Полный текст (1 295 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
للحال، ويراد به الاستدامة والاستمرار في الفعل. على ذلك قول الله تعالى: " يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ". وقوله بعولة تعلق الباء منه بلبتك، والمراد أن يكون بكاء المعولات أبا حجر بزيادة عولة. المعولات: الصائحات، والاسم العويل. وقامت عليه النوائح في موضع الحال وقد مضمرة، كأنه قال: لتبكه النساء فقد مات والنوائح ينحن عليه. وهذا كله تفظيع للرزيئة، وتنبيه على وجوب البكاء له، وأن الزيادة في العولات عليه مسوغة، لأن فقد اسمه غير مشاهد من قبل ولا معتاد.
وقوله عقيلة دلاه اقتصاص حال التجهيز والدفن، وأنها وقعت بمرأى منه ومسمع، فشقي بمزاولتها، وكمد لشاهدتها. وأراد بالأثواب أكفانه، فجعلها تبرق لبياضها. والمائح أصله الذي يدخل البئر فيغرف الماء في الدلاء إذا قل الماء. وها هنا أراد الذي يدخل القبر فينظفه ويصلح ما يجب إصلاحه منه. ودلى، أصله الإرسال، وتوسعوا فيه فقيل: دلاه بغرور، إذا خدعه. وتدلى على كذا بالحيل. فيقول: عقيلة هو الذي أرسله للحد القبر، وأكفانه لبياضها ونظافتها تلمع، والخمس هو الذي تولى من القبر ما تولى. وسوق كل هذا تفجع وتألم، وتذكر لما سخنت له العين، وأحرقت له الكبد.
وقوله خدب هو الكامل الخلق التام الأعضاء، القوي السوي. لذلك قال يضيق السرج عنه وقوله كأنما يمد ركابيه وصفه بامتداد القامة وطول البادين. ويحمد من الفارس ذلك. وقوله كان ماتحاً أي مستقياً، يمد ركابيه من بئر لطولهما. والخدب: الطويل. يقال: إن في ذلك لخدباً أي طولاً. وبعير خدب: ضخم شديد.
وقال:
أبا خالد ما كان أدهى مصيبة ... أصابت معداً يوم أصبحت ثاويا
لعمري لئن سر الأعادي وأظهروا ... شماتاً لقد مروا بربعك خاليا
فإن تك أفنته الليالي فأوشكت ... فإن له ذكراً سيفنى اللياليا
стр. 667
خاطب المرثي فقال متلهفاً: ما أعظم مصيبة أصيبت بها قبائل معد يوم فجعت بك فأصبحت مقيماً في مكان لا تبرح منه. يشير إلى القبر. ويقال: ثوى بالمكان وأثوى جميعاً. وقوله أدهى يقال دهاه كذا يدهاه دهياً ودهواً، إذا أثر فيه تأثيراً شديداً وداهية دهياء ودهواء. والداهية: المنكر من الأمر. فيقول: إن المصيبة بك ما أعظمها وأنكرها، فيا لمعد فقد بليت بها.
وقوله لعمري مبتدأ وخبره محذوف، ولئن سر شرط، واللام موطئة للقسم، وجواب لعمري لقد مروا، وجواب الشرط ما دل عليه هذا الجواب. والمعنى: وبقائي لئن كان الأعادي مسرورين بموتك، شامتين بذويك وعشيرتك لفقدهم لك، فقد وقعت الشماتة في وقتها وحينها، ووافاهم السرور لحادث أمر عظم موقعه، لأنهم مروا بربعك خاليا. والمعنى: أن ما كان ممدودا على ذويك وأوليائك من نطاق الاعتزاز بمكانك، والاعتلاء بجدك وجدوه قاصراً زائلا منقطعا. وانتصب خاليا على الحال. وقوله فإن يك أفنته الليالي فأوشكت معنى أوشكت. أسرعت. كأنه استقصر مدة بقائه. ويجوز أن يكون استقصر مدة علته. والكلام في حذف النون من إن تك فقد تقدم في مواضع. وقوله فإن له ذكراً سيفنى الليالي يريد: إن كان عمره قد انقطع فإن ذكره متصل بالأبد، لا تفنيه الأيام ولا تقطعه الآماد، بل هو يفنى الأيام والآماد. ووشك البين: سرعة القطيعة. وتقول: لو شكان ذا، كما تقول: لعجلان ما كان كذا. ومثله قوله:
فإن تسجنوا القسرى لا تسجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه في القبائل
وقالت امرأة من كندة
لا تخبروا الناس إلا أن سيدكم ... أسلمتموه ولو قاتلتم امتنعا
أنعى فتى لم تذر الشمس طالعة ... يوماً من الدهر إلا ضر أو نفعا
قوله لا تخبروا الناس إلا تهكم وسخرية، يشوبه تعيير شديد. أي قد ارتكبتم أمراً عظيماً بتسليمكم سيدكم، فاستروا أمركم ولا تنبئوا الناس به. وهذا مخاطبة لقوم خذلوا رئيسهم ولم يثبتوا معه، حتى قتل. فيقول: لو ثبتوا وتابعوا الدافع عن نفسه
стр. 668
وعنهم. وقوله إلا أن سيدكم إلا بمعنى غير، فهو منقطع مما قبله. وهذا الاستثناء من المعنى، كأنه قال: سلمتم إلا أن سيدكمم أسلمتم.
وقولها أنعى فتى لم تذر الشمس طالعة انتصب طالعة على الحال المؤكد لما قبله. والكوفيون يقولون في مثله: انتصب على القطع. وكما أن الحال يجيء مؤكداً لما قبله تجيء الصفة أيضاً مؤكدة لما قبلها. ومثال الحال: رأيته في الحمام عرياناً، فعريان حال مؤكدة. ومثال الصفة أن تقول: فعلت كذا أمس الدابر. وذرور الشمس: انتشارها في الجو. والمعنى: أذكر موت فتى لم تطلع الشمس يوماً من أيام الدهر عليه إلا وهو ضار لأعدائه ناك فيهم، أو نافع لأوليائه مسد إليهم. وفي هذا ذهب إلى مثل ما قاله عدي:
إذا أنت لم تنفع بودك أهله ... ولم تنك بالبوس عدوك فابعد
وقالت امرأة من بني أسد
خليلي عوجاً إنها حاجة لنا ... على قبر أهبان سقته الرواعد
تخاطب صاحبين لها تسألهما التعرج على قبر أهبان زائرين له، ومجدين العهد به. وقوله سقته الرواعد دعاء للقبر بالسقيا. والرواعد: السحاب التي فيها الرعد. وقولها إنا حاجة لنا حشو واعتراض، وقد وقع موقعاً حسناً، وفيه استعطاف للمخاطبين واستلطاف فيما تكلفهما. ويقال: ما عند فلان تعويج عليهم، أي تعريج. وعجنا بالمكان أشد العياج والعوج، أي عطفنا.
فثم الفتى كل الفتى كان بينه ... وبين المزجى نفنف متباعد
قولها كل الفتى مفيد للتأكيد، وجامع أسباب الفتوة كلها للموصوف، فكأنها قالت: ثم الفتى التام الفتوة حتى لم يغادر شيئاً من علائقها وأسبابها. وقولها كان بينه وبين المزجى، والمزجى: الضعيف، كأنه يزجى الوقت في الاعتداد به بين الفتيان. ويجوز أن يكون سمى الضعيف مزجى لتأخره وحاجتهم إلى تزجيته واستحثاثه فيما يعن. وهذا كما قيل المركب في الضعيف الفروسية. والنفنف: المهواة بين الجبلين، والأرض بين الأرضين. وهذا كما يقال: بين هذا وبين كذا بون بعيد.
стр. 669
فتقول: بين هذا الفتى وبين من يزجى في الفتيان مهواة بعيدة، حتى لا التقاء ولا تداني.
إذا انتضل القوم الأحاديث لم يكن ... عيياً ولا عبئاً على من يقاعد
أصل الانتضال والنضال في الرماء، ثم يستعمل توسعا في المفاخرة وقت المنافرة، ومجاثة الخصوم لدى المناقرة. ألا ترى لبيداً يقول:
فانتضلنا وابن سلمى قاعد ... كعتيق الطير يغضى ويجل
ثم قال:
فرميت القوم رشقاً صائباً ... ليس بالعصل ولا بالمفتعل
فيقول: إذا تجاذب القوم أطراف السمر والأخبار، وتنازعوا قصص الفرسان والأيام، ودسوا في أثناء المسارة روائع التبجح والمكاثرة، لم يكن حاجزاً فيما بينهم فدماً، ولا ضعيف التصرف بكياً، ولا كان ثقيلاً على جلسائه، سيئ العشرة لخلطائه، بل كان حسن المجلس معهم، مستحلى المنادمة بينهم، خفيف الوطأة عليهم.
ومن روى: ولا رباً على من يقاعد فإنه يريد: لا متكبراً على جليسه فعل ذي الملكة والسلطان؛ والآخذ على مصطنعه بالاعتلاء والامتناع.
وقال كعب بن زهير
لقد ولى أليته جوى ... معاشر غير مطلول أخوها
كان جوى على ما دل عليه الكلام حلف في وجوه ناكبيه والعازمين على قتله، أنهم لا يستمرئون فعلهم ذلك، وأن عشيرته وأصحابه سيطلبون دمه ويدركون ثأره، فكانوا عند ظنه بهم من غير إهمال ولا تضجيع. فيقول: جعل جوى ولاية يمينه التي أقسم بها إلى معاشر لا يبطل دم صاحبهم ولا يهدر، بل لا ينامون ولا ينيمون حتى
стр. 670
ينالوا الوتر. وقوله غير مطلول أخوها أي دم أخيها، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. قال:
دماؤهم ليس لها طالب ... مطلولة مثل دم العذره
وقال:
تلكم هريرة لا تجف دموعها ... أهرير ليس أبوك بالمطلول
أي لا ينسى دمه ولا يبطل ديته. والألية: اليمين، وجمعها ألايا. والفعل منه آليت أولى إيلاء، وائتلى. وفي بعض اللغات يقال الألوة.
فإن تهلك جوى فإن حرباً ... كظنك كان بعدك موقدوها
خاطب بعد أن أخبر على طريق التسلية، فيقول: إن ذهبت لما دعيت له فإن الذين شبوا نار الحرب بعدك في التقاضي بك كانوا كما ظننتهم، وعند أملك فيهم. فقوله " موقدوها " ارتفع بكان، وكظنك في موضع خبر كان وقد تقدم، والجملة أعني كان موقدوها بعدك كظنك خبر إن، واسم إن وهو حرباً نكرة غير موصوفة أيضاً، وساغ ذلك لما كان المراد بها مفهوماً معلوماً. ويجوز أن يجعل قوله " كظنك كان بعدك موقدوها " من صفة حرباً، ويجعل خبر إن محذوفاً، كأنه قال: إن حرباً هذه صفتها وقعت. وبيت الأعشى حجة في الوجهين جميعاً. وهو:
إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذ مضى مهلا
ألا ترى أن معناه إن لنا محلاً إن لنا مرتحلاً، فحذف الخبر، ومحل ومرتحل نكرتان.
وما ساءت ظنونك يوم تولى ... بأرماح وفى لك مشرعوها
ولو بلغ القتيل فعال قوم ... لسرك من سيوفك منضوها
стр. 671
كأنك كنت تعلم يوم بزت ... ثيابك ما سيلقى سالبوها
قوله وما شاءت ظنونك تشكر للعشيرة وإن كان لفظه إعلام جوى ما كان منهم وثناء عليهم، فيقول: لقد حسن ظنك بأرماح وفى لك مهيئوها ومعلموها يوم حلفك، فلا جرم أنهم صدقوا ظنك بهم، وحققوا اعتقادك فيهم، وجدوا في طلب الأمر وانكمشوا، حتى برت يمينك، وطابت نفوس أودائك والمفجوعين بك. وجعل الباء من قوله بأرماح متعلقا بقوله ظنونك، وإنما الظن كان بأربابها، مجازاً واتساعا.
وقوله ولو بلغ القتيل فعال قوم يريد لو أمكن إبلاغ المقتولين ما يفعله الأحياء بعدهم لقمت في ذلك وقعدت، علماً بأن ما أتاه قومك إذا تأدى إليك سرك وقوعه وحمدتهم له. ويقال: نضا سيفه وانتضاه، إذا جرده من غمده. وقال من سيوفك وأضافها إليه لما كان أربابها من أسبابه، وما للسبب مثل ما للمسبب.
وقوله كأنك كنت تعلم يوم بزت ثيابك أراد بالثياب السلاح، وهذا كما يقال له البز. قال الهذلي:
فوقر بز ما هنالك ضائع.
يعني به السيف، ومعنى وقر وقع وقرات وهزمات فيه. ويقال بزه كذا وابتزه. وفي المثل: " من عز بز "، أي من غلب سلب. وقال الدريدي: البز السلاح، يدخل فيه الدرع والمغفر والسيف. وجعل تعلم بمعنى تعرف، لذلك اكتفى بمفعول واحد، كقول الله تعالى: " لا تعلمونهم الله يعلمهم ". وما سيلقى ما بمعنى الذي، وما بعده من صلته، وحذف المفعول من سيلقى استطالة للاسم بصلته، أراد ما سيلقاه، ويعني بذلك ما يصيبهم في مكافأة فعلهم، وعند الانتقام منهم.
стр. 672
وقال آخر:
نعى الناعي الزبير فقلت تنعى ... فتى أهل احجاز أهل نجد
خفيف الحاذ نسال الفيافي ... وعبداً للصحابة غير عبد
يقول: خير الناعي بموت الزبير، فقلت معظماً لشأنه، ومفخماً للتأثير بمكانه: إنك تذكر موت قريع أهل الحجاز وأهل نحد ومختارهم، ومن لا تحق الفتوة بالاتفاق إلا له. وقوله خفيف الحاذ وصفه بخفة العجز وقلة اللحم على الفخذ، وذلك مستحب من الفرسان. قال الخليل: الحاذان: أدبار الفخذين، والآحاذ الجميع. وقيل هو الظهر. والحاذ في غير هذا المكان: الحال والمؤونة. وقوله نسال الفيافي أراد نسال في القيافي، فأجراه مجرى قطاع الفيافي. والنسان: مشية الذئب إذا أعنق وأسرع. ويقال: نسل الماشي، إذا أسرع. وفي القرآن: " فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون " أي يسرعون.
وقوله عبداً للصحابة غير عبد يصفه بكرم الصحاب، وحسن التوفر على الرفاق. والصحابة مصدر في الأصل، يقال أحسن الله صحابتك، ثم استعمل صفة، وقوى في الوصفية حتى جرى مجرى الأسماء، وتفرد عن الموصوف به. وكذلك قولهم صاحب اسم الفاعل من صحب، تفرده بنفسه، قوى حتى كأنه ليس بمشتق من صحب، لا يكاد يقال هو صاحب زيداً كما يقال هو ضارب زيداً. ومعنى غير عبد نفي لذل العبودية، لأن قوله عبداً للصحابة أراد كرم الخلق وسهولة الجانب، وتحمل الأعباء عن رفقائه. وقد ألم في هذا بقول الآخر:
طباخ ساعات الكرى زاد الكسل
وقال رقيبة الجرمي، من طيئ
أقول وفي الأكفان أبيض ماجد ... كغصن الأراك وجهه حين وسما
أحقاً عباد الله أن لست رائياً ... رفاعة طول الدهر إلا توهما
стр. 673
مفعول أقول هي جملة البيت الذي يليه، والواو من قوله: وفي الأكفان أبيض ماجد واو الحال، وكغصن الأراك في موضع الصفة لأبيض. شبه امتداد قامته به. و " وجهه " على هذا يكون مبتدأ وخبره حين وسما، والجملة في موضع الصفة لما قبله. وظروف الأزمنة لا تتضمن الأشخاص والجثث، لا تقول زيد اليوم، ولكن هذا مثل قولهم: الهلال اللليلة، فكما جاز هذا لأن المراد طلوع الهلال الليلة، كذلك قوله وجهه حين وسما لأن المعنى: بقول وجهه حين وسم. ومعنى وسم: خرج قليلاً، وحقيقته أنه بمعنى توسم، كما أن وجه بمعنى توجه، ونبه بمعنى تنبه، وقدم بمعنى تقدم. ويقال لون الغلام، وطر، ووسم، وبقل بالتخفيف، في معنى واحد. وأجاز أبو حاتم بقل بالتشديد ورواه الأصمعي ولم يجزه غيره. والمعنى: أقول متلهفاً وقد كفن بمرأى مني ثم شاب مجتمع كريم شريف حسن الطأة، كأنه غصن من الأراك ووجهه قد وسم حديثاً. والمعنى: اعتبط ولم يمتع بشباه، ولا أمهل لاستكماله واكتتهاله. فأقول: حقاً عباد الله ما أرى.
وقد ألم في هذا المعنى بقول النابغة:
يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم
كأنه يكذب المشاهدة كما كذب النابغة الإخبار. وكل ذلك لاستفظاع الحال، واستعظام الأمر والخطب. فأما قوله أحقاً انتصب عند سيبويه على الظرف، كأنه أفي الحق ذلك. فإن قيل: كيف جاز أن يكون ظرفاً؟ قلت لما رآهم يقولون: أفي حق كذا، أو أفي الحق كذا، جعله إذا نصبوه على تلك الطريقة، قال:
أفي حق مواساتي أخاكم ... بمالي ثم يظلمني السريس
وقال:
أفي الحق أني مغرم بك هائم ... وأنك لا خل هواك ولا خمر
стр. 674
وقوله أن لست رائيا أن مخففة من الثقيلة. والمعنى أفي الحق لست رائياً هذا الفتى إلا متوهماً أبد الدهر. وقوله توهما مصدر في موضع الحال.
وفائدة قوله عباد الله أنه رجع فيما كان لا يؤمن به ولا يسكن إليه شناعة وقباحة، إلى الناس كافة يستثبتهم ويستفتيهم.
فأقسم ما جشمته من مهمة ... تؤود كرام القوم إلا تجشما
ولا قلت مهلاً وهو غضبان قد غلا ... من الغيظ وسط القوم إلا تبسما
يصف رضاه وحسن طاعته له، وقوة نهضته بكل ما يحمله من الأثقال المتعبة، والآراب المثقلة، ودوام صبره على جميع ما يكلفه من المهمات الشاقة على كرام الناس الباهظة، إلى ما كان يوجب له ويعظم قدر كلامه، فقال: ولم أقل له رفقاً إذا احتمى غيظاً إلا سكن وحسنت فيئته، وكرمت عطفته، حتى بدا لي مضحكه، وتهللت في لقياي غرته. هذا ومجلسه مشهود، والأقوام حوله قعود، فلا يتداخله نخوة، ولا تأخذه بالإباء والتشدد عزة. وهذا كله تنبيه على تعالى لوعته، وتغالي حرقته وفجعته.
وقال آخر:
ألا لا فتى بعد ابن ناشرة الفتى ... ولا عرف إلا قد تولى فأدبرا
فتى حنظلي ما تزال ركابه ... تجود بمعروف وتنكر منكرا
لحى الله قوماً أسلموك وجردوا ... عناجيج أعطتها يمينك ضمرا
حذف الخبر من قوله لا فتى ولا عرف جميعا، كأنه قال: لا فتى في الدنيا بعد ذهابه، ولا عرف موجود بعد تولي عرفه. وفي وصفه المرثي بالفتى كأنه جمع له الفضائل كلها، كما أن نفيه العرف كأنه نفى به المحامد كلها؛ لأن مهن شرط الفتوة أن يدخل تحتها خصال الخير، كما أن العرف والمعروف يدخل تحته كل ما عرف في الإحسان والصلاح. ولك أن تنون لا فتى وإن كان الأول أشرف في المعنى وأبلغ، فيكون في موضع الرفع بالابتداء، وكذلك لا عرف ترفعه وتنونه، لأنك تلقى حركة الهمزة من إلا وهي كسرة على التنوين. والفصل بين الرفع والنصب أن النصب يفيد الاستغراق، كأنه نفي قليل الجنس وكثيره، إذا كان جواب هل من فتى، ومن عرف؟
стр. 675
والرفع لا يكون فيه الاستغراق، لكونه جواب هل فتى وهل عرف، فلا يمتنع أن يكون السؤال عن واحد من الجنس ويكون الجواب على حده. وقوله ما تزال ركابه من صفة فتى، وتجود بمعروف خبر ما تزال.
وارتفع فتى حنظلي على أنه خبر مبتدأ محذوف، ولو نصبه على المدح والاختصاص لجاز، وقصده إلى أنه أمار بالمعروف، ونهاء عن المنكر، ولا يرضى بذلك فيما يليه من البلاد، بل ترى الركبان تطوف به، فيأتيهما في الأباعد مثل ما يأتيهما في الأقارب. وقوله ركابه أراد أصحاب ركابه يعني رسله.
وقله لحى الله قوما أسلموك تصريح بأن أصحابه خذلوه وتقاعدوا عن نصرته حتى تمكن منه الأعداء فقتلوه. وقوله جردوا عناجيج أعطتها يمينك ضمرا بيان لأن الخيل التي جردوها للركض في الهرب مما سمحت به يده، فلم يراعوا ذمة، ولم يحافظوا حرمة، ولا راجعوا أنفسهم فيما تنتجه الأحدوثة، وتسير به الركب من سيئ القالة. والعناجيج: الخيل الطوال، واحدها عنجوج. ومعنى لحى الله يجوز أن يكون من اللحاء: السب والذم. ويجوز أن يكون من اللحى: القشر. وكيف جعلته فهو دعاء عليهم، تسويداً لوجوههم، وإلحاقاً للعار بهم، وتقبيحاً لفعلهم، وجزاء على صنعهم. وفائدة قوله ضمرا أنهم لم يؤتوا من عدة ولا عدد، وإنما أتوا من عجزهم وجبنهم، وسوء نياتهم، وسقوط همتهم.
وقال آخر:
أضحى أبو القاسم الثاوي ببلقعة ... تسفي الرياح عليه من سوافيها
قوله أضحى ها هنا لاتصال الوقت، والباء من قوله ببلقعة تعلق بالثاوي، وخبر أضحى تسقى الرياح عليه، والكلام توجع وتحسر بأنه استبدل بمجالسه الفضاء، ومن ندمائه وخلطائه الخلاء، ومن رفيع دسته ونبيه فرشه التراب، والرياح السوافي تأتي بها إليه، وتجمعه عليه. والسفا والسافياء: التراب. ويقال سفت الريح التراب وغيره تسفيه
стр. 676
سفياً، والريح سافية، والجميع السوافي، لتراب والورق واليبيس. وقيل السافياء: الريح تحمل تراباً كثيراً تهجم به على الناس. والسفا: اسم ما تسفيه. والبلقع: المكان الخالي.
هبت وقد علمت أن لا هبوب به ... وقد تكون حسيراً إذ يباريها
يقول: هبت الرياح عليه رافعة الحشمة في ابتذالها إياه، عالمة أنه لا هبوب لريح دولته، ولا نفاذ لأمره، ولا استقامة لصولته، وقد كانت إذا همت بمباراته تقف حسيراً بهيراً لا انخراق لها، ولا مجر لذيلها. وقوله أن لا هبوب أن مخففة من الثقيلة، كأنه قال: أنه لا هبوب به. والضمير للأمر والشأن، وإن شئت كان للمرثي. ولا هبوب في موضع خبرأن، والجملة سدت مسد مفعولي علمت.
أضحى قرى للمنايا رهن بلقعة ... وقد يكون غداة الروع يقريها
يقول: صار طعمه للمنايا هذا المفقود ومرتهناً في قبره، لا انفكاك له ولا دفاع به، وقد كان وهو حي غداة الروع يقرى المنايا من لحوم الأعادي، ويجعلهم قراها وطعمها. ويقارب هذا قول الآخر:
وإنا للحم السيف غير نكيرة ... ونلحمه حيناً وليس بذي نكر
وقال عقيل بن علفة
لتغد المنايا حيث شاءت فإنها ... محللة بعد الفتى ابن عقيل
فتى كان مولاه يحل بنجوة ... فحل الموالي بعده بمسيل
طويل نجاد السيف وهم كأنما ... تصول إذا استنجدته بقبيل
كأنه أذن لأنواع الموت أن تبتكر حيث شاءت، وتنال من الناس من أرادت، فقد حل لها ذلك بعد أخذها الفتى ابن عقيل، لأنه هو الذي كان يخشى عليه منها، ويرتجي يومه وغده، وإذ قد أصيب الناس به فلا خطر على المنايا، ولا خوف من الرزايا. ويقال: حللته من كذا تحليلاً، إذا أطلقته له.
стр. 677
وقوله كان مولاه يحل بنجوة فالنجوة: اسم المكان المرتفع، والجميع النجاء. وقيل هو اسم لما إذا أويت إليه نجوت من محذورك. وقد دخل تحت قوله مولاه ابن العم وكل من ينتسب إليه بولاء. ألا ترى أنه لما أعاد ذكره قال: فحل الموالي بعده بمسيل. وإنما قال ذلك لأنهم كانوا بأجمعهم يتعززون به ويستظهرون على الدهر بحياته، فلما أصيبوا به تمكنت الأقدار من التأثير فيهم، وتسلقت الآفات من كل جانب عليهم، وصاروا بمنزلة من نزل في مسيل من الأرض فلعبت السيول به، وتهجمت نؤب الزمان عليه، وقد كان من قبل في يفاع لا يرتفع إليه الأتي وإن طما، ولا يرتقى إليه الأبي وإن استعلى.
وقوله طويل نجاد السيف وصفه بامتداد القامة، وهذا كما أن الفرس إذا وصف بطول الخد قيل: هو طويل العذار. ومثله قول أبي نواس:
سبط البنان إذا احتبى بنجاده ... غمر الجماجم والسماط قيام
وهذا المعنى مضاد لما وصف به بعضهم تأبط شراً، وكان يلقب بالشعل، فسلب بز قتيسل له وتقلد سيفه، وكان القتيل حسن الشطاط، وتأبط شراً قصير القامة، فطال عليه حمائل السيف المسلوب وانجر على الأرض، فقال فيه:
فويلم بز جر شعل على الحصى ... فوقر بز ما هنالك ضائع
أراد بالبز السيف، ومعنى وقر وقع فيه وقرات وهزمات، لتأثير الحصى فيها. وجعل البز ضاعاً لما لبسه غير صاحبه. فأما قوله يصول إذا استنجدته بقبيل فإنه يصفه بغنائه إذا استغيث به وكمال آلاته، حتى صار المستنصر له والمستغيث به، إذا أجابه واحتضره، كأنه أجابه قبيل لا رجل. والوهم: العظيم التام الخلق. ويقال: جمل وهم، وهو القوي العظيم المنقاد، المطيع لصاحبه.
وقال مسافع العبسي
أبعد بني عمرو أسر بمقبل ... من العيش أو آسى على إثر مدبر
وليس وراء الشيء شيء يرده ... عليك إذا ولى سوى الصبر فاصبر
стр. 678
قوله أبعد بني عمرو أسر بمقبل كأنه قال منكراً مستقبحاً. يريد أسر بعد أ، فجعت بهؤلاء القوم بقدر يساعد، أو عيش يقبل، أو زمان يطاوع، أو أحزن في إثر فائت، أو أجزع لتولي مدبر. والمعنى: أن السرور كان يتصل بحياتهم، والغم كان يحذر مخافة أن يكون فيهم، وإذا قد مضوا لسبيلهم فلا شيء من أعراض الدنيا يلحق له حبور إذا نيل، ولا شيء من أعلاق المنى يحزن له إذا أفيت.
وقوله وليس وراء الشيء شيء يرده عليك أي يرجعه إليك. فالاعتصام بحبل الصبر هو الأولى؛ والأحب ديناً ودنيا، فاصبر وقوله سوى الصبر موضعه من الإعراب استثناء خارج، لأن الصبر ليس من الشيء الراد الفائت في شيء، فقد انقطع مما قبله.
سلام بني عمرو على حيث هامكم ... جمال الندي والقنا والسنور
أولاك بنو خير وشر كليهما ... جميعاً ومعروف ألم ومنكر
لما استسلم للجزع وما اعتاده من الهلع، وصبر نفسه مسلياً، وتتبع أثر المصيبة معفياً، حياهم فقال: عليكم التحية من الله يا بني عمرو حيث قرت هامكم. وهامكم ترتفع بالابتداء وخبره محذوف، كأنه قال: حيث هامكم حاصلة موجودة. والجملة أضيف إليها حيث لينشرح بها، لأن حيث يقتضي جملتين، فهي في الأمكنة مثل حين في الأزمنة. ثم قال جمال الندى أي أذكر جمال المجلس يوم الحفل، وزين السلاح غداة الروع، فانتصب جمال على الاختصاص والمدح. وذكر الهام على عادة العرب، في زعمهم أن عظام الموتى تصير هامة تطير. والندي والنادي: المجلس. ويقال: نداهم المجلس، أي جمعهم، فانتدوه.
وقوله أولاك بنو خير وشر كليهما إيذان منه بأنهم كانوا مستصلحين لكل ما يعن ويحدث من السراء والضراء، فكانوا بني الخير لاستدرار المنافع من مالهم وجاههم، وبني الشر لاستدفاع البلايا ببأسهم. وكانوا يسعدون مواليهم ببرهم وتفقدهم، ويشقون معاديهم بحدهم وسطوتهم. وقوله كليهما جميعاً انجر كليهما على البدل من خير وشر، ولا يجوز أن يكون توكيداً لهما، لأن توكيد ما لا يعرف لا فائدة فيه. والكوفيون يجوزون توكيد ما يدخله التجزئة من النكرات، يقولون: قرأت كتاباً كله، وأكلت رغيفاً كله، على التوكيد. وأصحابنا البصريون يجيزون الكلام بمثل هذا، ولكنهم يمتنعون من إجراء الآخر على الأول على طريق التأكيد ويجعلونه بدلاً،
стр. 679
كأنه قال بنو كلا الخير والشر. انتصب جميعاً على الحال. وكلا يضاف إلى المثنى، إلا أن المعطوف والمعطوف عليه والحرف العاطف الواو بمنزلة المثنى وفائدة قوله معروف ألم ومنكر أن يصرفا إلى النوازل الملمة والحوادث الطارئة، فيكون الخير ولاشر مقصورين على أفعالهما، فلذلك قال ومعروف ألم ومنكر ليتميز ما يكون من فعلهما عما يحدث من غير فعلهما.
وقال الربيع بن زياد العبسي
في مالك بن زهير العبسي:
إني أرقت فلم أغمض حار ... من سيئ النبأ الجليل الساري
من مثله تمسي النساء حواسراً ... وتقوم معولة مع الأسحار
يقول: لما تساقط الخبر الموجع الساري بليل، والعظيم في شأنه، الفظيع عند وقوعه إلى، سهرت فلم أغمض يا حار. كأنه ذكر ابتداء حاله لابتداء نعيه. والأرق: السهر. ويقال غمضت عيني بالتشديد، وغمضتها، واغتمضت. وأضاف السيئ إلى النبأ لأنه جعل النبأ للجنس، فهو كإضافة البعض إلى الكل. ويقال: أساء ما صنع، فهو سيئ، وساءني الشيء مساءة، وسؤتني بما فعلت مساءة ومسائية. ويقال السيئ والسيئة والسوءى. والسيئة كالخطيئة، وهو بإزاء الحسنة، والسوءى بإزاء الحسنى. والسوء: الاسم الجامع للآفات والأدواء. وقوله من مثله تمسي النساء حواسرا أي يأتي عليهن المساء وقد طرحن خمرهن فهن كاشفات الرءوس، مسبلات الشعور، لا يكتسين ولا يستترن، ويقمن مع السحر صائحات عائدات إلى عادتهن من النياحة والبكاء. وقيل الإمساء من الظهر إلى المغرب، وقيل بل إلى نصف الليل من الإمساء. وروى بعضهم: " تمشي النساء " أي يمشين متبرزات لا يدفعهن عن ذلك حشمة ولا يحجزهن رقبة. والأول أجود، حتى يكون المساء في مقابلة الصباح، ويكون الشاعر قد ذكر طرفي النهار من أوقاتهن.
أفبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجو النساء عواقب الأطهار
ما إن أرى في قتله لذوي القوى ... إلا المطي تشد بالأكوار
стр. 680
هذا فيه ما في قول الأخطل:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار
وإلى هذا أشار أبو تمام في قوله:
لبيت صوتاً زبطرياً هرقت له ... كأس الكرى ورضاب الخرد العرب
وقوله أفبعد لفظه لفظ الاستفهام، والاستفهام يطلب الفعل، فكأنه قال: أترجو النساء عواقب الأطهار بعد مقتل مالك؟ وهو ينكر أن يكون ذلك أو يستجاز وقوعه. والمراد بعواقب الأطهار مراجعة البعولة إلى مضاجعة النساء بعقب أطهارهن والتمتع بهن. والمعنى أن الأمر أفظع من أن يتوهم ذلك، والخطب في المصاب به أنكى في القلوب والنفوس من أن يتذكر لذات، أو يتحدث بتناسل وولادات. وقوله ابن زهير جعل عروض الضرب الثاني من الكامل مقطوعة، ولو قال زهير لاستفام له وكان يكون متفاعلن. وهم يدخلون على الأعلام التغيير كثيراً، لكنه مال إلى هذا وجعله فعلاتن. وقد فعل في أول المقطوعة مثل ذلك، لكنه في ذلك أعذر لأنه جعلها مصرعة، ولم يرض بأن جعله فعلاتن حتى سكن العين منه وجعل مفعولن، ويسمى مقطوعاً مضمراً. وفعل أيضاً مثله في قوله:
ومجنبات ما يذقن عذوفاً
والعذر فيه كالعذر في قوله " أفبعد مقتل مالك بن زهير " ولو قال " عذوفة " لاستقام له. وربما مالوا إلى المزاحف من غير ضرورة. على ذلك قول المتنخل في الطائية:
أبيت على معار فاخرات ... بهن ملوب كدم العباط
رووا أن كل العرب ترويه معار فاخرات بالتنوين، وإنما هو من الضرب الأول من العروض الأولى من الوافر: مفاعلتن مفاعلتن فعولن، فجعل مفاعلتن الثاني مفاعلين بالعصب، وهو في زحاف هذا البحر جائز، لكنه لو روى معارى بفتح الياء لسلم، ولم يفعل. وقوله " ما إن أرى في قتله لذوي القوى " أضاف المصدر إلى
стр. 681
المفعول والمراد في قتلهم لمالك، ويعنى بذوي القوى ذوي الرأي والفعل، والعدد والعدة، فيقول: لا أرى لمن كان هكذا من أولياء دمه وطلاب ثأره، إلا امتطاء الإبل وتجنيب الخيول، وركوب كل صعب وذلول، إلى أن ينال من العدو مثل ما ناله منهم، فإن في ركوب الجد مساعدة من الجد، ولن ترى العزم أصرخ بالفعل إلا وثم مطاوعة من القدر. وقوله تشد بالأكوار يريد تشد الأكوار عليها، فرمى بالكلام.
ومجنيات ما يذقن عذوفاً ... يقذفن بالمهرات والأمهار
ومساعراً صداً الحديد عليهم ... فكأنما تطلى الوجوه بقار
عطف قوله ومجنبات على إلا المطي والمراد أرى لهم أعدادهم مطايا مرحولة، وخيلاً مجنوبة. وكذا كانت عادتهم في مقصدهم الغارات، وركوبهم إلى الوقعات، أن يركبوا الإبل ويجنبوا الخيل إلى أن ينتهوا إلى موضع الغارة، أو ملتقى القوم للمحاربة، فحينئذ ينيخون الإبل ويركبون الخيل وهي وادعة لم يلحقها كبير تعب، ولم يمتلكها سآمة ضجر، فيعلمونها كما يحبون.
وهذا كما قال النابغة يصف خيل عمرو بن هند:
مقرنة بالأدم والعيس كالقطا ... عليها الخبور محقبات المراجل
ويقذفن بالأولاد في كل منزل ... تشحط في أسلائها كالوصائل
ومعنى ما يذقن عذوفاً أي أدنى ما يؤكل. وقال الخليل: يستعمل في الطعام والشراب. ويقال: ما ذقت عذفاً ولا عذوفاً ولا عذوفة ولا عذفاً أي ذواقاً. والفعل منه قد يبنى فيقال تعذفت عذوفة. وقوله بالمهرات والأمهار أي لما يلحقهن من الكلال، والتحامل عليه في طي المنازل بها والترحال والمساعر: جمع المسعر، وهو كأنه آلة في إسعار نار الحرب وإيقادها. وإنما قال صدأ الحديد عليهم لاتصال لبسهم الدروع، وكأنما تطلى الوجوه بقار لأن المراد أن السموم والحرور قد لفحت وجوههم، وغيرت ألوانهم، لأنهم تعودوا قصد الغارات، وقطع المشاق. وجعل الخيل كالفرسان والفرسان كالخيل في الصبر والثبات.
من كان مسروراً بمقتل مالك ... فليأت ساحتنا بوجه نهار
стр. 682
يجد النساء حواسراً يندبنه ... يلطمن أوجههن بالأسحار
كانت العادة مستمرة مستحكمة فيهم، أنهم لا يندبون القتيل أو يدرك ثأره. فيقول: من كان فرحاً بمقتل مالك، شامتاً بأوليائه، فلينزع ملابس المسرة وليطرح أردية الشماتة، فقد أدركت الأثار وأريقت الدماء، وشفيت الأدواء، وليحضر ساحتنا في أول النهار، ليرى أن ما كان محرماً من الرثاء قد حل، وأن الحظر الواقع ببكائه قد رفع، ويجد النساء مكشوفات الرءوس يذكرنه بما كان من فضائله، ويندبنه بأشهر أوصافه، وأعلى مراتبه ومحاله، فإن ذلك متصل من فعلهن غير منقطع في أطراف الليل والنهار، والآصار والأسحار، وبعضهم يرويه:
من كان محزوناً بمقتل مالك
والمراد الموالون، كما كان المراد بالأول المنابذين. وأكثر من رأيناه كان يروى فليأت نسوتنا ورأيت الأستاذ الرئيس أبا الفضل ابن العميد يقول: إني لأتعجب من أبي تمام مع تكلفه رم جوانب ما يختاره من الأبيات، وغسله من درن بشع الألفاظ، كيف ترك تأمل قوله فليأت نسوتنا. وهذه لفظة شنيعة. وكيف ذهب عليه تأمل قوله:
قلت لقوم في الكنيف تروحوا ... عشية بتنا عندما وان رزح
تنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكم ... إلى مستراح من حمام مبرح
حتى جمع بين كنيف ومستراح في بيتين. وتأمل أمثال ما ذكره وبينه من شرائط الاختيار.
قد كن يخبأن الوجوه تستراً ... فاليوم قد أبرزن للنظار
يضربن حر وجوههن على فتى ... عف الشمائل طيب الأخبار
يصفهن بأنهن ابتذلن أنفسهن للمصيبة وقد كان من قبل ستر الصيانة مسبلاً عليهن، لا يظهرن المعاري من الوجوه وسائر الأعضاء لأحد من الناس، لتسترهن وارتفاع محالهن ومناصبهن عن التبرز والتبرج، إذ كن بيضات خدور وربات حجال وستور. وقوله فاليوم قد أبرزن للنظار يريد الوجوه. وهن وإن رمين قناعهن،
стр. 683
وأظهرن محياهن فإن أحداً لا يطمع في الدنو منهن، والنظر إليهن، فيخرج إلى حد المنكر. وقوله يضربن حر وجوههن على فتى يريد ما ينلن من أنفسهن بالضرب والإهانة، إجلالاً للرزيئة، وافتداء للمرثى. والعف: العفيف، ومصدره العفة والعفاف. والشمائل: خليقة الرجل وطبيعته، واحدها شمال. وقولهه طيب الأخبار أي حديثه حسن في الناس لا يؤبن بدنية، ولا يوسم بنقيصة.
وقال كعب بن زهير
لعمرك ما خشيت على أبي ... مصارع بين قو فالسلى
ولكني خشيت على أبي ... جريرة رمحه في كل حي
من الفتيان محلول ممر ... وأمار بإرشاد وغي
ألا لهف الأرامل واليتامى ... ولهف الباكيات على أبي
قوله لعمرك مبتدأ وخبره مضمر، وفيه معنى اليمين، وجوابها ما خشيت. فكأن هذا المتوفي مضى لسبيله لعارض عرض له بين قو والسلى. وإنما قال " مصارع " لأنه جعل كل قطعة مما بين هذين الموضعين كالمصرع لواحد من الناس. فيقول توجعاً: وبقائك ما خشيت على هذا الرجل أن يصرع بين هذين الموضعين، ولكني كنت أخشى عليه جرائره في الأحياء، وتراته في القبائل. وعلى ما يدل عليه كلامه كان مات هذا المرثي حتف أنفه، فلهذا قال: لم أختش عليه القدر ين هذين المكانين ما خشيت عليه من جرائر رمحه في الأحياء.
وقوله من الفتيان محلول ممر تعلق من بمحذوف، كأنه قال: كان من بين الفتيان سهل الخلق، وطيء الجانب. والمحلولى هو الذي تناهى حلاوته. قال الخليل: افعوعل: بناء للمبالغة. على ذلك قولهم اعشوشب المكان، إذا تناهى عشبه؛ واحلولى، إذا تناهى حلاوته. والممر: الذي صار مراً. وليس هذامن قولهم: ما أمر وما أحلى، لأن ذلك معناه ما أتى بحلو ولا مر، ولكن يجب أن يكون من أمر الشيء فهو ممر، وفي بعض اللغات مر. قال:
لئن مر في كرمان ليلى لطالما
стр. 684
حتى يكون مثل محلول. وقوله أمار بإرشاد وغي وضع إرشاداً موضع رشاد، ألا ترى أنه قال وغي. وهم كما يستعيرون الاسم للمصدر يستعبرون المصدر للاسم، وكما يوضع العطاء موضع الإعطاء في قوله القطامى:
وبعد عطائك المائة الرتاعا
يضعون الإعطاء موضع العطاء. فعلى هذا وضع الإرشاد موضع الرشاد. وإذا كان كذلك فيجب أن يكون إرشاد هذا لا يتعدى، لوقوعه موقع الرشاد. وقوله ألا لهف الأرامل واليتامى الصدر من البيت تحسر لما أصاب الفقراء واليتامى بعد موته، إذ لم يكن في الدهر من يؤوبهم أو يمونهم. والأرامل: جمع أرمل، وهذه الصفة يشترك فيها المؤنث والمذكر، واشتقاقه من أرمل القوم، إذا نفدت نفقاتهم، وحقيقته صاروا من الفقر في الرمل، كما يقال أترب الرجل. والشهادة في اشتراك الرجل والمرأة في هذه الصفة قول جرير:
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
وقوله ولهف الباكيات على أبي هذا العجز تحسر للمتعلقين بحبله، والراجين ليومه وغده، والواصلين سببهم بسببه دون أولئك، فتكريره اللفظ يشتمل على هذا المعنى.
وقال:
في بعض تطواف ابن طع ... مة آمناً لاقى حمامه
وصدا له من خلفه ... يغتره لا بل أمامه
غر امرؤ منته نف ... س أن تدوم له السلامة
هيهات أعيا الأولي ... ن دواء دائك يا دعامة
стр. 685
قوله في بعض تطواف ابن طعمة قد أبرز اسمه، يقول: يا دعامة. فهو دعامة بن طعمة. وتطواف: بناء لما يشوبه في الوقوع أدنى تكلف. فكأن هذا الرجل كان جوالة، فاتفق عليه أن مات آمن ما كان، فأخذ يقتص حاله ويتحزن له، وجعل التطواف للجنس، وأضاف البعض إليه. وانتصب آمناً على الحال من لاقى حمامه، وإذا كان العامل في ذي الحال فعلا جاز تقديم الحال عليه.
وقوله وصدا له خفي عليه كيف اتفق مصرعه. ومعنى صدا له دعاه. ويجوز أن يكون فعل بمعنى تفعل، كأن صدا بمعنى تصدى له قائداً. والتصدي تعرض يختلط بازورار وإعراض. على ذلك قوله تعالى: " فأنت له تصدى ". يقول: تصدى له الحين سائقاً له يأتيه على غرة، بل تصدى قائداً لا سائقاً. كأنه لما خفي عليه من أين أتى لم يقطع الكلام على وجه واحد، بل تدارك وانتقل وهو بعد شاك، ولكن كأنه أومأ إلى جماع الطرق. وقوله:
غر امرؤ منته نف ... س أن تدوم له السلامه
معنى غر خدع على وجه له في الاستنامة إليه غرر. ويقال: ما غرك بفلان؟ أي لم أجترأت عليه وكان الوجه أن لا تجتزئ. على ذلك قوله تعالى: " ما غرك بربك الكريم ". ويقال: من غرك من فلان؟ أي من الذي جذبك عنه وحال بينك وبينه، وكان الوجه أن تكون مقبلاً عليه. ويقال: ما غرك من فلان؟ أي لم وثقت به وكان الحكم أن لا تثق به. فأما قوله منته نفس فإنما نكره لغرض ما، وهو أن لكل رجل فيما يهم به أو يرجوه أو يخافه نفسين: نفس تبعثه عليه، ونفس تصرفه عنه، فلهذا قال: منته نفس أن تدوم له السلامة، أي غرت تلك النفس امرأ جعلت من أمانيه دوام السلامة. يشهد لهذا الذي قلناه قول الآخر:
شاور نفسي طمع وخيبة ... تقول هاتي: لا، وهاتيك: بلى
ثم قال:
فشجعته نفس حرص طعمت ... وحذرته نفسه الأخرى الردى
وقوله:
هيهات أعيا الأولين دواء دائك يا دعامة
أراد بالأولين الأمم السالفة، وقد أعجزهم دواء الموت. وقوله هيهات استبعاد لوقوع ما تقدم ذكره، وهو أن تدوم له السلامة. وهيهات: اسم للفعل وهو
стр. 686
بعد، وفاعله ما دل عليه ما قبله، وكأنه قال: بعد ذاك أن يكون. على هذا قوله:
فهيهات هيهات العقيق ومن به ... وهيهات خل بالعقيق تواصله
وقال غوية بن سلمى بن ربيعة
ألا نادت أمامة باحتمال ... لتحزنني فلا بك ما أبالي
فسيري ما بدا لك أو أقيمي ... فأيا ما أتيت فعن تقال
يقول: أظهرت هذه المرأة من نفسها ارتحالاً عني لتجلب علي حزناً وغماً، ونادت بالفراق وكثرته على ألسنة الناس. ثم انصرف عن الإخبار عنها وأقبل عليها يخاطبها فقال: لا بك ما أبالي. وهذه اليمين فيها تهكم وسخرية، لأن من يحل من قلبه امرأة محلها لا يجعلها أهلاً للإقسام بها. فقولك لا بك، كقولك لا بالله. وما أبالي جواب القسم. وقيل: أراد لا بك أبالي، أي لا أبالي بك، ويكون ما صلة، والقسم في هذا الكلام على هذا. وروى فآبك ما أبالي فيكون دعاء عليها. ومعنى آبك: أبعدك الله، والشاهد في ذلك قوله:
وخبرتني يا قلب أنك ذو نهي ... بليلى فذق ما كنت قبل تقول
فآبك هلا والليالي بغرة ... تلم وفي الأيام عنك غفول
فإذا رويت لا بك فالبيت على كلامين، لأن لا بك ينفصل عما قبله، ويصير ما أبالي متصلاً به لأنه جوابه. وإذا رويت آبك فالكلام على فصول ثلاثة: فالفصل الأول أنها أرادت أن تدخل عليه جزعاً بالفراق، فكأنه أقبل قبلها ودعا عليها، ويكون الدعاء حشواً حسناً، وما أبالي كلاماً آخر، وينفصل ما أبالي عن الدعاء وعن الأول.
وقوله فسيري ما بدا لك أو أقيمي استهان بها وبفراقها، فخيرها بين السير ما بدا لها وأرادته، وبين الإقامة، ثم قال: فأي الأمرين اخترت فعن تقال لي إياه. وإنما قال تقال ولم يقل قلى، لأن في التقالي زيادة معنى، وهو أن يحدث الفعل شيئاً بعد
стр. 687
شيء. على ذلك قوله تداعى البناء وما أشبهه. وقوله فأياً ما أتيت أياً انتصب بأتيت، وما صلة، ومن شرط أي أن يجيء مضافاً، فأفرده هنا لما كان المضاف إليه معلوماً. على ذلك قوله تعالى: " أيا ما تدعوا فله الاسماء الحسنى ". ألا ترى أن المعنى أي الأسماء تدعوا. ولما كان السير منها أحب إليه علقه بما وسع أمده فقال: ما بدا لك، ولم يشترط في الإقامة شيئاً. وقوله فعن تقال، عن تقتضي فعلاً مضمرا، كأنه قال: أي الأمرين أتيت أتيت عن تقال مني، فحذف الثاني، لأن الأول يدل عليه. وحذف مني أيضاُ لأن في الكلام عليه دليلاً. وما بدا لك في موضع الظرف. وبدا هذا من البدوك الظهور، وليس من البداء: التحول، لأن المعنى سيري مدة ظهور السير في رأيك. ففاعل بدا السير، ودل عليه سيري لأن الفعل يدل على مصدره كما أن المصدر يدل على فعله.
فكيف تروعني امرأة ببين ... حياتي بعد فارس ذي طلال
وبعد أبي ربيعة عبد عمرو ... ومسعودد وبعد أبي هلال
أصابتهم حميدين المنايا ... فدى عمي لمصبحهم وخالي
أولئك لو جزعت لهم لكانوا ... أعز علي من أهلي ومالي
أخذ يتعجب من نفسه وممن يظن به أنه يقف موقف من يفزعه امرأة بفراق، فقال: كيف يكون ذلك مدة حياتي بعد أن فجعت بفارس هذا الفرس. وذو طلال كان اسم فرسه، وحياتي انتصب على الظرف، أي مدة حياتي؛ لأنه حذف اسم الزمان معه. ثم عدد بعد ذكر هذا الفارس من فجع به من عشيرته حالاً بعد حال، ووقتاً بعد وقت، ذكر أبا ربيعة ومسعوداً وأبا هلال، وهؤلاء كانوا حماة العشيرة وفرسان الكتيبة، فلهذا خصهم بالذكر وشهر نفسه بالتوجع لهم. ولو كانوا على غير هذه الصفة لما استحسن لنفسه الاعتداد بهم في الحالة التي ذكرها.
وقوله أصابتهم حميدين المنايا حميدين انتصب على الحال، يريد أن أيامهم سلمت من شوب العار، وقباحة الذكر، وأنهم أصيبوا وهم مشكورون محمودون بلسان القريب والبعيد، والأجنبي والنسيب. وقوله فدى عمي لمصبحهم وخالي كلام منقطع مما قبله، وهو كالالتفات. كأنه أقبل على مخاطب فقال: أفدى ممساهم ومصبحهم بأطرافي العمومة والخوؤلة. وذكر المصبح وكأن الممسي معه منوي، لأن طرفي النهار مذكوران في الغارة والضيافة وما يشبههما من الإساءة والإحسان. وقيل
стр. 688
الممسي يتصل بأول حد الليل، وكذلك المصبح يبتدئ من أول حد النهار. وقيل إن الممسي يستحقه الوقت إلى أن ينقضي شطر من الليل، وكذلك المصبح يستحق إلى أن ينقضي شطر من النهار. والغرض في التفدية التي تبرع بها هو إظهار اليأس والتفجع في إثر أوقاتهم وأفعالهم فيها.
وقوله أولئك لو جزعت لهم لكانوا إقرار بأنه لم يوف الجزع فيهم حقه، ولو وفي لكان ذلك يوجب عليه الزهد في العشيرة والأهل والمال، وسائر ما يطيب العيش به وله. فالشرط الذي ذكره ليس هو شرطاً فيما يوجبه التوجع في كونهم عزيزاً، لأنهم أعزاء عليه في كل حال، وإنما هو شرط فيما يوجبه التوجع للمتوفي لو تكلف على وجهه وكنهه، لكأنه قال: لو أعطيت الجزع حكمه لكان حالي حينئذ بخلاف حالي الساعة، ولكان لي عذر في ذلك، لأنهم أعز علي من أهلي ومالي، لكني تركت ذلك اقتداء بالناس في جزعهم لمصابهم. فذكر السبب في أن ما يظهر منه ليس يعده شيئاً مغنيا مع ما يستحقونه. وهم يكتفون بذكر السبب عن المسبب وبذكر المسبب عن السبب كثيرا.
وقال قراد بن غوية
ألا ليت شعري ما يقولن مخارق ... إذا جاوب الهام المصيح هامتي
ودليت في زوراء يسفى ترابها ... علي طويلاً في ثراها إقامتي
تقدم القول في ليت شعري وأن خبر ليت يحذف أبداً كما يحذف خبر المبتدأ بعد لولا، وأن شعري بمعنى علمي، ويصير ما بعده ساداً مسد مفعوليه كما يسد جواب لولا مسد خبر المبتدأ بعده. وإنما تمنى أن يعلم موقع مصابه من مخارق على حسن تربيته له، وحميد تعطفه عليه، وميله مدة عيشه إليه. وكيف يجزع له ويقلق لفراقه إذا حدث به قضاء الله ودخل في جملة الأموات، وجاوب صداه أصداءهم. وهذا على عادتهم فيما كانوا يقولونه من أن عظام الموتى تصير أصداء وهاماً؛ حتى قال النبي ﷺ : " لا عدوى ولا هامة ولاصفر ". ويقال صاح يصيح، فإذا أريد
стр. 689
المبالغة قالوا صيح. ويقال: سمعت الصيحة في الغارة وما أشبهها، وسمعت الصائحة، في صيحة المناحة. وقوله " ما يقولن مخارق " أدخل النون الخفيفة لتؤذن بالاستقبال، وموضع النونين الخفيفة والثقيلة الاستفهام وكل ما ليس بواجب، وإذا ظرف ليقولن، وجاوب جملة مضاف إليها وشرح إذا بها.
وقوله " ودليت في زوراء يسقى ترابها " أي أدخلت فأرسلت في حفرة معوجة، يعني اللحد، وقوله " يسفى ترابها علي " أي يهال ترابها عليه إذا دفن فيها. وقد مضى القول في السافياء والسوافي، إلا أنه يقال سفت الريح التراب سفياً، ثم قالوا: سفى التراب يسفى، والتراب ساف، وهو من باب فعل وفعلته. وقال بعضهم: كان يجب أن يقال في التراب مسفى فقيل ساف، كقولهم عيشة راضية وإنما هي مرضية. وقال الخليل: السفا: اسم ما تسفيه الريح من التراب وغيره. وطويلاً: انتصب على الحال، والعامل فيه دليت، وإقامتي في موضع الرفع على أنه فاعل طويلاً. والمقبور هكذا مقامه في الثرى. وهذا اقتصاص حاله عند ما تمنى معرفته من جهة مخارق إذا حصلت له من التلهف والتوجع. ثم استمر في ذكر الحال فقال:
وقالوا ألا لا يبعدن اختياله ... وصولته إذا القروم تسامت
وما البعد إلا أن يكون مغيباً ... عن الناس منى نجدتي وقسامتي
يريد: وقال الناس مكبراً ما يقع بي، ومظهراً الفجيعة لي: لا يبعدن اختياله وصولته، يعني كبره وحميته، وبأسه وبطشه، إذا حصل بين الصفين، فتدافعت فحولة الرجال، وتزاحمت أركانهم في القتال أو الجدال. وقد تقدم القول في لا يبعدن وما أشبهه. والقرم: جمع القروم، وهو الفحل أقرم، أي ترك حتى استقرم، وهو المكرم لا يحمل عليه شيء، وإنما يترك للفحلة. ويقال قرم ومقرم. على ذلك قوله:
إذا مقرم منا ذرا حدّ نابه ... تخمط فينا ناب آخر مقرم.
ومعنى تسامت تبارت في السمو ذكراً وحالاً.
وقوله وما البعد إلا أن يكون مغيباً يقول: إن الانتفاع بهذا القول إعظاماً للرزء ليس يقع، لأن البعد كل البعد في الموت، الذي يتغيب به عن الناس ما شملهم من
стр. 690
معونتي ومغوثتي، وإحساني وإفضالي، ويقال رجل نجد، وهو ظاهر النجدة. ورجل قسيم وسيم: ظاهر القسمة والوسامة. كأنه أراد بالقسامة ما قسم في الخلق من طوله. وكذلك قولهم: رجل مقسم الوجه، يرجع إلى هذا، لأن المعنى ما قسم في أعضائه من الحسن، فكل عضو يمت بمثل ماتة صاحبه. والقسامة: الجماعة يشهدون على الشيء ويقسمون مع الشهادة.
أيبكي كما لو مات قبلي بكيته ... ويشكر لي بذلي له وكرامتي
وكنت له عماً لطيفاً ووالداً ... رؤوفاً وأماً مهدت فأنامت
قوله " أيبكي " هو بيان ما تمنى معرفته من أحوال مخارق عند مفارقته له، فقال: ليتني علمت هل يوفى الجزع حقه، كما لو أصبت به كنت أوفيه، ويرثي لي بمثل ما كنت أرثيه؛ وهل يشكر آلائي لديه، وإقبالي عليه، وإحساني إليه مدة حياتي أم لا. فحذف لا لأن المراد مفهوم، أنه يريد أيكون ذلك أم لا. وعلى ذلك قول القائل: ليتني علمت أزيد في الدار إذا سكت عليه، فلا بد من أن تريد أم لا.
وقوله " وكنت له عماً لطيفاً "، أي كنت جمعت له مدة عمري وما اطرد في نفسي، بين حدب الآباء وشفقتهم، ولطف العمومة وتوفرهم، وتفقد الأمهات وإشبالهن. والمعنى: كنت أتنقل له في الأحوال بين ما يأتيه العم في وقت لطفه أو يأتيه الوالد وقت رأفته، أو الأم وقت تربيتها ولطفها. وقد سارت هذه اللفظة، وهي أم مهدت فأنامت مثلاً فيما ينشر من إحسان الغير إلى الغير. ويقال: ما امتهد فلان عندي مهد ذلك، أي ما وطد لنفسه. وقد أخرج في معرض آخر فقيل:
كما مهدت للبعل حسناء عاقر
وروى بعضهم: " ويشكرني بذلي له وكرامتي " على أن يكون بذلي بدلاً من المضمر في يشكرني.
стр. 691
وقال مسجاح بن سباع
لقد طوفت في الآفاق حتى ... بليت وقد أنى لي لو أبيد
وأفناني ولا يفنى نهار ... وليل كلما يمضي يعود
وشهر مستهل بعد شهر ... وحول بعده حول جديد
ومفقود عزيز الفقد تأتى ... منيته ومأمول وليد
يقول: جلت في نواحي الأرض شرقها وغربها، عافياً وطالباً بما يطلب به مثلي المال والجاه، والعز والفخر، إلى أن مسني الكبر، وتسلط علي البلى والهرم، وضعف الأمل في البقاء بحسب قوة الخوف من الفناء، فقد آن لي أن ألحق السابقين إن قدر لي ذلك. وقوله أنى لي يقال أنى وآن بمعنى، وفاعله ما دل عليه لو أبيد، والمعنى أنى لي البيود إن كتب وقضى علي.
وقوله وأفناني ولا يفنى نهار جمع بين فعلين، على قوله نهار، لكنه أعمل الثاني، وهو المختار. المراد: أُثر في قواي مضى نهار لا يتقضى، وتجدد ليل لا يتصرم، بل كلما يمضي واحد عاد بدله آخر، وكذلك أفناني، أي أفنى جدتي وغنائي، شهر ينسلخ بعد استهلاله، إلى وقت استكماله، وسنة يتبعها مثلها، فلا يعرف قضاؤها. ثم ما يلحقني في أثناء تلك الليالي والأيام، والسنين والأعوام، من فقد من أعتمده ليومي وغدي، وخلافتي بعد موتي وأستكفله ولدي، وأسترعيه هملي. هذا مع كماله في فضله، وبراعته وطوله، والإشادة بالتنويه إليه من كل جانب، والشهادة له بالتبريز من كل فاضل. ومن ولادة طفل يعلق الرجاء بنشئه، وتجمع أسباب الطمع في حياته، ويشغل الوقت بتربيته والترفرف عليه عوضاً مما كان له من كاسبه وكافله، ورحمة لبقائه بعد من كان يعز عليه، وعقب من هنئ فيه فلم يهنأه.
وإذا تأمل الناظر ما اقتصه هذا الشاعر في هذه الأبيات على قلتها، من امتحانه بالكبرة والسن، وتراجع القوة بمآخذ الدهر، ومع التجوال في البلدان، ومقاساة الشقاء في الحل والترحال، والتنقل في الأحوال، ثم مرور الأيام وكرورها بما لا يسر عليه، إلى أن رفع الطمع عما كان تجمعه يده ونفض اليد مما كان يشده قبضه، ثم المصاب
стр. 692
في الكامل البارع، وتعليق الرجاء بالطفل الدارج وجد عيشه على العكس مما وصفه امرؤ القيس في قوله:
ألا أنعم صباحاً أيها الطلل البالي ... وهل ينعمن من كان في العصر الخالي
وهل ينعمن من كان أقرب عهده ... ثلاثين شهراً أو ثلاثة أحوال
وهل ينعمن إلا خلي مخلد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال
فتأملها فإنها عجيبة.
؟؟؟؟؟؟؟؟ //وقال حران بن عمرو بن عبد مناة يرثى زيد الفوارس وغيره من أبناء عمومته:
تبكي على بكر شربت به ... سفها تبكها على بكر
هلا على زيد الفوارس زي ... د اللات أو هلا على عمرو
تبكين لارقأت دموعك أو ... هلا على سلفى بنى نصر
هذه امرأة ضايقت الشاعر - وهي من بطائنه - في بكر باعه واشترى بثمنه خمراً، فأخذ يذكر حالها وينكر بكاءها، فقال: تبكي هذه المرأة على بكر شربت به، أي شربت خمراً سبأت بثمنه. ويروى (شربت به) ، ويكون أظهر.
ثم قال، بعد أن أخبر عنها بما أخبر، كالمتلفت إلى إنسان بحضرته: سفها تبكيها على بكر. فانتصب سفها على المصدر، وهو المفعول له. وتبكيها في موضع رفع بالابتداء، وعلى بكر في موضع الخبر، أي لسفها فعلت ذلك، لأنه لم يبلغ من قدر بكر ماتكلفته. ولو روى: سفه تبكيها على بكر، فجعل التبكي هو السفه لم يمتفع، وكان خبراً مقدما، وعلى بكر يكون لغواً.
стр. 693
قوله (هلا زيد الفوارس) إلى آخر البيت، هلا حرف تحضيض وهو يطلب الفعل، وذلك الفعل هو تبكين. يخاطبها، أي هلا تبكين على هؤلاء الجبال التي انهدت، والبحور التي غاضت بزيد الفوارس أو عمرو. ثم دعا عليها فقال: لاأرقأ الله دمعك، أم هلا تبكين على سلفى بني نصر. وإنما ثنى السلف لأنه أراد العمومة والخؤولة.
خلوا على الدهر بعدهم ... فبقيت كالمنصوب للدهر
إن الرزيئة ما أولاك إذا ... هز المخالع أقدح اليسر
أهل الحلوم إذا الحلوم هفت ... والعرف في الأقوام والنكر
يقول: مضوا لسبيلهم، وانتقلوا إلى جوار من هو أملك بهم، وتركوا أعباء الدهر على ظهري، فهي تثقل علي وتعرضني لنوائبه وأحداثه، فأنا كالغرض المنصوب له، ليس لي من يتحمل عني، ولا من يؤازرني أو يشد أزرى. ومعنى (خلوا على الدهر) أي صرت فريسة للدهر، فكأنهم هم الذين أغرزوه بي لما ذهبوا عني وأفردوني. وهذه اللفظة تستعمل في إغراء الجوارح على الصيد.
وقوله (إن الرزيئة ما أولاك) إلى آخر البيت، يريد: المصيبة كل المصيبة هم أولاك إذا اشتد الزمان وأسنت الناس، واحتيج إلى مجامع الآيسار، لإصلاح أمر الفقراء والأيتام، فلم يوجد من يرجع إليه أو يعتمد على إفضاله وتفقده. وقوله (ما أولاك) ماصلة. ومعنى هز أجال. والمخالع: المقامر. والمخالعة: القمار. وقيل إنما سمى مخالعاً لأنه هو المولع باليسر، فهو الذي يخلع مال غيره وينخلع هو أيضاً من ماله، منافسة وحرصاً على الميسر واكتساب الحمد فيه وله. وقوله (إذا هز) هو ظرف لما دل عليه (ما أولاك) .
يريد أن الرزيئة افتقار الناس إلى أولئك في مثل هذا الوقت فلا ينالون. وقوله (أهل الحلوم إذا الحلوم هفت) بصفهم بالرزانة فيقول: إذا دهم من الأمر ما تهفو فيه العقول وتزل فيه الأقدام، فهؤلاء لأصالة آرائهم يثبتون عند المزاولة، ويداوون الأمور بدوائها من غير طيش ولا سفه، ولا تجاوز حد وعنت. وقوله (والعرف في الأقوام) أراد: وهم أهل العرف والنكر في الأقوام. يعنى أنهم ينزلون الأقوام منازلهم من الموالاة والمداجاة، فمن داجى كان له النكر منهم، ومن والى كان له العرف.
стр. 694
وقال زويفر بن الحارث بن ضرار
ألم تر أني يوم فارقت مؤثراً ... أناني صريح الموت لو أنه قتل
يروى (صريخ الموت) بالخاء المعجمة (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) والنبي ﵇ لم ير ذلك. فيقول: أعلم أني يوم فارقت هذا الرجل ورد على مايجري مجرى الموت الصريح الخالص لو أنه قتلني وأنى علي، ولكن القدر ثبت قدمي في الأحياء، فلم يخلني للموت. ومن روى (صريخ) بالخاء و (قبل) بالباء فالمراد: أتاني داعي الموت. والصريخ يكون المستغيث والمغيث جميعاً، والمراد أتاني داعي الموت لو أنه قبلني لكنت لا امتنع من إجابته لما استدعى، وإغاثته لما استغاث، لكنه لما بقاني ولم يأخذني فكأنه لم يقبلني.
وكانت علينا عرسه مثل بومه ... غداة غدت منا يقاد بها الجمل
تقدير البيت إذا أزيل ما فيه من هجنة التقديم والتأخير: وكانت علينا عرسه غداة غدت منا يقاد بها الجمل مثل يومه. والمعنى: كانت مفارقة عرسه لنا غداة انتقالها عنا، وقد حملت الجمال وقيد بها ظعينتها مثل يوم فقده، أي كان ذلك اليوم مثل ذلك اليوم. كأنهم كانوا ألفوا من مقامها أيام عادتها أنسابها، وببقاء دارها على ماكانت تعهد من قبل، فلما رأت من التنقل مارأت، وخلت الديار منها ومن أسبابها وتغيرت، عادت المصيبة على أحيائها جذعاً، والشر مستفحلاً.
وكان عميدنا وبيضة بيتنا ... فكل الذي لاقيت من بعده جلل
أي كان رئيسنا والمصمود بالحاجات فينا، وأصل بيتنا وأساس فخر، وقد تقدم القول في بيضة البلد، وأنه يستعمل في المدح والذم. فاما بيضة الخدر وبيضة البيت فلا يستعملان إلا في المدح. وقد صيغ من البيضة هذا فعل، حكى ابن الأعرابي قال: يقال اجتاحوهم وابتاضوهم، إذا استأصلوهم. وقوله فكل الذي لاقيت من بعده جلل أي صغير هين في جنب مالاقيناه فيه. والجلل يستعمل في الصغير والكبير. وقال بعضهم: المراد ببيضة البلد أنه المعروف الموضع، المرجوع
стр. 695
إليه في كل مهم، كما يرجع صاحب الأدحى إلى أدحيه كيف توجه فيه المرعى، وأنى انتجع ورعى. والأجواد أن يكون المراد به وقد أضيفت إلى البيت، وهو بيت الفخر والعز، أنه الأصل والجرثومة، كما حكى عن أبي بكر ﵁ أنه قال: " نحن عترة رسول الله التي خرج منها، وبيضته التي تفقأت عنه ".
وقال ابن عنمة الضبي
في مقتل بسطام بن قيس:
لأم الأرض ويل ما أجنت ... بحيث أضر بالحسن السبيل
يعظم شأن الارض كيف ترشحت لستر بسطام فيها، ومن أين صارت يتسع بطنها له ميتاً وهي تضيق عن أفعاله وذكره حياً. وقال الأصمعي في تفسير ويل إنه قبوح. ولك أن تقول لإم تتبع حركة الهمزة حركة اللام. وارتفع ويل بالابتداء وإن كان نكرة، لأنه علم أنه دعاء، فحصل به مثل فائدة المعارف. ومعنى لام الأرض ويل، فهو في لفظ ما وقع. وقوله " ما أجنت " ما استفهام، وموضعه مفعول أجنت. يقول: سترت رجلاً وأي رجل، أي سترت جليلاً من الأملاك رفيع بناء العز، واسع باع الفخر. وقوله بحيث أضر جعل حيث اسماً. ومعنى أضر: دنا. والحسن، حتى نكون مثلناه على المذهبين جميعاً.
نقسم ماله فينا وندعو ... أبا الصهباء إذ جنح الأصيل
يقول: نقسم فواضل ماعندنا من غنائم غزواته وما بقاه ولم يقسم فينا لوقت يختاره له، فبقى بعده. وفي اقتسام تلك الأموال ما يهيج الحسرات، لأوقات الغارة في البكرات. ثم قال وندعو أبا الصهباء إذ جنح الأصيل يشير إلى وقت الأضياف، وأن الحي في ذلك الوقت يصير ضجة واحدة، تلهفاً في إثر الفائت، وتذكراً له، وتوجعاً لما فقد من المستانف من تلك الرسوم واستمرارها. ومعنى ندعوه نندبه
стр. 696
ونقول: وابسطاماه! وإنما قال ماله لأن ما اجتمع بسعيه وحده، وبأسه وسطوته، كان له. ومعنى جنح مال. والأصيل العشية. وأبو الصهباء: كنية بسطام.
أجدك لن تراه ولن تراه ... تخب به عذافرة ذمول
ألم في هذا بقول النابغة:
يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم
كأنه لشدة الأمر عليه يكذب المشاهدة ويدع التصديق بها في الوقت بعد الوقت، إما استعظاماً للحال، وإما لآفة تلحق العقل، وضعف يتخلل التحصيل، فكأنه بعدما اقتص من الحال ما اقتص، وشرح من الفجع ماشرح عاودته تلك الحالة وعادته، فاقبل على نفسه يستثبتها وقال: أعلى جد منك، وانجد جدك، أنك في مستقبل الأوقات لا تراه متمكناً منه قريباً، على عادتك في حال الأمن معه، ولا تراه أيضاً من بعيد في الغزو وتسير به الخبب راحلة قوية خفيفة.
وقد ظهر بما ذكرته فائدة تكرار حرف النفي في كلامه، لأن لن نفى قول القائل أسيفعل كذا زيد؟ فيقول: لن تفعل. فقوله لن تراه نفي الرؤية في حال السلم، ولن تراه نفى لها في حال الغزو. وتخبء به في موضع الحال.
حقيبة رحلها بدن وسرج ... تعارضها مريبة دؤول
إلى ميعاد أرعن مكفهر ... تضمن في جوانبها الخيول
يقول: تخب به ناقة بهذه الصفات وقد شد في الحقيبة التي ارتدفها درع قدر ما يستر البدن، وسرج لما جنب معه من فرس تعارض هذه الناقة في السير؛ وهي لعزها وكرمها على ربها، ربت في البيوت ولم تترك هملاً، وسيرها الذميل. ويقال رببته بالتشديد بمعنى. والدألان: ضرب من السير. والاحتقاب: شد الحقيبة من خلف، وكذلك الاستحقاب.
стр. 697
وقوله: إلى ميعاد أرعن يعنى به جيشاً كانه رعن جبل. وقيل: جيش أرعن: له فضول. والرعن: أنف يتقدم من الجبل، والجميع الرعان والرعون. مكفهر، أي مرتفع عال. وقوله تضمن في جوانبها الخيول أي تقرن الخيل بالإبل في جوانبها، إذ كان لكل رجل راحلة وفرس يقوده معه.
ومثل هذا قوله:
خصفن بآثار المطي الحوافرا
يقول: تسير به راحلة معها جنيبة، إلى ميعاد أرعن، أي جيش كثير ضمن جوانب رواحلها الخيول. ويروى: (تضمر في جوانبها) بالراء، والمعنى تصنع الخيول وتعدى في القرتين في جوانبها. والمراد أن فرسان هذه الكتيبة دأبهم ذلك.
لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول
أقبل يخاطب المرثى بعد الإخبار، على عادتهم في الكلام.
وقال أبو عبيدة: كان رئيس القوم في الجاهلية إذا غزا بهم فغنم أخذ من جماعة الغنيمة ومن الأسرى والسبى على أصحابه المرباع، وهو الربع، فلذلك قال (لك المرباع منها) فصار هذا الربع الذي كان في الجاهلية للرئيس في الاسلام خمساً. وكان له الصفى: واحد الصفايا من جماعة الغنائم والأسلاب والكراع قبل القسمة، وهو أن يصطفى لنفسه شيئاً: جارية أو سيفاً أو فرساً أو ماشاء، وبقى الصفى على حاله في الإسلام: اصطفى النبي ﷺ سيف منبه ابن الحجاج ذا الفقار يوم بدر، واصطفى جوير ية بنت الحارث من بني المصطلق يوم المريسيع، فجعل صدقتها عتقها وتزوج بها، واصطفى صفية بنت حي ففعل ذلك بها.
وقال أبو عبيدة: وكان له النقيعة أيضاً، وهو بعير ينحره قبل القسمة فيطعمه الناس كذلك. قال:
إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم ... ضرب القدار نقيعة القدام
قال: وسقط في الإسلام النقيعة.
стр. 698
قال: وله حكمه، وهو أن يبارز الفارس فارساً قبل التقاء الجيشين فيقتله ويأخذ سلبه. والحكم فيه إلى الرئيس، إن شاء نفله وإن شاء رده إلى جملة المغنم. وهذا باق في الاسلام.
وله أيضاً (النشيطة) وهو ما انتشط من الغنائم ولم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب. فبقيت في الإسلام. وفدك من ذلك، لم يوجفوا عليه فكان للنبي ﷺ خاصة.
قال: وكان للرئيس البسيطة، وبعضهم يسميها البسط، وهي الناقةأو الحجر معها ولدها، فتجعل هي وولدها في ربع الرئيس ولا يعتد عليه بالولد.
وقال: وسقط البسيطة في الاسلام.
وكان له (الفضول) وهو ما فضل بعد القسمة ويعجز عن عدد الغزاة، أو لا يتناوله القسم، وهذا سقط أيضاً في الاسلام. قال أبو عبيدة: غير أني حدثت عن مجاهد أنه قال في قوله تعالى: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول) ، قال: هو ما شذ من الغنائم، كالفضول. وقيل إنها منسوخة.
أفاتته بنو زيدبن عمرو ... ولا يوفى ببسطام قبيل
فخر عللا الألاءةلم يوسد ... كأن جبينه سيف صقيل
قوله (أفاتته) فات يتعدى إلى مفعول. تقول: فاتني الشيء، فإذا أدخلت عليه حرف التعدية تعدى إلى مفعولين. فإذا كان كذلك فأحد المفعولين محذوف، كأنه قال: أفاتت الناس بنو زيد بن عمرو بسطاماً، أي الانتفاع ببسطام. وقوله (ولا يوفي ببسطام قبيل) بالباء يروى، والمعنى لا يوفى بدمه قبيل، كأن القبيلة بأسرها مطالبون بدمه ووافون به إذا أتى بهم كلهم. وهذه الرواية أقرب إلى مايدل عليه صدر البيت وأشبه. ويروى (قتيل) بالتاء، ويكون الكلام تحسراً، والمعنى لا يوفى بدم بسطام دم قتيل. ويقال وفى وأوفى بمعنى واحد.
وقوله (فخر على الألاءة) ، معناه سقط. والألاءة: شجرة ولم يوسد، يستعملونه كثيراً في القتيل، وليس ذلك لأن القتلى بعضهم يوسدون. وقد يقال (وسد يمينه في ضريحه) ، وهذا أيضاً مثل؛ لأن الميت لا يوسد يمينه، وإنما
стр. 699
يراد: تجافى المكان به في حالتي الدفن والقتل، وقوله (كأن جبينه سيف صقيل) يريد وجهه وإشراق لونه.
وقال الهذلول بن هبيرة
ألكني وفر لابن الغريرة عرضه ... إلى خالد من آل سلمى بن جندل
فما أبتغى في مالك بعد دارم ... ولا ابتغى في دارم بعد نهشل
وماأبتغى في نهشل بعد جندل ... إذا ما دعا الداعي لأمر مجلل
وما أبتغى في جندل بعد خالد ... لطارق ليل او لعان مكبل
قوله (ألكني) أي أعنى على أداء ألوكتي، وهي الرسالة. وقد تقدم القول في هذه اللفظة؛ وأن أصلها آلكني، فقلب وقدم اللام على الهمزة فصار ألئكني، ثم حذفت الهمزة استخفافاً وألقيت حركتها على اللام فصار ألكني.
وقوله (وفر لابن الغريرة عرضه) معناه اترك عرضه وافرا. يقال وفرته أفره وفرا، وهو موفور. والمراد: خص برسالتي خالداً واترك ابن الغريرة جانباً، لا تذكر له قبيحاً ولا توله مكروهاً. والرسالة ابتداؤها: (فما أبتغى في مالك) . والشاعر رتب أفخاذاً وبطوناً، وذكر أن كل واحد منها كان له رئيس يدور أمره عليه، ويعتصم بأمره في الملمات. وأنه بعد افتقاد ذلك فيهم فلا طائل ولا خير عند واحد منهم. ألا تراه قال: فما أبتغى في بني مالك بعد خروج بني دارم منهم، وماأبتغى في بني دارم بعد خروج بني نهشل منهم، وما أبتغى في بني نهشل إذا صرخ الصارخ لأمر عظيم بعد خروج جندل منهم، وما أبتغى في بني جندل لسار يسري بليل يطلب الضيافة، أو أسير مكبل يطلب من يفك أسره بعد أفتقاد خالد. كأنه كان يأخذ بعضهم بما يتماسك به البعض الآخر، وذلك البعض يتماسك بآخر إلى آخر القصة. وهذا على مارتبه في نهاية الحسن. وقوله (أمر مجلل) أي معظم. والكبل: القيد، ورجل مكبل.
وقال إياس بن الأرت
ولما رأيت الصبح أقبل وجهه ... دعوت أبا أوس فما إن تكلما
стр. 700
وحان فراق من أخ لك ناصح ... وكان كثير الشر للخير توءما
لما علم للظرف، وهو لتوقع الشيء لوقوع غيره، ولذلك احتاج إلى الجواب، وجوابه هنا دعوت. فيقول: لما دنا الصبح وأقبل وجهه ينفلق ويقبل، دعوت هذا الرجل - يعني المرثى - فما أجاب. وإنما خص وقت تنسم الصبح، لأن المريض يخف فيه، فكأنه على عادته في تمريضه، وتعرف خبره، وتحدبه عليه في العارض له، دعاه فوجده ثقيلاً، لا يجيب ولا ينطلق لسانه، فتيقن منه قرب المفارقة، والبعاد بعد المقاربة، فلذلك قال: (وحان فراق من أخ لك ناصح) . ومعنى حان: قرب. والنصاحة: صفاء الود، وخلوص العقيدة من الغل. وقوله (وكان كثير الشر) يعني مع منابذيه ومشاقيه. ولن يكمل الفتى حتى يكون مستصلحاً للخير والشر، فيحل الناس محالهم، ويوفيهم مستحقاتهم، إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً.
وقد عمل لطيفة في الصفة الثانية فقال (للخير توءما) فجعل الخير ولد معه فنشأ بنشئه. يقال: غلام توءم، للذي ولد معه غيره. وأتأمت المرأة فهي متئم. واشتقاقه من الوأم، والتاء فيه بدل من الواو، كالتاء في تكأة وما أشبهها، والجمع تؤام، وفعال في الجمع قليل. كأن الولد واءم غيره في الاتيان، أي وافق وفي المثل: (لولا الوئام هلك اللئام) . وقد استقصيت القول فيه شرح كتاب الفصيح.
تتابع قروش بن ليلى وعامر ... وكان السرور يوم ذاك مدمدماً
يريد: أنهم قد تداعوا في الذهاب، وتقاطروا في الموت، فمات الواحد بعقب الواحد، كأنهم دعوا بلسان واحد فأجابوا، وكان السرور يوم مات ملقى مهلكاً غير باق، لأن كل من سمع بموته أخذ قسطاً من الجزع له فخفى سرور الناس وظهر جزعهم، وقوله (يوم مات) يعني أبا أوس. هذا من باب ما خص البعض بشيء من دون الجملة، فأعيد ذكره. والدمدمة: الإهلاك والاستئصال. وفي القرآن: فدمدم
стр. 701
عليهم ربهم بذنبهم. ويروى: (وكان السرور يوم ذاك مذمما) :
هممت بأن لا أطعم الدهر بعدهم ... حياة فكان الصبر أبقى وأكرما
قوله: (بأن لا أطعم الدهر بعدهم) انتصب أطعم بأن، ولو رفع لجاز على أن يكون أن مخففة من الثقيلة، ويكون إسمه مضمراً، والفعل مع ما بعده خبر كأنه قال: هممت بأني لاأطعم حياة بعدهم، أي كنت وطنت نفسي على الزهد في الحياة، وجعلت قتل نفسي من همي، ثم نظرت فكان الائتساء بالناس في مصائبهم، والصبر على مقاساة البلاء معهم، أبقى في الذكر، وأحسن في الأحدوثة، وأكرم عند عد الأفعال وعرضها على العقول. وروى: (أتقى) بالتاء المعجمة، والمعنى أوقى، لأن التاء مبدلة من الواو، أي أصون للدين والعرض.
وقال قبيصة بن النصراني الجرمى
ألا يا عين فاحتفلي وبكى ... على قرم لريب الدهر كاف
وما للعين لا تبكي لحوط ... وزيد وابن عمهما ذفاف
وعبد الله يا لهفي عليه ... وما يخفى بزيد مناة خاف
وجدنا أهونالأموال هلكاً ... وجدك ما نصبت له الأثافى
يقول: ياعين جاء وقت البكاء فتهيئي له، واجمعي دموعك ثم فرقيها، ولا مساغ لتقصير، ولا مجال لتعذير. والحافل من الغنم: التي جمعت اللبن في ضرعها. ومعنى بكى: أكثري البكاء أو كرريه. والقرم: الكريم من الرجال، وأصله في الفحول، وكذلك المقرم، وقد تقدم ذكره.
وقوله (لريب الدهر كاف) قد حذف أحد مفعولي كفى، كأنه كاف الناس ريب الدهر، أي ما راب من أحداثه.
ثم عدد من فجع به من أعزته فوجب البكاء له، ليعلم عظيم شقائه وما أصيب به في أودائه.
стр. 702
وقوله (يالهفي عليه) يجوز أن يكون المنادى محذوفاً كأنه قال: وعبد الله لهفي عليه يا قوم. ويجوز أن يكون نادى اللهف ليرى عظيم حسرته، وكمال شقوته في فجيعته.
وقوله (وما يخفى بزيد مناة خاف) يجوز أن يكون موضعه رفعاً على أنه يرتفع بيخفى، فكأنه قال: ما يخفى خاف بزيد، أي زيد مناة لا يخفى، لأن الخافي هو زيد، وهذا كما تقول: لقيت بزيد أسداً. ويجوز أن يكون قوله (بزيد) هو الفاعل والباء فيه مثل الباء في قوله تعالى: (وكفى بالله شهيداً) . والمعنى ما يخفى زيد مناة خفاء، وخاف في موضع خفاء، لكنه لم ينصبه كما لم ينصب قوله:
كأن أيديهن بالقاع القرق
ومثله:
كفى بالنأي من أسماء كاف
وقمت قائماً، وعذت بالله عائداً. وقد مضى مثله.
وقوله (وجدنا أهون الأموال هلكاً) كأنه نبه به على ما كانوا يقيمونه من الضيافة، وينفقونه من الأموال في العفاة وأبواب البر والإحسان، وأن أهون الأموال هلاكاً على نفوس الكرام وأخفها في الصدور والقلوب ما وقف على الأضياف، وصرف إلى مآكلهم، وكذلك من أشبه الأضياف. وانتصب (هلكاً) على التمييز. ومعنى (وجدك) وحق جدك.
وقوله (ما نصبت له الأثافى) في موضع المفعول الثاني لوجدنا. والأثافى، واحدتها أثفية. ويقال: ثفيت القدر وأثفيتها. فأثفية أفعولة. ومن قال أثفتها فأثفية عندي فعلية؛ لأن الهمزة أصلية. من ذلك قول النابغة:
وإن تاثفك الأعداء بالرفد
стр. 703
وقال أبو صفرة البولاني
زكيرة وابنا أمة الهم والمنى ... وفي الصدر منهم كلما غبت هاجس
أودهم وداً إذا خامر الحشا ... أضاء على الأضلاع والليل دامس
بني رجل لو كان حياً أعانني ... على ضر أعدائي الذين أمارس
يعني بزكيرة وأخويه أولاد أخيه، وكان توفى والدهم فصار هو كافلهم. فيقول: هم الذين أهتم لهم، وأتمنى خيرهم وبقاءهم، وأقصر همي على ما تستقيم به أحوالهم، وتستتب له أمورهم، ومتى غبت عنهم كان في صدري هاجس من الفكر فيهم، وسانح من التوفر عليهم، يحولان بيني وبين الذهاب عنهم؛ فجسمي غائب عنهم، وهواي حاضرهم. فهذه التي أشار إليها نتائج العناية بهم، ومسببات الرعاية في النيابة عن اخيه فيهم. ثم أخذ يذكر ما غرسه الحب في قلبه لهم، ورعاه صدره من التحنن والشفقة في بابهم، فقال: أودهم وداً إذا خالط الحشا في ظلمة الليل أضاء على الأضلاع. وإنما قال هذا لأن الشيء إذا أشرق بالليل وعند التباس الظلام، فهو بالنهار أولى بالأشراق. فكأن المعنى أن طلائع حبهم في مكامن صدره مضيئة الأرجاء، نيرة الأكناف، في كل حال ووقت.
وقوله (بني رجل) يعني أخاه، كأنه ذكر ما يقتضيه في أمرهم بما يأتيه، فأشار إلى الدواعي القائمة بينه وبين أولاد الأخ، فقال: أذكر بني رجل لو كان في جملة الاحياء لأعانني على الأعداء، وأنصفني من الزمان، ودفع عني من مضراتهم ومناكداتهم ما يخفف معه ظهري، ويقوى فيه نهوضي وجذابي.
وقال الغطمش
من بني شقرة بن كعب بن ثعلة:
ألا رب من يغتابني ود أنني ... أبوه الذي يدعى إليه وينسب
على رشدة من أمة أو لغية ... فيغلبها فحل على النسل منجب
قوله (من يغتابني) من نكرة ويغتابني في موضع الصفة له، و (ود أنني) جواب رب. فيقول: رب إنسان يأكل لحمي بظهر الغيب ويتنقصني، ومع ذلك
стр. 704
يتمنى أن أكون أباه الذي الذي يسعى به وينسب إليه، وإنما يبعثه على ذلك الحسد والبغضاء.
وقوله (على رشدة من أمه أو لغية) فإن على ما يتعلق بقوله أنني أبوه، كأنه يريد: ود أبوتي سواء كان ولد حلال أو حرام. والرشدة: أسم الهيئة في الرشاد. والغية: الفعلة الواحدة من الغي. وهكذا يختار أن يقال هو لرشدة بكسر الراء، ولغية بفتح الغين. وقوله (فيغلبها) نصب جواب التمني بالفاء، والعامل فيه أن مضمرة. وهذا شرح الغية، كأنه قال: تمنى أن يكون ولدي على رشدة، أو يغلبها فحل منجب على النسل فتاتي به لغية. وأراد بالفحل المنجب نفسه، ويعني بيغلبها على النسل غلبة الشبه ليبرئه من هجنها. وإذا قال القائل وددت أنني أجيئك فتكرمني، فقوله فتكرمني انتصب ولم يعطف عل أجيئك، لمخالفة آخر الكلام أوله، وذلك ان قوله أنني أجيئك متمنى غير واجب، وفتكرمني ليس من التمني بل هو واجب، فلما خالفه نوى بالأول الأسم، وأضمر بعد الفاء أن، لتكون الفاء عاطفة لاسم على اسم، فكأنه قال: وددت مجيئي إليك فإكرامك لي. وكذلك إذا قال: ألا ماء فأشربه، يراد: لو كان لي ماء لشربته، تقديره: ألا ماء فشربه.
فبالخير لا بالشر فارج مودتي ... وأي امرىء يقتال منه الترهب
كأنه اقبل على هذا المغتاب له، الناحت أثلته، المداجى له بعداوة كامنة مستحكمة في الصدر فقال له: هذه المودة التي تظهرها من نفسك لي، أرج انتفاعك بالخير لا بالشر، لأنك إن فعلت غير ذلك فإنما تحتاج إلى إصلاحه من نفسك، فأما إذا كانت المودة صافية، والعقيدة خالصة، فإن صاحبها لا يرجو بها إلا خيراً، وكيف لا يرجو غيره من ثماره وهو يغرس الخير لا الشر. وقوله (ارج مودتي) أي ارج مودتك لي، والمصدر يضاف إلى المفعول كما يضاف إلى الفاعل. وقوله (أي امرىء يقتال منه الترهب) فمعنى يقتال يحتكم، وهو يفتعل من القول، يريد أي رجل يحتكم عليه ومنه الترهب، التخوف، وترك السكون والإمنة إليه. أي كيف يطلب وده على الرهبة منه.
أفول وقد فاضت بعيني عبرة ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
أخلاء لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الهر معتب
стр. 705
قوله (وقد فاضت بعيني عبرة) اعتراض بين الفعل ومعموله. وقوله (أرى الأرض تبقى) متصل بقوله (وقد فاضت بعيني عبرة) ، وهو من جملة الاعتراض. ومفعول أقول البيت الثاني. فيريد: أقول وقد اتصل البكاء مني، وسالت العبرات من عيني، إذ كنت أرى الأرض باقية، والإخوان الخلص ذاهبة، وأنا لا أملك شيئاً: أخلاى إني مغيظ مغلوب، مأخوذ عن عزائي لما أتاه الدهر، ولكني إذا فكرت وكان سبب اخترامكم الموت الذي تتساوى فيه الاقدام فلا يبقى على شريف ولا وضيع، ولا صغير ولا كبير، صدني ذلك عن العتب، لأن الموت لا معتب علي؛ ولو كان الجاني فيكم، والسالب لكم غير الموت لعتبت على الدهر، وقلت وأكترث في موضع القول، وانتصفت وأسرفت في موضع الفعل. ويقال عتبته فأعتب، أي لمته فأرضى. ويروي (أخلاى) بالقصر وإثبات ياء الإضافة و (أخلا) بالمد وحذف ياء الإضافة، وهذا أجود.
وقالت امراة
ألا فاقصرى من دمع عينيك لن ترى ... أباً مثله تنمى إليه المفاخر
وقد علم الأقوام أن بناته ... صوادق إذ يندبنه وقواصر
تقول متسلية ورافعة الطمع من أن يكون الجزع يرد فائتاً، فقالت كفى من دمع عينيك، ونهنهي عبراتك، فإنك لن ترى من تعتاضيه من أبيك الذي كان إليه ينتمي المفاخر. ومعنى (تنمى إليه المفاخر) أنه غاية المفاخر، فهي إليه تنتمي. ويروى: (ينمو إليه المفاخر) بضم الميم، والمعنى يرتقى إليه المفاخر إذا نافر خصمه وجاذبه.
وقولها (وقد علم الأقوام أن بناته صوادق) استشهدت بطوائف الأقوام على اختلافها، وذكرت أنهم قد علموا أن ينات هذا المتوفى فيما ينبدبن به أباهن ويذكرنه من فضائله وإفضاله، آتيات بالصدق غير الكذب، وعاجزات عن بلوغ الغاية التي يستحقها أبوهن المرثى، فإن القول لا يحيط بحده، والوصف لا ينظم كنه حقه.
следующие страницы →