← Адаб

Адаб · id 26536

شرح ديوان الحماسة

المرزوقي

Полный текст (1 295 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وطيب نفسي أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل بما ملكت يدي أنني في موضع الفاعل لطيب، وليس القصد إلى أنه لم يقل له كذبت قط، وإنما المراد أني لم أجفه بأدون ألفاظ الجفاء. على ذلك قول الله تعالى في الوصاة بالوالدين وتنزيههما عن قبائح القول والفعل: " ولا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما " فأف الأصل في صيانتهما عن الخنا وفحش القول، والنهر الأصل في ترك إيذائهما بالفعل والزحر. فيقول: سلاني طاعتي له واحتشامي منه مدة حياته، وإعظامي إياه في القول عند مخاطبته، والفعل وقت مجالسته ولدى معاملته. وأشار إلى القول بقوله لم أقل له كذبت وإلى الفعل بقوله ولم أبخل بما ملكت يدي. والمعنى لم أبخل بملك يدي عليه، فحذف عليه كما يحذف المفعول إذا دل عليه الكلام. وقال أيضاً: تقول ألا تبكي أخاك رقد أرى ... مكان البكا لكن بنيت على الصبر فقلت أعبد الله أبكي أم الذي ... له الجدث الأعلى قتيل أبي بكر يقول: اجتمعت علي المصائب والرزايا فاقتسمتني، فإذا دعيت إلى البكاء على أخي، أرى البكاء يحق له لفاقتي إلى حياته، وتكامل فضله في نفسه، لكني وجدت صبوراً إذ كانت عليه بنيتي، وإذ صار ديدني ودأبي وقوله مكان البكا بيان استحقاق أخيه البكاء عليه. وقد قصر البكاء، وللشاعر أن يقصر الممدود باتفاقٍ من المذهبين. وفي طريقته قول الآخر: ولو شيت أن أبكي بكاً لبكيته ... عليك ولكن ساحة الصبر أوسع وقوله فقلت أعبد الله أبكي، كشف به عن توالي الرزايا، وأن جلده متوزعٌ فيها، فكأنه قال: إلى من أصرف البكا، ومن أخص به أعبد الله أم المدفون في القبر الأعلى قتيل أبي بكر بن كلابٍ. وقوله الأعلى يريد الأشرف، ويجوز أن يريد الأعلى في مكانه وموضعه. والجدث: القبر، وكذلك الجدف، وجمعه الأجداث.

стр. 562

وفي القرآن: " فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ". وانتصب عبد الله بأبكي، وقتيل على البدل من الذي. وعبد يغوث تحجل الطير حوله ... وعز المصاب جثو قبرٍ على قبر نبه بقوله تحجل الطير حوله على أنه ترك بالعراء، وعوافي الطير بأكله، فلم يدفن، وإنما قال تحجل إشارةً إلى امتلاء حواصلها وثقلها، فهي تحجل حوله ولا تطير. والحجل: مشي المقيد، وتوثب الإنسان على إحدى رجليه وقد رفع الأخرى. ونزوان الغراب حجله. وهذا الكلام تلهفٌ وتحزن. وقوله وعبد يغوث وإن استأنف الكلام به فهو في المعنى معطوف على ما قبله، كأنه قال: أيهم أبكي وقد كثروا. وقوله وعز المصاب يروى المصاب بالرفع ويراد بالمصاب المصيبة، ويرتفع جنو على أنه بدلٌ منه، ويكون مفعول عز محذوفاً، كأنه قال: وعز الشاعر المصيبة جثو قبرٍ على قبر. وإذا رويت وعز المصاب بالنصب، يكون المصاب الشاعر، وجثو قبرٍ هو الفاعل، والمعنى غلبه تولي المصائب عليه. وقوله جثو قبر على قبر أي حصول الواحد في إثر الواحد. ويقال: جثا لركبته، وفي القرآن: " حول جهنم جثياً "، أي لازمين لركبهم لا يستطيعون القيام. واستعمال الجثو مجاز هنا؛ لأن القبر لا يجثو. والجثوة من التراب وغيره: ما جمع، وبه سمي القبر جثوة. وروى بعضهم: حثو قبرٍ على قبر فجعل الحثو للقبر، وإنما يحئى عليه، كما قال: وما من قلىً يحئى عليه من الترب وروى بعضهم وعزي والمعنى سلى المصاب، أي نفسه، من البكاء والتحزن، توالي الأرزاء عليه؛ فإنه تمرن بها، فصار يصبر عليها. ويكون في هذا ملماً بمعنى قول الآخر: فقد جعلت نفسي على النأي تنطوي ... وعيني على فقد الصديق تنام أبى القتل إلا آل صمة إنهم ... أبوا غيره والقدر يجري إلى القدر

стр. 563

يقول: لم يرض القتل إلا آل صمة لأنهم الكرام، والدهر يأبى في الاختيار أن يكون حظه من غيرهم، كما أن آل صمة لم يرضوا من أحداث الزمان فيهم إلا بالقتل، إذ كان ذلك عندهم أحسن الميتات وأكرمها وقوله أبى القتل إلا آل صمة يشبهه قول الآخر: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتسدد وقوله إنهم أبوا غيره يشبهه قول الآخر: وما مات منا ميتٌ حتف أنفه وقوله والقدر يجري إلى القدر يريد كما قدروا للقتل قدر القتل لهم، لأنهم بما اجتمع فيهم من الخصال الشريفة التي يختارها الدهر لنوائبه، كأنهم خلقوا للدهر ولتأثيره الذي هو القتل، لأن القتل لما كان أشرف أسباب الحتف عندهم فأحبوه ومالوا إليه، صاروا لذلك كأن القتل خلق لهم. فإما ترينا لا تزال دماؤنا ... لدى واترٍ يسعى بها آخر الدهر فإنا للحم السيف غير نكيرةٍ ... ونلحمه حيناً وليس بذي نكر جواب إما أول البيت الذي يليه، وهو فإنا. والفاء من فإنا رابطةٌ ما بعدها بما قبلها، ولا تزال دماؤنا إلى آخر البيت في موضع المفعول لترينا، ولدى واترٍ لفظه واحدٌ والمراد به الكثرة. وآخر الدهر: ظرفٌ، والعامل فيه لا تزال دماؤنا لأن المعنى إما ترينا لا تزال دماؤنا أبد الدهر لدى واترين يسعون بها. ولا يجوز أن يكون العامل فيه يسعى بها، لأن فيه إيهاماً أنهم لا ينالون الوتر من الواترين سريعاً، ولكنهم يسعون بدمائهم أبد الدهر. وهذا الكلام كالاعتذار من كثرة القتل فيهم، فيقول: إن اتصل القتل فينا حتى نرى دماءنا أبد الدهر لدى واترين، فإنا لحبنا للقتل طعم السيوف حقاً غير ذي إنكارٍ ولا امتراءٍ، وكما تتطعم منا فإنا نطعمها أيضاً من غيرنا، فنجعل أعداءنا لحمةً لها غير ذي شكٍ ولا مريةٍ. وقوله غير نكيرةٍ انتصب على المصدر

стр. 564

وأكثر ما يستعمل نكيرٌ بغير الهاء فالنكر والنكير، كالعذر والعذير والعذرى. ومثل هذا المصدر يؤكد به الكلام الذي قبله، ويجري مجرى حقاً وما أشبهه. ويجوز أن يكون الهاء من النكيرة للمبالغة. وقوله ونلحمه حيناً فالحين اسمٌ للزمان المتصل، فكأنه قال: ونلحمه فيما يتصل من الأوقات. وليس يريد حيناً من الأحيان. وإن روي غير نكيره على أن يكون الضمير منه يعود إلى السيف كأنه قال: غير منكورٍ له، فيجعله حالاً للحم، فليس بجيد؛ لأن القصد إلى تأكيد الكلام بهذا المصدر؛ فكما أن في آخر البيت قوله وليس بذي نكر تأكيدٌ لما قبله، كذلك يجب أن يكون غير نكيرةٍ هكذا، ليتقابل الصدر والعجز على حدٍ واحدٍ من التأكيد وحصول هاء التأنيث في نكيرةٍ لا يجب أن ينكر، كما لا ينكر في قولهم نكرةٌ ومعرفةٌ، وكما لا ينكر الألف في آخر ذكرى وعذرى. يغار علينا واترين فيشتفى ... بنا إن أصبنا أو نغير على وتر نبه بقوله فيشتفى بنا أنهم الثأر المنيم، فإذا أصيبت دماؤهم كان فيها للأعداء الشفاء. وانتصب على الحال من الضمير في علينا. وقوله أو نغير على وتر، يريد على وترٍ لنا عندهم، فكأنه قال: أو نغير على واترين لنا. وقد سلك الأعشى هذه الطريقة، فلم يوف القسمة حقها كما فعل هذا؛ لأنه قال: فأظعنت وترك من دارهم ... ووترك من قبلهم لم يقم والمعنى أزعجت الوتر الذي كان لك عندهم من دارهم، على عادتك مع سائر الناس من قبل في إدراك الثأر سريعاً؛ لأن قوله ووترك من قبلهم لم يقم إشارةٌ إلى أنه لا يمهل ولا يهمل فوتره لا يتلوم عند الأعداء. قسمنا بذاك الدهر شطرين بيننا ... فما ينقضي إلا ونحن على شطر أشار بقوله ذاك إلى ما تقدم ذكره من تردده في مجاذبة الأعداء طالبين مرةً، ومطلوبين أخرى. وانتصب شطرين على المصدر، كأنه قال: قسمنا الدهر قسمين. ويجوز أن يكون حالاً على معنى قسمناه مختلفاً؛ فوقع الاسم موقع الصفة لما تضمن معناه، كما تقول: طرحت متاعي بعضه فوق بعضٍ، كأنك قلت متفرقاً. والمراد: جعلنا أوقات الدهر بيننا وبين أعدائنا مقسومةً قسمين، فتراها لا ينقضي شيءٌ منها إلا ونحن فيه على أحد الحدين. إما أن تكون لنا الكرة عليهم فننال منهم. وإما أن تكون لهم الجولة علينا فينال منا.

стр. 565

وقال تأبط شراً وذكر أنه لخلفٍ الأحمر، وهو الصحيح. إن بالشعب الذي دون سلعٍ ... لقتيلاً دمه ما يطل يجوز أن يكون ذكر الشعب الموصوف لأن قبر ذلك القتيل كان فيه، ويجوز أن يكون ذكره لأنه قتل عنده، وهو في اللغة ما انفرج بين جبلين ونحوهما. والسلع بفتح السين وكسرها: شقٌ في الجبل، ومنه سلعت رأسه، أي شققته. وقولهم هادٍ مسلعٌ، أي يشق أجواز الفاة. وقوله دمه ما يطل من صفة القتيل، والمعنى أني في طلب ثأره، فدمه لا يذهب هدراً. والطل: مطل الدم والدية وإبطالهما. وقال: أزهير ليس أبوك بالمطلول خلف العبء علي وولى ... أنا بالعبء له مستقل أراد بالعبء طلب دمه والنيل من عدوه. وقوله أنا بالعبء له مستقل تحقيقٌ للوعد بإدراك الثأر، وإظهار اقتدارٍ على النكاية في الأعداء. وقوله له أي من أجل المرثي، وإنما سمي الثقل عبئاً لأنه من عبأت المتاع أعبؤه عبئاً، ثم يسمى المتاع عبئاً، فهو كالنقض والنقض. وكثر استعماله حتى تسمحوا به فيما يدخل من الثقل على القلب ولا يحمل على الظهر. ووراء الثأر مني ابن أختٍ ... مصعٌ عقدته ما تحل أعطى فيما اجتمع من الوصف الترتيب حقه، وذلك لأنه اجتمع مفردٌ وجملةٌ في صفة ابن أختٍ فقدم المفرد على الجملة، وهذا وجه الكلام وحقه؛ لأن الجملة إنما

стр. 566

وصف بها لوقوعها موقع المفرد، فإذا صاحبها مفرد كان الأولى تقديمه، وإذا كان كذلك فعقدته ارتفع بالابتداء، وما تحل خبره. والمصع: الشديد المقاتلة الثابت فيها. ويعني بوراء ها هنا الخلف، وإن كان يصلح للقدام. وفي هذا الكلام ضربٌ من الوعيد، كأنه يجري مجرى قول القائل: الله من ورائك. ويريد: وفي طلب الثأر من جهتي ابن أختٍ هذه صفته، ويعني به نفسه. ويجري هذا المجرى قول الشنفري: هممت وهمت وابتدرنا وأسدلت ... وشمر مني فارطٌ متمهل والفارط المتمهل هو الشنفري. وقوله عقدته ما تحل يجوز أن يريد ما يعقده برأيه أو يحكمه لا ينقض. ويجوز أن يريد به قوته وجلادته، وتكون العقدة راجعةً إلى استحكام خلقه وصبره في الشدائد. مطرقٌ يرشح موتاًكما أط ... رق أفعى ينفث السم صل شبه نفسه في إطراقه وسكونه، منتظراً لفرصةٍ ينتهزها في إدراك ثأره بالحية، وأنه في إمساكه يرشح بالموت لعدوه كما أن الحية إذا أطرق نفث بالسم. والرشح كالعرق، والنفث، كالقذف. والصل من صفة الأفعى، ويوصف به الداهية وكل خبيث، يقال: هو صل إصلالٍ، كما يقال داهية دواهٍ. وأسماء الحيات وصفاتها تستعار في الدواهي كثيرا. والأفعى مؤنثة، وذكرها الأفعوان. وقال الخليل: الأفعى حيةٌ قصيرةٌ عريضة الرأس. وبنون فيقال أفعىً، وبعض طيئٍ يقلب ألفه واواً فيقول أفعو، وبعض قيسٍ يقلبها ياء فيقول أفعى. ومنه تفعى فلانٌ، إذا ساء خلقه. وقال سيبويه: صرفه أكثر وأجود. ويصلح للذكر والأنثى. والأفعوان الذكر لا غير. خبرٌ ما نابنا مصمئل ... جل حتى دق فيه الأجل بزني الدهر وكان غشوماً ... بأبي جاره ما يذل يعني بالخبر نعي المتوفي؛ وقد استعظمه وجعله داهيةً منكرةً حتى علا شأنه وجل عن أن يضبط بوصفٍ، أو يحد بنعت، فلذلك قال جل حتى دق فيه الأجل. ويقال داهيةٌ مصمئلةٌ، إذا اشتدت. والأجل تأنيثه الجلى، والألف واللام فيه بدلٌ من

стр. 567

الإضافة النائبة عن من في قولهم: هو أجل من كذا، ومعناه الجليل. وقوله بزني الدهر أي غلبني واستلبني. وقوله بأبي الباء دخلت للتأكيد زائدةً، كأنه قال: بزني الدهر أبياً. ومثله قول الآخر: سود المحاجر لا يقرأن بالسور ويجوز أن يكون عدى بزني بالباء لما كان معناه فجعني، ويكون من باب ما عدي بالمعنى دون اللفظ، كقوله: إذا تغنى الحمام الوزق هيجني ... ولو تعزيت عنها أم عمار وقوله جاره ما يذل من صفة الأبي. والأبي المتصعب المتمنع. والغشم: الظلم والقهر. وقوله وكان غشوماً يعني به الدهر، وهو اعتراضٌ بين الفاعل والمفعول، ومثله يتأكد به الكلام. وقوله يذل يروى بفتح الياء، ويذل على ما لم يسم فاعله، والمعنى ظاهر، وصفه بأنه كان عزيز الجار محمي الفناء، وأنه كان له عدةً على الدهر، وسلاحاً معه فاستلبه منه. شامسٌ في القر حتى إذا ما ... ذكت الشعرى فبردٌ وظل يابس الجنبين من غير بوسٍ ... وندي الكفين شهمٌ مدل وصفه بأنه كان ينتفع به في كل حالٍ وزمان، وأنه كان غياثاً للناس في حالتي السراء والضراء، فكان الشمس عند البرد، والظل عند الحر. يقال: ذكت النار تذكو، وأذكيتها، وكذلك أذكيت الحرب. ونوء الشعرى بشدة الحر يجيء. ويقال للشمس ذكاء من ذلك. وقد جاء مثل هذا في النسيب، يقول ابن الرقيات: سخنةٌ في الشتاء باردة الصيف هلالٌ في الليلة الظلماء والمعنى أنها للضجيع في الصيف هكذا، وفي الشتاء هكذا. وقد أتى الأعشى بهذين المعنيين في بيتين، وابن الرقيات أتى بهما مع ثالثٍ لهما في بيت واحد. وبيت

стр. 568

الأعشى: وتبرد برد رداء العرو ... س بالصيف رقرقت فيه العبيرا وتسخن ليلة لا يستطي ... ع أن ينبح الكلب إلا هريرا وأما قوله يابس الجنبين من غير بوسٍ يريد أنه يؤثر بالزاد غيره على نفسه. وعادتهم التمدح بالهزال، فهو كقول الآخر: تراه خميص البطن والزاد حاضرٌ ... عتيدٌ ويغدو في القميص المقدد وقوله ندي الكفين، أراد أنه سخيٌ. ويقال: هو يتندى على أصحابه، أي يتسخى. والشهم: الذكي الحديد، ومنه قيل للقنفذ الشيهم. والمدل هو الواثق بنفسه وبآلاته وعدته. ظاعنٌ بالحزم حتى إذا ما ... حل حل الحزم حيث يحل غيث مزنٍ غامرٌ حين يجدي ... وإذا يسطو فليثٌ أبل وصفه بأنه مستعملٌ للحزم وآخذٌ به، ظاعناً كان أو مقيما. وأشاد بقوله ظاعنٌ إلى غزواته، وأسفاره وغارته؛ وبقوله حل الحزم حيث يحل إلى شدة حذره في إقامته، ودوام اتقائه من الأعداء حتى لا ينساهم ولا يغفل عنهم. وقوله غيث مزنٍ غامرٌ حين يجدي وصفه بأن منافعه عامةٌ للخلق. والمزنة: السحابة البيضاء. والغامر: الشامل جدواه وعطيته. وقوله وإذا يسطو فليثٌ أبل، الأبل: الفاجر المصمم الماضي على وجهه، لا يبالي ما لقي. والمراد أنه في الإحسان بالغٌ أقصى الغايات، وعند السطوة على الأعداء كالليث الكثير الإفساد، الشديد النكاية. والسطو: البسط على الإنسان تقهره من فوق. ويقال: سطا عليه وسطا به. وقال الخليل: سمي الفرس ساطياً لأنه يسطوا على سائر الخيل، فيقوم على رجليه ويرفع يديه. مسبلٌ في الحي أحوى رفلٌ ... وإذا يغزو فسمعٌ أزل وله طعمان: أريٌ وشريٌ ... وكلا الطعمين قد ذاق كل

стр. 569

مفعول مسبلٌ محذوفٌ. وصفه بأنه في الحي - والحال سلامةٌ - يسبل إزاره خيلاء وكبراً، ويتبختر ذاهباً في الترفة إلى أرفع الدرجة، وأنه ذا غزا فهو كالسمع، وهو الولد بين الذئب الضبع، وهو أخبث السباع وأعداها. والزلل: خفة العجز، وذلك خلقته. وقوله وله طعمان أريٌ وشريٌ يريد به أنه للموالين كالأري - ويراد به العسل وإن كان في الأصل عمل النحل - وللمعادين كالشري، وهو الحنظل. ثم قال: وكلا الطعمين قد ذاق كل، أي كل واحدٍ من الطعمين قد ذاقه كل واحدٍ من قبيلي الأعداء والأولياء. ومفعول ذاق محذوفٌ إذا جعلت كلا مبتدأ، كأنه قال: قد ذاقه كلٌ. والأجود أن تجعل كلا مفعول ذاق ولا تجعله مبتدأ. ومثله: زيداً ضربت ألا ترى أنه يختار على: زيدٌ ضربت. وكلاً اسمٌ موحدٌ يؤكد به المثنى، كما أن كلاً اسمٌ موحدٌ يؤكد به الجمع. وهو مقصورٌ كمعىً، وألفه منقلبةٌ عن واو، وهذا مذهب أصحابنا البصريين، والكوفيين عندهم أنه اسمٌ مثنى. يركب الهول وحيداً ولا يص ... حبه إلا اليماني الأفل هذا كقول الآخر: يظل بموماةٍ ويمسي بغيرها ... جحيشاً ويعروري ظهور المهالك والمعنى: أنه لا يتكثر بالأصحاب إذا هم باقتحام أمرٍ عظيم، وهولٍ شديدٍ، بل يتفرد فيه مستصحباً سيفه الافل، وهو الذي قد كثر فلوله بكثرة الاستعمال. وانتصب وحيداً على الحال. وقوله ولا يصحبه انعطف عليه، وهو صفةٌ للوحيد وتأكيدٌ للوحدة. وفتوٍ هجروا ثم أسروا ... ليلهم حتى إذا انجاب حلوا كل ماضٍ قد تردى بماضٍ ... كسنا البرق إذا ما يسل فتوٌ: جمع فتىً، ولام فتىً ياء بدلالة قولهم فتيانٌ، لكنه بناه على مصدره وهو الفتوة، وهذا المصدر إنما جاء على هذا عوضاً من حمل بنات الواو على الياء كثير،

стр. 570

فكأنهم أرادوا أن يحملوا ما هو من الياء على الواو أيضاً، وهو شاذ. ومعنى هجروا: ساروا في الهاجرة. ويقال: جبت الظلام واجتبته فانجاب. وجبت المفازة: قطعتها. يريد أنهم وصلوا السير بالسرى، تلما انكشف الظلام نزلوا. وقد اشتمل هذا الكلام على جواب رب؛ لأن قوله حلوا - وهو جواب إذا إنجاب - صار جواباً لرب أيضاً. ويقال: سرى وأسرى بمعنىً واحد. وقوله كل ماضٍ قد تردى بماضٍ يريد أن كل واحدٍ من هؤلاء الفتيان نافذٌ في الأعمال والغزوات، وقد تقلد سيفاً نافذاً في الضريبات، وإذا انتزع من غمده لمع التماع البرق. ويقال: ارتدى بسيفه وتردى واعتطف به، ويسمى السيف الرداء والعطاف. فاحتسوا أنفاس نومٍ فلما ... ثملوا رعتهم فاشمعلوا قوله رعتهم جواب لما، ومعنى اشمعلوا جدوا في المضي. ويقال رجلٌ مشمعلٌ، أي جادٌ خفيف. والمعنى أنهم ساروا يومهم وليلتهم، وكلٌ يرجع من نفسه وسلاحه إلى ما يرتضى ويعتد به، ثم نزلوا وهوموا، وناموا نومةً خفيفةً مثل حسو الطير ماء الثمد، تمشت في يقظتهم بقدر بيبها في عروقهم، ومزاولتها لخفوتهم وسكونهم، فلما صاروا منها كالسكارى أنبهتهم وبعثتهم للارتحال، فخفوا وأطاعوا. ودل بهذا الكلام على أن المرثي كان رئيسهم ومدبرهم، على زيادة غنائه وذكائه، وشهامته ومضائه، وأنه لما بعثهم جدوا وخفوا غير متوقفين في أمره، ولا معتلين على رأيه. فلئن فلت هذيلٌ شباه ... لبما كان هذيلاً يفل وبما أبركهم في مناخٍ ... جعجعٍ ينقب فيه الأظل يقول: إن كان هذيلٌ قد تمكنت منه فكسرت حده وأتعست جده، فهو بما كان يؤثر من قبل في هذيل فيطأ حريمها، ويكثر قتيلها. والعرب تقول: هذا بذاك، أي هو عوضٌ منه. واللام من قوله لئن موطئة لقسمٍ مضمرٍ، والتي في قوله لبما جواب ذلك القسم. والشباة حد الشيء. ويقال: أشبي الرجل، إذا أتى بأولادٍ نجباء يصير له بهم حدٌ حديدٌ كشبا الأسنة. ويقال أيضاً: أشبيت الرجل، أي

стр. 571

وجدت له شباة. حكاه أبو عمرو. ويجوز أن يكون شبوة وهو اسم العقرب، من الشبا، لإبرتها. وقوله وبما أبركهم معطوفٌ على لبما كان. والجعجع: مناخ سوءٍ، وهو الأرض الغليظة. والأظل: باطن خف البعير. ومعنى ينقب أي يحفى. والمراد: وبما كان ينال منهم ويحملهم فيه على المراكب الصعبة، وينزلهم له بالمنازل الحزنة، التي تؤثر في أنفسهم وأموالهم. وهم يجعلون مثل هذا الكلام كنايةً عن التأثير القبيح. ويشبهه قول الآخر: من يذق الحرب يجد طعمها ... مراً وتبركه بجعجاع وقول الآخر: لقد حملت قيس بن عيلان حربنا ... على يابس السيساء محدودب الظهر وقول الآخر: وحملناهم على حزن ثهلا ... ن شلالاً ودمي الأنساء صليت مني هذيلٌ بخرقٍ ... لا يمل الشر حتى يملوا ينهل الصعدة حتى إذا ما ... نهلت كان لها منه عل يقول: ابتليت هذيلٌ من جهتي برجلٍ كريمٍ يتخرق في العرف مع الأولياء، وبالنكر مع الأعداء، لا يفتر عن النكاية فيهم، وعن الإغارة عليهم ما دام لهم ثباتٌ وكان للجزاء عليهم محملٌ. وقوله حتى يملوا يريد حتى يملوه، وليس المراد قعودهم عن مكافأته، ومتاركتهم لهيجه، وإنما يريد أنه لا يكف عن الإيقاع بهم، ولا يمسك عن التأثير فيهم، حتى يبشموا الشر وحتى لا تبقى فيهم قوة ولا نهوضٌ فيراصدوا أو يناكدوا. وقوله ينهل الصعدة يريد الإبانة عن الحال التي أشار إليها من دوام الحرب، وبسط القتل، فيقول: يروي الرمح من دمائهم بالسقية الأولى، فإذا ما رويت لم يرضه

стр. 572

ذلك حتى يعقبه بمثله من السقية الثانية. والمعنى اتصال الوقعات، وامتداد البلاء منه في صب الغارات. والصعدة: القناة تنبت مستويةً، وجمعها صعداتٌ بفتح العين، لأنه اسم. ثم قيل في المرأة المستوية القامة، والأتان الطويلة: صعدةٌ، وهي وصفٌ لهما، ويجمع حينئذٍ على صعداتٍ بسكون العين، لكونها صفةً. وقوله صليت مني هذيلٌ بخرق، مثل قوله من قبل: ووراء الثأر مني ابن أختٍ في أن الخرق هو هو لا غيره. ويقال صليت بكذا أي ابتليت به ومنيت، وأصله من صلاء النار، يقال صليت أصلى صلاءً، واصلطليت أصطلي اصطلاء. تضحك الضبع لقتلي هذيلٍ ... وترى الذئب لها يستهل وعتاق الطير تهفو بطاناً ... تتخطاهم فما تستقل استعار الضحك للضبع، والاستهلال للذئب. وأصل التهلل والاستهلال في الفرح والصياح، والمراد رغد العيش لهما، واتصال طعمهما باتصال قتله في هذيل. وليس قول من قال معنى تضحك: تحيض، بشيء. وقوله وعتاق الطير تهفو بطاناً مثل قول الآخر فيما تقدم: وعبد يغوث تحجل الطير حوله ويعنى بالعتاق آكلة اللحمان وعافية الجيف منها. وقوله تهفو بطاناً أي إنها قد زورت، وامتلأت حواصلها فثقلت، فإذا طارت تخطنهم في الطيران فلا ترتفع في الجو، بل تسف لثقلها. وبطانٌ: جمع بطينٍ. وتهفو: تطير؛ يقال: هفت الصوفة في الهواء، أي ارتفعت. قال الخليل: ويقال لرفارف الفسطاط إذا تحركت: تهفو بها الريح. ثم توسع فيه، فيقال: هفا الظليم، وهفا قلب فلانٍ في إثر كذا. حلت الخمر وكانت حراماً ... وبلأيٍ ما ألمت تحل فاسقنيها يا سواد بن عمروٍ ... إن جسمي بعد خالي لخل

стр. 573

هذا على عادتهم في تحريم الخمر وما يجري مجراها في ولوع النفس به والميل إليه إذا قتل لهم قتيلٌ، حتى يدركوا ثأره، أو حزبهم أمرٌ عظيم يحتاجون فيه إلى مناهضةٍ ومزاولة. وربما كانوا يحرمون على أنفسهم تنظيف البدن والأخذ من الشعر وما شاكله، وذلك على حسب ميل الطباع وإيثار فطم النفس عن الشيء الذي لا مترك له عندها. والقصد في جميعه حبس النفس عن المطلوب وتذكيرها بالمفقود، لئلا تتناساه أو تتشاغل عنه. فيقول: أدركت الثأر فحلت الخمر بعد أن كانت محرمةً بالنذر علي، وبجهدٍ ألمت حلالاً، إشارةٌ منه إلى ما قاساه في طلب دمه. ومعنى بلأيٍ: بعد جهد وبجهد. على ذلك قوله: فلأياً بلأيٍ ما حملنا غلامنا وفي هذه الطريقة لامرئ القيس: حلت لي الخمر وكنت امرأً ... عن شربها في شغلٍ شاغل وقول الآخر: فيا ليل إن الغسل ما دمت أيماً ... علي حرامٌ لا يمسني الغسل وقوله ما ألمت يجوز أن يكون ما صلةً، ويجوز أن مع الفعل بعده في تقدير المصدر. يريد: وبلأيٍ ألمت حلالاً. والإلمام أصله في الزيارة الخفيفة، وتوسع فيه فأجرى مجرى حصلت عندي. وقوله: فاسقنيها يا سواد بن عمروٍ ... إن جسمي بعد خالي لخل أظهر التشفي بما ناله من الأعداء حتى دعا من خاطبه إلى ما كان يتشوفه من سقيه له، كما أظهر التوجع لفقده من أصيب به بقوله إن جسمي بعد خالي لخل. والخل: المهزول. وقوله يا سواد بن عمروٍ جعل سواد - وقد رخمه عن سوادة - بمنزلة ما جاء تاماً ولم يحذف منه شيء فجعل سواد وابن بمنزلة شيءٍ واحد، وبناه على الفتح. فالفتحة في ابن للإعراب، والفتحة في سواد للبناء. ولك أن ترويه: يا

стр. 574

سواد بن عمروٍ والضمة فيه ضمة المنادي المفرد، فيكون كقولك: يا زيد بن عمرو ويا زيد بن عمروٍ، فاعلمه. وقال سويد المراثد الحارثي لعمري لقد نادى بأرفع صوته ... نعي سويدٍ أن فارسكم هوى أجل صادقاً والقائل الفاعل الذي ... إذا قال قولاً أنبط الماء في الثرى يروى: أن صاحبكم هوى، ومعنى صاحبكم رئيسكم، كما أن معنى فارسكم أفرسكم، ولهذا أقسم وعظم الحال في نعي الناعي حتى جعله ينادي بأرفع صوته فعل النادب المتحسر، ثم صدقه في ثنائه وخبره فقال: أجل صادقاً أي قلت صادقاً. وأجل هو لتحقيق الإخبار، كأنه لما قال: إن صاحبكم أو فارسكم سوى، قال: أجل أنت مصدقٌ، ثم زاده ثناءً فقال: وإن القائل الفاعل الذي إذا قال قولاً أنبط الماء في الثرى. وقوله " أن " صاحبكم، أراد بأن صاحبكم، فحذف الباء ووصل الفعل. وانتصب صادقاً على الحال، والعامل فيه ما دل عليه الكلام من معنى قلت. والقائل الفاعل عطفه على صاحبكم، ويجوز أن ترفعه، كأنه قال: وهو القائل الفاعل؛ والنصب أحسن وأجود، ومعنى أنبط الماء في الثرى: وصل القول بالفعل الجالب للخير، وقرب الغناء من العناء االلاحق في الأمر، وهو بعد ذلك مثلٌ لتحقيق قوله، وصلة النجاز بوعده. ومعنى أنبط الماء: أخرجه. ويقال نبط أيضاً، فإن قيل: هل يجوز أن يكون التصديق منه للناعي في قوله هوى لا غير لأنه هو الخبر، ويكون هذا كما قال دريد: أعبد الله ذلكم الردى جواباً لقوله أردت الخيل فارساً؟ قلت لا يجوز ذلك، بدلالة قوله والقائل الفاعل الذي، لأن هذا العطف لا يكون إلا على صاحبكم. فكأنه صدقه في الأمرين جميعا، وزاده من بعد ما زاده. وكذلك قول دريد، لا يمتنع أن يثبت الفروسية له مع الإرداء أيضاً في استثباته إياهم لما قالوا: أردت الخيل فارساً.

стр. 575

فتى قبلٌ لم تعبس السن وجهه ... سوى خلسةٍ في الرأس كالبرق في الدجى وصفه بأنه مقتبل الشباب لم يمسه أوائل الكبر، وأن السن لم تنقص رونق شبابه، ولم ترنق ماء بشرته، فهو طلق الوجه غير عابس. والعبوس: ظهور الغضب في الوجه. ويقال منه: يومٌ عبوسٌ، أي شديد. وقوله سوى خلسةٍ في الرأس استثناء منقطعٌ، ويعني أنه ظهر من الشيب في رأسه شعلةٌ، فهو كالبرق يلمع في سواد الليل. والخلسة: بياضٌ في سوادٍ، وقد أخلس رأسه، وشعرٌ خليس، ومنه قيل للمولود بين الأسود والبيضاء، والأبيض والسوداء: خلاسيٌ. أشارت له الحرب العوان فجاءها ... يقعقع بالأقراب أول من أتى ولم يجنها لكن جناها وليه ... فآسى وآداه فكان كمن جنى قوله أشارت له الحرب العوان كأنه لم يصبر إلى أن دعي، ولكن حين اهتاجت الحرب جاءها، فكأن الحرب أشارت إليه. والعوان: الحرب التي قوتل فيها مرةً بعد أخرى، تشبيهاً بالعوان من النساء، وهي النصف. والفعل منه عونت وعانت. وقوله يقعقع بالأقراب يجوز أن يكون المعنى جاءها ولخواصره قعقعةٌ، أي صوتٌ، لشدة عدوه وحرصه. وقد يسمع من جوف العادي العجل وصدره النهيم والصوت الشديد، إذا استعجل في الإدراك ويجوز أن يكون القعقعة التي ذكرها من السلاح الذي كان عليه. وقوله أول من أتى يجوز أن يكون من نكرةً، كأنه قال: أول فارسٍ طلع، فيكون أتى صفةً له؛ ويجوز أن يكون معرفةً وأتى صلةً له، كأنه قال: أول الآتين، ويكون من موحد اللفظ مجموع المعنى. وانتصب أول على الحال في الوجهين جميعاً، والعامل فيه جاءها أو يقعقع. وقوله ولم يجنها لكن جناها وليه يحقق ما قلناه من أنه لم ينتظر الاستغاثة، ولكن لما طلعت له أمارات امتحان وليه آساه بنفسه، وأعداه على محنته، فكان كالجاني وإن لم يكن منه جنايةٌ، بذل اجتهاد وسرعة إنجاد. فالبيت الأول كما قال الآخر: قومٌ إذا الشر أبدى ناجذبه لهم ... طاروا إليه زرافاتٍ ووحدانا

стр. 576

والبيت الثاني كقول الآخر: وإني لا أزال أخا حروبٍ ... إذا لم أجن كنت مجن جان وقوله آداه أثله أعداه، والألف الثانية همزة أبدلت من العين في الأصل، والمعنى أعانه. ويجوز أن يكون من الأداة، أي جعل له أداة الحرب وعدتها. وأنشد الأصمعي قول الأسود بن يعفر: ما بعد زيدٍ في فتاةٍ فرقوا ... قتلاً وسبياً بعد حسن تآد وقال: معناه بعد أخذ الدهر أداته. وقال رجل من بني نصر بن قعينٍ أبلغ قبائل جعفرٍ إن جئتها ... ما إن أحاول جعفر بن كلاب أن الهوادة والمودة بيننا ... خلقٌ كسحق اليمنة المنجاب قوله ما إن أحاول جعفر بن كلابٍ يجري مجرى الصفة في شرح الاسم الذي أراده وإزالة اللبس عنه. والهوادة: الحرمة والذمام والصلح. والمهاودة: الموادعة. وتهودت إلى فلانٍ تهوداً، أي توسلت إليه بوسيلة؛ من قولهم: بيننا هوادةً؛ ومنه هود الرجل إذا مشى مشياً ساكنا. فيقول: أبلغ هؤلاء القوم إن زرتهم أن أسباب الصلح والمودة، والذمام والحرمة، قد خلقت بيني وبينهم، وتغيرت عما عهدت، فهي تزداد على مر الأيام دروساً وهموداً كخلق البرود المنشق، تزيده الأيام بلىً وانسحاقاً، فلا تماسك فيها، ولا رجاء لصلاحها وعودها إلى ما كانت. والثوب السحق وصف

стр. 577

بالمصدر، كأن البلى سحقه. واليمنة: ضربٌ من برود اليمن. والمنجاب: المنشق. وهذا الكلام وعيدٌ، ويشتمل على أن الطمع من رجوع الأمر إلى ما كان زائلٌ، وأن الفساد في ذات بينهم متظاهر، لا يقبل إصلاحاً، ولا يلقى مزاولوه فلاحا. وقوله أن الهوادة في موضع نصبٍ على أنه مفعول ثانٍ لأبلغ. أذؤاب إني لم أهبك ولم أقم ... للبيع عند تحضر الأجلاب يروى لم أهبك من الهبة، أي لم أسمح بدمك كما يتواهب الناس الشيء بينهم، وحكى ابن الأعرابي: وهبني الله فداءك. ومنه قولهم: هبه كذا، أي احسبه. ويروى: لم أهنك، أي لم أتغافل عن طلب دمك استهانةً بك. وقوله ولم أقم للبيع عند تحضر الأجلاب، يريد: إني لم أجد الدية، فكنت بائعاً لدمك كما يباع الجلب من الأموال، إذا سيقت إلى الحضر. ولم يرد بقوله لم أقم القيام الذي هو ضد الجلوس، إنما المراد لم أترشح ولم أتهيأ. على ذلك قوله : " إذا قمتم إلى الصلاة ". إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب بأشدهم كلباً على أعدائهم ... وأعزهم فقداً على الأصحاب الثل: الهدم؛ ويقال ثل عرش فلانٍ، إذا تضعضعت حاله واتضع عزه قال الأصمعي: وربما قيل ثل عرشه، وإذا أريد به القتل فليس إلا بضم العين. قال ذو الرمة: وقد ثل عرشيه الحسام المذكر والعرشان: لحمتان مستطيلتان من جانبي العنق، وفيهما الأخدعان. وقوله إن يقتلوك وقد كانوا قتلوه يريد إن تبجحوا بقتلك وصاروا يفرحون به، فقد أثرت في عزهم، وهدمت أساس مجدهم بما نلت من رئيسهم عتيبة ابن الحارث. وقوله بأشدهم كلباً جعله بدلاً من قوله بعتيبة، وقد أعاد حرف الجر فيه، وقد مضى مثله، وذكرنا الشاهد فيه من قوله تعالى: " وقال، الذين استكبروا من قومه للذين

стр. 578

استضعفوا لمن آمن منهم " ومعنى أشدهم كلباً أشدهم تأثيراً ونكايةً في الأعداء. ومن كلام الحسن: " إن الدنيا لما فتحت على أهلها كلبوا عليها أشد الكلب "، أي حرصوا أشد الحرص. ويقال: دهرٌ كلبٌ، أي ملحٌ على أهله بما يسوؤهم. وقولهم كلبٌ كلبٌ يأكل لحوم الناس فيأخذه منه شبه جنون. وقوله وأعزهم فقداً على الأصحاب يريد وأشدهم، ومنه استعز اللحم، إذا صلب؛ ويعز علي أن أرى كذا، أي حق واشتد. ويقولون: أتحبني؟ فيقال: لعز ما، أي لحق ما. وقال الحريث بن زيد الخيل ألا بكر الناعي بأوس بن خالدٍ ... أخي الشتوة الغبراء والزمن المحل فإن تقتلوا بالغدر أوساً فإنني ... تركت أبا سفيان ملتزم الرجل أبو سفيان مصدقٌ ورد حيهم لاستيفاء الصدقة عليهم، فاتهم أوس بن خالد بأنه ستر بعض ماله طمعاً فيما يلزمه من الصدقة فيه، واقتطاعاً من الواجب عليه، فأخذه أبو سفيان يضربه، وارتقى ما بينهما إلى أن أدى إلى قتله، فصاحت أم أوسٍ فأغاثها قائل هذه الأبيات، ورمى أبا سفيانٍ بسهم نفذ فيه فقتله. وقوله بكر الناعي، يجوز أن يكون معناه ابتدأ ينعاه لأن البكور أصله ذلك، ولذلك قيل في أول النهار: بكرةٌ. ويجوز أن يكون بمعنى جاء بكرةً. فيقول: ابتكر المخبر بقتل أوس بن خالد ملجأ الضعفاء، وثمال الأيتام، في الشتوة الغبراء، القليلة الأمطار، الشديدة الإمحال. والمحل: يبس الأرض. ويقال زمنٌ ماحلٌ ومحلٌ، وقد

стр. 579

أمحل الناس إذا أسنتوا. وقوله فإن يقتلوا بالغدر أوساً يريد أن أبا سفيان هذا كان انطوى على غلٍ لأوسٍ، وعداوةٍ كامنةٍ له، فتوصل بما ادعى من خيانته في مال الصدقة إلى ضربه وقتله، لذلك قال: إن تقتلوا بالغدر. وقوله فإنني تركت أبا سفيان ملتزم الرحل، يريد: إني اتأرت من أبي سفيان وجعلته ملتزماً لرحله لا حراك به، أي قتلته بدلاً من صاحبه. فلا تجزعي يا أم أوسٍ فإنه ... تصيب المنايا كل حافٍ وذي نعل أخذ بعد اقتصاص الحال يسلي أم أوسٍ عن ابنها، وبطيب قلبها، ويعرفها أن الموت طريقٌ يسلكه الناس على اختلاف طبقاتهم، وأنه لا محيد عنه ولا معدل. وحسن ذلك منه لأنه كان قد أدرك الثأر لها، وشفى نفسها من داء مصيبتها، فأقبل يبرد غليلها بوعظه، زيادةً في الاهتمام لها والتوفر عليها. وكان يجب أن يقول: كل ذي حفىً وذي نعلٍ، أو كل حافٍ وناعلٍ، لكنه لما وجد اسم الفاعل ينوب مناب ذي كذا، لم يبال أن يكون أحدهما بذي. وهذا يبين ما يسلكه أصحابنا البصريون في مثل قولهم: طالقٌ وحائضٌ، أنه على طريق النسبة وفي معنى ذات طلاقٍ وذات حيض، ويؤكد صحته. قتلنا بقتلانا من القوم عصبةً ... كراماً ولم نأكل بهم حشف النخل ولولا الأسى ما عشت في الناس بعده ... ولكن إذا ما شئت جاوبني مثلي في هذا الكلام دلالةٌ على استفحال الشر بينهم حتى قتل من الجانبين عدة، لذلك قال: قتلنا بدل قتلانا من القوم عصبة يرجعون إلى كرمٍ. والعصبة: العشرة من الرجال، وقيل ما بين العشرة إلى الأربعين، وكذلك العصابة من الناس والطير والخيل. وهذا تنبيهٌ على أن الثأر الذي أدركه منهم كان منيماً، والاشتفاء من دائه به كان مجيباً. وقوله ولم نأكل بهم حشف النخل يريد: لم نشتغل عن طلب دمهم بالأكل. وذكر الحشف إزراءٌ بذلك الطعام لو صرفت النفوس إليه مع تضايق الوقت في طلب الدم. ويجوز أن يريد: لم نأخذ ديتهم. وجعل التمر حشفاً كما قال غيره. ولا تأخذوا منهم إفالاً وأبكراً ... وأترك في بيتٍ بصعدة مظلم

стр. 580

والإفال والأبكر لا تؤخذان في الدية، ولكن حقر أمرها. وقوله: ولولا الأسى ما عشت في الناس بعده يريد لولا التصبر والتأسي والاقتداء بهم في المصائب، لقتلت نفسي ولم أعش بعده - يعني بعد أوسٍ - في الناس، ولكن متى شئت وجدت لنفسي نظائر ممن فقدوا أعزتهم. ويشبه هذا قول الخنساء: ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي وقوله ما عشت في الناس بعده جواب لولا، ونابت عن خبر المبتدأ وهو الأسى، كأنه قال: لولا الأسى مانعٌ لي ما عشت في الناس بعده. وقد تقدم القول في لولا، وفيما يقع فيه. وقال البراء بن ربعيٍ الفقعسي أبعد بني أمي الذين تتابعوا ... أرجي الحياة أم من الموت أجزع قوله أبعد لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى معنى التوجع. والاستفهام يطلب الفعل. فيقول: أرجي الحياة أم أجزع من الموت بعد إخواني الذين انقرضوا وذهب والواحد في إثر الواحد فدرجوا. والمعنى: ماذا يجوز أن يكون مني: أيحسن الطمع في الحياة بعدهم، أم الجزع من الموت عقب الفجع بهم. وأم هذه يجوز أن يكون أو بدلها، لأنها المنقطعة. ألا ترى أن التي تكون عديلة الألف في العطف من شرطها أن يكون أحد الأمرين اللذين يسأل عنهما المستفهم قد وقع عنده إلا أنه لا يدري أيهما هو. يقول القائل: أرأيت زيداً أم عمراً، وهو لا يشك أن أحدهما رآه، إلا أنه لا يدري أيهما هو. والذي في البيت ليس كذلك فتأمله. ثمانيةٌ كانوا ذؤابة قومهم ... بهم كنت أعطي ما أشاء وأمنع أولئك إهوان الصفاء رزيتهم ... وما الكف إلا إصبعٌ ثم إصبع ذكر أن إخوانه كانوا ثمانيةً، وأنهم كانوا رؤساء قومهم، وأنه بعزهم ومكانهم من قبيلتهم كان يدفع عن نفسه ما يشاء، ويقبل لها ما يشاء. وفي قوله كنت أعطي ما أشاء حذفٌ، ولو أتي على حده لكان: كنت أعطي ما أشاء إعطاءه وأمنع ما أشاء

стр. 581

منعه. والمفاعيل تحذف كثيراً لأن القرائن تدل عليها. وإنما قال ذؤابة قومهم ولم يقل ذوائب قومهم، لأنه عدهم شيئاً واحداً، لتناصرهم واتفاق أهوائهم. والذوابة: اسمٌ في الأصل، وقد وصف به، وكما قيل هو ذؤابة قومه، وهم ذوائب قومه، قالوا في الضد منه: هو ذنابة قومه، وهم ذنائب قومه. وقوله أولئك إخوان الصفاء نبه به على زوال الخلاف وسقوط المراء من بينهم، وعلى خلوص نية كل واحدٍ منهم مع صاحبه، حتى كان ما يجمعهم تصافياً لا كدرٍ، وتوافقاً بلا حسدٍ، وأنهم كانوا في التعاون والتظاهر كالكف الواحدة، فكل واحدٍ منهم كالإصبع من تلك الكف، فلما تخرموا ومات الواحد بعد الواحد، صارت الكف تتراجع بنقصان أصابعها حتى صارت لا تغني في البطش بها، ولا تعمل عند القبض والبسط عملها. لعمرك إني بالخليل الذي له ... علي دلالٌ واجبٌ لمفجع وإني بالمولى الذي ليس نافعي ... ولا ضائري فقدانه لممتع أقسم بأنه مفجعٌ بمن تعز حياته ويكرم مقامه، حتى يرى لنفسه تدللاً واجباً عليه، وتمكنا مكيناً منه؛ وممتعٌ بمن لا رغبة له في العيش معه، فليس في بقائه نفعٌ له ولا في ذهابه ضررٌ عليه، وكان الواجب أن يقول: ليس نافعي حياته أو وجدانه، حتى يكون في مقابلة قوله ولا ضائري فقدانه إلا أنه لما ضاق نطاق البيت عنه لم يبال بالاقتصار على نافعي، إذ كان المراد بها مفهوماً، وإذ كان ضميره في ليس يقوم مقام حياته لو أتي به. وسمى من اشتدت فاقته إلى حياته خليلاً لاختصاص مكانه من قلبه، وعلى عادتهم في تسمية المعتمد عليه خليلاً، حتى سموا الفرس والسيف خليلاً. قال يعني الفرس: ................... وأتقي ... بهاديه إني للخيل وصول وقال الآخر في السيف: ما سد كفي خليلها

стр. 582

وسمى القبيل الثاني مولى إشارةً إلى أبناء عمه الذين لا غناء عندهم، ولا انتفاع له بمكانهم. وقال مطيع بن إياسٍ، في يحيى بن زياد يا أهل بكوا لقلبي القرح ... وللدموع السواكب السفح راحوا بيحيى ولو تطاوعني ال ... أقدار لم تبتكر ولم ترح لم يرض بتجرده لتلقي الأمر الذي دهمه، وبتفرده في الجزع للخطب الملم به حتى طلب من ذويه وعشيرته إسعاده في البكاء لما نابه فأقرح قلبه، وأسال دمعه. وإنما فعل ذلك لأنه يعد التعاون فيه والتشارك، أدل على تجليل الفجيعة له؛ والائتساء والتساوي، أجلب للتخفيف مما يه. ألا ترى أن الله تعالى يقول في أصحاب النار: " ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون "، فأيأسهم من أن يكون اشتراكهم في العذاب يسليهم أو يرجع بضربٍ من النفع عليهم، على العادة في دار الدنيا. وقوله قلبي القرح يقال: أقرحه الهم فقرح وهو قرحٌ قريحٌ. وقيل في القرح هو البثر إذا ترامى إلى فساد. وقوله السواكب جمع ساكبة، ووصف الدموع به على معنى ذات سكوبٍ، كما قيل عيشٌ ناصبٌ، أي ذو نصبٍ على النسبة. والسفح: جمع سفوح، والسكب والسفح يراد بهما الصب إلا أن السفح أبلغ من السكب، لذلك ارتقى من السواكب إليه. وحكى الخليل أن أهل المدينة يقولون: اسكب على يدي. ويقال رجل سفاحٌ للدماء، ولم يقل سكبٌ، لأن السكب لا يبلغ حد السفح. وقوله راحوا بيحيى ولو تطاوعني الأقدار، يقول منبهاً على مساس الفاقة إلى بقائه، وغلبة اليأس من الاعتياض منه: راحوا ولو أطاعني القدر ما فجعنا بفراقه، فكان لا يبتكر لا غادياً ولا رائحاً. ومن روى بالتاء لم تبتكر جعل الفعل منسوباً إلى الأقدار يريد: لم تبتكر الأقدار ولم ترح به وأنا راض. وإنما قال بكوا لأن فعل يفيد التكثير من الفاعلين. وتكرير الفعل من واحدٍ حالاً بعد حال.

стр. 583

يا خير من يحسن البكاء له ال ... يوم ومن كان أمس للمدح قد ظفر الحزن بالسرور وقد ... أديل مكروهنا من الفرح إنما ناداه لقوله قد ظفر الحزن بالسرور، كأنه يريد إعلامه تأثير المصاب فيهم، وأنهم قد استبدلوا بعده بالسرور حزناً دائماً، وبالفرح مكروهاً راتباً. ومن نكرة. وقوله يحسن البكاء له اليوم صفة له، فيقول: يا خير إنسان كان المدح فيما مضى من الزمان أولى به، والبكاء عليه في الحال والاستقبال أحق له، قد تأدى حالنا بعدك إلى أن أبدلنا القدر بالفرح ترحاً متصلاً، وبالمحبوب مكروهاً لازما. ومعنى ظفر الحزن بالسرور وأديل مكروهنا، أن الغلب لهما حتى لا ثبات للسرور والفرح معهما، ولا انتياش منهما. يبين ذلك أنه قال وقد أديل مكروهنا أي جعل له على الفرح دولةٌ. وقوله من الفرح يريد من المفروح به، وهو المحبوب؛ لأنه كما طابق الحزن بالسرور في الصدر، طابق المكروه بالمحبوب في العجز. وهذا كما يقال: لا يسرني بهذا الأمر فرحٌ ومفروحٌ به ومفرحٌ. والوصف بالمصدر ووضعه موضع الفاعل والمفعول مشهورٌ. وقد خرج في هذا الكلام جواب سائلٍ يقول: ما الفرق بين السرور والفرح؟ وكيف أتي بهما وهما بمعنىً واحد؟ وقال مطيعٌ أيضاً: قلت لحنانةٍ دلوح ... تسح من وابلٍ سحوح أمي الضريح الذي أسمي ... ثم استهلي على الضريح ليس من العدل أن تشحي ... على فتىً ليس بالشحيح أراد أن يدعو للقبر بالسقيا فجعل بدل الدعاء سؤالاً وتمنياً، لأن طريقة الجميع واحدةٌ فقال: قلت لسابةٍ فيها رعدٌ، فكأنها كانت تحن برعدها إلى شيءٍ كحنين الناقة إلى وطنها أو ولدها. دلوح، أي ثقيلة. يقال: مر البعير يدلح بحمله، أي

стр. 584

يمشي متثاقلاً. والسحابة تدلح من كثرة مائها. تسح أي تصب. وابلٌ: مطرٌ ضخم القطر. سحوح: كثير الانصباب شديده: إن قيل: كيف جعل السح مرة للحنانة ومرة للوابل، والوابل يكون مصبوباً لا صاباً، وما فائدة من في قوله من وابلٍ سحوح فإن المراد به الكثرة، وهم يجعلون، إذا قصدوا إلى المبالغة، الفعل الواقع بالشيء له. ألا ترى أنهم يقولون: موتٌ مائتٌ، وشعرٌ شاعر. وهذا كما قالوا: سيلٌ مفعمٌ، والسيل لا يملأ إنما يملأ به الشيء. وإذا كان كذلك فالسح من الحنانة حقيقةٌ، والسح من الوابل مجاز، والمراد به ما ذكرنا. على أنه لا يمتنع أن يكون سح من باب فعلته ففعل؛ فقد حكى الخليل: سح المطر والدمع، وقال: هو شدة انصبابهما. ويقال من السح: فرسٌ مسحٌ، أي يصب العدو. وأرضٌ سحاحٌ، أي تسيل من مطرٍ يسير. وقوله أمي الضريح الذي أسمي يريد الذي أنص عليها وأبينه بذكر اسم صاحبه، إذ لم يكن للضريح اسمٌ يتميز به عن القبور، فكأن بيان الكلام: أسمي صاحبه، فحذف المضاف وهو صاحبٌ، ثم أقام المضاف إليه مقامه، فجاء أسميه، ثم حذف المفعول من الصلة لطولها فبقى أسمىي ومعنى استهلي: صبي. ويقال هل السحاب بالمطر واستهل وانهل المطر انهلالاً. والأهاليل: الأمطار الشديدة الانصباب. ويجوز أن يكون لما وصف السحابة بالحنانة لرعدها كنى عن المطر بالاستهلال، لأنه كالحنين، وهو رفع الصوت بالتلبية وغيرها، فيكون الحنين والاستهلال للرعد والمطر كالسؤال والجواب. فأما قوله على الضريح فتكراره تنبيهٌ على عظم شأنه وفظاعة الفجع به. والتفخم بالتكرير يحصل كثيراً. والضريح: القبر بلا لحد، وهو فعيل بمعنى مفعول، لأنه يقال ضرحوا له ضريحاً. وقال الدريدي: سمي ضريحاً لأنه انضرح عن جالي القبر، أي اندفع فصار في وسطه. وقوله: ليس من العدل أن تشحي ... على فتىً ليس بالشحيح يريد: ليس من الإنصاف البخل بمائك وصوبك على فتىً كان لا يبخل بماله، وما يجتدى منه في جاهه وحاله. وهذا ظاهر. وفي طريقته قول أبي تمام: وكيف احتمالي للغيوث صنيعةً ... بإسقائها قبراً وفي لحده البحر

стр. 585

وقال الأشجع السلمي مضى ابن سعيدٍ حين لم يبق مشرقٌ ... ولا مغربٌ إلا له فيه مادح يقول: فجع الناس بابن سعيدٍ حين كمل وبرع وشمل نفعه فعم حتى لم يبق بقعةٌ من جوانب الشرق والغرب إلا وترى فيها شاكراً لنعمه، حامداً لفعاله، مادحاً لفرط إحسانه. وإنما يعظم الرزء باستكمال فضائل المرثي، وشمول فواضله. وما كنت أدري ما فواضل كفه ... على الناس حتى غيبته الصفائح قوله ما فواضل كفه استفهامٌ، وموضع الجملة من الإعراب أنه مفعول أدري وقد علق عنه، والمعنى: ما أدري ما يقتضى هذا السؤال. والفواضل: جمع فاضلة، وهو اسمٌ لما يفضل من ندى كفه فيتجاوزها إلى الناس. ويجوز أن يكون فاضلةٌ مصدراً بمعنى فضلٍ أو إفضالٍ، فيكون كالعافية والقائم من قولهم قم قائماً، والبالية من قولهم ما أباليه باليةً، ثم لاختلافه جمعه. والمصادر تجمع إذا اختلفت؛ على ذلك قولهم العلوم والعقول وما أشبههما. وإذا جعل كذلك يكون قد عدى فواضل وهو جمعٌ مكسرٌ إلى قوله على الناس. وحصل من هذا الكلام أن قوله على الناس يتعلق بفواضل على وجهين: أحدهما أن يكون فواضل جمع فاضلة، وهو اسم للفاعل، والثاني أن يكون فواضل جمع فاضلة، وهو مصدرٌ، وتعدى مثله ليس بكثير. وقوله حتى غيبته الصفائح معناه إلى أن غيبته الصفائح. والصفائح: أحجار عراضٌ سقف بها قبره. يقول: لم أتبين مقادير إحسانه عند الناس، ومبالغ أياديه لديهم، وفنون بره بهم، وانصباب مننه إليهم، لاختلاف مواقعها، ولخفاء كثيرٍ منها على حسب قصوده في الإفضال، ولتباين مواضع الصنيعة في التفصيل والإجمال، إلى أن خلى مكانه فظهرت الفاقة على متحملي نعمه، وتظاهر الحمد والثناء من الكافة على اختلاف منازلهم وتباعد مظانهم، فحينئذ بان لي كثرتها وتوفرها. فأصبح في لحدٍ من الأرض ميتاً ... وكانت به حياً تضيق الصحاصح

стр. 586

قوله في لحدٍ موضعه نصبٌ على أن يكون خبر أصبح، وانتصب ميتاً على الحال، وكذلك قوله حياً انتصب على الحال. ولا يجوز أن يكون لحدٍ في موضع الحال وميتاً خبر أصبح، لأن ميتاً من الصدر في مقابلة حياً من العجز، ولا يكون ذلك إلا حالاً، فكذلك يجب أن يكون ميتاً، وإلا اختلفا وفسد المعنى. يقول: أصبح وهو ميتٌ يتسع له لحدٌ من الأرض، وكانت الصحاصح تضيق عنه وهو حيٌ. فيجوز أن تكون تضيق عن جيوشه وأصحابه الذين كانوا يحيون بحياته، ويسطون على الدهر بعزته، ويجوز أن يريد بالضيق ما كان يبث من إحسانه، وينتشر من جدواه في أهل الأرض ويشملهم من المنافع بمكانه وجاهه، فيكون التقدير أنها لو جسمت لكانت الصحاصح تضيق عنه. والصحصح والصحصحان: الأرضون المستوية الواسعة. وفي طريقته للبحتري: كانوا ثلاثة أبحرٍ أفضى بها ... ولع المنون إلى ثلاثة أقبر سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض ... فحسبك مني ما تجن الجوانح ضمن له دوام البكاء ما دامت الدموع تجيبه وتساعده، فإن عجزت ونقصت عن المراد، وانقطعت أوان الحاجة، فكافيه منه ما تشتمل عليه جوانحه، ويتضمنه صدره وفؤاده. وقوله ما فاضت في موضع الظرف، أي مدة فيضها. وقوله حسبك مبتدأ وخبره ما تجن. وقد يتم حسبك بنفسه فلا يحتاج إلى خبرٍ، فيقتل حسبك، وحينئذٍ يتضمن معنى الأمر، كأنه يراد به اكتف، ولذلك يستقل الكلام به. ويقال: غاض الماء وغضته. والجوانح: الضلوع، سميت بذلك لانحنائها. والجنوح: الميل. وما أنا من رزءٍ وإن جل جازعٌ ... ولا بسرورٍ بعد موتك فارح قوله ما أنا من رزءٍ تبرؤٌ من الجزع على الرزء، أي ليت له بصاحبٍ وإن جل الفادح، كما أتى لست بسرورٍ به وإن عظم بفارحٍ. والمعنى: أن المنايا والعطايا تساوت أقدارهما عندي بعدك، لأنك كنت المرجو عندي. والمخوف عليه لدي، فلما فاتني القدر بك أمنت من الجزع لحادث شرٍ، ويئست من الفرح لنائب خيرٍ. ولو قال بذل جازعٍ وفارحٍ: جزعٍ وفرحٍ، كان أفصح وأكثر، لأن فعل إذا كان غير متعدٍ فالأجود والأقيس في مصدره فعلٌ، وفي اسم الفاعل فعلٌ، وإذا كان متعدياً فبابه

стр. 587

فاعلٌ. وقد قيل في المريض مارضٌ، وفي السليم سالمٌ، لأن البابين يتداخلان. وقوله ولا بسرورٍ أي ولا بذي سرور فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. كأن لم يمت حيٌ سواك ولم تقم ... على أحدٍ إلا عليك النوائح لئن حسنت فيك المرائي وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح قوله كأن مخفف كأن، واسمه مضمرٌ، أراد كأن الأمر أو الشأن لم يمت حيٌ سواك. والخطب إذا وقع مستغرباً كان تأثيره أشد، ونكؤه أوجع منه، إذا ألف وقوعه، وتمرن بتكرره. فيقول: إن المصيبة عظم تأثيرهافي النفوس، فكأن موتك بدع فعلات الدهر، وكأن النياحة لم تقم على من سواك، إذ كانت طوائف الناس على تباينهم وتباعد أقطارهم، واختلاف هممهم وأوطارهم، تشاركوا في الجزع لك، وتشابهوا في استعظام الأمر والخطب بك، فكأنهم لم يروا مفقوداً، ولا قامت النوائح فيهم عند بكائهم هالكاً. وقوله لئن حسنت فيك المراثي وذكرها مثله قول الآخر: يا خير من يحسن البكاء له ال ... يوم ومن كان أمس للمدح وقد تقدم القول في لام لئن واليمين المضمرة في الكلام. والجواب لقد حسنت، وقوله حسنت في موضع تحسن، لأن حرف الشرط نقل المضي إلى الاستقبال، وجواب الشرط بالفاء ها هنا وقد حذف كأنه قال: إن يحسن الرثاء لك وفيك، الآن وفي مستقبل الزمان، فللمدائح فيما مضى كانت حسنةً فيك. وقال يحيى بن زيادٍ نعى ناعياً عمروٍ بليل فأسمعا ... فراعا فؤاداً لا يزال مروعا يقول: خبر الناعيان بموت عمروٍ ليلاً، فأبلغا الخبر وهو فظيع منكر، وفزعاً قلباً لا يزال مفزعاً. وإنما قال بليلٍ لأنهما لم يصبرا إلى مجيء النهار استعظاماً للخطب؛ لأن اليل لما كان أخفى للويل صار سعي الناعيين فيه أدل على استفحال

стр. 588

الرزء. وقوله أسمعا حذف مفعوليه لأن المراد أسمعا الناس نعيه، وهو بتجرد من المفعول يستعمل في المكروه كثيراً، ولأنه إذا أطلق مبهماً فالإطلاق في مثل هذا المكان أبلغ، وإنما قال مروعاً إيذاناً بأن ذلك الروع ثبت في القلب حتى لا إفاقة منه. ويجوز أن يريد أنه مرزأ في الكرام، فهو الدهر قلقٌ لا يسكن، وحذرٌ لا يأمن. وما دنس الثوب الذي زودوكه ... وإن خانه ريب البلى فتقطعا الدنس: لطخ الوسخ ونحوه حتى في الأخلاق. يقال: هو دنس المروءة، وقد دنس عرضه. ونبه بهذا الكلام على أن زاد المتوفى من الدنيا كفنه، وأن ما كفن فيه المتوفى بقي طاهراً لطهارة نفسه وعنصره، وأنه كان يجب بقاؤه جديداُ لا يؤثر فيه البلى، ولا تسبق إليه الخلوقة، وأن تأثير ريب الدهر فيه بالتقطيع خيانةٌ منه. وكل هذا تعظيمٌ للمرثي، وأن حاله بخلاف أحوال غيره حياً وميتاً. ومعنى خانه ريب البلى أي نزول البلى، قال أبو عبيدة: يقال راب عليه الدهر، أي نزل. دفعنا بك الأيام حتى إذا أتت ... تريدك لم نسطع لها عنك مدفعا يجوز أن يريد بالأيام نوائب الأيام وأحداثها فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ويجوز أن يريد الأيام أنفس الأحداث، فسماها أياماُ كما تسمى الوقعات بها، وكما قال الله : " وتلك الأيام نداولها بين الناس ". ومعنى حتى إذا أتت تريدك موضع تريدك نصبٌ على الحال، أي مريدةً لك. وفائدة حتى الغاية: كأنه قال: دافعنا الأيام بك وبمكانك إلى وقت مجيئها مريدةً لك، فحينئذٍ لم تقدر على دفاعها. وقوله لم نسطع أراد نستطع فحذف منه تخفيفاً لكثرته في الكلام. يقال اسطاع يسطيع، بمعنى استطاع يستطيع؛ وقد حكى أسطاع بفتح الهمزة يسطيع بضم الياء، وليس هذا من الأول لأن هذا في معنى أطاع. مضى فمضت عني به كل لذةٍ ... تقر بها عيناي فانقطعا معا يقول: مضى عمروٌ لسبيله فانقطعت عني لذات الدنيا، وفارقتني بفراقه، فانقطعا مجتمعين ومصطحبين. وموضع تقر بها عيناي جرٌ على أن يكون صفةً للذةٍ، أي كل لذةٍ تبرد لها عيناي لها وتسر نفسي بحصولها. وقوله " معا " في موضع الحال. وقوله تقر بها عيناي، قيل هو من القرار، وقيل هو من القر: البرد. وهذا أقرب لأنه يقال في ضده: سخنت عينه، وهو سخنة العين.

стр. 589

مضى صاحبي واستقبل الدهر صرعتي ... ولا بد أن ألقى حمامي فأصرعا هذا في طريقة قوله: فغبرت بعدهم بعيشٍ ناصبٍ ... وإخال أني لاحقٌ مستتبع ومعنى استقبل الدهر صرعتي توطينٌ للنفس على أنها على أنها بمدرجة الدهر، فهو ينتظر إيقاعه بها وكأن قد. ومعنى استقبل الدهر صرعتي، أي إماتتي، كما يقال لكل جنبٍ مصرعٌ. ومعنى لا بد: لا محالة، وهو من البدد: الاتساع والتفريج. كأنه تضايق الأمر فيه فلا اتساع معه، ويقال: لا بد من أن يكون كذا، ولا بد أن يكون كذا، وأن يحذف حرف الجر معه كثيرا. وقال ابن المقفع يرثي يحيى بن زيادٍ رزئنا أبا عمروٍ ولا حي مثله ... فلله ريب الحادثات بمن وقع يقول: أصبنا بأبي عمرو، وهو مفقود النظير، معدوم الشبيه. فموضع ولا حي مثله نصبٌ على الحال، والعامل فيه رزينا. ثم قال على وجه التعجب: لله ريب الدهر بأي رجل وقع. فقوله بمن وقع منقطع مما قبله وإن كان فاعل وقع الضمير العائد إلى الريب المستكن، لأن قوله لله ريب الحادثات كلام مستقلٌ بنفسه فيما يفيد من إكبار الشان وتفظيع الحال. وإضافة الشيء إلى الله تفخيمٌ وتعظيم، على ذلك قولهم: بيت الله - وإن كان الساجد لله - ولله دره. وقوله بمن وقع مستقلٌ بنفسه أيضاً وفيه استعجاب من أن يكون الدهر يعرض لمثله أو يهم به مع فخامة أمره، وجلالة نفسه. ولو قال: وبمن وقع، فزاد واواً، لكان أكشف في المعنى المراد به. ولا يمتنع أن يكون بمن وقع في موضع الحال، كأنه قال: لله ريب الحادثات واقعاً

стр. 590

بمن وقع، ومؤثراً موجعا، ويكون حالاً للريب، والعامل فيه ما دل عليه لله ريب الحادثات. فإن تك قد فارقتنا وتركتنا ... ذوي خلةٍ ما في انسدادٍ لها طمع فقد جر نفعاً فقدنا لك إننا ... أمنا على كل الرزايا من الجزع حذف النون من تك قد تقدم القول فيه. والمعنى إن فارقتنا والوهى بك لا يرقع، والخلة بك لا تسد، وحديث النفس بالطمع فيك لا يخطر بالقلب ولا يجول في الفكر، فقد جلب إلينا فقدك نفعاً، وهو أمننا من تسلط الجزع علينا لرزيئةٍ مستأنفةٍ، أو نكبةٍ معترضة، إذ كان خوفنا عليك، وحذرنا فيك. وقوله ما في انسدادٍ لها طمع في موضع الجر، لأنه صفةٌ لخلةٍ. يريد ما لنا طمعٌ في انسدادٍ من أجلها وبعدها يحصل. وجواب إن تك، الفاء مع ما بعدها من قوله فقد جر نفعاً، وإنما جلب الفاء لمخالفة الجزاء للشرط بكونه مبتدأ وخبرا، والمبتدأ محذوف كأنه قال: والأمر والشان قد جر فقدنا لك نفعاً. وقوله إننا أمنا إذا كسرت الهمزة من إن يكون على الاستئناف، ويكون جملة الكلام تفسيراً للنفع المستجد له، وإذا رويت أننا بفتح الهمزة يكون بمعنى لأننا أمنا، فيكون الكلام بياناً لعلة حصول النفع. ويجوز أن، يكون موضع أننا نصباً على البدل من نفعاً. وقوله على كل الرزايا، على تعلق بقوله أمناً، يقال هو آمنٌ على كذا، وقد أمنت على مالي عند فلانٌ من امتداد الأيدي إليه، أي لا تمتد، كذلك أمنا على كل الرزايا من الجزع، أي لا نجزع. وأتى بلفظة العموم فيه، وهو كلٌ، إبذاناً بتساوي الخطوب عنده، وانحطاطها عن درجة المصاب به وفيه، حتى لا جزع يتجدد بعده لحادثٍ يحدث ولا يجوز أن يتعلق قوله على كل الرزايا بقوله: من الجزع، لأنه لو كان كذلك لكان في صلته، والصلة لا تتقدم على الموصول. وقال بعض بني أسدٍ بكى على قتلي العدان فإنهم ... طالت إقامتهم ببطن برام كانوا على الأعداء نار محرقٍ ... ولقومهم حرماً من الأحرام

стр. 591

يخاطب امرأةً والنساء كلهن عنده تلك المرأة، فيقول: أكثري البكاء على المقتولين بهذا المكان - وقيل العدان ساحل من سواحل البحر - والمدفونين ببطن برامٍ، فقد طالت إقامتهم. والمراد أن اليأس منهم قد حصل وقوي، وأن غيبتهم اتصلت فرفعت الأطماع من عودهم والاجتماع معهم. ثم أخذ بصفهم فقال: كانوا على المنابذين والمخالفين كنار هذا الملك، لا تبقى ولا تذر - ومحرق هو عمرو بن هند، وكان نذر أن يحرق مائة نفس، ففعل، فضرب المثل بناره - وكانوا لقومهم حرماً من الأحرام، لا مخافة فيهم ولا هضيمة. يريد أن قومهم يأمنون نزول النوائب بهم في فنائهم، فكانوا كمن حصل في الحرم، وأن أعداءهم كانوا يحترقون بنكايتهم فيهم، فكانوا عليهم كنار هذا الملك. وقوله محرق وإن كان صفةٌ في الأصل، فصار بالاشتهار في رجل واحدٍ كالعلم له. وعلى هذا جاء في قوله: عليهن فتيانٌ كساهم محرقٌ وقوله: إليك ابن ماء المزن وابن محرقٍ وقوله حرماً من الأحرام نكره لاختلاف الأحرام. وهي حرم الله تعالى بمكة والشام، وحرم الرسول ﵇ بالمدينة. لا تهلكمي جزعاً فإني واثقٌ ... برماحنا وعواقب الأيام هذا الكلام تسليةٌ لها وإن كان أمرها بالبكاء، وإيذانٌ أنه سيدرك الثأر، فهو ينتظر عقب الأيام وانتهاز الفرص. ونبه بقوله واثقٌ برماحنا على الغناء عندهم، وأن العناية متوفرةٌ من جهتهم. وانتصب جزعاً على أنه مصدرٌ لعلةٍ، ولا يمتنع أن يكون في موضع الحال يريد جازعةً، وهذا الجزع الذي نهاها عنه ليس يريد به الحزن لفقده، وإنما يريد الحزن لسلامة الواتر على مر الأيام لا غير. ألا ترى أنه قال: فإني واثقٌ برماحنا. وقوله عواقب الأيام يشير فيه إلى تغير الزمان واختلاف الحدثان، وأن

стр. 592

الدهر كما يعطى يرتجع. وكما يولى ينتزع، فغيره لا تؤمن، وأحداثه على حالة واحدة لا تقف. وقال آخر: نعى لي أبا المقدام فاسود منظري ... من الأرض واستكت على المسامع وأقبل ماء العين من كل زفرةٍ ... إذا وردت لم تسطعها الأضالع يقول: خبر الناعي بموت أبي المقدام فدير بي، وأصبحت الدنيا مظلمةً في عيني، وأورث خبره صمماً في أذني، فلا الأذن تأذن للكلام على ما كانت تعمل، ولا العين تدرك المرئيات إدراكها من قبل، كل ذلك لتأثير نعيه في الحواس التي هي طرق العلوم وتبين المشاهدات. وبعد ذلك أقبل الدمع يسيل في إثر زفراتٍ اتصلت وتعاقبت، وكل واحدةٍ منها لامتلاء الصدر بها كادت الضلوع تستقيم لورودها. والزفرة: أن يتردد النفس في الصدر ثم يمتلىء منه ويزفر به، أي يرمى. وقد أومأ أبو تمام إلى هذا المعنى وإن يصرح تصريحه في قوله: وما للدار إلا كل سمحٍ ... بأدمعه وأضلعه سخى فأما أبو عبادة ففي قوله: ووراءهم صعداء أنفاسٍ إذا ... ذكر الفراق أقمن عوج الأضلع قد بالغ في الإبانة كل المبالغة. وقوله استكت على المسامع فالمسامع: جمع المسمع بكسر الميم، وهو الأذن. والمسمع، بفتح الميم: موضع السماع وقوله استكت من قولهم بئر سكوكٌ، إذا كانت ضيقة الخرق. فإذا أريد الصمم وقيل استكت أذنه فحيقتة ضاق صماخا، وهو الخرق الباطن المفضى إلى الرأس. وقال آخر: قد كان قبلك أقوامٌ فجعت بهم ... خلى لنا هلكهم سمعاً وأبصارا أنت الذي لم يدع سمعاً ولا بصرا ... إلا شفاً فأمر العيش إمرارا

стр. 593

قوله فجعت بهم الجملة في موضع الصفة لقوله أقوامٌ. وخلى لنا هلكهم، في موضع خبر كان. والمعنى: قد فجعت فيما مضى من الزمان بأقوامٍ جزعت لهم بل هلعت، وأقمت الرسم في البكاء عليهم بل أسرفت، فبقى الفجع بهلاكهم لي ولمن تبعني واقتدى بي، السمع والبصر بعدهم، فزجينا الوقت مستمتعين بما سلم من حواسنا، وعائشين مع الناس في باقي عمرنا؛ فلما أصبنا بك لستنفدت قوانا، واستنزلتنا عن ذخائر صبرنا، فبطلت طرائق العلوم منا، وتناهت في العجز عنا حواملنا إلا شفاً، فطالت شقوتنا، وأمر عيشنا. والشفا: الباقي من الشيء القليل. ويقال: ما بقى من النهار إلا شفاً، أي مقدار ما بين الليل والنهار حين غربت الشمس. وقوله لم يدع بالياء، هو أقيس الروايتين؛ لأن الصلة جاءت على حدها مع الموصول. وإذا رويته بالتاء فعلى الخطاب، وساغ لأن المخاطب والذي مرجعهما إلى شيءٍ واحد، وقد مضى مثله، فاعلمه. وقال المازني: لولا كثرة مجيئه لرددته. ومثله: أنا الذي سمتن أمي حيدرة وقال سمعاً وأبصاراً لأن السمع اسم الجنس، فهو كالجمع. وقال نهشل بن حريٍ بنفسي خليلاي اللذان تبرضا ... دموعي حتى أسرع الحزن في عقلي تعلق الباء من بنفسي بفعلٍ مضمر دل عليه جلية الحال، وقرينة الكلام، كأنه قال: أفدى بنفسي من أخاله. ومعنى تبرضا أفنيا دموعي شيئاً فشيئاً، وقليلاً قليلاً؛ لأن التبرض التبلغ والتطلب من ها هنا وها هنا. وماء برضٌ، أي قليل. وبرض لي من ماله برضاً، إذا أعطاك القليل. قال: لعمرك إنني وطلاب سلمى ... لكالمتبرض الثمد الظنونا

стр. 594

والمعنى فديت بنفسي صديقي اللذين نضب في البكاء لهما دموعي، وتأدى إلي الحزن إلى أن عمل في عقلي فأزاله، فدمعي وصبري مستنفدان لتأثير الفجيعة بهما. وجعل الفعل في تبرضا للخليلين، وحق الكلام تبرض الحزن لهما والبكاء عليهما دموعي، إلى أن أسرعا في عقلي فصار والهاً. ولولا الأسى ما عشت في الناس بعده ... ولكن إذا ما شئت أسعدني مثلي قوله ما عشت في الناس أي مع الناس ومختلطاً بهم، فموضع في الناس نصبٌ على الحال، والكلام جواب لولا، وخير المبتدأ الذي هو الأسى محذوفٌ استغنى عنه بجواب لولا، والمعنى لولا أن لي بالناس إسوةً في مصائبهم، فأورثني ذاك تماسكاً وصبراً، لقتلت نفسي فلم أعش ساعةً من عمري، ولكن متى شئت وجدت لنفسي أقراناً إن دعوتهم أجابوني، وإن استسعدتهم أسعدوني. والإسعاد، قال الخليل: يستعمل في المساعدة على البكاء خاصةً، ومثله: ولولا كثرةً الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي وقال أيضاً: أغر كمصباح الدجنة يتقى ... قذى الزاد حتى يستفاد أطايبه الدجنة: الظلمة؛ وليلةٌ مدجانٌ. والدجن: إلباس الغيم؛ ويقال: هو يوم دجنٍ. وأراد بقوله أغر إنه كريمٌ نقي العرض أبيض الطلعة، فكأنه في تلألؤه ونور وجهه وتهلله مصباح الظلام. ومعنى " يتقي الزاد " أنه يزهد في خبائث الزاد وما يشين أخذه وتطعمه، إلى أن يستفيد الطيبات منه. ويشير بقذى الزاد إلى ما يفيء عليه غدرٌ أو غلول، أو مخانةٌ أو ابتذالٌ. ويشير بالطيب إلى ما كان من حله ووجهه، لا عار في اكتسابه، ولا بذلة في احتجانه. وبعض الناس روى: قدى الزاد، والقدى:

стр. 595

الرائحة الطيبة، يقال قدرٌ قديةٌ، إذا كانت طيبة الرائحة. كأن المراد عنده: لا يتشمم الزاد ورائحته حتى يتيقنه طيباً. والأول الأصح والأجود، وذلك أنه أراد بالقذى الخبيث، وقد طابق الطيب به، كما قال الآخر: وما كان زادي بالخبيث كما زعم وذكر القدى مستبعدٌ ها هنا، ولا فائدة في إبقائه له، ويغلب في ظني أنه تصحيف. وهون وجدي عن خليلي أنني ... إذا لاقيت امرأً مات صاحبه أخٌ ماجدٌ لم يخزني يوم مشهدٍ ... كما سيف عمروٍ لم تخنه مضاربه يقول: خفف وجدي بخليلي لما أصبت له أئتسائي بغيري من الناس، لأني متى شئت لاقيت من امتحن بمثل محنتي. ثم قال أخٌ ماجدٌ أي خليلي وصاحبي أخٌ ماجد، لم يهني يوم حفلٍ ولم يخذلني عند احتشادٍ وجمعٍ، ولا جلب علي في مشهدٍ من المشاهد ما أستحيى منه أو أخزى له، بل كان لي عند ما أدعوه له مجيباً، وفي الشدائد عواناً وظهيراً، لا يتغيب عني ولا يفتر معي، كصمصامة عمرو، له نفاذٌ حيث أعمله، ومضاءٌ عند ما يهزه، لا يخون ولا يرتد، فكذلك كان صاحبي. وارتفع قوله أخٌ ماجدٌ على أنه خبر مبتدأ مضمرٍ. وقوله كما سيف عمرو لو رويت كما سيف عمرو لجاز، تجعل ما صلةً وينجر السيف بالكاف. ومثله قوله: كما العظم الكسبر يهاض حتى ... يبت وإنما بدأ انصداعا تجر العظم بالكاف، وإن رفعته كان مبتدأً، وكذلك إذا رفعت سيف، ويكون ما من قوله ما الكافة، ويكون مثل ما من قوله ما الكافة، ويكون مثل ما من قوله : " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ". والضمير من قوله لم يخنة يرجع إلى عمرو، ويجوز أن يرجع إلى السيف أيضاُ.

стр. 596

وقال أسود بن زمعة أتبكي أن يضل لها بعيرٌ ... ويمنعها من النوم السهود فلا تبكي على بكرٍ ولكن ... على بدرٍ تقاصرت الجدود ألا قد ساد بعدهم رجالٌ ... ولولا يوم بدرٍ لم يسودوا كان السبب في قول الأسود هذا الشعر أن قريشاً كانت حرمت البكاء على أنفسهم لقتلى بدر، لئلا يشمت النبي ﷺ وأصحابه بهم، وكان الأسود قد فجع بابنه زمعة، إذ كان من قتلى ذلك اليوم، فافتدى بالناس في ترك البكاء عليه، فاتفق أن كانت له مشربةٌ فتنزه ومضى إليها فسمع بكاء امرأةٍ فقال لأصحابه: انظروا فإن كان البكاء قد حلل، حتى نبكي نحن أيضاً زمعة، فرجع إليه وقيل: إنه بكاء امرأةٍ ضل لها بعيرٌ. فقال هذا الشعر منكراً لبكائها ومستعظماً. وقوله أتبكي أن يضل لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى معنى الإنكار. وقوله أن يضل: أراد من أن يضل، وهم يحذفون حرف الجر من أن كثيراً. والسهود: امتناع النوم؛ ورجلٌ مسهدٌ، إذا كان قليل النوم. ولم يرض بأن أنكر البكاء عليها، وترك النوم لفقدان بعيرها، حتى نهاها فقال: فلا تبكي على بكرٍ ولكن ... على بدرٍ تقاصرت الجدود يريد أن الذي يجب البكاء له ما جرى على رؤساء قريشٍ وأرباب الجدود فيهم ببدرٍ، وأن الحيف العظيم والخسران المبين والغبن الشديد في ذاك، لا في ضلال بكرٍ. وبدرٌ: اسم بئرٍ اتفقت الوقعة عندها. وقوله تقاصرت الجدود من فصيح الكلام، وهو تفاعلٌ من القصور والعجز، لا القصر الذي هو ضد الطول، كأنه تبارت في القصور، يدل على ذلك أنه يقال قصرت كذا على كذا، إذا حبسته عليه ومنعته من الذهاب عنه حتى صار كالعاجز عن غيره. ويقال أيضاً قصرته على كذا، إذا رددته دون ما أراد. ومنه القصر في الصلاة. ويقال تقاصرت إلى فلانٍ نفسه ذلا. وقصر السهم عن الهدف فهو قاصر. ولا يمتنع - وإن كان الأول هو الوجه - أن يجعل من

стр. 597

القصر، ويكون ضد تطاولت، ويكون على موضوعاً موضوع الباء، كما يقال: هم على ماء كذا وهم بماء كذا. وقوله ألا قد ساد بعدهم رجالٌ يريد أن أهل السيادة انقرضوا وبادوا في ذلك اليوم، فعادت إلى من لا يستحقها ولم يكن لها بأهلٍ. ومثل هذا وإن كان أغمض منه قول الآخر: وألحقنا الموالي بالصميم وقال الأسدي وخبره في منادمته معروف: خليلي هبا طال ما قد رقدتما ... أجدكما لا تقضيان كراكما قوله طال ما يجوز أن يكون ما الكافة وقد ركب مع طال تركيباً واحداً حتى صارا معاً كالشيء الواحد. ويجوز أن يكون ما منفصلاً من طال، ويكون مع الفعل الذي بعده في تقدير المصدر، كأنه قال: طال رقودكما. فإذا كتب المركب مع ما يجب أن يوصل أحدهما بالآخر، وإذا كتب الثاني يفصل بين طال وبين ما. وأجدكما انتصب على المصدر، ذكره سيبويه في باب ما ينتصب من المصادر توكيداً لما قبله. قال: ومثله في الاستفهام: أجدك لا تفعل كذا، كأنه قال أجداً. غير أنه لا يستعمل إلا مضافاً، فهو يجري في التأكيد مجرى حقاً. وفي الإضافة: جهدك، ومعاذ الله، والمعنى: أتجعلان فعلكما جداً. وقوله لا تقضيان كراكما كأنه لما اتصل رقادهما ودل على حاليهما في امتداده قوله هبا، وقوله طالما قد رقدتما، جعل النفي بلا، ليدل على اتصاله في الاستقبال، وأن سؤاله عما يجيء لا عما هو فيه. ولو جعل بدل " لا " ما، كان للحال. ومعنى البيت: يا خليلي انتبها فقد امتد رقادكما.

стр. 598

وأتجدان جدكما في أن كراكما بعد لا منتهى له ولا انقضاء، بل يتصل ويدوم. وقوله طالما قد رقدتما يكتفى به إذا كان المتقدم من الكلام يشتمل على ما قد استطيل. وعلى ذلك عزما، وشدما. ألم تعلما مالي براوند كلها ... ولا بخزاقٍ من صديق سواكما قوله ألم هو لم أدخل عليه ألف الاستفهام، والاستفهام كالنفي في أنه غير موجب، ونفي النفي إيجاب، لذلك قرر بألم فيما كان واجباً واقعاً، لأنه يتضمن من التحقيق والتثبيت في التقرير، وتأكيد المقرر على المخاطب، مثل ما يتضمنه القسم لو أتى به بدله؛ لذلك عقبه بما يعقب به القسم، وهو ما النافية. وقد تقدم القول في قول القائل: الله يعلم ويعلم الله، والله يشهد؛ أن جميع ذلك يستعمل استعمال الأيمان. وكذلك قول القائل: ولقد علمت لتأتين منيةٌ ... ما بعدها خوفٌ علي ولا عدم فقوله ولقد علمت جارٍ مجرى اليمين فيما ذكرت من التأكيد، لولا ذلك لما عقب بما يكون جواب اليمين. وقوله ألم تعلما أصله تعلمان، ودخلت ألم للتقرير. وقوله مالي براوند في موضع المفعول لتعلمان، لأن تعلم ها هنا في موضع تعرف، كقوله تعالى: " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت "، وكذلك: لقد علمت لتأتين، أصله لتأتين ودخلت علمت ليؤكد بها، لأنك أخرجت الكلام بها من أن يكون على سبيل التظني أو من خبر مخبرٍ فيكون إحالةً عليه. واللام من لتأتين له الصدر، فيمنع علمت من العمل، وإذا كان كذلك كان موضع لتأتين له الصدر، فيمنع علمت من العمل، وإذا كان كذلك كان موضع لتأنين نصباً على أنه مفعول علمت، وعلمت بمعنى عرفت. وقوله من صديق في موضع الرفع على أن يكون اسم ما. وفائدة من الاستغراق، وسواكما في موضع غير، وهو صفةٌ لصديق. والكلام هو استبطاءٌ في استمرار رقادهما عنه، وغفلتهما مما هو بسبيله، وباطنه تلهف وتوجعٌ. أقيم على قبريكما لست بارحاً ... طوال الليالي أو يجيب صداكما أصب على قبريكما من مدامةٍ ... فإن لم تذوقاها أبل ثراكما

стр. 599

يقول: أصل مقامي على قبريكما باتصال الليالي ودوامها، ولا أبرح إلا أن يجيبني صداكما. وقوله لست بارحاً في موضع الحال، كأنه أراد: أقيم ملازماً أبداً. وطوال انتصب على الظرف، والعامل فيه يجوز أن يكون بارحاً، ويجوز أن يكون أقيم. فأما قوله أو يجيب فأو بدلٌ من إلى، والفعل بعده انتصب بأن مضمرة. والعرب تقول: عظام الموتى تصير أصداءً وهاما، لذلك قال: أو يجيب صداكما. وقوله أصب على قبريكما من مدامة من أفاد التبعيض، وموضع من مدامةٍ نصبٌ على أنه مفعول أصب، والمعنى أجريكما في المنادمة والشرب مجراكما وأنتما حيان، فإذا عادت النوبة إليكما أصب ما نابكما من المدامة على قبريكما، لأنه إن لم يبل ريقكما رطب قبريكما. وقوله أبل يجوز أن تبنيه على الفتح والضم والكسر، لأنك تدغم وإن كان معرباً، فيلتقى بنقل الحركة عن العين إلى الفاء ساكنان، ثم يبنى على الكسر لأنه أصلٌ في التقاء الساكنين، أو على الفتح لخفته، أو على الضم للإتباع. ولا خلاف في إدغام المعرب من كل العرب، فأما المبني فبعضٌ يظهر التضعيف فيه فيقول: أردد، وبعضٌ يقول رد فيدغم وإن كان مبنياً، إلا أن الأصل في الإدغام للمعرب، ثم حمل المبني عليه فاعلمه. وأبكيكما حتى الممات وما الذي ... يرد على ذي عولةٍ أن بكاكما قوله وما الذي يرد على ذي عولةٍ يجري مجرى الالتفات. وقوله إن بكاكما إذا فتحت الهمزة يكون موضعه من الإعراب الرفع على أن يكون فاعل يرد، لأن أن مع الفعل في تقدير المصدر، وإن رويت إن بكسر الهمزة كان شرطاً وجوابه يدل عليه ما تقدمه، وفاعل يرد ما يدل عليه أبكيكما من مصدره، كأنه قال: وما الذي يرد البكاء على ذي عولةٍ إن بكاكما. على ذلك قولهم: من كذب كان شراً له، ومن صدق كان خيراً له يريدون كان الكذب شراً له والصدق خيراً له. والمعنى: أبكيكما ما اتصل عمري. ثم قال كالملتفت إليهما على طريق اليأس: وما يغني البكاء عن المعول إن بكاكما. فقوله " ما " استفهام ومعناه للإنكار. والعويل: صوت الصدر، ومنه العولة، وقد أعولت المرأة.

стр. 600

وقال عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي إبى لأرباب القبور لغابطٌ ... لسكني سعيدٍ بين أهل المقابر وإني لمفجوعٌ به إذ تكاثرت ... عداتي ولم أهتف سواه بناصر قوله سكني أن تسكن إنساناً منزلاً بلا كراء، والمنزل سكنٌ ومسكن؛ وهو مصدر كعذرى وبشرى. ومعنى البيت: إني أغبط الموتى لحصول سعيدٍ فيما بينهم، فإن الجمال الذي كان للأحياء بمقامه فيهم كأنه انتقل إلى الأموات عنهم؛ وإنى لمتبينٌ تأثير الفجع به، وشدة فاقتي إليه، إذا تزاحم الأعداءٌ وتبالغوا في قصدي، ولا يكون لي من أستنصره عليهم غيره. وقوله سواه في موضع النصب على أنه استثناء مقدمٌ. ويقال هتف هتفاُ وهتافاً. والهتف: الصوت الشديد، وقوسٌ هتفي، والحمام تهتف. وهتف به وصاح به، إذا دعاه. فكنت كمغلوبٍ على نصل سيفه ... وقد حز فيه نصل حران ثائر النصل: اسم حديدة السيف، لذلك صلح إضافته إلى سيفه وإن كان قد يستعمل استعمال السيف. ألا ترى أنه قال: وقد حز فيه نصل حران. يقول: كان عدنى على الدهر وسلاحي على أعدائي، فلما فقدته والأعداء بالمرصاد لي، صرت كان غلب على سيفه وسيف عدوه قد خرج عليه كطالب ثأرٍ وكبده حرى، لشدة عداوته واستحكام غيظه يعمل فيه، وينفذ في الضريبة منه، والمراد: كنت كمن غلب على عدته أشد ما كان حاجةً إليها، وحين تمكن العدو وهو تام الآلة، مكين القوى في المنازلة. أتيناه زواراً فأمجدنا قرى ... من البث والداء الدخيل المخامر وأبنا بزرعٍ قد نما في صدورنا ... من الوجد يسقى بالدموع البوادر يقول: جئناه زائرين فوسع قراناً من الحزن والداء المتمكن من القلب، المخامر له. والمخامر مأخوذ من الخمر، وهو ما واراك من الشجر وغيره. وإذا كان كذلك فهو أبلغ من قوله الدخيل، لأنه يفيد في الموصوف فائدةً أكثر من الدخول، إذ كان
следующие страницы →