← Тафсир

Тафсир · id 26539

تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي

الحرالي، أبو الحسن

Полный текст (573 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الباب الأول في بيان الأحرف السبعة ويشتمل على تمهيد، وسبعة فصول، بحول الله تعالى. القول في التمهيد: اعلم أن القرآن منزل عند انتهاء الخلق وكمال الأمر بدءاً، فكان المتخلق به جامعا لانتهاء كل خلق وكمال كل أمر، فلذلك هو، ﷺ ، قثم الكون، وهو الجامع الكامل، ولذلك كان خاتما، وكان كتابه ختما، وبدأ المعاد من حد ظهوره ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ فاستوى صلاح هذه الجوامع الثلاث، التي قد خلت في الأولين بداياتها، وتمت عنده غاياتها، "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وهي صلاح الدين والدنيا، والمعاد الذي جمعها في قوله، ﷺ : "اللهم أصلح لي ديني، الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي". وفي كل صلاح إقدام وإحجام، فتصير الثلاثة الجوامع ستة مفصلات هي حروف القرآن الستة التي لم يبرح يستزيدها من ربه حرفا حرفا، فلما استوفى الستة وهبه ربه حرفا جامعا سابعا فرداً لا زوج له، فتم إنزاله على سبعة أحرف، هي ما فسرها، ﷺ ، في الحديث الوارد الغني عن تطلبها بالحدس، وفي بيانه، ﷺ ، شفاء العي وثلج اليقين، ونور التبصرة، فأدنى تلك الحروف هو حرفا صلاح الدنيا، فلها حرفان:

стр. 37

أحدهما: حرف الحرام الذي لا تصلح النفس والبدن إلا بالتطهر منه لبعده عن تقويمها. والثاني حرف الحلال: الذي تصلح النفس والبدن عليه، لموافقته لتقويمها. وأصل هذين الحرفين في التوراة، وتمامها في القرآن. ثم يلي هذين حرفا صلاح المعاد: أحدهما: حرف الزجر والنهي الذي لاتصلح الآخرة إلا بالتطهر منه، لبعده عن حسناها. والثاني: حرف الأمر الذي تصلح الآخرة عليه، لتقاضيه لحسناها. وقد تتضرر على ذلك حال الدنيا، لأنه يأتي على كثير من حلالها، لوجوب إيثار الآخرة لبقائها وكليتها على الدنيا لفنائها وجزئيتها، لكون خير الدنيا جزءا من مائة، وشر الدنيا جزء من سبعين، ولا يؤثر هذا الجزء الأدنى لحضوره على ذلك الكل الأنهى لغايته إلا أن من سفه وضعف إيمانه، فتخلص المرء من حرف الحرام طهره، وتخلصه من النهي طيبه. وأصل هذين الحرفين في الإنجيل، وتمامها في القرآن. ثم يلي هذين حرفا صلاح الدين: أحدهما حرف المحكم، الذي بان للعبد فيه خطاب ربه من جهة أحوال قلبه، وأخلاق نفسه، وأعمال بدنه، فيما بينه وبين ربه، من غير التفات لغرض النفس في عاجل الدنيا ولا لأملها. والثاني حرف المتشابه: الذي لايتبين للعبد فيه خطاب من جهة قصور عقله

стр. 38

عن إدراكه، ووجوب تسبيح ربه عن تمثل عبده إلى أن يؤيده الله بتأييده. فالحروف الخمسة للاستعمال، وهذا الحرف السادس للوقوف، ليكون العبد قد وقف لله بقلبه عن حرف، كما قد كان أقدم لله على تلك الحروف، ولينسخ بعجزه وإيمانه، عند هذا الحرف السادس، انتهاء ما تقدم من طوقه وعلمه في تلك الحروف ابتداء. وأصل هذين الحرفين في الكتب المتقدمة كلها، وتمامها في القرآن. فهده الحروف الستة يشترك فيها القرآن مع سائر الكتب، ويزيد عليها تمامها وبركة جمعها، ويختص القرآن بالحرف السابع الجامع مبين المثل الأعلى، ومظهر الممثول الأعظم. حرف الحمد الخاص بمحمد، ﷺ ، وبكتاب محمد، وهو حرف المثل، وعن جمعه وكمالة جمعه لمحمد في قلبه، وقرآنه على لسانه، وبيانه في ذاته، ظهرت عليه خواص خلقه الكريم، وخلقه العظيم، ولا ينال إلا موهبة من الله لعبده بلا واسطة، والستة تتنزل بتوسطات من استواء الطبع، وصفاء العقل، ومتانة وحي النبي، وإلهام الولي. ولما كان حرف الحمد هو سابعها الجامع، افتتح الله، سبحانه، به الفاتحة أم القرآن وأم الكتاب، وجمع فيها جوامع الحروف السبعة التي بثها في القرآن، كما جمع في القرآن ما بث في جميع الكتب المتقدمة، كما ضرب الله، سبحانه، مثلها لنبيه، حيث أعلمه أن مثل الكتب المتقدمة كفضة كثيرة ثقلت على مريد السفر بها، فابتاع بها ذهبا، فذلك مثل القرآن، ثم ثقل عليه الذهب، فابتاع به جوهراً، فذلك مثل أم القرآن، فإذن كمال الحروف الذي أنزل عليها القرآن موجود في جوامع أم القرآن: فالآية الأولى تشتمل على حرف الحمد السابع، والثانية تشتمل على حرفي الحلال والحرام التي أقامت الرحمانية بهما الدنيا [والرحيمية الآخرة]، والآية الثالثة

стр. 39

تشتمل على أمر الملك القيم، على حرفي الأمر والنهي، اللذين يبدو أمرهما في يوم الدين، والآية الرابعة تشتمل على حرفي المحكم، في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ والمتشابه في قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ولما كانت نبأ خطاب محاضرة لم تردد مسألتهما في السورة، فانفرد هذان الحرفان عن الدعاء فيهما، وعادت مسألة الآبه الخامسة على حرف الحمد، ومسألة الآية السادسة على آية النعمة من حرفي الحلال والحرام، ومسألة الآية السابعة على آية الملك من حرفي الأمر والنهي، فجمعت الفاتحة جوامع الحروف السبعة، وكما ابتدأت الفاتحة بالسابع الجامع الموهوب، ابتدئ القرآن بالحرف السادس المعجوز عنه، وهو حرف المتشابه، لأن إظهار العجز ومحض الإيمان كانت الهبة والتأييد، وليكون العبد يفتتح القرآن بالإيمان بغيب متشابهه في قوله: ﴿الم﴾ فيكون أتم انقيادا لما دونه، وبريئا من الدعوى في مستطاعه في سائر الحروف. ثم ولى السادس المفتتح به القرآن الخامس المحكم من وجه، في قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ لأن من عمل بها من قلبه شعبة إيمان وعلم، كانت له من المحكم، ومن عمل بها ائتمارا وإلجاء، ولم يدخل الإيمان في قلبه، كانت له حرف أمر. ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾. وهذا إنما وقع ترتيبه هكذا في القرآن المتلو، وأما تنزيله في ترتيب البيان فإن أول ما أنزل على النبي، ﷺ ، هو من حرف المحكم، وهو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ الآيات الخمس. وأول ما أنزل إلى الأمة في ترتيل البيان هو من حرف الزجر والنهي، وهو قوله

стр. 40

تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. أعلمهم بما يخاف عاقبته في الآخرة، وإن كان قد اتخذوا في الدنيا مودة بأوثانهم، وقال: (إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية، فابتدأ، تعالى ترتيل الأمة بإصلاح المعاد الأهم، لأن عليه يصلح أمر الدنيا: "من اشتغل بآخرته كفاه الله أمر دنياه" وبدأ منها بحرف الزجر والنهي، وهو المبدوء به في الحديث، وهو ما رواه ابن وهب من طريق ابن مسعود، عن رسول الله، ﷺ ، قال: "كان الكتاب الأول نزل من باب واحد، على وجه واحد، ونزل القرآن على سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتهم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به، كل من عند ربنا" وفي حديث آخر، من طريق ابن عمر: "أن الكتب كانت تنزل من باب واحد، وأن هذا القرآن أنزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف" وردد النبي، ﷺ ، لفظ الزجر بلفظ النهي، لأن المقصود منهما واحد، وهو الردع عما يضر في المعاد، إلا أن الردع على وجهين: خطاب لمعرض، ويسمى زجرا، كما يسمى في حق البهائم، وخطاب لمقبل على التفهم، ويمسي نهيا، فكأن الزجر يريع الطبع، والنهي يريع العقل. فنفرد لكل واحد من هذه الحروف والوجوه فصلا على ترتيب إيراد الحديث، بحول الله والتأييد بروح منه.

стр. 41

الفصل الأول في حرف الزجر والنهي وجه إنزال هذا الحرف كف الخلق عما يهلكهم في أخراهم، وعما يخرجهم عن السلامة في موتهم وبعثهم، مما رضوا به واطمأنوا عليه، أو أثروه من دنياهم. فمتوجهه للمطمئن بدنياه، المعرض عن داعيه إلى اجتناب ما هو عليه، يسمى زجراً، ومتوجهه للمتلفت المستشعر ببعض الخلل، فيما هو عليه، يسمى نهيا، وهما يجتمعان في معنى واحد، ومقصود واحد، إلا أنه متفاوت، ولذلك رددها النبي، ﷺ ، على المعنى الجامع في هذا الحديث. وأولاهما بالبدء به في الإنزال الزجل، لأن النبي، ﷺ ، إنما بعثه الله حين انتهى الضلال المبين في الخلق، ونظر الله، سبحانه، إلى جميع أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، كما ورد في الحديث الصحيح إسنادا ومتنا ولذلك كان أول منزل الرسالة سورة ﴿يا يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. وهي أول قوارع الأمر، كما أن فجأة الساعة أول قوارع الخلق، ولذلك انتظم ذكرهما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾.

стр. 42

وللمزجور حالان: إما أن ينفر عند الزجرة توحشا، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ وإما أن يدبر بعد فكرة تكبراً، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ وربما شارف أن يبصر فصرف، كما قال عمر، ﵁: "لكنها عقول كادها باريها". ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ صرفوا عن آيات الحق السماوية على ظهورها عقوبة على ذنب تكبرهم على الخلق، مع الإحساس بظهور آية انضمام الأرحام في الأرض ووضوحها. وكل قادعة لنوعي الكافرين: النافرين والمدبرين، من هذا الحرف، وتمام هذا المعنى بنهي المتأنس المحاضر عن الفواحش الظاهرة والباطنة الضارة في العقبى، وإن تضرروا بتركها في الدنيا، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾ في أكل مال اليتيم، والزنا وإيتاء الحائض، إلى ما دون ذلك من النهي عما يعدونه في دنياهم كيسا، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ و ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ وما لحق بهذا النمط، إلى ما دون ذلك على اتصال التفاوت من النهي عن سوء التأويل

стр. 43

لطية غرض النفس، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إلى ما دون ذلك من النهي عما يقدح في الفضل، وإن كان من حكم العدل، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى تمام مالا تحصل السلامة إلا به، من النهي عما زاد على الكفاف والبلغة في الدنيا الذي به يصح العمل بالحكمة، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ ونحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لأن كل زائد على الكفاف فتنة. وهذا هو أساس ما تتفاوت به درجات العلم في الدنيا، ودرجات الجنة في الآخرة، ولا تصح الوجوه والحروف التي بعده علما وعملا وثباتا وقبولا عند التمحيص إلا بحسب الإحكام في قراءة هذا الحرف وجمعه وبيانه، لأنه طهور لا بعده من صلاة حرف الأمر، وما قصر بعشرات فرق الأمة إلا التقصير في حرف النهي، لأن الملة الحنيفية مبنية على الإكتفاء باليسير من المأمورات والمبالغة في الحمية من عموم ما لايتناهى من المنهيات، لكثرة مداخل الآفات منها على الخلق، فيما بعد الموت. ويصعب هذا الحرف على الخلق ما استقر في أوهامهم أن دنياهم لا تصلح إلا بالمثابرة على صفوف المنهيات لنظرهم لجدواها في الدنيا، وعماهم عن وبالها في الأخرى، وما حوفظ على الرياضات والتأديبات والتهذيبات إلا لوفاء الحمية منها. والحمية أصل

стр. 44

الدواء، فمن لم يحتم عن المنهيات، لم ينفعه تداويه بالمأمورات، كالذي يتداوى ولا يحتمي يخسر الدواء ويتضاعف الداء، ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ جاءوا بحسنات كأمثال الجبال، وكانوا يصومون ويصلون، وياخذون وهنا من الليل، لكن ذلك تداو بغير حمية، لما لم يحتموا من الدنيا التي نهوا عن زهرتها، فكانوا إذا لاحت لهم وثبوا عليها فيصيبون منا الشهوات، ويعملون المعصيات، فلم تنفعهم المداواة. فمن احتمى فقد قرأ هذا الحرف، وهو حسبه، ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أحب العبادات إلى الله ترك الدنيا، وحمية النفس من هوى جاهها ومالها. "بل نبيا عبدا، أجوع يوما وأشبع يوما". "من رغب عن سنتي فليس مني". والقرآن حجة لمن عمل به فصار أمامه يقوده إلى الجنة، وحجة على من لم يعمل به يصير خلفه، فيسوقه إلى نار الحية التي في جب وادي جهنم، التي تستعيذ منها جهنم والوادي والجب في كل يوم سبع مرات ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾. ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. "أعوذ بعفوك من عقوبتك، وبرضاك من سخطك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" والحمد لله رب العالمين.

стр. 45

الفصل الثاني في حرف الأمر وجه إنزال هذا الحرف حمل الخلق على صدق التذلل لله، إثر التطهر من زجرهم، ليعود بذلك وصل ما انقطع وكشف ما انحجب، وهو حرف العبادة المتلقاة بالإيمان، المثابر عليها بسابق الخوف، المبادر لها تشوقا بصدق المحبة، فالعابد ما ساقه الخوف إليها، والمعارف من قاده الحب لها، وهو بناء ذو عمود وأركان، وله حظيرة تحوطه، فأما عموده فإفراد التذلل لله توحيداً، وطليعة آيه ما كان نحو قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. طهرهم حرف الزجر من رجز عبادة إله آخر، فأثبت لهم حرف الأمر التفريد حين لايشركون معه في التذلل شيئا، أي شيء كان آخر، وهو أول ما أقام الله من بناء الدين، ولم يفرض غيره نحو العشر من السنين، في إنزال ما أنزل بمكة من القرآن وسن مع فرضه. الركن الأول وهو الصلاة: وبدئت بالوضوء عملا من حذو [تطهر القلب والنفس بحرف النهي، وأعقب بالصلاة عملا من حذو] حضور القلب بالتوحيد بين يدي الرب، فالوضوء وجه عمل حرف الزجر، والصلاة وجه عمل حرف الأمر، وسن على تأسيس بدار الحب، لتبدو قوة الإيمان في مشهود ملازمة خدمة الأبدان، فكان أقواهم إيمانا أكثرهم وأطولهم صلاة وقنوتا، من أحب ملكا خدمه ولازمه، ولا تخدم الملوك بالكسل والتهاون، وإنما تخدم بالجهد والتذلل، فكانت الصلاة علم الإيمان، تكثر

стр. 46

بقوته وتقل بضعفه، لأنها لو فرصت لم يظهر فيها تفاوت قوة الإيمان وصدق الحب، كما لا يظهر بعد فرضها إلا في النوافل، ولإجهاد النبي، ﷺ ، نفسه وبدنه في ذلك، أنزل عليه: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. إلى قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. هذا التوحيد وإظهاره هو كان يومئذ المقصود الأول، وذلك قبل إسلام عمر، ﵁، وعمر موفي أربعين من عدد المؤمنين، فلما دخل الإسلام من لا يبعثه الحب والاستراحة على الصلاة بعد عشر أو نحوها، فرضت الصلاة، فاستوى في فرضها المحب والخائف، وسن رسول الله، ﷺ ، التطوع على ما كان أصلها. وذلك صبيحة ليلة الإسراء. وأول منزل هذا الحرف، والله أعلم، في فرض هذا الركن، أو من أول منزله، قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ اختص لهم بها أوقات الرحمة، وجنبهم بها أوقات الفتنة، ومنه جميع آي إقامة الصلاة وإتمامها. الركن الآخر الصوم: وهو إذلال النفس لله بإمساكها عن كل ما تشوف إليه من خاص أمرها، نهارا للمقتصر، ودواما للمعتكف، وهو صلة بين العبد وبين نفسه، ووصل لشتاته في ذاته. [وأول إنزال هذا الركن من هذا الحرف بالمدينة، بعد مدة من الهجرة] وأول منزله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. وإنما فرض، والله أعلم، بالمدينة، لأنهم لما أمنوا من عداوة الأمثال والأغيار، وعام

стр. 47

الفتنة بالمدينة، عادت الفتنة خاصة في الأنفس، بالتبسط في الشهوات، وذلك لا يليق بالمؤمنين المؤثرين للدين على الدنيا، ثم أنزل إتمامه بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى ما يختص من الآي بأحكام الصيام. الركن الآخر الزكاة: وهو كسر أنفة الغني بما يؤخذ بأخذه منه من حق أصنافها أطهارا، لأن المشتغلين بالدين آثر عند الله من القيمين على الأموال، وليميز بها الذين آمنوا من المنافقين، لتمكنهم من الرياء في العمود والركنين، ولم يشهد الله بالنفاق جهراً أعظم من شهادته على مانع الزكاة، ومن منع زكاة المال عن الخلق كان كمن أمتنع عن زكاة قواه بالصلاة من الحق، فلذلك لا صلاة لمن لا زكاة له، وكما كانت الصلاة حبا قبل فرضها، كذلك كان الإنفاق لما زاد على الفضل عزما مشهوراً عندهم لا يعرفون غيره، ولا يشعرون في الإسلام بسواه، فلما شمل الإسلام أخلاط الناس، وشحت النفوس، فرضت الزكاة، وعين أصنافها، وذلك بالمدينة حين اتسعت أموالهم، وكثر خير الله عندهم، وحين نجم نفاق قوم بها أنفة

стр. 48

من حظ رئاستهم بتذلل الإسلام لله والنصرة لخلق الله، وتثنى فيها الخطاب؛ مرة لأرباب الأموال بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ليكون لهم قربة، إذا أتوها سماحا، ومرة للقائم بالأمر بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ حين يؤنس من نفوسهم شح، وشدد الله، سبحانه، فيها الوعيد في القرآن جبرا لضعف أصنافها. ويتسق بذلك جميع ما أنزل في شأن النفقات والصدقات؛ بدارا عن حب، أو ائتمارا عن خوف. الركن الآخر الحج: وهو حشر الخلق من أقطار الأرض للوقوف بين يدي ربهم في خاتمة سنيهم ومشارفة وفاتهم، ليكون لهم أمنة من حشر ما بعد مماتهم، فكمل به بناء الدين، وذلك في أواخر سنين الهجرة، ومن آخر المنزل بالمدينة. وأول خطابه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ تثنية على أذان إبراهيم، ﵇، ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ إلى ما أنزل في أمر الحج وأحكامه. الحظيرة الحائطة: وهي الجهاد، ولم تزل مصاحبة للأركان كلها، إما مع ضعف، كما بمكة، أو مع قوة، كما بالمدينة.

стр. 49

ومن أول تصريح منزله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ إلى قوله، ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾. ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ إلى قوله تعالي: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ إلى انتهاء قتال أهل الكتاب، في قوله نعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى تمام المنزل في شأنه في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وهو تمام حرف الأمر. ولكل من ذلك الظاهر في الإسلام موقع حذوه في الإيمان، وموقع في الإحسان، الذي ثلاثتها هو كمال الدين، كل ذلك من منزل القرآن من بين إفصاح وإفهام في هذا الحرف، وهو وفاء الدين، والتعبد لرب العالمين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 50

الفصل الثالث في حرف الحلال وجه إنزال هذا الحرف توسيع الاستمتاع للخلق، بما خلق الله في الأرض من خيره ونعمه الموافقة لطباعهم وأمزجتهم، وقبول نفوسهم في جميع جهات الاستمتاع، من طعام وشراب ولباس ومركب ومأوى، وسائر ما ينتفع به مما أخرجه الله، ومما بثه في الأرض،، ومما عملته أيديهم في ذلك، من صنعة وتركيب ومزج ونحو ذلك، ليشهد دوام لبس الخلق الجديد في كل خلق على حسب ما منه فطر خلقه. ولما كان الإنسان مخلوقا من صفاوة كل شيء، توسع له جهات الانتفاع بكل شيء، إلا ما استثنى منه لحرف الحرام، ووجهه، كما استثنى لآدم أكل الشجرة من متسع رغد الجنة، فكان له المتاع بجميعه إلا ما أضر ببدنه، أو خبث نفسه، أو أران على قلبه، وذلك بأن يسوغ له طبعا، وتحسن مغبته في أخلاق نفسه، ويسنده قلبه لمنعمه الذي يشهد منه بداياته وتكملاته تجربة، ثم كمل القرآن ذلك بإلزام إخلاصه للمنعم به من غير أثر لما سواه فيه.

стр. 51

وجامع منزله بحسب ترتيب القرآن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. ومن أوائله بحسب ترتيب البيان - والله أعلم - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ الآية، وسائر الآيات الواردة في سورة النحل، وفي سورة "يس" إذ هي القلب الذي منه مداد القرآن كله، في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ الآيات، إلى سائر ما في القرآن من نحوه. وفي متسع حلال هذا الحرف وقعت الفتنة على الخلق بمازين لهم منه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ الآية. ووجه فتنته أن على قدر التبسط فيه يحرم من طيب الآخرة. ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾. "إنما يلبس هذه من خلاق له" ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ ومن رؤية سوء هذا المخسر نشأ زهد الزاهدين، ومن رؤية حسن المتجر وربحه وتضاعفه إلى مالا يدرك مداه ونعيمه في بيع خلاق الدنيا بخلاق الآخرة، نشأ ورع المورعين، فاستراحت قلوبهم بالزهد، وانكفوا بالورع عن الكد، وتفرغت قلوبهم وأعمالهم لبذل الجد، وتميز الشقي من السعيد بالرغبة فيه أو عنه، فمن رغب في الحلال شقي، ومن رغب عنه سعد. وهو الحرف الذي قبض بسطه حرف النهي، حتى لم يبق لابن آدم حظ فيما زاد

стр. 52

على حلف الطعام، وهي كسرة، وثوب يستره وبيت يكنه، وما زاد عليه متجر، إن أنفقه ربحه، وقدم عليه، وإن ادخره خسره وندم ولذلك لم يأذن الله لأحد في أكله حتى يتصف بالطيب للناس الذين هم أدنى المخاطبين، بانسلاخ أكثرهم من العقل والشكر والإيمان. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ ومحا اسمه من الذين آمنوا، وهم الذين لايثبتون ولا يدومون على خير أحوالهم، بل يخلطون، وذلك في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وهو ما طيبه حرف النهي - علما، وبريء من حوار القلوب طصأنينة، وتمم وأنهى صفوه للمرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، وورد جوايا لسؤالهم في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ فمن آثر حرف النهي حرف الحلال، فقد تزكى واتبع الأحسن، ووضح هداه، وصفا لبه، ومن آثر حرف الحلال على حرف النهي، فقد تدسى وحرم هدي الكتاب وعلم الحكمة ومزيد التأييد، بما فاته من التزكية، وتورط فيه من التدسية. والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.

стр. 53

الفصل الرابع في حرف الحرام وجه إنزال هذا الحرف طهرة الخلق من مضار أبدانهم، ورجاسة نفوسهم، ومجهلة قلوبهم، فما اجتمعن فيه كان أشده تحريما، وما وجد فيه شيء منها كان تحريمه بحسب تأكد الضرورة إلى طهرته. وكما اختلفت أحوال بني آدم، بحسب اختلاف طينتهم، من بين خبيث وطيب، وما بين ذلك، اختلفت أحوالهم فيما به تجدد خلقهم من رزقهم. فمن اغتذى بدنه من شيء ظهرت أخلاق نفس ذلك المغتذي به وأوصافه في نفسه، ورين على القلب أوصفا، لتقوته بما يسمى عليه من ذكر الله، أو كفر به بذكر غيره. وجامع منزله على حده من استثناء قليله من متع الحلال، قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ هذا لمضرته بالبدن، "أو لحم خنزير" وهذا لتخبيثه للنفس وترجيسه لها، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. فهذا لريته على القلب.

стр. 54

وهذه الآية مدنية، وأثبتها الله في سورة مكية إشعارا بأن التحريم كان مستحقا في أول الدين، ولكن أخر إلى حين اجتماع جمة الإسلام بالمدينة؛ تأليفا لقلوب المشركين، وتيسيرا على ضعفاء الذين آمنوا، واكتفاء للمؤمنين بتنزههم عن ذلك وعما يشبهه؛ استبصارا منهم، حتى إن الصديق، ﵁، كان قد حرم الخمر على نفسه في زمن الجاهلية، لما رأى فيها من نزف العقل، فكيف بأحوالهم بعد الإسلام، وألحق بها في سورة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ما كان قتله سطوة من غير ذكر الله عليه، من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، إلا ما تدورك بالتذكية المنهرة للدم المؤصل في التحريم، لفساد مسفوحه بما هو خارج عن حدي الطعام في الابتداء والأعضاء في الانتهاء، المستدركة ببركة التسمية إثر ما أصابها من مفاجأة السطوة، وألحق بها أيضا في هذه السورة تحريم الخمر لرجسها، كالخنزير، كما ألحقت المقتولة بالميتة. وكما حرم الله ما كان فيه جماع الرجس من الخنزير، وجماع الإثم من الخمر، حرم رسول الله، ﷺ ، ما كان فيه حظ من ذلك، فألحق بالخنزير السباع، حماية من سورة غضبها، لشدة المضرة في ظهور الغضب من العبيد، لأنه لا يصلح إلا لسيدهم، وحرم الحمر الأهلية حماية من بلادتها وحرانها، الذي هو علم غريزة الخرق في الخلق، وألحق، ﷺ ، بتحريم الخمر، الذي سكرها مطبوع، تحريم المسكر الذي سكره مصنوع.

стр. 55

وكما حرم الله مايضر العبد في ظاهره وباطنه، حرم عليه، فيما بينه وبينه، ما يقطعه عنه من أكل الربا. "الربا بضع وسبعون بابا، والشرك مثل ذلك". وجامع منزله في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ إلى انتهاء ذكره، إلى ما ينتظم بذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ الآية. إلى ما يلحق بذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ الآية. ولما كان تحريم الربا لما بين الرب والعبد، كان فيه الوعيد بالإيذان بحرب من الله ورسوله، ولذلك حمت الأئمة ذرائعه أشد الحماية، وكان أشدهم في ذلك عالم المدينة، حتى إنه حمى من صورته، مع الثقة بسلامة الباطن منه، وعمل بضد ذلك في محرمات ما بين العبد ونفسه. وكما حرم الله الربا، فيما بينه وبين عبده، من هذا الوجه الأعلى، كذلك حرم أكل المال بالباطل، فيما بين العبد وبين غيره من الطرف الأدنى. وجامع منزله في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ إلى ما ينتظم به من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ إلى ما ينتظم بذلك من قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ الآيات في أموال اليتامى، فحرمه الله تعالى من جهة الأعلى والمثيل والأدنى، وانتظم التحريم في ثلاثة أصول: من جهة ما بين الله وبين عبده، ومن جهة ما بين العبد وبين نفسه، ومن جهة ما بين العبد وبين غيره، مما تستقرى جملة آيه في القرآن، وأحاديثه في السنة، ومسائله في فقه الأيمة.

стр. 56

ولما كان له متسع وقع فيما بين الحلال الصرف والحرام المحض، أمور متشابهات، لا يعلمها كثر من الناس، لأنها تشبه الحلال من وجه، وتشبه الحرام من وجه، فلوقوعها بينهما تختلف فيها الأيمة علما، ويتجنب جميعها الصالحون عملا. "من اتقى الشبهات استبرأ لدينه في العقبى، ولعرضه في الأولى". وعن حماية الله عباده عن وبيل الحرام، تحقق لهم اسمه الطبيب، فلم يتطبب بطب الله من لم يحتم عن محرماته ومتشابهاتها، وهو الورع الذي هو ملاك الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

стр. 57

الفصل الخامس في حرف المحكم وجه إنزال هذا الحرف تحقيق اتصاف العبد بما هو اللائق به في صدق وجهته إلى الحق بانقطاعه عن نفسه، وبراءته منها، والتجائه إلى ربه استسلاما، وحفده في خدمته إكبارا، واستناده إليه اتكالا، وسكونه له طمأنينة: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. ويتأكد تحلي العبد بمستحق أوصافه بقراءة هذا الحرف، والعمل به بحسب براءته من التعرض لنظيره المتشابه، [لأن اتباع المتشابه] زيغ، لقصور العقل والفهم عن نيله ووجوب الاقتصار على الإيمان به، من غير موازنة بين ما خاطب الله تعالى به عباده للتعرف، وبين ما خلقه للعبد للاعتبار. "سبحان من لم يجعل سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته". وجامع منزل المحكم ما افتتح به التنزيل في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ الآيات. وما قدم في الترتيب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ إلى ما

стр. 58

ينتظم بذلك من ذكر عبادة القلب، التي هي المعرفة. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله. فإذا عرفوا الله، ومن ذكر عبادة النفس، التي هي الإجمال في الصبر، وحسن الجزاء ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ومن ذكر عبادة الجوارح بالخشوع: ﴿قد قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه". إلى سائر أحوال العبد، التي يتحقق بها في حال الوجهة إلى الرب. وما تقدم من حرفي الحرام والحلال لإصلاح الدنيا، وحرفي الأمر والنهي لإصلاح العقبى معاملة كتابة. والعمل بهذا الحرف اغتباط بالرق، وعياذ من العتق، فلذلك هو أول الاختصاص، ومبدأ الاصطفاء، وإفراد موالاة الله وحده من غير شرك من نفس ولا غير، ولذلك بديء بتنزيله النبي العبد، وهو ثمرة ما قبله، وأساس ما بعده، وهو للعبد أحوال محققة، لا يشركه فيها ذو رياء ولا نفاق، ويشركه في الأربعة المتقدمة، لأنها أعمال ظاهرة، فيتحلى بها المنافق، وليس يمكنه مع نفاقه التحلي بالمعرفة، ولا

стр. 59

بالخشوع، ولا بالخضوع، ولا بالشوق للقاء، ولا بالحزن في الإبطاء، ولا بالرضا بالقضاء، ولا بالحب الجاذب للبقاء في طريق الفناء، ولا بشيء مما شمله آيات المحكم المنزلة في القرآن، وأحاديثه الواردة للبيان. وإنما يتصف بهذا الحرف عباد الرحمان: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ الذين ليس للشيطان عليهم سلطان: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. ولما كان حرف المحكم مستحق العبد في حق الرب، في فطرته التي فطر عليها، كان ثابتا في كل ملة وفي كل شرعة، فكانت آياته لذلك هن أم الكتاب، المشتمل على الأحرف الأربعة، لتبدلها وتناسخها وتناسيها في الشرع والملل، واختلافها في مذاهب الأيمة في الملة الجامعة، مع اتفاق الكل في الشرع المحكم، فهو أمها وقيامها الثابت حال تبدلها، وهو حرف الهدى، الذي يهدي الله به من يشاء. وقراؤه العملة له هم المهتدون أهل السنة والجماعة، كما أن المتبعين لحرف المتشابه، هم المفترقون في الملل، وهم أهل البدع والأهواء، المشتغلون بها لا يعنيهم. وبهذا الحرف المتشابه يضل الله من يشاء. فحرف المحكم للاجتماع والهدى، وحرف المتشابه للافتراق والضلال. والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.

стр. 60

الفصل السادس في حرف المتشابه وجه إنزال هذا الحرف تعرف الحق للخلق، بمعتبر ما خلقهم عليه، ليلقنوا عنه وليفهموا خطابه، وليتضح لهم نزول رتبتهم عن علو ما تعرف به لهم ولينختم بعجزهم عن إدراك هذا الحرف علمهم بالأربعة وحسهم بالخامس، [وبوقوفهم عنه والاكتفاء بالإيمان منه ما تقدم من عملهم بالأربعة، واتصافهم بالخامس] لتتم لهم العبادة بالوجهين: من العمل والوقوف، والإدراك والعجز: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾؛ علما وحسا، ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ وقوفا وعجزا، أعلمهم بحظ من علم أنفسهم وغيرهم، بعد أن أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا، ثم أعجزهم عن علم أمره وأيامه الماضية الآتية وغائب الحاضرة، ليسلموا له اختيارا، فيرزقهم اليقين بأمره وغائب أيامه، كما أسلموا له في الصغر اضطرارا، فرزقهم حظا من علم خلقه، فمن لم يوقفه في حد الإيمان اشتباه خطابه تعالى عن نفسه، وما بينه وبين خلقه، وحاول تدركه بدليل أو فكر أو تأويل، حرم اليقين بعلى الأمر والتحقيق في علم الخلق، وأخذ بما أضاع

стр. 61

من محكم ذلك المتشابه، حين اشتغل عما يعنيه من حال نفسه، بما لا يعنيه من أمر ربه، وكان كالمتشاغل بالنظر في زي الملك وتنظيره بزي نفسه، عن مراقبة ما يلزمه من تفهم حدوده، وتذلله لحرمته. وجوامع منزل هذا الحرف في رتبتين: مبهمة، ومفصلة. أما انبهامه فلوقوف العلم به على تعريف الله بغير واسطة من وسائط النفس من فكر ولا استدلال، وليتدرب المخاطب، بتوقفه عن المبهم، على توقفه عن مفصله. ومبهمه هو جوامع الحروف المنزلة في أوائل السور التسعة والعشرين من سوره، وبه افتتح الترتيب في القرآن، ليلقى الخلق بادئ أمر الله بالعجز والوقوف والاستسلام، إلى أن يمن الله بعلمه بفتح من لدنه، ولذلك لم يكن في تنزيله في هذه الرتبة ريب لمن علمه الله كنهه، من حيث لم يكن للنفس مدخل في علمه، وذلك قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لمن علمه الله إياه ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ وقوفا عن محاولة علم ما ليس في وسع الخلق علمه، حتى تلحقه العناية من ربه، فيعلمه مالم يكن يعلم. وأما الرتبة الثانية فمتشابه الخطاب المفصل، المشتمل على إخبار الله عن نفسه وتنزلات أمره، ورتب إقامات خلقه بإبداع كلمته، وتصيير حكمته، وباطن ملكوته، وعزيز جبروته، وأحوال أيامه. وأول ذلك في ترتيب القرآن إخباره عن استوائه في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى

стр. 62

السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ إلى سائر ما أخبر عنه من عظيم شأنه، في جملة آيات متعددات كقوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ﴾ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ﴿قُلْ مَنْ

стр. 63

بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾. ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾. ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾. ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾. ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾. ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾. ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾. ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾. ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا

стр. 64

أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ إلى سائر ما أخبر فيه عن تنزلات أمره وتسوية خلقه، وما أخبر عنه حبيبه محمد، ﷺ ، من محفوظ الأحاديث التي عرف بها أمته ما يحملهم في عبادتهم على الانكماش والجد والخشية والوجل والاشفاق، وسائر الأحوال المشار إليها في حرف المحكم، من نحو حديث النزول والنعلين والصورة والضحك والكف والأنامل، وحديث التقرب بالنوافل، وغير ذلك من الأحاديث التي ورد بعضها في الصحيحين، واعتنى بجمعها الحافظ المتفنن أبو الحسين الدارقطني ﵀، ودون بعض المتكلمين جملة منها لمقصد التأويل. وشدد النكير في ذلك أيمة المحدثين، يؤثر عن الإمام أحمد بن حنبل ﵁، أنه قال: آيات الصفات، وأحاديث الصفات صناديق مقفلة، مفاتيحها بيد الله، تأويلها تلاوتها، وعلى ذلك أيمة الفقهاء وفتياهم لعامة المؤمنين. والذي أجمعت عليه الصحابة ولقنته العرب كلها أن ورود ذلك من الله، ومن رسوله، ومن الأيمة، إنما لمقصد الإفهام، لا لقصد الإعلام، فلذلك لم تستشكل الصحابة منه شيئا قط، بل كلما كان وارده عليهم أكثر، كانوا به أفرح، وللخطاب به أفهم، حتى قال بعضهم، لما ذكر النبي، ﷺ : "أن الله يضحك من عبده"

стр. 65

لانعدم الخير من رب يضحك. وهم وسائر العلماء بعدهم صنفان: إما متوقف عنه في حد الإيمان، قانع بما أفاد من الإفهام. وإما مفتوح عليه بما هو هو في صفاء الإيقان، وذلك أن الله، سبحانه، تعرف لعباده في الأفعال والآثار في الآفاق، وفي أنفسهم تعليما، وتعرف للخاصة منهم بالأوصاف العليا والأسماء الحسنى، مما يمكنهم اعتباره تعجيزا، فجاوزوا حدود التعلم بالإعلام إلى عجز الإدراك، فعرفوا أن لا معرفة لهم. وذلك هو حد العرفان، وإحكام قراءة هذا الحرف المتشابه في منزل القرآن، وتحققوا أن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ فتهدفوا بذلك لما يفتحه الله على من يحبه من صفاء الإيقان، والله يحب المحسنين.

стр. 66

الفصل السابع في حرف المثل هذا الحرف لإحاطته أنزل وترا، وسائر الحروف أشفاع، لاختصاصها. ووجه إنزاله تفهيم ما غمض من المغيبات، بضرب مثل من المشهودات، ولما كان للأمر تنزلات، وللخلق تطورات، كان الأظهر منها مثلا لما هو دونه في الظهور، وكلما ظهر ممثول صار مثلا لما هو أخفى منه، فكان لذلك أمثالا عدداً، منها مثل ليس بممثول لظهوره، وممثولات تصير أمثالا لما هو أخفى منها، إلى أن تنتهي الأمثال إلى غاية محسوس أو معلوم، فتكون تلك الغاية مثلا أعلى، كالسموات والأرض فيما يحس، والعرش والكرسي فيما يعلم، ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾. وذلك المثل الأعلى لإحاطته اسمه الحمد ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وأحمده أنهاه وأدناه إلى الله، بحيث لا يكون بينه وبين الله واسطة، فلذلك ما استحق أكمل الخلق وأجمعه، وأكمل الأمر وأجمعه الاختصاص بالحمد، فكان [أكمل الأمر سورة الحمد، وكان] أكمل الخلق "صورة محمد" "كان خلقه

стр. 67

القرآن" ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾. ودون المثل الأعلى الجامع، الأمثال العلية المفصلة منه. ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾. ولإحاطة أمر الله وكماله في كل شيء، يصح أن يضربه مثلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾. وللمثل حكم من ممثوله، إن كان حسنا حسن مثله، وإن كان سيئا ساء مثله، ولما كان أعلى الأمثال الحمد، كان أول الفاتحة: الحمد، ولما كان أخفى أمر الخلق النفاق، كان أول مثل في الترتيب مثل المنافق، وهو أدنى مثل لما خفي من أمر الخلق، كما أن الحمد أعلى مثل لما غاب من أمر الخلق. وبين الحدين أمثال حسنة وسيئة، ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ الآيتين. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾. ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ الآيتين. وبقدر علو المثل أو دنوه أو توسطه يتزايد للمؤمن الإيمان، وللعالم العلم، وللفاهم الفهم، وبضد ذلك لمن اصتف بأضداد تلك الأوصاف ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾.

стр. 68

ومعرفة أمثال القرآن المعرفة إحاطة ممثولاتها، وعلم آياته المعلمة اختصاص معلوماتها، هو حظ العقل واللب، وحرفه من القرآن، ولكل حرف اختصاص بحظ من تدرك الإنسان وأعمال القلوب، والأنفس، والأبدان، فمن يسر له القراءة والعمل بحرف منه اكتفى، ومن جمع له قراءة جميع أحرفه علما وعملا، فقد أتم ووفى، وبذلك يكون القارئ من القراء الذين قال فيهم رسول الله، ﷺ "إنهم أعز من الكبريت الأحمر". يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، هذا وفاء القول في الباب الأول.

стр. 69

الباب الثاني في شرط منال قراءة هذه الحروف وعلمها والعمل بها ويشتمل كالأول على تمهيد وسبعة فصول. القول في التمهيد: اعلم أن الله، سبحانه، خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، ورزقه نورا من نوره، فلأنه خلقه بيده، كان في أحسن تقويم، خلقا، ولأنه نفخ فيه من روحه، كان أكمل حياة قبضا وبسطا، ولأنه رزقه نورا من نوره، كان أصفى عقلا وأخلص لبا، وأفصح نطقا وأعرب بيانا، جمعا وفصلا، وأطلعه على ما كتب من حروف مخلوقاته إدراكا وحسا، وعقله ما أقام من أمره فهما وعلما، ونبهه على ما أودعه في ذاته عرفانا ووجدا، ثم جعل له فيما سخر له من خلقه متاعا، وأنسا، فأناسه وردده ما بين إقبال وإدبار وقبول وإعراض، فمن شغل بالاستمتاع الأدنى عن الاطلاع الأعلى كان [سفيها، ومن شغله الاطلاع الأعلى عن الاستمتاع الأدنى كان] حنيفا. ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾.

стр. 70

ولما كان متاع الخلق في الأرض إلى حين، وشغل أكثرهم أكلهم وتمنعهم، وأنهاهم أملهم عن حظهم من الحنيفية، بما أوتي العقل من التبليغ عن الله نظرا واعتبارا - اصطفى الله، سبحانه، من الحنفاء الذين قرأوا كتاب الخلق منبهين على النظر الذي اشتغل عنه المعرضون، وأنف منه واستكبر عنه المدبرون، وأكدوا تنبيههم بما اسمعوهم من نبأ ما وراء يوم الدنيا من أمر الله في اليوم الآخر، وما تتمادى إليه أيام الله، وذكروهم بما مضى من أيام الله، وأنزل الله، سبحانه، معهم كتبا يتلونها عليهم، ويبينونها لهم علما، وعملا، وحالا، فقبل ما جاءوا به وصدقه واستبشر به الحنفيون، وأنذر به المدبرون والمعرضون: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ آمن من تنبه للنظر والاعتبار، وألقى السمع وهو شهيد، وكفر من آثر متاعه بالعاجلة التي تراها الأعين على وعد الله ووعيده في الآجله التي إنما يعيها القلب، وتسمعها الأذن، وكما شغل المدعوين إلى الإسلام كفرهم ودنياهم، كذلك شغل المولدين في الإسلام غفلتهم ودنياهم، لعبهم في صباهم، ولهوهم في شبابهم، وتفاخرهم في أشدهم واستوائهم، وتكاثرهم في الأموال في اكتهالهم، وتكاثرهم في الأولاد في شيخهم، فاشترك المدعو إلى الإسلام، والمولد فيه الغافل، في عدم الإقبال والقبول، وفي ترك الاهتمام بالآجلة، واقتصارهما على الاهتمام بالعاجلة، وكلاهما جعل القرآن وراء ظهره، المدعو لفظا وعلما، والمولد الغافل علما وعملا، فلم يسمعه المدعو، ولم يفهمه الغافل، فجعله بالحقيقة وراء ظهره، ومن جعل القرآن خلفه ساقه إلى النار، وإنما جعله أمامه من قرأه علما وحالا وعملا،

стр. 71

ومن جعل القرآن أمامه قاده إلى الجنة. ولما قامت الحجة عليهم بقراءته، إذا لم يجاوز حناجرهم، كانوا أشد من الكفار عذابا في النار "أكثر منافقي أمتي قراؤها". ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. فإذن لابد في قراءة القرآن من تجديد إقبال، وتهيئ لقبول وتحقيق تقوى، لأنه إنما هو هدى للمتقين، وإجماع على الاهتمام، وكما أن أمور الدنيا لا تحصل لأهلها إلا على قدر عزائمهم واهتمامهم، فأحرى أن لا يحصل أمر الأخرى إلا بأشد عزيمة وأجمع اهتمام. فلا يقرأ القرآن من لم يقبل عليه بكلية ظاهره، ويجمع اهتمامه له بكلية باطنه ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾. ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾. فشرط منال قراءته اهتمام القلب بتفهمه، وإقبال الحس على استماعه وتدبره. ولكل حرف شرط يخصه، يفرد لكل شرط فصل، بحول الله، ونبدأ بشرطي أحرف صلاح الدنيا، والله ولي التأييد والتسديد.

стр. 72

الفصل الأول فيما به تحصل قراءة حرف الحلال تماما في العلم والحال والعلم اعلم أن الإنسان لما كان خلقا جامعا، كانت فيه بزرتان: بزرة للخير، وبزرة للشر، وبحسب تطهره وتخلصه من مزاحمة نبات بزرة الشر، تنمو فيه وتزكو بزرة الحير، ولكل واحدة من البزرتين منبت في جسمه ونفسه وفؤاده. فأول الحروف في الترتيب العملي والأساس لما بعده، هو قراءة حرف الحرام. ليحصل به طهرة البدن الذي هو السابق في وجود الإنسان، فمن غذي بالحرام في طفولته لم يقدر على اجتناب الآثام في كهولته، إلا أن يطهره الله بما شاء من نار الورود في الدنيا من الأمراض والضراء، فهو الأساس الذي ينبني عليه تطهر النفس من المناهي، وتطهر الفؤاد من العمه والمجاهل. والذي به تحصل قراءة هذا الحرف هو الورع الحاجز عما يضر بالجسم. ويؤذي النفس، وما يكره الخلق وما يغضب الرب. فمن أصاب شيئا من ذلك ولم يبادر الله بالتوبة عذب بكل آية قرأها، وهو مخالف لحكمها، من لم يبال من أي باب دخل عليه رزقه، لم يبال الله من أي باب أدخله النار.

стр. 73

ولما كان الورع كف اليد، ظاهراً، عن الشيء الضار، كانت الجوارح لا تنقاد إلا عن تأثر من النفس، لم يصح الورع ظاهرا إلا أن تقع في النفس روعة باطنة من تناول ذلك الشيء. ولما كانت النفس لا تتأثر إلا عن تبصرة القلب، لم يصح أن تقع روعة النفس إلا عن تبصر القلب في الشيء الضار، كما لا تنكف اليد إلا عند تقذر النفس لما تدرك العين قذره، حتى إن النفس الرضية تأنف من المحرمات كما يأنف المنتظف من المستقذرات، فأكلة الحرام هم دود جيفة الدنيا، تستقذرهم أهل البصائر، كما يستقذرون هم دود جيف المزابل. ولما كان الحرام ما يضر العبد في جسمه، كالميتة، تيسر على المتبصر كف يده عنها، لما يدري من مضرتها بجسمه، وكذلك الدم المسفوح، لأنه ميتة بانفصاله عن الحي، ومفارقته لروح الحياة، التي تخالطه في العروق، وكذلك ما يضر بنفسه كلحم الخنزير، لأنه رجس، والرجس هو خبائث الأخلاق التي هي عند العقلاء أقبح من خبائث الأبدان، وذلك لأن من اغتذى جسمه من لحم حيوان اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الحيوان، وتخلق من أخلاقه، وفي نفس الخنزير مجامع رذائل الأخلاق، من الإباء والحران والمكر، والإقدام على ما يعاين فيه الهلاك، ومتابعة الفساد، والانكباب على ما يقبل عليه من أدنى الأشياء، على ما ظهرت في خلقته آياته، فإنه ليس له استشراف كذوات الأعناق. وكذلك ما يضر بهما وبالعقل، كالخمر في نزفها للعقل وتصديعها للرأس، وإيقاعها العداوة والبغضاء في خلق النفس، ولذلك هي جماع الإثم، فالمتبصر في المحرمات يأنف

стр. 74

منها، لما يدري من مضرتها وأذاها في الوقت الحاضر، وفي مغبتها في يوم الدنيا، إلى ما أخبر به من سوء عقابها في يوم الدين: "من شرب الخمر ومات، ولم يتب منها، كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال". وهي عصارة أهل النار، ولو هدد شاربها في الدنيا من له عليه إمرة، بأن يسقيه من بوله ورجيعه لوجد من الروع ما يحمله على الورع عنها. وإذا استبصر ذو دراية فيما يضره في ذاته، فأنف منه رعاية لنفسه، لحق له بذلك التزام رعايتها عما يتطرق له منه درك من جهة غيره، فيتورع عن أكل أموال الناس بالباطل، لما يدري من المؤاخذة عليها في العاجل، وما أخبر به من المعاقبة عليها في الآجل، ولها في ذاته مضرة في الوقت، يتعرفها من موارد القرآن بنور الإيمان. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ فهو آكل نارا، وإن لم يحس بها، وليس تأويله الوعيد بالنار، لأن ذلك أنبأ عنه قوله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ وكذلك إذا أنف مما يضره في نفسه، وخاف مما يتطرق إليه ضره من غيره، أعظم أن يقرب حمى ما يتطرق إليه السطوة من ربه لأجله، وذلك فيما حرم عليه حماية لعظيم ملكه، وعدم التفاوت في أثر رحمانيته في محرم الربا، ولما فيه أيضا من مضرة وقته الحاضر التي يقبلها بالإيمان من تعريف ربه، فإنه

стр. 75

تعالى، كما عرف أن [أكل مال الغير بالباطل نار في البطن، عرف أن] أكل الربا جنون في العقل، وخيال في النفس: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. وأعظم من ذلك ما حرمه الله لعرائه عن اسمه عند إزهاق روحه، لأنه مأخوذ من غير الله، وما أخذ من غير الله كان مأكله فسق وكفر لأنه تناول الروح من يد من لايملكها، [ولذلك فرضت التسمية في التذكية، ونقلت فيها سوى ذلك]. فلا تصح قراءة هذا الحرف إلا بتبصرة القلب فيه، وروعة النفس منه، وورع اليد عنه، وإلا فهو من الذين يقرؤون حروفه، ويضيعون حدوده، الذين قال فيهم رسول الله، ﷺ ، "كثر هؤلاء من القراء لا كثرهم الله". ومن لم يصح له قراءة [هذا الحرف لم تصح له قراءة] حرف سواه، ولا تصح له عبادة، وهو الذي "لا تزيده صلاته من الله إلا بعدا" ولا يقبل منه دعاء، والرجل يكون مطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، "يقول يارب، يارب، فأنى يستجاب لذلك". فهذا وجه قراءة هذا الحرف وشرطه، والله ولي التوفيق.
следующие страницы →