Полный текст (1 295 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أراد بقوله " يصغر " صغر القدر وخفته ونزارته في الهم والفكر. وخص " التلاد " وهو المال القديم، لأن النفس بمثله أضن، وبه أنفس، وله أضبط. نبه بهذا الكلام على أنه يخف عل قلبه ترك الدار والوطن خوفاً من التزام العار، كذلك يقل في عينه إنفاق المال عند انصراف اليد حائرةً للمطلوب، جامعةً له. وجواب " إذا " قدم عليه وهو قوله " يصغر "، فأما قوله " كنت طالباً "، فقد حذف منه الضمير العائد إلى الذي، والتقدير كنت طالبه.
فإن تهدموا بالغدر داري فإنها ... تراث كريمٍ لا يبالي العواقبا
الهدم: القلع والتخريب، ويسمى المهدوم هدماً. قال:
كأنه هدجم في الجفر منقاض
وتوسعوا فيه فقيل للثوب الخلق هدمٌ، وجمعه أهدامٌ. وقيل عجوزٌ متهدمةٌ أي هرمةٌ فانية. وتهدم عليه من الغضب، كما يقال تهجم. والغدر: ترك الوفاء، ومنه غادرته، والغدير. وكأن هذا الرجل كان أخل بداره لنائبةٍ نابته فصار يخاطب أعداءه ويريهم قلة فكره فيما تجري عليه أحواله من جهتهم، وفيما تفضي عواقب أمره إليه معهم، فيقول: إن تخربوا داري غدراً منكم فإنها ميراث رجلٍ هكذا، ويعني به نفسه، وسمي ملكه ميراثاً وهو حيٌ، والمعني أنه سيورث، وهذا تسمية الشيء المتنقل في أيدي ملاكه والمتصرفين فيه على التشبيه: ميراثاً، وإن لم يتنقل بالأسباب والأنساب. على ذلك قول الله : " ولله ميراث السموات والأرض "، وقوله: " وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ". وتراث، أصله وراثٌ، والتاء فيه كالتاء في تكأةٍ وتخمةٍ. وقوله: " تراث كريمٍ " أراد بالكرم التنزه عن الأقذار، والتباعد من جوالب العار. على ذلك قول الله تعالى: " وإذا مروا باللغو مروا كراماً ". وقوله: " لايبالي العواقبا " يقال: ما باليته بالةً وباليةً ومبالاةً وبلاء، وما باليت به. وكأنه أخذ من البلاء، واستعمل في المفاخرة وتعداد الخصال الحسنة عند المنافرة، ثم كثر استعماله حتى صار يقال في الاستهانة بالشيء. ويشهد لهذا الذي قلناه قول الآخر:
مالي أراك قائماً تبالي ... وأنت قدمت من الهزال
стр. 37
أي تفاخر.
أخي عزماتٍ لا يريد على الذي ... يهم به من مقطع الأمر صاحبا
يقال: ما له عزمٌ وماله عزيمةٌ، أي تثبتٌ وصبرٌ فيما يعزم عليه. وحقيقة العزم: توطين النفس وعقد القلب على ما يرى فعله، ولذلك لم يجز على الله . والاعتزام: لزوم القصد وترك الانثناء، ولذلم قيل اعتزم الفرس على الجري. يصف نفسه بأنه صاحب هممٍ وأخو عزماتٍ، مستبدٌ برأيه فيها غير متخذٍ رفيقأً، ولا مستنصرٍ أخاً وصديقاً، و " مقطع الأمر " أراد فصله والخروج منه. ويروى: " أخي غمرات " وهي الشدائد. ويروى: " من مفظع الأمر " وهو من مفظع الأمر وأفظع، فظاعةًَ وإفظاعاً، وهو فظيعٌ ومفظعٌ. أو من أفظعني الأمر ففظعت به، أي أعياني فضقت به ذرعا. وقوله: " صاحبا " صغةٌ في الأصل استعملت استعمال الأسماء، فلم يجر مجرى أسماء الفاعلين، ويجري على طريقته قولهم والدٌ.
إذا هم لم تردع عزيمة همه ... ولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا
اللهم: ما تحيل لفعله وإيقاعه فكرك. والهمة: اسم الحالة التي تكون عليها في ذلك. ويقال في المثل لمن يعير بطول الأمل: " تهم ويهم بك "، ومنه المهمات، وهذا يخبر عن نفسه بأنه يتبع الرأي الأول. وهذا طريقه الفتاك لأن الرجوع عن الرأي إلى غيره طريقة من يتدبر العواقب فيترك الشيء إلى الشيء لما يرجوه من حسن المآب. فقال: إذا هم هذا الرجل بشيء أنفذ عزيمته ولم يردعها، ولم يفعل ما يفعله خائفاً. ومثله قول الآخر:
جسور لا يروع عند هم ... ولا يثني عزيمته اتقاء
ويقال: ردعته فارتدع، أي كففته ورددته ردعاً. ومنه الرداع في العلة وهو النكس، يقال ردع ردعاً ورداعاً. والهيبة تكون من الذعر ومن الإجلال جميعاً، ويقال للجبان هيوب وهيوبة، والهاء للمبالغة، وللمحتشم مهيب. وفي الحديث: " الإيمان هيوب ". ويقال: تهيبت الشيء وتهيبني بمعنى، لما كان لا يلتبس، ومثله من المقلوب كثير.
стр. 38
فيال رزام رشحوا بي مقدماً ... إلى الموت خواضاً إليه الكتائبا
ويروى: " الكرائبا ". الفاء من قوله " فيال رزام " النية بها استئناف ما بعدها وإن نسق بها جملة على جملة. واللام من يال رزام، هو لام الاستغاثة، ورزام ينجر به وهم المدعوون. وأصل حركة لام الإضافة إذا دخل على ظاهر الكسر، ولهذا إذا عطف على الام بلام أخرى كسرت الثانية، تقول: يالزيد لعمرو، ولكن هذه فتحت لكون ما بعدها منادى، ووقوع المنادى على هذا الحد موقع المضمرات، فكما قيل لك وله، قيل يالزيد. وقوله " رشحوا بي مقدما " بكسر الدال بمعنى متقدما، فهذا كما يقال وجه بمعنى توحه، ونبه بمعنى تنبه ونكب بمعنى تنكب. وعلى هذا قولهم مقدمة الجيش، ومن فتح الدال فالمعنى على أنه يقدم ليقيهم بنفسه. " خواضاً إليه الكتائبا "، انتصب الكتائب على أنه مفعول خواص. ويروى " الكرائب " وهي الشدائد جمع كريبة، والأصل في الكرب: الغم الذي يأخذ بالنفس. والترشيح أصله التنبيت والتربية، ومنه قيل رشحت المرأة ولدها إذا درجته في اللبن، ثم قيل رشح فلان لكذا، توسعاً. ومعنى البيت: يا بنى رزام هيئوا بي رجلاً يتقدم إلى الموت ولا يحيد عنه، مقتحما الجيوش والشدائد غير متنكب ولا حائد. ويروى: " رشحوا بي مقدماً "، وتلخيصه: رشحوا بترشيحكم رجلاً هذه صفته، فأقام الصفة مقام الموصوف.
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا
قوله: " ألقى بين عينيه عزمه "، أى جعله بمرأى منه لا يغفل عنه، وقد طابق في المعنى لما قابل قوله ألقى بين عينيه عزمه، بقوله: نكب عن ذكر العواقب جانبا. ومثله قول الآخر:
ولا ناظر عند الوغى في العواقب
وانتصب " جانبا " على أنه ظرف. ونكب يكون بمعنى تنكب. والمعنى أنه إذا هم بالشيء جعله نصب عينيه إلى أن ينفذ فيه ويخرج منه، ويصير في جانب من الفكر في العواقب. ويجوز أن ينتصب جانبا على المفعول، ويكون نكب بمعنى حرف. والمراد انحرف عن ذكر العواقب وطوى كشحه دونه. وسمي المعزوم عليه عزما على عادة العرب في وصف الفاعل والمفعول بالمصادر.
стр. 39
ولم يستشر في أمره غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
مثل المصراع الأول قول ابن هرمة:
ولا ينتجي الأدنين فيما يحاول
ويقارب الثاني قول الآخر:
ففي السيف مولى نصره لايحارد
والشاعر يصف استبداده وتفرده عندما يدهمه بما يأتيه فعلاً ورأياً. وإنما نبه على الرأي بقوله: " لم يستشر "، وعلى الفعل بقوله: " ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا ". وانتصب قائم على أنه استثناء مقدم. ألا ترى أن الأصل ولم يرض صاحباً إلا قائم السيف. ولو أتى على هذا لكان الوجه أن يكون بدلاً، فقدم المستثنى كما ترى.
وقال تأبط شراً:
إذا المرء لم يحتل وقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
قوله لم يحتل ذهب بعضهم إلى أن الحيلة مأخوذة من قولهم حال الشيء، أي انقلب عن جهته، كأن صاحبها يريد أن يستنبط ما يحول عند غيره ولذلك قيل: فلان حول قلب. وقوله جد جده أي ازداد جده جداً. ويكون مثل قوله:
حتى استدق نحولها
المعنى ازداد دقيقها دقة، ويجوز أن يكون المعنى صار غير الجد جداً بمآله، وهذا كما يقال ريع روعه، وخرجت خوارجه، وجن جنونه، وقال الهذلي:
يدعون حمساً ولم يرتع لهم فزع
وإنما هو ريع أمنه، وخرجت دواخله، ولم يرتع لهم أمن. فسمى الشيء بما آل إليه. وقوله أضاع يجوز أن يكون معناه وجد أمره ضائعاً، ويجوز أن يكون بمعنى
стр. 40
ضيع. ويقال: ضاع الشيء ضيعة وضياعاً، وتركهم بضيعة ومضيعة. وإذا أخذ الرجل فيما لا يعنيه، قيل: فشت عليه الضيعة. ويقاربه قولهم:
اتسع الخرق على الراقع
وقوله: وهو مدبر يجوز أن يكون الضمير للأمر، والمعنى قاسى أمره، أي شقي به وهو مول فائت. ويجوز أن يكون الضمير للمرء، والمعنى عالج أمره وكابده مدبراً فيه غير مقبل ولا منصور، ومعنى البيت إذا الرجل لم يطلب رشده ولم ينفذ الحيلة في إصلاح أمره، في الوقت الذي يجب أن يفعله، وقد صار الأمر جداً لا شبهة فيه، عالجه وهو هكذا، أو عالجه والأمر هكذا. ومثله:
ولكن من لا يلق أمراً ينوبه ... بعدته ينزل به وهو أعزل
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاً ... به الخطب إلا وهو للقصد مبصر
السائر عنهم في مثل قولهم: روئ تحزم، فإذا روّأت فاعزم، فيقول: صاحب الحزم هو الذي يستعد للأمر قبل نزوله، ويدبره قبل فوته، حتى إذا نزل به يكون عارفاً بالقصة فيه، سالكاً للوجه الذي يفصله منه. وهذا كما قيل في المثل: قبل الرماء تملأ الكنائن. والحزم في اللغة: الشد والضبط، ومنه الحزام، والحزمة، والحيزوم، والمحزم، والخطب: الأمر المطلوب، ويقال خطبت الأمر فأخطب، كما تقول طلبته فأطلب.
فذاك قريع الدهر ما عاش حول ... إذا سد منه منخر جاش منخر
ذاك أشار به إلى أخى الحزم. وقريع الدهر يحتمل وجهين: يجوز أن يكون في معنى مختار الدهر، ويكون من قرعت الشيء أي اخترته وخصصته بقرعتي، ويقال هو قريعهم وقريعتهم وقريعهم بمعنى واحد. ويجوز أن يكون بمعنى من قرعه الدهر بنوائبه حتى جرب وتبصر. ويكون قريع في الوجهين فعيلاً في معنى مفعول. ولا يمتنع أن يكون المراد بقريع الدهر فحل الدهر، ويكون في هذا الوجه قريع في معنى فاعل، لأنه يقرع الناقة أي يضربها. وما تقدم أحسن. وقوله ما عاش في
стр. 41
موضع الظرف، والمعنى مدة عيشه. وقوله إذا سد منه منخر مثل للمكروب المضيق عليه، وهذا كما استعمل فيه الخنق والخناق. وأصل المنخر في الأنف من النخير؛ ويسمى النخرة أيضاً. والجميع النخر. والنخير: مد النفس، ومنه نخير الحمار. وقيل نخرتا الأنف: حرفاه. وجاشت القدر: غلت. وجاش البحر: اهتاج، وأصله التحرك في الموضعين والاضطراب؛ ومنه الجيش واحد الجيوش. والمعنى: لافتنانه في الحيل لا يؤخذ عليه طريق إلا نفذ في آخر. والحول: الكثير التحول في الأمور. ويقال هو قلب وحول، وفي معناه رجل حول وحوالي. قال ابن أحمر:
أوينسئن يومي إلى غيره ... أني حوالي وأني حذر
ويقال: هو ذو حول وحويل، وفي المثل: لو كان ذا حيلة تحول. فأما قولهم: هو ذو محلة، فهو في معنى محالة، وليس من بنائه، لأن الميم في محلة أصلية، وفي محالة زائدة.
أقول للحيان وقد صفرت لهم ... وطابي ويومي ضيق الحجر معور
من كلامهم: نعوذ بالله من صفر الإناء، وقرع الفناء. وهذه الاستعارة من شمول القحط وهلاك المال. ولحيان: بطن من هذيل كان تأبط شراً راغمهم ووترهم، فكانوا يطلبون غفلته، حتى اتفق منه الصعود إلى الجبل الذي وصفه ليشتار العسل، ولم يكن له إلا طريق واحد، فجاءوا وأخذوا عليه ذلك الطريق، فقال: أقول لهم، يعني عند مخاطبته إياهم وهو على الجبل. وقوله وقد صفرت لهم وطابي يحتمل وجوهاً: يجوز أن يكون المعنى وقد خلا قلبي من ودهم. وبعضهم يستضعف هذا ويقول: ومتى كان يودهم؟ وهذا اللفظ كيف يفيد هذا المعنى. ويمكن أن يقال في ذلك إنما أراد وطاب ودي. وهذا كما قال تبشر:
وإذ صفرت عياب الود منكم ... ولم يك بيننا فيها ذمام
стр. 42
كأنه تبين منهم أنهم لا يبقون عليه، ولا يرعون ذماماً له، فلا رعة ولا رقة لديهم، ولا بقيا ولا محافظة عندهم، فصار اعتقاده فيهم كما بان له اعتقادهم. فيه. فلهذا قال ما قال. ويجوز أن يكون المعنى أشرفت نفسي، بسببهم ولتعرضهم وهمهم بانتهاز الفرصة لما أمكنهم، على الهلاك. ويكون هذا من قوله:
ولو أدركنه صفر الوطاب
وفي طريقته قول الآخر:
هرقن بساحوق جفاناً كثيرة ... وأدين أخرى من حقين وحازر
وقال غيره:
يا جفنة كنضيح الحوض قد كفئت ... بثنى صفين يعلو فوقها القتر
ويجوز أن يكون أشار بالوطاب إلى الجسم، أي كاد تفارقه الروح. وهذا كما يقال: الإنسان: زق منفوخ. ويحوز أن تكون الإشارة إلى ظروف العسل التي اشتارها لأنه لما تيقن قصدهم لقتله وتركهم مسامحته صب العسل. على الجبل من الجانب الآخر وركبه متزلقاً عليه، حتى لحق بالسهل. قوله: ويومي ضيق الحجر معور، أي ضيق الناحية ممكن. ويقال في الحجر الحجرة أيضاً. وفي المثل: يربض حجرة ويرتمي وسطاً. ومعور، من أعور لك الشيء، إذا بدت لك عورته، وهي موضع المخافة. قال الله تعالى في الحكاية عن المنافقين لما قعدوا عن نصرة النبي ﷺ : " إن بيوتنا عورة " أي واهية يجب سترها وتحصينها بالرجال، وكما قيل يوم معور قيل مكان معور، أي مخوف. ويقال: عور المكان إذا صار كذلك، وقرئ: " إن بيوتنا عورة ". وقال بعضهم: كل ما طلبته فأمكنك فقد أعورك وأعور لك. ومعنى البيت: أقول لهؤلاء القوم والحال هذا، وهو أني قد جعلت لنفسي طريقاً إلى الخلاص منهم أو أني أشرفت على الهلاك واليوم يوم شديد عسير.
стр. 43
هما خطتا إما إسار ومنة ... وإما دم والقتل بالحر أجدر
الخطة مأخوذة من الخط، وهي تجري مجرى القصة، وإن كان لها مواضع تنفرد بها، وحذف النون من خطتا إذا رفعت إما إسار استطالة للاسم، كأنه استطال خطتا ببدله وهو قوله إما إسار، كما استطال الشاعر الآخر الموصول " بصلته، والموصوف " بصفته فقال:
أبني كليب إن عمى اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا
فحذف النون من اللذا. ومثله في الحذف قول الآخر:
لها متنتان خظاتا كما ... أكب على ساعديه النمر
فحذف النون من خظاتا. وقول الآخر:
لنا أعنز لبن ثلاث فبعضها ... لأولادها ثنتا وما بيننا عنز
ويجوز أن يكون الحذف على وجه الحكاية، كأنه قال: هما خطتا قولكم إما كذا وإما كذا، فلما نوى ذلك حذف النون للإضافة. وكأنهم كانوا يديرونه على الخصلتين، فأخذ يتهكم عليهم ويحكي مقالتهم، ونحوه قول الخليل في قوله: " ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا "، قال معناه لننزعن من المتشايعين الذي يقال لعتوه أيهم أشد؛ فحكى. وقوله:
فأبيت لا حرج ولا محروم
وإذا جررت إما إسار يكون حذف النون لنية الإضافة، والتقدير: هما خطتا إسار ومنة. والمعنى ليس " لي " إلا واحدة من خصلتين اثنتين على زعمكم: إما استئسار والتزام منتكم إن رأيتم العفو، وإما قتل وهو بالحر أجدر من التعرض لما
стр. 44
يخزيه ويكسبه الذل. فهاتان الخصلتان هما اللتان أشار إليهما بقوله هما خطتان؛ وقد ثلثهما بخطة أخرى ذكرها فيما بعد. وفي هذا الكلام تهكم وهزء. وقوله: والقتل بالحر أجدر يسمى اعتراضاً لوقوعه بين ما عدده من الخصال.
وأخرى أصادي النفس عنها وإنها ... لمورد حزم إن فعلت ومصدر
المصاداة: إدارة الرأي في تدبير الشيء والإتيان به على أتقنه، ومنه يقال: إنه لصدى مال، إذا كان حسن القيام به. يقول: وها هنا خصلة أخرى أداري نفسي فيها، وأداورها عليها، وإنها للموضع الذي يرده الحزم ويصدر عنه إن فعلت. وهذا إنما قسم الكلام هذه الأقسام لأنه رآهم يبنون أمره عليها، ولأنه نظر إلى جهتي الجبل فعلم أنه إن رضي الطريق التي عليها بنو لحيان لنفسه طريقاً كان فيها إحدى الحالتين: من الأسر أو القتل، على ما كانوا يزعمون ويقولون. وإن احتال للجهة الأخرى والحزم فيها، لأن خلاصه منها، كان أمراً ثالثاً. ثم اقتص ما فعله. وقوله وإنها لمورد حزم اعتراض أيضاً، لوقوعه بين قوله وأخرى أصادى النفس عنها، وبين تبيين كيفية مزاولته لها وشرحها.
فرشت لها صدري فزل عن الصفا ... به جؤجؤ عبل ومتن مخصر
الفرش: البسط، ثم توسعوا فيه فقالوا: فرشته أمري، وافترش لسانه فتكلم كيف شاء. وقوله لها الضمير للخصلة التي عبر عنها بقوله وأخرى. يقول: فرشت من أجل هذه الخطة صدري على الصفا. وهذا حين صب العسل فزلق " به " عن الصفا. أي بصدره صدر ضخم ومتن دقيق، والصدر والمتن صدره ومتنه، ولكن أخرجه مخرج قولهم: لقيت بزيد الأسد، وزيد هو الأسد عندهم. ووضع فرشت موضع ألقيت ووضعت. ويقال: فرشت ساحتي بالآجر، وافترشت الشاة للذبح إذا أضجعتها. وذكر بعضهم أنه يجوز أن يكون الضمير من لها للصفاة، والكلمة مقلوبة، والمعنى فرشتها لصدري. وفي هذا إضمار قبل الذكر والقلب، وإذا كان كذا فالأول هو الوجه.
فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا ... به كدحة والموت خزيان ينظر
الخلط أصله تداخل أجزاء الشيء في الشيء، وقد توسع فيه حتى قيل: رجل خلط، إذا اختلط بالناس كثيراً. وجاء في الحديث: لا خلاط ولا وراط، وفي
стр. 45
المثل: ليس أوان يكره الخلاط. يقول: أسهلت ولم يؤثر الصفا في صدري أثراً، لا خدشاً ولا خمشاً، والموت كان طمع في، فلما رآني وقد تخلصت بقي مستحيياً ينظر ويتحير. والواو من قوله والموت واو الحال. وهذا من فصيح الكلام، ومن الاستعارات المليحة. وقد حمل قول الله : " وأنتم حينئذ تنظرون " على أن يكون المعنى تتحيرون. وقد سلك أبو تمام مسلك هذه الاستعارة فقال:
إن تنفلت وأنوف الموت راغمة
ويقال إن الموضع الذي يقع عليه كان بينه وبين الطريق الذي عليه بنو لحيان أميال عدة. وقوله ينظر يجوز أن يكون في موضع الحال ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر. ويكون معناه فى مقابلتي. ويقال: بيوتهم تتناظر، إذا تقابلت، لأن النظر تقليب العين نحو المرئي وفي مقابلته. لذلك صح أن يقال للأعمى: نظر إلي، ويجوز أن يكون معنى ينظر يعلم حسن حيلتي وغنائي فيما يدهمني. وفسر قوله تعالى: " يساقون إلى الموت وهم ينظرون "، أي يعلمون ذلك ويتيقنون. وقوله لم يكدح الصفا قيل الكدح بالأسنان والحجر دون الكدم، ومنه قيل المكدح المكدم في حمار الوحش، لتعضيض بعضها بعضاً. وقوله خزيان يجوز أن يكون من الخزي: الهوان، ويجوز أن يكون في الخزاية: الاستحياء.
فأبت إلى فهم ولم أك آيباً ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
يقول: رجعت إلى قبيلتي فهم، وكدت لا أؤوب، لأني شافهت التلف. ويجوز أن يريد: ولم أك آيباً في تقديرهم وظنهم. واختار بعضهم أن يروى: فأبت إلى فهم وما كدت آيباً وقال: كذا وجدته في أصل شعره. قال: ومثله في أنه رد إلى الأصل ووضع اسم الفاعل موضع الفعل قول الآخر:
أكثرت في العذل ملحاً دائماً ... لا تكثرن إني عسيت صائما
стр. 46
والمثل السائر: عسى الغوير أبؤسا. ولا أدري لم اختار هذه الرواية؟ ألأن فيها ما هو مرفوضٌ في الاستعمال شاذٌ، أم لأنه غلب في نفسه أن الشاعر كذا قاله في الأصل؟ وكلاهما لا يوجب الاختيار. على أني نظرت فوجدت أبا تمام قد غير كثيراً من ألفاظ البيوت التي اشتمل عليها هذا الكتاب، ولعله لو أنشر الله الشعراء الذين قالوها لتبعوه وسلموا له. ويروى: ولم آل آيباً والمعنى لم أدع جهدي آيباً وفي الإياب. والأول أحسن. وكم مثلها، أي كم مثل هذه الخطة فارقتها بالخروج منها، وهي مغلوبة تضغو وأنا الغالب. وصفير الطائر معروف، ومنه ما في الدار صافر، أي ذو صفير.
وقال أبو كبير الهذلي:
ولقد سريت على الظلام بمغشمٍ ... جلدٍ من الفتيان غير مثقل
يقال سرى يسري سرىً، وأسرى إسراءً بمعنى، وهو سير الليل. وفي القرآن: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ". وعلى الظلام، أي في الظلام موضعه نصبٌ على الظرف. ويقال فعلته ظلاماً وليلاً في مقابلة فعلته نهاراً. ويقولون: عم ظلاماً وعم صباحاً، وهذا كما جعلوا في مقابلة اليوم الليلة. ويجوز أن يكون على الظلام في موضع الحال، أي وأنا على الظلام، أي راكبٌ له. يقول: ولقد سريت ليلاً برجلٍ غشومٍ قوي من الرجال غير منسوبٍ إلى الثقل والكسل في الأمور. فإن قال قائلٌ: إذا كان السرى لا يكون إلا ليلاً فلم قال على الظلام، ولم جاء في القرآن: " أسرى بعبده ليلاً " و: " فأسر بعبادي ليلاً "؟ قلت: المراد توسط الليل والدخول في معظمه، تقول: جاء فلانٌ البارحة بليلٍ، أي في معظم ظلمته وتمكن ذلك الوقت من ليلته. والجلد: الصلب القوي؛ ومنه الجلد من الأرض. وإنما قال مغشمٍ لأنه جعله كالآلة في الغشم، ومفعل بناء لهذا المعنى، ويريد به تأبط شراً. وكان لأبي كبيرٍ معه قصةٌ معروفة، والأبيات مقصورةٌ عليها، وناطقةٌ بها أو بأكثرها. والغشم والاعتساف يتقاربان. ويقال غشم الوالي
стр. 47
رعيته غشماً وفي كلام بعضهم: أسدٌ حطومٌ خيرٌ من سلطان غشومٍ. ويجوز أن يكون معنى غير مثقل أي كان حسن القبول، محبباً إلى القلوب.
ممن حملن به وهن عواقد ... حبك النطاق فشب غير مهبل
قوله: وهن عواقدٌ حبك حكاية الحال وإن كان ذلك فيما مضى. ومثله قوله تعالى: " وكلبهم باسطٌ ذراعيه بالوصيد. ويروى: " مما حملن به " أي هو من الحمل الذي حملن به. والضمير في حملن للنساء ولم يجر لهن ذكرٌ، ولكن لما كان المراد مفهوماً جاز إضمارها. ويروى: ممن حملن به، والمعنى: هذا الفتى من الفتيان الذين حملت أمهاتهم بهم وهن غير مستعدات للفراش ولا واضعات ثياب الحفلة فنشأ محموداً مرضياً، لم يدع عليه بالهبل والثكل. وإنما قيل: ممن حملن به، لأنه رد الضمير على لفظ من، ولو رد على المعنى لقال بهم. وفي القرآن في موضع: " ومنهم من يستمع إليك "، وفي آخر: " ومنهم من يستمعون إليك ". وحكي عن بعضهم: إذا أردت أن تنجب المرأة فأغضبها عند الجماع. وأنشد:
تسنمتها غضبى فجاء مسهداً ... وأنفع أولاد الرجال المسهد
وكذلك يقال في ولد المذعورة: إنه لا يطاق. والحبك: الطرائق. والنطاق: ما تشد المرأة في حقوها. والرواية: حبك الثياب، لأن النطاق قد جاء من بعد في صفة أم المغشم فتكرر، ولأن النطاق لا يكون له حبكٌ وطرائق. وواحد الحبك حبيك، ومنه قوله تعالى: " والسماء ذات الحبك ". وقال الباهلي: الحبكة والحباك: الإزار أيضاً. وقد احتبكت المرأة. وذكر بعضهم أن المهبل: المعتوه الذي لا يتماسك فإن صح ذلك فكأنه من الإسراع، يقال جملٌ هبلٌ.
ومبرأًٍ من كل غبر حيضةٍ ... وفساد مرضعةٍ وداءٍ مع
غبر الحيض وغبره باقيه قبل الطهر. وكذلك غبر اللبن: باقيه في الضرع. وتزوج رجلٌ من العرب بامرأةٍ مسنةٍ فقيل له في ذلك، فقال: لعلي أتغبر منها ولد. والحيضة والحيض واحدٌ. والغبر يكون جمع غابرٍ أيضاً. ولم يرض بلفظ التبرئة حتى
стр. 48
أتى بلفظ الكل معه تأكيداً، كأنه نفى قليل ذلك وكثيره. وأضاف الفساد إلى المرضعة لأنه أراد الفساد الذي يكون من قبلها. وهم يضيفون الشيء إلى الشيء لأدنى مناسبةٍ. ويروى مبرأً بالنصب والجر، فإذا نصبته فإنه ينعطف على غير مهبل، كأنه قال: شب في هاتين الحالتين. وإذا جررته ينعطف على قوله جلدٍ من الفتيان كأنه بمغشمٍ جلدٍ ومبرإ. والمعنى أن الأم حملت به وهي طاهرٌ ليس بها بقية حيضٍ، ووضعته ولا داء به استصحبه من بطنها فلا يقبل علاجاً، لأن داء البطن لا يفارق. ولم ترضعه أمه غيلاً، وهي أن تسقيه وهي حبلى بعد ذلك. ويروى عن أم تأبط شراً قالت: ما وضعته يتناً، ولا أرضعته غيلاً، ولا أبته مئقاً، ولا رأيت بنفسي دماً. ولقد حملت به في ليلةٍ مظلمة وتحت رأسي سرجٌ، وعلى أبيه درعٌ. وإنما تريد بهذا الكلام الآخر ما تقول العرب من أن المرأة إذا أكرهت على الوطء، أو وطئت مذعورة، أنجبت وأذكرت. الداء المعضل: الذي لا دواء له كأنه أعضل الأطباء وأعياهم، وأصل العضل المنع، ومنه عضلت المرأة إذا نشب ولدها في بطنها فلم يخرج. وعضلتها: منعتها من التزويج ظلماً.
حملت به في ليلةٍ مزؤودةٍ ... كرهاً وعقد نطاقها لم يحلل
الزأد: الذعر، وقد زئد فهو مزؤود. والمعنى حملت الأم بهذا المغشم. ويروى مزؤودةً بالنصب على الحال للمرأة؛ ويروى مزؤودةٍ بالجر، ويجوز فيه وجهان: أحدهما أن تجعله صفةً لليلةٍ، كأنه لما وقع الزؤود والذعر فيها جعله لها، والأكثر في المجاز والاتساع أن ينسب الفعل إلى الوقت فيؤتى به على أنه فاعل، كما قيل: نهاره صائمٌ، وليله قائمٌ. وحسن هذا لأن الظرف قد يقدر تقدير المفعول الصحيح، بأن ينزع منه معنى في، كما قال الشاعر:
ويوم شهدناه سليماً
فعلى ذلك تقول شهدت الليلة، وزئدت الليلة، وليلةٌ مشهودة ومزؤودة. ويجوز أن يكون انجراره في الجوار، وهو في الحقيقة للمرأة، كما قيل: هذا جحر ضبٍ
стр. 49
خربٍ. وهذا لميلهم إلى الحمل على الأقرب، ولأمنهم الالتباس. وانتصاب كرهاً على أنه مصدر في موضع الحال، والتقدير كارهةً. ومعنى البيت بما تقدم ظاهر. وقوله: عقد نطاقها لم يحلل، ابتداء وخبرٌ، والواو للحال. وأظهر التضعيف قي قوله لم يحلل، وهو لغة تميم، ووجه الكلام لم يحل. والنطاق: ما تنتطق به المرأة: تشد به وسطها للعمل. قال الأصمعي: كن في القديم ينتطقن بخيطٍ أو تكةٍ. وذات النطاقين: أسماء بنت أبي بكر ﵁. والمنطقة أخذت من هذا. والمعنى أكرهت ولم تحل نطاقها. وحكي عنها في وصف ابنها قالت فيه: إنه والله شيطان، ما رأيته قط مستثقلاً ولا ضحكاً ولا هم بشيء منذ كان صبياً إلا فعله، ولقد حملت به في ليلةٍ ظلماء وإن نطاقي لمشدود.
فأتت به حوش الفؤاد مبطناً ... سهداً إذا ما نام ليل الهوجل
حوش الفؤاد وحوشي الفؤاد: وحشيه، لحدته وتوقده. ورجلٌ حوشيٌ: لا يخالط الناس. وليلٌ حوشيٌ: مظلم هائلٌ، وكذلك إبلٌ حوشٌ وحوشيةٌ أي وحشيةٌ. وهذا كما يقال: ليلٌ سخامٌ وسخاميٌ: أسود. وقيل: الحوش: بلاد الجن. مبطناً: خميص البطن. وقوله نام ليل الهوجل، جعل الفعل لليل، لوقوعه فيه. والمعنى نام الهوجل في ليله. والهوجل: الثقيل الكسلان ذو الغفلة. يقول: أتت الأم بهذا الولد متيقظاً حذراً، حديد الفؤاد ذكياً، يسهر إذا نام الثقيل البليد. والسهاد والسهد: السهر. ورجلٌ سهدٌ ومسهدٌ. ويقولون للملدوغ: سهدوه لا يسر فيه السم. وقيل الهوجل: الأحمق لا مسكة به. قالوا: وبه سمي الفلاة لا أعلام بها ولا يهتدى فيها: الهوجل.
وإذا نبذت له الحصاة رأيته ... فزعاً لوقعتها طمور الأخيل
يقال: نبذت الشيء من يدي، إذا طرحته، وتوسعوا فيه فقيل صبيٌ منبوذٌ، ونابذت فلاناً، إذا فارقته عن قلىً. والحصى: صغار الحجارة. والشاعر إنما يحكي ما رآه منه؛ وذلك أن أبا كبيرٍ ذكر أنه كان أراد أن يغتاله، وكان يطلب منه فرصةً ينتهزها
стр. 50
في نومه وغفلته مع أنه كان لا يجترئ عليه، فكان يروز أحواله ليتمكن من مراده فيه. والمعنى إذا رميته بحصاة وهو نائمٌ وجدته ينتبه انتباه من سمع بوقعتها هدةً عظيمة، فيطمر طمور الأخيل، وهو الشقراق. وانتصاب طمور بما دل عليه قوله فزعاً لوقعتها، كأنه " رأيته " يطمر طموره؛ لأن الخائف المتيقظ يفعل ذلك. والطمور: الوثب؛ ومنه قيل فرسٌ طمرٌ، أي وثابٌ. وذكر أبو العباس أن الطمر في وصف الفرس هو المشرف، ومنه قيل للموضع العالي: طمار. وفزعاً انتصابه على الحال، وجواب إذا قوله رأيته. وقال بعضهم: الأخيل: الشاهين. ومنه قيل تخيل الرجل، إذا جبن عند القتال فلم يتثبت. والتخيل: المضي والسرعة والتلون.
وإذا يهب من المنام رأيته ... كرتوب كعب الساق ليس بزمل
أصل هب تحرك واضطرب، ثم قيل هب من نومه هباً، وهبت الريح هبوباً، وهبت الناقة في سيرها هباباً، وهب التيس هبيباً. وأهببت السيف: هززته. يقول: إذا استيقظ هذا الرجل من منامه انتصب في مضجعه سريعاً كانتصاب كعب الساق في الساق، وهو ليس بضعيف. وإنمايعني شهامته وتشمره في تلك الحالة. وكعب الساق منتصبٌ أبداً في موضعه، فلذلك شبهه به. والراتب: القائم، ومنه المراتب. وتحقيق الكلام: وإذا يهب رأيت رتوبه كرتوب كعب الساق، لكنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وهذا التشبيه يجري مجرى التصوير. والزمل والزمال والزميلة، كله الضعيف، واشتقاقه من التلفف كأنه متساقطٌ لا متشمرٌ متجردٌ.
ما إن يمس الأرض إلا جانبٌ ... منه وحرف الساق طي المحمل
إن، زيد لتوكيد النفي، ويبطل عمل ما بانضمامه إليه في لغة من يعمله. وانتصب طيّ على المصدر مما دل عليه ما قبله، لأنه لما قال، ما يمس الأرض منه إذا نام إلا جانبه وحرف الساق، علم منه أن الرجل مطويٌ غير سمينٍ، وهضيم الكشح غير ثقيل. والمعنى أنه إذا نام لا يتبسط على الأرض ولا يتمكن منها بأعضائه كلها، فعل من يرخيه نومه ويتمكن منه، حتى لا يكاد يتجمع ويتشمر عند الانتباه إلا بعد مزاولةٍ وتهيؤٍ يعمله في كل عضو. وهذا من أبياتٍ كتاب سيبويه. واحتج به بقوله طي المحمل. وأراد بالمحمل حمائل السيف، وهذا كما يقال: هو كالجديل، وكالزمام، والمحمل والحمالة بمعنىً.
стр. 51
وإذا رميت به الفجاج رأيته ... يهوى غواربها هوى الأجدل
قال الخليل: الفج: الطريق الواسع من قبل جبلٍ ونحوه، والجميع الفجاج. وغارب كل شيءٍ: أعلاه، ومنه غارب البعير. والشاعر يحكي في هذا أيضاً عنه ما رآه منه عند استصحابه له، فيقول: إذا وجهته في طرق الجبل رأيته يقصد عاليها قصد الصقر. والهوي بضم الهاء، هو القصد إلى أعلى، وبفتح الهاء القصد إلى أسفل. على ذلك قوله:
هوي الدلو أسلمه الرشاء
ولا تختر في رواية البيت على الضم. وأنشد فيه قوله:
كأن هويها خفقان ريحٍ ... خريقٍ بين أعلام طوال
ويروى: مخارمها. والمخارم: جمع المخرم؛ وهو منقطع أنف الجبل. والخرم: أنف الجبل، وجمعه خرومٌ. ومن فصيح كلامهم: هذه يمينٌ طلعت في المخارم، وهي التي تجعل لصاحبها منها مخرجاً. والأجدل، من جدل الخلق.
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... يرقت كبرق المارض المنهلل
الخطوط التي في الجبهة الأغلب عليها سرارٌ ويجمع على الأسرة، والتي في الكف الأغلب عليها سررٌ وسرٌ وبجمع على الأسرار. قال:
انظر إلى كفٍ وأسرارها ... هل أنت إن أوعدتني ضائري
وقد قيل: الأسرة: الطرائق. يقول: إذا نظرت في وجه هذا الرجل رأيت أسارير وجهه تبرق وتشرق إشراق السحاب المتشقق بالبرق. يصفه بحسن البشر وتطلق الوجه في كل حال. والعارض: ما يعرض في جانبٍ من السماء من السحاب. وعلى ذلك العارض في الأسنان، ولهذا قيل العارضان لما يبدو من جانبيها. ويقال: تهلل الرجل فرحاً، واهتل، إذا افتر عن أسنانه في التبسم.
стр. 52
قال آخر، ويقال إنها لتأبط شراً:
إني لمهدٍ من ثنائي فقاصدٌ ... به لابن عم الصدق شمس بن مالك
لا يقال في الهدية إلا أهديت. ويقال في العروس: هديتها وأهديتها جميعاً. والأصل واحد، لأن المعنى على القصد والدلالة، فيقول: إني أمدح ابن عمي الكريم الصادق في الود شمس بن مالك، بما أقصد به راغباً، وأنفذه إليه متحفاً. والمعنى: إني في غيبتي منه وحضوري له، مولعٌ بالثناء عليه، فلا أخليه من المدح في الحالتين جميعاً. واللام في قوله: لابن عم الصدق يجوز أن يتعلق بمهدٍ، يقال: أهديت له كذا، وعلى هذا تكون أعملت الفعل الأول، وما أهداه يكون محذوفاً لعلم السامع بأنه يريد شعره وتقريظه. وكان الأجود أن يقال فقاصدٌ إياه به، ويجوز أن يكون على قول من يزيد من في الواجب أن يكون قوله ثنائي مفعول مهدٍ، فيكون أهداه مذكوراً. ويجوز أن يتعلق اللام بقوله فقاصدٌ، يقال قصدته بكذا وقصدت له به. وعلى هذا تكون قد أعملت الفعل الثاني، وهو المختار إذا جمعت بين فعلين عند أصحابنا البصريين، ويقال هذا ثوب صدقٍ وأخو صدق، وضع الصدق موضع الفضل والصلاح. والتسمية بالشمس كالتسمية بالبدر والهلال. وذكر بعض المتأخرين أنه يروى شمس بن مالك بضم الشين، قال: ويكون هذا في أنه علمٌ لهذا الرجل فقط، كحجرٍ في أنه علم أبي أوسٍ الشاعر، وأبي سلمى في أنه علم أبي زهير الشاعر. والأعلام لا مضايقة فيها.
أهز به في ندوة الحي عطفه ... كما هز عطفي بالهجان الأوارك
عطف كل شيءٍ: جانبه. ويقال ثنى عطفه، إذا أعرض وجفا. وكأن القوس والرداء سميا عطافاً لاشتمالهما عند التوشح بهما على العطف. يقول: أحرك بالثناء جانبه كما حرك جانبي بعطيته، أي أسره بذلك حتى يرتاح ويطرب كما سرني حتى اهتززت. والهجان: الإبل البيض الكرام. والأوارك: التي رعت الأراك، يقال أركت الإبل فهي أركةٌ. وقال ابن السكيت: الأوارك التي ترعى الأرك، وهو نبتٌ. والندوة أصله الجمع، ويقال نداهم النادي، أي جمعهم.
стр. 53
وانتدى القوم وتنادوا، إذا تجمعوا. ومنه دار الندوة. والندي: المجلس، والجميع أندية. ويقع لفظ هجانٍ للواحد والجمع، يقال ناقةٌ هجانٌ ونوقٌ هجانٌ، ومثله درعٌ دلاصٌ، ودروعٌ دلاصٌ، وذلك لأن فعالاً وفعيلاً يتشاركان كثيراً، وكما جمع فعيلٌ فعالاً كذلك جمع فعالٌ فعالاً. ألا ترى أن العدد والوزن فيهما واحد وحرف المد من كل واحدٍ بإزاء ما في الآخر؟ فإذا كان كذلك حمل عليه إلا أن فعالاً إذا كان جمعاً ينوى بحركاته وألفه أنها حركات بنائه وهو جمعٌ لا واحد، كأن الكسرة في أوله الكسرة التي في أول ظرافٍ وكرامٍ، لا الكسرة التي في أول حمارٍ وإزارٍ، وكذلك ألفه فاعلمه.
قليل التشكي للمهم يصيبه ... كثير الهوى شتى النوى والمسالك
المهم يجوز أن يكون من الهم الذي هو الحزن، ويجوز أن يكون من الهم الذي هو القصد. يقول: هو صبورٌ على النوائب والعلات، لا يكاد يتألم مما يعروه من المهمات. واستعمل لفظ القليل والقصد إلى نفي الكل، وهذا كما يقال فلانٌ قليل الاكتراث بوعيد فلانٍ، والمعنى لا يكترث. وعلى ذلك قولهم: قل رجلٌ يقول كذا، وأقل رجلٍ يقول كذا. والمعنى معنى النفي، وليس يراد به إثبات قليلٍ من كثير. فإن قيل: من أي ساغ أن يستعمل لفظ القليل وهو للإثبات في النفي؟ قلت: إن القليل من الشيء في الأكثر يكون في حكم ما لا يعتد به ولا يعرج عليه، لدخوله بخفة قدره في ملكة الفناء، والدروس والامحاء، فلما كان كذلك استعمل لفظه في النفي على ما في ظاهره من الإثبات محترزين من الرد، ومجملين في القول، وليكون كالتعريض الذي أثره أبلغ وأنكى من التصريح. وقوله: كثير الهوى طابق القليل بقوله كثيرٌ، من حيث اللفظ لا أنه أثبت بالأول شيئاً نزراً فقابله بكثير. والمعنى أنه كثير الهم مختلف الوجه والطرق، لا يوقف منه على مدى غوره في الأمور، ولا يقف به أمله على فن لا يتجاوزه إلى الفنون. ويريد بالهوى الجنس وكذلك النوى، وهي وجهته التي ينويها. ومثله قول الآخر:
................. باق ... على الحدثان مختلف الشؤون
стр. 54
يظل بموماةٍ ويمسي بغيرها ... جحيشاً ويعروري ظهور المهالك
الموماة: المفازة، ووزنه فعللةٌ، وجمعها موام. وإنما قال يمسي بغيرها ولم يقل يبيت، لأن قصده إلى أن يصفه بأنه يقطع في بياض نهاره مفازةً، ولو قال يبيت لم يتبين منه ذلك. فيقول: بقطع المفاوز لاكتساب المكارم، فتراه يكون نهاره بمفازةٍ فإذا أتى عليه المساء تجده في أخرى فريداً وحيداً - ويقال: حل فلانٌ جحيشاً، أي منفرداً - ويركب ظهور المهالك والمعاطب غير مستصحبٍ رفيقاً، ولا مستجمعٍ سلاحاً. وهذا كما يقال: أعروريت الفرس، إذا ركبته عرياً. وكانت طباعهم أن من كد نفسه وابتذلها، وتوحش في المهالك ولزمها، وتعرض للمعاطب ولم يتوقها، كان ذلك أدعى إلى ما ينوه به ويميزه عن رجال جنسه. وانتصب جحيشاً على الحال، وقولها بغيرها لا يجوز أن يكون مستقراً فاعلمه.
ويسبق وفد الريح من حيث ينتحي ... بمنخرقٍ من شدة المتدارك
قوله من حيث ينتحي يجوز أن يكون للممدوح، ويجوز أن يكون لوفد الريح، لأن المراد أنه يسبقه وإن أعطاه مهلةً. ومعنى ينتحي: يقصد. والشاعر إنما يصف خفته وتشمره وجده وتيقظه، فيقول: من حيث اعتمد في السير جاء سابقاً للريح بعدوٍ له واسعٍ من عدوه. المتدارك: المتتابع. وجعل العدو منخرقاً لاتساعه. والمتدارك: المتلاحق. ويقال: أدرك فلانٌ عدةً من أصحابه، أي لحقهم وشاهد أيامهم. وأخذ أبو تمامٍ هذا فزاد عليه وإن كان في لفظة ركاكة، فقال:
فمر ولو يجاري الريح خيلت ... لديه الريح ترسف في القيود
إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالئٌ من قلب شيحان فاتك
الكرى: النوم الخفيف، وكأنه مأخوذٌ من كريت، إذا عدوت عدواً شديداً. فقوله: خاط عينيه يريد مر فيه، وليس يريد التمكن منه حتى يجعل أجفانه كالمخيطة. ومنه قوله:
حتى تخيط بالبياض قروني
стр. 55
وأضاف الكرى إلى النوم كما يضاف البعض إلى الجنس، كأن النوم لجنس الفعل، والكرى لما كان على جهةٍ مخصوصةٍ. يقول: إذا نام النومة التي أشار إليها لم يزل له رقيبٌ وحافظٌ من قلب رجلٍ جادٍ في الأمور، مفاجئ عريضٍ، وهذا الرجل هو هو. كأنه يريد إذا نام عينه لا ينام قلبه. والشيحان والشائح والشيح: الحذر الحازم. قال الهذلي:
وشايحت قبل اليوم أنك شيح
والفاتك: الذي يفاجئ غيره بمكروهٍ أو قتلٍ. وفي الحديث: الإيمان قيّد الفتك. وقال الدريدي: هو الذي إذا هم بالشيء فعل.
ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلة من حد أخلق باتك
يروى:
إذا طلعت أولى العدي فنفره ... إلى سلةٍ
وهي أسلم الروايتين. والعدي: الرجالة الذين يعدون قدام الخيل. وهو اسم صيغ للجمع، كالكليب والضئين. وعلى الرواية الأولى يقول: لا يغفل قلبه عن التحفظ، وعينه ديذبانه إلى سل سيفه. فإن قيل: كيف يكون العين ديذبان القلب، وهذا يقول إذا نام بعينه لم ينم بقلبه، أم كيف تصح هذه الرواية وفيها يتكرر معنىً واحدٌ في مصراعى البيتين، وهل الواجب في هذا إلا أن يقال إن القلب هو ديذبان العين، لأن العين نائمةٌ والقلب منتبهٌ؟ قلت: إنه وصف حالتين، بالمتقدم صفة حال النوم، والثاني هو صفة حال اليقظة والمعنى أن العين رقيب القلب، والمنتظر لإظهار ما يكرهه وتغييره، فإذا كره القلب شيئاً كان العين صاحبه الذي يظهره، فهو ربيئته إلى نزع السيف وتجريده، وإنكار ما أنكره وتغييره. والأخلق: الأملس. والبانك: القاطع. وقوله " إلى سلةٍ " يجوز أن يكون إلى بمعنى مع، كما تقول هذا إلى ذاك، أي
стр. 56
مع ذاك، ويجوز أن يكون المعنى أنها ربيئته إلى أن يستل سيفه، وبعد ذلك فالعمل للقلب، ويكون إلى الانتهاء. وقوله: من حد أخلق فيه توسع، لأن السيف يستل من الغمد فيصير مسلولاً. ألا ترى قوله:
إذا سل من جفنٍ تأكل أثره ... على مثل مصحاة اللجين تأكلا
وهذا جعل الجفن مسلولاً والسيف مسلولاً منه. ألا ترى قوله: إلى سلةٍ من حد أخلق، فهو في ذلك كقولهم: أدخلت الخف في رجلي، والقلنسوة في رأسي.
إذا هزه في عظم قرنٍ تهللتنواجذ أفواه المنايا الضواحك
مثله قول الآخر:
سقاه الردى سيفٌ إذا سل أومضت ... إليه تنايا الموت من كل مرقب
وإن كان هذا وصف السيف وقوة صاحبه في الضرب. والمعنى أنه متى حركه في الضريبة ضحك الموت علماً بظفره بالمضروب. وذكر التهلل والناجذ مثلٌ وتصويرٌ للمراد. وقوله المنايا الضواحك. أي التي من شأنها أن تضحك عند الظفر بمطلوبها، وإنما قال في عظم قرن إيذاناً بأنه لا يتعرض له إلا من يقارنه بأساً وشدة، وكذلك هو لا يعمل هذا السيف إلا في عظم من يقارنه حزماً ونجدةً، ونسبة التهلل إلى النواجذ مجاز وسعةٌ، وهذا كما يقال سر فلانٌ بكذا حتى صار لكل سنٍ له ضحكٌ. وقد سميت ما يبدو من الأسنان عند الضحك الضواحك.
يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي ... بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك
قوله: يرى الوحشة الأنس أي ذلك مذهبه. وهذا كما يقال هو يرى رأى أبي حنيفة، أي يذهب مذهبه. فيقول: أنس هذا الرجل التام في التفرد الذي يعده غيره وحشةً. وإتباعه الأنس الأنيس تأكيدٌوإظهارٌ مبالغة. وهذا كما قيل: ظلٌ ظليلٌ، وداهيةٌ دهياء. وهم يبنون من لفظ الشيء ما يتبعونه به طريق التأكيد. وقوله: يهتدي بحيث اهتدت يصف علمه بالطرق واستغناءه عن الدليل. وقد قيل في أم النجوم إنه الشمس، وقيل هو المجرة. والمعنى أنه يهتدي بحيث تهتدي الشمس.
стр. 57
ويسمى معظم الشيء أمه. والشمس أعظم الكواكب. ويسمى جامع الأشياء أمها، يعنى أنها تأوي إليه. والشوابك: المشتبكة. وإذا جعلت أم النجوم المجرةفيجوز أن يكون المعنى أن يهتدي بالكواكب التي تجمعها، فجعل الفعل لها لاجتماعها فيها. ويجوز أن يكون المعنى أنه يستغني عن الدليل كما تستغني تلك.
قال بعض بني قيس بن ثعلبة، ويقال إنها لبشامة بن جزءٍ النهشلي:
إنا محيوك يا سلمى فحيينا ... وإن سقيت كرام الناس فاسقينا
يقول: إنا مسلمون عليك أيتها المرأة فقابلينا بمثله، وإن خدمت الكرام وسقيتهم فأجرينا مجراهم فإنا منهم. والأصل في التحية أن يقال حياك الله، ثم استعمل في غيره من الدعاء عند اللقاء. وأما قوله:
ولكل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحية
فالمراد به تحية الملوك خاصة، وهو قولهم: أبيت اللعن! وقيل في سقيت إن معناه: إن دعوت لأماثل الناس بالسقيا فادعي لنا أيضاً. والأشهر في الدعاء أن يقال فيه سقيت فلاناً فيثقل، " والحجة في التخفيف قول أبي ذؤيب:
سقيت به دارها إذ نأت ... وصدقت الخال فيه الأنوحا "
وعلى هذا يكون في الكلام إضمار، كأنه قال: وإن سقيت بظهر الغيب الكرام بالدعاء عند ذكرهم فافعلي بنا مثله، وقولي سقاكم الله. وقد فصل بعضهم بين سقيت وأسقيت بأن قال: أسقيته: جعلت له سقيا يفعل بها ما شاء، وسقيته: أعطيته ماءً لفيه. ومثله كسوته وأكسيته، لأن معنى كسوته ألبسته، وأكسيته جعلت له كسوة، وبعضهم يجعلهما سواءً، ويحتج ببيت لبيد:
سقى قومي بني مجدٍ وأسقى ... نميراً والقبائل من هلال
стр. 58
وإذا فصل بينهما في البيت لم يختل به لفظاً ولا معنىً، كما أنه إذا سوي بينهما لم يختل معنىً ولا لفظاً، فكأنه لا حجة فيه لواحدٍ من القولين. والقصد في الدعاء بالسقيا إلى أن يمد الله المدعو له بما يزيد في نمائه ونضارته. ألا ترى الآخر قال لما دعا على ما تسخطه:
إذا سقى الله أرضاً صوب غاديةٍ ... فلا سقاهن إلا النار تضطرم
فذكر ما يحرق ويستأصل.
وإن دعوت إلى جلى ومكرمةٍ ... يوماً سراة كرام الناس فادعينا
جلى فعلى، أجراها مجرى الأسماء ويراد بها جليلةٌ. كما يراد بأفعل فاعلٌ وفعيلٌ، نحو قوله تعالى: " وهو أهون عليه "، أي هين؛ وكما قال:
فتلك سبيلٌ لست فيها بأوحد
أي بواحدٍ؛ وكقولك: الله أكبر، تريد كبير. يقول: إن أشدت بذكر خيار الناس بجليلةٍ نابت، أو مكرمةٍ عرضت وسنحت، فأشيدي بذكرنا أيضاً. وهذا الكلام ظاهره استعطافٌ لها، والقصد به التوصل إلى بيان شرفه واستحقاقه ما يستحقه الأفاضل الأشراف، والأماثل الكرام. ولا سقى ثم ولا تحية ولا دعاء ولا مغاثة. ألا ترى كيف اشتغل بمقصوده من الافتخار فيما يتلو هذا البيت. وهم كما يتخلصون من التشبيبات وغيرها إلى أغراضهم على اختلافها فإنهم قد يتوصلون بمبادئ كلامهم إلى أمثالها، فتقل المؤونة، وتخف الكلفة. ولهذا نظائر وأشباهٌ تجيء فيما بعد. والسراة في الناس، والشراة بالشين معجمةً في المال والخيل. وفي حديث أم زرع: " فنكحت بعده رجلاً سرياً، ركب شرياً، وأخذ خطياً، وأراح على نعماً ثرياً ". والجلى بالألف واللام: تأنيث الأجل، كما يقال الأكبر والكبرى، وكما قيل السبع الطول جمع الطولى. ولا يحذف الألف واللام منه حينئذ، لأن أصله يكون أفعل الذي يتم بمن. ويقال لكل ما علا شيئاً: جلله، ومنه الجلالة.
стр. 59
إنا بني نهشلٍ لا ندعي لأبٍ ... عنه ولا هو بالأبناء يشرينا
ندعي: نفتعل من الدعوة. وقوله " عنه " تعلق به. ويقال ادعى فلانٌ في بني هاشمٍ، إذا انتسب إليهم؛ وادعى عنهم، إذا عدل بنسبه عنهم. وهذا كما يقال: رغبت في كذا ورغبت عن كذا. وقوله: " لأبٍ " أي من أجل أبٍ ولمكان أبٍ. وانتصاب " بني " على إضمار فعل، كأنه قال: أذكر بني نهشل. وهذا على الاختصاص والمدح. وخبر إن " لا ندعي ". ولو رفع فقال: بنو نهشلٍ، على أن يكون خبر إن لكان لا ندعي في موضع الحال. والفصل بين أن يكون اختصاصاً وبين أن يكون خبراً صراحاً: هو أنه لو جعله خبراً لكان قصده إلى تعريف نفسه عند المخاطب، وكان لا يخلو فعله لذلك من خمولٍ فيهم، أو جهلٍ من المخاطب بشأنهم. فإذا جعل اختصاصاً فقد أمن هو الأمرين جميعاً. فقال مفتخراً: إنا نذكر من لا يخفى شأنه، لا نفعل كذا وكذا. وإنما قلت خبراً صراحاً، لأن لفظ الخبر قد يستعار لمعنى الاختصاص، لكنه يستدل على المراد منه بقرائنه؛ على هذا قوله:
أنا أبو النجم وشعري شعري
ومعنى البيت: إنا لا نرغب عن أبينا فننتسب إلى غيره، وهو لا يرغب عنا فيتبنى غيرنا ويبيعنا به، لأنه قد رضي كلٌ منا بصاحبه، علماً بأن الاختيار لا يعدوه لو خير فاختار. ويقال: شريت الشيء بمعنى بعته واشتريته جميعاً، ومنه الشروى، وهو المثل.
إن تبتدر غايةٌ يوماً لمكرمةٍ ... تلق السوابق منا والمصلينا
يقال: بادرته مكان كذا وكذا، وإلى مكان كذا. قال:
فبادرها ولجات الخمر
وكذلك يقال: ابتدرنا الغاية وإلى الغاية. وقوله: " لمكرمةٍ " أي لاكتساب مكرمةٍ. ويجوز أن يكون اللام مضيفةً للغاية إلى المكرمة، كأنه يريد تسابقهم إلى
стр. 60
أقصاها. يقول: إن تستبق نهاية مجدٍ أو غاية مكرمةٍ تر السابقين منا والتالين أيضاً منا. وإنما قال " المصلين ولم يقل المصليات مع السوابق، لأن قصده إلى الآدميين، وإن كان استعارهما من صفات الخيل. ويجوز أن يكون أخرج السابق لانقطاعه عن الموصوف في أكثر الأحوال، ولنيابته عن المجلي وهو اسم الأول منها إلى باب الأسماء فجمعه على السوابق، كما يقال كاهلٌ وكواهل، وغاربٌ وغوارب. والمصلى هو الذي يتلو السابق فيكون رأسه عند صلاه. والصلوان: العظمان الناتئان من جانبي العجز. وقال الدريدي: هو العظم الذي فيه معرز عجب الذنب. وقال بعض أهل اللغة: هما عرقان في موضع الردف.
ليس يهلك منا سيدٌ أبداً ... إلا افتلينا غلاماً سيداً فينا
نبه بهذا الكلام على أن من يستحق السيادة فيهم يكثر ولا يقل، فمتى درج منهم رئيسٌ ترشح لسد مكانه واحدٌ. وهذا مثل قوله:
وإني من القوم الذين هم هم ... إذا ما ت منهم سيدٌ قام صاحبه
والافتلاء: الافتطام والأخذ عن الأمر، ومنه الفلو. والمعنى هنا الترشيح والتهيئة والصرف عما عليه إلى الرياسة. وأبداً في المستقبل بمنزلة قط في المضي. والقصد أنهم كل وقتٍ على ذلك، فلا يحتاجون إلى الاستعانة بالأجانب دون الأقارب. والأبد: الدهر، وقيل سميت الوحش أوابد لأنها تعمر على الدهر، حتى لا تموت إلا بآفة. وأن يكون من التأبد التوحش أحسن، وإن أمكن رد الكل إلى أصلٍ واحد.
إنا لنرخص يوم الروح أنفسنا ... ولو نسام بها في الأمن أغلينا
أغلينا الألف للإطلاق، والنون ضمير الأنفس، ومعنى أغلين وجدت غاليةً أو جعلت غاليةً. وهو هكذا أجود، وليس يريد أنهم مع الغلاء يمكنون منها، بل المراد قطع المقدرة عنها. ومثل هذا:
نعرض للسيوف بكل ثغرٍ ... خدوداً لا تعرض للسباب
стр. 61
فيقول: نبتذل أنفسنا في الحروب ولا نصونها، ولو عرض علينا إذالتها في غيرها لامتنعنا. وهذا لحرصهم على تخليد الذكر الجميل، والأبانة عن محل النفس في الشجاعة. والرخص في السعر: سهولته ولينه، وهو من قولهم فيما أظن امراةٌ رخصةً، إذا كانت ناعمةً. وقوله: ولو نسام بها أي نحمل على أن نسوم بها. ويقال سام بسلعته كذا وكذا، واستام أيضاً، وأغلى السوم والسيمة. وأسمته أنا، أي حملته على أن سام. ولا يمتنع أن يكون قولهم: سمته خسفاً، أصله من ذاك وإن استعمل في المكروه، ومنه قوله تعالى: " يسومونكم سوء العذاب ". وفي البيت طباقٌ بذكر الإرخاص والإغلاء، والروع والأمن، في موضعين، وهو حسنٌ جيد.
بيضٌ مفارقنا تغلي مراجلنا ... نأسو بأموالنا آثار أيدينا
يروى: بيض معارفنا، وهي الوجوه. والمراد بذلك نقاء العرض وانتفاء الذم والعيب. ويقال: امرأةٌ حسنة المعارف، أي الوجه بما يشتمل عليه. وقيل الأنف وما والاه. وقيل: الحسن في الأنف، والملاحة في الأسنان. وواحد المعارف معرفٌ ومعرفٌ، وكأن الوجه سمي بها لأن معرفة الأجسام وتمييزها تقع بها. والأشهر والأحسن بيضٌ مفارقنا. ويجوز أن يكون أراد ابيضت مفارقنا من كثرة ما نقاسي الشدائد. وهذا كما يقال أمرٌ يشيب الذوائب. وفي القرآن: " يوماً يجعل الولدان شيبا ". وتغلي مراجلنا أي حروبنا، كقول الآخر:
تفور علينا قدرهم فنديمها ... ونفثؤها عنا إذا حميها غلا
ويجوز أن يكون المراد: ابيضت مفارقنا لانحسار الشعر عنها، باعتيادنا لبس المغافر والبيض، وإدماننا إياه، ويكون هذا كما قال:
قد حصت البيضة رأسي فما ... أطعم نوماً غير تهجاع
стр. 62
وتكون المراجل على هذا كنايةً عن الحروب أيضاً. ويجوز أن يكون المراد: ابيضت مفارقنا من كثرة استعمالنا للطيب، ويكون كقول الآخر:
جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقة
ويكون على هذا معنى تغلي مراجلنا أي قدورنا للضيافة، ويجوز أن يريد: مشيبنا مشيب الكرام، لا مشيب اللئام. وأنشد ابن الأعرابي في نوادره:
وشبت مشيب العبد في نقرة القفا ... وشيب كرام الناس فوق المفارق
وعلى هذا يحمل المراجل على أن المراد بها قدور الضيافة. فأما قوله: نأسو بأموالنا آثار أيدينا فإنما يريد ترفعهم عن القود ودفع أطماع الناس عن مقاصتهم، فيداوون جراحاتهم ببذل الأروش والديات. والأسو: مداواة الجرح وإن استعمل في موضع الإصلاح. قال:
والأساة الشفاة للداء ذي الري ... بة والمدركون للأوغام
ويقال للضار النافع: يشج ويأسو. ومنه اشتقاق الإسوة، ويقال الأسوة أيضاً. ويروى أن مصعب بن الزبير لما انهزم الناس عنه يوم مسكن جعل يقاتل ويتمثل:
وإن الأولى بالطف من آل هاشمٍ ... تأسوا فسنوا للكرام التأسيا
وفي البيت مع حسن المعاني التي بينتها توازن في اللفظ مستقيم، وسلامةٌ مما يجلب عليه التهجين.
إني لمن معشرٍ أفنى أوائلهم ... قول الكماة ألا أين المحامونا
يقاربه قول الخنساء:
أقلت مساماة الرجال عديدنا
فيقول مفتخراً إني لمن قومٍ أهلك أسلافهم قول الأبطال لهم ألا أين الذابون والمحامون؟ فكانوا يتقدمون ويفنون. والكماة: جمع الكمي، وهو من قولهم كمى
стр. 63
شهادته، إذا كتمها؛ لأن الشجاع يستغني بالفعال، عن الدعوى والمقال، فكأنه يستر أمره وشأنه لوقت الحاجة، ولأنه إذا سكت دل على صفاته بلاؤه.
لو كان في الألف منا واحدٌ فدعوا ... من فارسٌ خالهم إياه يعنونا
يعني بقوله فدعوا أعلنوا الاستغاثة بيال فلانٍ، ومن فتىً، وما أشبهه. ويقال خلته أخاله خيلاً ومخيلةً وخيلاناً. وهذا مثل قول طرفة:
إذا القوم قالوا من فتىً خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد
وقد زاد هذا عليه بقوله لو كان فى الألف مناً واحدٌ ". لأن ذلك قال:
إذا القوم قالوا من فتىً، فنصب نفسه مع قومه؛ وهذا جعله منضماً مع الكثرة إلى الغرباء. وإنما قال: من فارسٌ فنكر، كما قال طرفة: من فتى فنكر. ولم يعرف واحدٌ، منهما، لأن السؤال بالمنكر لشدة إبهامه يكون أشمل لتناوله واحداً واحداً لا سيما وليس القصد في الاستفهام إلى معهودٍ معين، ولا إلى الجنس فيقال: من الفتى، ومن الفارس. وفي هذه الطريقة قول الآخر:
إذا القوم قالوا من فتىً لعظيمةٍ ... فما كلهم يدعى ولكنه الفتى
وبيت بشامة أجود الثلاثة. وقد أحسن الفرزدق كل الإحسان لما أشار إلى هذا المعنى فقال:
إذا ما قيل يا لحماة قومٍ ... فنحن بدعوة الداعي عنينا
إذا الكماة تنحوا أن ينالهم ... حد الظبات وصلناها بأيدينا
إنما قال حد الظبات - وظبة: السيف حده - لأنه أراد المضارب بأسرها. وكما صلح أن يقال أصابته ظبة السيف صلح أن يقال حد الظبة. وقيل الظبة: طرف السيف، والشباة حد طرفه. يقول: إذا الأبطال تباعدوا عن المصادمة والمكافحة، مخافة أن ينالهم حد السيوف مددنا أبواعنا إليهم بها أو وصلناها، وفي هذا المعنى قوله:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا للتضارب
стр. 64
وقوله تنحوا أن ينالهم أي تنحوا أن ينالهم، ومخافة أن ينالهم؛ فلما حذف من وصل الفعل فعمل. وعلى هذا قولهم: تحصن فلانٌ أن يطلب، وقول الله تعالى: " يبين الله لكم أن تضلوا ". وقوله: وصلناها بأيدينا أي إذا عجزت جعلنا وصلها أيدينا. وهذه الأبيات إذا تؤملت فكلٌ منها غاية يدعو إلى نفسه لفظاً ومعنىً.
ولا تراهم وإن جلت مصيبتهم ... مع البكاة على من مات يبكونا
يصف تعودهم للثكل، وإلفهم للمصائب والقتل، وأن قلوبهم قد مرتت عليها حتى قست، فلا يبكون مع البكاة على من قتل منهم. ومثله قول عمرو بن كلثوم:
معاذ الإله أن تنوح نساؤنا ... على هالكٍ أو أن نصيح من القتل
ونركب الكره أحياناً فيفرجه ... عنا الحفاظ وأسيافٌ تواتينا
يجوز أن يكون هذا كما قال الآخر:
فحالفنا السيوف على الدهر
ويجوز أن يكون أراد بالسيوف كأنهم السيوف مضاءً ونفاذاً. والأول أولى. وإنما يصف خطارهم بمهجهم، وركوبهم المهالك، ورميهم بأنفسهم المرامي المعطبة. فيقول: إذا فعلنا ذلك في الوقت بعد الوقت، وسعت المضايق عنا محافظتنا على الكرم وصبرنا على الشدائد، واستعمالنا سيوفنا المطاوعة لنا. ومعنى يفرجه: يكشفه ويوسعه. ويقال: فرج الله غمّه وفرجه، بالتخفيف والتشديد. ومنه سمي ما بين القوائم: الفروج. وإطلاق لفظ الفرج على العورة يجري مجرى الكنايات. وعلى هذا قيل: رجلٌ فرجةٌ، إذا كان كشافاً لأسراره.
عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي، ويقال إنه للسموءل ابن عاديا اليهودي:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداءٍ يرتديه جميل
стр. 65
يقال: دنس دنساً، وتدنس تدنساً، إذا تكلفه. فيقول: إذا لم يتدنس الرجل باكتساب اللؤم واعتياده فأي ملبس لبسه بعد ذلك كان حسناً جميلاً. وذكر الرداء ها هنا مستعار، وقد قيل: ردَّاه الله رداء عمله، فجعل كنايةً عن مكافأة العبد بما يعمله، أو تشهيره به، كما جعله هذا الشاعر كنايةً عن الفعل نفسه. وتحقيقه: فأي عملٍ عمله بعد تجنب اللؤم كان حسناً. واللؤم: اسمٌ لخصالٍ تجتمع، وهي البخل واختيار ما تتقيه المروءة، والصبر على الدنية، ودناءة النفس والآباء. وإذا يتضمن معنى الجزاء، والفاء مع ما بعده جوابه. وليس هنا من قول عمرو بن معد يكرب:
ليس الجمال بمئزرٍ ... فاعلم وإن رديت بردا
فيعتقد أنه يريد بالرداء الثياب بسبيلٍ، فاعلمه.
إذا المرء لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
يقول: إذا المرء لم يحمل ظلم نفسه عليها، ولم يصبرها على مكارهها، فليس له طريقٌ إلى الثناء الحسن. وهذا يشير إلى كظم الغيظ، واستعمال الحلم، وترك الظلم والبغي مع ذويه، والصبر على المشاق، وإهانة النفس في طلب الحقوق؛ لأن من تعود هذه الأشياء علا ذكره، وحسن ثناؤه. ويقال: ضامه ضيماً، وهو مضيمٌ، إذا عدل به عن طريق النصفة واهتضمه. ومنه قيل: قعد في ضيم الجبل، أي في ناحيةٍ تنعدل إليه. وكما استعمل الضيم من ضام، كذلك استعمل الهضم واحد أهضام الوادي من هضم. ويبعد من طريق المعنى أن يريد بقوله ضيمها ضيم الغير لها فأضاف المصجر إلى المفعول، لأن احتمال ضيم الغير لهم يأنفون منه، ويعدونه تذللاً.
تعيرنا إنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل
يقال عيرته كذا، وهو المختار الحسن، وقد جاء عيرته بكذا. قال عديٌ:
أيها الشامت المعير بالده ... ر أأنت المبرأ الموفور
والمعنى أنكرت منا قلة عددنا فعدته عاراً، فأجبتها وقلت إن الكرام يقلون. والكرم: اسمٌ لخصالٍ تضاد خصال اللؤم، وقد ذكرناها. وهذا الاعتراف الذي حصل
стр. 66
منه إنما هو اعترافٌ بقلة العدد لا بقلة القدر والغناء، ألا ترى أنه رجع عليه بالنفي في البيت الثاني فقال:
وما قل من كانت بقاياه مثلنا
على أن قوله إن الكرام قليل يشتمل على معانٍ كثيرة: وهي ولوع الدهر بهم، واعتيام الموت إياهم، وقلة النسل فيهم، واستقتالهم في الدفاع عن أحسابهم، وإهانتهم كرائم نفوسهم مخافة لزوم العار لهم، ومحافظتهم على عمارة ما ابتناه أسلافهم. وكل ذلك يقلل العدد، ويقصر المدد. وقليلٌ وكثيرٌ يوصف بهما الواحد والجمع.
وما قل من كان بقاياه مثلنا ... شبابٌ تسامى للعلا وكهول
الهاء من قوله بقاياه راجعة إلى لفظ من لأن معناه الكثرة. ولو رد عليه لقال بقاياهم. يقول: وما حصلت القلة في القدر والغناء، ولا لحقت الذلة في اللقاء والدفاع لأسلافٍ أخلافهم نحن، شبانٌ وكهولٌ يتسامون في اكتساب المعال، ن ويترقون في درجات الفضل. وشبابٌ مصدرٌ في الأصل ووصف به، ولذلك لا يثنى ولا يجمع. يقال شب الصبي يشب شباباً. وقوله تسامى أراد تتسامى، فحذف إحدى التاءين استثقالاً للجمع بينهما. فإن قلت: هلا أدغمت كما أدغمت في ادراك - والأصل تدارك؟ قلت: ليس هذا موضع إدغام، لأنه فعل مضارع. ألا ترى أنه لو أدغم لاحتيج إلى جلب ألف الوصل لكون أوله، وألف الوصل لا يدخل على الفعل المضارع. والكهل: الذي قد وخطه الشيب، ومنه اكتهل النبت، إذا شمله النور.
وما ضرنا أنا قليلٌ وجارنا ... عزيزٌ وجار الأكثرين ذليل
في هذا الكلام تعريض بعشيرة من جاذبه الكلام. يقول: وما يضرنا قلة عددنا وجارنا في عزٍ، وجار من لهم العدد والكثرة في ذل. وقوله: وما ضرنا يجوز أن يكون ما حرف نفي، والمعنى لم يضرنا؛ ويجوز أن يكون اسماً مستفهماً به على طريق التقرير، والمعنى أي شيء يضرنا. والواو من قوله: وجارنا عزيزٌ واو الحال، أي لا يضرنا ذلك والحال هذا. وكذلك الواو من قوله: وجار الأكثرين ذليل واو الحال. وإنما صلح الجمع بين الحالين لأنهما لذاتين مختلفتين، ولو كانا لذات واحدة لم يصلح. والعز والعزازة استعمل في القدرة والمنع، وفي الصلابة
стр. 67
والشدة. ويقال: تعزز اللحم، لأن الكل يرجع إلى أصل واحد. كما ان الذل والذل الذي هو ضده استعمل في الانقياد والسهولة واللين والوطاءة، إذ جميعه يدعو إلى شيءٍ واحد. وفي طريقته:
فجارك عند بيتك لحم ظبيٍ ... وجاري عند بيتي لا يرام
وقول الآخر:
وهم يمنعون جارهم أن يقردا
لنا جبلٌ يحتله من نجيره ... منيعٌ يرد الطرف وهو كليل
ومثله:
لنا هضبةٌ لا يدخل الذل وسطها ... ويأوي إليها المستجير ليعصما
وأراد بذكر الجبل العز والسمو. فيقول: لنا جبل عزٍ يدخله من ندخله في جوارنا، ممتنعٌ على طالبه، يرد لإشرافه وسموقه طرف الناظر إليه وهو حسير. ومنيعٌ: اسم الفاعل من منع مناعةً ومناعاً، ومنه المنعة. ويجوز أن يكون فعيلاً في معنى مفعول، أي ممنوع منه، وكما استعمل المنيع في العز استعمل أيضاً في العفة، فقيل امرأة منيعةٌ وممتنعةٌ أي عفيفةٌ. وحل واحتل بمعنىً. والطرف: النظر والعين جميعاً. وقال الدريدي: طرف العين امتداد لحظها.
رسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرعٌ لا ينال طويل
رسا الجبل: ثبت أصله في الأرض. ومنه رست السفن، إذا انتهت إلى قرار البحر. والرسو والرسوخ يتقاربان. والثرى: الندى. وما تحت الأرض ثرىً. ويقال: ثرىً ثريٌ، على المبالغة. يقول: ثبت أصل هذا الجبل - وهو يريد العز على ما بينت - تحت الأرض وارتفع به أعلى طويلٌ لا ينال إلى محل النجم. والمراد: عزنا أصله تحت الأرض السابعة، وفرعه عند النجم. ومعنى لا ينال: لا يوصل إليه ولا يحصل
стр. 68
مثله. وكما كان يقال في الرفيع الشأن العالي القدر: هو في النجم وهو في السكاك، وكان قصده في الفرع أنه مديدٌ حتى اتصل بالنجم، زاده صفةً فقال طويل. وقد طابق الرسو بالسمو، كما قابل الأصل بالفرع. ونقله أبو تمامٍ فقال:
لنا نبعةٌ فرعها في السماء ... وفي هامة الحوت أعراقها
وإنا لقومٌ ما نرى القتل سبةً ... إذا ما رأته عامرٌ وسلول
كان وجه الكلام أن يقول: ما يرون القتل سبةً، حتى يرجع الضمير من صفة القوم إليه ولا تعرى منه، لكنه لما علم أن المراد بالقوم هم قال: ما نرى. وقد جاء في الصلة مثل هذا، وهو فيه أفظع، قال:
أنا الذي سمتن أمي حيدره
والوجه سمته حتى لا يعرى الصلة من ضمير الموصول. قال أبو عثمان المازني: لولا صحة مورده وتكرره لرددته. فضل عشيرته في الصبر على الموت، والثبات في الحرب على عامرٍ وسلول، وهما قبيلتان. فيقول: إذا حسب هؤلاء القتل والقتال عاراً ومنقصةً عدهما عشيرتي فخراً ومكرمةً. والسبة: ما يسب به، كما أن الخدعة ما يخدع به. وأصل السب: القطع، ثم استعمل في الشتم. وهذا كما يقال: فلانٌ يقطع أعراض الناس. وقوله: ما نرى أي لا نجعل ذلك مذهباً.
يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
قوله: يقرب حب الموت أي حبنا للموت. وجعل في مقابلته: وتكرهه آجالهم لأنه يشتمل على ما يوفيها حقها من اللفظ. وإن كانت من حيث المعنى قد حصلت: ويبعد بغضهم إياه آجالهم. ويكون الشاعر ملماً في المصراع الأول بقول الآخر:
رأيت الكريم الحر ليس له عمر
لأنه يشير إلى أنهم يعتبطون لاقتحامهم المنايا، وحرصهم على ملابسة الحروب، وأن أولئك يعمرون لمجانبتهم الشرور، وزهدهم في مجاذبة العدو. ويجوز
стр. 69
أن يكون أضاف الحب من قوله حب الموت إلى الفاعل، فيكون المعنى: يقرب حب الموت لنا آجالنا، ويكون هذا كقول طرفة:
أرى الموت بعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد
ويكون على هذا قوله وتكرهه آجالهم محمولاً على أنه إذا كرهت آجالهم الموت فقد كره الموت آجالهم أيضاً. ألا ترى قول دريد:
أبى القتل إلا آل صمة إنهم ... أبوا غيره والقدر يجري إلى القدر
وقول متمم:
أرى الموت طلاعاً على من ترفعا
وإذا كان كذلك فالتقابل في هذا الوجه حاصلٌ أيضاً. وبعضهم روى: يقصر حب الموت واختاره، ليكون القصر بإزاء الطول. وهم لا يراعون مثل هذا إذا تناسبت المعاني وتقابلت، ويكون ذلكمنهم كالمتبرئ من التكلف. ألا ترى أبا ذؤيب الهذلي قال:
وشيك الفصول بعيد القفول ... إلا مشاحاً به أو مشيحا
وقد كان يمكنه أن يقول بطيء القفول فلم يراع ذلك. وقد أحسن عنترة كل الإحسان في سلوك هذه الطريقة، حين قال:
ليس الكريم على القنا بمحرم
وما مات منا سيدٌ حتف أنفه ... ولا طل منا حيث كان قتيل
حتف انتصب على الحال، ولم يستعمل منه حتف ولا هو محتوف. وليس هذا مثل تبسمت وميض البرق، فاعلمه. يقول: لم يمت رئيسٌ منا على فراشه، بل
стр. 70
مات ميتةً كريمةً في الحرب تحت ظلال السيوف والرماح، ولا أبطل دم قتيلٍ منا حيث كان، وعلى يد من اتفق. وهذا غاية ما يتحمد به الفتاك وأبناء الحروب، حتى إن بعضهم اعتذر عمن مات على فراشه فقال:
بحمد من سنابك لا بذم ... أبا قران مت على مثال
وفي هذه الطريقة قوله:
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول
وقوله: مات حتف أنفه يقال إن أول من تكلم به النبي ﷺ . وتحقيقه: كان حتفه بأنفه، أي بالأنفاس التي خرجت من أنفه عند نزوع الروح، لا دفعةً واحدة. ويقال خص الأنف بذلك لأنه من جهته ينقضي الرمق. ويقال: طل دمه يطل طلاً، إذا أهدر.
تسيل على حد الظبات نفوسنا ... وليست على غير السيوف تسيل
يروى: تسيل على حد السيوف نفوسنا. ولم يقل وليست على غيرها تسيل في الروايتين، لأنهم يكررون أسماء الأجناس والأعلام كثيراً، ولاسيما إذا قصدوا التفخيم بها. كما قال عديٌ:
لا أرى الموت يسبق الموت شيءٌ ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
وفي الرواية الثانية - وهي المشهورة - أضاف الحد إلى الظبات. وهذا فيه وجهان: أحدهما أن يكون أراد بالظبات السيوف كلها ثم أضاف الحد إليها، والمعنى: تسيل على حد السيوف دماؤنا وليست تسيل على غيرها. وهذا كما يسمى السيف كما هو نصلاً، وكما يسمى السهم نصلاً كما هو. والثاني أن إضافة الحد إلى الظبات كإضافة البعض إلى الكل، ويكون التقدير: تسيل على الحد من الظبات، وتكون الظبات مضارب السيوف. فإن قيل: كيف تبجح بأن تكون دماؤهم تسيل على حد السيوف لا على غيره؟ قلت: إن الدماء قد تسال بالعصي وبغيرها مما لا يكون شرفاً،
стр. 71
فعد القتلة التي تكون بالسيف أكرم. ألا ترى أن بني أسدٍ يسمون عبيد العصا لما كان حجرٌ أبو امرئ القيس حين أوقع بهم قتلهم بها، لتكون قتلتهم ذميمة. وقد قتل كثير منهم بالجلاميد والصخور، ولذلك قال بعضهم:
جلاميد أملاء الأكف كأنها ... رؤوس رجالٍ حلقت في المواسم
وقال آخر:
ولا نقاتل بالعص ... ي ولا نرامي بالحجاره
إلا علالة أو بدا ... هة سابحٍ نهد الجزاره
وإذا كان الأمر على هذا فمعنى التبجح أن تكون منيتهم بالسيوف ظاهرة. وأما قوله:
لو بأبانين جاء يخطبها ... رمل ما أنف خاطبٍ بدم
فإن الفحل الهجين إذا تعرض للناقة الكريمة قرع أنفه بالعصا وضرب وجهه بها، فهو من ذاك مأخوذ.
صفونا فلم نكد وأخلص سرنا ... إناثٌ أطابت حملنا وفحول
أشار بهذا الكلام إلى كرم المناصب والمناسب، وطيب المنبت والمغرس. فيقول: صفت أنسابنا فلم يشبها كدورةٌ. وخلص نكاحنا أمهاتٌ طيبت حملنا، وآباءٌ كرمت عروقنا. ويقال: كدر الماء يكدر كدراً وكدوراً وكدورةً، وهو أكدر وكدرٌ. وفي ضده صفا الماء يصفو صفواً؛ والصفاء الاسم. ومن أمثالهم: خذ ما صفا ودع ما كدر. والسر: النكاح. وسر الشيء: خالصه. ويجوز أن يكون قولهم سريةٌ فعلية من هذا.
علونا إلى خير الظهور وحطنا ... لوقتٍ إلى خير البطون نزول
يصف ترددهم في شرف المصعد والمنحدر، وكرم العنصر والمتحول، كما ذكر طهارة المنكح والمولد، وجلالة المعتلى والمستقر، فيقولك علونا في خير الظهور، أي حصلنا في أعلى المراتب من ظهور أكرم الآباء، وحدرنا منها لوقتٍ معلومٍ - يشير
стр. 72
إلى وقت الأطهار - نزولٌ إلى خير البطون من أشرف الأمهات. والمعنى أنا كرام الأطراف. وهذه الأبيات إذا تؤملت أدى التأمل منها إلى سلامة اللفظ والمعنى من كل معاب. وحصول الفخامة والجلالة لها في كل جانبٍ وبابٍ.
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهامٌ ولا فينا يعد بخيل
ماء المطر أصفى المياه عندهم، فشبه صفاء أنسابهم بصفاء ماء المطر. والمزن: السحاب. وقوله: ما في نصابنا كهامٌ، أي ليس فينا كليل الحد، ولكن كلٌ منا ماضٍ نافذٌ، ولا فينا بخيل فيعد. وهو نفيٌ للبخل رأساً، وليس يريد أن فيهم بخيلاً ومع ذلك لا يعد. ومثله:
ولا ترى الضب بها ينجحر
أي ليس بها ضبٌ رأساً فينجحر، ومثل هذا كثير. ويقال كهم وكهم يكهم ويكهم كهامةً، فهو كهامٌ وكهيمٌ. يقال ذلك للرجل إذا ضعف، وللسيف إذا كل.
ننكر إن شينا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
هذا مثل قول الآخر:
وما يستطيعالاس عقداً نشده ... وننقضه منهم وإن كان مبرما
يصف رياستهم وعلو كلامهم ونفاذ حكمهم، ورجوع الناس في المهمات إلى رأيهم، والاعتماد على تدبيرهم ومشورتهم. فيقول: نغير ما نريد تغييره من قول غيرنا، وأحدٌ لا يجسر على الاعتراض علينا، والإنكار لقولنا، انقياداً لهوانا، واقتداءً بحزمنا. وهذا كما قال الأعشى:
كلٌ سيرضى بأن يلقى له تبعا
إذا سيدٌ منا خلا قام سيدٌ ... قؤولٌ لما قال الكرام فعول
стр. 73
يشبهه قول حاتم:
إذا مات منا سيدٌ قام بعده ... نظيرٌ له يغني غناه ويخلف
وقول عروة:
إذا مات منهم سيدٌ قام بعده ... على مجده غمر المروءة سيد
وما أخمدت نارٌ لنا دون طارقٍ ... ولا ذمَّنا في النازلين نزيل
أراد بقوله نارٌ لنا نار الضيافة. يقول: نديم إيقادها فلا تطفا دون طارق ليلٍ. والضيف إذا فارقنا حمدنا ولم يذممنا، لحسن توفرنا عليه، واحتفالنا عند سوق الخير إليه. والنزيل، كالرفيق والجليس والأكيل. والطروق يختص بالليل. وسمي النجم طارقاً لذلك.
وأيامنا مشهورةٌ في عدونا ... لها غررٌ معلومةٌ وحجول
يقول: وقعاتنا مشهورةٌ في أعدائنا معلومةٌ، فهي بين الأيام كالأفراس الغر المحجلة بين الخيل، يعرف بلاؤنا فيها، وحسن آثارنا عند النهوض لها. وهذا كما قال:
ولما يكن يومٌ أغر محجل
والتحجيل: أن يبيض من الأوظفة مواضع الحجل، وهو القيد والخلخال. فإذا ارتفع التحجيل حتى يبلغ الفخذين فما فوق فهو التجويف. قال طفيلٌ:
شميط الذنابي جوفت فهي جونةٌ
وأسيافنا في كل غربٍ ومشرقٍ ... بها من قراع الدار عين فلول
مثله قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلولٌ من قراع الكتائب
стр. 74
يقول: قد تفللت سيوفنا بما نضارب بها الأعداء، في مشارق الأرض ومغاربها. وقال: من قراع الدارعين، لأن الغرض أن يكون عدوهم على غاية الاحتراز منهم؛ وفي أكمل الاستعداد لهم. وقوله: في كل غربٍ ومشرقٍ ظرف لقراع الدارعين. أي بأسيافنا فلولٌ من القراع في كل غربٍ ومشرق.
معودةً ألا تسل نضالهافتغمد حتى يستباح قبيل
مثله قول الآخر:
بأيدي رجالٍ لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت
وانتصب معودةً على الحال. ويجوز أن ترفع على أن تكون خبر ابتداءٍ مضمر، والعامل فيه إذا كان حالاً ما يدل عليه قوله: بها من قراع الدارعين فلول. فيقول: عودت سيوفنا ألا تجرد من أغمادها فترد فيها إلا بعد أن يستباح بها قبائل. ويقال: عودته كذا فتعوده واعتاده. والعادة من العود وهو الرجوع، ولذلك قالوا للمواظب على الشيء: هو معاودٌ له. وقوله فتغمد، يقال غمدت السيف وأغمدته، وأصله الستر، ومنه تغمده الله برحمته.
سلي إن جهلت الناس عنا وعنكم ... وليس سواءً عالمٌ وجهول
يروى: عنا فتخبري. كأنه استدل على تصحيح ما ادعاها من الخصال التي عددها بشهادة الناس له وتصديقهم مقاله. يقول: سلي الناس عنا إن جهلت ما حكيته من أفعالنا حتى تخبري فتؤمني به وتسكني إليه، فليس العالم بالشيء كالمخمن أو المجوز أو الشاك أو الحادس أو المقدر. والعلم قد يحصل بإخبار المخبرين كما يحصل بالمشاهدة، فلذلك دعاها إلى ما دعا من السؤال والكشف. وقوله: فتخبري ينتصب بأن مضمرة وهو جواب الأمر بالفاء. والسواء يكون مصدراً ووصفاً في معنى مستوٍ. يقال: هذا درهمٌ سواءٌ، أي مستوٍ؛ وهذا درهمٌ واء أي استواءً، كما تقول هذا درهمٌ تماماً، أي تم تماماً. وفي القرآن: " في أربعة أيامٍٍ سواءٍ للسائلين " أي مستويات، وقرى " سواءً " على المصدر كأنه قال: استواءً. حكى أبو الحسن الأخفش: هما سواءٌ وهما سواءان.
стр. 75
فإن بني الديان قطبٌ لقومهم ... تدور رحاهم حولهم وتجول
القطب: الحديدة في الطبق الأسفل من الرحى يدور عليها الطبق الأعلى. وسمي قطب السماء لما يدور عليه الفلك. وعلى التشبيه قالو: فلانٌ قطب بني فلانٍ، أي سيدهم الذي يلوذون به، وهو قطب الحرب.
الشميذر الحارثي
قال الدريدي: شميذر: دابةٌ زعموا، ولا أحسبها عربيةً صحيحةً.
قال البرقي: هذا الشعر لسويد بن صميعٍ المرثدي، من بني الحارث، وكان قتل أخوه غيلةً فقتل قاتل أخيه نهاراً في بعض الأسواق من الحضر.
بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدما ... دفنتم بصحراء العمير القوافيا
الصحراء: اسم للمكان الواسع، وجمعه صحارٍ وصحرٌ. قال:
أنيٌ مده صحرٌ ولوب
وأصحر القوم: برزوا إليها، ومنه قيل لقيته صحرة بحرة، أي عياناً ومبارزةً. يقول: دعوا التفاخر في الشعر وبالشعر، فإنكم قصرتم بصحراء الغمير ولم تبلوا فيها فتنطلق ألسنتكم لدى المساجلة، وتستجيب قوافي الشعر لكم، إذا أردتم نظمها وإنشادها، عند المنافرة والمحاكمة، لأنكم أمتم قوافي الشعر ودفنتموها. فكما أن الميت لا يجيب إذا دعي، كذلك لا يجيبكم الشعر إذا أردتموه، مع سوء بلائكم، وقبح آثاركم. والقافية: آخر البيت المشتمل على ما بني عليه القصيدة. وقد يسمى البيت كما هو قافيةً. قال:
وقافيةٍ مثل حد السنان ... تبقى ويذهب من قالها
قال الأخفش: وتسمى القصيدة بأسهرها قافيةً. قال:
فمن القوافي بعد كعب يحوكها
следующие страницы →