← Адаб

Адаб · id 26536

شرح ديوان الحماسة

المرزوقي

Полный текст (1 295 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

لما التقى الصفان واختلف القنا ... والخيل في رهج الغبار أزوم في النقع ساهمة الوجوه عوابسٌ ... وبهن من دعس الرماح كلوم يممت كبشهم بطعنة فيصلٍ ... فهوى لحر الوجه وهو ذميم لما هذه علمٌ للظرف، وهو لوقوع الشيء لوقوع غيره، وجوابه يجيء من بعد، وهو قوله يممت كبشهم. فيقول: لما تواقف الفئتان في مصافهم، واشتجرت الرماح بالطعن بينهم، والدواب غواض على لجمها في القتام الساطع، متغيرة الألوان لاشتداد الشر اللازم، كوالح الوجوه لما يقع بها من الطعن الدراك، والدفع بالرماح، قصدت رئيسهم بطعنة رجلٍ يقضي الأمر، ويفصل العمر، فسقط لوجهه وهو مذمومٌ لعتوه وبغيه. وقوله أزوم جمع آزمٍ، والأزم: الإمساك والعض، وكني به عن الحمية فقيل: " نعم الدواء الأزم ". وقوله في النقع الأجود أن يكون مصدر نقع الشر والصوت والموت، إذا كثر وارتفع، وأن يعدل به عن الغبار، لأنه قال: في رهج الغبار. ومعنى رهج الغبار: ما أثير من الغبار. وقوله ساهمة الوجه السهوم: تغير اللون مع هزلٍ ويبوسٍ. والدعس: الطعن وشدة الوطء. ويقال طريقٌ مدعاسٌ، أي مذللٌ؛ ورجلٌ مدعسٌ شديد الطعن. وقوله فهوى لحر الوجه فالحر من كل شيء أعتقه، وقال الخليل: حر الوجه: ما بدا من الوجنة. حرة الذفرى: موضع مجال القرط. ومعي أسودٌ من حنيفة في الوغى ... للبيض فوق رءوسهم تسويم قومٌ إذا لبسوا الحديد كأنهم ... في البيض والحلق الدلاص نجوم فلئن بقيت لأرحلن بغزوةٍ ... نحو الغنائم أو يموت كريم قوله من حنيفة في موضع الصلة لأسودٍ، وفي الوغى ظرفٌ لما دل عليه قوله أسودٌ، وتقديره معي رجالٌ يشابهون الأسود شجاعةً وإقداماً في الحرب حنفيون. والوغى أصله الجلبة والصوت، ثم صار كالاسم للحرب. وقوله: للبيض فوق

стр. 527

رءوسهم تسويم، فالتسويم: العلامة والتأثير، ومنه قولهم: الخيل المسومة؛ وكل ذلك من السيما: العلامة، ويقال السيميا. ومعناه أنهم لطول لبسهم للبيض، ودوام ممارستهم للحرب، قد انحسر الشعر عن جوانب رءوسهم. ويشبه هذا المصراع قول الآخر: قد حصت البيضة رأسي فما ... أطعم نوماً غير تهجاع وقول أبي تمام الطائي: عبوسٌ كسا أبطاله كل قونسٍ ... يرى المرء منه وهو أفرع أنزع وقوله قومٌ إذا لبسوا الحديد ارتفع قومٌ على أنه بدلٌ من قوله أسودٌ. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: هم قومٌ. وإنما يصفهم بأنهم مشاهير بحسن البلاء، متميزون عن الفرسان إذا حضروا الوقعات، بعلاماتهم ومعارضهم التي عرفوا بها وفيها، فلا يخفى آياتهم إذا تدججوا، ولا يلتبس أحوالهم متى تطلعوا، بل كأنهم النجوم في المناظر والقلوب. وجعل الحديد كناية عن أنواع الأسلحة. والدلاص: اللينة الملساء، يقال درعٌ دلاصٌ ودليصٌ، ودروعٌ دلصٌ. وقال الخليل: ربما جاء دلاصٌ في صفة الجمع. وقوله فلئن بقيت لأرحلن بغزوةٍ اللام من لئن موطئةٌ للقسم، ولأرحلن جوابه. وقوله نحو الغنائم ظرفٌ لأرحلن. ورواه بعضهم: تحوي الغنائم، ويكون صفةً لغزوةٍ، أي حاويةٍ للغنائم. وقوله أو يموت كريم، أو بدلٌ من إلا، ويموت ينتصب بأن مضمرةً، كأنه قال إلا أن يموت كريم. ويعني بالكريم نفسه. وفي طريقته قول لبيد: أو يرتبط بعض النفوس حمامها

стр. 528

وقال رجلٌ من بني يشكر ألا أبلغ بني ذهلٍ رسولاً ... وخص إلى سراة بني النطاح بأنا قد قتلنا بالمثنى ... عبيدة منكم وأبا الجلاح فإن ترضوا فإنا قد رضينا ... وإن تأبوا فأطراف الرماح مقومةٌ وبيضٌ مرهفاتٌ ... تتر جماحماً وبنان راح قوله رسولاً أراد رسالةً. وقوله وخص إلى سراة بني النطاح أي توصل إلى أن تخصهم بأدائها. والسراة تقدم القول فيه. وقوله بأنا قد قتلنا الباء زائدةٌ للتأكيد، وموضع بأنا نصبٌ على أنه بدلٌ من رسولاً. ومثله أعلم بكذا، يريد أبلغ خيار هؤلاء القوم وأماثلهم أنا قتلنا بدل الواحد الذي قتلتموه منا اثنين منكم، فإن رضيتم فرضانا مع رضاكم، وإن أبيتم وتسختطم حاكمناكم إلى ظبى السيوف وقد أرهفت، وإلى أسنة الرماح وقد قومت. وهذا الكلام اعتلاءٌ واقتدار، وتوعدٌ واستكبار. والفاء من قوله فأطراف بما بعدها جواب الجزاء، وارتفع أطراف بالابتداء، وخبره محذوف، كأنه قال: فأطراف الرماح وبيض السيوف بيننا. وتتر في موضع الصفة للبيض، ومعناه تسقط. والمرهفات: المرققات الحد. والراح: جمع راحة. وقال جريبة بن الأشيم الفقعسي فدىً لفوارسي المعلمي ... ن تحت العجاجة خالي وعم

стр. 529

هم كشفوا عيبة العائبين ... من العار أو جههم كالحمم حمدهم لما ظهر من وفائهم وبلائهم، ففداهم وأثنى عليهم. والمعلم: الذي شهر نفسه في الحرب بعلامةٍ لكي إذا أبلى عرف بها. والعجاج: الغبار، وكذلك العجاجة. ويقال لف عجاجته على بني فلانٍ، إذا أغار عليهم. وقوله خالي في موضع الرفع، لأنه خبر المبتدأ. وقوله هم كشفوا عيبة العائبين: العيبة: شبه الخريطة من الأدم. وهذا مثل، أي أظهروا من عيب من كان يطلب عيبهم ما كان خافياً، وكذبوهم فيما كانوا يختلقونه ويتنفقونه به، فكأنهم كشفوا عيابهم المنطوية على عيوبهم، فاسودت وجوههم بما غشيها من العار حتى صارت كالحمم. ويقال: " فلانٌ عيبة عيوبٍ، ومذنب ذنوب ". ويقال: عاب المتاع وغيره، إذا صار ذا عيبٍ؛ وعبته أنا، أي جعلت فيه عيباً. وعلى هذا قول الله تعالى: فأردت أن أعيبها. والحمم: الفحم. ويقال جاريةٌ حممةٌ، أي سوداء. إذا الخيل صاحت صياح النسور ... حززنا شراسيفها بالجذم يقول: إذا ضجت الخيل من الطعن الواقع على نحورها، وهمت بالازورار أكرهناها على الصبر والتقدم. ومثله قول خذاش بن زهير: يصيحون مثل صياح النسو ... ر من أسلٍ واردٍ صادر ومعنى حززنا قطعنا. والشراسيف: مقاط الأضلاع: والجذم: السياط. وقوله صاحت صياح النسور، يريد صياحاً يشبه صياح النسور. وإذا ظرفٌ لقوه حززنا. إذا الدهر عضتك أنيابه ... لدى الشر فأزم به ما أزم هذا مثلٌ، والذي أشار إليه بالأنياب نوب الدهر وحوادثه. وقوله فأزم به أي اعضض به، والمعنى صابره. والتوسع في الأزم والعض على طريقةٍ، يقال: هذا عضيضي وأنا عضيضه، أي نتشاكس في الأمر. وإني لعضاض عيشٍ، أي صبورٌ على شدته. و " ما أزم " ما مع الفعل في تقدير المصدر، واسم الزمان محذوفٌ معه، فهو

стр. 530

في موضع الظرف. والمعنى: اعضض به مدة عضه بك. ورواه بعضهم: " فا رزم له ما رزم "، والمعنى: اثبت له ما ثبت لك. وإنما قال فأزم به طلباً للمطابقة والموافقة. على هذا قوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه "، والثاني ليس باعتداء، بل هو جزاؤه. وجواب إذ قوله فأزم به وهو العامل فيه. ولا تلف في شره هائباً ... كأنك فيه مسر السقم في شره، أي في سر الدهر. يقول: لا توجدن فيما تدفع إليه وتمتحن به من نوائب الدهر خائفاً متهيباً مستشعراً لليأس من النجاح، وانقلاب الأمر إلى الخير والصلاح، فتكون بمنزلة من به داءٌ عضالٌ لزمه، فأعياه مداواته حتى يئس من إقلاعه وذهابه، فجعل يكتمه ويخفي أثره، وهو خائفٌ مما يتعقبه. ورواه بعضهم: مشر السقم. أي مظهره. وهذا كما روى بيت امرئ القيس: لو يشرون مقتلي وأنشد فيه: وحتى أشرت بالأكف المصاحف ومعناه تغتم لما تقاسيه، وتخاف نزول أمثاله، فتنخزل وتنقطع، فعل الوصب المريض إذا اشتكى مما به. عرضنا نزال فلم ينزلوا ... وكانت نزال عليهم أطم يقول: عرضنا عليهم المنازلة فقلنا نزال، لما ضاق مجال الخيل عن الطراد، فتكرهوه ولم ينشطوا له. وكانت هذا العرضة بهذه اللفظة أشد عليهم وأغلب لهم من كل ما تقدم من ألفاظ التداعي والتجاذب. وقد تقدم في لفظة نزال وبنائه وتأنيثه وحقيقته ما فيه كفايةٌ. ومعنى أطم يقال طم البحر، إذا غلب سائر البحور. والطامة: الخصلة التي تطم على ما سواها. وفي القرآن: " فإذا جاءت الطامة الكبرى "، يراد به القيامة.

стр. 531

وقد شبهوا العير أفراسنا ... فقد وجدوا ميرها ذا بشم العير: الإبل عليها الميرة وغيرها. وقال بعضهم: هو من قولهم: عار الشيء: ذهب، يعير، وهي جماعات السفر، ووزنه فعل، جمع عائرٍ، كعائذٍ وعوذٍ، إلا أن العين كسرت لتدل على الياء. والمير: مصدر مارهم يميرهم، إذا نقل إليهم الميرة. والمعنى: لجهلهم بخصمهم، وثقتهم بأنفسهم وتمكن البغي من اختيارهم ونظرهم، عدونا غنيمةً تغتنم، وإبلاً بأجمالها تساق وتقتسم، فقد استوبلوا عاقبة غنيمتهم وذاقوا وخامة ميرتهم. والبشم: الثقل، يقال بشمت من الطعام، وبغرت من الماء. وقال آخر: أتاني عن أبي أنسٍ وعيدٌ ... فسل لغيظة الضحاك جسمي ولم أعص الأمير ولم أربه ... ولم أسبق أبا أنسٍ بوغم هذه الأبيات إنما ختم بها الباب وإن لم تكن منه على عادته، في إتباع المعنى بضده كثيراً. والأغلب في الظن بقائها أن يكون قصد بها الهزء والتملح. وفي طريقتها قول الآخر: إني أعوذ بروحٍ أن يقربني ... إلى القتال فيخزى بي بنو أسد إن المهلب حب الموت أورثكم ... ولم أرث نجدةً في الحرب عن أحد إن الدنو من الأعداء تعلمه ... مما يفرق بين الروح والجسد ولبعضهم: باتت تسخفني هندٌ وقد علمت ... أن الشجاعة مقرونٌ بها العطب

стр. 532

يا هند لا والذي حج الحجيج له ... ما يشتهي الموت عندي من له أدب للحرب قومٌ أضل الله سعيهم ... إذا دعتهم إلى أهوالها وثبوا ولست منهم ولا أرضى فعالهم ... ما القتل يعجبني منهم ولا السلب وأبلغ منه قول الآخر: اثنان منا يغلبان واحدا ... إذا تعاونا وكان رقدا فأما قوله فسل لغيظة الضحاك فالضحاك اسم أبي أنسٍ. ومعنى سل: ذاب، كجسم من به السلال، وهو داء معروف. وقال غيظة لأنه أراد المرة الواحدة، وهذه الهاء تدخل في المصادر على اختلافها لهذا المعنى كالضربة والخرجة والإلمامة والاستخراجة. وقوله ولم أربه يروى بفتح الهمزة وضمها؛ والفرق بينهما أنه يقال رابه الدهر إذا قصده بريبه وحوادثه؛ وأرابه: أتاه بريبة. والوغم: الترة والذحل. ولكن البعوث جرت علينا ... فصرنا بين تطويحٍ وغرم وخافت من جبال السغد نفسي ... وخافت من جبال خوارزم قوله ولكن البعوث جرت علينا يقال ضرب البعث على الجند، وأجري البعث عليهم، أي بعثوا إلى العدو. وجمعه فقال البعوث، لاختلافه وتكرره. وهذا كما يجمع الضرب على الضروب والفن على الفنون. والتطويح: والتبعيد في الأرض، والحمل على ركوب المهالك. ويقال طوحوا وطيحوا جميعاً. وقارعت البعوث وقارعوني ... ففاز بضجعةٍ في الحي سهمي فأعطيت الجعالة مستميتاً ... خفيف الحاذ من فتيان جرم قوله قارعت البعوث يريد به ساهمتهم، والقرعة الاسم. ويقال: هو قريعي أي مقارعي، كما يقال هو خصيمي. وقوله البعوث أراد أصحاب البعوث، فحذف المضاف. ويجوز أن يكون سمى المبعوث بعثاً ثم جمعه، وهذا على عادتهم في الوصف باسم الحدث. وقوله فاز بضجعةٍ في الحي سهمي أي خرج

стр. 533

قدحي باضطجاعي وراحتي. ويقال رجلٌ ضجعيٌ بضم الضاد وكسرها، وضجعةٌ، للعاجز اللازم منزله، ومنه قيل للنجوم الثوابت الضواجع. وقوله أعطيت الجعالة، يريد أعطيت الرشوة لنائبٍ عني من بني جزمٍ، خفيف الحال فقير، رضي بالموت وعرض بنفسه له، لا سعد بالراحة والسلامة، ويشقى هو بالتعب والهلكة. ويقال: فلانٌ خفيفٌ الحاذ، أي الحال والمؤنة؛ وهما بحاذٍ واحد، أي بحالٍ واحد. تم باب الحماسة، بحمد الله الذي هو ولي الحمد

стр. 534

باب المراثي قال أبو خراشٍ الهذلي حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراشٌ وبعض الشر أهون من بعض خراشٌ: مصدر خارشته، أو جمع خرشٍ، وهو الأثر كالخدش؛ ومنه تخارش الكلاب: مزق بعضها بعضاً. والخراش: سمةٌ مستطيلةٌ كاللذعة الخفية، ويقال بعيرٌ مخروشٌ. والمخرش: اسمٌ لما يؤثر به، خشبةً كان أو غيرها. فأما أبو خراشة من بيت الكتاب: أبا خراشة أما أنت ذا نفرٍ ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع فقد روي بضم الخاء وكسرها، فخراشةٌ يجوز أن يكون من خرش لعياله، أي كسب، ويكون من باب عمالةٍ وعجالةٍ وصبابةٍ وما أشبهها. وخراشةٌ منه من باب ولايةٍ ونكابةٍ وما أشبههما. وأبو خراشٍ هذا كان خراشٌ ابنه وعروة أخوه، اصطحبا في متصرفٍ لهما فأسرهما بطنان من ثمالة: بنو رزامٍ وبنو بلالٍ، وكانوا موتورين، فاختلفوا في الإبقاء عليهما وقتلهما، فمال بنو بلالٍ إلى قتلهما، وتفاقم الأمر بينهما في ذلك إلى أن صار

стр. 535

يؤدى إلى المقاتلة، فتفرد أولئك بعروة فقتلوه، وتفرد هؤلاء بخراشٍ فخلا به واحدٌ منهم منتهزاٌ للفرصة في الإسداء إليه، فقال له: كيف دليلاك؟ قال: قطاة! فألقى عليه رداءه وقال: أنجه. فمر لطيته، فلما انحرفوا للنظر في أمره قال لهم ممسكه: إنه أفلت! فطردوه فأعياهم، فلما رجع خراشٌ إلى أبيه وخبره بما جرى على عروة، وبما اتفق من صاحبه في باببه، اقتص قصته في هذه الأبيات. وقد حكي فيما روي عن الأصمعي وأبي عبيدة أنهما قالا: لا نعرف من مدح من لا يعرفه غير أبي خراشٍ. وقد سلك من شعراء الإسلام مسلكه أبو نواسٍ في أبيات أولها: ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثرٌ منهم جديدٌ ودارس مساحب من جر الزقاق على الثرى ... وأضغاث ريحانٍ جنيٌ ويابس ولم أدر من هم غير ما شهدت لهم ... بشرقي ساباط الديار البسابس ومر بي أبياتٌ لبعض الأغفال فيها: سقياً لهم فتيةً تدمى سيوفهم ... لا علم لي غير أن القوم أحرار فهذا ما رواه الناس وقد حكى أبو العباس في الكامل: أن خراشاً كان في القد مأسوراً، وأن آسره نزل به ضيفٌ فقام يحتشد له، فنظر ذلك الضيف إلى خراشٍ وكان ملقىً وراء البيت، فسأله عن حاله ونسبه فشرح له قصته وانتسب، فقطع إساره وخلاه، فلما رجع رب البيت قال: أسيري أسيري!! وأراد السعي في أثره، فوتر قوسه وحلف أنه إن تبعه رماه. وقد ذكر أن ملقي الرداء كان مجتازاً بعروة، فرآه بادي العورة مصروعاً، ففعل ذلك به. فهذا قصته على الاختلاف فيه. وقوله حمدت إلهي روي: حمدت الإله، وقل ما يقع في الاستعمال الإله معرفاً باللام، وقد أتى به على أصله، إذ كانت العادة جرت باستعمال لفظة الله بدله، حق جرى مجرى الألقاب في أن يكون مقدماً وسائر الصفات تتبعه. ومعنى اللفظة:

стр. 536

الذي تحق له العبادة. والحمد يجري مجرى الشكر، إلا أنه يستعمل في مسدي الإحسان، وفي من رضيت أفعاله وإن لم يكن منه إحسان، فيقال: حمدت فلاناً على اصطناعه لي، وحمدته على براعته وفضله؛ والشكر لا يستعمل إلا فيمن يكون منه إسداء معروفٍ وأخذٌ بإحسان. والمعنى أشكر الله بعد ما اتفق من قتل عروة، على تخلص خراش، وبعض الشر أخف من الآخر. كأنه تصور قتلهما جميعاً لو اتفق، فرأى قتل أحدهما أهون. وهذا الكلام، أعني وبعض الشر أهون من بعض رمى به مرمى الأمثال. فإن قال قائلٌ: ليس في الشر هين، وأفعل هذا يستعمل في مشتركين في صفةٍ زاد أحدهما على الآخر؛ لا تقول: زيدٌ أفضل من عمرٍو، إلا وقد اشتركا في الفضل، فكيف جاز أن يقول: وبعض الشر أهون من بعض، ولا هين في الشر؟ قلت: إن للشر مراتب ودرجاتٍ، فإذا جئت إلى آحادها، وقد تصورت جملها، ورتب الآحاد فيها، وجدت كل نوع منها بمضامته للغير له حالٌ في الخفة أو الثقل، وإذا كان كذلك فلا يمتنع أن يوصف شيءٌ منه بأنه أهون من غيره. ولا يشبه هذا قوله : " أصحاب الجنة يومئذٍ خيرٌ مستقراً وأحسن مقيلاً "؛ لأنك إذا تصورت حال أهل الجنة مع أهل النار لم تجد ثم مراتب متقاربةً يترقى الواصف في درجها، ويتصور اشتراكهم فيها، إذ لم يكن ثم مشاركةٌ البتة بوجهٍ من الوجوه. فالجامع بين الآية وبين هذا وأشباهه خارجٌ عن الطريقة. والصواب أن يقال في الآية: إن المعنى: أصحاب الجنة يومئذٍ أحسن حالاً وأعظم شاناً، وأعلى درجةً ومكاناً، وخيرٌ مستقر وأفضل مقيلا، من أن يشبه بشيءٍ، أو يحد بوصفٍ، فحذف منه ما حذف. وعلى هذا يحمل قول المسلمين: الله أكبر، وما روي عن النبي ﷺ أنه لما سمع الكفار يقولون: اعل هبل! قال: " الله أعلى وأجل! ". فوالله ما أنسى قتيلا رزيته ... بجانب قوسي ما مشيت على الأرض تعلق الباء من قوله بجانب بقتيلا، كأنه قال: ما أنسى قتيلاً بجانب قوسي رزيته. وموضع رزيته وبجانب قوسي جميعاً صفة للقتيل؛ وقد دخله بعض الاختصاص بذكرهما. وقوله ما مشيت ما مع الفعل في تقدير مصدر حذف اسم الزمان معه، كأنه قال: مدة مشيي على الأرض. وفي الكلام نية الشرط والجزاء، كأنه قال: لا أنسى قتيلاً رزيته إن مشيت على الأرض، ومعناه إن بقيت حياً، فلذلك وقع الماضي فيه في موضع المستقبل، لأن ما مشيت على الأرض في

стр. 537

موضع ما أمشي على الأرض، وإن أمش على الأرض. فأما تذكره له أبداً فالوجه أن يكون عاماً فيما يتعلق بالمتوفى وبمن يرثيه، كأنه لا ينسى أخلاقه وطيب العيش معه، ولا الامتناع بمكانه وشدة الفاقة إلى حياته، فلا ينسى ما يلزمه في قضاء ذمامه وطلب دمه، ومكافأة أعدائه وقاتليه، إلى غير ذلك. يشهد لهذا الذي قلناه ما يجيء كثيراً في هذا الباب من قولهم " هون وجدي أنني لم أفعل كذا " و " يذكرني من فلانٍ كذا "، وما يجري هذا المجرى، ويجوز أن يكون قال: لا أنساه، تعظيماً للمصيبة به، وتفظيعاً للحال المعترضة فيه، وعلى عادة قول الناس عند النازلة الهائلة، والنائبة الكاربة: لا ينسيني هذا شيءٌ، وهو نصب عيني إلى أن أموت، والمعنى: لا يرى أعظم منه. على أنها تعفو الكلوم وإنما ... نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي مثله قول الأحوص: إن القديم وإن جلت رزيئته ... ينضو فينسى ويبقى الحادث الأنف وقوله على أنها تعفو الكلوم يجري مجرى الاعتذار منه والاستدراك على نفسه فيما أطلقه من قوله: لا أنسى قتيلا رزئته مدة حياتي. يكشف هذا أن موضع على أنها تعفو الكلوم من الإعراب نصبٌ على الحال، والعامل فيه ما أنسى قتيلاً. وهذا كما تقول: ما أترك حق فلانٍ على ظلعٍ بي، كأن التقدير أؤديه ظالعاً، فعلى المثال الذي ذكرنا يجيء ما أنسى قتيلاً رزئته على عفاء الكلوم، أي أذكره عافياً كلمى كسائر الكلوم. ويعنى بالكلم: الحزة عند ابتداء الفجعة. وإنما قال هذا لأن الإنسان بكونه مهدفاً للأحداث، غرضاً للمصائب والأرزاء، موزع الحال بين ما يتجد له أو يبلى، مقسم الصبر في أثناء ذلك على ما يحدث أو يتولى، فلذلك قال نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي فهذا بيان كون الكلام اعتذاراً. وقوله على أنها الضمير للقصة، وخبر أن الجملة بعدها، ولو قال: على أنه لجاز وكان الضمير للشأن والأمر. والمراد: على أن القصة إذا اقتصت، والصورة إذا تحققت، أن الجروح تعفو، وإنما الجزع للأقرب منها فالأقرب يتسلط فيعلو. وهذا كما سئل بعضهم: ما أشد الأدواء؟ فقال: ما يحضرك، وإن برح بك ما غاب! ويقال عفا الشيء، إذا درس عفاءً وعفواً، وتعفى أيضاً، وعفته الريح، وعفا الشيء: كثر عفواً وعفوته. قال أبو زيد: يقال عفوت صوف الشاة، إذا أخذته، وعفوته إذا وفرته، فهو من الأضداد. وأبلغ مما

стр. 538

قاله قول الآخر: فلم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكن نكء القرح بالقرح أوجع ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... ولكنه قد سل عن ماجدٍ محض ويجوز أن يكون من بمعنى الذي فيكون في موضع المفعول، وألقى عليه رداءه صلته، ويجوز أن يكون من استفهاماً مبتدأً وألقى عليه رداءه في موضع الخبر، ويكون الجملة في موضع المفعول ل " لم أدر ". وتحقيق الكلام: لم أدر ما يقتضى هذا السؤال، لأن الذي خفي عليه ذات الملقى واسمه لا فعله. وموضع على أنه نصبٌ في موضع الحال، كأنه قال: أدريه مسلولاً من ماجدٍ محضٍ. ويروى: سوى أنه قد سل ويكون موضع سوى من الإعراب نصباً على أنه استثناء خارجٌ، ألا ترى أنه يتأتى أن يجعل مكانه لكن، والتقدير: لا أعرف اسمه ونسبه، إلا أنه ولد كريمٍ بما ظهر من فعله. والمستثنى قد انقطع عن الأول، ألا ترى أنه قد عرفه بدلالته وإن لم يعرف نفسه وذاته. ومعنى البيت: ولا أعلم الذي اهتدى لهذه المكرمة في باب ابني خراش، ولكنه كريم الأصل شريف الفرع، مؤثرٌ لفعل الصنيعة كيف اتفقت، لا يراعي وجوبها ولا زكاءها. وأصل المجد الكثرة، يقال أمجدت الدابة العلف، إذا أكثرت له. وأراد بالمحض صفاء النسب. ولم يك مثلوج الفؤاد مهبجاً ... أضاع الشباب في الربيلة والخفض قوله ولم يك حذف النون من يكن لكثرة الاستعمال لهذه اللفظة، ومضارعة النون لحروف المد واللين، وقد مضى مثله. وقوله مثلوج الفؤاد أي بارد الفؤاد غير ذكيٍ ولا حديدٍ. والمهبج: المتورم، يقال هبجه بالعصا فهبج وتهبج، إذا ضربه بها فانتفخ وتورم. والربيلة، أصلها الرطوبة والسمن. يقال: رجلٌ ربلٌ، وبئرٌ ذات ربالةٍ، إذا كانت ناجعة الماء في الماشية تسمن عليه. والربل: ما تفطر من الورق في آخر الصيف ببرد الليل. يقال: هم يتربلون. والريبال من أسماء الأسد إذا لم يهمز، يجوز أن يكون فيعالاً من هذا، لتربله وعظمه. والخفض: الدعة وترك السفر. ومعنى البيت: أنه رجع إلى صفة عروة فقال: كان ذكي الفؤاد شهماً، نافذاً في الأمور حي

стр. 539

القلب، لا آفة به فيتورم جلده أو يتغير لونه، ولم يكن ممن ضيع شبابه في التودع وصلاح البدن، حتى كان يترك السفر واكتساب الأحدوثة بما يمتهن فيه النفس، ويتعرض من أجله للتلف. ولكنه قد نازعته مجاوعٌ ... على أنه ذو مرةٍ صادق النهض لكن المخففة استدراك بعد نفي، والمشددة وإن كان للتحقيق فيه معناه. فلما نفى عنه ما قدمه في البيت الذي قبله، استدرك على نفسه إثبات ما يتضمن هذا البيت له. ويروى ولكنه قد لوحته مخامصٌ، ومعنى لوحته غيرته، والمخامص: جمع مخمصةٍ، وهي خلاء البطن من الطعام جوعاً، وفي الحديث: تغد الطير خماصاً وتروح بطاناً. والمجاوع مثل المخامص. والخصال التي تحمل النفوس على الصبر على الجوع والخماصة مخامص ومجاوع. فيقول: كما انتفى عنه تلك الأوصاف الذميمة جاذبته في مساعيه ومتصرفاته لمباغيه الشريفة ومطالبه مجاوع أو مخامص، يريد خصالاً تجوع فيها النفس وتفطم فيها عن لذيذ الطعم؛ وهو ذو قوةٍ، إذا نهض في الأمور صدق فيها، ولم يكذب فعل من يأتي الشيء تعذيراً أو رياءً. وقوله صادق النهض جعل الصدق للنهض وإن كان الفعلان له ولذلك كان نكرةً تقديره: ذو مرة صادقٌ نهضته، وأصل النهوض البراح من الأرض، ومنه الناهض: الفرخ الذي وفر جناحاه فنهض للطيران. وقال عبدة بن الطبيب عليك سلام الله قيس بن عاصمٍ ... ورحمته ما شاء أن يترحما حياه بقوله: عليك سلام الله ورحمته وهكذا تحية الموتى، بتقديم عليك، والمعنى: عليك من الله السلامة! وسلامته وقد مات، في توفر الرحمة عليه لذلك قال ما شاء أن يترحما، فاستدام له التحية بقوله: ما شاء أن يترحم؛ لأن الترحم من الله دائمٌ، لاتصال رحمته في خلقه، فكأنه قال: توفرت عليك الرحمة ما شاء

стр. 540

أن يترحم. وقوله ما شاء ما مع الفعل في تقدير مصدر، وهو في موضع الظرف، والمصادر يحذف معها أسماء الزمان كثيراً، فالتقدير: مدة مشيئته للرحمة. والسلام من أسماء الله تعالى، مصدرٌ في الأصل، والمراد به ذو السلامة. وليس في أسمائه تعالى ما هو مصدرٌ إلا هذا، وقولهم إله، والباقي كله صفاتٌ. وقوله قيس ابن عاصمٍ هو على لغة من لا ينون في غير النداء، ومن ينون يقول قيس فيبنيه على الضم. تحية من غادرته غرض الردى ... إذا زار عن شحطٍ بلادك سلما انتصب تحية على المصدر مما دل عليه قوله عليك سلام الله، كأنه قال: أحييك تحية من غادرته. و " من غادرته " يجوز أن يكون من معرفةً في موضع الذي وغادرته من صلته، ويجوز أن يكون نكرةً في موضع إنسان كأنه قال: تحية إنسان هكذا، فيكون غادرته صفة له. وانتصب غرض الردى على الحال، وهو في موضع النكرة وإن كان مضافاً إلى ما فيه الألف واللام، لأن غرض يتضمن معنى الصفة، كأنه قال غادرته منصوباً للردى وهدفاً له. وقوله إذا زار عن شحطٍ بلادك سلما يجوز أن يكون في موضع الصفة لغرض الردى أو حالاً له، ويجوز أن يكون في موضع الحال إذا جعلت من معرفةً، ويجوز أن يكون في موضع البدل من غادرته إذا جعلته صلةً. وقوله عن شحطٍ أراد بعدٍ شحط أي بعد. يقال: شحط يشحط شحطاً وشحوطاً. وكأنه أشار به إلى بعد المزار والعهد جميعاً. وقوله سلما جواب إذا. ومعنى البيت: أحييك تحية الرجل الذي غادرته غرض الردى، أو تحية إنسانٍ هكذا، على التقديرين. أي تركته مهدفا للمهالك والمعاطب، وبمدرجة الآفات والنوائب، أشد ما كان حاجة إليك، لا ناصر له ولا ملتجأ، ولا مستغاث ولا معتمد، وإذا أراد قضاء حقك، أو زيارتك للتسلي بك، فقطع المسافة بينه وبينك لم يرزأك شيئاً إلا تسليماً عليك. وهذا الكلام تصريح باليأس منه، وإظهارٌ للحاجة إليه. فما كان قيسٌ هلكه هلك واحدٍ ... ولكنه بنيان قومٍ تهدما يجوز أن يروى هلك بالنصب والرفع، فإذا نصبت كان هلكه في موضع البدل من قيسٍ وهلك ينتصب على أنه خبر كان كأنه قال: فما كان هلك قيس هلك واحد من الناس، بل مات بموته خلقٌ كثير، وتقوض ببنيته وعزه بنيانٌ رفيع. وإذا رفعته كان هلكه في موضع المبتدأ، وهلك واحدٍ في موضع الخبر، والجملة في موضع النصب

стр. 541

على أنه خبر كان. ويشبه هذا البيت قول امرئ القيس: فلو أنها نفسٌ تموت سويةً ... ولكنها نفسٌ تساقط أنفسا إذا رويت تساقط بضم التاء. ومثلهما وإن أغمض قول الهذلي: مطأطأة لم ينبطوها وإنها ... ليرضى بها فراطها أم واحد لأن المعنى أن الفراط لما حفروا القبر رضوا بأن يضعوا فيه واحداً، فإذا هم يدفنون بدفنه خلقاً كثيراً. وصلح قوله ولكنه بنيان قوم تهدما في مقابلة فما كان قيس هلكه لمعناه الموافق له، وذلك أن البنيان وتهدمه لم يكن إلا لموت أربابه. وقال هشامٌ أخو ذي الرمة تعزيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاءً وجفن العين ملآن مترع هشامٌ هذا فجع بأخيه أوفى، وأني عليه زمانٌ مقاسياً لآلام الفجيعة به، ثم أصيب بعده بغيلان - وهو ذو الرمة - فيقول: تسليت عن الرزيئة بأوفى أخي، بعد أن أصبت بغيلان عقيبه، وجفن عيني مملوء دمعاً، عزاءً. وانتصب عزاءً على المصدر، وهو موضوعٌ موضع التعزي، والفعل من العزاء عزى وعزي جميعاً، أي صبر. ويقال: هو حسن العزوة، أي العزاء، وبناء تعزى بناء تكلفٍ. والواو من قوله وجفن العين واو الحال، والعامل في موضع الجملة تعزيت. وفائدة اقتران هذه الحال بما قبله هو أن يتبين به ضعف العزاء المشار إليه؛ لأن العزاء المتكلف إذا صحبه البكاء لم يكن عزاءً في الحقيقة، ولا يمتنع أن يكون الجملة التي هي وجفن العين ملآن في موضع الصفة لعزاءً، لأنك إذا قلت رأيت رجلاً ومعه غلامه، معناه رجلاً بهذه الصفة، فكذلك يكون المراد عزاءً بهذه الصفة وهي أن يصحبه البكاء. ولا يجوز أن يكون العامل في موضع قوله وجفن العين عزاءً إذا جعلته حالاً؛ لأن

стр. 542

الاعتماد على الفعل، وعزاءً معموله، والمصدر وقد تبع الفعل معمولاً له يؤكده لا يعمل في غيره عمله، ولا فعل معه. وقوله مترع أراد الامتلاء وزيادةً، وهو الانصباب. يقال أترعت الإناء، إذا ملأته ملأً يضيق عما يحويه حتى ينصب منه. ويقال ترع الإناء وأترع بما فيه. والمتترع: المتسرع إلى الشر المقتحم فيه، منه. وجعل الامتلاء للجفن لأنه ممسك الدمع، وأصل الجفن الحبس، لذلك قيل لقراب السيف: جفن. نعى الركب أوفى حين آبت ركابهم ... لعمري لقد جاءوا بشرٍ فأوجعوا نعوا باسق الأفعال لا يخلفونه ... تكاد الجبال الصم منه تصدع أتبع ما تقدم باقتصاص نعي الركبان لأوفى، كأنه أراد أن يذكر ابتداء المصاب به ليتبين كيف توفر الجزع عليه، وكيف انصرف ما انصرف منه إلى ما تعقبه من المصاب الثاني، فيقول: ذكر الركبان موت أوفى عند إيابهم، ولعمري لقد ذكروا شراً عظيما، وأوجعوا قلباً سليماً. وقوله نعوا باسق الأفعال أعاد ذكر النعي تفظيعاً للشأن. ويقال نعى نعياً ونعياً ونعياناً، أي خبر بالموت. وقولهم: نعاء فلاناً، لفظةٌ يشهرون بها موت الرئيس. ومعنى باسق الأفعال لا يخلفونهأنهم ذكروا موت رجلٍ على الشأن، شريف الأفعال، رفيع الحكمة، هم بأجمعهم لا يقومون مقامه فيما كان يتولاه في الحي من الإحسان إليهم، والتحمل عنهم، وبسط الخير فيهم، والبسوق في الأفعال، وهو في الأصل الطول والاستكمال، ويجوز أن يكون إشارةً إلى أنه لا يدرك غايتها، فكل فعلٍ يقع من غيره إذا قيس إلى ما يأتيه يتضع دونه، وينحط عن رتبته، فلا يعلو علوه، ولا يكمل كماله. وعلى هذا قولهم: فلانٌ رفيع الفعال علي المقال. ويجوز أن يريد بالبسوق امتداد الصيت بها، وصعودها في درج تقبل الله تعالى إياها إلى السماء. وهذا كما يقال: قولك هذا يرتقي إلى الملاء الأعلى. وهذا الشعر إسلاميٌ، فلا يمتنع أن يشير فيه إلى قوله : " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ". وقوله " تكاد الجبال الصم منه تصدع " منقطعٌ مما قبله ويجري مجرى الالتفات، لأنه لما قال نعوا باسق الأفعال لا يخلفونه كأنه أقبل على من حوله فقال: تكاد الجبال الصم منه تصدع، ويكون الضمير من قوله منه يرجع إلى النعي، ودل عليه قوله نعوا. وهذا كما يقال: من حمد الله تعالى كان خيراً له، أي كان الحمد خيراً له. والمراد بالصم الصلاب كأنه لا خروق في أثنائها ولا تخلخل.

стр. 543

خوى المسجد المعمور بعد ابن دلهمٍ ... وأمسى بأوفى قومه قد تضعضعوا ابن دلهمٍ كان السبب في عمارة المسجد الذي أشار إليه، فلما مضى لسبيله صار المسجد خالياً إذ كان هو المراعي والمتفقد لصلاح أمره. وأوفى - يعني الذي يرثيه - كان قوام أمر عشيرته به، وانتظام شئونهم بمكانه، فلما ثل عرشه وأصيبوا به اضطربت أحوالهم، واتضعت رتباتهم، فصاروا بعده كالمسجد المعمور بعد ابن دلهمٍ. أراد أن يشبه تضعضع القوم بموت أوفى، بخراب المسجد بموت ابن دلهم فلم يأت بلفظ التشبيه إذ كان معناه من الكلام مفهوماً. والضعضعة: الخضوع والتذلل. فلم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكن نكء القرح بالقرح أوجع القرح والقرح لغتان في عض السلاح وما يجرح في الجسد. ويقال إنه لقرحٌ قريحٌ، وقرح قلبه من الحزن. ونبه بهذا الكلام على أن الجزع بأوفى لم يزله ما تعقبه من المصائب، ولكنه زاده اشتداداً، ثم شبهه بالقرح وهو الجرح، وقد جلب ويبس، إذا نكئ وقرح ثانياً، أي أدمي وقشرت جلبته كما أن القرح إذا فعل به ذلك كان إيجاعه أشد وأبلغ، فالهلع بموت أوفى وقد أمد بمصابٍ آخر يكون أتم وأكمل. وقوله أوجع موضوعٌ موضع أشد إيجاعاً. فإن قيل: كيف صلح ذلك، وأفعل الذي للمبالغة والتفضيل يتبع ما أفعله وكذلك أفعل به، وفعل التعجب يجب أن يكون من الثلاثي لا غير: فَعَل وفَعُل وفَعِلَ، وأوجعني ليس منها؟ قلت: ذلك سائغٌ على مذهب سيبويه، إذ كان عنده أن فعل التعجب يكون من الثلاثي ومما كان على أفعل خاصة، على ذلك حكي قولهم: ما أعطاه للمال، وما آتاه للخير، وإنما هما من الإيتاء والإعطاء، لا من الأتي والعطاء، وكذلك قولهم: ما أسداه للمعروف، وذلك لكثرة وجوه الشبه بين فعل وأفعل، ألا ترى أنهما يتفقان في معنىً، وأه يقال في مفعولهما مفعولٌ، وفي فاعلهما فاعل، وأن كل واحدٍ منهما يقع في مطاوعة الآخر، إلى غير هذا من الشبه. وكان أبو العباس المبرد يقول: ذلك جائزٌ على حذف الزوائد، يعني بناء التعجب من أفعل ويشبهه بقول الشاعر: يكشف عن جمامه دلو الدال

стр. 544

وقوله: ومهمه هالك من تعرجا ويقول الله تعالى: " وأرسلنا الرياح لواقح ". ويجوز مثل هذا في كل ما كان أصله ثلاثياً على أي بناءٍ حصل. وكان يتبع مذهب الأخفش في ذلك، فاعلمه. ؟ وقال متعم بن نويرة يرثي مالكاً أخاه لقد لامني عند القبور على البكا ... رقيقي لتذراف الدموع السوافك فقال أتبكي كل قبرٍ رأيته ... لقبرٍ ثوى بين اللوى فالدوانك فقلت له إن الشجا يبعث الشجا ... فدعني فهذا كله قبر مالك يقول: استسرف رفيقي بكائي عند القبور، واستفظع سيلان الدموع من عيني فقال موبخاً: أمن أجل قبرٍ لك بين اللوى فالدوانك تبكي عند كل قبرٍ تراه؟ فأجبته بأن الحزن يهيج الحزن فاتركني، فكل قبرٍ أنتهي إليه يذكرني قبر مالكٍ، إذ ليس لي في قبر مالكٍ إلا مثل مالي في القبور كلها. يريد أن أسباب الحزن ومهيجاته تتشابه، فكلٌ منها يقوم مقام الآخر ولا سيما وقد توافقت في الجنسية. وقوله لتذراف الدموع السوافك أي من أجله، بعد قوله على البكا، فيه من الفائدة المتجددة التبيه، على إجابة الدموع له، وانصبابها بحسب مراده، حتى لا جمود من الحجاج في شيءٍ من الأوقات، ولا توقف من السيلان في حالٍ من الحالات، وليس كل باكٍ بهذه الصفة. فكأنه لامه على البكاء من أجل ما استنكره من إجابة الدموع السائلة له، إذ كان ذلك بالضرر عليه أعود، وإلى بطلان العين بمكانه أدعى. وقال السوافك والسفك صب الدم والدمع، فوصف الدموع بها لأنها جمع سافكةٍ، والمراد ذوات السفك. والسفك أيضا: نثر الكلام. ويقال: رجل سفاكٌ للدماء، وسفاكٌ بالكلام، أي يثير الكلام ويصب الدماء.

стр. 545

وقوله بين اللوى فالدوانك اكتفى بين باللوى، وهو مسترقٌ الرمل لوقوعه على أماكن مختلفة، ولما اكتفى به جاز أن يترتب عليه فالدوانك. ولو روي والدوانك كان جائزاً، إلا أن اللوى حينئذ لا يتصور شموله لبقاع كما يتصور في أسماء الجموع شمولها للكثير، نحو القوم والرهط والعشيرة. والشجا: الحزن. يقال شجاه يشجوه شجواً، فشجي يشجي شجاً. ومعنى يبعث يهيج ويثير. وعلى هذا قولك بعثته من منامه، والبعث في الجند. وقوله فهذا كله قبر مالك أشار بهذا إلى الجنس كما هو، كأنه أراد جنس القبور؛ يدل عليه إتباعه إياه بما يفيد العموم، وهو وقوله كله. ويقال ذرفت عينه ذرفاً وذرفاناً وذريفاً. فأما قوله تذارف فهو من باب ما تكثر فيه المصدر من فعلت وتلحقه الزوائد وتبنيه بناءً آخر على غير ما يجب للفعل، قصداً إلى المبالغة والتكثير. وقوله الدوانك علمٌ لموضعٍ. ودونك فيما أظنه مهملٌ. ومالك بن نويرة قتل في الردة أيام أبي بكرٍ ﵁. ؟ وقال أبو عطاءٍ السندي ألا إن عيناً لم تجد يوم واسطٍ ... عليك بجاري دمعها لجمود عشية قام النائحات وشققت ... جيوبٌ بأيدي مأتمٍ وخدود افتتح كلامه بألا، ثم أخذ يعظم أمر الفجيعة، ويبين موقعها من النفوس، وشدة تأثيرها في القولب، واشتراك الناس كافةً في الجزع لها، والهلع عليها، فقال: إن عيناً لم تتسخ بدمعها الجاري على هذا المرثي يوم واسطٍ لجمود الحجاج على المصائب، شديدة البخل بما في شئونها من الذخائر. والجمود: ضد الذوب، واستعماله في الدمع مجاز. وقوله عشية قام النائحات بدلٌ من قوله يوم واسطٍ، وأسماء الزمان تضاف إلى الأفعال، وهو توقيتٌ وتحديدٌ، إلا أن فيه بياناً لتفظيع الشان. وعلى هذا ضبطهم لمدى الأوقات في ترتيب النوائب، والتنبيه على ما يتقدم من الأحداث أو يتأخر. ومعنى قيام النائحات، تهيؤها للنوح. وعلى هذا قولهم: قامت السيوف، وقوله تعالى: " إذا قمتم إلى الصلاة. وأصل التناوح: التقابل، يقال

стр. 546

في الجبلين المتقابلين: هما يتناوحان. وقوله شققت جيوبٌ بأيدي مأتمٍ وخدود فالمأتم: النساء يجتمعن في الخير والشر، وأصله من الأتم، وهو التقاء المسلكين، ومنه أيضاً الأتوم في صفة النساء. وهذا الكلام وإن كان اقتصاص حالٍ ففيه دلالةٌ على تمكن الجزع بالمصاب من كافة الناس، وتناهيهم فيما يستدل به على شدة تأثيره فيهم. فإن تمس مهجور الفناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود فإنك لم تبعد على متعهدٍ ... بلى كل من تحت التراب بعيد الرواية المختارة: " وربما أقام به بعد الوفود وفود "، بالواو، وذلك أن الشرط في قوله فإن تمس مهجور الفناء جوابه فإنك لم تبعد، ويصير: وربما أقام بيان الحال فيما تقدم من رياسته وقت توفر الناس على قصده وزيارته. والمعنى: إن مت وصرت مهجور الساحة مرفوض الخدمة - وربما كانت الوفود فيما مضى من حياتك تزدحم على بابك، وتتلاقى في فنائك - فإنك الساعة لم تبعد على من يتعهدك، ويرى قضاء حقك، وإقامة الرسم في واجبك، ثم قال مستدركاً على نفسه: بلى كل من تحت التراب فقد بعد عن ذلك كله. ويعني بالوفود طلاب الحاجات والمؤدين لواجبات الشكر، إذ كان في حياته المقصود والمشار إليه، والمصطنع لطوائف الناس بما يتفرق من إحسانه فيهم. وقوله على متعهدٍ يريد متتبع العهود بالحفظ لها، ومنعها من الضياع والدروس. وكما يقال: تعهدت الشيء إذا تأملته هل بقي على ما عهدته، يقال: تفقدت الشيء إذا تأملته هل لحقه فقودٌ أم لا. وإذا روبت فربما أقام به بعد الوفود وفود، وجعلته جزاءً للشرط، يصير فإنك لم تبعد استئناف كلامٍ، ويكون الفاء رابطةً لجملةٍ على جملةٍ، والمعنى: إن هجر فناؤك الساعة لموتك فربما كان مألفاً للوفود أيام حياتك. وفي طريقته قول الآخر: فقد كان يخشاك الكمي ويتقي ... أذاك ويرجو نفعك المتضعضع فإن قيل: الشرط والجزاء لا يصحان إلا فيما كان مستقبلا؛ ألا ترى أنه لا يجوز أن يقول القائل: إن خرجت أمس أعطيتك فيه درهماً؛ لأن الوقت وقد انقضى

стр. 547

لا يصح تعليق الشرط والجزاء به، وإنما يعلقان أبداً بما يستأنف من الزمان، حتى يصح من الفاعل إيقاع فعله به واستحقاقه الجزاء عليه. قلت: إن الأمر في الشرط على ما ذكرت إلا في لفظ كان، لأنهم جوزوا أن يقول القائل: إن كنت خرجت أمس إلى موضع كذا أعطيتك اليوم كذا، والمعنى إن ثبت في علمي وقوع الخروج منك أمس. وجوزوا هذا في لفظة كان لقوته في العبارة عن الأحداث، فأما الجزاء فلا يجوز فيه مثل هذا لا بلفظة كان ولا بغيره. ويمتنع أن يقال: إن تجئني اليوم أعطيتك أمس، على أن تكون العطية سلفاً في جزئه على فعله. فإن قيل: كيف جاز أن تقول على هذا " فربما أقام " وأقام بناء ماضٍ؟ قلت: إن الجواب في قوله فربما ليس بالفعل، وإنما هو بجملةٍ من مبتدإٍ وخبرٍ، كأنه قال: ففناؤك ربما أقام به بعد الوفود وفودٌ فيما مضى. والفاء في جواب الجزاء إنما تجلب إذا كان الجزاء غير موافقٍ للشرط، وهو أن يكون مبتدأً وخبراً، لا فعلاً وفاعلاً، وإذا كان كذلك فقد سلم اللفظ وصار المعنى: إن أمسى فناؤك مهجوراً الساعة فربما كان مألوفاً من قبل. والعرب تقول: هذا بذاك. أي عوضٌ من ذاك. فأما وقوع الماضي بعد إن فلأن إن ينقله بكونه شرطاً إلى المستقبل، وهذا كما ينقل لم بناءً المستقبل إلى الماضي. وهذا ظاهرٌ. ؟؟ وقال آخر: لو كان حوض حمارٍ ما شربت به ... إلا بإذن حمارٍ آخر الأبد حمارٌ اسم أخيه، وكان في حياته يتعزز به فلا يعترض عليه أحدٌ فيما يفعله، ولا يطمع إنسانٌ في اهتضام جانبه وقصده فيما يختصه، فلما أصيب به استلين جانبه، واستبيح حريمه، حتى إنه جبى ماءً في حوضٍ ليسقي إبله منه، فجاء من زاحمه فيه واستبد به دونه، فقال متلهفاً: لو كان هذا الحوض حوض حمارٍ أخي ما جسرت على شرب مائه، ولا على امتهانه فيه، بل كنت تستأذنه ثم تقدم عليه. وقوله آخر الأبد يتعلق بقوله ما شربت به. فأما تكريره لفظة حمارٍ فهم يفعلون ذلك في الأعلام وما يجري مجراها، وفي أسماء الأجناس، ويكون القصد إلى التعظيم في التكرير.

стр. 548

على ذلك قوله تعالى: " رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالاته " وقول الشاعر: لا أرى الموت يسبق الموت شيءٌ ... نغص الموت ذا الغنى الفقيرا وقد قيل إن حماراً المذكور اسم رجلٍ كان يضرب به المثل في الذل، فلذلك ذكره. ولا يجوز أن يراد به واحدٌ من الحمر، لأنه لو كان كذلك لوجب أن يقول في الثاني إلا بإذن الحمار؛ لأن النكرة إذا أعيد ذكرها يجب تعريفه بالألف واللام إشارةً إليه. على هذا كتب في أواخر الكتب وقد قدم في أوائلها: سلامٌ عليك: والسلام عليك. لكنه حوض من أودى بإخوته ... ريب الزمان فأمسى بيضة البلد هذا الكلام فيه تنبيهٌ إلى شدة فاقته إلى من يذب عنه، وتأكد جزعه لما فاته من الصيانة بإخوته، فيقول: لكنه حوض رجلٍ فرق الدهر بينه وبين من كان يعتز به، ويدفع الظلم والهضيمة عن نفسه بمكانه، فأمسى لا ناصر له، ولا دافع دونه، كبيضة البلد. وقد قيل في بيضة البلد: إنه أراد بيض النعام، لأنها سيئة الهداية، فتضع بيضها في موضع، ثم تتركه ضلالاً عنه فتضيع، وربما تذهب وتحضن بيض غيرها تظن أنها بيضها. وقد ضرب المثل بها فقيل: كتاركةٍ بيضها بالعراء ... وملبسةٍ بيض أخرى جناحا وقد قيل: إن بيضة البلد هي الكمأة البيضاء تنشق عنها الأرض - وهي الفقع - فتطؤه الماشية، وتنقره العافية، ولذلك قيل: أذل من فقعٍ بقاعٍ. وكما ضرب المثل ببيضة البلد في الذل ضرب المثل بها في العز أيضاً. وقد مضى ذكرها. وأنشدني بعضهم لأخت عمرو بن عبد ودٍ ترثي أخاها، وكان أمير المؤمنين ﵇ قاتله: لو كان قاتل عمروٍ غير قاتله ... بكيته ما أقام الروح في جسدي

стр. 549

لكن قاتله من لا يعاب به ... وكان يدعى قديماً بيضة البلد والمراد إذا مدح أنه لا نظير لها، ولا أخت معها، فالنعامة تطيف بها إشفاقاً عليها. ومما يحتج به في الذم قول الآخر: إن أبا نضلة ليس من أحد ... ضل أباه فهو بيضة البلد وبيضة الإسلام: جماعتهم. ويقال تفرى بيضة الأرض عن بني فلانٍ، إذا تناسلوا وكثروا. وبيضة الخدر قد تقدم القول فيه. لو كان يشكي إلى الأموات ما لقي الأحياء بعدهم من شدة الكمد ثم اشتكيت لأشكاني وساكنه ... قبرٌ بسنجار أو قبرٌ على قهد قصده إلى بيان بر أخيه به أيام حياته، فقال: لو جرت العادة بتكلف الأحياء الشكوى إلى الأموات، وإنهاء ما يقاسونه من الجزع فيهم، ومن النوائب بفقدهم وبعدهم، ثم كان ينفع ذلك أو يثمر إصغاءً وإجابةً، وجريت أنا على عادتهم في مباثة أخي، والإفاضة في الشكو إليه، لأرضاني وأزال شكواي. وقوله أشكاني يقال شكوته فأشكاني، كما يقال طلبت منه كذا فأطلبني، وعتبت عليه فأعتبني. وقوله وساكنه قبرٌ بسنجار أو قبرٌ على قهد، قدم المعطوف وهو ساكنه على المعطوف عليه، وهو قبرٌ بسنجار. ومثله قوله: عليك ورحمة الله السلام وإنما يحسن هذا إذا كان العامل مقدماً، وهو في الفعل والفاعل أكثر منه في المفعول، فأما المجرور فلا يجوز ذلك فيه، لا يجوز أن تقول مررت وعمروٍ بزيدٍ إذ كان فيه تقدم المعطوف على المعطوف عليه وعلى العامل فيه. والكمد: حزنٌ وهمٌ لا يستطاع إمضؤه، وقال الدريدي: هو مرض القلب من الحزن. يقال كمد يكمد كمداً، ورأيته كامد الوجه وكمد الوجه، إذا بان به أثر الكمد؛ وأكمده الحزن إكماداً.

стр. 550

وقال رجلٌ من خثعم نهل الزمان وعل غير مصرد ... من آل عتابٍ وآل الأسود من كل فياض اليدين إذا غدت ... نكباء تلوي بالكنيف الموصد النهل: الشرب الأول. والعلل: الشرب الثاني. والتصريد: تقليل الشرب؛ يقال إناءٌ مصردٌ، إذا كان ما يحويه دون الري، ويقال صرد عطاءه إذا نزره. وقصد الشاعر إلى بيان تأثير الزمان في الذين ذكرهم حالاً بعد حالٍ، ووقتاً بعد وقتٍ، وأنه استوفى منهم ما أراد دفعةً بعد أخرى، وثانيةً بعد أولى، غير مقللٍ ولا مطفف. وقوله من كل فياض اليدين بدلٌ من قوله من آل عتابٍ، وقد أعاد العامل فيه، وهذا يكثر في المجرور. على هذا قول الله تعالى: " قال الملأ الذين استكبروا للذين استضعفوا لمن آمن منهم " ألا ترى أنه أعاد اللام كما أعاد هذا الشاعر من. وهذا التكرير تأكيدٌ للإبدال، وتنبيهٌ على أن الثاني من الأول. والفياض: الكثير السيلان، وهو بناء المبالغة. والنكباء: ريحٌ تنكبت عن مهاب الرياح الأربع. وإذا كثرت النكباوات واشتد هبوبها شمل القحط: ويقال: إنه لمنكابٌ عن الحق، أي كثير العدول عنه، والأنكب البعير كأنه يمشي في شق، ومعنى تلوي: تذهب به. والكنيف: الحظيرة من الشجر؛ والموصد: الذي جعل له إصادٌ إحكاماً له، والإصاد: عتبة الباب، والجميع الأصد. وفسر قوله : " إنها عليهم مؤصدةٌ " أي مطبقةٌ. ويهمز ولا يهمز. وقيل: الوصيد الفناء. والمعنى أن الزمان ألح عليهم، وتناول منهم الأفضل فالأفضل تناولاً لا تقليل فيه ولا تعذير، فذهب منهم بكل رجلٍ سخيٍ واسع المعروف إذا اشتد الزمان وأسنت الناس. وقول الجعدي: سألتني عن أناسٍ هلكوا ... شرب الدهر عليهم وأكل ليس مما قاله في شيء، وإنما يريد مر عليهم دهرٌ مديد وزمانٌ طويل، فشرب الناس بعدهم وأكلوا ونسوا أولئك. وهذا مثل. فاليوم أضحوا للمنون وسيقةً ... من رائحٍ عجلٍ وآخر مغتد

стр. 551

خلت الديار فسدت غير مدافعٍ ... ومن الشقاء تفردي بالسودد قوله فاليوم أشار به إلى الزمان الحاضر المتصل بما بعده، غير محصورٍ بنهاية، ولا مضبوطٍ بذكر غاية، وهذا كما يقال: فلانٌ بالأمس كان يفعل كذا وهو اليوم رئيس بلدٍ. فذكر الأمس واليوم لاتصال الوقتين، وتقريب المدى بين الماضي منهما والحاضر. والوسيقة: الطريدة. ونبه بهذا الكلام على أن الدهر بعد جارٍ على عادته المستأنفة معهم في الأخذ منهم، والذهاب بهم. وقوله من رائحٍ عجلٍ وآخر مغتد بيان لذهاب الواحد منهم في إثر الآخر. والعجل: المستعجل. ويقال عجلٌ بكسر الجيم وعجلٌ، ومثله العجلان. وقوله خلت الديار فسدت غير مدافعٍ يروى غير مسودٍ. ومعنى خلت الديار مات الرؤساء الذين لكل واحد منهم بيتٌ ودارٌ ينسب إليه، ويتبجح به. وإذا رويت غير مدافعٍ يكون حالاً، كأنه سادهم ولا منازع له ولا متأبي عليه. وإذا رويت غير مسودٍ جاز أن يكون غير مفعولاً من سدت، فيكون مثل قول الآخر: وضع الدهر عليهم بركه ... فأراه لم يغادر غير فل فيكون المعنى: سدت من لا يصلح أن ينسب إلى السيادة في حال؛ لأن من استصلح لها، أو ذكر في عداد الرؤساء إذا عدوا، ماتوا وبادوا. وجاز أن يكون حالاً، ويكون المعنى سدت قبل أوان سيادتي، أي سدت ولم أسود بعد. وقوله ومن الشقاء تفردي بالسودد، يؤكد المعنى الذي ذكرناه أولاً في غير مسود، وإنما شقي بزعمه لأنه فجع بؤساء عشيرته، وفي ذاك ضعفه وتراجع رياسته. وقال محمد بن بشيرٍ الخارجي نعم الفتى فجعت به إخوانه ... يوم البقيع حوادث الأيام

стр. 552

سهل الفناء إذا حللت ببابه ... طلق اليدين مؤدي الخدام وإذا رأيت شقيقه وصديقه ... لم تدر أيهما ذوو الأرحام المحمود: الذي يطلبه نعم بالاختصاص من بين جنسه محذوفٌ، كأنه قال نعم الفتى فتىً فجعت به إخوانه. والضمير من قوله به عائدٌ إلى المحذوف، والجملة من الفعل والفاعل قد خصصته حتى صار كالمعرفة. ومثله قوله تعالى: " نعم العبد إنه أواب " كأنه قال: نعم العبد أيوب. والحذف في مثل هذا المكان يصلح إذا كان المحمود مشهور الشان، معلوماً أمره من القرائن في الكلام. وارتفع حوادث بفِعلها وفِعلُها فجعت، وذكر الإخوان تنبيهٌ على من آخاه من الأجانب والقرائب جميعاً. وقوله سهل الفناء ارتفع على أنه خبر مبتدأ مضمر، وجعل فناءه للزوار والمجندين والعفاة سهلا، وذلك مثلٌ لكثرة إحسانه إليهم، وحسن توفره عليهم. ومعنى مؤدب الخدام تنبيهٌ على اقتدائهم بمولاهم في تفقد الوراد وإكرامهم، والمبالغة في التخفف لهم والسعي في مصالحهم. وقوله وإذا رأيت شقيقه وصديقه فالشقيق إشارة إلى إخوان الولاد ومن جرى مجراهم، ممن شاركه في نسبه حتى كأنه شق منه. والصديق إشارةٌ إلى إخوان المودة ومن صرب بسهمٍ في الانصباب إليه، والاعتزاء إلى جنبته والاعتماد عليه. ثم قال لم تدر أيهما ذوو الأرحام تنبيهاً على تساويهما في المحل عنده، وشمول حسن التفقد لهم، حتى ترى كلاً منهم يدل بمثل إدلال صاحبه، لا تمايز ولا تباين. وفي طريقته قوله: فما زال بي إكرامهم واقتفاؤهم ... وإلطافهم حتى حسبتهم أهلي وأشار بقوله: شقيقه وصديقه إلى الجنسين، وفائدتهما الكثرة لا الوحدة. ألا ترى أنه قال: لم تدر أيهما ذوو الأرحام، أي أي الجنسين. وقال أيضاً: طلبت فلم أدرك بوجهي وليتني ... قعدت فلم أبغ الندى بعد سائب

стр. 553

قوله بوجهي تعلق الباء منه بطلبت، والمعنى ببذل وجهي، كأنه تولى الطلب بنفسه، وابتذل وجهه وجاهه فيه، فلم يدرك المطلوب. ومفعول طلبت محذوف دل عليه قوله فلم أبغ الندى والتقدير: طلبت بعد سائبٍ الندى ببذل وجهي فلم أنله، وليتني قعدت فلم أبغه، ولا يمتنع أن يتعلق الباء من قوله بوجهي بأدرك، وهو المختار عند أصحابنا البصريين، ويكون التقدير: طلبت الندى فلم أدركه ببذل وجهي. وقوله بعد سائب يجوز أن يكون العامل فيه طلبت وكل واحدٍ من الأفعال المجتمعة، وهي: طلبت وأدرك وقعدت ولم أبغ. والمعنى: بعد موت سائب. ولو لجأ العافي إلى رحل سائبٍ ... ثوى غير قالٍ أو غدا غير خائب ألم في هذا البيت بقول الآخر: حتى يكون عزيزاً من نفوسهم ... أو أن يبين جميعاً وهو مختار لأن معنى من نفوسهم مقيما فيهم، وكالواحد منهم. يقول: ولو التجأ العفاة هاربين من الزمان، ونكد الحدثان، إلى فناء هذا المرثي، أقاموا مكرمين معظمين، لا يجتوونه ولا يبغضونه ما داموا مقيمين، وإذا أرادوا الانصراف عنه اغتدوا غير محرومين ولا يائسين. وانتصب غير على الحال وأشار بالعافي إلى الجنس؛ ويقال عفاه واعتفاه، إذا طلب معروفه، فأعفاه أي أعطاه. ومنه عافية السباع والطير. أقول وما يدري أناسٌ غدوا به ... إلى اللحد ماذا أدرجوا في السبائب موضع ماذا أدرجوا نصبٌ على أنه مفعولٌ لأقول، ويجوز أن يكون ما مع ذا بمنزلة اسمٍ واحدٍ وأدرجوا في موضع الخبر، ويجوز أن يكون ما وحده اسماً وذا خبره بمنزلة الذي وأدرجوا من تمامه. والمعنى: أقول متلهفاً فعل من أعياه الأمر فالتحف باليأس، وتعلل بكلمة الحسرة بعد الفوات: أي رجلٍ أدرج في الكفن والغادون به إلى اللحد لا يعلمون. وهذا تفظيعٌ للشأن، وتعظيم لحادث الرزء، وقوله أناسٌ أشار به إلى الجماعة والطائفة، والألف فيه زائدة بدلالة قولهم أنسٌ وأناسيٌ وإنسٌ. وإذا كان كذلك فقوله ناسٌ منه أيضاً، والألف زائدة، وفاء الفعل محذوفة. ومن ذهب إلى أن لفظة الناس ليست من أناسٍ في شيءٍ، وأن الألف فيه منقلبةٌ عن حرفٍ أصليٍ فقد أخطأ. والسبائب: جمع سبيبةٍ، وهي الثوب الأبيض، العمائم

стр. 554

وغيرها. وكذلك السب. قال الشاعر: يحجون سب الزبرقان المزعفرا وكل امرئٍ يوماً سيركب كارهاً ... على النعش أعناق العدى والأقارب العدى: الغرباء، وانتصب كارهاً على الحال من سيركب، وموضع على النعش منصوبٌ على الحال مما في قوله كارهاً، ويجوز أن يكون صفة لكارهٍ، كأنه قال: يركب كارهاً حاصلاً على النعش أعناق العدى يوماً ما. وقال الخليل: قومٌ عدىً: بعد عنك وغرباء ويقال قومٌ أعداءٌ أيضاً بهذا المعنى. والعدى: البعد نفسه. وقال دريد بن الصمة نصحت لعارضٍ وأصحاب عارضٍ ... ورهط بني السوداء والقوم شهدي فقلت لهم ظنوا بألفي مدججٍ ... سراتهم في الفارسي المسرد يقال نصحته ونصحت له، نصحاً ونصيحةً ونصاحةً ونصاحيةً، وهو ناصح الجيب، أي ناصح الصدر. وقوله والقوم شهدي فائدته أنهم كانوا له حاضرين ومضطرين من كلامه وإشارته وبذله النصح لهم، إلى ما كان أدى إليه مراسلتهم في ذلك وهو غائبون، إذ كان يبين لهم منه ما كان يبين وقت الحضور. وقوله ظنوا بألفي مدججٍ يجوز أن يكون معناه: ظنوا كل ظنٍ قبيحٍ بهم إذا غزوكم في أرضكم وعقر دياركم. ويجوز أن يكون معنى ظنوا أيقنوا، لأن الظن يستعمل في معنى اليقين. على ذلك قول الله تعالى: " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ". وقوله سراتهم، يعني به رؤساءهم وخيارهم، وقد مضى القول في بنائه. والفارسي المسرد، يعني به الدروع. والسرد: تتابع الشيء، كأنه أراد في الدروع

стр. 555

تتابع الحلق في النسج. لذلك قيل في الأشهر الحرم: ثلاثةٌ سردٌ، وواحدٌ فردٌ. وقال الخليل: السرد: اسمٌ جامعٌ للدروع وما أشبهها من عمل الحلق، لأنه يسرد فيثقب طرفاً كل حلقةٍ بالمسمار، وفي القرآن: " وقدر في السرد "، أي اجعل المسامير على قدر خروق الحلق، لا يغلظ المسمار فيتخرق، أو يدق فيقلق. ومعنى البيتين: بذلت نصحي لهؤلاء القوم بلساني وقولي فيما صلح فيه التخاطب، وبإشارتي وتعريضي، وهم لي حاضرون يسمعون ويعون، وقلت لهم: إن الأعداء لكم مترصدون، وإليكم قاصدون، وعددهم وعددهم تامة، فوسعوا مجال الظن السيء بهم إذا تمكنوا منكم، أو أيقنوا بقصدهم، على الطريقتين اللتين بينا. فلما عصوني كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم وأنني غير مهتد لما علمٌ للظرف، وهو لوقوع الشيء لوقوع غيره، فيقول: لم أصروا على ما كانوا عليه، واطرحوا نصحي ومشورتي عليهم، تبعث رأيهم ولم أتفرد عنهم وأنا أرى جهلهم، وأتصور عاقبة لجاجهم، وأني ضالٌ عن الطريق عادلٌ عن الصواب في اتباعي لهم، لكني لم أستصلح لنفسي الخروج منهم، والتباعد عنهم. وقوله كنت منهم من هذه تفيد تبيين الوفاق وترك الخلاف، وأن الشأنين واحدٌ لا تمايز بينهم ولا تباين. وهم يقولون في النفي أيضاً. لست منك، أي انقطع ما بيننا، فلا خلاط ولا اشتراك. على هذا قول الشاعر: فإني لست منك ولست مني فأما قولهم: أنت مني فرسخان، قال شيخنا أبو علي الفارسي ﵀ هذا كلام الذليل مع المستذل، والمعنى: أنت في هدايتي مدى الفرسخين. وإلى غايتهما، وقد خالف هذه الطريقة حصين بن المنذر فقال: أمرتك أمراً حازماً فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما فما أنا بالباكي عليك صبابةً ... وما أنا بالداعي لترجع سالما

стр. 556

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد قوله أمري يجوز أن يريد المأمور به، ويكون الأصل: أمرتهم بأمري، فحذف الجار ووصل الفعل بنفسه. ويجوز أن يكون مصدر أمرت، وجاء به لتأكيد الفعل. وقوله بمنعرج اللوى تحديدٌ وتوقيتٌ، وبيان أن ذلك كان من همه حتى اختار له الموضع الذي كان أوفق عنده، والوقت الذي كان أعود عليهم فيما أمرهم به. واللوى: مسترق الرمل. ومنعرج: منعطف. وقوله فلم يستبينوا الرشد أي لم يتبينوه في الحال حتى جاء الوقت المقدر له. وذكر الغد يكثر فيما يتراخى من عواقب الأمور إذا أحيل عليه البيان والظهور فيه. والمعنى: في المستأنف من الوقت. وهذا زاد عليه ضحى لأنه من النهار أضوأ، فكأن المعنى: لم يبن لهم ما دعوتهم إليه إلا في الوقت الذي لا لبس فيه ولا اعتراض شك. ومثله قول المتلمس: عصاني فلم يلق الرشاد وإنما ... يبين عن أمر الغوي عواقبه وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد يقال رشد يرشد رشداً ورشاداً، ورشد يرشد؛ فلك أن تضم الشين من ترشد وأن تفتحها. وقوله هل أنا هو في مذهب النفي وإن كان استفهاماً ولذلك تبعه إلا، كأنه قال: ما أنا إلا من غزية في حالتي الغي والرشاد، فإن عدلوا عن الصواب عدلت معهم، وإن اقتحموه اقتحمت بهم. وغزية هو رهطه. فإن قيل: إنه كرر معنىً واحداً في هذه الأبيات مرتين، لأن قوله إن غوت غويت قد اشتمل عليه كنت منهم وقد أرى غوايتهم وأنني غير مهتد. قلت: في الأول اقتص الحال التي دار عليها معهم، وفي الأمر بقيةٌ، وللنصح توجهٌ، وأنه اجتهد في ردهم إلى ما هو أرد عليهم وأنفع لهم، فلما عصوه في ذلك أمسك عنهم جارياً في الطريق الذي يسلكونه وإن علم الخطأ فيه. وقوله وهل أنا إلا من غزية بيانٌ لما دفعوا إليه بعد تبين الرشاد لهم، وابتلوا به من مقاساة سوء العاقبة لسوء اختيارهم، فقال: وما أنا إلا شريكٌ لهم فيما أثمر لهم جهلهم وغوايتهم كما كنت شريكاً لهم لو رشدوا فيما كان يثمر لهم رشادهم. فهو في الأول ذكر اتباعه لهم بعد النصح ناظراً من وراء رأيه ما يدفعون إليه ويمتحنون به، وفي الثاني ذكر انغماسهم معهم فيما أعقب لهم اختيارهم، وأنه شقي بمثل ما شقوا به في عقبى جهلهم أو بأشد منه، وإذا كان كذلك اختلف الحالتان

стр. 557

والاتباعان. ثم أخذ يبين محنته، فقال: تنادوا فقالوا أرادت الخيل فارساً ... فقلت أعبد الله ذلكم الردي فجئت إليه والرماح تنوشه ... كوقع الصياصي في النسيج الممدد يعني بالخيل الفرسان. يقول: نادى بعضهم بعضاً: أسقطت الخيل فارساً! فقلت: أعبد الله ذلكم الساقط الهالك، وإنما دعاه إلى هذا القول أمران: أحدهما سوء ظن الشقيق؛ والثاني أنه علم إقدامه في الحرب، وابتذاله النفس وتعرضه للحتف، فدعاه الشفقة والإشفاق إلى قصده لوقايته بنفسه، فلحقه والرماح تتناوله وتقع فيه وقع الصياصي، وهي خشبة الحائك في نسجه الممدود إذا أراد تمييز طاقات السدى بعضها من بعض، وكأنه سميت بذلك تشبيهاً بصيصية الديك وهما مخلبان في ساقه، وبصيصيه الثور، وهو قرنه. وقوله أعبد الله، وقد سماه معبداً أيضاً، وهم يفعلون كثيراً في الأعلام مثل ذلك. ألا ترى حالهم في سليمان، وأنهم يسمونه مرة سليماً ومرة سلاماً وقول الآخر: صبوت أبا ذيبٍ وأنت كبير يعني أبا ذؤيب. وقوله: تنوشه من النوش. والظبية تنوش الأراك وتنتاشه، أي تتناوله، وفي القرآن: " وأني لهم التناوش من مكان بعيدٍ ". وكنت كذات البو ريعت فأقبلت ... إلى جلدٍ من مسك سقبٍ مقدد بين ماذا أدرك من أخيه لما أراد وقايته والذب عنه فقال: كنت كناقةٍ لها ولدٌ فأفزعت فيه لما تباعدت عنه في مرعاها، فأقبلت نحوه، فإذا هو بجلدٍ مقطعٍ، وشلوٍ مبدد. كأنه انتهى إلى أخيه، وقد فرغ من قتله ومزق كل ممزق. والبو، أصله جلد فصيلٍ يحشى تبناً لتدر عليه، فاستعاره للولد. وكذلك الجلد هو ما جلد من المسلوخ وألبس غيره لتشمه أم المسلوخ فتدر عليه. والمسك: الجلد، لأنه يمسك ما وراءه من اللحم والعظم. والسقب: الذكر من أولاد الإبل؛ وناقةٌ مسقابٌ، إذا ولدت الذكران كثيرا.

стр. 558

فطاعنت عنه الخيل حتى تبددت ... وحتى علاني حالك اللون أسود قتال امرئٍ آسى أخاه بنفسه ... ويعلم أن المرء غير مخلد يقول: دافعت الخيل - يعني الفرسان - عنه حتى انكشفوا، وإلى أن جرحت فسال الدم علي، وكان ذلك مني دفاع رجلٍ جعل نفسه إسوة أخيه، واختار لها مثل ما سيق إليه، عالماً بأن المرء لا يبقى، بل مآله إلى الفناء، وأن استقتاله ليلحق بأخيه خيرٌ له من أن يبقى بعده فيشقى بالجزع له وفيه. ويقال: هو يأتسي بفلانٍ، أي رضي لنفسه ما رضي ذاك لنفسه. والمواساة والتأسي والائتساء واحد. وقوله: حتى علاني حالك اللون أسود، فيه إقواءٌ، وكثيرٌ من العلماء يهونون الأمر في الإقواء ولا يعدونه عيباً قبيحا. وحكي عن الأخفش أنه قال: ما أنشدتني العرب قصيدةً سلمت من الإقواء طالت أو قصرت. ويروى: " وحتى علاني حالكٌ لون أسود "، والضعف فيه ظاهر. ألا ترى أنه قال حالكٌ وهو الشديد السواد، ثم قال لون أسود. وفي إضافة لون إلى أسود ما لا يرتضى. وأجود من هذا أن يروى: حالك اللون أسودي وهو يريد أسوديٌ، كما قيل في الأحمر الأحمري، وفي الدوار دواريٌ، ثم خففت ياء النسبة بحذف أحدهما، وهو الأول، وجعل الثاني صلة. فإن يك عبد الله خلى مكانه ... فما كان وقافاً ولا طائش اليد قوله خلى مكانه أي مضى لسبيله. والوقاف: الجبان المتوقف فيما يعن له عجزاً وضعف قلب. ويقال: وقافةٌ أيضاً، والهاء للمبالغة، والطائش: الخفيف، ومنه الطياش. ويقال: هو طائش اليد، إذا عدل سهمه عن الهدف ولم يقصد قصده؛ ثم يقال: هو طائش اليد، إذا كان فيما يتولاه من الأعمال كذلك. يقول: إن كان عبد الله توفي وخلى ما كان يسده بنفسه وغنائه من أمر العشيرة وسياستهم، فلقد كان مقداماً صائب الرأي، حليماً فيما يأتيه، لا يطيش زهواً، ولا يؤثر على الصواب شيئاً. كميش الإزار خارجٌ نصف ساقه ... بعيدٌ من الآفات طلاع أنجد الكمش والكميش: الخفيف السريع الحركة. يقال: انكمش في حاجتك، أي تخفف وأسرع. وأضاف الكميش إلى الإزار على المجاز كما يقال: عفيف الحجزة،

стр. 559

ونقي الجيب. وقوله خارجٌ نصف ساقه يصفه بالتشمر. وقد قيل: هو عاري الظنوب، في هذا المعنى. قال: عاري الظنابيب ممتد نواشره وقد يراد بهذا قلة اللحم والهزال. وقوله بعيدٌ من الآفات يريد أنه لا داء به ولا غائلة، فهو سليم الأعضاء متين القوى. ومعنى طلاع أنجد أنه يتصعد في درج السمو. ويقال طلاع أنجدةٍ أيضاً، قال: طلاع أنجدةٍ في كشحه هضم فأنجدةٌ جمع نجادٍ، ونجادٌ جمع نجدٍ. فأما أنجدٌ، فالأصل أن يكون لأدنى العدد وقد استعير للكثير، لأنه كفلسٍ وأفلس. وهم كما يضعون بناء القليل للكثير والكثير للقليل في أصل الوضع، يستعيرون بناء القليل للكثير وإن كان بناء الكثير قد استعمل أيضاً. يكشف هذا أيضاً أنهم يقولون: رسنٌ وأرسانٌ، فوضعوه للكثير وإن كان في الأصل للقليل؛ وقالوا درهمٌ ودراهم فوضعوه للقليل. وقال الله تعالى: " وهم في الغرفات آمنون " يريد أهل الجنة. فوضع الغرفات موضع الغرف على الاستعارة. قليل التشكي للمصيبات حافظٌ ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد يريد بقوله قليل نفى أنواع التشكي كلها عنه. على هذا قوله تعالى: " فقليلاً ما يؤمنون "، وقولهم: قل رجلٌ يقول ذاك، وأقل رجلٍ يقول ذاك. والمعنى: أنه لا يتألم للنوائب تنزل بساحته، والمصائب تتجدد عليه في ذويه وعشيرته، وأنه يحفظ من يومه ما يتعقب أفعاله من أحاديث الناس في غده، فهو نقي الأفعال من العيوب، طيب الأخبار في أفواه الناس، صبورٌ على العزاء. تراه خميص البطن والزاد حاضرٌ ... عتيدٌ ويغدو في القميص المقدد

стр. 560

مثل المصراع الأول قول الآخر: يابس الجنبين من غير بوسٍ يصفه بقلة الطعم مع اتساع الحال، وطاعة الزاد، فيقول: ترى بطنه منطوياً والزاد معدٌ، لأنه يؤثر به غيره على نفسه، ولأنه لا نهمة ثم ولا حرص على عمارة البدن، ولا على استسراء الثياب، فهو يغدو في القميص الممزق، إذ كان يبتذل بنفسه فيما كان يكسبه فخراً وعلواً. ويقال: عتد فهو عتيدٌ عتاداً، وأعتدته أنا. ومنه سمي العتيدة التي يكون فيها الطيب، والعتد بفتح التاء وكسرها: الفرس المعد للمهمات من الطلب والهرب وغيرهما، الذكر والأنثى فيه سواء. وإن مسه لإقواء والجهد زاده ... سماحاً وإتلافاً لما كان في اليد يقول: وإن انفق عليه إعسار ٌونفاد زاد، وجهدٌ من نكد الزمان وإعوازٌٍ زاده سخاءً وإتلافاً للمال، جرياً على عاداته التي ألفها، لا يهضمه ضرٌ، ولا يلفته فقر. ويقال: أقوى الرجل، إذا نفد زاده. ويقال: زاد الشيء ضد نقص، وزدته أنا فازداد. وفي طريقته قول الآخر: قد جعل الله فيك قلباً ... يأبى على الشغل أن يضيقا صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل ابعد يجوز أن يكون صبا الأول من الصبا واللهو، وصبا الثاني من الصباء بمعنى الفتاء، فيكون المعنى: تعاطى اللهو والصبا ما دام صبياً، فلما اكتهل وظهر في رأسه الشيب فاشتعل نحى الباطل عن نفسه زهداً فيه، ورجوعاً إلى الحق، ورغبةً فيما يكسبه الأحدوثة الجميلة من أبواب الصلاح والجد. ويجوز أن يكون المعنى: تعاطى الصبا ما تعاطاه إلى أن علاه المشيب، فيسقط التجنيس من البيت، وهو يحسن به. وما صبا في موضع الظرف على الوجهين جميعاً، أي مدة الأمرين. وحتى للغاية. وقوله ابعد من بعد يبعد، إذا هلك. ولو أراد البعد لقال ابعد، بضم العين. وجرى أبو نواسٍ في هذه الطريقة لما قال: قد عذب الحب هذا القلب ما صلحا ... فلا تعدن ذنباً أن يقال صحا

стр. 561

وطيب نفسي أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل بما ملكت يدي أنني في موضع الفاعل لطيب، وليس القصد إلى أنه لم يقل له كذبت قط، وإنما المراد أني لم أجفه بأدون ألفاظ الجفاء. على ذلك قول الله تعالى في الوصاة بالوالدين وتنزيههما عن قبائح القول والفعل: " ولا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما " فأف الأصل في صيانتهما عن الخنا وفحش القول، والنهر الأصل في ترك إيذائهما بالفعل والزحر. فيقول: سلاني طاعتي له واحتشامي منه مدة حياته، وإعظامي إياه في القول عند مخاطبته، والفعل وقت مجالسته ولدى معاملته. وأشار إلى القول بقوله لم أقل له كذبت وإلى الفعل بقوله ولم أبخل بما ملكت يدي. والمعنى لم أبخل بملك يدي عليه، فحذف عليه كما يحذف المفعول إذا دل عليه الكلام. وقال أيضاً: تقول ألا تبكي أخاك رقد أرى ... مكان البكا لكن بنيت على الصبر فقلت أعبد الله أبكي أم الذي ... له الجدث الأعلى قتيل أبي بكر يقول: اجتمعت علي المصائب والرزايا فاقتسمتني، فإذا دعيت إلى البكاء على أخي، أرى البكاء يحق له لفاقتي إلى حياته، وتكامل فضله في نفسه، لكني وجدت صبوراً إذ كانت عليه بنيتي، وإذ صار ديدني ودأبي وقوله مكان البكا بيان استحقاق أخيه البكاء عليه. وقد قصر البكاء، وللشاعر أن يقصر الممدود باتفاقٍ من المذهبين. وفي طريقته قول الآخر: ولو شيت أن أبكي بكاً لبكيته ... عليك ولكن ساحة الصبر أوسع وقوله فقلت أعبد الله أبكي، كشف به عن توالي الرزايا، وأن جلده متوزعٌ فيها، فكأنه قال: إلى من أصرف البكا، ومن أخص به أعبد الله أم المدفون في القبر الأعلى قتيل أبي بكر بن كلابٍ. وقوله الأعلى يريد الأشرف، ويجوز أن يريد الأعلى في مكانه وموضعه. والجدث: القبر، وكذلك الجدف، وجمعه الأجداث.

стр. 562

وفي القرآن: " فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ". وانتصب عبد الله بأبكي، وقتيل على البدل من الذي. وعبد يغوث تحجل الطير حوله ... وعز المصاب جثو قبرٍ على قبر نبه بقوله تحجل الطير حوله على أنه ترك بالعراء، وعوافي الطير بأكله، فلم يدفن، وإنما قال تحجل إشارةً إلى امتلاء حواصلها وثقلها، فهي تحجل حوله ولا تطير. والحجل: مشي المقيد، وتوثب الإنسان على إحدى رجليه وقد رفع الأخرى. ونزوان الغراب حجله. وهذا الكلام تلهفٌ وتحزن. وقوله وعبد يغوث وإن استأنف الكلام به فهو في المعنى معطوف على ما قبله، كأنه قال: أيهم أبكي وقد كثروا. وقوله وعز المصاب يروى المصاب بالرفع ويراد بالمصاب المصيبة، ويرتفع جنو على أنه بدلٌ منه، ويكون مفعول عز محذوفاً، كأنه قال: وعز الشاعر المصيبة جثو قبرٍ على قبر. وإذا رويت وعز المصاب بالنصب، يكون المصاب الشاعر، وجثو قبرٍ هو الفاعل، والمعنى غلبه تولي المصائب عليه. وقوله جثو قبر على قبر أي حصول الواحد في إثر الواحد. ويقال: جثا لركبته، وفي القرآن: " حول جهنم جثياً "، أي لازمين لركبهم لا يستطيعون القيام. واستعمال الجثو مجاز هنا؛ لأن القبر لا يجثو. والجثوة من التراب وغيره: ما جمع، وبه سمي القبر جثوة. وروى بعضهم: حثو قبرٍ على قبر فجعل الحثو للقبر، وإنما يحئى عليه، كما قال: وما من قلىً يحئى عليه من الترب وروى بعضهم وعزي والمعنى سلى المصاب، أي نفسه، من البكاء والتحزن، توالي الأرزاء عليه؛ فإنه تمرن بها، فصار يصبر عليها. ويكون في هذا ملماً بمعنى قول الآخر: فقد جعلت نفسي على النأي تنطوي ... وعيني على فقد الصديق تنام أبى القتل إلا آل صمة إنهم ... أبوا غيره والقدر يجري إلى القدر

стр. 563

يقول: لم يرض القتل إلا آل صمة لأنهم الكرام، والدهر يأبى في الاختيار أن يكون حظه من غيرهم، كما أن آل صمة لم يرضوا من أحداث الزمان فيهم إلا بالقتل، إذ كان ذلك عندهم أحسن الميتات وأكرمها وقوله أبى القتل إلا آل صمة يشبهه قول الآخر: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتسدد وقوله إنهم أبوا غيره يشبهه قول الآخر: وما مات منا ميتٌ حتف أنفه وقوله والقدر يجري إلى القدر يريد كما قدروا للقتل قدر القتل لهم، لأنهم بما اجتمع فيهم من الخصال الشريفة التي يختارها الدهر لنوائبه، كأنهم خلقوا للدهر ولتأثيره الذي هو القتل، لأن القتل لما كان أشرف أسباب الحتف عندهم فأحبوه ومالوا إليه، صاروا لذلك كأن القتل خلق لهم. فإما ترينا لا تزال دماؤنا ... لدى واترٍ يسعى بها آخر الدهر فإنا للحم السيف غير نكيرةٍ ... ونلحمه حيناً وليس بذي نكر جواب إما أول البيت الذي يليه، وهو فإنا. والفاء من فإنا رابطةٌ ما بعدها بما قبلها، ولا تزال دماؤنا إلى آخر البيت في موضع المفعول لترينا، ولدى واترٍ لفظه واحدٌ والمراد به الكثرة. وآخر الدهر: ظرفٌ، والعامل فيه لا تزال دماؤنا لأن المعنى إما ترينا لا تزال دماؤنا أبد الدهر لدى واترين يسعون بها. ولا يجوز أن يكون العامل فيه يسعى بها، لأن فيه إيهاماً أنهم لا ينالون الوتر من الواترين سريعاً، ولكنهم يسعون بدمائهم أبد الدهر. وهذا الكلام كالاعتذار من كثرة القتل فيهم، فيقول: إن اتصل القتل فينا حتى نرى دماءنا أبد الدهر لدى واترين، فإنا لحبنا للقتل طعم السيوف حقاً غير ذي إنكارٍ ولا امتراءٍ، وكما تتطعم منا فإنا نطعمها أيضاً من غيرنا، فنجعل أعداءنا لحمةً لها غير ذي شكٍ ولا مريةٍ. وقوله غير نكيرةٍ انتصب على المصدر

стр. 564

وأكثر ما يستعمل نكيرٌ بغير الهاء فالنكر والنكير، كالعذر والعذير والعذرى. ومثل هذا المصدر يؤكد به الكلام الذي قبله، ويجري مجرى حقاً وما أشبهه. ويجوز أن يكون الهاء من النكيرة للمبالغة. وقوله ونلحمه حيناً فالحين اسمٌ للزمان المتصل، فكأنه قال: ونلحمه فيما يتصل من الأوقات. وليس يريد حيناً من الأحيان. وإن روي غير نكيره على أن يكون الضمير منه يعود إلى السيف كأنه قال: غير منكورٍ له، فيجعله حالاً للحم، فليس بجيد؛ لأن القصد إلى تأكيد الكلام بهذا المصدر؛ فكما أن في آخر البيت قوله وليس بذي نكر تأكيدٌ لما قبله، كذلك يجب أن يكون غير نكيرةٍ هكذا، ليتقابل الصدر والعجز على حدٍ واحدٍ من التأكيد وحصول هاء التأنيث في نكيرةٍ لا يجب أن ينكر، كما لا ينكر في قولهم نكرةٌ ومعرفةٌ، وكما لا ينكر الألف في آخر ذكرى وعذرى. يغار علينا واترين فيشتفى ... بنا إن أصبنا أو نغير على وتر نبه بقوله فيشتفى بنا أنهم الثأر المنيم، فإذا أصيبت دماؤهم كان فيها للأعداء الشفاء. وانتصب على الحال من الضمير في علينا. وقوله أو نغير على وتر، يريد على وترٍ لنا عندهم، فكأنه قال: أو نغير على واترين لنا. وقد سلك الأعشى هذه الطريقة، فلم يوف القسمة حقها كما فعل هذا؛ لأنه قال: فأظعنت وترك من دارهم ... ووترك من قبلهم لم يقم والمعنى أزعجت الوتر الذي كان لك عندهم من دارهم، على عادتك مع سائر الناس من قبل في إدراك الثأر سريعاً؛ لأن قوله ووترك من قبلهم لم يقم إشارةٌ إلى أنه لا يمهل ولا يهمل فوتره لا يتلوم عند الأعداء. قسمنا بذاك الدهر شطرين بيننا ... فما ينقضي إلا ونحن على شطر أشار بقوله ذاك إلى ما تقدم ذكره من تردده في مجاذبة الأعداء طالبين مرةً، ومطلوبين أخرى. وانتصب شطرين على المصدر، كأنه قال: قسمنا الدهر قسمين. ويجوز أن يكون حالاً على معنى قسمناه مختلفاً؛ فوقع الاسم موقع الصفة لما تضمن معناه، كما تقول: طرحت متاعي بعضه فوق بعضٍ، كأنك قلت متفرقاً. والمراد: جعلنا أوقات الدهر بيننا وبين أعدائنا مقسومةً قسمين، فتراها لا ينقضي شيءٌ منها إلا ونحن فيه على أحد الحدين. إما أن تكون لنا الكرة عليهم فننال منهم. وإما أن تكون لهم الجولة علينا فينال منا.

стр. 565

وقال تأبط شراً وذكر أنه لخلفٍ الأحمر، وهو الصحيح. إن بالشعب الذي دون سلعٍ ... لقتيلاً دمه ما يطل يجوز أن يكون ذكر الشعب الموصوف لأن قبر ذلك القتيل كان فيه، ويجوز أن يكون ذكره لأنه قتل عنده، وهو في اللغة ما انفرج بين جبلين ونحوهما. والسلع بفتح السين وكسرها: شقٌ في الجبل، ومنه سلعت رأسه، أي شققته. وقولهم هادٍ مسلعٌ، أي يشق أجواز الفاة. وقوله دمه ما يطل من صفة القتيل، والمعنى أني في طلب ثأره، فدمه لا يذهب هدراً. والطل: مطل الدم والدية وإبطالهما. وقال: أزهير ليس أبوك بالمطلول خلف العبء علي وولى ... أنا بالعبء له مستقل أراد بالعبء طلب دمه والنيل من عدوه. وقوله أنا بالعبء له مستقل تحقيقٌ للوعد بإدراك الثأر، وإظهار اقتدارٍ على النكاية في الأعداء. وقوله له أي من أجل المرثي، وإنما سمي الثقل عبئاً لأنه من عبأت المتاع أعبؤه عبئاً، ثم يسمى المتاع عبئاً، فهو كالنقض والنقض. وكثر استعماله حتى تسمحوا به فيما يدخل من الثقل على القلب ولا يحمل على الظهر. ووراء الثأر مني ابن أختٍ ... مصعٌ عقدته ما تحل أعطى فيما اجتمع من الوصف الترتيب حقه، وذلك لأنه اجتمع مفردٌ وجملةٌ في صفة ابن أختٍ فقدم المفرد على الجملة، وهذا وجه الكلام وحقه؛ لأن الجملة إنما
следующие страницы →