← Тафсир

Тафсир · id 26539

تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي

الحرالي، أبو الحسن

Полный текст (573 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[تراث أبي الحسن الْحَرَالِّي المراكشي في التفسير]ـ ١ - مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل. ٢ - عروة المفتاح. ٣ - التوشية والتوفية. ٤ - نصوص من تفسيره المفقود لسورتي البقرة وآل عمران. المؤلف: الحَرَالِّيُّ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَسَنٍ التُّجِيْبِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ (المتوفى: ٦٣٨هـ) مستخرجة من: تفسير البقاعي «نظم الدرر في تناسب الآيات والسور». تصدير: محمد بن شريفة، عضو أكادمية المملكة المغربية تقديم وتحقيق: محمادي بن عبد السلام الخياطي، أستاذ بكلية أصول الدين تطوان الناشر: منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي - الرباط الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م قدمه للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ

стр. 2

تراث أبي الحسن الْحَرَالِّي المراكشي في التفسير ١ - مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل. ٢ - عروة المفتاح. ٣ - التوشية والتوفية. ٤ - نصوص من تفسيره المفقود لسورتي البقرة وآل عمران. مستخرجة من تفسير البقاعي: "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور.

стр. 3

مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل لأبي الحسن علي بن أحمد الْحَرَالِّي التجيبي المراكشي مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم الحمد لله أهل الحمد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي العبد، وعلى آله القائمين لله بالله بوفاء العهد، والرضا عن أصحابه المجدين في سبيل الله أتم الجد، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الوعد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا رسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. أما بعد، فإن لله مواهب جعلها أصولا للمكاسب، فمن وهبه الله عقلا يسر عليه السبيل، ومن ركب فيه خرقا نقص حظه من التحصيل، ومن أيده بتقوى الاستناد إليه في جميع أموره علمه وفهمه، ومن أتاه فصل خطاب أبان به حقيقة ما علمه. وإن الله تعالى إذا أقام داعيا له اختار له من يلقي عنه ويتبين منها؛ أولي أحلام ونهى، يحملهم الله ببداية إفضاله بها عليهم إلى المنتهى، وإنه إذا خوطب قوم ببيان،

стр. 4

وحوروا بتبيان، فلم يلقنون ولا فهموا، علم أن أساس مواهبهم يحتاج إلى تزكية تهيئهم إلى ما يقصد بهم من التفهم بقوانين وتنبيهات عل أمور جامعات. فاتخذ للمقصرين في اللسن قوانين النحو، حين اعوجت الألسنة، وكان أول من اتخذ ذلك أبو الأسود الدؤلي، ﵀، في زمن علي، ﵇. واتخذ للناقصي التعقل والتصور علم المعقولات، وذلك في زمن حكماء اليونانيين. واتخذ للناقصى الإبانة والبلاعة علم الأدب، وكان أول من صنف في ذلك وجمع شتاته أبو عمرو، الجاحظ، ﵀. واتخذ للناقصي التفهم في علم الأحكام من كتاب الله، وسنة رسول الله، علم أصول الفقه، وكان أول من وضع في ذلك الإمام المطلبي أبو عبد الله، محمد بن إدريس الشافعي ﵁. وإن الله سبحانه يقيم من أمره ما شاء، ويزيد في الخلق ما يشاء. وإن أتم الزيادات وأكملها، من وهبه الله فهما في كلامه، ووعيا عن كتابه، وتبصرة في الفرقان، وإحاطة بما شاء من إحاطة علم القرآن. ففيه تمام شهود ما كتب الله بمخلوقاته من ذكره

стр. 5

الحكيم، بما يزيل عنايته من غطاء الأعين، ونبأ ما نزل من الذكر المبين، بما يسمع من يشاء بتأييده روح منه، فيندرج في علمه كل علم، من أصناف علم الخلق وعلم الأمر، طبعا وعقلا وإيمانا ويقيا، إذ فيه تفصيل كل شيء، وتنزيل كل وحي، ولذلك كان ختما لكل كتاب، ونبوة المنزل عليه ختما لكل نبوة ورسالة، كمل محمد، ﷺ في دار الدنيا قلبا، وفي ليلة الإسراء ذاتا: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ وذاته هي آية ربه الكبرى، "من عرف نفسه عرف ربه" ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾. وكمل آله قلبا ووجدا بوجد ذاته ليلة إسرائه، ومن دونه وآله يتكاملون بهم نشئا نشئا، وتماما تماما في الداربن "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". إلى ما شاء الله من سر قوله: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾. وذلك من وراء آباد، والله واسع عليم. وقد علم الأولون والآخرون أن فهم كتاب الله منحصر إلى علم على، ﵇، ومن جهل ذلك فقد ضل عن الباب الذي من ورائه يرفع الله عن القلوب الحجاب، حتى يتحقق اليقين الذي لا يتغير بكشف الغطاء. وإن كثيراً من العلماء والأدباء والعقلاء خاضوا في علم القرآن تفسيراً مما بدا منه في يوم الدنيا، وتأويلا لما يبدو منه في يوم الآخرة، وفهما لما هو عليه دائما، حيث لا ليل، ولا نهار. فأما قوانين تفسيره ففي علم النحو والأدب، وأما قوانين تأويله ففي علم

стр. 6

الإيمان، وتحقيق أن الخبر ليس كالعيان، وأما قوانين التطرق إلى فهمه، ففي قلوب عباد اختصهم الله بالفهم، وآثرهم بإحاطة من العلم، تأمن بهم القرون، وتنجلي بهم ظلم الفتون، لاتخلو الأرض من قائم لله بحجة: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق. حتى يأتي أمر الله". وإن مما أقامه الله لتتبع علم التفسير والتأويل، تم فتح عليه حظا من التطرق للفهم، بما زكاه الله من الزهد، والقيام على باب الله عشرين سنة - الشيخ الإمام عالم المدينة في وقته؛ أبا عبد الله محمد بن عمر القرطبي، قدس الله روحه. وإنما توقف الفهم على مثل حاله، لأن الله، سبحانه، أباح علم الآيات بغير شرط، وجعل من دون تعلم الكتاب، والحكمة، التزكة بالزهد، والوجهة إلى الله، ﴿يتلوا عليهم آياته يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. فكان مما يسره الله رؤيته والقراءة عليه، تفهمنا عليه الفاتحة في أربعة

стр. 7

أشهر، وكان يفيد قوانين في التطرق إلى الفهم، تنزل في فهم القرآن منزلة أصول الفقه، في تفهم الأحكام. ثم من الله سبحانه، ببركات ومواهب لا تحصى، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاستخرنا الله سبحانه، في إفادة قوانين تختص بالتطرق إلى تفهم القرآن، ويتنبه بها، بأيد من الله وروح منه، إلى على البيان، يكون "مفتاحا لغلق الباب المقفل، على تدبر القرآن المنزل" ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾. قوم منعهم من فهمه تفسيره وشغلهم بما حضر من دنياهم، وقوم منعهم من فهمه تأويله وشغلهم بما سمعوا من أمر أخراهم، وقوم منعهم من فهمه سابق آراء عقلية انتحلوها، ومذاهب أحكامية عقلية تمذهبوا بها، فإذا سمعوه تأولوه لما عندهم، فيحاولون أن يتبعهم القرآن، لا أن يكونوا هم يتبعونه، وإنما يفهمه من تفرغ من كل ما سواه. "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين". فإن للقرآن علوا من الخطاب يعلو على قوانين العلوم علو كلام الله على كلام خلقه، فنورد، بعون الله، والتأييد بروح منه، أبوابا تشتمل على ما يجريه الله من: "مفتاح الباب إلى فهم الكتاب" والله الولي الحميد.

стр. 8

الباب الأول في علو بيان القرآن على بيان الإنسان اعلم أن بلاغة البيان تعلو إلى علو قدر المبين، فعلو بيان الله على بيان خلقه، بقدر علو الله على خلقه. فبيان كل مبين على قدر إحاطة علمه، فإذا أبان الإنسان عن الكائن أبان بقدر ما يدرك منه، وهو لا يحيط به علمه، فلا يصل إلى غاية البلاغة فيه بيانه، وإذا أنبأ عن الماضي. فبقدر ما بقي من ناقص علمه به كائنا في ذكره، لما لزم الإنسان من نسيانه، وإذا أراد أن ينبئ عن الآتي، أعوزه البيان كله، إلا ما يقدره أو يزوره، فبيانه في الكائن ناقص، وبيانه في الماضي أنقص، وبيانه في الآتي ساقط: ﴿يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. وبيان الله، سبحانه، عن الكائن بالغ إلى غاية ما أحاط به علمه: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، وعن المنقطع، كونه بحسب إحاطته بالكائن، وسبحانه من النسيان ﴿لا لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ وعن الآتي بما هو الحق الواقع ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ والمبين الحق لا يوهن بيانه إيهام نسبة

стр. 9

النقص إلى بيانه، والإنسان يتهم نفسه في البيان، ويخاف أن ينسب إلى العي، فيقصد استغراق البيان، ويضعف مفهوم بيانه ضعفا من منته. ومفهوم بيان القرآن أضعاف أضعاف إفصاحه، وقل ما ينقص عن نظيره، فنذكر قانونه في الباب الثاني، يحول الله.

стр. 10

الباب الثاني في جمع القرآن لنبأي الإفصاح والإنهام اعلم أن الله، سبحانه، أنزل القرآن مثاني، بين إجمال وتفصيل، وبين إفصاح وإفهاء. يفهم نبؤه عنه، تعالى، إفصاحا نبأه عن عبده إفهاما، لمقابلة ما بين العبد والرب، يفهم نبؤه عن عبده إفصاحا نبأه عنه تعالى، إفهاما، وكذلك فيما بين دنيا العبد العاجلة، والأخرى الآجلة، وكذلك فيما بين هداه وإضلاله، وفتنته ورحمته، وبين كل متقابلين من خلقه وأمره، وكذلك فيما بين آيات الإعتبار من أمر الخلق، ومعتبراتها من أمر الحق، ولايكاد هذا النحو من البيان يقع شيء منه في بيان الخلق ولا بلاغتهم، إلا نادرا؛ لمقصد اللحن به، والإلغاز بإفهامه، فمتى أنبأ عنه، تعالى، أخذ القاهم مقابل ما يتلو إفصاحا في قلبه عن العبد مفهوما، فيملأ القرآن قلبه بإفهامه، ويملأ سمعه بإفصاحه، فإفهامه إسراره للقلوب الفهمة، وإفصاحه إعلانه للأسماع الواعية، فيسمعه من ربه سرا وعلانية، وهذا من أجل قوانين فهمه وإحصاء علمه. وأما ما يقع فيه الإفهام في متقابلات ظاهرة يقع البيان عن أحدها إفصاحا، ويلازمه الآخر إفهاما، فربما وقع لآحاد من بلغاء العرب نظيره، وهو في القرآن كثير، وفي بلاغات العرب قليل، وأمثلة ذلك بالمشافهة بها أولى، لما يعلمه الله.

стр. 11

ولما كان لجمع أصل الخلق تفريج، وجعل ما يجريه على ألسنة الخلق من نطقهم عنه نبأ تفريق، ظهر التقصير في بيانهم، وبلغ إلى غاية البلاغة بيان القرآن عن كل ناطقة بأيما لسان، فنذكر قانونه في الباب الثالث، بحول الله.

стр. 12

الباب الثالث في إبانة القرآن عن ألسنة ذوات الخلق، وعن تنزلات أسماء الحق اعلم أن الله، سبحانه، امتن على عباده بالقرآن نطقا عن ذواتهم، وعن ذات كل خلق، وإقامة كل أمر، بما لا يصل بيانهم إلى النطق به عن ذواتهم، فسكتهم وأبان عنهم، كما سكتهم بالتوحيد، وتوكل لهم، فمن اكتفى ببيان الله عن بيانه، وبوكالة الله عن تكلفه، استوى حاله في الدنيا والآخرة، وذلك هو إقامته، كما أنه إذا رحم قول، واكتفى منهم بالقول، فيما لم يستطيعوا، وإذا امتحن كلف أمراً ونهيا، لتبدو في الإبانة إقامته، وفي التقويل رحمته، وفي الامتحان حلمه ونقمته، وأعظم أمره إقامته وإبانته، ولكل بيان يخصه. وكذلك لكل اسم من أسمائه بيان تخص إقامته طورا من أطوار خلقه تفصيلا وإجمالا، فمن تفطن إلى رتب الخطاب في القرآن بحسب أسماء الله وأطوار الخلق، وتنزلات الأمر، ورتب تنامى القلوب في الرجوع إلى الله، وأطوار الخلق، والأعمال، وما يقابل ذلك من دركات البعد والبغض والطرد واللعن - فتح الله له بابا إلى الفهم يجد به يقين تجربة إبانته، ووضوح صدق إنبائه عن كنه الذوات ورتب التنزلات، حتى إن خطاب الإقبال ينتظم بخطاب الإعراض، والغيبة بالحضور، والاختصاص بالتعميم، فنذكر في ذلك ترتيبا في الباب الرابع، بحول الله.

стр. 13

الباب الرابع في رتب البيان عن تطور الإنسان بترقيه في درج الإيمان وترديه في درك الكفران اعلم أن الله، سبحانه، محيط بكل شيء خلقا وأمراً، أولاً وآخرا، ظاهرا وباطنا، وهو حمده، وله ظهور في علو أمره وكبير خلقه، واحتجاب في مقابل ذلك من خلقه وأمره، بما أبداه من حكمته، وأسباب هداه وفتنته، وذلك العلو هو إلهيته، والاحتجاب هو ملكه، وبينهما إقامة كل خلق لما خلق له، وتأييده كل أمر من الأمرين لما أقيم له، وذلك هو ربانيته، ولكل فئق من خلقه وأمره رتق سابق، ولكل تفاوت سواء، وذلك هو رحمانيته، ولكل أقرب من مدد الحجاب اختصاص، وذلك هو رحيميته، ولكل أبعد في مدد الحجاب بطش منه شديد، في رده إلى القرب، وتلك هي نقمته، ولكل من تنزلاته العلية، ظاهراً وباطنا، أمر خاص، ولكل أمر خلق، يرد بيان القرآن لكل خلق بحسب كنه ذاته. واختصاص رتبة قربه ومحل بعده. وإن الله، سبحانه، جعل آدم وذرءه خليفة له في جمع أمره وتفصيله، وأنزل القرآن نبأ عن جملة ذلك، فأردى الأحوال لهذا المستخلف المحل الذي يسمى فيه

стр. 14

بالإنسان، وهو حيث أنس بنفسه وغيره، ونسي عهد ربه، فيرد لذلك نبؤه بالذم في القرآن، ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ثم المحل الذي تداركه فيه تنبه لسماع الزجر من ربه، وهو له بمنزلة سن الميز لابن سبع، ولايقع إلا عن اجتماع وثراء، وذلك هو السن المسمون فيه بالناس، لنوسهم أي ترددهم بين سماع الزجر من ربهم، وغلبة أهوائهم عليهم، فيرد لذلك نبؤهم بذم أكثرهم في القرآن؛ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ و ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾. ثم المحل الذي يتحقق لهم قبول وسماع وإيمان لغائب الأمر والخلق، ولكنهم ينزلون عنه كثيرا، عند كل عارضة نبل وخادعة رفعة، وهو لهم بمنزلة سن المحتلم الذي ذاق طعم بدو النطفة من باطنه الناجم العقل للنظر في حقائق المحسوسات، وذلك هو السن الذي يسمون فيه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهو أول سن التلقي، فلذلك جميع آداب القرآن وتعليمه إنما مورده أهل هذا السن، كان ابن مسعود، ﵁، يقول: إذا سمعت الله يقول: "يا أيها الذين آمنوا فارعها سمعك، فإنه خبر يأمر به، أو شر ينهى عنه". وكما أن ما يخص البالغ العاقل من الخطاب لايدخل فيه الصبي المميز، وما يخص المميز لايدخل فيه البالغ، كذلك خطاب الذين آمنوا لم يصل إليه الناس بعد، وخطاب الناس قد جاوزه الذين آمنوا، لأنهم قد انزجروا، بما قبلت قلوبهم، عما يزجر عنه الناس، وقد ائتمروا بما يؤمر به الناس. وهذه الأسنان الحالية عند أولي البصائر، وخاص خطابها، أشد ظهورا من أسنان الأبدان، عند أصحاب الأبصار، وعدم التبصرة بهده المراتب في الأحوال والبيان، هي أقفال القلوب المانعة من تدبر القرآن.

стр. 15

وكذلك ما فوق سن الذين آمنوا من سن الذين يؤمنون، وهم، في أول حد القرب، بمنزلة بلوغ الأشد، وسن الذين آمنوا والناس في مدد حد البعد، ولذلك يخاطبون بحرف "يا" المرسلة إلى محل البعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وفوق ذلك سن المومنين، وأدنى قربا، ولذلك لم يرد في القرآن في خطابهم، ياء البعد، وهذه السن بمنزلة الاكتهال، وسن الشيب، وتمام سنهم المومنون حقا، وكذلك إلى سن المحسنين إلى غيب سن الموقنين، إلى ما وراء ذلك، فإن أسنان الجسم أرابع، وأسنان القلب أسابيع، يعرفها من تطور فيها، ويجهلها من ثبت سن قلبه على الجهل، وتطور سن جمسه إلى الهرم، "يهرم ابن آدم وتشب منه إثنتان: الحرص والأمل" فالحرص فقره، ولو ملك الدنيا، والأمل همه وتعبه، فمن لم يتحقق أسنان القلب، وتفاوت خطابها، لم ينفتح له الباب إلى فهم القرآن، ومن لم تتضح له تنزلات الخطاب لم يبق له خطاب الله من خطاب الرحمن، من خطاب الملك الديان. فنذكر لذلك تطرقا في الباب الخامس، بحول الله، والتأييد بروح منه.

стр. 16

الباب الخامس في تنزلات خطاب القرآن بحسب أسماء الله اعلم أن خطاب الله يرد بيانه بحسب أسمائه، ويجمعها جوامع، أظهرها ما ترى آياته، وهو اسمه ﴿الْمَلِكُ﴾ وما يتفصل إليه من الأسماء المقيمة لأمر الحكم والقضاء والجزاء، نحو: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الذي تختم به آيات الأحكام: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ثم ما تسمع آيته، وهو اسمه الرحمن الرحيم، وما يتفصل من الأسماء، من معنى الرحمة المنبئة عن الصفح والمغفرة، الذي تختم به آيات الرحمة: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. فلكل تفصيل، في مورد وجهي العدل والفضل، أسماء يختص بها نبؤها،

стр. 17

ولذلك قال ﵇: [أول الحديث: أنزل القرآن عل سبعة أحرف، كلها شاف كاف] مالم تختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة. ثم ما توجد آيته وجدانا في النفس، وهي الربوبية، وما ينتهي إليه معنى سواء أمرها من ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وما يتفصل إليه من الأسماء الواردة في ختم الإحاطات، نحو " الواسع العليم". فمن تفطن لذلك استوضح من التفصيل الختم، واستشرح من الختم التفصيل، وقد كان ذلك واضحا عند العرب، فاستعجم عند المتعربين، إلا ما كان ظاهر الوضوح منه. ولتكرار الأسماء بالإظهار والإضمار بيان متين الإفهام في القرآن، فنذكره في الباب السنادس بحول الله.

стр. 18

الباب السادس في وجه بيان القرآن في تكرار الإظهار والإضمار اعلم أن لموقع الإظهار والإضمار في بيان القرآن وجهين: أحدهما يتقدم فيه الإظهار، وهو خطاب المومنين يآيات الآفاق، وعلى نحوه هو خطاب الخلق بعضهم لبعض، لا يضمرون إلا بعد أن يظهروا. والثاني يتقدم فيه الإضمار، وهو خطاب الموقنين بآية الأنفس، ولم يصل إليه تخاطب الخلق، فإذا كان البيان عن إحاطة، تقدم الإضمار: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وإذا كان عن اختصاص تقدم الإظهار: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، وإذا رد عليه بيان على حده، أضمر: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وإذا أحاط البيان بعد اختصاص، استؤنف له إحاطة باستئناف إظهار محيط أو بإضمار، أو بجمع المضمر والمظهر: ﴿ياتقا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي

стр. 19

لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ والتفطن لما اختص به بيان القرآن عن بيان الإنسان، من هذا نحو، من مفاتيح أبواب الفهم، ومن نحوه: ﴿أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ استأنف لخصوص المستطعمين إظهارا غير إظهار عموم المأتيين. ولمجاري الإضافات فيما يضاف من الأسماء، وفيما ينعت، وجه بيان في القرآن، نذكره في الباب السابع بحول الله.

стр. 20

الباب السابع في رتب البيان في إضافة الربوبية ونعت الإلهية في القرآن اعلم أن الربوبية إقامة المربوب بما خلق له، وأريد له، فرب كل شيء مقيمه بحسب ما أبداه وجوده، فرب المومن ربه ورباه للإيمان، ورب الكافر ربه ورباه للكفران، ورب محمد ربه ورباه للحمد "أدبني ربي فأحسن تأديبي" ورب العالمين ربي كل عالم لما خلقه له: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. فللربوبية بيان في كل رتبة بحسب ما أظهرته آية مربوبه "من عرف نفسه عرف ربه". ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ

стр. 21

رَبِّهِمْ﴾. وكما يتضح لأولي التعرف رتب البيان بحسب إضافة اسم الرب، فكذلك يتحقق لأولي الفهم وجوه إحاطات البيان بحسب النعوت والتبيان؛ في اسم الله غيبا في مستجلي الآيات للمومن، وعينا لكامل التقوى الموقن، وجمعا وإحاطة عن بادي الدوام للمتحقق الواجد ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. والتفطن لرتب البيان في موارد هذا النحو من الخطاب في القرآن من مفاتيح الفهم، وبوادي مزيد العلم. وكذلك لوجوه الإقبال، على رتب أسنان قلب الإنسان، والإعراض والالتفات أنحاء من البيان، فنذكر ذلك في الباب الثامن، بحول الله.

стр. 22

الباب الثامن في وجوه بيان الإقبال والإعراض في القرآن اعلم أن كل مربوب يخاطب بحسب ما في وسعه لقنه، وينفي عنه ماليس في وسعه لقنه، فلكل سن من أسنان القلوب خطاب إقبال بحسب لقنه، وربما كان له إنباء عن بعض ذلك، فيقع عنه الإعراض بحسب بادي ذلك الإباء، وربما تلافته الرحمة فعاد الإقبال إليه بوجه ما، دون صفاء الإقبال الأول، وربما تناسقت الإقبالات مترتبة، فيعلو البيان والإفهام، بحسب رتبة من توجه إليه الإقبال، ويشتد الإدبار بحسب بادي الإدبار، وربما تراجع لفف البيان فيها بعضها على بعض، فخطاب الإقبال على النبي ﷺ أعظم إفهام في القرآن. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ الآية ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾. تفاوت الخطابين بحسب تفاوت المخاطبين: ﴿أو أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ أعرض عنهم الخطاب، ونفى عنهم ما ليس في حالهم رؤيته. ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ خاطبهم وأمرهم، فلما

стр. 23

عصوا أعرض وجه الخطاب عنهم، ثم تلافاهم بخطاب لسان نبي الرحمة لهم، واستمر إعراضه هو تعالى عنهم في متمادي الخطاب. "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ تنزل الخطاب في الرتبتين، ليتبين الأعلى ما يبينه للأدنى ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾. وهذا الباب عظيم النفع في الفهم، لمن استوضح بيانه والتفاف موارده في القرآن. ولرتب الآيات المضافة لأسنان القلوب في القرآن مراتب في العلم والإفهام، فنذكره في الباب التاسع، بحول الله.

стр. 24

الباب التاسع في وجوه إضافات الآيات واتساق الأحوال لأسنان القلوب في القرآن اعلم أن الآيات والأحوال تضاف وتتسق لمن اتصف بما به إدراك معناها، ويؤنب عليها من تقاصر عنها، وينفى منالها عن من لم يصل إليها، وهي أطوار، أظهرها آيات الاعتبار البادية لأولي الأبصار، لأن الخلق كله إنما هو علم للاعتبار منه، لا أنه موجود للاقتناع به ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. اتخذوا ما خلق للعبرة به إلى ربه كسبا لأنفسهم، حتى صار عندهم وعند أتباعهم آيتهم لا آية خالقه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ثم يلي آيات الاعتبار ما ينال إدراك آينه العقل الأدنى ببداهة نظره ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. جمع الآيات لتعدد وجوهها في مقصد البيان. ثم يلي ما يدرك ببداهة العقل، ما يحتاج إلى فكر يثيره العقل الأدنى، لشغل

стр. 25

الحواس بمنفعته عن التفكر في وجه آيته: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أفرد الآية لاستناد كثرته إلى وحدة الماء ابتداء، ووحدة الانتفاع انتهاء. ثم يلي مايدرك بفكر العقل الأدنى ما يقبل بالايمان، ويكون آية أمر قائم على خلق، وهو مما يدرك سمعا، لأن الخلق مرئي، والأمر مسموع: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. هذه آية حياة القلوب بنور العلم والحكمة الذي أخذ سمعا عند تقرر الإيمان. وعند هذا الحد يتنامى العقل إلى فطرة الأشد، وتعلو بداهته، ويترقى فكره إلى نظر ما يكون آية في نفس الناظر، لأن مجاز غيب الكون يرد إلى وجدان نفس الناظر، وكما كان الماء آية حياة القلوب، صار الشرابان: اللبن والحجر آيتين على أحوال تخص القلوب، بما يغذوها من أمر الله غذاء اللبن وينشيها نشوة السكر منبعثا من بين فرث ودم نزول الخلق المقام عن الأمر القائم عليه: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ﴾ الآيتين إلى قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. هذا هو الحقل الأول (١٧)، فأفرد (هـ أي الآية لانفرإد! وردها في وجد القلب.

стр. 26

وكما للعقل الأدنى فكرة تنبني على بداهته، فكذلك للعقل الأعلى فكر ينبني على علي فطرته: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ إلى قوله: ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وهذا العقل الأعلى هو اللب الذي يكون عنه التذكر بالأدنى من الخلق للأعلى من الأمر. ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ وفي مقابلة كل من هذه الأوصاف أضداد يرد البيان فيها بحسب مقابلتها، وكذلك حكم وصف المتقين، فيما يظهر أن لاغناء للعبد بنفسه، ووصف المسلمين فيما يظهر أن لاأنجى للعبد من إسلامه نفسه لربه، ووصف المحسنين فيما يظهر قيام ظاهر العبد بربه، ووصف الموقنين فيما وجد يقينه العبد من نفسه، أو عاين ابتداءه بظاهر حسه، ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ من استغنى بما عنده من وجد لم يتفرغ لقبول غيب. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾.

стр. 27

﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به". ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾. ولجملة هذه الأوصاف أيضا أضداد يرد بيان القرآن فيها بحسب تقابلها، ويجري معها إفهامه، وما أوصله خفاء المسمع والمرأى إلى القلب هو فقهه، ومن فقد ذلك وصف سمعه بالصمم، وعينه بالعمى، ونفى الفقه عن قلبه، ونسب إلى البهيمية، ومن لم تنل فكرته أعلام ما غاب عنه عيانه نفى عنه العلم: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾. ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ الآية. إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ نفى العلم فيما ظهرت

стр. 28

أعلامه، والفقه فيما خفي أمره. وموارد البيان أضداد هذه الأوصاف بحسب تقابلها. وهذا الباب لمن يستفتحه، من أنفع فواتح الفهم في القرآن. ولننه هذه الأبواب بذكر القرآن ومحتواه على الكتب، وجمعه وقرآنه وبيانه وتنزيله وإنزاله، وحكيمه ومبينه ومجيده وكريمه وعظيمه، ومرجعه إلى السبع المثاني والقرآن العظيم، أم القرآن ومحتواها عليه، فنذكر جميع ذلك في الباب العاشر بحول الله.

стр. 29

الباب العاشر في محل أم القرآن من القرآن، ووجه محتوى القرآن على جميع الكتب والصحف المتضمنة لجميع الأديان وما حواه من وجوه البيان اعلم أن الله سبحانه جمع نبأه العظيم كله عن شأنه العظيم جمعا في السبع المثاني، أم القرآن، وأم الكتاب، وكنزها تحت عرشه، ليظهرها في الختم عند تمام أمر الخلق، وظهور بادي الحمد؛ لمحمد، ﷺ ، لأنه تعالى يختم بما به بدأ، ولم يظهرها قبل ذلك، لأن ظهورها يذهب وهل الخلق، ويمحو كفرهم، ولايتم نبأ القول إلا مع قائم بمشهود بيان الفعل، ليتم الأمر مسمعا ومرأى وذلك بمن يكون من خلقه كل خلق، ليبين به ما من أمره كل أمر، ثم فيما بين بدء الأمر المكنون، وخاتم الخلق الكامل، تدرج تنشئ الخلق، وبدو الأمر، على حساب ذلك الخلق، صحفا فصحفا، وكتابا فكتابا فالصحف لما يتبدل سريعا، والكتاب لما يثبت ويدوم أمداً، والألواح لما يقيم وقتا، ففي التوراة أحكام الله على عباده في الدنيا بالحدود والمصائب والضراء والبأساء؛ وفي القرآن منها ما شاء الله، وما يظهره الفقه من الحدود، ومعارف

стр. 30

الصوفية من مؤاخذة المصائب، وفي الإنجيل أصول تلك الأحكام، والإعلام بأن المقصود بها ليست هي، بل ما وراءها من أمر الملكوت. وفي القرآن منها ما شاء الله مما يظهره العلم والحكمة الملكوتية. وفي الزبور تطريب الخلق وحداهم عن أنفسهم إلى ربهم. وفي القرآن منه ما شاء الله مما تظهره الموعظة الحسنة. ثم أنهى الأمر والخلق من جميع وجوهه فصار قرآنا جامعا للكل، متمما للنعمة، مكملا للدين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾. ووجه فوت أم القرآن للقرآن أن القرآن مقصود تنزيله التفصيل، والجوامع فيه نجوم مبثوثة غير منتظمة واحدة إثر واحدة، والجوامع في أم القرآن منتظمة، واحدة بعد واحدة، إلى تمام السبع، على وفاء لامزيد عليه، ولانقص عنه، أظهر تعالى بما له سورة صورة تجليه، من بدء الملك إلى ختم الحمد، وبما لعبده سورة صورة باديه من براءته من الضلال، إلى هدي الصراط المستقيم. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [وبما بينه وبينه قيام ذات

стр. 31

الأمر والخلق] فكان ذلك هو القرآن العظيم، الجامع لتفاصيل ما حواه القرآن المطلق الذكر، بما فيه من ذلك تفصيلا من مبينه، وهو ما عاينت آية مسموعه، ومن مجيده، وهو ما جربت أحكامه من بين عاجل ما شهد، وأجل ما علم بعلم ما شهد، فكان معلوما بالتجربة المتيقنة، بما تواتر من القصص الماضي، وما شهد له من الأثر الحاضر، وما يتجدد مع الأوقات من أمثاله وأشباهه، ومن كريمه، وهو ما ظهرت فيه أفانين إنعامه، فيما دق وجل، وخفي وبدل، ومن حكيمه، وهو ما ظهر في الحكمة المشهودة تقاضيه، وانتظام مكتوب خلقه، على حسب تنزيل أمره، وما كان منه بتدريج وتقريب للأفهام، وتأت من حال إلى حال، وحكم إلى حكم، كان تنزيلا، وما أهوى به إهواء من علو إلى سفل كان إنزالا، وهو إنزال حيث لا وسائط، وتنزيل حيث الوسائط. وبيانه حيث الإمام العامل به مظهره في أفعاله وأخلاقه: "كان خلقه القرآن" وقرآنه تلفيق تلاوته على حسب ما تتقاضاه النوازل. آخر آية أنزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. قال ﷺ ، بما في مضمون قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. "اجعلوها بين آية الدين، والآية التي قبلها" لأنه ربما تقدم كيان الآية وتأخر في النظم

стр. 32

قرآنها على ما تقدم عليها. آية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية متأخرة الكيان، مقدمة القرآن على آية: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. وقد يتطابق قرآن الأمر وتطوير الخلق، وقد لا يتطابق، والله يتولى إقامتهما. وأما الجمع ففي قلبه نسبة جوامعه السبع في أم القرآن إلى القرآن، بمنزلة نسبة جمعه في قلبه، لمحا واحداً، [إلى أم القرآن] ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ فهو جمع في قلبه، وقرآن على لسانه، وبيان في أخلاقه وأفعاله، وجملة في صدره، وترتيل في تلاوته: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ قال الله ﴿كَذَلِكَ﴾ أي كذلك نزلناه إلى ماهو منك بمنزلة سماء الدنيا من الكون. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ أي إلى سماء الدنيا، ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ على لسانه في أمد أيام النبوة. هذا منتهى القول في الباب العاشر. وهو إن شاء الله حسب لمن استشعر التقوى، وتفرغ مما سوى القرآن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.

стр. 33

ولأنه بعون الله "مفتاح للباب المقفل لفهم القرآن المنزل". سمي بهذا الاسم، وإن ربك هو الفتاح العليم. * * * * آخر نسخة باريس "ب" (المكتبة الوطنية): "ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، والحمد لله رب العالمين". * * * * آخر نسخة الرباط "ط" (المكتبة العامة) "بتر في آخرها". * * * * آخر نسخة الإسكندرية "س" (مكتبة بلدية الإسكندرية) ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين. تم الكتاب بعون الله الملك (كلمة غير مقروءة) في التاريخ العاشر من جمادى الأول - كذا - سنة ز. ع. ح مائة [٨٤٧]، في يوم الأربعاء وقت الظهر في المكة - كذا - المشرفة حرسها الله تعالى عن الآفات والعاهات، على يد عبد الضعيف فقير حقير كمال تاج غريب مسكين، عفا الله من نظر إلى هذا الكتاب ولجميع المؤمنين. آمين رب العالمين. قامه على شيخ على ثلاثة درهم - كذا - شامي.

стр. 34

كتاب العروة للمفتاح الفاتح للباب المقفل المفهم للقرآن المنزل لأبي الحسن علي بن أحمد الْحَرَالِّي التجيبي المراكشي تقديم وتحقيق: محمادي بن عبد السلام الخياطي أستاذ بكلية أصول الدين تطوان

стр. 35

مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم الحمد لله الذي أنزل القرآن على أحرفه السبعة إحاطة وكمالا، وتولى جمعه فهما وقرآنه مقالا، وبيانه فعالا، وأقام به حكم الدين وخلق الدنيا وخلق النفس وأدب الرب وحمد الله تفصيلا وإجمالا، وجعل لصلاة علمه وفهمه وهداه طهور التقوى منالا، وفك عن من رضى قلبه أن يسعه بتبارك تدبره أقفالا، وعلمه، بعد التزكية، كتابه وحكمته، ومالم يكن يعلم إتماما لنعمته وإفضالا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، في شيء من ملك الدنيا وملكها وتدبيرها، ولا في أمر من أمر العقبى وفصلها، وإيساعها وتقديرها، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بين، ﷺ ، بخاص سنته من تلك الحروف أجمعها وأعلاها، وبعام أحكام شرعته أنزلها وأدناها، وبسعة حنيفيتها البيضاء النقية ما بين ذينك الحرفين فأوضحها وجلاها، فعدل بالأكثر عن خصوصا تعريفه بها وتبيينه لها فقل أو فقد عندهم جدواها، وأوجد برد اليقين وطيب التبين والتبيين لمن بصره إياها، وذلك ببركة إيثار المأثور عنه، ﷺ ، للمتحقق من حيطة علمه ومضاء حكمه حين سماها، وإعراض عن أقوال واختلافات يسوقها الحدس ويقودها الظن، ولا يثلج القلب بمعناها، صلاة تعود على الخاص والعام بركتها وزلفاها. وإنه لما تقدم إملاء كتاب: "مفتاح الباب المقفل، لفهم القرآن المنزل" أعلق به القول في الحروف السبعة، وفي شرط منال علمها وحالها وبيانها، في بابين وفصول، عروة توثق إمساكه، وتشرب القلب، بتأييد الله، ملاكه، وتكمل؛ بحول الله، فائدته، وتيسر، على قرب تيسير الله، عائدته، ولتعلق العروة بمفتاحها، ولتنتهي الأفهام في القرآن بما أسرج، بتوفيق الله، من مصباحها إلى ضحى صباحها، والله ولي التأييد، وهو الولي الحميد.

стр. 36

الباب الأول في بيان الأحرف السبعة ويشتمل على تمهيد، وسبعة فصول، بحول الله تعالى. القول في التمهيد: اعلم أن القرآن منزل عند انتهاء الخلق وكمال الأمر بدءاً، فكان المتخلق به جامعا لانتهاء كل خلق وكمال كل أمر، فلذلك هو، ﷺ ، قثم الكون، وهو الجامع الكامل، ولذلك كان خاتما، وكان كتابه ختما، وبدأ المعاد من حد ظهوره ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ فاستوى صلاح هذه الجوامع الثلاث، التي قد خلت في الأولين بداياتها، وتمت عنده غاياتها، "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وهي صلاح الدين والدنيا، والمعاد الذي جمعها في قوله، ﷺ : "اللهم أصلح لي ديني، الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي". وفي كل صلاح إقدام وإحجام، فتصير الثلاثة الجوامع ستة مفصلات هي حروف القرآن الستة التي لم يبرح يستزيدها من ربه حرفا حرفا، فلما استوفى الستة وهبه ربه حرفا جامعا سابعا فرداً لا زوج له، فتم إنزاله على سبعة أحرف، هي ما فسرها، ﷺ ، في الحديث الوارد الغني عن تطلبها بالحدس، وفي بيانه، ﷺ ، شفاء العي وثلج اليقين، ونور التبصرة، فأدنى تلك الحروف هو حرفا صلاح الدنيا، فلها حرفان:

стр. 37

أحدهما: حرف الحرام الذي لا تصلح النفس والبدن إلا بالتطهر منه لبعده عن تقويمها. والثاني حرف الحلال: الذي تصلح النفس والبدن عليه، لموافقته لتقويمها. وأصل هذين الحرفين في التوراة، وتمامها في القرآن. ثم يلي هذين حرفا صلاح المعاد: أحدهما: حرف الزجر والنهي الذي لاتصلح الآخرة إلا بالتطهر منه، لبعده عن حسناها. والثاني: حرف الأمر الذي تصلح الآخرة عليه، لتقاضيه لحسناها. وقد تتضرر على ذلك حال الدنيا، لأنه يأتي على كثير من حلالها، لوجوب إيثار الآخرة لبقائها وكليتها على الدنيا لفنائها وجزئيتها، لكون خير الدنيا جزءا من مائة، وشر الدنيا جزء من سبعين، ولا يؤثر هذا الجزء الأدنى لحضوره على ذلك الكل الأنهى لغايته إلا أن من سفه وضعف إيمانه، فتخلص المرء من حرف الحرام طهره، وتخلصه من النهي طيبه. وأصل هذين الحرفين في الإنجيل، وتمامها في القرآن. ثم يلي هذين حرفا صلاح الدين: أحدهما حرف المحكم، الذي بان للعبد فيه خطاب ربه من جهة أحوال قلبه، وأخلاق نفسه، وأعمال بدنه، فيما بينه وبين ربه، من غير التفات لغرض النفس في عاجل الدنيا ولا لأملها. والثاني حرف المتشابه: الذي لايتبين للعبد فيه خطاب من جهة قصور عقله

стр. 38

عن إدراكه، ووجوب تسبيح ربه عن تمثل عبده إلى أن يؤيده الله بتأييده. فالحروف الخمسة للاستعمال، وهذا الحرف السادس للوقوف، ليكون العبد قد وقف لله بقلبه عن حرف، كما قد كان أقدم لله على تلك الحروف، ولينسخ بعجزه وإيمانه، عند هذا الحرف السادس، انتهاء ما تقدم من طوقه وعلمه في تلك الحروف ابتداء. وأصل هذين الحرفين في الكتب المتقدمة كلها، وتمامها في القرآن. فهده الحروف الستة يشترك فيها القرآن مع سائر الكتب، ويزيد عليها تمامها وبركة جمعها، ويختص القرآن بالحرف السابع الجامع مبين المثل الأعلى، ومظهر الممثول الأعظم. حرف الحمد الخاص بمحمد، ﷺ ، وبكتاب محمد، وهو حرف المثل، وعن جمعه وكمالة جمعه لمحمد في قلبه، وقرآنه على لسانه، وبيانه في ذاته، ظهرت عليه خواص خلقه الكريم، وخلقه العظيم، ولا ينال إلا موهبة من الله لعبده بلا واسطة، والستة تتنزل بتوسطات من استواء الطبع، وصفاء العقل، ومتانة وحي النبي، وإلهام الولي. ولما كان حرف الحمد هو سابعها الجامع، افتتح الله، سبحانه، به الفاتحة أم القرآن وأم الكتاب، وجمع فيها جوامع الحروف السبعة التي بثها في القرآن، كما جمع في القرآن ما بث في جميع الكتب المتقدمة، كما ضرب الله، سبحانه، مثلها لنبيه، حيث أعلمه أن مثل الكتب المتقدمة كفضة كثيرة ثقلت على مريد السفر بها، فابتاع بها ذهبا، فذلك مثل القرآن، ثم ثقل عليه الذهب، فابتاع به جوهراً، فذلك مثل أم القرآن، فإذن كمال الحروف الذي أنزل عليها القرآن موجود في جوامع أم القرآن: فالآية الأولى تشتمل على حرف الحمد السابع، والثانية تشتمل على حرفي الحلال والحرام التي أقامت الرحمانية بهما الدنيا [والرحيمية الآخرة]، والآية الثالثة

стр. 39

تشتمل على أمر الملك القيم، على حرفي الأمر والنهي، اللذين يبدو أمرهما في يوم الدين، والآية الرابعة تشتمل على حرفي المحكم، في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ والمتشابه في قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ولما كانت نبأ خطاب محاضرة لم تردد مسألتهما في السورة، فانفرد هذان الحرفان عن الدعاء فيهما، وعادت مسألة الآبه الخامسة على حرف الحمد، ومسألة الآية السادسة على آية النعمة من حرفي الحلال والحرام، ومسألة الآية السابعة على آية الملك من حرفي الأمر والنهي، فجمعت الفاتحة جوامع الحروف السبعة، وكما ابتدأت الفاتحة بالسابع الجامع الموهوب، ابتدئ القرآن بالحرف السادس المعجوز عنه، وهو حرف المتشابه، لأن إظهار العجز ومحض الإيمان كانت الهبة والتأييد، وليكون العبد يفتتح القرآن بالإيمان بغيب متشابهه في قوله: ﴿الم﴾ فيكون أتم انقيادا لما دونه، وبريئا من الدعوى في مستطاعه في سائر الحروف. ثم ولى السادس المفتتح به القرآن الخامس المحكم من وجه، في قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ لأن من عمل بها من قلبه شعبة إيمان وعلم، كانت له من المحكم، ومن عمل بها ائتمارا وإلجاء، ولم يدخل الإيمان في قلبه، كانت له حرف أمر. ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾. وهذا إنما وقع ترتيبه هكذا في القرآن المتلو، وأما تنزيله في ترتيب البيان فإن أول ما أنزل على النبي، ﷺ ، هو من حرف المحكم، وهو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ الآيات الخمس. وأول ما أنزل إلى الأمة في ترتيل البيان هو من حرف الزجر والنهي، وهو قوله

стр. 40

تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. أعلمهم بما يخاف عاقبته في الآخرة، وإن كان قد اتخذوا في الدنيا مودة بأوثانهم، وقال: (إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية، فابتدأ، تعالى ترتيل الأمة بإصلاح المعاد الأهم، لأن عليه يصلح أمر الدنيا: "من اشتغل بآخرته كفاه الله أمر دنياه" وبدأ منها بحرف الزجر والنهي، وهو المبدوء به في الحديث، وهو ما رواه ابن وهب من طريق ابن مسعود، عن رسول الله، ﷺ ، قال: "كان الكتاب الأول نزل من باب واحد، على وجه واحد، ونزل القرآن على سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتهم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به، كل من عند ربنا" وفي حديث آخر، من طريق ابن عمر: "أن الكتب كانت تنزل من باب واحد، وأن هذا القرآن أنزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف" وردد النبي، ﷺ ، لفظ الزجر بلفظ النهي، لأن المقصود منهما واحد، وهو الردع عما يضر في المعاد، إلا أن الردع على وجهين: خطاب لمعرض، ويسمى زجرا، كما يسمى في حق البهائم، وخطاب لمقبل على التفهم، ويمسي نهيا، فكأن الزجر يريع الطبع، والنهي يريع العقل. فنفرد لكل واحد من هذه الحروف والوجوه فصلا على ترتيب إيراد الحديث، بحول الله والتأييد بروح منه.
следующие страницы →