Полный текст (1 295 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
باب الحماسة
قال الشيخ أبو علي أحمد بن محمد بن الحسن
المرزوقي الأصفهاني
﵀
الحماسة: الشجاعة، والفعل منه حسن ورجل أحمس. وكانت العرب تسمي قريشاً: حمساً لتشددهم في أحوالهم ديناً ودنيا وتسمى بني عامر: الأحامس، وكأنهم ذهبوا فى واحد حُمس إلى أنه صفة، فجمعوه جمع الصفات، كما يقال أحمر وحمر، وأشقر وشقر، وذهبوا في واحد الأحامس إلى أنه اسم، فجمعوه جمع الأسماء كما يقال أحمد وأحامد، وأجدل وأجادل. وهم يخرجون الأسماء إلى باب الصفات كثيراً فيقولون: بنو فلان الذوائب لا الذنائب، والمراد هم الأعالي لا الأسافل، كما يخرجون الصفات إلى باب الأسماء كثيراً. وعلى هذا الأساود: الحيات، والأداهم، القيود: قال:
أوعدني بالسجن والأداهم
والأباطح: جمع الأبطح. وكل ذلك صفات أخرجت إلى باب الأسماء. وقال الدريدي: حمس الشر: اشتد. والحمس: قريش، وكنانة وحزاعة، تحمسوا في دينهم. وبنو حماس: قبيلة من العرب، وكذلك بنو حميس. وقوله:
стр. 2
قال بعض شعراء بلعنبر
المراد بني العنبر، ولهذا وجب ألا يصحب الكسرة التي في الراء التنوين. وإنما حذف النون من بني لاجتماعه مع اللام من العنبر، وتقاربهما في المخرج. وذلك لأنه لما تعذر الإدغام منه جعل الحذف بدلاً من الإدغام. وإنما تعذر الإدغام لأن الأول متحرك والثاني ساكن سكوناً لازماً، فلما كان من شرط المدغم تحريك الثاني إذا أدغم الأول فيه، وكان لام التعريف ساكناً سكوناً لازماً، جعل الحذف لكونه مؤذياً إلى التخفيف المطلوب من الإدغام بدلاً لما تعذر هو. ولا يلزم على هذا أن يحذف النون من بنى النجار لأن اللام قد أدغم فى النون التى بعده، فلا يمكن تقدير إدغام النون التى قبله فيه، حتى إذا تعذر جعل الحذف بدلاً من الإدغام، بدلالة أن ثلاثة أشباه لا يصح إدغام بعضها في بعض، ومما يشبه هذا من اجتماع المتجانسين من كلمتين واستعمال الحذف في أحدهما بدلاً من الإدغام قولهم علماء بنو فلان، والمعنى على الماء. ومما يشبه لكنهما التقيا في كلمة واحدة، قولهم ظللت ومسست يقال منهما ظلت ومست، وإن شئت ظلت ومست. تلقى حركة المحذوف على فاء الفعل. قال الله تعالى: " فظلتم تفكهون ". وإنما تعذر الإدغام ها هنا لأن لام الفعل في مثل هذا المكان إذا اتصل به ضمير الفاعل يسكن البتة، فلما لزمه السكون لم يصح إدغام العين فيه، فلذلك حذف.
والعنبر في اللغة: الترس والطيب. وعنبرة الشتاء: شدته. وعنبرة القوم: خلوص أنسابهم. ويقال: رأيته بهذا البلد عنبرياً. يضرب به مثلاً في الهداية. وبنو العنبر أهدى قوم. ويمكن تقدير النون زائدة فيه، فيكون فنعلاً من عبرت، كأنه بحسن تأتيه للاهتداء يعبر الطرق. ومنه قيل في البعير: " هو " عبر أسفار.
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، هم بنو أخي العنبر بن عمرو بن تميم، وإذا كان كذلك فمدح هذا الشاعر لهم يجري مجرى الافتخار بهم، وفي بني مازن عصبية
стр. 3
شديدة قد عرفوا بها وحمدوا من أجلها، ولذلك قال بعض الشعراء موبخاً لغيرهم:
فهلا سعيتم سعي عصبة مازن ... وهل كفلائي في الوفاء سواء
كأن دنانيراً على قسماتهم ... وإن كان قد شف الوجوه لقاء
وقصد الشاعر في هذه الأبيات عندي إلى بعث قومه على الانتقام له من أعدائه ومهتضميه، وتهييجهم وهزهم، لا ذمهم. وكيف ووبال الذم راجع إليه؟! لكنه في هذا المعنى سالك لطريقة كبشة أخت عمرو بن معد يكرب في قولها:
أرسل عبد الله إذ حان يومه ... إلىقومه لا تعقلوا لهم دمي
ألا ترى أنها قالت في جملة هذه الأبيات:
ودع عنك عمراً إن عمراً مسالم ... وهل بطن عمر غير شبر لمطعم
فلا يجوز أن يتوهم أنها كانت تهجو أخاها عمراً أو تنسبه إلى العجز والتقصير في طلب ثأر أخيه، وعمر هو الذي كان يعد بألف فارس، ولكن مرادها بعثه وتهييجه. وهذا كما يقول العبد لمولاه والغلام لصاحبه وقد لحقتهما هضيمة من أجنبي: لو كنا في خدمة فلان عمك أو أخيك لما جسر هذا أن ينالنا بمكروه! ولا يجوز أن يقال إنهما هجوا سيدهما أو فضلا غيرهما عليهما، ولكن المراد تحريكهما لهما، وإذا كان الأمر على هذا فمن الظاهر بطلان قول من يذهب إلى أن هذا الشاعر هجا قومه ومدح بني مازن يؤكد ما قلته قوله:
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
لأنه لا يقال لمن يمسك عجزاً عن الانتصار إنه غفر، ولا لمن يقدر على جزاء الإساءة إنه اختار الإحسان. فإن قيل: أليس قد قال:
ليسوا من الشر في شيء وإن هانا.
وقال أيضاً:
فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرساناً وركبانا
стр. 4
قلت: ليس يزيد شيء مما قاله على قول كبشة:
ودع عنك عمراً إن عمراً مسالم.
وإذا كانت أبياتها باتفاق من أصحاب المعاني لا تكون هجواً، فكذلك أبيات هذا العنبري. ومما يشهد للطريقة التي سلكناها ويؤيدها، أن في جملة أبياته التي وصف فيها قومه:
لاخبون نيرانهم حتى إذا خمدت ... شبوا لموقد نار الحرب نيرانا
وهذا المعنى هو مثل ما افتخر به غيره في صفات نفسه فقال:
أفر من الشر في رخوة ... فكيف الفرار إذا ما اقترب
بل الذي ذكره العنبري أزيد، لأنه وصفهم بالاحتمال والصبر ما أمكن، فإذا اهتاجوا زادوا على كل هائج. ألا ترى أنه قال:
شبوا لموقد نار الحرب نيرانا
ومعنى البيت لو كنت مازنياً لم تغر بنو اللقيطة على إبلي.
ولقيطة ألحق بها الهاء وإن كان فعيلاً في معنى مفعولة، لأنه أفرد عن الموصوف به وجعل اسماً. وهذا كما يقال النشيطة والذبيحة، والبنية في الكعبة.
فأما الاستباحة، فقد قيل هي في معنى الإباحة، وقد قيل: إن الإباحة هي التخلية بين الشيء وبين طالبه، والاستباحة اتخاذ الشيء مباحاً للنفس. وكأن الأصل في الإباحة إظهار الشىء للمناظر ليتناوله من شاء ومنه باح بسره بوحاً وبؤحاً. والمازن في اللغة: بيض النمل، ويقال: هو يتمزن على أصحابه، كأنه يتفضل عليهم. وذهل من ذهلت عن الشىء.
إذاً لقام بنصرى معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا
اللام في لقام جواب يمين مضمرة، والتقدير إذاً والله لقام " بنصرى ".
فإن قيل: فأين جواب لو كنت؟ قلت: هو لم تستبح إبلى. وفائدة إذاً هو أن هذا أخرج البيت الثاني مخرج جواب قائل قال له: ولواستباحوا ماذا كان يفعل بنو مازن؟ فقال: إذاً لقام بنصرى معشر خشن. قال سيبويه: إذاً جواب وجزاء، وإذا كان كذلك فهاذا
стр. 5
البيت جواب لهذا السائل وجزاء على فعل المستبيح. ويجوز أن يكون أيضاً إذا ًلقام جواب لو، كأنهأجيب بجوابين. وهذا كما تقول: لو كنت حراً لاستقبحت ما يفعله العبيد، إذاًلاستحسنت ما يفعله الأحرار. وقوله إن ذو لوثة يرتفع ذو عند حذاق النحوين بفعل مضمر، الفعل الذي بعده تفسيره، وهو لان. والتقدير إن لان ذو لوثة لانا. وإنما قالوا هذا لأن إن لما كان شرطاً كان بالفعل أولى، وعمله الجزم فيجب أن لايفارق معموله في اللفظ والتقدير. وليس هذا موضع الكلام على من يجعل ذو بعد إن وما أشبهه مبتدأ. ومعنى البيت إذاً والله لقام بنصرى، أي لتكفل به قوم أشداء عند الغضب، إذا الضعيف لان. ويقال: قام بالأمر، أى تكفل به. وهو القائم والقيم. وقام بالقسط والعدل في الرعية، وقام عليه إذا ساسه ووليه، ومنه القيوم والقيام في صفات الله تعالى، وقوله " إلاما دمت عليه قائماً " أي قاهراً. وأقمت الرمح فقام، بمعنى قمّته فتقوم. وقوله إن ذو لوثة تعريض منه بقومه ليغضبوا ويهتاجوا لنصرته. وهو في البعث والتهيج أحسن من التصريح، كما أنه في الذم والهجو كذلك. وهذا بعض الناس رواه إن ذو لوثةٍ وزعم أن ذو لوثةٍ ليس بجيد لأن الضعيف أبداً مهينن، والواجب أن يقول إن القوي لان، واللّوثة هي القوة. والرواية الصحيحة هي ضم اللام من اللوثة. والفائدة ما ذكرت من التعريض بقومه. ولأن يكون طرفا البيت متناولين بمعنيين متقابلين، أحسن من أن يكونا مفيدين لمعنى واحد والمعشر اسم للجماعة لا واحد له من لفظه. وقال الخليل: هو اسم لجماعةٍ أمرهم واحد. ويقال جاءوا معشر معشر، أي عشرةً عشرةً. وخشن: جمع خشن وأخشن. والحفيظة: الخصلة يحفظ لها، أي يغضب. وقيل هي الحمية، وفي المثل: الحفائظ تحلل الأحقاد وقيل أيضاً أهل الحفائظ أهل الحفاظ. وذلك أن ذا الأنف يحترس من العار، فلايزال يتحفظ ويحافظ حتى يسلم منه. وكأن الأصل في الكل الحفظ الذي هو نقيض النسيان. وقد طابق الخشونة باللين فظهرت الصنعة به، وجاد البيت له، كأنه قال معشر خشنون عند الحفيظة إن كان ذوو اللوثة لينين عندها.
قومٌ إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافاتٍ ووحدانا
أراد أن يصف بني مازن بما يهتاج له قومه فينصرونه، فقال: هم قوم إذا ظهر لهم الشر واشتد سارعوا إليه غير متوقعين لتجمع، ولامعرجين على تأهب، لكنهم
стр. 6
يتبادرون أفراداً وثباتٍ، وأشتاتاً وجماعاتٍ. وإبداءٌالناجذ - وهو ضرس الحلم - مثلٌ لاشتداد الشر. ومثله قول الآخر:
فمن يك معزال اليدين، مكانه ... إذا كشرت عن نابها الحرب خامل
فأما قول عنترة:
إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
وقول الأعشى:
سعة الشدق عن الناب كلح
وقول اللآخر:
وقد أسلم الشفتان الفما
فإنما هو صفةٌ للمصطلى بنار الحرب عند اشتداد الأمر عليه. ومثله لبعض البلغاء: صار الأكس كالأروق، والمحتال كالأحمق؟ وذو البصيرة كالأخرق. ويقال: عض على ناجده، إذاصبر على الأمر. ونجدته الأمور: أحكمته. قال الشاعر:
ونجدني مداورة الشؤون.
ويقول الرجل إذا أراد أن يتشدد على صاحبه: لأربنك ناجدي! والمعنى أنه يكشر له ويكلح في وجهه حتى يبدو ناجده. ويقولون: خلته لعبوسه يبتسم، ولإقدامه ينهجم. وقال بعضهم: النواجذ: الضواحك، واحتج بحديث النبي ﷺ أنه ضحك حتى بدت نواجذه. قال: وأقاصي السنان لايبديها الضحك. والصحيح الأول، فأما الخبر فمحول على المبالغة وإن لم تبدالنواجذ. وجواب إذا طاروا. ووحدانا هو جمع واحد، وواحد صفة، كصاحب وصحبان، وراع ورعيان. ويقال طرت إلى كذا، إذا أسرعت إليه، وطرت بكذا، أى
стр. 7
سبقت به. والزرافات: الجماعات، واشتاقه من الزرف، وهو الزيادة على الشيىء. ويقال زرفت القوم قدامى، أى قدمتهم فرقاً. وحكي في الزرافة تشديد الفاء، يقال جاء القوم بزرافتهم، أي بجماعتهم؛ وهو غريب. والمعنى أنهم لحرصهم على القتال وجرأتهم، لاينتظر بعضهم بعضاً، لكن كلاً منهم يعتقد أن الإجابة تعينت عليه إذا تشدد الشر لهم. وفي طريقته قول بعض الشعراء
قومٌ إذا هتف الصريخ رأيتهم ... من بين ملجم مهره أو سافع.
سافع: آخذ بناصية فرسه. ومنه قول الله تعالى: " لنسفعًا بالناصية ".
وقول الآخر:
وكنت إذا جارى دعا لمضوفةٍ ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري
لايسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا
الأصل في الندبة - وإن اشتهرت ببكاء الأموات وقولهم عنده: وافلاناه: - الدعاء، وتسعوا فيه فقالوا: ندب فلان لكذا وكذا، إذا نصب له ورشح للقيام به. ويقولون: تكلم فلان فانتدب له فلان، إذا عارضه. والشاعر يقول: هؤلاء القوم، يعني بني مازن، لحسن محافظتهم وقوة تناهيهم في نصرة المنتسب إليهم والمعلق حبله بحبلهم، لايسألون الواحد منهم إذادعاهم حجة على دعواه، ولايراجعونه في كيفية ماألجأه إليهم، لكنهم يعجلون الإغاثة له. وهذا تعريض منه بما لحقه من قومه أو رآه من عاداتهم عندالاستغاثة بهم. والعرب تقول: يا أخا قريش؛ والمعنى يا واحداًمنهم. ومثله:
إذا استنجدوا لم يسألما من دعاهم ... لأية حرب أم بأي مكان
وقد وصف بني مازن غير واحد من الشعراء بمثل ما وصفهم هذا الشاعر، فمن ذلك قول بعضهم:
نفسي فداء لبني مازن ... من شمس في الحرب أبطال
وقول الآخر:
فهلا سعيتم سعى عصبة مازن ... وهل كفلائي في الوفاء سواء
стр. 8
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
رجع إلى صفة قومه بما يأنفون منه عنده؛ وتدخلهم الحمية لدى الإصغاء إليه، وليس قصده ذمهم فقال: لكن قومي وإن كان فيهم كثرة عدد وعدة ليسوا من دفع الشر وإنكاره، وقصده وإرتكابه في شيء، وإن كان فيه خفة وقلة. وقد قابل الشرط بالشرط في الصدر والعجز، وطابق العدد والكثرة بالهون والخفة في الكلام، ويريد أن يصفهم بأنهم يؤثرون السلامة والعفو عن الجناة ما أمكن، ولو أرادوا الإنتقام لقدروا بعددهم وعدتهم ولكن المراقبة والتقوى تدعوهم إلى إيثار الحسنى.
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
روى بعضهم من ظلم أهل الظلم والظلم بالفتح المصدر وبالضم الاسم. وهذه الرواية عندي أحسن. وقد بينت ما فى المغفرة والإحسان من الدلالة على أنهم كانوا يقدرون على إيثار ضدهما. والظلم: انتقاص الحظ والنصيب. وقيل هو وضع الشيء في غير موضعه، ونقيضه العدل. وينتصب إحساناً بيجزون مضمراً، كأنه قال: ويجزون من الإساءة إحساناً. وجاز حذفه لأن الفعل قبله يدل عليه.
كأن ربك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنساناً
الخشية والخشى والمخشاة: مصدر خشى. ويقولون: هذا المكان أخشى من ذاك، وهو نادر لأن المكان يخشى فهو مفعول. ورجل خشيان وامرأة خشيانة. وقوله سواهم من جميع الناس هو استثناء مقدم، ولو وقع موقعه لكان الكلام لم يخلق لخشيته إنساناًسواهم فكان يجوز في سواهم البدل والإستثناء والصفة، فلما قدم بطل أن يكون بدلاً وصفةً، لأنهما لا يتقدمان علىالموصوف والمبدل منه، فبقى أن يكون استثناء. وقد نبه بهذا الكلام أن احتما لهم لاحتساب الأجر على زعمهم، وإبقاءهم في الإنتقام لخشية فوات الذخر في دعواهم، فكأن الله لم يخلق لخوفه غيرهم.
стр. 9
وقال شهل بن شيبان الزماني: ويلقب بالفند. والفند في اللغة: القطعة العظيمة من الجبل، وجمعه أفناد. قال الدرديري: لقب به لعظم شخصه. قال: وهو أحد الفرسان. وقال غيره: لقب به لأنه قال لأصحابه في يوم حرب: استندوا إلي فإني لكم فند.
صفحنا عن بني ذهل ِ ... وقلنا القوم إخوان
صفحت عنه: عفوت عن جرمه. ويقال أعرضت عن الأمر صفحاً، إذا تركته. وقد يقال: أصفحت عنه، كما يقال أضربت عنه. ويقال: أبدى لي صفحته، إذا مكنك من نفسه. يقول عفونا عن جرم هؤلاء القوم، وراعينا من الأحوال المتواشجة بيننا وبينهم، ما حملنا على الإغضاء على قبيح يتفق منهم، والتجاوز عن هفوة تحصل من جهتهم، وقلنا: إن ما بيننا وبينهم من الاخوة يقتضي الإبقاء على الحال معهم، وانتظاراً لفيئة تكون منهم. وحقيقة صفحنا عن بني ذهل: أعرضنا عنهم: وليناهم صفحة أعناقنا ووجوهنا، وهي جانبها، فلم نؤاخذهم بما كان منهم. وقال في هذا المعنى ضربنا عنهم صفحاً، وفي القرآن: " أفنضرب عنكم الذكر صفحاً ".
عسى الأيام أن يرجع ... ن قوماً كالذي كانوا
إنما نسكر قوما لأن فائدته مثل فائدة المعارف، ألاترى أنه لافصل بين أن تقول عفوت عن زيد فلعل الأيام ترد رجلاً مثل الذي كان، وبين أن تقول فلعل الأيام ترد الرجل مثل الذي كان؛ لأنك تريد في الموضعين به رجلاً أوالرجل. والمعنى فعلنا ذلك بهم رجاء أن تردهم الأيام إلى أحسن ماكانوا عليه من قبل. وعسى من أفعال المقاربة. وأن يرجعن في موضع خبر عسى، ولو قال عسى أن يرجع الأيام قوما لكان أن يرجع في موضع فاعل عسى وكان يكتفي به؛ وذلك لأن عسى لمقاربة الفعل، والفعل لابد له من الفاعل، فإذا تقدم الفعل مع أن وتبعه الفاعل فقد حصل مايطلبه، فإذا وليه الاسم بقي ينتظر الفعل وإن ارتفع ذلك الاسم به، فيجري الفعل مع أن بعده مجرى خبر كان بعد إسم كان. ومعنى يرجعن: يرددن، وهو باب فعل وفعلته. يقال رجع فلان رجوعا ومرجعاً ورجعى ورجعاناً،
стр. 10
ورجعته رجعاً. ومعنى يرجعن قوماً يرددن بأمرهم أمر قوم، وبائتلافهم ائتلاف قوم. فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وخبركان محذوف كأنه قال كالذي كانوه، أي كانوا عليه قبل من الائتلاف والاتفاق. والضمير الذي أظهرناه في كانوه هو الذي تصح الصلة به، لأن الموصول لابد من أن يكون في صلته ضمير يعود إليه إذا كان اسماً، والذي ليس يرجع إليه من كانوا شىء إلاما أبرزناه من الضمير. ومن جوز حذف الجار والمجرور من الصفة في نحوقوله تعالى: " واتقوا يوماً لاتجزى نفس عن نفس شيئا " ويقدر فيه أن الكلام لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا، لا يسوغ له أن يقدر في الصلة أيضا كذلك. وإذا كان الأمر على هذا فلا يجوز أن يكون التقدير يرجعن قوماً كالذي كانوا عليه، لأن مثل عليه لايجوز حذفه من الصلة، لاتقول الذي مررت جالس، وأنت تريد مررت به، والذي دخلت منطلق، وأنت تريد الذي دخلت عليه. وبمثل هذا توصل من زعم في الآية أن التقدير: واتقوا يوماً لاتجزيه نفس عن نفس شيئا، لأنه قال: الصفة كالصلة، فكما لا يجوز حذف فيه وأشباهه من الصلة، كذلك لا يجوز حذفها من الصفة، فاعلمه. ويجوز أن يكون قوله كالذي كانوا، أراد كالذين كانوا، وحذف النون تخفيفا، كما قال:
إن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد
فيكون المعنى يرجعن بهم قوماً كالذين كانوا من قبل. وفي هذا الوجه يجوز أن يجعل الذي للجنس، كما قال الله تعالى: " والذي جاء بالصدق وصدق به " ثم قال " أولئك هم المتقون "، والفصل بين هذا الوجه وبين الوجه الأول أنه أمّل في الوجه الأول أنهم إذا عفوا عنهم أدبتهم الأيام وردت أحوالهم في التواد والتحاب كأحوالهم فيما مضى، وأزالت من فساد ذات البين ما اعترض بسوء عشرتهم. وفي الوجه الثاني أمّل أن ترجع الأيام أنفسهم إذا صفحوا عنهم كما عهدت: سلامة صدور، وكرم اعتقاد وعهود.
فلما صرح الشر ... فأمسى وهو عريان
فائدة أمسى وأصبح وظل وبات في مثل هذا المكان على حد الفائدة في صار لو وقع موقعها، ألا ترى قوله تعالى: " وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً "، والبشارة بالأنثى تقع ليلاًو نهارا. وكذلك تقول: أصبحوا خاسرين وأمسوا نادمين، وإن كانوا في كل أوقاتهم على ذلك. " ولما " علم للظرف،
стр. 11
وهو لوقوع الشئ لوقوع غيره، ولهذا لابد له من جواب. ويقال صرح الشيء إذا كشف عنه وأظهره، وصرح هو إذا انكشف. ومثله بين الشئ وبين هو، وفي المثل قد يبين الصبح لذى عينيت. وفعل بمعنى تفعل واسع، يقال وجهه بمعنى توجه، وقدم بمعنىتقدم، ونبه بمعنى تنبه، ونكب بمعنى تنكب. فيقول: لما ظهر الشر كل الظهور وصار بحيث لايستره شئ ولم يبق بيننا وبينهم سوى الصبر على الظلم الصريح. والمعنى أنهم لما تجاوز الأحوال المتشابكة، والأخذ بالإنصاف والمعدلة، إلى استعمال الظلم ورفع الحشمة، حينئذ جازيناهم بمثل ما ابتدءونا. وذكر العريان مثل لظهور الشر. وقد اشتمل هذا الكلام على تفسير البيت الذي يتلوه، وهو قوله:
ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا
العدوان والعداء والعدو: الظلم. وأما قوله دناهم كما دانوا، والأول ليس بجزاء، فهذا لميلهم إلى المطابقة والموافقة، وإخراج اللفظ في معرض صاحبه ليعلم أنه جزاؤه على حده وقدره، أو ابتداؤه. وعلى ذلك قوله تعالى: " يخادعون الله وهو خادعهم " و " الله يستهزئ بهم " وما أشبهه. وجواب لما صرح دناهم. وقوله في البيت التالي هو تفصيل لما أجمله قوله دناهم، لأنه فسر كيف كان ذلك الجزاء. والدين لفظة مشتركة في عدة معان: الجزاء، والعادة، والطاعة، والحساب. وهو ها هنا الجزاء. ويقولون: كما تدين تدان أي كما تصنع يصنع بك.
مشينا مشية الليث ... غدا والليث غضبان
كرر الليث ولم يأت بضميره تفخيماً وتهويلاً، وهم يفعلون ذلك في أسماء الأجناس والأحلام. قال عدي:
لا أرى الموت بسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
فيقول: سعينا إليهم مشية الأسد ابتكر وهو جائع، وكنى عن الجوع بالغضب لأنه يصحبه. وهذا التشبيه أخرج ما لا قوة له في التصور إلى ما له قوة فيه، ومن روى عدا على أن يكون من العدوان فليست روايته بحسنة، لأن الليث في أكثر أحواله ظالم عاد. والمشية: اسم الحالة التي يكون عليها الماشي في مشيه، والمشية
стр. 12
المرة الواحدة، والفعل يتعدى إلى كل واحد منهما. والليث من أسماء الأسد. ويقال: استليث الرجل، إذ اشتد وقوي.
بضرب فيه توهي ... ن وتخضيع وإقران
تعلق الباء منه بمشينا، أي مشينا بضرب في ذلك الضرب تضعيف للمضروب به، وتذليل ولين. ويجوز أن يكون المعنى فيه توهين وصوت في القطع وكسر العظام وإطاقة وقوة. ويكون حينئذ تخضيع من الخضعة والخضيعة وهما اختلاط الصوت في الحرب. ومنه خضيعة بطن الفرس، قال الأصمعي: يقال للسياط خضعة لا أدري أمن الصوت هو أن من القطع. وقد روى بعضهم:
والضاربين الهام تحت الخضيعة
وقال: هي السيوف. وإقران من قولهم: أقرن فلان، أي أطاق. قال الله تعالى: " وما كنا له مقرنين ". وفي الأول إقران من قولهم: أقرن الدمل، إذا نضج ولان. ويقال استقرن الحبن أيضاً. وتخضيع من الخضوع يكون، وهو الذل. ويقال خضع الرجل وأخضع، إذا لين كلامه للنساء. وفي الحديث: نهى أن يخضع الرجل لغير امرأته، أي يلين كلامه.
وطعن كفم الزق ... غذا والزق ملآن
كرر ذكر الزق كما كرر ذكر الليث فيما قبله. وهذا الوصف أبلغ من قول النابغة:
وطعن كإيزاع المخاض الضوارب
стр. 13
وهذا التشبيه أبرز ما يقل في الاعتياد في صورة من يكثر فيه: ومثله:
فجبهناهم بضرب كما يخ ... رج من خربة المزاد الماء
أي وبطعن في اتساعه وخروج الدم منه كفم الزق إذا سال بما فيه وهو مملوء. وغذا يغذو غذاوّاً، إذا سال. وغذاه يغذوه غذواً. والاسم الغذاء. فأما قول الهذلي:
فالطعن شغشة والضرب هيقعة
فهو حكاية صوت الوقع، وقوله غذا في موضع النصب على الحال، والأجود أن يجعل قد مضمرة.
وبعض الحلم عند الجه ... ل للذلة إذعان
يعتذر من تركهم التحلم مع الأوداء والأقارب، لما كان مفضياً إلى اكساء ذل، واكتساب خضوع وعار. والتقدير: بعض الحلم إذعان للذلة عند جهل الجاهل. وهذا إذا توهم أن المحتمل إنما فعل ما فعله خوفاً وعجزاً؛ لاميلا منه إلى التجاوز والإغضاء واستبقاء الأخوة والوداد. ويقال: أذعن لكذا: إذا انقادله. ومنه ناقة مذعان. وأذعن بكذا: أقر به.
وفي الشر نجاة حي ... ن لا ينجيك إحسان
قوله في الشر نجاة أراد: وفي دفع الشر، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ويجوز أن يريد: وفي عمل الشر نجاة، كأنه يريد وفي الإساءة مخلص إذا لم يخلصك الإحسان. وهذا مثل قولهم: الطعن يظأر أي يعطف، ن وكما قال زهير:
ومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... مطيع العوالي ركبت كل لهذم
وهذا الكلام يجري منه مجرى الإعتذار مما أجرى إليه مع القوم، فاعلمه ويقولون أيضاً: من لم تقومه الكرامة قومته الإهانة.
стр. 14
وقال أبو الغول الطهوي: الغول مأخوذ من غاله يغوله غولاً، إذا أهلكه. وهم يسمون كل داهية غولاً. وبذلك سموا الشيطان والحية غولاً. والغيلان عندهم سحرة الجن. قال:
كما تلون في أثوابها الغول
فدت نفسي وما ملكت يميني ... فوارس صدقوا فيهم ظنوني
لفظه لفظ الخبر. والمعنى معنى الدعاء. يقول: تفدى نفسي مالي أجمع فوارس يكونون عند الظن بهم في الحرب، وقد روى آخر البيت على وجوه تتقارب معانيها. روى: فوارس صدقت فيهم ظنوني. ويكون ظنوني في موضع رفع بصدقت وبروى: صدقت فيهم ظنوني بفتح الصاد. وتضعيف عين الفعل يدل على التكثير. وظنوني يرتفع بالفعل. وتخصيص اليمين في قوله: وما ملكت يميني لفضلها وقوة التصرف بها. وهم يقيمون البعض مقام الجملة فينسبون إليه الأحداث والأخبار كثيراً، على ذلك قوله تعالى: " فظلت أعناقهم لها خاضعين ". وقولهم: عذت بحقو فلان. وهو عبد المقذ، وحر الوجه، ولئيم القفا وما أاشبهه. وفي القرآن: " أو ما ملكت أيمانكم ". وفوارس شاذ في الجموع عند سيبويه، لأن فواعل إنما تكون جمع فاعلة في صفات ما يعقل دون فاعل، واستدرك علىسيبويه هالك في الهوالك. وبيت الفرزدق:
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار
стр. 15
وبيت عتيبة بن الحارث:
ومثلي في غوائبكم قليل
وقال أبو العباس المبرد: هو الأصل في جميعه، ن ويجوز في الشعر.
فوارس لا يملون المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الزبون
مللت الشيء أمله ملالاً وملالة ومللاً، إذا سئمته. ويقال: فلان ذو ملة طرف، إذا ضجر بشيء فتطرفه. قال:
إنك والله لذو ملة
ويجوز الرفع في فوارس على أن يكون خبر ابتداء مضمر، كأنه قال: هم فوارس. ويجوز النصب فيه على أن يكون بدلاً من فوارس الأولى، ولا يملون في موضع الصفة للفوارس. والمعنى فدت نفسي فوارس لا يضجرون بمكايدة الحرب ومقاساة الشدائد فيها، ولا يكرهون المقاتلة إذا دارت رحى الحرب بأهلها. والزبون: الدفوع، ومنه الزبانية. وإنما شبه الحرب بالناقة الزبون فوصف بصفتها، وهي التي تزبن حالبها وتدفعه برجلها. قال:
تزبن بالخفاف والمناسم ... عن ذروة تخضب كف الهاشم
ويقولون: ثبت فلان في رحى الحرب، أي حيث دارت رحاها. ومنية ومنايا، كصحيفة وصحائف، والأصل منائي فاستثقلت الضمة في الياء فحذفت ثم فروا من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة فانقلبت الياء ألفاً فصار مناءا، فأبدلوا من الهمزة لتوسطها ألفين ياء فصار منايا.
ولايجزون من حسن بسيء ... ولايجزون من غلظ بلين
هذا الكلام من صفة الفوارس. يريد أنهم يعرفون مجاري الأمور ومقادير الأحوال فيوازنون الخشن بالخشن واللين باللين، كما قال الآخر:
تجازى الوافي بكيل واف ... ملآن والطفاف بالطفاف
стр. 16
وقوله بسيء أراد بسيٍ فخفف، كما قالوا في هين هين وفي لين لين. وروى بعضهم: بسي والمعنى أنهم يزيدون في الحزاء على قدر الابتداء. وليس ذلك بشيء لأن سيء في مقابلة حسن، كما أن اللين في مقابلة الغلظ، وفي العدول عنه إلىسيٍ إخلال بالتقابل، والبيت إنما حسن به.
ولا تبلى بسالتهم وإنهم ... صلوا بالحرب حيناً بعد حين
يقال: بلي الثوب يبلى بلى وبلاء، ويستعار فيقال: لبست فلاناً وبليته، إذا اسيمتعت به وتمليته. وإنما يصفهم بلاستمرار على حالة واحدة في مزاولة الحرب، وأن شجاعتهم لاتنقص ولاتبلى عند امتداد الشر، واتصال البلاء. والبسالة توصف بها الأسد والرجال، يقال أسد باسل وبسول. كما يقال رجل باسل وبسول. قال امرؤ القيس:
ما غركم بالأسد الباسل
وصلوا هو من صليت بكذا أي منيت به، وهو من الفعل فعلوا بكسر العين، ولهذا انضم اللام من صلوا، ولو كان فعلوا بفتح العين لقيل صلوا، كما قيل دعوا ورموا. فإن قيل: فأين جواب الشرط في قوله وإن هم صلوا بالحرب؟ قيل: هو متقدم، والتقدير إن صلوا ومنوا بالحرب لم تخلق شجاعتهم. وفصل بين الفعل وإن ب هم، لأنه ماض لم يظهر فيه أثر إن بالجزم. ولو كان مستقبلاً لظهر الجزم فيه، ولما حسن الفصل بينه وبين إن بالإسم. يقبح أن يقال إن زيد يأتني أكرمه، وتقول إن الله أقدرني على زيد فعلت به كذا. وهذا شيء يجوز في إن دون سائر حروف الجزاء، لأنه الاصل في الجزاء والحرف الذي لايزول عنه. وروى بعضهم: ولا تبلى بسالتهم من بلوته إذا اختبرته، ويكون المعنى لا يمكن اختبار شجاعتهم فيعرف غورها ومنتهاها على مر الأزمان، واختلاف الأحوال.
هم منعوا حمى الوقبى بضرب ... يؤلف بين أشتات المنون
стр. 17
قوله بضرب يؤلف وقد وقع المنع والضرب جميعاً حكاية حال، لولا ذلك لقال: بضرب ألف. ومثله في القرآن: " ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ". يقول: هؤلاء القوم الذين أشرت إليهم بقولي: فوارس صدقوا فيهم ظنوني، هم الذين منعوا حمى هذا المكان بضرب يجمع بين المنايا المتفرقة. وهذا تقييد بعد إطلاق، وتخصيص بعد تعميم: والحمى: موضع الماء والكلأ. ويقال: أحميت المكان، أي جعلته حمى. وحميته: ذببت عنه. وقوله يؤلف من صفة الضرب، ويحتمل وجوهاً: ويجوز أن يكون المعنى إن هؤلاء لو بقوا في أماكنهم ولم يجتمعوا في هذه المعركة لوقعت موتاهم متفرقة في أمكنة متغايرة، وأزمنة متفاوتة، فلما اجتمعوا تحت الضرب الذي وصفه صار الضرب جامعاً لتلك المنايا ووجوهها. وحكي عن أبي سعيد الضرير أن المعنى إذا وقع بهم ألف بين أقدارهم التي قدرت عليهم. ويجوز أن يكون المعنى أن أسباب الموت مختلفة، وكأن هذا الضرب جمع بين الأسباب كلها. ويجوز أن يكون المراد ضرباً لا ينفس المضروب ولا يمهله، لأنه جمع فرق الموت له. وقوله أشتاب المنون واحدها شت. والمنون: الموت، وهو من مننت أي قطعت.
فنكب عنهم درء الأعادي ... وداووا بالجنون من الجنون
نكب قد جاء متعدياً إلى مفعولين، قال أوس:
نكبتها ماءهم لما رأيتهم ... صهب السبال بأيديهم بيازير
والأكثر نكبت عن كذا. يقول: حرف عن هؤلاء القوم هذا الضرب اعوجاج الأعداء وخلافهم، وداووا الشر بالشر. وهذا كما يقال: الحديد بالحديد يفلح. وكما قيل: لايفل الحديد إلا الحديد. وأصل النكب: الميل، ولذلك يقال نكبت الإناء، إذا أملته. ونكب الرجل نكبةً. وعلى هذا النكباء في صفة الريح: والدرء، أصله الدفع، ثم استعمل في الخلاف، لأن المختلفين يتدافعان. ومثله:
وقومت عنه درأه فتنكبا
стр. 18
ولا يرعون أكناف الهويني ... إذا حلوا ولا أرض الهدون
يروى: ولا روض الهدون، وهو أفصح. والهدون: الصلح والسكون. وفي الحديث: هدنة على دخن، أي صلح على فساد دخيلة. يصفهم بالميل إلى الشر، والحرص على القتال والقتل، وأنهم يؤثرون جانب الخصومة على الصلح، وناحية الذعر على السكون، فيقول: الخصال السهلة والأمور الهينة، ولا ينزلون منازل الأمن والراحة. والهوينى: تصغير الهونى، و: تأنيث الأهوان. ويجوز أن يكون الهونى فعلى اسماً مبنياً من الهينة، وهي السكون. ولا تجعله تأنيث الأهون.
وقال جعفر بن علبة الحارثي:
ألهفى بقرى سحبل حين أحلبت ... علينا الولايا والعدو المباسل
التلهف يكون على الفائت بعد الإشراف عليه، يقولون: وا لهفاه، ووا لهف أماه. ولهف نفسه وأمه إذا قال ذلك. وفي المثل: إلى أمه يلهف اللهفان. وقوله ألهفى يجوز أن يكون منادى مفردا، ويجوز أن يكون مضافاً. فإذا جعلته مضافاً فإن أصله ألهفى أو ألهف. فإذا كان ألهفى فكأنه فر من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة فانقلبت ألفا. وعلى ذلك يا غلاما أقبل. وقوله:
وهل جزع أن قلت وا بأباهما
وإنما، المعنى بأبى هما، وعلى ذلك طريقتهم في مدارى ومدارى، وعذارى وعذارى، وصحارى وصحارى، وفى بقى بقى، وفى رضى رضى. وإذا كان ألهف يكون الألف قد زيدت لامتداد الصوت به ليكون أدل على التحسر. وكذا إن جعلته ألهف مفرداً يكون الألف زيدت لذلك. ومعنى " أحلبت ": أعانت. وأصله الإعانة في الحلب خاصة، ثم استمرت في الإعانات كلها. وقد يكون الشيء مختصاً في الأصل ثم يصير بالعرف عاماً، كما قد يكون عاماً في الأصل ثم يصير به مختصاً. وروي: " الولايا " وهي جمع الولية، وهي البرذعة، وهي تكون كنايةً عن النساء إن شئت، وعن الضعفاء الذين لا غناء عندهم إن شئت. ويشبه هذا قول أم تأبط شراً تؤبنه: " وا ابناه ليس بعلفوف، حشي من صوف، تلفه هوف ". وقولهم " هو كالحلس
стр. 19
الملقى ". ويروى: " الموالي " ومعنى البيت أنه يتلهف لما نزل بهم في الموضع الذي ذكره حين أعان الأعداء عليهم كون الحرم معهم أو من يجري مجرى الحرم من الضعفاء الذين لا دفاع بهم؛ لما وجب عليهم من الذب عنهم، والاشتغال بالحماية عليهم. ومن روى الموالي - وهم أبناء العم - فإنما خصهم بالذكر لأن الجفاء منهم أشد تأثيراً في النفس. ألا ترى أن من كان بنو عمه عليه فهو كمن قوتل بسلاحه، ألا ترى إلى قول الآخر حيث يقول:
مخافة جورٍ من أميرٍ مسلطٍ ... ورهطي وما عاداك مثل الأقارب
والعدو إشارة إلى الجنس. والمباسل، من البسالة. وأجراه على لفظ العدو لا على معناه. وفي القرآن: " فإنهم عدوٌ لي إلا رب العالمين ".
فقالوا لنا ثنتان لا بد منهما ... صدور رماحٍ أشرعت أو سلاسل
التاء في " ثنتان " كالتاء في بنتان، إلا أنه لم يستعمل واحده كما استعمل بنت. وكذلك التاء في اثنتان كالتاء في ابنتان إلا أنهم لم يقولوا اثنةٌ كما قالوا ابنة. والشاعر حكى كما دار بينهم عند الالتقاء فيقول: أدارنا أعداؤنا على خصلتين حكمواعلينا بهما، وخيرونا فيهما، وهو الاستسلام الذي آخره الأسر، أو القتل الذي أوله الامتناع والدفع. وقوله " ثنتان " أراد خصلتان اثنتان، ثم فسرهما بقثوله " صدور رماح أشرعت " وخص الصدور لأن المقاتلة بها تقع، ويجوز أن يكون ذكر الصدور وإن كان المراد الكل كما قال:
الواطئين على صدور نعالهم
وإن كان الوطء للصدور والأعجاز. وكنى عن الأسر بالسلاسل. وقوله " لا بد منهما " أراد لا بد منهما على طريق التعاقب لا على طريق الجمع بينهما، وإلا سقط التخيير الذي أفاده " أو " من قوله " أو سلاسل ". ألا ترى أنه إذا قال خذ الدينار أو الثوب، وكل السمك أو اشرب اللبن، فليس فيه الجمع بينهما. وإذا كان الأمر على هذا فالمعنى لا بد من إحداهما. و " أشرعت ": هيئت للطعن. وكذلك شرعت. ويستعمل في السيف أيضاً وكان الأصل فيه مشارع المياه. وفي المثل: " أهون الورد التشريع "، أي إيراد الشريعة.
стр. 20
فقلنا لهم تلكم إذاً بعد كرةٍ ... تغادر صرعى نوءها متخاذل
يقول: أجبناهم وقلنا تلكم، " أي تلك " التخييرة وذلك التحكم. ولا يجوز أن تكون الإشارة بتلكم إلى واحدة من هاتين الخصلتين اللتين تقدم ذكرهما، لأنه لا اختيار فيهما لمختارٍ حكمه حكم هؤلاء، إلا أن يكون الكلام على طريق التهكم والسخرية. والمعنى إنما يكون ذلك بعد عطفةٍ وجلوٍ تترك بيننا قوماً مصروعين يخذلهم النهوض ولا يطيقون الحراك. وإذاً، هو جوابٌ وجزاءٌ، وهو ملغىً هاهنا. وكم من تلكم للخطاب لا للضمير، فلا موضع له من الإعراب. واختار أن يقول " متخاذل " لأن هذا النباء يختص بما يحدث شيئاً بعد شيء. على ذلك قولهم تداعى البناء كأن أجزاء النمهوض يخذل بعضها بعضاً فلا يكمل، وكأنه أنكر عليهم الاشترط والتحكم والإلجاء منهم إلى ذلك، فقال: يسوغ متا ابتدأتم فيه لكم بعد جولةٍ يتعقبها هذا الأمر. ويجوز أن يكون الحكم والتخيير بقوله " ثنتان لا بد منها " وقع بين الحرب والاستئسار، لا القتل والاستئصال، فاختاروا المحاربة. والإشارة بقوله تلكم حينئذ يجوز أن تكون على ما قدمته، ويجوز أنم تكون إلى ما دل عليه قوله أو سلاسل، من الأسر فكأنه قال: الخصلة الثانية نؤخرها وننظر في الأولى ماذا ينتتج منها. وقوله " تغادرصفةٌ للكرة، وقوله " نوءها " الضمير يعود إلى صرعى، والجمع مآله إلى التأنيث، ولو قال نوءهم لكان أحسن. والنوء: النهوض، وهو أصل المناوأة، وإن اشتهرت في المعاداة. ويكون النوء: السقوط أيضاً. ويشبه هذا قول الآخر:
ينوء بصدره والرمح فيه
ولم ندر إن جضنا من الموت جيضةً ... كم العمر باقٍ والمدى متطاول
جاض عن قرنه وحاص بمعنىً، أي عدل وانحرف. والعمر والعمر لغتان: الحياة والبقاء. ومنه قولهم: لعمر الله، وعمرك الله. إلا أنه في اليمين لا يستعمل إلا بفتح العين. وقوله " كم العمر " في موضع الظرف، والمعنى كم يوماً أو وقتاً العمر باقٍ. وارتفع العمر بالابتداء. والواو في وقته " والمدى متطاول " واو الحال، أي كم العمر باقٍ ومداه متطاول. ولم يأت بالضمير لأن الواو أغنى عنه، والمعنى لم نعلم إن عدلنا عن الحرب عدلةً كم بقي من أعمارنا، وغايات العمر ممتدة مبهمة حتى لا ينتهي أحدٌ منها إلى حد إلا وكما يرجو أن يتصل بعده أيضاً لا يأمن أن ينقطع، فكأنه قال: إذا كان الحال في الأعمار على هذا أبداً فلا معنى للعدول عن الحرب، إذ لا
стр. 21
يمتنع من تطاول المدى في رجاء العمر أن يقصر في نفسه وينقطع عن المأمول فيه. ويجوز أن يتعلق الحال الذي دل عليه " والمدى متطاول " بإن جضنا. والتقدير لم ندر إن جضنا مدانا متطاولٌ كم العمر باقٍ أي مدى رجائنا. وهذا حسنٌ عندي. ويجوز أن يكون الواو عاطفةً كأنه قال: لم نعلم كم العمر باقٍ وكم المدى متطاولٌ إن جضنا. وحكي عن بعض المتأخرين أنه فسر العمر على أنه الحين، قال ومنه قوله تعالى: " فقد لبثت فيكم عمراً " وهذا إذا حقق يرجع إلى الأول.
إذا ما ابتدرنا مأزقاً فرجت لنا ... بأيماننا بيضٌ جلتها الصياقل
يقول: إذا ما استبقنا إلى مضيق في الحرب وسعته لنا سيوف مصقولة بأيماننا والفائدة فى قوله " جعلتها الصياقل " اهتماتهم بإصلاح آلات الحرب، لدوام مزاولتهم لها. وجعل الفعل للسيوف على المزاج والسعة.
لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبلٍ ... ولي منه ما ضمت عليه الأنامل
هذا مثل قوله:
منابرهن بطون الأكف ... وأغمادهن رءوس الملوك
وإن كان فى هذا تقسيم خلا منه المشبه. ولك أن تروى " ما ضمت عليه الأنامل " و " ضمت "، فإذا قلت ضمت فالمعنى ضبطت عليه الأنامل.
وإذا قلت فالمعنى قبضته الأنامل. والبطحاء والأبطح: مسيل فيه دقاق الحصى واسع. وهما صفتان أخرجتا إلى باب الأسماء. وبطحاء مكة وأبطحها معروفان، والتأنيث والتذكير فيهما يحملان على البلدة والبقعة، والبلد والمكان، إلا أنه لايقال مكان أبطح ولا بقعة بطحاء. ويقال: تبطح السيل، إذا سال عريضاً. فأما " سحبل " فاسم موضعٍ أضيف البطحاء إليه، كما يقال صحراء سحبل. ويقال ضب سحبل، إذا كان عريض البطن. ولا يمتنع أن يكون المكان سمى به لاتساعه.
وقال أيضاً:
لا يكشف الغماء إلا ابن حرةٍ ... يرى غمرات الموت ثم يزروها
معنى " يرى غمرات الموت " أن يتحققها بالممارسة حتى يصير كأنه أدركها بحاسة العين وشاهدها، فيقول: لا يكشف الخصلة الشديدة إلا رجلٌ كريم يرى قحم
стр. 22
الموت ثم يتوسطها ويصبر فيها ولا يعدل عنها. وإنما قال " ابن حرةٍ " لينبه على زوال الهجنة منه، وخلوص مولده مما يشوبه، وليصير كرمه مهيجاً لأنفته، ومصبراً له على كل ما يدفع إليه من الشر إلا أن يزيله. ولأن ما يستنكف منه العرب هو الهجة إذ كان من ليس أبوه من العرب خارجاً من أن يكون عربياً. والغماء والغم والغمة والغمم مرجع جميعها إلى التغطية. فإن قيل: لم عطف الزيارة على رؤية الغمرات بحرف المهلة، وهلا جعلها عقيب الرؤية؟ قلت: إن " ثم " وإن كان في عطفه المفرد على المفرد يدل على التراخي فإنه في عطفه الجملة على الجملة ليس كذاك. ألا ترى قوله : " وما أدراك ما العقبة. فك رقبةٍ. أو إطعامٌ في يوم ذي مسغبةٍ. يتيماً ذا مقربةٍ. أو مسكيناً ذا متربةٍ. ثم كان من الذين آمنوا ". ولا يجوز تراخي الإيمان عن شيء مما عدده وذكره.
تقاسمهم أسيافنا شر قسمةٍ ... ففينا غواشيها وفيهم صدورها
وضع " قسمةٍ " موضع مقاسمة، أراد شر مقاسمةٍ. وانتصاب " شر " على المصدر. والغواشي: القوائم، وتكون الأغماد أيضاً. والصدور، أراد بها المضارب، وإنما قال: شر قسمةٍ، لأن من حمل على مثل هذه القسمة فيما يقاسم عليه كان الشر له. وهذا أيضاً مثل قوله:
لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبلٍ
والمعنى قاسمناهم سيوفنا ففينا مقابضها وفيهم مضاربها.
وقال أيضاً:
هواي مع الركب اليمانين مصعدٌ ... جنيبٌ وجثماني بمكة موثق
هذه الأبيات ضمنها هذا الباب اما اشتملت عليه من حسن صبره على البلاء، وقلة ذعره من الموت والفناء، واستهانته بوعيد المنوعد وحذقه برسفان المقيد. و " هواي " ياء الإضافة فتحت منه على الأصل، وذاك أن هذه الياء لما كان ضمير اسمٍ على حرفٍ واحدٍ متطرف كرهوا أن تسكن فتختل فجعلوا من أصله التحريك، فإذا كان
стр. 23
ما قبله متحركاً كغلامي وداري: كان لك فيه وجوهٌ: تحريك الياء وهو الأصل، وتسكينه تخفيفا، وحذفه من النداء إذا قلت يا غلام، وإبدال الألف منها مع انفتاح ما قبلها كقولك وابأباهما ويا غلاما أقبل. وإذا سكن ما قبله فمتى كان واواً أو ياءً أدغم فيه ولم يكن بدٌ من تحريكه لئلا يلتقي ساكنان، تقول مسلمي في الجميع ومسلمي في التثنية. وإذا كان ما قبله ألفاً كعصاي وقفاي وهواي، لم يكن بدٌ من الإتيان به على الأصل، وهو تحريكه، لئلا يلتقي ساكنان أيضاً، ولا يجوز الإدغام ها هنا كما جاز مع الواو والياء، لأن الألف لا تدغم في شيء ولا يدغم فيها غيرها، لكنها هوائيةً لا معتمد لها في المخرج، إلا في لغة هذيلٍ، لأنهم يبدلون من الألف الياء ويدغمون. على هذا قوله:
سبقوا هوىً وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا ولكل جنبٍ مصرع
واليمانون: جمع يمانٍ، والنسبة إلى يمنٍ يمنىٌ، لكنه حذف إحدى ياءي النسب وأتي بالألف عوضاً منه. ومثله شآمٍ وتهامٍ، ومعنى البيت هواي راحلٌ ومبعدٌ مع ركبان الإبل القاصدين نحو اليمن، منضمٌ إليهم، مقودٌ معهم، وبدني مأسورٌ مقيدٌ بمكة. وراكبٌ وركبٌ مثل تاجرٍ وتجرٍ. وقد قيل في الجثمان إنه الشخص والجسمان الجسم، هكذا قاله الأصمعي. والشخص إنما يستعمل في بدن الإنسان إذا كان قائماً. والخليل ذكر في العين أن الجثمان والجسمان بمعنىً واحدٍ. وأصعد في الأرض: أبعد، وحكي أن صعدة اسمٌ علمٌ للأرض، وأن الصعيد منه. ولهذا قيل لحمر الوحش: بنات صعدة، وأولاد صعدة. وهذا إن ثبت فهو كما يقال بنات البر. وقوله " جنيبٌ " أي مجنوبٌ مستتبعٌ. وذكر أن بعضهم يرويه " حثيثٌ "، والصحيح الأول لفظاً ومعنىً.
عجبت لمسراها وأنى تخلصت ... إلي وباب السجن دوني مغلق
يقول: تعجبت من سير هذه الخيال إلي، ومن حسن توصلها مع هذه الحال، وهو أن باب السجن مرتجٌ دوني. فأما تعجبه من سيرها فعلى غادة العرب والشعراء في وصف الخيال، وذاك أنهم يجرونها مجرى المرأة نفسها، فيستطرفون منها ما
стр. 24
يستطرف من تلك لو وقع الفعل منها على الحقيقة مع نعمتها. وهذا كما قال غيره:
طرق الخيال ولا كليلة مدلج ... سدكاً بأرحلنا ولم يتعرج
وكما قال الآخر:
وأنى اهتدت والدو بيني وبينها ... وما خلت ساري الليل بالدو يهتدي
وأما تعجبه من توصلها فهو تعجب من لطفها في ذلك، وحسن تأتيها، مع العوارض والموانع. والمسرى يصلح في اللغة أن يكون مصدراً ومكاناً ووقتاً والبيت لا يمتنع من وجوهه. وأنى معناه كيف، أو من أين، كذا قال سيبويه. وقد تجرد لأن يكون بمعنى كيف في قول الكميت:
أنى ومن أين آبك الطرب
أتتنا فحيت ثم قامت فودعت ... فلما تولت كادت النفس تزهق
التحية: السلام والملك والبقاء. والمحيا: الوجه من الإنسان، لأنه يخص عند التسليم بالذكر فيقال حيا الله وجهك، وإن كانت الجملة متلقاةً به. وقيل التحية مشتقة من الحياة أوالحياء. والمحاياة: تحية القوم بعضهم بعضا. والمحيا من الفرس: حيث انفرق اللحم تحت الناصية. فيقول حاكياً لحال الخيال: جاءتنا فسلمت علينا، ثم لم تلبث إلا قليلاً حتى قامت وأعرضت، فلما تولت كادت النفس تخرج في أثرها. ويروى: " ألمت فحيت ". والإلمام: الزيارة الخفيفة. وقوله " لما تولت " جوابه " كادت النفس " وهو علمٌ للظرف. ومتى كان علماً للظرف لم يكن له بدٌ من جوابٍ، لأنه يكون لوقوع الشيء لوقوع غيره. وتزهق خبر كادت، لأن كاد ككان وأخواته ها هنا إذا وقع بعده الاسم، وهو موضوعٌ لمشارفة الفعل ومشافهته، ولهذا وجب ألا يكون معه " أن ". تقول: كاد يفعل، ولا يجوز أن يفعل إلا في الشعر. ومعنى تزهق: تهلك، ومنه قيل للبئر البعيدة القعر والمتلفة البعيدة: زاهقةٌ وزهوق. وفي القرآن: " فإذا هو زاهقٌ ". ويجوز أن يريد به في البيت
стр. 25
تخرج في إثرها سريعةً لما تولت. ومنه زهقت الراحلة: تقدمت. وزهق السهم: أسرع.
فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم ... لشيءٍ ولا أني من الموت أفرق
ترك الإخبار عنها وأقبل عليها يخاطبها، جرياً على عادتهم في التنقل والافتنان في التصرف. ومعنى تخشعت: تكلفت الخشوع. والخشوع في البصر كالخضوع في البدن. ويقال: اختشع فلانٌ، إذا طأطأ رأسه رامياً ببصره إلى الأرض وهو خاشع الطرف خاضع العنق. يقول مستهيناً بما اجتمع عليه من الحبس والتقييد، ومتبجحاً عندها بالصبر على الهوى والتهالك فيه - وبهذا دخلت الأبيات في الحماسة - لا تظني أني تكلفت الخشوع بعدكم لشيءٍ عارضٍ، ولا أني أخاف من الموت. والفرق: الخوف، وهو فرقٌ وفروقٌ وفروقة. وقال:
أنوراً سرع ماذا يا فروق
فإن قيل: فأين مفعول تحسبي؟ قلت: قد نابت الجملة، وهو قوله " أني تخشعت بعدكم " عن المفعولين. ألا ترى أن تقديره لا تحسبيني خاشعاً، فكما أن المفعولين يحصلان من دون " أن " كذلك إذا دخل " أن " في الكلام ينوب مع ما بعده عنهما، لأن اللفظ بالمفعولين قد حصل وإن كانا في صلة أن. وأن وما بعده في تقدير اسمٍ، وهذا كما تقول: لو أنك جئتني لأكرمتك، إذ كنت قد لفظت بالفعل في صلة أن، وإن كنت لا تقول لو مجيئك.
ولا أن نفسي يزدهيها وعيدكم ... ولا أنني بالمشي في القيد أخرق
الوعيد والوعد من أصلٍ واحدٍ، وإن كان أحدهما ضماناً في الخير والآخر ضماناً في الشر، لكنه فرق بين المعنيين بتغيير البناءين، كما فعلوا مثل ذلك في العدل والعديل، فجعلوا أحدهما في الأناسي والآخر في غيرهم. يقول: ولا تظني أن نفسي يستخفها تهددكم، ولا أنني ضجرت بالرسفان، وهو المشي في القيد. ويقال زهاه زهواً وازدهاه، إذا استخفه. ويستعمل الزهو في الباطل والتزيد في القول. يقال: قال زهواً، وفي الكبر يقال زهي لا غير، وهو مزهوٌ، والأصل الخفة. والأخرق: القليل
стр. 26
الرفق بالشيء. وقال أهل اللغة: الخرق: ضد الرفق. وفلان رقيقٌ وفلان أخرق. وربما قالوا: فلانٌ صنع وفلان أخرق. قال:
وهى صناع الرجل خرفاء اليد
ويروى " أخرق " بضم الراء فيكون فعلاً، و " أخرق " بفتح الراء فيكون صفةً.
ولكن عرتني من هواك صبابةٌ ... كما كنت ألقى منك إذ أنا مطلق
قوله " كما كنت ألقى منك "، الأجود أن يكون " ما " موصوفة غير موصولة، لأنك إذا جعلتها موصوله كانت معرفة وفي تقدير الذي، والقصد إلى تشبيه صبابةٍ مجهولةٍ بمثلها، والتقدير عرت صبابةٌ تشبه صبابةً كنت أكابدها فيك في ذلك الوقت. كأنه شبه حاله فيها بعد ما مني به بحاله من قبل. ومفعول ألقى محذوف تخفيفاً له، أراد كما كنت ألقاه منك. ويقال عراه وأعراه بمعنىً واحد. ومنه عراء الدار وعروتها بفتح العين، أي حيث تعرى منه أي حيث تؤتى. يقول: ولكني تعروني في الهوى رقة شوقٍ وجهد صبابة، كما كنت أقاسيه منك وفيك حين كنت مطلقاً ومخلىً. والفعل من الصبابة صببت بكسر الباء، والصفة صبٌ. وقوله " إذ أنا مطلق " الجملة في موضع جر بالإضافة، وقد شرح بها " إذ " كأنه قال: وقت إطلاقي.
وقال أبو عطاء السندي:
ذكرتك والخطي يخطر بيننا ... وقد نهلت منا المثقفة السمر
يعني بالخطي رمح نفسه، أي يتردد بالطعن. كأنه يصور حاله وما يكابده في مجاهدة أعدائه. والخط: سيف البحرين وعمان وإليه ينسب القنا. وكأن قولهم: الخطيطة، وهي أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين، منه. والخطر أصله التحرك، يقال مر يخطر خطراً، وخطر البعير بذنبه خطراً وخطراناً. فنبه بهذا الكلام على قلة مبالاته بالحرب، وأن نفسه تاقت والرمح يختلف بالطعن بينهم إليها حتى كانت تلك همه وشغله، فقال: ذكرتك بقلبي ورماح الخط تضطرب في الحرب بيننا، وقد رويت منا أي من دمائنا. وروى بعضهم: " وقد نهكت منا المثقفة " من نهك المرض، وليس
стр. 27
بشيءٍ: ومصدر ذكرتك ذكر بضم الذال، لأن الذُكر بالقلب والذِكر باللسان. والاسم من نهلت النهل. والمورد: المنهل: وقد عد الناهل في الأضداد، لوقوعه على الريان والعطشان، وكأن حقيقة النهل أول السقي، والاكتفاء به قد يقع وقد لا يقع فلذلك استعمل الناهل في الري والعطش.
فوالله ما أدري وإني لصادقٌ ... أداءٌ عراني من حبابك أم سحر
أقسم بالله على استواء علمه بالحالتين اللتين ذكرهما. ويسمي الألف التي في قوله " أداءٌ عراني " ألف التسوية، لهذا الذي ذكرناه. وكذلك لو قال: ليت شعري أزيدٌ في الدار أم عمروٌ، لكان الألف ألف التسوية أيضاً، لأنه بتمنيه العلم بما ذكره من الأمرين، دل على استواء درايته بهما: " وعراني " معناه أصابني. يقال عراه يعروه، واعتراه يعتريه، وعره يعره بمعنىً واحد.
و" الحباب " بمعنى الحب، كأنه مصدر حببته. وقد يكون مصدر حاببته ويكون من اثنين. ويكون أيضاً جمع الحب، وكأنه جمعه على اختلاف أحواله فيه، كما تجمع الشمس على مواقعها. ويروى " جنابك " والمعنى من ناحيتك. وقوله " إني لصادقٌ " يجوز أن يريد به صدقه في الخبر، ويجوز أن يريد بره في الحلف، ومرجع الوجهين إلى معنىً واحدٍ.
فإن كان سحراً فاعذريني على الهوى ... وإن كان داء غيره فلك العذر
السحر والتمويه يرجعان إلى معنىً واحد، ولذلك قال تعالى: " سحروا أعين الناس "، أي أخرجوه على وجهٍ في ورأى العين وحقيقته على خلافه. والسحارة: لعبة ذلك صفتها. ويقال عنزٌ مسحورةٌ، إذا عظم ضرعها وقل لبنها. وأرض مسحورة، إذا لم تنبت شيئاً: فيقول: إن كان ما بي سحراً فلي عذرٌ في هواك، لأن من يسحر يحبب، وإن كان داءً غير السحر فالعذر لك، لأني وقعت فيه بتعرضي لك، وفكري في محاسنك، والدلالة على أن " فاعذريني " في موضع فلي عذرٌ، ما قابله به من قوله " فلك العذر ". وفي هذا إسقاط سؤال السائل: لم قال اعذريني ولاذنب له وإنما يحتاج إلى بسط العذر من له ذنب أو يتصور بصورته، وانتصاب " داء " على أن يكون خبر كان، كأنه قال: وإن كان مابي داءً. ويجوز أن يكون توهم أن تلك تصورته بصورة المذنب فيما أظهره من عشقه فقال لها: إن أنت فتنتني وأوقعتني في حبالك لما عرضت علي من محاسنك فلي عذرٌ حين افتتنت،
стр. 28
لأن مثل محاسنك تزل العفيف، وتنقل عن طبعه الحليم. وإن كنت المتعرض لك والجالب على نفسي ما شقيت به، فالعذر لك.
وقال آخر:
وفارسٍ في غمار الموت منغمسٍ ... إذا تألى على مكروهه صدقا
جعل للموت غماراً على التشبيه بالماء، ثم جعله منغمساً فيها فحسنت الاستعارة جداً: وتألى وائتل وآلى من الألية. ولا حلف ثم، إنما يريد الحتم والإيجاب، فيقول: رب فارسٍ داخلٍ في شدائد الموت إذا حلف على ما يكره منه أو يكون كريهاً في نفسه بر ولم يحنث أنا فعلت به كذا. ويروي " مكروهةٍ " والمعنى خصلة تكره وتشق. فعلى هذا يكون صفةً مفردةً عن الموصوف. ويجوز أن يكون مصدراً كالمصدوقة وما أشبهها من المصادر الجائية على زنة المفعول. وأضاف المكروه إذا رويت " مكروهه " إلى الفارس لوقوعه منه. والمنغمس: الداخل في الشيء، يقال غمسته في الماء وغيره، ورجلٌ مغامسٌ للذي يغشى الحرب ويتردد فيها. والغمار والغمرات جمع غمرةٍ، وهي في الماء والحرب والشر ترجع إلى الستر. ويقال رجل مغامرٌ، إذا ألقى نفسه في الغمرات والمهالك. وروى بعضهم " في غمار الموت " بضم الغين، وكسرها أجود مع ذكر المنغمس.
غشيته وهو في جأواء باسلةٍ ... عضباً أصاب سواء الرأس فانفلقا
العضب: القطع، وتوسعوا فيه فقالوا: عضبه عن حاجته، أي حبسه، وامرأةٌ معضوبةٌ أي معضولة، وسيفٌ عضبٌ أي قاطع، كأنه وصف بالمصدر. والتغشي أصله الإتيان والملابسة، ومنه الغشاوة: الغطاء. وتوسعوا فيه حتى قيل تغشاهم بالعدل أو الجور. وفي القرآن: " إذ يغشيكم النعاس أمنةً منه ". فقوله غشيته، هو كما يقال قنعته، وهو جواب رب فارسٍ هكذا أنا ضربته وهو في جيشٍ تام السلاح كريه اللقاء، بسيف قاطع أصاب وسط رأسه فشقه. والسواء: الوسط ها هنا، وفي التنزيل: " في سواء الجحيم ". ويوضع موضع المصدر ثم يوصف به، وفي التنزيل: " سواء للسائلين ". وأصاب،
стр. 29
بمعنى طلب وبمعنى نال، ويقال أصبت الصواب فأخطأته. والجأواء: المخضرة، وهو من الجؤوة، يعني اخضرار السلاح. والبسالة تستعمل في الناس وغيرهم، وهي الشجاعة. ويقال رجلٌ باسل وأسدٌ باسلٌ وبسول. قال:
ما غركم بالأسد الباسل
وهذا يجوز أن يكون من البسل، وهو الحرام، كأنه لنمنعه محرم.
بضربةٍ لم تكن مني مخالسةً ... ولا تعجلتها جبناً ولا فرقا
يقال تعجلت الشيء، أي تكلفته على عجلة. ويقال أيضا أعجلته واستعجلته وتعجلته بمعنىً. والخلس: أخذ الشيء مخاتلةً، وقيل الاختلاس أوحى من الخلس. ويقال هو لك خلسةٌ، كما يقال نهزةٌ وفرصةٌ، يقول: غشيته سيفاً بأن ضربته ضربةً هكذا. فأما قوله لم تكن مني مخالسةً، فهو خلاف قول الآخر:
وقد أختلس الضرب ... ة لا يدمى لها نصلي
وقول الهذلي:
وطعنة خلسٍ قد طعنت مرشةٍ
لأن قصد الشاعر هاهنا إلى أنه تناول من خصمه ما تناول بتثبت وقوة قلب لا كما يفعله الجبان. وثم يذكر تمكنه من خصمه على شدة احترازٍ منه حتى تناول ما تناوله خلساً. وقد وصف الشجاع بالمخالس والخليس، وكذلك المصارع. ومن مدحه خصمه ثم ذكر غلبته له كان أبلغ في الافتخار به، فاعرف فرق ما بين الموضعين. وقوله: " ولا تعجلتها جبناً ولافرقاً " يؤكد ما ذكرناه. وانتصاب " جنباً " على أنه مفعول له، وهو الذي يسمى مصدراً لعلة. والمعنى: ولم أتكلف عجلتها لضعف قلبي ولا لخوفي من صاحبي. وضربة الجبان أعجل وأسرع.
стр. 30
وقال ربيعة بن مقرومٍ الضبي
ولقد شهدت الخيل يوم طرادها ... بسلم أوظفة القوائم هيكل
اطراد الماء والسراب والكلام: اتساقها على حد الاستقامة والمراد. ويقال: جدولٌ مطردٌ، وبلدٌ طرادٌ، أي واسعٌ يطرد فيه السراب. وأراد بالخيل الفرسان لا الأفراس، ألا ترى أنه قال " يوم طرادها ". والطراد من الفرسان: حمل بعضهم على بعضٍ. وعلى هذا ما روي عن النبي ﷺ ، وهو " يا خيل الله اركبي ". والمعنى حضرتهم يوم تطاردهم بالرماح وأنا على فرسٍ ضخمٍ سليم الأوظفة من العيوب. ول " شهدت " موضعان: الحضور من قول الله تعالى: " وليشهد عذابهما طائفةٌ من المؤمنين ". وقوله : " ما أشهدتم خلق السموات والأرض "، وحينئذ يتعدى إلى مفعول واحدٍ. والعلم والتبيين، على ذلك قول الله تعالى: " شهد الله أنه لا إله إلا هو "، وحينئذ يتعدى إلى مفعولين. وقد يقسم به كما يقسم بالعلم، فيقال يشهد الله كما يقال يعلم الله. فأما شهادة الشاهد فلابد من القول فيها. والهيكل أصله في البناء العظيم، ثم وصف به الفرس.
فدعوا نزل فكنت أول نازلٍ ... وعلام أركبه إذا لم أنزل
قوله " دعوا نزال " أي صاحوا: نزال نزال. ومنه قيل لتطريب النائحة في نياحتها: التدعي. وهذا كما قال الأعشى:
قالوا الطراد فقلناتلك عادتنا
وفي القرآن: " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ". ويجوز أن يكونوا جعلوا نزال على التوسع هي المدعوة وإن كانت دعي إليها؛ ويشهد لهذا الوجه قولهم:
دعيت نزال ولح في الذعر
стр. 31
وفي القرآن: " دعوا هنالك ثبوراً. لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً ". ونزال: اسم لا نزل، مبني على الكسر، معرفةٌ مؤنث معدول. والدلالة على تأنيثه قول زهير:
دعيت نزال ولج في الذعر
والمعنى تنادوا وقالوا نزال فكنت أول النازلين. ثم قال مظهراً لترك التحمد بذلك، وأنه فيما فعله كمن أدى واجباً عليه: " وعلام أركبه ". المعنى لأي شيء أركب فرسي إذا لم أنزل إذا دعيت إلى النزال. و " ما " من " علام " حذف ألفه لأنه في الاستفهام إذا اتصل بحرف الجر يخفف بالحذف، على ذلك بم ولم وفيم وعم مم، إلا إذا اتصل بذا فيقال بماذا ولماذا، لأنه يصير ماذا كالشيء الواحد فلا يغير " ما "، وقوله " وعلام أركبه إذا لم أنزل " يجري مجرى الالتفات ويقاربه، وفائدته أنه أسقط التحمد بما فعله. به. وفي طريقته من جهة المعنى قول الآخر:
ولايحمد القوم الكرام أخاهم ال ... عتيد السلاح عنهم أن يمارسا
ومثل الأول قوله:
علام تقول الرمح يثقل ساعدي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
وألد ذي حنقٍ على كأنما ... تغلى عداوة صدره في مرجل
أخرج التشبيه ما لا يدرك من العداوة بالحس إلى ما يدرك من غليان القدر، حتى تجلى، فصار كالمشاهد. والألد: الشديد الخصومة. كأنه لد بالخصومة، أي أوجر فلد به. ولذلك كان اللدد مصدر ألد. ويقال في معناه ألندد. والحنق: شدة الغيظ، يقال أحنقه فحنق، يقول رب خصم شديد الخصومة ذي غيظٍ وغضبٍ علي تغلي عداوته لي في صدره غليان المرجل بما فيه إذا كان على النار، أنا دفعته عن نفسي. وجواب رب هو صدر البيت الثاني. والحنئى يجوز أن يكون من اللزوق، كأن الحقد لزق بصدره، ومنه يقال أحنقت الدابة، إذا ضمرته.
стр. 32
أرجيته عني فأبصر قصده ... وكويته فوق النواظر من عل
ذكر بعض المتأخرين في أرجيته، أن الرواية الصحيحة " أوجيته " وما عداه تصحيف. قال. وهو أفعلته من الوجى، وإنما أوجب ذلك ليكون لفق قوله بزعمه: " وكويته ". والمعنى أذللته ورددته رازحاً كرزوح الفرس الوجى. ثم أنشد قول طرفة مؤنساً به:
وقومٍ تناهوا عن أذاتي بعدما ... أصاب الوجى منهم مشاش السنابك
قال الشيخ: ولقد قضيت العجب من هذا المستدرك، ومن ضلاله عن طريق الرشاد فيما قصده من المعنى، ورواه في الاستشهاد، وذلك أن شعر طرفة إنما هو:
وما زال شربي الراح حتى أشرني ... صديقي وحتى ساءني بعض ذلك
وحتى يقول الأقربون نصاحةً ... دع الغي واصرم حبله من حبالك
وحتى تناهوا عن أذاني بعد ما ... أصاب الوجى منهم مشاش السنابك
فقوله: " حتى تناهوا " ليس مما فسره واستشهد له بسبيل، إنما يريد طرفة أنه أبعد غايته في الخسارة، وتمادى في تعاطي الصبا والجهالة، فلم يصخ لناصحٍ، ولم يرعو لعاذلٍ، حتى نفضوا أيديهم من إنابته، ويئسوا من قبوله وإعتابه، فألقوا حبله على غاربه: وصاروا من بين ناسبٍ له إلى الشر، ومسيءٍ إليه في القول، وقاذفٍ إياه بالغي، فأفضت بهم الحال إلى أن تناهوا بعد أن بلغ منهم العناء كل مبلغ، وأثر فيهم الإعياء والإخفاء أشد تأثير. ألا ترى أنه جعل الوجى في المشاش من السنابك منهم. فهذا ما عليه في الرواية، والذهاب عن طريقة الشاعر. وبعد فإنه لا يقال أوجيت الدابة عني ويراد الإخفاء، ولم يسمع في التذليل ذكر الحفى والوجى مستعاراً كما سمع الكي والوسم فيه. وبعد الغوص لا يدري على ماذا يهجم بصاحبه. والرواية الصحيحة " أرجأته " و " أرجيته " وهما لغتان، والهمز أفصح. قد قرى: " ترجى من تشاء منهن " و " ترجى ". ويروى: " أوحيته "، ويروى: " أزجيته " والمعاني تتقارب في الكل. يقول: رب خصمٍ هكذا أنا وحيته عن نفسي وصرفته، وقد أبصر رشده، وعرف مقدار نفسه، فعاد إليه بعد أن كان يشتط فيما له، ويتغابى عما عليه. والقصد: ما لا سرف فيه، ولذلك قيل اقتصد في كذا. وطريقٌ قاصدٌ إذا كان على حد الاستواء. ومن كلامهم: ضل عن قصد الطريق، كما قيل: ضل عن
стр. 33
سواء السبيل. قال الراجز:
إني إذا حار الجبان الهدره ... ركبت من قصد الطريقٍ منجره
وقوله: " وكويته فوق النواظر " يشبهه قول الآخر:
ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما
أي كويته من عل فوق ناظره، أي وسمته بسمةٍ من الذل اشتهر بها، ولم يمكنه إخفاؤها. ويقال لمن يتوعد بالإذلال والتشويه: لأسمنك وسماً لا يفارقك. ولذلك قال جرير:
لما وضعت على الفرزدق مبسمي ... وضغا البعيث جدعت أنف الأخطل
وكما يجعلون هذه السمة في الجبين يجعلونها في الأنف، ولذلك قال الأعشى:
أنف من أنت واسم
وفي القرآن: " سنسمه على الخرطوم ". فإن قيل: لم أتى بقوله من عل، وقد قال فوق النواظر ويعلم منه أنه أعلى؟ قيل: إن التقدير كويته من عل فوق النواظر، أي من أعلاه فوق ناظره، وفيه التقديم والتأخير، ولو سكت على من عل لكان يجوظ أن يكون فوق النواظر ودون النواظر، لكنه بين أن قصده إلى الجبين بميسمه. والمعنى شهرته بإذلالي، ووسمته بكي حيث يظهر للناظرين ولا يخفى. وانتصاب " فوق " يجوز أن يكون على التبدل من الضمير في كويته، لأن " فوق " من الظروف المتمكنة. ويجوز أن تجعله ظرفاً تريد كويته في هذا المكان مما علا منه. وإنما لم يبن من عل لأنه جعله نكرة، كما تقول أتيته قبلاً أي أولا، وأنت لا تقصد إلى أنه مضاف إلى معرفةٍ مخصوصةٍ، فاعلمه. ومنه:
كجلمود صخرٍ حطه السيل من عل
стр. 34
فالكسرة في الموضعين كسرة إعراب، وإن شئت جعلته معتل الآخر لا منقوصاً كشجٍ وقاضٍ، وجعلته في النية مضافاً، فيكون معرفة وتنوى ضمة البناء في موضع لامه، كما تنويها في الياء من قاضٍ وغازٍ إذا ناديت بهما واحداً بعينه. وفي على لغاتٌ كثيرةٌ، وله نحوٌ في البناء والإعراب ليس لأخواته من الغايات، وليس هذا موضع شرحه.
قال سعد بن ناشب بن مازن بن عمرو بن تميم:
سأغسل عني العار بالسيف جالبا ... علي قضاء الله ما كان جالبا
القضاء، أصله الحتم والإيجاب، ثم يستعمل في إكمال الصنع والفراغ من الشيء. ولهذا قيل قضي قضاؤك، أي فرغ من أمرك. وفي القرآن: " فقضاهن سبع سموات ". ويروى: " قضاء الله " بالرفع والنصب، فإذا رفعته فإنه يكون فاعلا لجالباً علي، وما كان جالباً في موضع مفعوله، ويكون القضاء بمعنى الحكم. والتقدير: سأغسل العار عن نفسي باستعمال السيف في الأعداء، في حال جلب حكم الله على الشيء الذي يجلبه. وإذا نصب القضاء فإنه يكون مفعولاً لجالباً وفاعله ما كان جالباً، ويكون القضاء الموت المحتوم والقدر المقدور، كما يقال للمصيد الصيد، وللمخلوق الخلق. والمعنى جالباً الموت على جالبه. وذكر بعضهم أن " كان " من قوله ما كان جالباً في معنى صار. قال: ومثله:
بتيهاء قفرٍ والمطي كأنه ... قطا الحزن قد كانت فراخاً بيوضها
لأن المعنى قد صارت.
وأذهل عن داري وأجعل هدمها ... لعرضي من باقي المذمة حاجبا
الذهول: ترك الشيء متناسياً له ومتسليا عنه، ومنه اشتقاق ذهلٍ. يقول: إذا ضاق المنزل بي حتى يصير دار الهوان انتقلت عنه، وأجعل خرابه وقاية للنفس من
стр. 35
العار الباقي، والذم اللاحق. وهذا قريبٌ من قوله:
وإذا نبابك منزلٌ فتحول
وهو ضد المعنى الذي يقصدونه بالثبات فيه والصبر عليه، من الإقامة في دار الحفاظ والافتخار به، لأن الاتنقال ثم هو الجالب للعار، كما أن الأقامة هنا هو الجالب. فمن ذلك قوله:
وتقيم في دار الحفاظ بيوتنا ... زمناً ويطغن غيرها للأمرع
ومنه قوله:
يقال محبسها أدنى لمرتعها ... وإن تعادى ببكءٍ كل محلوب
وفي ضده قوله:
دار الهوان لمن رآها داره ... أفراحلٌ عنها كمن لم يرحل
وقول الآخر:
ولسنا بمحتلين دار هضيمةٍ ... مخافة موتٍ إن بنا نبت الدار
وانتصب " حاجبا " على أنه مفعول ثانٍ لأجعل، لأنه بمعنى أصير. والتقدير: أجعل هدمها حاجباً لعرضي، ومانعاً من باقي الذم. ول " جعلت " غير مواضع، يكون بمعنى خلقت وأنشأت فيتعدى إلى مفعولٍ واحد، كقول الله تعالى: " وجعل الظلمات والنور "؛ ويكون بمعنى سميت، كقوله تعالى: " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً "؛ ويكون بمعنى ظننت، تقول: جعلته عبداً وشتمته، أي ظننته؛ ويكون بمعنى طفق فلا يتعدى. تقول جعل يكلمه، أي أقبل. وعلى هذا قوله:
جعلت وما بي من جفاءٍ ولاقلى ... أزوركم يوماً وأهجركم شهرا
ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت ... يميني بإدراك الذي كنت طالبا
стр. 36
أراد بقوله " يصغر " صغر القدر وخفته ونزارته في الهم والفكر. وخص " التلاد " وهو المال القديم، لأن النفس بمثله أضن، وبه أنفس، وله أضبط. نبه بهذا الكلام على أنه يخف عل قلبه ترك الدار والوطن خوفاً من التزام العار، كذلك يقل في عينه إنفاق المال عند انصراف اليد حائرةً للمطلوب، جامعةً له. وجواب " إذا " قدم عليه وهو قوله " يصغر "، فأما قوله " كنت طالباً "، فقد حذف منه الضمير العائد إلى الذي، والتقدير كنت طالبه.
فإن تهدموا بالغدر داري فإنها ... تراث كريمٍ لا يبالي العواقبا
الهدم: القلع والتخريب، ويسمى المهدوم هدماً. قال:
كأنه هدجم في الجفر منقاض
وتوسعوا فيه فقيل للثوب الخلق هدمٌ، وجمعه أهدامٌ. وقيل عجوزٌ متهدمةٌ أي هرمةٌ فانية. وتهدم عليه من الغضب، كما يقال تهجم. والغدر: ترك الوفاء، ومنه غادرته، والغدير. وكأن هذا الرجل كان أخل بداره لنائبةٍ نابته فصار يخاطب أعداءه ويريهم قلة فكره فيما تجري عليه أحواله من جهتهم، وفيما تفضي عواقب أمره إليه معهم، فيقول: إن تخربوا داري غدراً منكم فإنها ميراث رجلٍ هكذا، ويعني به نفسه، وسمي ملكه ميراثاً وهو حيٌ، والمعني أنه سيورث، وهذا تسمية الشيء المتنقل في أيدي ملاكه والمتصرفين فيه على التشبيه: ميراثاً، وإن لم يتنقل بالأسباب والأنساب. على ذلك قول الله : " ولله ميراث السموات والأرض "، وقوله: " وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ". وتراث، أصله وراثٌ، والتاء فيه كالتاء في تكأةٍ وتخمةٍ. وقوله: " تراث كريمٍ " أراد بالكرم التنزه عن الأقذار، والتباعد من جوالب العار. على ذلك قول الله تعالى: " وإذا مروا باللغو مروا كراماً ". وقوله: " لايبالي العواقبا " يقال: ما باليته بالةً وباليةً ومبالاةً وبلاء، وما باليت به. وكأنه أخذ من البلاء، واستعمل في المفاخرة وتعداد الخصال الحسنة عند المنافرة، ثم كثر استعماله حتى صار يقال في الاستهانة بالشيء. ويشهد لهذا الذي قلناه قول الآخر:
مالي أراك قائماً تبالي ... وأنت قدمت من الهزال
стр. 37
أي تفاخر.
أخي عزماتٍ لا يريد على الذي ... يهم به من مقطع الأمر صاحبا
يقال: ما له عزمٌ وماله عزيمةٌ، أي تثبتٌ وصبرٌ فيما يعزم عليه. وحقيقة العزم: توطين النفس وعقد القلب على ما يرى فعله، ولذلك لم يجز على الله . والاعتزام: لزوم القصد وترك الانثناء، ولذلم قيل اعتزم الفرس على الجري. يصف نفسه بأنه صاحب هممٍ وأخو عزماتٍ، مستبدٌ برأيه فيها غير متخذٍ رفيقأً، ولا مستنصرٍ أخاً وصديقاً، و " مقطع الأمر " أراد فصله والخروج منه. ويروى: " أخي غمرات " وهي الشدائد. ويروى: " من مفظع الأمر " وهو من مفظع الأمر وأفظع، فظاعةًَ وإفظاعاً، وهو فظيعٌ ومفظعٌ. أو من أفظعني الأمر ففظعت به، أي أعياني فضقت به ذرعا. وقوله: " صاحبا " صغةٌ في الأصل استعملت استعمال الأسماء، فلم يجر مجرى أسماء الفاعلين، ويجري على طريقته قولهم والدٌ.
إذا هم لم تردع عزيمة همه ... ولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا
اللهم: ما تحيل لفعله وإيقاعه فكرك. والهمة: اسم الحالة التي تكون عليها في ذلك. ويقال في المثل لمن يعير بطول الأمل: " تهم ويهم بك "، ومنه المهمات، وهذا يخبر عن نفسه بأنه يتبع الرأي الأول. وهذا طريقه الفتاك لأن الرجوع عن الرأي إلى غيره طريقة من يتدبر العواقب فيترك الشيء إلى الشيء لما يرجوه من حسن المآب. فقال: إذا هم هذا الرجل بشيء أنفذ عزيمته ولم يردعها، ولم يفعل ما يفعله خائفاً. ومثله قول الآخر:
جسور لا يروع عند هم ... ولا يثني عزيمته اتقاء
ويقال: ردعته فارتدع، أي كففته ورددته ردعاً. ومنه الرداع في العلة وهو النكس، يقال ردع ردعاً ورداعاً. والهيبة تكون من الذعر ومن الإجلال جميعاً، ويقال للجبان هيوب وهيوبة، والهاء للمبالغة، وللمحتشم مهيب. وفي الحديث: " الإيمان هيوب ". ويقال: تهيبت الشيء وتهيبني بمعنى، لما كان لا يلتبس، ومثله من المقلوب كثير.
стр. 38
فيال رزام رشحوا بي مقدماً ... إلى الموت خواضاً إليه الكتائبا
ويروى: " الكرائبا ". الفاء من قوله " فيال رزام " النية بها استئناف ما بعدها وإن نسق بها جملة على جملة. واللام من يال رزام، هو لام الاستغاثة، ورزام ينجر به وهم المدعوون. وأصل حركة لام الإضافة إذا دخل على ظاهر الكسر، ولهذا إذا عطف على الام بلام أخرى كسرت الثانية، تقول: يالزيد لعمرو، ولكن هذه فتحت لكون ما بعدها منادى، ووقوع المنادى على هذا الحد موقع المضمرات، فكما قيل لك وله، قيل يالزيد. وقوله " رشحوا بي مقدما " بكسر الدال بمعنى متقدما، فهذا كما يقال وجه بمعنى توحه، ونبه بمعنى تنبه ونكب بمعنى تنكب. وعلى هذا قولهم مقدمة الجيش، ومن فتح الدال فالمعنى على أنه يقدم ليقيهم بنفسه. " خواضاً إليه الكتائبا "، انتصب الكتائب على أنه مفعول خواص. ويروى " الكرائب " وهي الشدائد جمع كريبة، والأصل في الكرب: الغم الذي يأخذ بالنفس. والترشيح أصله التنبيت والتربية، ومنه قيل رشحت المرأة ولدها إذا درجته في اللبن، ثم قيل رشح فلان لكذا، توسعاً. ومعنى البيت: يا بنى رزام هيئوا بي رجلاً يتقدم إلى الموت ولا يحيد عنه، مقتحما الجيوش والشدائد غير متنكب ولا حائد. ويروى: " رشحوا بي مقدماً "، وتلخيصه: رشحوا بترشيحكم رجلاً هذه صفته، فأقام الصفة مقام الموصوف.
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا
قوله: " ألقى بين عينيه عزمه "، أى جعله بمرأى منه لا يغفل عنه، وقد طابق في المعنى لما قابل قوله ألقى بين عينيه عزمه، بقوله: نكب عن ذكر العواقب جانبا. ومثله قول الآخر:
ولا ناظر عند الوغى في العواقب
وانتصب " جانبا " على أنه ظرف. ونكب يكون بمعنى تنكب. والمعنى أنه إذا هم بالشيء جعله نصب عينيه إلى أن ينفذ فيه ويخرج منه، ويصير في جانب من الفكر في العواقب. ويجوز أن ينتصب جانبا على المفعول، ويكون نكب بمعنى حرف. والمراد انحرف عن ذكر العواقب وطوى كشحه دونه. وسمي المعزوم عليه عزما على عادة العرب في وصف الفاعل والمفعول بالمصادر.
стр. 39
ولم يستشر في أمره غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
مثل المصراع الأول قول ابن هرمة:
ولا ينتجي الأدنين فيما يحاول
ويقارب الثاني قول الآخر:
ففي السيف مولى نصره لايحارد
والشاعر يصف استبداده وتفرده عندما يدهمه بما يأتيه فعلاً ورأياً. وإنما نبه على الرأي بقوله: " لم يستشر "، وعلى الفعل بقوله: " ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا ". وانتصب قائم على أنه استثناء مقدم. ألا ترى أن الأصل ولم يرض صاحباً إلا قائم السيف. ولو أتى على هذا لكان الوجه أن يكون بدلاً، فقدم المستثنى كما ترى.
وقال تأبط شراً:
إذا المرء لم يحتل وقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
قوله لم يحتل ذهب بعضهم إلى أن الحيلة مأخوذة من قولهم حال الشيء، أي انقلب عن جهته، كأن صاحبها يريد أن يستنبط ما يحول عند غيره ولذلك قيل: فلان حول قلب. وقوله جد جده أي ازداد جده جداً. ويكون مثل قوله:
حتى استدق نحولها
المعنى ازداد دقيقها دقة، ويجوز أن يكون المعنى صار غير الجد جداً بمآله، وهذا كما يقال ريع روعه، وخرجت خوارجه، وجن جنونه، وقال الهذلي:
يدعون حمساً ولم يرتع لهم فزع
وإنما هو ريع أمنه، وخرجت دواخله، ولم يرتع لهم أمن. فسمى الشيء بما آل إليه. وقوله أضاع يجوز أن يكون معناه وجد أمره ضائعاً، ويجوز أن يكون بمعنى
стр. 40
ضيع. ويقال: ضاع الشيء ضيعة وضياعاً، وتركهم بضيعة ومضيعة. وإذا أخذ الرجل فيما لا يعنيه، قيل: فشت عليه الضيعة. ويقاربه قولهم:
اتسع الخرق على الراقع
وقوله: وهو مدبر يجوز أن يكون الضمير للأمر، والمعنى قاسى أمره، أي شقي به وهو مول فائت. ويجوز أن يكون الضمير للمرء، والمعنى عالج أمره وكابده مدبراً فيه غير مقبل ولا منصور، ومعنى البيت إذا الرجل لم يطلب رشده ولم ينفذ الحيلة في إصلاح أمره، في الوقت الذي يجب أن يفعله، وقد صار الأمر جداً لا شبهة فيه، عالجه وهو هكذا، أو عالجه والأمر هكذا. ومثله:
ولكن من لا يلق أمراً ينوبه ... بعدته ينزل به وهو أعزل
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاً ... به الخطب إلا وهو للقصد مبصر
السائر عنهم في مثل قولهم: روئ تحزم، فإذا روّأت فاعزم، فيقول: صاحب الحزم هو الذي يستعد للأمر قبل نزوله، ويدبره قبل فوته، حتى إذا نزل به يكون عارفاً بالقصة فيه، سالكاً للوجه الذي يفصله منه. وهذا كما قيل في المثل: قبل الرماء تملأ الكنائن. والحزم في اللغة: الشد والضبط، ومنه الحزام، والحزمة، والحيزوم، والمحزم، والخطب: الأمر المطلوب، ويقال خطبت الأمر فأخطب، كما تقول طلبته فأطلب.
فذاك قريع الدهر ما عاش حول ... إذا سد منه منخر جاش منخر
ذاك أشار به إلى أخى الحزم. وقريع الدهر يحتمل وجهين: يجوز أن يكون في معنى مختار الدهر، ويكون من قرعت الشيء أي اخترته وخصصته بقرعتي، ويقال هو قريعهم وقريعتهم وقريعهم بمعنى واحد. ويجوز أن يكون بمعنى من قرعه الدهر بنوائبه حتى جرب وتبصر. ويكون قريع في الوجهين فعيلاً في معنى مفعول. ولا يمتنع أن يكون المراد بقريع الدهر فحل الدهر، ويكون في هذا الوجه قريع في معنى فاعل، لأنه يقرع الناقة أي يضربها. وما تقدم أحسن. وقوله ما عاش في
следующие страницы →