مسحه في الوضوء .. لم تتعدد الفدية بذلك وإن تعدد مراراً كما في "الحاشية".
قال الكردي: (ونظر فيه عبد الرؤوف، وأجاب عنه ابن الجمال، وهذا بالنسبة إلى الغسل، أمَّا الوضوء .. فالأوجه ما قاله عبد الرؤوف) اهـ
وقال (سم) في "شرح الغاية": رأيت جمعاً يوجهون عدم التعدد بالنسبة لأقل مجزئ، وأنه لو كرر نزعها ثلاثاً لتثليث مسح الرأس .. لزمته فدية واحدة، أمَّا إذا اختلف محل الإزالة أو زمانها .. ففي كل شعرة أو ظفر أو بعض كل مد وإن بلغت ألوفاً، ولو أزال شعرة أو ظفراً ثلاث مرات واتحد زمان ومكان .. فمد، وإلا .. فثلاثة.
والدم الواجب هنا كباقي دماء النسك إلا جزاء الصيد.
(ما يجزئ في الأضحية) صفة وسناً، ومنه: سبع بدنة أو بقرة، ويملكه لثلاثة مساكين بالحرم ولو غرباء بعد ذبحه.
(أو إعطاء ستة مساكين) أو فقراء ثلاثة آصع (كل مسكين) أو فقير (نصف صاع) وهو مدان، وإعطاء المسكين مدين مما انفردت به هذه الكفارة.
(أو صوم ثلاثة أيام) فهو دم تخيير وتقدير؛ لآية (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً) [البقرة:١٨٤] مع الحديث الصحيح المبين لإجمالها، وقيس بالمعذور غيره في التخيير؛ إذ ما فيه تخيير
стр. 629
من الكفارة .. لا ينظر فيه لسببه حلاً وحرمة، ككفارة اليمين والصيد.
(وفي) كل (شعرة أو ظفر) أو بعض كل (مُد)؛ لتعسر تبعيض الدم، والشارع قد عدَّل الحيوان بالطعام في جزاء الصيد وغيره، والشعرة الواحدة أو بعضها هي النهاية في القلة، والمد أقل ما وجب في الكفارة، فقوبلت الشعرة به، وألحق بها الظفر؛ لما مر.
وقيل: في الشعرة درهم، والشعرتين درهمان، وقيل في الشعرة ثلث المد، والشعرتان ثلثاه.
وعلى الأول: فوجوب المد إن اختار الدم، فإن اختار الإطعام .. فواجب كل صاع (أو) اختار الصوم .. فواجب كل (صوم يوم، وفي شعرتين أو ظفرين مدان) أو صاعان (أو يومان) وفي ثلاث أو ثلاثة ثلاثة أمداد أو آصع أو أيام إن اختلف زمان ومكان، وفي الأربع أو الأربعة: أربعة، وهكذا قال في "التحفة"، كذا قاله جمع.
وقال الإسنوي: (إنه متعين، وخالفهم آخرون منهم البلقيني وابن العماد، فاعتمدوا إطلاق الشيخين كالأصحاب: أنه لا يجزئ إلا المد في الأولى، والمدان في الثانية، وما ألزم به الأولون من التخيير بين الشيء وهو الصاع، وبعضه وهو المد .. مردود بأن له نظائر، كالمسافر يخير بين القصر والإتمام) اهـ
واعتمد الأول في "المنهج" و"الغرر" و"الأسنى و"الخطيب"، والثاني في "الإيعاب" و (م ر) ووالده.
(الخامس: الجماع) في قبل أو دبر ولو لبهيمة وبحائل وإن كثف إجماعاً، ويحرم على حليلة تمكين حليل محرم، وعلى حليل مباشرة حليلة محرمة يمتنع عليه تحليلها.
(فإذا جامع عامداً عالماً مختاراً قبل التحلل الأوّل في الحج وقبل الفراغ من) جميع أعمال العمرة في (العمرة) المفردة بأن بقي شيء من أعمالها ولو شعرة من الثلاث التي يتحلل بها ( .. فسد نسكه) ولو صبياً ورقيقاً؛ لآية (فَلا رَفَثَ) [البقرة:١٩٧]، أي: فلا ترفثوا، أي: تجامعوا؛ إذ هو خبر بمعنى: النهي، والأصل فيه: اقتضاء الفساد، والعمرة كالحج، ويجزئ قضاء صبي ورقيق في حال الصبا والرق.
وخرج بـ (عامداً، وما بعده): الناسي والجاهل المعذور والمكره، فلا حرمة عليهم
стр. 630
ولادم، كغيره من سائر التمتعات، والجماع بين التحللين، فلا يفسد به ولو قارناً وإن لم يأت بشيء من أعمال العمرة؛ لأنها تقع تبعاً وإن حرم لضعف الإحرام حينئذ؛ لإتيانه بمعظم أفعال الحج في صحته قبل إفساده، ويجب به شاة كما لو وطء بعد وطء الإفساد قبل التحللين.
والأوجه: تكررها بتكرر هذين، بخلاف ما لو ارتد بينهما .. فيبطل، كما نقله الكردي عن (ق ل).
(و) إذا فسد النسك بالجماع .. (وجب) على المفسد (إتمامه) كما صح عن جمع من الصحابة، ولا يعرف مخالق لهم، فيأتي بما كان يأتي به لو لم يفسد، ويجتنب ما كان يجتنبه، حتى لو فعل محرماً من محرمات الإحرام .. لزمه الدم؛ لإطلاق آية (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) [البقرة:١٩٦] إذ لم يفصل بين الصحيح والفاسد.
أمَّا لو فسد بالردة .. فلا يجب إتمامه وإن أسلم فوراً؛ لإحباط الردة له، ولذا لا يجب فيها كفارة.
(وقضاؤه) اتفاقاً (على الفور) ولو في سنة الإفساد بأن تحلل بعد الجماع للإحصار.
ثم يزول الحصر في عامه، أو لنحو مرض شرطه به ثم شفي.
ولو أفسد القضاء .. لم يجب إلا قضاء الأول فقط؛ إذ المقضى واحد.
لكن تجب كفارة متعددة بتعدد الإفساد، ووصفه بالقضاء إنما هو بمعناه اللغوي؛ إذ لا آخر لوقته، ولا فرق في وجوب قضائه بين الفرض وغيره، ككونه من صبي أو رقيق؛ لأنه لو منهما يلزم بالشروع فيه.
ومن عبر بأنه يصير بالشروع فيه فرضاً .. أراد أنه يتعين إتمامه كالفرض، ويتأدى به ما كان يتأدى بالأداء لولا الإفساد من فرض أو غيره.
نعم؛ ينقلب نسك الأجير له، وعليه إتمامه، والكفارة والقضاء ثم يحج عن مستأجره إن كانت إجارة ذمة، وإلا .. انفسخت.
ويلزم قي القضاء أن يحرم مما أحرم منه في الأداء من ميقات أو قبله، وكذا من ميقات جاوزه ولو غير مريد نسك، ثم أحرم بعد مجاوزته.
ولو أقام بمكة .. عاد للميقات الذي جاوزه غير مريد له، كما في "التحفة" و"النهاية" وغيرهما.
стр. 631
واكتفى في "الإمداد" و"المختصر"، وعبد الرؤوف بموضع الأداء.
ولو تمتع وأفسد الحج .. كفاه في القضاء الإحرام من مكة.
ولو أحرم بالأداء من ذات عرق فمر في القضاء بذي الحليفة .. وجب إحرامه منها.
وللمفرد المفسد لأحد النسكين قضاؤه مع الآخر تمتعاً أو قراناً، وللمتمتع والقارن القضاء إفراداً، ولا يسقط عنه الدم في القضاء بذلك، فعلى القارن المفسد: بدنة، ودم للقران وآخر للقضاء وإن أفرده.
ولو فات القارن الحج .. فاتته العمرة، وعليه دم للفوات ودم للقران الفائت ودم للقران المأتي به في القضاء.
(و) يجب عليه مع إتمامه والقضاء والإثم الكفارة، وهي (بدنة) تجزئ في الأضحية وإن كان نسكه نفلاً؛ لقضاء جمع من الصحابة بذلك، ولا يعرف لهم مخالف.
وهي: بعير ذكر أو أنثى له خمس سنين؛ وكذا في كل محل أطلقت فيه.
(فإن عجز) عنها ( .. فبقرة) تجزئ أضحية.
(فإن عجز) عنها ( .. فسبع شياه) أو سبع من كلًّ من سبع بدنات أو بقرات تجزئ كل منها أضحية.
(فإن عجز) عن ذلك ( .. فطعام) يجزئ في الفطرة (بقيمة البدنة) بالنقد الغالب بسعر مكة حال الأداء، كما في "التحفة"، يتصدق بكل مما ذكر مساكين الحرم الكائنين فيه ولو غرباء، والمتوطنون أولى إن لم يكن غيرهم أحوج.
وواجب الإطعام غير مقدر في غير دم التخيير والتقدير، فلا يتعين لكل مسكين مد.
نعم؛ الأفضل أن لا يزاد على مدين ولا ينقص عن مد.
ولو كان الواجب ثلاثة أمداد فقط .. لم تدفع لدون ثلاثة، بل لهم أو لأكثر، أو مدين دفع لاثنين فأكثر لا لواحد، أو واحد .. فلواحد، كذا نقله الكردي عن ابن علان.
لكنه في "الحاشية" عقبه بكذا قيل.
وفي "الإيعاب": ولا يتعين لكل مد، بل تجوز الزيادة عليه والنقص عنه.
(فإن عجز) عن جميع ما ذكر .. قوّم البدنة، وعرف ما يحصل من قيمتها من الطعام و (صام بعدد الأمداد) ويكمل المنكسر.
стр. 632
فعلم: أن دم الجماع دم ترتيب وتعديل.
قال الكردي: الجماع أقسام:
الأول: لا يجب فيه شيء، وذلك في نحو الناسي.
الثاني: تجب له الفدية على واطئ عالم عامد مختار عاقل قبل تحلل أول، والموطوءة حليلة ولو محرمة.
الثالث: تجب على المرأة فقط فيما إذا كانت هي المحرمة فقط، ومستجمعة للشروط السابقة، أو كان الزوج غير مستجمع لها وإن كان محرماً.
الرابع: تجب على غير الواطئ والموطوءة، وذلك في الصبي المميز، فتجب على وليه.
الخامس: تجب على كل منهما فيما إذا زنى محرم بمحرمة أو وطئها بشبهة، وفيهما الشروط السابقة.
السادس: تجب فدية مخيرة، وهي شاة، فيما إذا وطئ ثانياً أو بين التحللين، هذا ما اعتمده (حج)، واعتمد (م ر): أن لا فدية على المرأة مطلقاً.
(السادس:) من المحرمات على الرجل وغيره (اصطياد المأكول البري) المتوحش جنسه وإن تأهل هو، كدجاج حبشي وإن ألف البيوت؛ لأن أصله وحشي، لا البلدي، ولا الإوز عند (م ر)؛ إذ المصيد هو المتوحش طبعاً، لا يمكن أخذه إلا بحيلة طيراً كان أو دابة، مباحاً أو مملوكاً، قال تعالى: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً) [المائدة:٩٦]، أي: يحرم التعرض لجميع أجزائه.
ومنها: لبنه وريشه ومسكه وفأرته المتصلات به وبيضه غير المذر ولو بالإعانة أو الدلالة لحلال كتنفيره إلا لضرورة، كأن يأكل طعامه أو ينجس متاعه؛ لأنه صيال، والصائل غير مضمون إذا لم يندفع بأقل مما فعل به.
ولا فرق في ضمان الإتلاف كالصيد بين نحو عالم وغيره، أمَّا الإثم .. فلا يأثم إلا مع علم وتعمد واختيار.
وإذا تعرض لريشه مثلا .. ضمنه بما بين كونه سليماً ومنتوفاً، وإن عاد الريش أحسن مما كان، وعليه أن يمسكه ويطعمه ويسقيه؛ لينظر ما يؤول إليه حاله، وكذا لو جرحه بالأولى، ولو نقص لبنه في تعرضه له .. ضمنه، ثم إن كان مثلياً فنقص عشر قيمته
стр. 633
مثلاً .. لزمه عشر مثله، فيلزمه عشر شاة مثلاً، أو التصدق بقيمته طعاماً، أو يصوم عن كل مد يوماً.
أو غير مثلي .. فالواجب أرشه، يتخير بين التصدق بقيمته طعاماً، والصوم، ولو اندمل جرحه، لكنه صار زمناً .. ضمنه بجزاء كامل، وإن قتله هو أو محرم أخر أو من بالحرم .. لزمه جزاؤه زمناً، أو قتله قبل الاندمال .. فلا شيء عليه.
ويحرم على المحرم التعرض لبيض المتولد بين وحشي وإنسي.
وخرج بـ (المأكول): غيره؛ إذ منه مؤذ يندب قتله كنمر ونسر وكالقمل.
نعم؛ يكره التعرض لقمل شعر رأس، ولحية محرم؛ خشية الانتتاف، وندب فداء الواحدة ولو بلقمة وكالنمل الصغير المسمى بالذر بخلاف كبير ونحل، فيحرم قتلهما كالخطاف والهدهد والصرد.
وكالفواسق الخمس الغراب الذي لا يؤكل والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور، فيندب قتلها ولو في الحرم.
وأُلحق بها: أسد ونمر وذئب ونسر وعقاب وبرغوث ونحوه كل مؤذ، بل يجب قتل عقور كخنزير يعدو وحية تعدو، ويحرم اقتناء شيء منها.
ومنه ما فيه نفع وضر كقرد وصقر وفهد، فلا يسن قتله؛ لنفعه، ولا يكره؛ لضره.
وما لا يظهر فيه نفع ولا ضر كسرطان ورخمة .. يكره قتله، ويشكل بحرمة قتل كلب لا نفع فيه ولا ضرر.
وبـ (البري): البحري، والمراد به ما في الماء ولو نحو بئر ولو في الحرم، فإن عاش في البر والبحر .. فبري؛ تغليباً للحرمة.
وبـ (الوحشي): الإنسي وإن توحش، إذ لا يسمى صيداً.
(أو المتولد منه) أي: المأكول المتقدم (ومن غيره) فيحرم التعرض له كالمأكول المتقدم بأن يكون أحد أصليه مأكولاً بقيوده السابقة وإن علا، والآخر ليس كذلك كمتولد بين شاة وظبي، أو بين حمار وحشي وحمار أهلي، أو بين ضبع وذئب؛ تغليباً للتحريم، بخلاف المتولد بين ذئب وشاة، أو بين حمار أهلي وزرافة؛ بناءً على أنها غير مأكولة، كما هو ظاهر "النهاية".
لكن في "شرحي الإرشاد" وغيرهما؛ أنها مأكولة.
стр. 634
(ويحرم ذلك) أي: التعرض للصيد المذكور بأي وجه كان (في الحرم على الحلال) ولو كافراً ملتزماً لأحكامنا؛ للنهي الآتي عن تنفيره؛ تعظيماً للحرم، سواء أرسل السهم أو الكلب من الحل على صيد كله أو قائمة من قوائمه في الحرم واعتمد عليها وإن اعتمد على الأخرى في الحل أو عكسه؛ تغليباً للحرمة.
وإنما لم يضمن صيداً سعى من الحرم إلى الحل، أو من الحل إلى الحل، لكنه مرَّ أثناء سعيه في الحرم، ثم قتله؛ لأن ابتداء الاصطياد من حين الرمي أونحوه، لا من حين السعي، ولذا سنت التسمية عند الأول دون الثاني.
ولو أخرج يده من الحرم ونصب شبكة في الحل فتعقل فيها صيد .. لم يضمنه، ولا عبرة بكون قوائمه في الحرم كرأسه، والعبرة في القائم بمستقَره.
نعم؛ إن أصاب الجزء الذي في الحرم .. ضمنه ولو كان مستقراً على غيره كما في "الشرح".
قال الشرقاوي: (ويحرم دلالة المحرم على صيد، ثم إن قتله المدلول وهو محرم .. فميتة، وعليه الجزاء دون الدال إن لم يضع يده عليه، أو وهو حلال في الحرم فكذلك، أو في غيره فحلال، ولغير الدال الأكل منه، أمَّا هو .. فيحرم عليه.
ويحرم على الحلال أن يدل المحرم أيضاً على صيد وإن اختص بالجزاء، ولو أمسكه محرم، فقتله حلال .. ضمن المحرم الممسك، والقاتل ليس طريقاً في الضمان، فلا رجوع للممسك عليه بشيء، أو قتله محرم آخر .. ضمن وإن كان الممسك طريقاً في الضمان.
ثم قال: ويحرم على المحرم أكل ما صاده له الحلال وإن لم يعلم به ولم يدل عليه؛ تنزيلاً لصيده له منزلة دلالته عليه، ولا يحرم على الحلال الأكل منه في هذه الحالة، كما قرره الشيخ خضر.
وقرر شيخنا عطية حرمة الأكل على الحلال أيضاً، كالمحرم، وهو ظاهر؛ إذ قصد المحرم بالاصطياد يؤثر في التحريم أكثر من تأثير الدلالة.
واعلم: أنه لا يلزم الجزاء بدلالة ولا إعانة ولا أكل ما صيد للمحرم، خلافاً للأئمة الثلاثة، وقال أيضاً -عند قول التحرير: ويجوز أكله لضرورة الجوع- ومع جوازه هو ميتة وإن ذبحه خلافاً لـ (حج)؛ لأن مذبوح المحرم ميتة، كما قاله الرحماني.
стр. 635
وقرر شيخنا الحفني أنه ميتة في الاضطرار دون الصيال؛ لأنه أسقط حرمته.
ومحل جواز قتله: حيث لم يجد ميتة أخرى، وإلا .. قدمها إن لم يتضرر بنحو قرف نفس بأكلها، ويقدم الصيد على طعام الغير الذي لم يأذن له في أكله) اهـ
ولو أحرم حلال وفي ملكه صيد .. زال ملكه عنه، فيلزمه إرساله حالاً وإن تحلل، ومن أخذه .. ملكه إن لم يكن محرماً.
(ويحرم) ولو على حلال (قطع نبات الحرم) اي: نابته (الرطب) شجراً كان أو حشيشاً وإن كان بعض مغرسه في الحل أو نقل إلى الحل، أو كان ما بالحل من بزر ما بالحرم مملوكاً كان أو مباحاً، وسواء كان الشجر مستنبتاً أو نابتاً بنفسه.
وأمَّا غيره .. فشرطه: أن لا يكون من شأنه أن لا يستنبته إلا الآدميون، سواء نبت بنفسه أم استنبت؛ للخبر الصحيح: "إن هذا البلد حرام بحرمة الله، لا يعضد شجره، ولا ينفر صيده ولا يختلى خلاه".
و (الخلى): الحشيش الرطب، (وقلعه) أي: النابت بالأولى.
وخرج بـ (الرطب): اليابس، فقطعه وقلعه جائز.
قال الكردي: هو على عمومه في الشجر، أمَّا الحشيش .. فيجوز قطعه لا قلعه إلا أن فسد منبته على المعتمد.
ولو غرست حرمية في الحل .. بقيت حرمتها، ويجب ردها إلى بقعة حرمية ولو غير منبتها، فإن يبست بالنقل .. ضمنها، وكذا لو بقيت فيه، ولو غرس حلية في الحرم .. لم يكن لها حرمة.
ولا يضمن غصن في هواء الحرم وأصله في الحل، ويضمن صيد فوقه؛ نظراً لمكانه، ويضمن غصن في الحل وأصله في الحرم، ولم يضمن صيد فوقه؛ لذلك.
ولو غرس في الحل نواة شجرة حرمية .. ثبت لها حكم الأصل، أو عكسه .. لم يثبت لها حكم الحرم.
ولو أدخل تراباً من الحل إلى الحرم، أو عكسه وغرس فيه .. فهل العبرة بالتراب أو محله؟ محل نظر، الأوجه: الثاني؛ إذ المغرس في الحقيقة إنما هو محل التراب.
نعم؛ إن كان التراب كثيراً بحيث تثبت العروق فيه ولا تتجاوزه .. اعتبر هو لا محله.
следующие страницы →