← Адаб

Адаб · id 26536

شرح ديوان الحماسة

المرزوقي

Полный текст (1 295 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

يريد أن داره كان مجمعاً لأناسٍ هو ينظم شملهم، ويؤلف جمعهم، فإن حزبهم من النوائب عادياتها فرقما عنهم، وإن حل بفنائهم من أثقال الزمان ما يبهظمم آساهم وتحمل عنهم. وقوله عاديات يجوز أن يكون من العداء الظلم؛ يقال عدا يعدو عدواً وعداءً وعدواناً. ويجوز أن يكون من العدو، يريد مسرعات النوائب وصادماتها. ومعنى يصدع يفرق، ومنه تصدعت الأرض بفلانٍ، إذا تغيب فاراً. وجربت ما جربت منه فسرني ... ولا يكشف الفتيان غير التجارب يريد أن ينبه على أن ما وصفه به لا عن تقليدٍ أو شكٍ والتباس، ولا عن تخمينٍ أو حدسٍ وقياس، بل عن تجريب واستكشاف على مر الأيام. فيقول: لم أرض منه بعفو أفعاله وما يختاره في مقاصده، بل أخذت أستدرجه وأتعرف غور مقاله وفعاله بالسبر والنظر، فلم أر إلا ما سر وآنس، وزاد في العلم به فأبهج. وقوله ولا يكشف الفتيان غير التجارب، يشبه الالتفات، كأنه أقبل بعد ما خبر، على إنسانٍ فقال: إن الفتيان تتشابه ظواهر أمورهم، ولم يخبرك عنهم مثل مجرب. ولهذا قيل في المثل السائر: ترى الفتيان كالنخل ... وما يدريك ما النخل بعيد الرضا لا يبتغي ود مدبرٍ ... ولا يتصدى للضغين المفاضب قوله بعيد الرضا يريد أنه ليس بسريع الفيئة إذا سخط، لكنه يعرك أذى مجاذبه ومجاوره بجنبه، ويصبر ما أمكن، فإذا أظهر النكير، وتلقى ما يزاوله بالضجر الشديد، لم يرضه أدنى المعاذير فعل من لا حمية له ولا عزيمة. وقوله لا يبتغي ود مدبرٍ وصفه بأنه آخذٌ بالصرم إذا أحوج إليه، غير راغبٍ في الزاهد فيه. وهذا كما يقال: فلانٌ وصالٌ صروم. وقله ولا يتصدى للضغين المغاضب معنى يتصدى أن ينظر إليه نظر غير محتفلٍ به، وكالمعرض عنه، حتى يخرجه ذلك إلى ما يطلبه. يريد أنه لا يتعرض لعدوه والمضطغن عليه، بل يتركه ينطوي على ما في صدره من غلٍ وعداوة، ولا يخرجه إلى مبادرةٍ ومكاشفة، بل يجري على المداجاة معه، منتظراً ما يكون منه،

стр. 632

ومحاذراً ما يتقي من جهته. وهذا كما قال الآخر: أفر من الشر في رخوه وقد ألم بقول الآخر: إذا حاربت حارب من تعادي ... وزاد سلاحه منك اقترابا وكنت إذا ما خفت أمراً جنيته ... يخفض جأشي ضبثك المتراعب يصفه بحسن المدافعة عن متسببٍ إليه، ومبالغة النصرة لمن أوى إلى جنبته، فيقول: إذا خفت جريرةً ارتكبتها ثم لذت بفنائك، واعتمدت تعصبك، سكن من جأشي وأزال قلقي قبضك الواسع، ودفعك المحامي، وذبك المبالغٍ. وقوله المتراغب يروى بالغين معجمة وبالعين، فإذا روى بالغين معجمةً فهو من الرغابة. ويقال: وادٍ رغيبٌ، وحوض رغيب، أي واسع؛ ورجلٌ رغيب البطن، أي أكول. ومن روى بالعين غير معجمة فهو من قولهم سيل راعبٌ: يملأ الوادي. ومنه حسيٌ متراعب. أي واسعٌ لا يملؤه شيء. ومعنى يخفض جأشي يسكن نفسي. ويقال: هو رابط الجأش، أي قوي النفس؛ وخافض الجأش، أي ساكنه. والخفض: ضد الرفع. والتخفيض: مدك رأس البعير إلى الأرض. والضبث: القبض الشديد، ومنه يقال: ناقةٌ ضبوثٌ، أي سمينة لا يشك في سمنها، كأنه فعول في معنى مفعولة، أي حيث ضبث منها باليد ملأت الكف لحماً. وقال آخر: إذا ما أمرؤٌ أثنى بآلاء ميتٍ ... فلا يبعد الله الوليد بن أدهما فما كان مفراحاً إذا الخير مسه ... ولا كان مناناً إذا هو أنعما لعمرك ما وارى التراب فعاله ... ولكنما وارى ثياباً وأعظما

стр. 633

الآلاء: النعم، واحدها إلى. ويعنى بها صنائعه ومننه عند الناس. فيقول: إذا ذكر منعمٌ عليه إحسان المنعم عليه، وأياديه لديه، فشكر ثم تجاوز الشكر إلى الثناء فأفرط، فلا أبعد الله هذا الرجل. وهذا الكلام وإن كان دعاءً في موضعه الذي استعمل فيه أبلغ من كل ثناء، وأزيد من كل تقريظ وإطراء. ولذلك اقتصر عليه ولم يخلط به غيره. وقوله فما كان مفراحاً إذا الخير مسه يصفه بأنه لا يطغيه الغنى فيكسبه كبراً وبأواً، بل يزداد تواضعاً فيما يناله، وتودداً إلى الناس على اتساع حاله، حتى يشركهم في خيره. وقوله ولا كان مناناً إذا هو أنعما يصفه بأنه لا يكدر نعمه عند غيره بالمن والأذى، بل يتناساها حتى يكون في صورة من لم يسد ولم يصطنع. وقوله لعمرك ما وارى التراب فعاله يريد أن مكارمه لم تمت بموته، ولم تدفن في قبره، بل هي منشورةٌ في الناس لا تنسى، ومأثورةٌ لا تلغى، فهي على مر الأيام تزداد جدةً، وعند الناس طراءةً، لأنها تذكر وتتلى، ولأن ما سير فيه من الشعر والمدائح تقرأ وتروى. وقوله ولكنما وارى ثياباً وأعظما الفعل للتراب، وهذه إشارةٌ إلى الكفن ونفسه المتوفى، وفيه من إظهار التوجع ما كفى وأغنى. وقال أبو الشغب العبسي في خالد بن عبد الله، وهو أسيرٌ في يدي يوسف ين عمرك: ألا إن خير الناس حياً وهالكاً ... أسير ثقيفٍ عندهم في السلاسل قوله حياً وهالكا يجوز أن ينتصب على الحال والعامل فيه ما دل عليه خير الناس، ويكون الكلام ثناءً على المخبر عنه بخير الناس، ويجوز أن ينتصب على التمييز، وحينئذٍ يكون تفصيلاً للناس، كأنه قال: إن خير الناس من الأحياء والأموات أسير ثقيف. وقوله عندهم يجوز أن يكون في موضع الحال، ومعناه حاضراً لهم وقريباً منهم، ويكون العامل فيه ما دل عليه أسير ثقيف، ويكون فائدة الكلام أنه كان

стр. 634

يجوز أن يكون أسيراً لهم ولم يكن عندهم، فأفاد أنه أسيرهم وحاصلٌ بحضرتهم. وكذلك قوله في السلاسل يجوز أن يكون في موضع الحال ويكون العامل فيه ما عمل في الظرف، فيكون تقديره بحضرتهم مقيداً، ويجوز أن يكون العامل في عندهم ما دل عليه قوله في السلاسل من الفعل. لعمري لقد عمرتم السجن خالداً ... وأوطأتموه وطأة المتثاقل هذا الكلام تفظيعٌ للأمر الذي ركبوه، وإعلامٌ منه بأنهم أتوا قبيحاً من الأمر منكراً، عم وباله الناس وظهر تأثيره فيهم. فهذا فائدة اليمين وجوابها. وقوله عمرتم أي أدمتم سجنه وأطلتم حبسه، كأنهم جعلوا خالداً للسجن عمره. والعمر: السنون ولاحين، ومنه قوله تعالى: " لقد لبثت فيكم عمراً ". وقوله وأوطأتموه وطأة المتناقل يجوز أن يكون وطأة مصدرا من أوطأتموه وإن لم يكن من لفظه، وهذا كما يجعل العطاء موضع الإعطاء، والجابة موضع الإجابة. والمفعول الثاني محذوف، كأنه قال: أوطأتموه السجن أو الأرض إبطاء المتثاقل، أي أثقلتموه. ويجوز أن يريد: أوطأتموه فوطئ وطأة المتثاقل أي يفعل فعل المتثاقل وإن لم يكن معه تثاقل، هو يطأ عقبه. وقال مهلهلٌ نبيت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس وتكلموا في أمر كل عظيمةٍ ... لو كنت شاهدهم بها لم ينبسوا كان كليب وائلٍ لا توقد مع ناره للضيفان نارٌ في أحمائه، وفيما يقرب من منازله وأوطانه، بل يتفرد بذلك لا مباري له ولا مشارك؛ وكان إذا حضر مجلسه الناس لا يجسر أحدٌ أن يجاذب غيره أو يفاخره أو يسابه، إعظاماً لقدره وإجلالاً لشأنه وأمره، فيقول على وجه التحسر: خبرت أن نيران الضيافة بعدك أوقدت لسقوط

стр. 635

احتشامك، وأن أهل المجلس تنازعوا الكلام بعدك وتجاذبوه، حتى صار بعضهم يسب البعض ويصك في وجهه الكلام القبيح، لا رقبة تردعهم، ولا حشمة تدفعهم. وقوله وتكلموا في أمر كل عظيمةٍ، يريد أن الكلام منهم فيما يدهمهم من النؤب نهبى، لأنهم صاروا سدى لا يبين التابع من المتبوع فيها، ولا الرئيس من المرءوس، حتى صار تدبير العظيمة بينهم فوضى فضاً، يتناهبون إدارة الكلام في دفعها، ويتجاذبون إجالة الرأي في رفعها، ولو كنت حاضرهم ما جسروا أن يتقدموا بين يديك بارتجال خطاب، أو رجع جواب. ويقال: كلمته فما نبس، أي لم يتكلم بحرف، وما سمعت للقول نبسةً ولا زجمة. وقوله استب يقتضي اثنين فصاعداً، وإنما نم بالمجلس، لأن المراد به أهل المجلس، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى: " وسل القرية "، وقول العرب: بنو فلان يطؤهم الطريق. وقال آخر: قد مات بالبيضاء من جانب الحمى ... فتى كان زيناً للمواكب وانشرب تظل بنات العم والخال حوله ... صوادي لا يروين بالبارد العدب يهلن عليه بالأكف من الثرى ... وما من قلى يحثى عليه من الترب الحمى: اسمٌ للموضع الذي فيه الماء والكلأ وقد دفع عنه الناس. ويقال: أحميت المكان، إذا جعلته حمىً. وقوله بالبيضاء من جانب الحمى توقيتٌ للمكان الذي وقع فيه الحادثة، وذلك إعظامٌ لخطبها، وتفظيعٌ لشأنها. وقوله كان زيناً للمواكب والشرب يصفه بالرياسة، وأنه كان يزين المواكب خلفه من حيث يستحق التعظيم والتقديم والإتباع؛ لم يرث ذلك فيهم عن كلالةٍ، فهو كما قال الأعشى: كلٌ سيرضى بأن يلقى له تبعاً وقوله والشرب يريد أن من نادمه واختلط بأهل مجلسه زانه ذلك ولم يشنه، لما سلم له من الاعتلاء والفضل، والسابقة في الرياسة والطول.

стр. 636

وقوله تظل بنات العم والخال حوله صوادي أراد أن غليلهن وحمى أكبادهن لا يزول بالبارد العذب من الماء، إذ لم يكن ذلك عن عطشٍ، ولكن كان لما اهتاج في صدورهن من بوارح التوجع، ولواذع الغموم والتفجع، حتى كوبت أكبادهن بمواسمها، واحترقت أحشاؤهن من لفح نوائرها. وقوله يهلن عليه بالأكف من الثرى يريد أن النوائح لما هان التراب عليه لم يفعلن ذلك عن بغض وإهانة، ولكن إظهاراً لما أفضى إليه أحوالهن من السقوط في التراب والالتزاق به، ولما شملهن من الصغار والابتذال بموته. ويقال: هلت التراب وغيره أهليه هيلاً. وفي الحديث: أتكيلون أم تهيلون؟ قالوا: نهيل. قال: فكيلوا ولا تهيلوا وحثوته أحثوه حثواً. والصوادي: العطاش، والفعل منه صدى يصدى صدى. وقالت جارية ماتت أمها فأضرت بها رابتها ولو يأتي رسولى أم سعدٍ ... أتى أمي ومن يعنيه حاجي ولكن قد أتى من بين ودي ... وبين فؤاده غلق الرتاج ومن لم يؤذه ألمٌ برأسي ... وما الرئمان إلا بالنتاج كأنها لما ناكدتها رائبتها، ولجت في إهانتها والإضرار بها، راسلت أباها تطلعه على ما تقاسي منها، وتستمد التعصب لها رجاء أن يزجرها، فلم تر من عطفه عليها ما يرضيها، ولا من إنكاره فيها ما يردعها، فلما استمرت الحال بها على طريقةٍ واحدة اقتصتها شاكية فقالت: لو وردت رسالتي على والدتي ومن يهمه أمري لاقتضتها الشفقة الاعتناء بشأني، وعطفتها الأمومة على ما أقترحه من حاجى، ولكن قد وردت علي من صرف وده عني، وحيل بينه وبين الحنو علي، فانسدت طرق الأمل فيه، وأغلقت أبواب الخير من جهته، فلا اهتزاز لماربة، ولا انبعاث لدفع مضرة، ولا توجع لشكوى تظهر، ولا ترحم لبلوى تذكر. وما ذلك إلا لأن علائق الوداد تستحكم

стр. 637

بالنتاج، ومعاقد الإشفاق تتوثق بالولاد، فبهذا انفصلت الأبوة عن الأمومة، وضعفت الأسباب إلا عن الرضاع والحضانة. وقوله وما الرئمان إلا بالنتاج فيه بعض ما في المثل السائر، وهو ابنك من دمي عقبيك. يريد من قمت عنه وقد ولدته. وفي المثل الآخر: ابنك ابن بوحك أي الناشئ في باحة دارك. والباحة: عرصة الدار، وجمعها بوح. والرئمان: العطف، يقال رئمته أرأمه رأماً ورئماناً، ثم يسمى الولد رأماً، وهو المرءوم. قال أبو ذؤيب: كعوذ المعطف أحزي لها ... بمصدرة الماء رأمٌ رذي وقالت أم الصريح الكندية هوت أمهم ماذا بهم يوم صرعوا ... بجيشان من أسباب مجدٍ تصرما أبوا أن يفروا والقنا في نحورهم ... ولم يرتقوا من خشية الموت سلما ولو أنهم فروا لكانوا أعزةً ... ولكن رأون اصبراً على الموت أكرما قوله هوت أمهم أي هلكت. والمهواة والهوة والهاوية والأهوية والهواءة على فعالةٍ بمعنىً، وهو ما بين أعلى الجبل أو البئر إلى المستقر. وفي القرآن: " فأمه هاويةٌ "، قيل هي اسمٌ لجهنم، أي هي مأواهم كما تؤوى الأم الولد، وقيل هي من هوت أمهم، وهذه اللفظة تستعمل عند الداهية يشرف عليها الإنسان أو يقع فيها، وفيها معنى للتعجب والاستفهام. على ذلك قوله: هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا ... وماذا يؤدي الليل حين يؤوب

стр. 638

وعلى الأول قول الآخر: كنت كمن تهوي به الهاوية وقيل: هوت أمهم، معناه أم رءوسهم هاوية في الهوة أو في النار. وتلخيص البيت هوت أمهم أي شيءٍ تصرم بهم من أسباب المجد يوم صرعوا بجيشان، وهو علم البقعة اتفقت الوقعة بهم فيها. وماذا إن شئت جعلت ما اسماً مبتدأ وذا خبره، وإن شئت جعلت ما مع ذا اسماً واحداً ويكون مبتدأً وتصرم في موضع خبره. وهذا الكلام مخرجه على الاستفظاع والتعجب. وقوله أبوا أن يفروا يصف ثباتهم في وجه البلاء، وصبرهم على الطعان والوقاع. والواو من قوله والقنا في نحورهم واو الحال؛ أي امتنعوا من الإحجام والنكوص فلم يطلبوا وجه المهرب، ولا سلكوا طرق المخلص، مع الإمكان والتمكن، وتمهد المعذرة عند الناس فيما يأتونه والتنصل، ومع العلم باستظهار الأعداء عليهم، وقعود العجز عن الوفاء بهم. ثم قال ولو أنهم فروا لكانوا أعزة أي لو تأخروا وكفوا لما لحقهم ذلٌ فيه ولا غضاضة؛ ولا تسلط على عزهم نقيصةٌ وحقارة، ولكن وجدوا الصبر على الموت، والاستقتال بعد اللفاء أكرم في الأحدوثة، وأنفى للعار والمذمة. وقال الحسين بن مطيرٍ . ألما على معنٍ وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعاً ثم مربعا فيا قبر معنٍ أنت أول حفرةٍ ... من الأرض خطت للسماحة مضجعا يخاطب صاحبين له، يسألهما زيارة قبر معن وإبلاغه عنه أنه مقيمٌ على ما هو دأبه ووكده من طلب السقيا له، فواصل الله ذلك لك من السحب التي تنشأ غدوة، ربيعاً بعد ربيع. والمعنى: دامت النضارة والطراوة. وإنما خص الغوادي لأن المراد

стр. 639

حصوله له غداة كل يوم. وقوله مربعاً يجوز أن يكون ظرفاً، ويكون أن يكون مفعولا، ويكون المربع والربيع المطر نفسه. قال الخليل: وقد يسمى الوسمى ربيعاً. ويكون المعنى: سقتك مطراً الغوادي بعد مطر. ويجوز أن يكون مصدراً من قولهم ربعت الأرض، إذا أصابها الربيع، فكأنه قال: ربعتك الغوادي مربعاً بعد مربعٍ، أي سقتك الغوادي سقياً بعد سقى. وقوله: فيا قبر معنٍ أنت أول حفرة يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون مثل قول الآخر: كأن لم يمت حيٌ سواك ولم تقم ... على أحدٍ إلا عليك النوائح ويكون الكلام تفظيعاً للحال، وتنبيهاً على أن ما وقع لم تجر العادة بمثله، فهو مستبدعٌ لعظم موقعه في النفوس، حتى كأنه لم ير قبرٌ قبله دفن فيه كريم. والآخر أن يكون المعنى: أنت أول حفيرة استحدثت لتواري فيها السماحة والسخاء والمروءة، فتصير مضجعاً لها، ويكون المعنى أن السماحة ماتت بموت معنٍ ودفنت بدفنه، وأنت أول خطةٍ اختطت للسماحة نفسها. وقوله مضجعاً انتصب على الحال. ويا قبر معنٍ كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا بلى قد وسعت الجود والجود ميتٌ ... ولو كان حياً ضقت حتى تصدعا كرر مناداة القبر توجعاً وتحسراً، ثم أخذ يتعدب ويقول منكراَ: كيف سترت جوده، وقد كان ملئاً للبر والبحر معاً. وفي طريقته قول الآخر: عجباً لأربع أذرعٍ في خمسةٍ ... في جوفها جبلٌ أشم كبير فإن قيل: لم قال مترعاً فوحد والإخبار عن البر والبحر جميعاً؟ قلت: يجوز أن يكون إنما وحد لأنه نوى التقديم والتأخير، كأنه قال: وقد كان منه البر مترعاً والبحر، أي والبحر أيضاً مترع، فيرتفع البحر بالابتداء، واكتفى بالإخبار عن الأول إذ

стр. 640

كان المعطوف كالمعطوف عليه. ومثله: فإني وقياراً لغريب يريد: إني لغريبٌ بها وقيار أيضاً غريب، وهو اسم فرسه. ويجوز أن يكون لما علم أن المعطوف حكمه حكم المعطوف عليه اكتفى بالإخبار عن أحدهما، ثقةً بأن الثاني علم أنه في حكمه. ومثله: رماني بأمرٍ كنت منه ووالدي ... بريئاً ومن أجل الطوى رماني بلى قد وسعت الجود والجود ميت بلى جواب استفهام مقرونٍ بنفي نحو قولك ألم، أليس، وما أشبههما. وهذا الشاعر لما قال متعجباً من مخاطبة القبر ومنكراً: كيف واريت جوده على كثرته ووفوره، وشموله لأقطار البر البحر، صار بما اعتبر وشاهد من الحال كأن القبر قال له: ألم أسعه، ألم أواره، ألم أتضمنه على ما به؟ فقال مصدقاً له، ومتلهفاً: بلى قد وسعته واشتملت عليه وهو ميت، ولو كان حياً لضقت عنه حتى تنقطع وتنشق، والصدع: الشق في الشيء الصلب. وصدعت الفلاة والنهر قطعتهما. فتىً عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا ولما مضى معنٌ مضى الجود فانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا قوله فتىً عيش في معروفه موضعه نصبٌ على المدح والاختصاص، والعامل فيه فعلٌ مضمر، كأنه قال: أذكر فتىً هذا صفته. ويجوز أن يكون موضعه رفعاً على الاستئناف أو من أؤبنه فتىً، وقوله " عيش في معروفه بعد موته " يجوز أن يكون أراد من استغنى به وبمعروفه من المتصلين به، والمنقطعين إليه، والراجين له. ويجوز أن يكون أراد من عاش من وقوفه وحبائسه بعده، ويجوز أن يريد أنه علم الناس الجود والكرم، فمن مقتدس به آخذ أخذه، ومستنٍ بسنته سلك مسلكه، فما يفعله هؤلائ صار كأنه هو الفاعل له. ثم شبهه

стр. 641

بالفيث يصوب فيحيى العباد ثم يعيش الناس في آثاره بعد انقطاعه ومضيه. وقوله كما كان بعد السيل مجراه ارتفع مجراه بكان، وكان الحكم أن يليه فلم يسغ لأن الضمير فيه يرجع إلى السيل وقد تقدم عليه، والإضمار قبل الذكر أو ما يجري مجراه لا يجوز، فامتنع رده إلى رتبته من ولي العامل له، لشيء يرجع إلى الضمير المتصل به لا لشيءٍ يرجع إليه. وتلخيص الكلام: كما كان مجرى السيل مرتعاً بعده. وقوله ولما مضى معنٌ لما يجئ لوقوع الشيء لوقوع غيره، وهو علمٌ للظرف. فيقول: حين مضى معنٌ لسبيله وانقطعت حياته، فقد الجود وانمحت آثاره، فأصبحت المكارم ذليلةً إذ مات من يربها ويعمرها، كمن جدع أنفه مثلةً وعقوبة، وإرغاماً وإهانة. ويقال في المثل: " منى أنفي وإن كان أجدع ". والعرنين: ما ارتفع من الأنف والأرض، وأوائل الشيء، وأشراف القوم وسادتهم، وكما ضرب المثل بجدع الأنف في الإذلال، ضرب بصلم الأذن فيه لذلك. قال: فمشوا بآذان النعام المصلم وقال آخر: ماذا أجال وتيرة بن سماك ... من دمع باكيةٍ عليه وباك ذهب الذي كانت معلقةً به ... حدق العناة وأنفس الهلاك يقول على وجه التعدب وإكبار الأمر: أي دمع أراقه وتيرة بن سماك من عينٍ باكية عليه وباكٍ. يريد أن المصيبة به أثرت في جماهير الناس وطوائف الخلق، وأنهم لم يملكوا فيما دهمهم إلا البكاء إطفاءً لنار الوجد، وإراحةً من تعب القلب، وماذا يغني العويل، وهو الراحة المطلوبة من البكاء إذا حقت الحقيقة، إلا زيادةٌ في اللوعة وإنجادٌ للمصيبة. وقد تقدم القول في ماذا، وشرحنا أمره. وقوله: ذهب الذي كانت معلقة به يريد أنه كان يفك الأسراء، وينعش الفقراء، حتى أن من ابتلي بأسرٍ، أو رمي بفقر، فإنه لم يعد لفكه ولم يرج لجبره

стр. 642

غيره، فأعينهم كانت ممتدةً إليه، وآمالهم كانت معلقةً به، وإذ قد مضى لسبيله، وانتقل إلى جوار من هو أحق به، فقد استبدلوا بالطمع خيبةً، ومن التعزز ذلة، وبقوا في ملكة محنهم لا انفكاك لهم منها، ولا ارتياش من سقطاتها. وقال أشجع بن عمرٍو السلمي أنعى فتى الجود إلى الجود ... ما مثل من أنعى بموجود أنعى فتىً مص الثرى بعده ... بقية الماء من العود قوله أنعى فتى الجود إنما أضافه إلى الجود أيذاناً بأن الجود كان يمتلكه فهو فتاه. أو يريد أن الجود كان يتبجح بكون هذا الرجل من أسرته وأصحابه، لأنه كان يتفتى في الجود؛ وهذا كما يقال: فلانٌ فتى الحرب، وكما قيل: لا فتىً إلى عليٌ في الوغى. فيقول: إنه الآن وقد مضى لسبيله فإني أنعاه إليه، لنتشارك في فقده والجزع عليه. ثم قال: ما مثل من أنعى بموجود، وهذا يشبه الالتفات، كأنه أقبل على إنسانٍ فقال: أذكر موت من كان معدوم النظير، قيل الشبيه، فلا الجود يجد من يخلفه ويعلى ذكره، ويقوم بأوده فيقيمه فيقال هو فتى الجود، ولا نحن نعتاض منه من يجمع شملنا، ويجبر كسرنا، ويسد مفاقرنا إذا أضر الزمان بنا. وقوله أنعى فتىً مص الثرى بعده، يريد: تغيرت الأرض عما كانت عليه، فيبست أشجارها واغبرت ساحاتها بموت هذا المرثي، فالدنيا مدبرة، والأقطار مقشعرة، والبؤس للبئيس معانق، والخير بتوابعه من الندى والتطول والخصب والترطب مفارقة. وقال عبد الله بن الزبير الأسدي رماى الحدثان نسوة آل حربٍ ... بمقدارٍ سمدن له سمودا

стр. 643

فرد شعورهن السود بيضاً ... ورد وجههن البيض سودا السمود: الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه. ويقال للمأخوذ عن الشيء: اترك سمودك. وفي القرآن: " وأنتم سامدون "، أي ساهون لاهون. وقوله رمى الحدثان نسوة آل حرب بمقدارٍ فيه ما يجري مجرى القلب، لأنه لو قال رمى المقدار نسوة آل حربٍ بحدثان، لكان أقرب في المعتا، وأجرى على طريق الدين. فيقول: جر المقادير على نسوة آل حربٍ نوبةً من نوائب الدهر أثرت في عقولهن، حتى غفلن عن أسباب الدين والدنيا كلها، وحتى شيبتهن ولفحت وجوههن، فردت السود من شعورهن بيضا، والبيض من وجوههن سودا. وهذا كما حكى عن العريان بن الهيثم، لما سأله عبد الملك عن حاله، فقال: ابيض مني ما كنت أحب أن يسود، وأسود مني ما كنت أحب أن يبيض في كلامٍ طويل. ثم قال: وكنت شبابي أبيض للون زاهراً ... فصرت بعيد الشيب أسود حالكا وقال مسلم بن الوليد وماتت امرأته حنينٌ ويأسٌ كيف يجتمعان ... مقيلاهما في القلب مختلفان غدت والثرى أولى بها من وليها ... إلى منزلٍ ناءٍ لعينك دان فلا وجد حتى تنزف العين ماءها ... وتعترف الأحشاء للخفقان هذا الكلام شكوٌ من حاله فيمن أصيب به، فيقول: اليأس حاصلٌ منها إذ كان غائب الموت لا إياب له، والشوق إليها غالبٌ حتى كأني ما فقدتها؛ فيا عجباً كيف اجتمع مع اليأس رجاءٌ مع اختلاف مقرهما في القلب، ومع تنافيهما عند

стр. 644

التحصيل والكشف، وهل يكون الإنسان فيما اعتيد وعرف من أحوال الأزمان مبتلىً بأسباب الخيبة من الشيء، ومتردداً معها بين علائق الطمع فيه. والمقيل الموضع من قلت. وفي القرآن: " أصحاب الجنة يومئذ خيرٌ مستقراً وأحسن مقيلاً ". وقوله غدت والثرى أولى بها من وليها تحسر، فيقول: ابتكرت وهي في ملكة التراب دون ملكة وليها، فالثرى صار أولى بها. والانتقال من بين الأحياء إلى الأموات أحق وأوجب في أمرها. وقوله إلى منزل ناءٍ لعينك دان مثل قول الآخر: ..... أما جوارهم ... فدانٍ وأما الملتقى فبعيد وقد ألم قوله غدت والثرى أولى بها بقول الآخر: صلى الإله عليك من مفقودةٍ ... إذ لا يلائمك المكان البلقع وقوله فلا وجد حتى تنزف العين ماءها يريد به: لا وجد يعتد به إذا ذكر الهلع على مثله حتى تستنفد العين دمعها، لاتصال البكاء بها، وحتى تستمر الأحشاء في خفقان القلب فتذل له وتصبر عليه، حتى يصير عادةً وسجيةً ويقال: عرف فلانٌ لكذا واعترف له، إذا صبر فيه واعتاده. على ذلك قوله: على عارفاتٍ للقاء عوابسٍ ويقال نزفت البئر وأنزفتها جميعاً، قال العجاج: وأنزف العبرة من لاقى العبر وفي المثل أجبن " من المنزوف قرطاً ".

стр. 645

وقوله لا وجد خبره محذوف، كأنه قال: لا وجد حاصلٌ أو موجود. والخفقان في القلب والجناح: الاضطراب، ومنه خفق البنود والأعلام، حتى سمى الأعلام خوافق. قال: لقد تركت عفراء قلبي كأنه ... جناح عقابٍ دائم الخفقان وقال مسلمٌ أيضاً: قبرٌ بحلوان استسر ضريحه ... خطراً تقاصر دونه الأخطار نفضت بك الأحلاس نفض إقامةٍ ... واسترجعت نزاعها الأمصار قوله استسر بمعنى أسر، ومثله استعجب بمعنى عجب. وأكثر ما ترى استسر يكون في معنى استخفى وتوارى. على ذلك قولهم في آخر الشهر استسر القمر ليلةً أو ليلتين، فهو من السرار، وهو آخر يومٍ في الشهر، والخطر: ارتفاع المكانة والحال في الشرف، ثم يقال في الشريف: هو عظيم الخطر. والضريح، أصله القبر يشق وسطه ولا يلحد. وارتفع قبر بالابتداء لأنه بصفته وهو بحلوان قرب من المعارف؛ واستسر في موضع الخبر. والمعنى: قبر بهذا المكان اشتمل جوفه على عظيمٍ من العظماء، رفيع المكانة جليل الخطر، يتقاصر عنه كل عظيمٍ جليل. وقوله خطراً أراد ذا خطر، فحذف المضاف، وكذلك الأخطار، أراد ذوو الأخطار. وقوله تقاصر يجوز أن يكون من القصور: العجز، أي تعجز أن تبلغ محله الأخطار. ويجوز أن يكون ضد تطاول فيكون من القصر. وقله نفضت بك الأحلاس نفض إقامةٍ يريد أن العفاة قعدوا عن الاجتداء بعد موتك يأساً ممن يطمع فيه، أو يرجى خيره، فنفضوا أحلاس رواحلهم نفض من يقيم في بلاده ويطرح الترحال. وقوله استرجعت نزاعها ممن يتعطف عليهم، أو يصطنعهم وينظر لهم، فكأنهم كانوا ودائع الأمصار عنده مدة مقامهم ببابه فارتجعتهم. والنزاع: جمع نازع، وهو البعيد والغريب جميعاً، وكذلك النزيع والجميع النزائع. ويجوز أن يكون

стр. 646

من نزعت إليه نزاعاً، أي حننت. فيقول: المقيم في موضعه رفض الترحال، والمسافر عاد إلى مقره يأساً من كسب المال. فاذهب كما ذهبت غوادي مزنةٍ ... أثنى عليها السهل والأوعار سلكت بك العرب السبيل إلى العلى ... حتى إذا سبق الردى بك حاروا يقول: اذهب لوجهك وآلاؤك منشورةٌ، وصنائعك محمودةٌ مشكورة، وآثارك كآثار السحب وقد أغاثت الناس بأمطارها، فإذا أقلعت ترى أهل السهل والوعر يثنون عليها. والغوادي: السحابات التي تنشأ غدوةً، وكأنه أراد أقطاعاً منها، وأضافها إلى المزنة لأنه منها تجمعتن فكملت مزنةً. ويجوز أن يكون المراد بالغوادي أمطاراً تصوب غدوةً، وأضافها إلى المزنة. وقوله سلكت بك العرب السبيل إلى العلى يريد أنك هادي العرب ودليلهم في اكتساب المعالي وابتناء المكارم، فأنت قائدهم وهم يطؤون عقبك، ويقتدرون بك، حتى إذا فقدوا إرشادك تحيروا فلم يهتدوا، وضلوا فلم يرشدوا. ومعنى سبق الردى بك كأنهم كانوا يتشبثون به ويلزمونه حافظين بقاءه فجاء الردى بطلبه ويختاره، فانتهز الفلاصة في السبق به واجتذابه من أيديهم، والفوز به من دونهم. ومفعول سبق محذوف، كأنه قال سبقهم الردى بك. وقال حنشٌ في يعقوب بن داود يعقوب لا تبعد وجنبت الردى ... فلنبكين زمانك الرطب الثري ولئن تعهدك البلاء بنفسه ... فلقيته إن الكريم لبتلي لم يرضى بالجري على عادة الناس في قولهم عند المصاب: لا تبعد، حتى زاد عليه وجنبت الردى ليكون الكلام أدل على التوجع، وأوفى بالتنبيه على حاجة الناس إلى بقاء المتوفي. وقوله فلنبكين زمانك الرطب الثري يشير فيه إلى إحسانه الضافي، ومعروفه الواسع الوافي، وأنه كان للناس كالحيا يحيى الأرض وسكانها، فكان ثرى

стр. 647

الأرض به رطباً، وزمانه خصباً. وفيه إلمام بقوله: اذهب كما ذهبت غوادي مزنةٍ وقوله ولئن تعهدك البلاء بنفسه أفاد قوله بنفسه إكبار الأمر وتفظيع الشأن في موته وفقدانه، كأن البلاء لم يرض في الذهاب به بان يعتمد على نائبيه ورسله، بل جاءه بنفسه. وقوله إن الكريم ليبتلى تسلية. ومعنى تعهدك أي نظر هل أنت على ما عهدك ليرى فيك رأيه. وفي الكلام إلمامٌ بقول الآخر: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى ... عقيلة مال الفاحش المتشدد ويعني بالبلاء الموت، وقد يكون في غير هذا الموضع النعمة والاختبار. ومنه قوله تعالى: " ليبتلي الله "، أي يمتحن. وقوله لئن اللام موطئة للقسم، وهو مضمر وجوابه إن الكريم ليبتلى. وأرى رجالاً ينهسونك بعدما ... أغنيتهم من فاقةٍ كل الغنى لو أن خيرك كان شراً كله ... عند الذين عدوا عليك لما عدا معنى ينهسونك يغتابونك، وأصل النهس في العظم إذا عرق ما عليه من اللحم. وانتصب كل الغنى على المصدر، ووضع الغنى موضع الإغناء على عادتهم في وضع الاسم موضع المصدر. والمعنى: أرى من أحسنت إليه وأنعشته وبعد الفاقة أغنيته، يتنقصك ويغتابك، سوء محافظةٍ منهم، ولدناءة أصلهم ولؤم عرقهم. ثم قال: لو أن خيرك عندهم كان كله شراً لما جاوز فعلهم بك، ومكافأتهم لك، ما نراه. ومعنى عدوا عليك ظلموك. ومعنى لما عدا لما جاوز ويقال عدا عليه عدوا وعدواً وعداءً وعدواناً. وارتفع كله على التوكيد للمضمر في كان، ويجوز أن يكون اسم كان. وفي قوله لما عدا ضمير للشر، ومفعوله محذوف، كأنه قال: لما جاوز الشر، أي جزاء الشر، ما يأتونه في نقيصتك والوضع منك. والكلام تحسرٌ وتشكٍ من متحملي صنائع المفقد. وذمٌ للدهر وأهله.

стр. 648

وقالت صفية الباهلية كنا كغصنين في جرثومةٍ سمقا ... حيناً بأحسن ما تسمو له الشجر حتى إذا قيل قد طالت فروعهما ... فطاب فيئاهما واستنظر الثمر قوله سمقا أي طالا في كمال. والجرثومة: الأصل فيقول: كنا كفننين خرجا من أصلٍ واحد فنميا وطالا، واستكملا زماناً، وبقيا يزدادان على أحسن ما تزداد له الأشجار، حتى إذا فرعا، وآتت أغصانهما وبرعا، وكثر ورقهما، واستطيب ظلهما، وصارا ينتظر ثمرهما، وقف الأمر بهما دون الغاية المرجوة فيهما، ودعى أحدهما مقدما على الآخر للمحتوم لهما. والفرع من كل شيءٍ: ما تفرع منه في أعلاه. الفيء من الظل: ما فاء من جانبٍ إلى جانب. ومعنى استنظر انتظر. ورواه بعضهم: واستنضر الثمر، أي وجد ناضراً غضاً. والأول أحسن. أخنى على واحدٍ ريب الزمان وما ... يبقي الزمان على شيءٍ وما يذر كنا كأنجم ليلٍ بينها قمرٌ ... يجلو الدجى فهوى من بينها القمر قوله أخنى جواب إذا من قوله حتى إذا قيل قد طالت فروعهما، وقوله وما يبقى الزمان اعتراض حصل بين ما قبله وما بعده من القصة، مؤكدٌ له. فيقول: لما بلغ الأمر بنا ذلك المبلغ أناخ حدثان الدهر على أحدهما فأتلفه وأفسده، والزمان هذا دأبه، لا يسلم عليه شيءٌ، بل يرتجع كما يعطى، ويسلب كما يهب. ثم قال: كنا كأنجم ليلٍ بينها قمرٌ، وهذا تشبيه ثانٍ، كأنها في الأول وهو كنا كغصنين شبهت نفسها وصاحبها بغصنين، وفي الثني شبهت العشيرة كلها والمتوفي فيها، بنحوم ليلٍ أحدقت بقمرٍ استضاء ظلامه الليل بنوره فسقط ذلك القمر من وسطها فعاد الليل كما كان. وهذا الكلام فيه تفضيلٌ للمتوفي على ذويه كلهم، فإنهم كانوا يستكشفون ظلمة حوادث الدهر من جهته ومكانه، فلما فارقهم عاد الشر جذعاً، والضياء حندسا.

стр. 649

وقال التيمي في منصور بن زياد لهفي عليك للهفةٍ من خائفٍ ... يبغي جوارك حين ليس مجير لهفي مبتدأ، وهو لهفٌ مضاف إلى ضمير النفس، ففر من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة فانقلبت ألفا. ولو روي لهفي عليك، لجاز، ويكون جارياً على أصله. وعليك في موضع الخبر. واللام من للهفةٍ متعلقٌ بما دل عليه لهفي. فيقول: لي عليك حسرةٌ شديدةٌ من أجل حسرة رجلٍ نابه من حوادث الدهر ما اختشي له فطلب جوارك، والاستعاذة بفنائك، وقت لا مجير له ثم لا يجدك. وقوله حين ليس مجير ظرفٌ ليبغي، ويبغي في موضع الصفة لخائف. وخبر ليس محذوف، كأنه قال: حين ليس مجيرٌ في الدنيا، أو ينعشه، أو ما أشبه ذلك. وأضاف حين إلى ليس فبناه لأن المضاف إليه غير متمكن، فاكتسب البناء من جهته، فالفتحة في حين إلى ليس فبناه لأن المضاف إليه غير متمكن، فكتسب البناء من جهته، فالفتحة في حين فتحة بناءٍ. ولا يمتنع أن يكون فتحة إعراب، كأنه أجرى حين على سلامته ولم يعتد بالإضافة فيه. أما القبور فإنهن أوانسٌ ... بجوار قبرك والديار قبور عمت فواضله فعم هلاكه ... فالناس فيه كلهم مأجور يقول: فارقت الأحياء وفي كل فرقةٍ من فرقهم غمٌ شامل، وزفرةٌ متصلة، فاختلطت بالأموات، فالأنس الذي كان في الأحياء انتقل بانتقالك إلى الأموات، فديار الأحياء ذات وحشةٍ ونفور، فهي كالقبور لما حصل فيها من الفجع بك، وفارقها من نسيم الروح والراحة بفراقك. وقبور الأموات ذوات أنس وقرارٍ بمجاورتها لقبرك، ولما يغدو ويروح إليها من زوارك. وقوله عمت فواضله فعم هلاكه يريد أن إحسانه عم الخلق، وصنائعه شملتهم، فبحسب ذلك عمتهم الفجيعة به، فالناس كلهم مصابون مأجورون، قد استوت أقدامهم وتناسبت أحوالهم فيما نالهم من الحسرة فيك، وأضر بهم من الخلل الواقع في عيشهم بك.

стр. 650

يثنى عليك لسان من لم توله ... خيراً لأنك بالثناء جدير ردت صنائعه إليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور يقول: عرف الناس على اختلافهم وتباين أوطانهم، فضلك وفواضلك، فاتفقت ألسنتهم في الثناء عليك والحمد لك، فمن لم تسد إليه خيراً منك، ولم تشركه في النعمة عندك، صار مقتدياً بغيره في إطائك ومدحك، وتقريظك وتزكيتك، لأنك عندهم كلهم جديرٌ بذلك، لا لمكافأةٍ على إحسانك، ولا لشكرٍ وجب عليهم في تحمل أفضالك. وقوله ردت صنائعه إليه حياته، يقول: تذاكر الناس بعوارفك لديهم، ونشروا محامدك فيهم، فكأنك حيٌ لم يوارك قبر، ولم يفز بك موت. ويقال أنشر الله الموتى ونشرهم جميعاً. وأنشر أفصح. وقوله من نشرها أي من نشر الناس لها، فأضيف المصدر إلى المفعول. فالناس مأتمهم عليه واحدٌ ... في كل دارٍ رنةٌ وزفير عجباً لأربع أذرعٍ في خمسةٍ ... في جوفها جبل أشم كبير أصله المأتم النساء يجتمعن في الخير والشر، وجعله ها هنا المصيبة نفسها. والرنين: الصوت. والرنة الفعلة منه. وانتصب عجباً على المصدر، والعامل فيه فعلٌ مضمر، كأنه قال: عجبت عجباً. وإنما قال أربع أذرع، لأن الذراع مؤنثة، وفي خمسة لأنه أراد الأشبار. والشبر مذكر. ويشبه هذا قوله: بلى قد وسعت الجود والجود ميتٌ ... ولو كان حياً ضقت حتى تصدعا والجبل الأشم: الطويل الرأس. ويقال عزٌ أشم، يراد به الارتفاع. وقال نهار بن توسعة يرثي أخاه عتبان قد كنت امرأً لي جانب ... حتى رزيتك والجدود تضعضع قد كنت اشوس في المقامة سادراً ... فنظرت قصدي واستقام الأخدع

стр. 651

يقول: يا عتبان، كنت رجلاً كان لي ملاذٌ ألوذ به، وجانبٌ أستنيم إليه، وأتعزز بعزه، إلى أن فقدتك، والجدود تنحط بعد الارتفاع، وتعوج عقيب الاستواء. فقوله والجدود تضعضع اعتراضٌ، لأن قوله كنت أشوس متصل بما قبله. والشوس هو النظر في اعتراضٍ كنظر الغضبان والكاره للشيء المعرض عنه والمقامة: المجلس. والسادر: الذاهب عن الشيء ترفعاً عنه. ويقال أتى فلانٌ أمره سادراً، إذا جاءه من غير جهته. والسدر: ظلمة تغشى العين، وكأن السادر منه. وقوله فنظرت قصدي أراد نظرت حين أقصد، ومكان قصدي. وإعرابه يجوز أن يكون نصباً على الظرف، وقد حذف اسم المكان معه، ويحوز أن يكون مصدراً، كأنه قال: فنظرت أقصد قصدي، أي قاصداً قصدى فدل المصدر على اللفظ بالفعل، والواقع موقع الحال هو الفعل. ومعنى البيت: قد كنت بما في نفسي من الكبر والتعلي على الناس أنظر إلى أهل المجلس نظر المعترض عليهم، المعرض عنهم المستهين بهم، المأخوذ عن قصدي فيهم عجباً واستغناء، فلما فقدتك زالت تلك الخنزوانة عني، واستقام عنقي من الصور العارض له، كما اعتدل نظري فزال عنه الشوس الذي كان فيه. ويستحسن لأوس بن حجر قوله: تشاوس يزيد إنني من تأمل وفقدت إخواني الذين بعيشهم ... قد كنت أعطي ما أشاء وأمنع خاطب عتبان فيما تقدم، وشكا بثه إليه، على عادة الناس في إظهار التلهف عند مخاطبة المفقود، والجري في مباثته علي عادتهم معه في حياته. وفي الثاني أخبر عن نفسه بأنه مرزأٌ في إخوانه. كأن المصائب كانت متوافيةً إليه، ملحة في تكرير الفجائع عليه، فإخوانه تفانوا واحداُ بعد واحد، وتدانوا في التتابع سنداً بعد سند، فقال: ورزئت إخواني الذين كنت أعطي ما أشاء إعطاءه، وأمنع ما أشاء منعه، مدة عيشهم، وزمن بقائهم. ويقال: عشت عيشاً ومعاشاً. والمعيش والمعيشة والمعاش. اسم ما يعاش به. ويقال هو عائشٌ أي حاله حسنة.

стр. 652

فلمن أقول إذا تلم ملمةٌ ... أرني برأيك أم إلى من أفزع فليأتين عليك يومٌ مرةً ... يبكي عليك مقنعاً لا تسمع قوله فلمن أقول إذا تلم ملمة كلام من سلبه القدر إخوانه، وقص جناحه فأعياه طيرانه، فمتى طرقه حادثٌ أو ألم بساحته من الدهر نائبٌ لم يكن له من يرجع إليه مستشيراً، أو يقتبس من نور رأيه مستضيئاً، ولا وجد من يستدفع به البلاء أو يستعديه على مهتضمه، فيصرف بقوته عن نفسه العداء فيبقى أسير الغبر، وقيذ الفكر. ومعنى أرني برأيك أرشدني برأيك، واهدني بنظرك. وقد حذف المفعول الثاني لقوله أرني، والمراد أرني الصواب أو وجه الأمر برأيك. ويقال: رأيت الشيء بعيني رؤيةً ورأيا، ورأيته بقلبي رأيا لا غير. فأما قول زهير: فقال أميرى ما ترىرأى ما ترى ... أنختله عن نفسه أم نصاوله فالمراد به ما ترى رأى أي الأمرين ترى. فما ترى سؤالٌ عن جملة الرأي ورأى ما ترى سؤالٌ على طريق التفصيل، وقد بينه بقوله أنختله أم نصاوله. وقوله إلى من أفزع يقال فزعت إلى فلان أفزع، إذا التجأت إليه؛ وهو لنا مفزع، أي نفزع إليه. وفي ضده يقال: هو لنا مفزعةٌ، أي نفزع منه. ويستوي فيه الواحد والتثنية والجمع، والمذكر والمؤنث. وقوله فليأتين عليك يومٌ مرةً خطابٌ لنفسه. وقد ألم بقول الآخر: وإخال أني لاحقٌ مستتبع يريد أن أجله قد قرب ولا بقاء للروح على ما يمارسه ويزاوله. وأشاد بقوله يومٌ إلى وقت النازلة. ويقال فعل كذا مراً ومرين كما تقول مرة ومرتين، ومقنعاً انتصب على الحال من قوله يبكي عليك ومعناه مسجى مستور الوجه. ولا تسمع في موضع الصفة لقوله مقنعاً، أي مقنعا غير سامع عولة الباكي. وليأتين جواب يمينٍ مضمرة، ويبكي عليك في موضع الصفة ليومٌ، أي يومٌ يبكي عليك فيه، أو يبكاه

стр. 653

عليك إن قدرته تقدير المفعول به. ومثله: " واتقوا يوماً لا تجزى نفس عن نفس شيئاً "، وقد مر القول فيه. وقال يزيد بن عمرو الطائي أصاب الغليل عبرتي فأسالها ... وعاد احتمام ليلتي فأطالها ألا من رأى قومي كأن رجالهم ... نخيل أتاها عاضدٌ فأمالها الغليل: حرارة الجوف، يقال به غلة. والاحتمام: القلق والانزعاج، يقال أحمنى الأمر إحماماً. والعاضد: قاطع النخل، والذي يقطع به يقال له المعضد. فيقول: تناهى حمى جوفي وغلة كبدي، فأسلت دمعي إطفاءً لنائرتها، وعاد قلق ليلتي، وطار النوم عني فطال له ليلتي. وقوله احتمام ليلتي أضاف الاحتمام إلى ليلته لكونه فيها، ولاجتماع الوساوس عليه، لتفرده عما يشتغل به. ويروى: احتمامى ليلتي، ويكون ليلتي في موضع الظرف، يريد احتمامى في ليلتي. وإنما قال احتمام ليلتي لما كان تقدم من مصائبه في عشيرته. وقوله ألا من رأى قومي لفظه استفهام، والمعنى معنى التوجع. وقد يأتون به على الخطاب هل رأيت قومي؟ كأن هذه الرؤية مستنكرة فهو يستثبت. وقوله كأن رجالهم نخيلٌ شبههم وقد صرعوا بنخيلٍ معضودة. وهذا التشبيه ورد مثله في القرآن، في قوله تعالى: " كأنهم أعجاز نخلٍ خاويةٍ ". وجملة المعنى كأنه ينكر أن يكون قومه بهذه الصفة، فقال مستثبتاً على طريق التحسر: من رأى قومي مقتلين مصرعين كأن فرسانهم نخيلٌ قصدها عاضدٌ فأمالها. وفائدة أمالها، على فصاحته في هذا الموضع، تصوير حالة الرجال حين تركوا بالعراء كيف تركوا. أدفن قتلاها وآسو جراحها ... وأعلم أن لا زيغ عما مني لها وقائلةٍ من أمها طال ليله ... يزيد بن عمروٍ أمها واهتدى لها وصف حالته وما مني به في ذويه وعشيرته، وكيف تولى من المقتولين دفنهم، ومن المجروحين أسوهم، لأنه إذا احتاج إلى تولي ذلك منهم كان أشقى له وأعود

стр. 654

بالكمد عليه. وقوله وأعلم أن لا زيغ عما منى لها رضاً منه بمحتوم القضاء، وإظهارٌ للتصبر في البلاء، وتحسر على ما فاته من القوم في حالتي الشدة والرخاء. ومنى لها، يعني قدر لها، وأصله مني، فأخرجه على لغته، لأنهم يفرون من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة، فتنقلب الياء ألفاً. والزيغ: الميل والانحراف. وقوله أن لا زيغ أن فيه مخففة من الثقيلة، أراد أنه لا زيغ. والضمير في أنه للأمر والشأن، ولا زيغ في موضع خبر أن. وقوله وقائلةٍ من أمها من في موضع المبتدأ، وطال ليله في موضع الخبر، كأنه قال: الذي أمها طال ليله. ويزيد بن عمرو مبتدأ آخر وأمها في موضع الخبر، وهو استئناف كلامٍ منقطع عما قبله. ويعنى بيزيد بن عمروٍ نفسه. وروى الأثرم هذه الأبيات عن أبي عبيدة للنابغة الذبياني، وأثبتها في ديوانه وقد غير أبياته ترتيباً ولفظاً، وقال: إنما هو زياد بن عمرو؛ لأن اسم النابغة زياد، وزعم أنه قالها في وقعة طيئ يوم شراف، غزاهم حصن بن حذيفة ومعه النابغة، فالتفوا بشراف. والناسبون كالكلبي والشيباني واليربوعي والأصمعي، ذكروا أن النابغة هو زياد بن معاوية بن جابر بن ضباب بن يربوع ابن غيظ بن مرة. وأبو تمامٍ نسبها إلى يزيد بن عمرو الطائي. وفي ألفاظ هذه الأبيات على ما رواه أبو تمامٍ شاهد صدقٍ على أنه ليزيد لا للنابغة. والله أعلم. ومعنى البيت: رب امرأةٍ قالت متوجعةً متحسرة: من قصد هؤلاء المقتولين، ووفق في الاهتداء فقد أطيل ليله، لأنه يرد منهم على ما يجرح القلب ويطيل السهر. ثم قال يزيد بن عمرو: أنا الشقي الذي أمها واهتدى لها، مجيباً للقائلة. وفائدة اهتدى أن الموضع الذي قتلوا فيه كان كالملتبس عليهم، فصار هو الطالب له، والمهتدي إليه، والمنبه عليه. وانجر وقائلةٍ بإضمار رب، وجوابه من أمها، والجملة في موضع المفعول لقائلة. وقد تعرى قائلة من صفةٍ لها، وأكثر ما يجيء المجرور برب يجيء موصوفاً. وقال قسام بن رواحة السنبسي لبئس نصيب القوم من أخويهم ... طراد الحواشي واستراق النواضح

стр. 655

وما زال من قتلى رزاحٍ بعالجٍ ... دمٌ ناقعٌ أو جاسدٌ غير ما صح أخويهم يريد صاحبيهم. والعرب تقول: يأخا بكرٍ، يريد واحداً من بني بكر. والحواشي: صغار الإبل ورذالها. والنواضح: التي يستقى عليها الماء، واحدتها ناضحة. وسميت بذلك لأنه جعل الفعل لها كأنها هي التي تنضح الزراعات والنخيل. وهم يسمون الأكار النضاح. على ذلك قول الهذلي: هبطن بطن رهاطٍ واعتصبن كما ... يسقى الجذوع خلال الدور نضاح فيقول: مذمومٌ في أنصباء القوم من صاحبين لهم يقتلان طرد الإبل وسوقها، وسرقة البعران التي يستقى عليها. وإنما جعل الطرائد حواشي الإبل ونواضحها إزراءً بها، كما قالت كبشة أخت عمرو بن معد يكرب: ولا تأخذوا منهم إفالاً وأبكرا يعني في الدية. وهذا تعريضٌ بمن وجب عليه أن يهمه طلب دم صاحبهم فاقتصر من الأعداء على الغارة عليهم، وسرقة الإبل منهم. وفيه هزؤٌ أيضاً، وبعثٌ على طلب الدم. وقوله وما زال من قتلى رزاح بعالجٍ دمٌ ناقع فالناقع: الثابت، مصدره النقوع. والماصح، قال الخليل: هو الراسخ في الثرى، وهو ها هنا الذليل، والدارس. يقال مصحت الدار إذا درست، ومصح الظل، إذا قصر. قال الأعشى: إذا الآل مصح وهذا الكلام تذكير بدماء قتلاهم. ورمل عالج: موضع معروف. ورزاح: قبيلة. فيقول: ولا يزال من مقتولي هذه القبيلة بهذا المكان دم ثابت، أو يابس غير زائل. والمعنى أن دماءهم بحالها ما لم يثأروا بهم؛ لأن غسل تلك الدماء إنما يكون بما يصب من دماء أعدائهم.

стр. 656

دعا الطير حتى أقبلت من ضرية ... دواعي دم مهراقه غير بارح لم يرض بما ذكره في البيت المتقدم من التذكير بدماء المقتولين حتى بسط القول فيه وجنحه بأن قال: دعا دواعي دمائهم طيور الأماكن النائية والجبال المطلة، حتى أقبلت من ضرية وهو اسم بلاد تشتمل على جبال عوافي سباعها وطيورها تستدل بها، فوقعت عليها تأكل من جيفها. ويجوز أن يريد بالدواعي الرياح الذاهبة في الأقطار. وقوله مهراقه غير بارح أي هو مصبوب موضعه لم يحل ولم يزل. أعاد المعنى تفظيعاً، ويجوز أن يريد بقوله مهراقه الموضع المصبوب فيه الدم، كأنه يستشهد به فقال: هو غير بارح. وقال مهراقه والأصل مهراق فيه. وإنما قلنا هذا ليكون بين هذا وبين قوله دم ناقع أو جاسد غير ما صح فصل. والكلام يشتمل على ما يطرى المصيبة ويهيج الفجيعة، ويصور مصرع القوم بما يأتيه من عوافي الطير. وفيه بعث شديد وحض بليغ على طلب الدم. عسى طيئ من طيئ بعد هذه ... ستطفى غلات الكلى والجوانح عسى لفظه ضعت للترجي والتأميل، إلا أنها تؤذن بأن الفعل مستقبل مطموع فيه، فيجب أن يستأنى له، وإن كانت من أفعال المقاربة. وبهذا يبين عن لفظة كاد لأن كاد لمشارفة الفعل فهو يلي الفعل بنفسه تقول كاد زيد يفعل كذا، وعسى يحول بينه وبين الفعل أن، يدلك على هذا أنه كاد زيد يفعل كذا، وعسى يحول بينه وبين الفعل أن، يدلك على هذا أنه قال ستطفئ غلات الكلى والجوانح. لما كان من شرط عسى أن يجيء بعده أن إيذاناً بالاستقبال جعل هذا بدل أن السين، لأنه أشهر في الدلالة على الاستقبال، وإنما قال عسى طيئ من طيئ لأن الجذاب الذي أشار إليه والقتال، كان بين بطنين منهما. وقوله بعد هذه أشار إلى الحالة الحاضرة، الجامعة لكل ما ذكره. والجوانح: جمع جانحة، وهي الضلوع القصار. والمعنى: المطموع فيه من أولياء الدم أن يطلبوا الثأر في المستقبل، وإن كانوا أخروه إلى هذه الغاية، فتسكن نفوس وتبرد قلوب. وقد آلم بهذا الكلام كل الإيلام، لما ختم به كلامه المتقدم. وأبلغ من هذا قول الآخر، وهو في طريقته: وإني لراجيكم على بطء سعيكم ... كما في بطون الحاملات رجاء

стр. 657

وقال سليمان بن قتة العدوي مررت على أبيات آل محمد ... فلم أرها أمثالها يوم حلت فلا يبعد الله الديار وأهلها ... وإن أصبحت منهم برغمي تخلت الآل عند أصحابنا البصريين والأهل واحد، ويدل على ذلك أن تصغير الآل أهيل، كما أن تصغير الأهل أهيل. وأخبرنا الفراء عن الكسائي أنه قال: سمعت أعرابياً فصيحاً يقول: أهل وأهيل، وآل وأويل، قال أبو العباس ثعلب: فقد صار أصلين لمعنيين، لا كما قال أهل البصرة؛ وحكى أبو عمر الزاهد عن ثعلب أن الأهل القرابة، كان لها تابع أو لم يكن، والآل: القرابة بتابعها. قال: ولهذا أجود الصلوات على النبي ﷺ وأفضلها: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد: وقد ورد فيه التوقيف. روي أن أمير المؤمنين ﵇ سأل النبي صلوات الله عليه: كيف الصلاة عليك؟ قال: " قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ". وقوله فلم أرها أمثالها يوم حلت، يريد أنها قد ظهر عليها من آثار الفجع والمصيبة ما صارت له وحشاً، فحالها في ظهور الجزع عليها ليست كحالها في السرور أيام حلوها. فهو مثل قول الآخر: بكت دارهم من فقدهم فتهللت ... دموعي فأي الجازعين ألوم أمستعير يبكي من الهون والبلى ... أم آخر يبكي شجوه ويهيم وقد سلك محمد بن وهيب مثل هذا في مديحة في المأمون أولها: طللان طال عليهما الأمد ... درسا فلا علم ولا نضد لبسا البلى فكأنما وجدا ... بعد الأحبة مثل ما أجد وسلك أبو تمام هذا المسلك فزاد عليهم كلهم، لأنه قال: قد أقسم الربع أن البين فاضحه ... أن لم تحل به عفراء عن عفر

стр. 658

وقوله فلا يبعد الله الديار وأهلها فيه دلالة على أنه جعل الدار وحالها كالمفقودين وأحوالهم، إذ كانت لفظة لا نبعد ولا يبعد الله يستعمل في الفائت. وقوله وإن أصبحت منهم برغمي تخلت تحسر على أهل الدار والدار جميعاً. ألا إن قتلى الطف من آل هاشم ... أذلت رقاب المسلمين فذلت وكانوا غياثاً ثم أضحوا رزية ... ألا عظمت تلك الرزايا وجلت قتلى الطف: الحسين ومن معه من ذويه ﵇. وقوله أذلت رقاب المسلمين فذلت كأنها لما أذلت، بأن بغى لعترة رسول الله ﷺ وولده ﵇ الغوائل، واستحل منهم المحارم، ونيل منهم ما كان محظوراً من غيرهم من المسلمين، فكيف منهم، وقهروا على حقوقهم واستبيحت دماؤهم وحرمهم التزمت رقابهم ذلك الذل فأقرت به وخضعت، ولبسته لبسة من كان ذلك نصيبه من مواليه، فصاروا كالراضين به وإن لم يكن ذلك رضاً. وقوله وكانوا غياثاً يريد أنهم كانوا للمسلمين غوثاً عندما ينزل بهم فلا يرجون لملمهم ديناً ودنيا غيرهم، فلما نيل منهم ما نيل صاروا رزيئة لهم كلهم، لأنه بحسب رجائهم كان فيهم، وعلى مقدار مكانتهم من قلوبهم صار نوازل الغم تنكى فيهم، وفواقر الرزء تكسر ظهورهم. وقوله ألا عظمت تلك الرزايا وجلت التفات، كأنه أقبل مكبراً ومستفظعاً على من حوله فقال: ما أعظم هذه الرزايا وما أجلها، لقد بلغت مبلغاً شنيعاً، وافترت عن البلايا افتراراً قبيحاً، فيا لها ما أنكاها وأقرحها. وقالت قتيلة بنت النضر بن الحارث وكان رسول الله ﷺ قتل أباها صبراً: يا راكباً إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفق الأثيل: موضع كان فيه قبر النضر، وكان النبي ﷺ تأذى به فقتله صبراً، وكان من جملة أذاه أنه كان يقرأ الكتب في أخبار العجم على العرب، ويقول: محمد

стр. 659

يأتيكم بأخبار عاد وثمود، وأنا منبئكم بأخبار الأكاسرة والقياصرة. يريد بذلك القدح في نبوته، وأنه إن جاز يكون ذلك نبياً لإتيانه بقصص الأمم السالفة فإني وقد أتيت بمثلها رسول أيضاً. وذكر ابن عباس في قوله تعالى: " ومن الناس من يشتري لهو الحديث "، أنها نزلت في النضر بن الحارث الداري، وكان يشتري كتب الأعاجم فارس والروم، وكتب أهل الحيرة، فيحدث بها أهل مكة، وإذا سمع القرآن أعرض واستهزأ به. وقتيلة ابنته لما جاءت إلى حضرة النبي ﷺ وأنشدته هذه الأبيات رق لها النبي ﷺ وبكى. وقال: " لو جئتني من قبل لعفوت عنه "، ثم قال: " لا يقتل قرشي بعد هذا صبراً ". فأما قولها يا راكباً فإنها دعت واحداً من الركبان غير معين، فكل من كان يجيبها منهم كان هو المدعو. والمظنة: المنزل المعلم. وقولها من صبح خامسة تيريد من صبح ليلة خامسة لليلة التي تبتدئ في السير منها إلى الأثيل وأنت على الطريق غير عادل منها. وإنما تريد أن تقول: إذا كان ابتداء السير من موضعها يكون انتهاؤه في أثيل من سير يحصل في صباح ليلة خامسة لليلتها. ومن قولهم: إذا خرجت عن مكان كذا فموضع كذا منزل قمن منك ضحوة غد، وموضع كذا مظنة من عشية يوم كذا. وعلى هذا الوجه قول الآخر: يسط البيوت لكي يكون مظنة ... من حيث توضع جفنة المسترفد وإن كان الأول في الزمان وهذا في المكان. بلغ به ميتاً فإن تحية ... ما إن تزال بها الركائب تخفق منى إليه وعبرة مسفوحة ... جادت لمائحها وأخرى تخنق هذا هو الرسالة التي تريد أن تحملها الراكب، تريد: يا راكباً بلغ بهذا المكان، إذا أتيته، مقبوراً فيه تحيتي، فإن التحيات أبداً تخفق بها الركائب وتبلغ أربابها. والخفق. الاضطراب. ومفعول بلغ الثاني محذوف، لأن قولها فإن تحية يدل عليه. وقولها منى إليه يتعلق بفعل مضمر قد دل عليه بلغ، كأنه قال: أوصل إليه مني تحية، وأد مني تحية، لأن جميع ذلك معناه بلغه عني. وقولها وعبرة مسفوحة

стр. 660

معطوف على المفعول المضمر الذي أظهرته. والمسفوحة: المصبوبة. وقولها: جادت لمائحها أي أجابت داعيها وساعدت مستقيها. وقولها وأخرى تخنق معطوف على عبرة، كأنها قالت: وأد إليه أيضاً عبرة قد خنقتني وهي في الطريق لم توجد. وهذا الكلام يشتمل على اقتصاص حالها، وعلى ما في نفسها من الحسرات والآلام الفجيعة. والركائب: جمع ركوبة، وهي مفردة عن الموصوف، لا يقال ناقة ركوبة، وكذلك حلوبة وقتوبة. وقولها جادت لمائحها في موضع الصفة لعبرة، كما أن تخنق في موضع الصفة الأخرى. والمعنى: بلغه عني تحية وأعلمه من حالي بكاء يتصل ولا ينقطع، ودمعاً يساعد ولا يخذل، فمن سائل مسفوح، ومن خانق مدفوع. وجادت من الجود. ولك أن تروى لماتحها ولمَائحها. والمائح أبلغ، لأن المتح الاستقاء، والميح أن تدخل البئر ليملأ الدلو إذا قل الماء. والذي يدل على قلة الدمع والجهد في إسالته يكون أجود في الرواية. فليسمعن النضر إن ناديته ... إن كان يسمع ميت أو ينطق قولها إن ناديته شرط وجوابه ما دل عليه ليسمعن، وكذلك قولها إن كان يسمع ميت شرط ثان وجوابه يدل عليه ليسمعن. وترتيب الكلام إذا جاء على وجهه. إن ناديت النضر وقد أتيته عني فليسمعن نداءك وليجيبنك إن كان الميت يسمع أو ينطق. وقولها ليسمعن جواب يمين مضمرة ودل على ليجيبنك أيضاً، لأن من صح فيه السمع إذا دعى صح منه الجواب. وقد يقول الإنسان وقد سئل شيئاً: السمع والطاعة، والمفهوم فيه: إني أجيبك إلى ملتمسك. ويريد به الفعل لا سماع سؤاله من دون الفعل. ظلت سيوف بين أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق أمحمد ولأنت نجل نجيبة ... من قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق والنضر أقرب من أصبت وسيلة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق قولها ظلت سيوف بني أبيه تنوشه تحسر منها لما جرى على أبيها، تريد: صارت سيوف إخوانه تتناوله بعد أن كانت تذب عنه، وتضع منه بعد أن كانت ترفعه،

стр. 661

وتبتذل حرماته بعد أن كانت تصونها. ثم قالت كالمستعطفة والمتعدبة. لله أرحام وقرابات في ذلك المكان قطعت أسبابها، وهتكت أستارها. وقولها هناك ظرف، والكاف كاف الخطاب، ويشار به إلى مكان متراخ. وإذا قيل هنالك فزيد فيه اللام كان آكد، والمشار إليه أبعد. والعامل في هناك تشقق، وهو في موضع الصفة للأرحام. واللام من قوله لله لام التعجب. وهم إذا عظموا شيئاً نسبوه إليه تفخيماً لأمره جل شأنه. وقولها أمحمدٌ نونت المنادى المفرد المعرفة ضرورة، ولو رد إلى أصله فقيل أمحمدُ لجاز. وسيبويه يختار تركه على البناء في هذا المكان وإن نونه للضرورة، لمشابهة البناء في هذا المكان الإعراب. ولذلك جاز حمل الصفة عليه. ومثل هذا قول الآخر: لا نسب اليوم ولا خلة ... اتسع الخرق على الراقع فنون خلة، والفتح فيه للبناء، لأنه مبني كمنصوب. وبعضهم روى: أمحمد ها أنت نجل نجيبة، فأدخل ها التنبيه على الجملة وقد تعرت من حرف الإشارة. وقد جاء مثله. قال النابغة: ها إنها عذرة إلا تكن نفعت ... فإن صاحبها قد تاه في البلد والواو من ولأنت عاطفة للجملة ومفيدة معنى الحال، وكذلك الواو من قوله والفحل فحل معرق. والمعنى: أنت كريم الطرفين معم مخول. واستعطفته مقرظة ومثنية والمدعو له قولها: ما ضرك لو مننت. وهذا الكلام فيه اعتراف بالذنب، والتزام للنعمة والمنة في العفو لو حصل. فتقول: أي شيء كان يصرك لو عفوت والفتى وإن كان مغضباً مضجراً، منطوياً على حنق وعداوة، قد يمن ويعفو. هذا إذا جعلت ما استفهاما. ويجوز أن تجعل ما نافية والاستفهام في مثل هذا الكلام يفيد معنى النفي.

стр. 662

وإنما قالت ربما لأن الحالة التي أشارت إليها بقولها المغيظ المحنق يقل فيها المن، ورب للقليل. وقولها والنضر أقرب من أصبت وسيلة تذكير منها بما يجمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وإياه من القربى والقرابة. وإنما يدل بذلك على وجه الاستحقاق للصفح عن الخيانة، لما يدل به من الأسباب المتواشجة، والأرحام المتشابكة. وقولها وأحقهم إن كان عتق يعتق أرادت: وأحقهم بأن يعتق إن كان عتق، أي إن وقع عتق، فحذف الباء، وحروف الجر مع أن تلغى كثيراً، ثم حذف أن ورفع الفعل، فهو كقوله: ألا أيهذا الزاجرى أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي يدل على أن من أحضر محذوف أنه عطف عليه بأن فقال: وأن أشهد اللذات. وجواب الشرط، وهو إن كان عتق، ما يدل عليه وأحقهم وأقرب من أصبت. وكان هذه كان التامة فلهذا استغنت عن الخبر. والمعنى: والنضر أقرب الأسراء الذين أسرتهم إليك، وأحقهم بالعتق إن وقع فكاك وعتق. وقال النابغة الجعدي فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر هذا مثل قول الهذلي: أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناء وأحسن منهما قول الآخر: إذا افتقروا عضوا على الفقر حسبة ... وإن أيسروا عادوا سراعاً إلى الفقر

стр. 663

وقال أيضاً: فتى كان فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا فتى كملت خيراته غير أنه ... جواد فلا يبقى من المال باقيا لما قال: كان فيه ما يسر صديقه وعلم أن في الناس من يجمع الخير خالصاً من دون الشر خشي أنه إن سكت على هذه الجملة ظن به القصور عن التمام، والوقوف دون الكمال، فلا يكون فيه النكاية في الأعداء والإساءة إليهم، وإذلالهم وإرغامهم. ثم وصفه بأن قال على أن فيه ما يسوء الأعاديا وهذا هو النهاية في الكمال؛ لأنه إذا عرف لأوليائه ما يوجب عليه التوفر عليهم، وجميل التفقد لهم، وعرف لأعدائه ما يوجب التنقص منهم وإذلالهم، كان في ذلك أكمل الكمال. وقوله فتى كملت خيراته غير أنه جواد هذا استثناء في نهاية الحسن، فهو كالتأكيد لأول الكلام؛ لأن كونه جواداً لا يكون عيباً فيخرجه من قوله كملت خيراته، لكنه إذا كان عيبه المستثنى من الخيرات الجود الذي هو مؤثر عند الله تعالى وعند الناس، فخصاله المحمودة الباقية ماذا ترى تكون. فهو استثناء منقطع من الأول، كأنه قال: كملت خيراته لكنه جواد. وإذا تأملت وجدت البيت الثاني مثل البيت الأول، في أنه أتبع ثناء بثناء، وأردف مديحاً بمديح، فعجز كل واحد منهما يؤكد صدره، ويزيده مبالغة معنى وتظاهر مبدأ ومنتهى. ومثلهما بيت النابغة: ولا عيب فيهم غير أن يسوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب وموضع قوله فتى في البيتين جميعا نصب على الاختصاص، كأنه قال أذكر فتى هذه صفته. ولا يمتنع أن يكون موضعه رفعاً على أن يكون خبر مبتدأ محذوف. فإن قيل: ما موضع على أن فيه ما يسوء الأعاديا من الإعراب؟ قلت: هو يجري وإن كان جمعاً بين صفتين متضادتين على أن الثانية كالحال للأولى، كأنه قال: فيه ما يسر صديقه مركبا على ما يسوء الأعاديا. وقوله فما يبقى من المال باقيا تأكيد للجود. وانتصاب باقيا يجوز أن يكون على المفعول، ويجوز أن يكون على

стр. 664

المصدر، وقد وضعه موضع الإبقاء. ومثله: كفى بالنأي من أسماء كاف وضع كاف موضع كفاية، وهو مصدر منصوب، لكنه حذف فتحة الإعراب من آخره وإن كانت الفتحة مستخفة، على طريقة من قال: أن أيديهن بالقاع القرق وقال: وأي فتى ودعت يوم طويلع ... عشية سلمنا عليه وسلما رمى بصور العيس منخرق الصبا ... فلم يدر خلق بعدها أين يمما فيا جازي الفتيان بالنعم اجزه ... بنعماه نعمى واعف إن كان أظلما انتصب " أي " بودعت، والكلام فيه تعجب على طريق التفخيم للشأن، والتعظيم للأمر. وانتصب عشية على البدل من يوم، والمعنى: ما أجل شأن فتى ودعناه عشية شيعناه من يوم طويلع، وقضينا فيما بيننا وبينه بعد حق التوديع، بأن سلمنا عليه وسلم هو علينا، أي قلنا: أصحبك الله السلامة، وحفظك حيث كنت! وقال لنا مثل ذلك. وهذا كأنه كان تثنية للوداع حينئذ، وتذكرة من بعد من الشاعر. وإرسال القول فيه تحسر وتوجع. وقوله وسلما يريد وسلم علينا، فحذف علينا ويجوز أن يكون أراد بودعت الوداع الذي لا تلاقي بعده. ألا ترى أنه يقال للمفارق: غير مودع! أي جعل الله بعده التقاء. وقد كشف عن هذا المعنى طرفة حيث يقول: قفي ودعينا اليوم يا ابنة مالك ... وعوجي علينا من صدور جمالك قفي لا يكن هذا تعلة ساعة ... لبين ولا ذا حظنا من نوالك فإذا جعلت ودعت على هذا، انفصل معناه عن معنى سلمنا عليه وسلما. وهذا ظاهر.

стр. 665

وقوله رمى بصدور العيس مخرق الصبا يريد أنه توجه في المفازة حيث تنخرق الريح، ورمى بصدور رواحله نحوها، فلم يعرف له بعد ذلك خبر ولا أثر. وقوله أين يمما موضع الجملة من الإعراب نصب على أنه مفعول لم يدر، كأنه قال: لم يدر خلق ما يقتضي هذا السؤال. وهذا الكلام نهاية فيما يثيره الجزع من المشفق القلق، ويدور في شكوى المتوله الحدب، لأنه إذا لم يمكنه الرجوع إلى شيء بعد جولة الوداع والافتراق، إلا إلى صدمة اليأس والاكتئاب، فذاك أجلب للوادع الرزيئة، وأجمع لبوارح الشكية. وقوله فيا جازي الفتيان بالنعم اجزه دعاء له، والمعنى أحسن إليه بدل إحسانه إلى خلقك، وجزاء على إنعامه في عبادك، وتجاوز عن سيئاته فيما كان فيه ظالماً، وعن الحق والنصف عادلاً. وقوله كان أظلما أي كان ظالما. وأفعل بمعنى فاعل جاء كثيراً. ومثله: فتلك سبيل لست فيها بأوحد وجعل في الثاني شرطاً لأنه قال واعف إن كان وفي الأول لم يأت بمثله ليدل على سلامة طريقته من الجور والاهتضام، وبراءة ساحته في غالب ظنه مما يستحق به العقاب والانتقام. الكلام وإن كان فيه دعاء فهو تحسر وتوجع. وإنما قلت هذا لأن استعمال الدعاء بعقب ما ذكر طريق في إظهار الخيبة لا يكاد يعفيها تعاور الأحوال بالسلوة، ولا يحول عن سلوكها تعاقب الأرمان بالمساءة والمسرة. وقال شبيب بن عوانة لتبك النساء المعولات بعولة ... أبا حجر قامت عليه النوائح عقيلة دلاه للحد ضريحه ... وأثوابه يبرقن والخمس مائح خدب يضيق السرج عنه كأنما ... يمد ركابيه من الطول ماتح لتبك النساء أمر من فعل يدل على الحال. ألا ترى أنه وصف النساء المأمورات بأنهن معولات. والأمر وإن كان في الأكثر يبنى على المستقبل يصح أن يبنى على ما

стр. 666

للحال، ويراد به الاستدامة والاستمرار في الفعل. على ذلك قول الله تعالى: " يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ". وقوله بعولة تعلق الباء منه بلبتك، والمراد أن يكون بكاء المعولات أبا حجر بزيادة عولة. المعولات: الصائحات، والاسم العويل. وقامت عليه النوائح في موضع الحال وقد مضمرة، كأنه قال: لتبكه النساء فقد مات والنوائح ينحن عليه. وهذا كله تفظيع للرزيئة، وتنبيه على وجوب البكاء له، وأن الزيادة في العولات عليه مسوغة، لأن فقد اسمه غير مشاهد من قبل ولا معتاد. وقوله عقيلة دلاه اقتصاص حال التجهيز والدفن، وأنها وقعت بمرأى منه ومسمع، فشقي بمزاولتها، وكمد لشاهدتها. وأراد بالأثواب أكفانه، فجعلها تبرق لبياضها. والمائح أصله الذي يدخل البئر فيغرف الماء في الدلاء إذا قل الماء. وها هنا أراد الذي يدخل القبر فينظفه ويصلح ما يجب إصلاحه منه. ودلى، أصله الإرسال، وتوسعوا فيه فقيل: دلاه بغرور، إذا خدعه. وتدلى على كذا بالحيل. فيقول: عقيلة هو الذي أرسله للحد القبر، وأكفانه لبياضها ونظافتها تلمع، والخمس هو الذي تولى من القبر ما تولى. وسوق كل هذا تفجع وتألم، وتذكر لما سخنت له العين، وأحرقت له الكبد. وقوله خدب هو الكامل الخلق التام الأعضاء، القوي السوي. لذلك قال يضيق السرج عنه وقوله كأنما يمد ركابيه وصفه بامتداد القامة وطول البادين. ويحمد من الفارس ذلك. وقوله كان ماتحاً أي مستقياً، يمد ركابيه من بئر لطولهما. والخدب: الطويل. يقال: إن في ذلك لخدباً أي طولاً. وبعير خدب: ضخم شديد. وقال: أبا خالد ما كان أدهى مصيبة ... أصابت معداً يوم أصبحت ثاويا لعمري لئن سر الأعادي وأظهروا ... شماتاً لقد مروا بربعك خاليا فإن تك أفنته الليالي فأوشكت ... فإن له ذكراً سيفنى اللياليا

стр. 667

خاطب المرثي فقال متلهفاً: ما أعظم مصيبة أصيبت بها قبائل معد يوم فجعت بك فأصبحت مقيماً في مكان لا تبرح منه. يشير إلى القبر. ويقال: ثوى بالمكان وأثوى جميعاً. وقوله أدهى يقال دهاه كذا يدهاه دهياً ودهواً، إذا أثر فيه تأثيراً شديداً وداهية دهياء ودهواء. والداهية: المنكر من الأمر. فيقول: إن المصيبة بك ما أعظمها وأنكرها، فيا لمعد فقد بليت بها. وقوله لعمري مبتدأ وخبره محذوف، ولئن سر شرط، واللام موطئة للقسم، وجواب لعمري لقد مروا، وجواب الشرط ما دل عليه هذا الجواب. والمعنى: وبقائي لئن كان الأعادي مسرورين بموتك، شامتين بذويك وعشيرتك لفقدهم لك، فقد وقعت الشماتة في وقتها وحينها، ووافاهم السرور لحادث أمر عظم موقعه، لأنهم مروا بربعك خاليا. والمعنى: أن ما كان ممدودا على ذويك وأوليائك من نطاق الاعتزاز بمكانك، والاعتلاء بجدك وجدوه قاصراً زائلا منقطعا. وانتصب خاليا على الحال. وقوله فإن يك أفنته الليالي فأوشكت معنى أوشكت. أسرعت. كأنه استقصر مدة بقائه. ويجوز أن يكون استقصر مدة علته. والكلام في حذف النون من إن تك فقد تقدم في مواضع. وقوله فإن له ذكراً سيفنى الليالي يريد: إن كان عمره قد انقطع فإن ذكره متصل بالأبد، لا تفنيه الأيام ولا تقطعه الآماد، بل هو يفنى الأيام والآماد. ووشك البين: سرعة القطيعة. وتقول: لو شكان ذا، كما تقول: لعجلان ما كان كذا. ومثله قوله: فإن تسجنوا القسرى لا تسجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه في القبائل وقالت امرأة من كندة لا تخبروا الناس إلا أن سيدكم ... أسلمتموه ولو قاتلتم امتنعا أنعى فتى لم تذر الشمس طالعة ... يوماً من الدهر إلا ضر أو نفعا قوله لا تخبروا الناس إلا تهكم وسخرية، يشوبه تعيير شديد. أي قد ارتكبتم أمراً عظيماً بتسليمكم سيدكم، فاستروا أمركم ولا تنبئوا الناس به. وهذا مخاطبة لقوم خذلوا رئيسهم ولم يثبتوا معه، حتى قتل. فيقول: لو ثبتوا وتابعوا الدافع عن نفسه

стр. 668

وعنهم. وقوله إلا أن سيدكم إلا بمعنى غير، فهو منقطع مما قبله. وهذا الاستثناء من المعنى، كأنه قال: سلمتم إلا أن سيدكمم أسلمتم. وقولها أنعى فتى لم تذر الشمس طالعة انتصب طالعة على الحال المؤكد لما قبله. والكوفيون يقولون في مثله: انتصب على القطع. وكما أن الحال يجيء مؤكداً لما قبله تجيء الصفة أيضاً مؤكدة لما قبلها. ومثال الحال: رأيته في الحمام عرياناً، فعريان حال مؤكدة. ومثال الصفة أن تقول: فعلت كذا أمس الدابر. وذرور الشمس: انتشارها في الجو. والمعنى: أذكر موت فتى لم تطلع الشمس يوماً من أيام الدهر عليه إلا وهو ضار لأعدائه ناك فيهم، أو نافع لأوليائه مسد إليهم. وفي هذا ذهب إلى مثل ما قاله عدي: إذا أنت لم تنفع بودك أهله ... ولم تنك بالبوس عدوك فابعد وقالت امرأة من بني أسد خليلي عوجاً إنها حاجة لنا ... على قبر أهبان سقته الرواعد تخاطب صاحبين لها تسألهما التعرج على قبر أهبان زائرين له، ومجدين العهد به. وقوله سقته الرواعد دعاء للقبر بالسقيا. والرواعد: السحاب التي فيها الرعد. وقولها إنا حاجة لنا حشو واعتراض، وقد وقع موقعاً حسناً، وفيه استعطاف للمخاطبين واستلطاف فيما تكلفهما. ويقال: ما عند فلان تعويج عليهم، أي تعريج. وعجنا بالمكان أشد العياج والعوج، أي عطفنا. فثم الفتى كل الفتى كان بينه ... وبين المزجى نفنف متباعد قولها كل الفتى مفيد للتأكيد، وجامع أسباب الفتوة كلها للموصوف، فكأنها قالت: ثم الفتى التام الفتوة حتى لم يغادر شيئاً من علائقها وأسبابها. وقولها كان بينه وبين المزجى، والمزجى: الضعيف، كأنه يزجى الوقت في الاعتداد به بين الفتيان. ويجوز أن يكون سمى الضعيف مزجى لتأخره وحاجتهم إلى تزجيته واستحثاثه فيما يعن. وهذا كما قيل المركب في الضعيف الفروسية. والنفنف: المهواة بين الجبلين، والأرض بين الأرضين. وهذا كما يقال: بين هذا وبين كذا بون بعيد.

стр. 669

فتقول: بين هذا الفتى وبين من يزجى في الفتيان مهواة بعيدة، حتى لا التقاء ولا تداني. إذا انتضل القوم الأحاديث لم يكن ... عيياً ولا عبئاً على من يقاعد أصل الانتضال والنضال في الرماء، ثم يستعمل توسعا في المفاخرة وقت المنافرة، ومجاثة الخصوم لدى المناقرة. ألا ترى لبيداً يقول: فانتضلنا وابن سلمى قاعد ... كعتيق الطير يغضى ويجل ثم قال: فرميت القوم رشقاً صائباً ... ليس بالعصل ولا بالمفتعل فيقول: إذا تجاذب القوم أطراف السمر والأخبار، وتنازعوا قصص الفرسان والأيام، ودسوا في أثناء المسارة روائع التبجح والمكاثرة، لم يكن حاجزاً فيما بينهم فدماً، ولا ضعيف التصرف بكياً، ولا كان ثقيلاً على جلسائه، سيئ العشرة لخلطائه، بل كان حسن المجلس معهم، مستحلى المنادمة بينهم، خفيف الوطأة عليهم. ومن روى: ولا رباً على من يقاعد فإنه يريد: لا متكبراً على جليسه فعل ذي الملكة والسلطان؛ والآخذ على مصطنعه بالاعتلاء والامتناع. وقال كعب بن زهير لقد ولى أليته جوى ... معاشر غير مطلول أخوها كان جوى على ما دل عليه الكلام حلف في وجوه ناكبيه والعازمين على قتله، أنهم لا يستمرئون فعلهم ذلك، وأن عشيرته وأصحابه سيطلبون دمه ويدركون ثأره، فكانوا عند ظنه بهم من غير إهمال ولا تضجيع. فيقول: جعل جوى ولاية يمينه التي أقسم بها إلى معاشر لا يبطل دم صاحبهم ولا يهدر، بل لا ينامون ولا ينيمون حتى

стр. 670

ينالوا الوتر. وقوله غير مطلول أخوها أي دم أخيها، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. قال: دماؤهم ليس لها طالب ... مطلولة مثل دم العذره وقال: تلكم هريرة لا تجف دموعها ... أهرير ليس أبوك بالمطلول أي لا ينسى دمه ولا يبطل ديته. والألية: اليمين، وجمعها ألايا. والفعل منه آليت أولى إيلاء، وائتلى. وفي بعض اللغات يقال الألوة. فإن تهلك جوى فإن حرباً ... كظنك كان بعدك موقدوها خاطب بعد أن أخبر على طريق التسلية، فيقول: إن ذهبت لما دعيت له فإن الذين شبوا نار الحرب بعدك في التقاضي بك كانوا كما ظننتهم، وعند أملك فيهم. فقوله " موقدوها " ارتفع بكان، وكظنك في موضع خبر كان وقد تقدم، والجملة أعني كان موقدوها بعدك كظنك خبر إن، واسم إن وهو حرباً نكرة غير موصوفة أيضاً، وساغ ذلك لما كان المراد بها مفهوماً معلوماً. ويجوز أن يجعل قوله " كظنك كان بعدك موقدوها " من صفة حرباً، ويجعل خبر إن محذوفاً، كأنه قال: إن حرباً هذه صفتها وقعت. وبيت الأعشى حجة في الوجهين جميعاً. وهو: إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذ مضى مهلا ألا ترى أن معناه إن لنا محلاً إن لنا مرتحلاً، فحذف الخبر، ومحل ومرتحل نكرتان. وما ساءت ظنونك يوم تولى ... بأرماح وفى لك مشرعوها ولو بلغ القتيل فعال قوم ... لسرك من سيوفك منضوها
следующие страницы →