← Адаб

Адаб · id 26549

مصارع العشاق

السراج القارئ

Полный текст (611 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ألا مَن لَعينٍ لا تَرَى قُلَلَ الحِمى، ... وَلا حَبَبَ الأوْشالِ إلا استهَلّتِ. ألا قاتَلَ اللهُ الحِمَى من مَقامةٍ، ... وَقاتَلَ دُنيَانَا بهِ كَيفَ وَلّتِ. فَما أُمّ بَوٍّ هَالِكٍ بِتَنُوفَةٍ، ... إذا ذَكَرَتْهُ آخِرَ اللّيلِ حَنّتِ. وَمَا وَجْدُ أعرَابيّةٍ قَذَفَتْ بهَا ... صرُوفُ النوَى من حيثُ لم تكُ ظنّتِ. إذا ذكَرت نجداً وَطِيبَ تُرَابِهِ، ... وَبَردَ الحصَى من أرْض نجد أرَنّتِ. بأكْثَرَ مِنّي لَوْعَةً، غَيْرَ أنّني ... أُطَامِنُ أحشائي على ما أجنّتِ. حديث كالقطر وبإسناده قال: حدثنا القالي قال: قرأت في نوادر ابن الأعرابي عن أبي عمر المطرز الأعرابي قال أبو عمر: أنشدنا أبو عمر: وَحَديثُها كَالقَطْرِ يَسْمَعُهُ ... رَاعي سِنِينَ تَتَابَعَتْ جَدْبَا. فَأصَاخَ يَرْجُو أنْ يَكُونَ حَياً، ... وَيَقُولُ مِنْ فَرَحٍ: أيَا رَبّا.

стр. 247

حديثها السحر الحلال وأحسن ابن الرومي في هذا المعنى قوله: وَحَدِيثُهَا السّحرُ الحَلالُ لَو أنّهُ ... لمْ يَجْنِ قَتْلَ المُسْلِمِ المُتَحَرِّزِ. إنْ طالَ لم يُملَلْ، وَإنْ هيَ أوْجَزَتْ ... وَدَّ المُحَدَّثُ أنّهَا لم تُوجِزِ. شَرَكُ العُيُونِ، وَفِتنَةٌ مَا مِثْلُهَا ... للمُطْمَئِنّ، وَعُقْلَةُ المُسْتَوْفِزِ. حديث كقطع الرياض قال: وأنشدني بعض أصحابنا لبسار: وَكَأنّ حُلْوَ حَدِيثِهَا، ... قِطَعُ الرّياضِ كُسينَ زَهرَا. وَكَأنّ تَحْتَ لِسَانِهَا ... هَارُوتَ يَنفُثُ فيه سِحرَا. وَتَخَالُ مَا جُمِعَتْ عَلَيْ ... هِ ثِيَابُهَا ذَهَباً وَعِطْرَا. وَكَأنّهَا بَرْدُ الشّرَا ... بِ صَفا وَوَافَقَ مِنْك فِطْرَا. ما لي وللعيد أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قال: أنشدني أبو عبد الله بن حجاج لنفسه: قالوا: غَدَا العِيدُ فاستَبشِرْ به فرَحاً! ... فقلتُ: ما لي وَما للعيدِ وَالفَرَحِ.

стр. 248

قَد كانَ ذا، وَالنّوَى لم تُضْحِ نازِلةً، ... بعَقوَتي، وَغُرَابُ البَينِ لم يَصِحِ. أيْامَ لمْ يَخْتَرِمْ قُرْبي العِبَادُ، وُلم ... يَغدُ الشَّتَاتُ عَلى شَملي وَلم يَرُحِ. وَطَائِرٍ طَارَ في خَضْرَاءَ مُورِقَةٍ ... عَلى شَفَا جَدوَلٍ بالرَّوْضِ مُتَّشحِ. بَكَى وَنَاحَ، وَلَوْلا أنّهُ سَبَبٌ ... لشَجوِ قَلبي المُعَنّى فِيكِ لم يَنُحِ. فَما ذَكَرْتُكِ، وَالأقْدَاحُ دَائِرَةٌ، ... إلاّ مَزَجتُ بدَمعي بَاكياً قَدَحي. وَلا سَمِعتُ بصَوْتٍ فيهِ ذِكْرُ نَوىً ... إلاّ عَصَيتُ عَلَيهِ كلَّ مُقْتَرِحِ. مختصر يصف نفسه في ساعة الموت أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد بفسطاط مصر قال: أخبرنا أبو صالح محمد بن أبي عدي السمرقندي الصوفي قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن القاسم بن أليسع بالقرافة قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو الدينوري قال: حدثنا أبو محمد جعفر بن عبد الله الصوفي الخياط قال: قال أبو حمزة محمد بن إبراهيم الصوفي قال: حدثنا أبو كامل الحراني قال: حدثني أبو محمد بن زرعة قال: كان خضر بن زهرة الشيباني من أعبد الصوفية، وأنسكهم وأشدهم اجتهاداً، وأملكهم لنفسه، وكان مقبول القول مطاعاً في بلده، فارساً شجاعاً، ذا مال وافر، فنشأ له غلام قد رباه كأحسن ما رؤي من الغلمان في حفظ القرآن وحفظ الحديث وحجسن المناظرة والأدب والعبادة، وكان قد أخذ عنه، وسمع حتى كان بعض الناس يوازيه به في الفروسية والشجاعة والمعرفة، وكانا ملازمين لغزو، فخرجا في بعض السرايا، فأصيبت السرية، وأفلت منها جرحى، وفيها خضر وغلامه جريحان، مثخنان،

стр. 249

فكمنا في بعض الغياض، فاشتدت علة الغلامن وضعف عن الحركة والنهوض، فأقمنا عليه ثلاثاً، ونزل به الموت، فأقبل يضحك أحياناً، ويبكي أحياناً، فقال له خضر: مم تضحك يا بني؟ قال: أضحك إلى جوار يضحكن إلي، ويقبلن بوجوههن علي. قال: فما يبكيك؟ قال: أبكاني فراقك وحبسك في الدنيا بعدي. قال: أما لئن قلت ذلك يا بني ليكونن عمري بعدك قصيراً، وحزني عليك كثيراً، وفرحي بعدك قليلاً، وقلبي بفراقك عليلاً، فسبحان من أبقاني بعدك للأحزان، وعرضني لنوائب الزمان، وجعلني غرضاً لنوازل الحدثان. وبكى حتى انقطع عن الكلام، فقال له: لا تبك فإن لقاءنا قريب، واجتماعنا سريع. فقال: أتوصي بشيء يا بين حتى أبلغ فيه محبوبك؟ قال: نعم! قال: قل! قال: عليك بالصبر بعدي، فغنها درجة الأبرار، ومعقل الأخيار، وإياك والجزع، فإنه سبيل لكل ضعيف، ومعول كل حاطئ، وغياك والزيغ، والزم ما أنت عليه، فإنه يوشك أن يقدم بك على غبطة وسرور وسعادة وحبور، فلو رأيت ما أعد الله تعالى لي من الكرامة، وتفضل علي به من الرحمة، لأحببت أن تكون المقدم إليه قبلي. فقال: لقد سررتني يا بني بما وصفت، وغبطتك بما قد بلغت، فهل بقي سبيل أمر من أمور الدنيا تحب أن تبلغه حتى أبلغه لك إن رزقني الله العافية، وتخلصت سالماً، ووهبت لي الحياة. قال: نعم! تجعل لي معك سالماً، ووهبت لي الحياة. قال: نعم! تجعل لي معك سهماً في حجك وغزوك وصدقتك. قال: قد فعلت، لوالدي الثلث ولك الثلث، مما تفضل الله به علي

стр. 250

من الأجر. فقال: أما إذ بدا لك ما سألت، فإني أقول لم أكن قلته لك، ولا أطلعتك عليه: ما أتيت أمراً من أمور الخير إلا قلت: اللهم ما قسمت لي فيه من أجر فاجعله لمولاي دوني. قال: بم استحققت ذلك منك يا بني؟ قال: لأنك ملكتني صغيراً، فاحسنت ملكي، وصحبتي كبيراً، فوقفت في صحبتي، وخفت مقام الله في، ونزهت نفسك عن السوء، وصنتني عن أفعال قد كانت عن غيرك مأثورةً عنهم، ومحفوظةً مشهورة، قد تحدث بها النساك عنهم وسمعوها منهم، وشهدت الحفظة وكتبتها الملائكة من هجومهم على السيئات وركوبهم الفاحشات، وجموحهم في الباطل وتركهم سبيل الحق، وإيثارهم لشهواتهم في جميع حالاتهم، وقد صحبتك على مر الأيام وكر السنين فلم أرك تؤثر شيئاً من هواك على أمر آخرتم، ولم أر أحداً الله أهيب في قلبه منك، فنفعك الله بذلك، وجعله سبباً للنظر إلى وجهه، والبلاغ إلى رحمته، والخلوة في داره، والمقام في جواره. قال أبو محمد بن زرعة: فدنوت منه، وقلت: بابي أنت وأمي! اجعلني في شفاعتك. قال: أنت الرفيق والصاحب، أنت أول من أشفع له بعد مولاي، ولهؤلاء الذين معك. فقال له مولاه: يا بين! هل تجد للموت ألماً، وترى من مقدماته علماً؟ فإن كنت ترى شيئاً، فحدثني بكل ما تراه قبل أن تغلب على الحديث، فلا يمكنك أن تخبرني بشيء مما تجد أو ترى. قال: أما ما أجده قلبي كأنه سعفة في يوم ريح عاصفٍ من خفقانه، أو ريشة في جناح طائر إذا أمعن في طيرانه، وأجد نفسي ساعةً بعد ساعة تذبل كالسراج إذا أراد أن يطفأ، وأجد عيني كأن

стр. 251

الأسنة تنخسها، فما أقدر على جمرة تتوقد، واجد عظامي كأنه بين رحيين تطحنانها، وأجد أمعائي وأحشائي كأنها في أفواه سباع تمضغها. فبكى خضر وقال: كف عني، لا تصف شيئاً، فقد كاد عقلي أن يذهل بصفتك وقلبي يتصدع مما نزل بك. فقلت له: أليس في ما سمعت وسمعنا أن الشهيد لا يجد من ألم السلاح إلا كما يجد أحدكم ألم الشوكة أو أقل؟ قال: بلى! قال: فقلت: أفلست شهيداً مثلهم؟ قال: بلى! قلتك فما بالك أنت تألم من بينهم؟ قال: إنما ذلك عند خروج النفس ورؤية ملك الموت، ولم أبلغ بعد إلى ذلك. فقال له خضر: فهل ترى شيئاً. قال: أرى صوراً مقبلةً لها أجنحة تطير بها، ترفرف بين السماء والأرض. قال: فهل قرب منك أحد منها؟ قال: نعم جماعة. قال: صفهم لي. قال: أرى صوراً لم أر أحسن منها منظراً، بعضهم جناحاه من لؤلؤ وسائر بدنه من ياقوت، وبعشهم جناحاه من ياقوت وسائر بدنه من زمرد. قال: فهل ترى ملك الموت؟ قال: ما أراه! أليس في ما كتبت من الحديث أن العبد إذا عاين ملك الموت شخص ثم أمسك ساعةً فلم يتكلم؟ فقال له خضر: هل ترى شيئاً؟ قال: أرى شخصاً قد هبط من السماء إلى الأرض حتى سد ما بين الخافقين، قد نشر أجنحته، فأشرقت الشمس من حسنه وأضاءت الدنيا من نوره، وسكن عني ما أجد من الألم حتى كأنه لم يكن، فما أحس منه شيئاً، ثم سكت، فلم يتكلم بكلمة حتى مات، ﵀.

стр. 252

نومة عبود ذكر أبو بكر محمد بن الفضل بن قدير في مجموعة قال: حدثني محمد بن أحمد البزاز قال: حدثني عبد الله بن محمد أبو جمعة الوراق قال: أخبرت أن المهدي دخل الكوفة فقال لأبي الأحوص محمدبن حيان الكوفي: حدثنا حديثاً من طرائف الأخبار بما حضرك، قال: كان في الزامن الأول رجل يقال له عبود وكان عاشقاً لابنة عم له فحضرتها الوفاة، فأزعجه ذلك، وأقلقه، فلما توفيت صار إلى المسيح، فسأله أن يحييها قال: لن يتهيأ ذلك أو تهب لها من عمرك شيئاً. قال: قد وهبت لها نصف عمري، فصار المسيح إلى تربتها، فوقف عليها، وسأل ربه أن يحييها فأحياها، فأخذ بيدها عبود، ومضى يريد بها أله، فأدركه الفتور في بعض الطريف، فحط رحله، ووضع رأسه في حجرها، واستقل نوماً. فاجتاز بها ملك الناحية فرأى وجهاً جميلاً وخلقاً حسناً، فعرض عليها صحبته، فأجابته، فأمرها، فوضعت رأسه من حجرها، وحملها في قبة كانت معه، فلما انتبه عبود بقي متلدداً، فبينا هو كذلك إذ تلقاه نفر يتواصفون الجارية وبراعة خلقها، فسألهم عن الخبر، فأعلموه أنهم رأوا مع الملك امرأة لحقها فجعل يذكرها العهد، وهي ساكتة، ويسألها النزوع عما هي عليه، وهي مزورة عنه، إلى أن قال: ويحك قد كنت توفيت، فصرت في جملة الموتى، فسألت المسيح، فأحياك لي على أني أعطيتك من عمري نصفه، فإن كنت لا تساعدينني ولا تصيرين معي إلى أهلي

стр. 253

وأهلك، فردي علي ما وهبت لك من عمري. قالت: فإني قد رددته عليك، ولا حاجة لي فيه، فما أتمت هذه الكلمة حتى وقعت ميتة، وانصرف عبود إلى أهله مغتبطاً، فضربت العرب بنومة عبود مثلاً. عمر وعفراء وعروة أخبرنا أبو طاهر بن السواق وذكر حديثاً قال: قال أبو عمر محمد بن العباس الخزاز قال: حدثني أبو بكر محمد بن خلف قال: حدثني أبو محمد البلخي قال: حدثني أحمد بن سراقة قال: حدثني العباس بن الفرج قال: سمعت الأصمعي يقول عن ابن أبي الزناد قال: قال عمر بن الخطاب، ﵀: لو أدركت عفراء وعروة لجمعت بنيهما. شجرتان ملتفتان على قبرين وبإسناده قال ابن المرزبان: وحدثني إسحاق بن محمد بن أبان قال: حدثني معاذ بن يحيى قال: خرجت إلى صنعاء، فلما كنا ببعض الطريق قيل لنا: إن قبر عفراء وعروة على مقدار ميل من الطريق. قال: فمضت جماعة كنت فيهم، فإذا قبران متلاصقان قد خرج من كل قبر ساق شجرة، حتى إذا صارتا على مقدار قامة التفت كل واحدة منهام بصاحبتها. قال إسحاق: فقلت لمعاذ أي ضرب هو من الشجر؟ فقال: لا أدري، ولقد سألت أهل القرية عنه، فقالوا: لا نعرف هذا الشجر ببلادنا.

стр. 254

القلب الخافق قال أبو بكر بن المرزبان: أخبرني سعيد بن الفضل الأزدي قال: أنشدني العتبي لعروة بن حزام: لَوَ أنّ أشَدّ النّاسِ وَجْداً وَمِثْلَه ... مِنَ الجِنّ بَعدَ الإنسِ يَلتَقِيانِ. فيَشتَكِيانِ الوَجدَ ثُمّتَ أشتكي ... لأضْعَفَ وَجدي فَوْقَ ما يجِدانِ. فَقَدْ تَرَكتَني ما أعي لُمحَدِّثٍ ... حَديثاً، وَإنْ نَاجَيْتُهُ وَنَجاني. لَقَدْ تَرَكَتْ عَفرَاءُ قَلبي كأنّهُ ... جَنَاحُ عُقَابٍ دَائِم الخَفَقَانِ. هاتف الجبل وجدت بخط ابن حيويه يقول: حدثنا أبو بكر محمد بن خلف قال: حدثني عبد الواحد بن محمد النجاري قال: حدثني محمد بن الهيثم بن عيدي عن الهيثم قال: حدثنا محمد بن ملك قال: حدثني عثمان بن عمر التيمي قال: هوي فتى من بنس أسدٍ فتاة من فخذه، وكان أيسر منها وأغنى، فكان أبوه يمنعه من أن يتزوجها، ويريد له أشرف منها وأيسر، ويعرض عليه غيرها، فيأبى إلا هي، فيمتنع أبوه من ذلك. وكان أبوها قد حبسها عليه رجاء أن يتزوجها، فلما طال على أبيها وأيس منه زوجها من غيره، فلقيها الفتى يوماً فقال لها: لَعَمْرِيَ، يَا سُعدى، لطالَ تَأيّمي، ... وَمَعْصِيَتي شَيخيّ فيكِ كلَيهِمَا. وَتْركيَ ذَا الحيّينِ لمْ أبغِ مِنهُمَا ... سِوَاكِ، وَلم يَرْبَعْ هَوَايَ عَلَيهمَا.

стр. 255

فقالت الجارية: حَبِيبيَ لا تَعجَلْ لتَفْهَمَ حُجّتي، ... كَفانيَ ما بي من بَلاءٍ وَمن جُهدِ. وَمِنْ عَبَرَاتٍ تَعتَرِيني وَزَفرَةٍ ... تَكَادُ لهَا نَفسِي تَسِيلُ من الوَجدِ. غُلِبتُ عَلى نَفسِي جَهَاراً وَلَمْ أُطِقْ ... خِلافاً عَلى أهْلي بِهَزْلٍ وَلا جِدِّ. وَلَنْ يَمْنَعُوني أنْ أمُوتَ برُغمِهِمْ، ... غداً، جوْفَ هذا الغار في جَدثٍ وَحدي. فَلا تَنسَ أنْ تأتي هُناكَ، فَتَلتَمِسْ ... مكاني فتَسلُو ما تَحَمّلتَ من جهدي. فلما كان في غدٍ أتاها حيث زعمت له، فوجدها ميتةً فحملها، فأدخلها شعباً ثم التزمها فمات معها، قال: فالتمسا حولاً، فلم يقدر عليهما، ولم يعلم لهما خبر، فإذا هاتف يهتف على الجبل الذي هما فيه، وكان الجبل يدعى أعرافاً: إنّ الكَرِيميَنِ ذَوِي التّصَافي ... الذّاهِبَينِ بِالوَفَاءِ الصّافي. وَاللهِ مَا لاقَيْتُ في تَطْوَافي ... أبْعَدَ مِنْ غَدْرٍ وَمِنْ إخلافِ. مِنْ مَيّتَينِ في ذُرَى أعرَافِ. قال: فصعد القوم الجبل، فوجدوهما ميتين فواروهما. المجنون الهائج أخبرنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي إن لم يكن سماعاً فإجازة قال: اخبرنا أبو عمر بن حيويه قال: حدثنا ابن المرزبان قال: حدثني محمد بن عبد الله بن الفضل قال: حدثني أحمد بن معاوية قال: رأيت مجنوناً بصحراء أثير، وقد هاج، وهو يقول: هَدّ رُكي الهَوَى وكنتُ جَليدا، ... وَرَأيتُ الفِرَاقَ مُرّاً شَدِيدَا.

стр. 256

الناسك العاشق أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن العلاف الواعظ بقراءتي عليه قال: حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن شاهين الواعظ قال: حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال: حدثنا فضل اليزيدي قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن المهدي بن عمرو الهلالي قال: سمعت أبا يحيى التيمي يقول: كان يختلف معنا فتى من النساك يقال له أبو الحسين إلى مسعر بن كدام، وكان يختلف معه فتىً حسن الوجه يفتن الناس، إذا رأوه، فأكثر الناس القول فيه، وفي صحبته إياه، فمنعه أهله أن يصحبهن وأن يكلمه، فذهل عقله حتى خشي عليه التلف، فبلغ ذلك مسعراً، فقال: قولوا له لا تقربني، ولا تات مجلسي، فإني له كاره، فلقيته، فأخبرته بذلك، فتنفس الصعداء، ثم أنشأ يقول: يَا مَنْ بَدائعُ حُسْنِ صُورته، ... تُثْني إلَيْهِ أعِنّةَ الحَدَقِ. لي مِنْكَ مَا للنّاسِ كُلّهِمِ، ... نَظَرٌ وَتَسْلِيمٌ عَلى الطّرُقِ. لَكِنّهُمْ سَعِدُوا بأمنِهِمِ، ... وَشَقِيتُ حِينَ أرَاكَ بالفَرَقِ. لا راحة ولا نوم أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن العلاف صاحب بن سمعون بقراءتي عليه من نحو خمسين سنة قال: أخبرنا عمر بن أحمد بن شاهين، حدثنا جعفر بن محمد، حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق، حدثنا أبو حاتم السجستاني، حدثني شيخ ظريف حجازي قال: كنت بمكة، فإذا كان الليل سمعت أنيناً إلى جنبي، فطال الليل علي، فسألت عنه فقيل لي: فتىً مريض، فدخلت عليه فإذا هو من أحسن

стр. 257

الناس وجهاً كأنه ذهب وفضة، فكلمته، فإذا هو عاشق يغلب على عقله حتى يخالط، فأصابه ذلك وأنا عنده، فجعل يقول: مُتَيَّمٌ قَدْ بَرَاهُ السَّقَمْ، ... كَأنّهُ نِضْوٌ يُقَاسِي الألَمُ. فما له راحة ولا نوم إلى الصباح. آه من البين أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستادني بقراءتي عليه بمكة في المسجد الحرام، حدثنا الحسن بن محمد بن حبيب، سمعت أبا علي الحسن بن محمد الزنجاني الصوفي بأسفرايين، سمعت عبد السعيد المنجوري، سمعت سهلان القاضي يقول: بينا أنا مار في طرقات جبل شورى، وقد مرت علي قافلة عظيمة، إذ بفتى شاب على طريق ذاهب العقل مدهوش عريان، وبين يديه خلقان متمزقة، فقال لي: أين رأيت القافلة؟ قلت: في موضع كذا وكذا. قال: آه من البين، آه من البين، آه من دواعي الحب! قلت: ما دهاك؟ فقال: شَيّعتُهمْ من حَيثُ لم يَعلَموا، ... وَرُحتُ وَالقَلْبُ بهِمْ مُغْرَمُ. سَألْتُهُمْ تَسْلِيمَةً مِنْهُمُ ... عَلّي إذْ بَانُوا فَمَا سَلّمُوا. سَارُوا وَلَمْ يَرْثُوا لمُسْتَهْتَرٍ، ... وَلمْ يُبَالُوا قَلْبَ مَنْ تَيّمُوا. وَاستَحسَنوا ظُلمي، فمن أجلهم ... أحَبّ قَلبي كُلَّ مَن يَظلِمُ.

стр. 258

يوم طش بعد رش وأخبرنا أبو بكر الأردستاني أيضاً بمكة على باب الندوة، أخبرنا الحسين بن حبيب المذكر، سمعت أبا الفرج أحمد بن محمد النهاوندي يقول: مررت بدرب أبي خلفن فإذا جماعة وقوف على مجنون، فوقفت فهش إلي، وقال: اسقِني قَبلَ تَبارِيحِ العَطَشْ، ... إنّ يَوْمي يوْمُ طشٍّ بَعدَ رَشْ. حُبُّ مَن أهوَاهُ قد أدهَشَني، ... لا خلوْتُ الدهرَ من ذاك الدَّهَشْ. ابن أبي البغل والمغنية أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري بقراءتي عليه سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، أخبرنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن أحمد بن الكابت، حدثني عبدوس بن مهدي بالكرج قال: نزل علي بن أبي البغل، عند تقلده الإشراف، على عمال الجبل، فزارته مغنية كان بها لهجاً على قلة إعجابه بالنساء، فلما كانت ليلة، ونحن قعود في البستان نشرب، وقد طلع القمر، هبت ريح عظيمة فقلبت صوانينا التي كان فيها شرابنا، وأقبلت الغلمان يسقوننا، فسكر ابن أبي البغل على ضعف شربه وقام إلى مرقده، وأخذنا معه والمغنية، فلما حصلنا فيه استدعى قدحاً، ولنا مثله، وأنشأ يقول: مَغمُوسَةٌ في الحُسنِ مَعشُوقَةٌ، ... تَقْتُلُ ذَا اللُّبّ وَتُحْيِيهِ.

стр. 259

بَاتَ يُرِينِيهَا هِلالُ الدُّجَى، ... حَتى إذَا غَابَ أرَتْنِيهِ. وطرح الشعر على المغنية فلقنته وغنتنا فيه، وشربنا القدح، وانصرفنا، فلما كان من الغد، وحضرنا المائدة، وهي معنا، فاتحناه بما كان فحلف أنه لم يشعر بما جرى، ولا بالشعر، واستدعى دفتره، فأثبت البيتين فيه. لا قضاة للعاشقين أنبأنا القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي عن أبي الحسن بن نصر بن الصباح لعمرو الوصافي: لهفي على سَاكِنِ قَصرِ السَّرَاه ... نَغّصَ حُبيِّهِ عليّ الحَيَاهْ. مَا يَنْقَضي من عَجَبٍ فِكرَتي ... في قِصّةٍ فَرّطَ فِيهَا الوُلاهْ. تَرْكُ المُحِبّينَ، بِلا حَاكِم ... لمْ يَنْصِبُوا للعَاشِقِينَ القُضَاهْ. لَقَدْ أتَاني خَبَرٌ سَاءَني ... من قَوْلها في السرّ: وَاخَجلتاهُ. حديث الجنيد أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي بن أحمد بن الفضل الأزجي سنة أربعين وأربعمائة، أخبرنا أبو الحسن علي بن جعفر السيرواني بمكة حكى عن الجنيد أنه قال: أعرف من قتلته المحبة، ولم يعرف المحبة، ثم قال: كيف؟ فقلنا: يقول الشيخ! فقال: قتله ما خبئ فيها.

стр. 260

أصناف الناس أخبرنا عبد العزيز بن علي قراءة عليه، أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسن بن جهضم بمكة لفظه وكتابه في المسجد سنة ست وتسعين وثلاثمائة، سمعت أحمد بن محمد يقول: كان سهل يقول: الناس ثلاثة أصناف: صنف منهم مضروب بسوط المحبة، مقتول بسيف الشوق، مضطجع على بابه ينتظر الكرامة، وصنف منهم مضروب العفو، وصنف منهم مضروب بسوط الغفلة، مقتول بسيف الشهوة، مضطجع على بابه ينتظر العقوبة. ذو النون والمريض أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي الأزحجي، حدثنا علي بن الحسن بمكة، حدثنا أحمد بن محمود بن خرزاذ الأهوازي، حدثني أحمد بن جعفر الدستري، حدثنا سعيد بن عثمان قال: دخل ذو النون على مريض يعوده فراى المريض يئن، فقال ذو النون: ليس بصادق في حبه من لم يصبر على ضربه، فقال المريض: لا ولا صدق في حبه من لم يتلذذ بضربه، فقال ذو النون: لا ولا صدق من رأى حبه لربه، .

стр. 261

نوح داود أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني بقراءتي عليه بمكة في المسجد الحرام، حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي، حدثنا عبد الرحمن بن محبوب، حدثنا زكريا بن يحيى البزاز، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا محمد بن يحيى البصري، حدثنا عمرو بن جميع العجلي عن عامر بن يسار عن يحيى بن أبي كثير قال: بلغنا أنه إذا كان يوم نوح داود، ﵇، كان يمكث قبل ذلك لا يأكل الطعام، ولا يشرب، ولا يقرب النساء، فإذا كان قبل ذلك بيوم أخرج له منبراً إلى البرية، وأمر منادياً قبل ذلك بيوم ليستنفر في البلاد ومن حولها: ألا من أحب أن يسمع نوح داود فليأت، فتأتي الوحوش والسباع والهوام والطير والرهبان والعذارى من خدورهن، وبنو إسرائيل، كل صنف على حدته، فيصغون إليه. قال: وسليمان قائم على رأسه فيأخذ في الثناء على الله، ، فيضجون بالصراخ والبكاء، ثم يأخذ في ذكر الجنة، فتموت طائفة من الناس والوحوش والسباع والرهبان، وطائفة من العذارى، ثم يأخذ في ذكر النار، فتموت طائفة منهم، ثم يأخذ في أهوال القيامة والنوح على نفسه، فتموت طائفة من هؤلاء ومن كل صنف. قال: فإذا رأى سليمان ما قد كثر من الموتى في كل فرقة، نادى يا أبتاه! قد مزقت المستمعين كل ممزق من بني إسرائيل والوحوش والهوام والسباع. قال: فيقطع النوح، ويأخذ في الدعاء. قال: فبينما هم كذلك إذ نادى بعض عباد بني إسرائيل: يا داود! عجلت على ربك تطلب الجزاء، فيخر داود مغشياً عليه، فإذا نظر إليه سليمان وما أصابه أتى بسرير، فحمله عليه، ثم أمر منادياً، فنادى: من كلن له مع داود حميم أو قريب، فليأت بسريرٍ، فإن الذين كانوا معه قد ذكر الجنة والنار.

стр. 262

قال: فكانت المرأة تأتي بالسرير، فتقف على ابنها وأبيها وأخيها، وهم أموات، فينادى: وا بأبي! من قتله ذكر النار، وا بأبي! من قتله ذكر الجنة، وا بأبي! من قتله ذكر الخوف من الله تعالى، حتى إن الوحوش ليجتمعن على من مات منهن فيحملنه، وكذلك السباع والهوام. قال: ثم يتفرقون، فإذا أفاق داود من غشيته قال لسليمان: ما فعلت عباد بني إسرائيل؟ فيقول سليمان: يا أبتاه ماتوا عن آخرهم. قال: فيقوم داود فيضع يده على رأسه، ثم يدخل بيت عبادته، ويغلق عليه بابه ثم ينادي: يا إله داود! أغضبان أنت على داود أم كيف ذا، إذ قصرت من الموت خوفاً منك. أيوب في بلائه أخبرنا عبد العزيز بن علي الطحان، ﵀، حدثنا علي بن عبد الله بمكة، حدثني منصور بن أحمد قال: سئل أبو العباس بن عطاء عن قوله، : مسني الضر، وأنت أرحم الراحمين، فقال: إن الله، ، سلط الدود على جسم أيوب، ﵇، كله إلا على قلبه ولسانه، فكان القلب غنياً بالله، ، قوياً، واللسان بذكر الله تعالى رطباً دائماً، فأكل الدود الجسم كله حتى بقيت أضلاعه مشتبكة، والعروق ممدودة، وحتى ما بقي للدود شيء يأكله، فسلط الله، ، الدود بعضه على بعض، فأكل بعضه بعضاً، حتى بقيت دودتان، فجاعتا، فشدت إحداهما على الأخرى، فأكلتها، وبقيت واحدة، فجاعت فدبت إلى القلب لتنفذه، فقال أيوب، ﵇، عند ذلك: مسني الضر أن فقدت حلاوة ذكرك من قلبي، لأنك لو جمعت البلاء كله علي بعد أن لا أفقدك من قلبي

стр. 263

ما وجدت للبلاء ألماً، فأوحى الله، ، إليه: يا أيوب! إنك لتنظر إلي غداً. قال: يا رب بهاتين العينين؟ قال: يا أيوب أجعل لك عينين يقال لهما البقاء، فتنظر إلى البقاء بالبقاء. الجارية الصوفية أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي، حدثنا علي بن عبد الله بن الحسن الهمذاني بمكة، حدثنا محمد بن عبد الله الشكلي، حدثني محمد بن القنطري قال: قال ذو النون: بينا أنا أسير على ساحل البحر، إذ بصرت بجارية عليها أطمار شعرٍ، وإذا هي ناحلة ذابلة، فدنوت منها لأسمع ما تقول، فرأيتها متصلة الأحزان بالأشجان، وعصفت الرياح واضطربت الأمواج، وظهرت الحيتان، فصرخت، ثم سقطت إلى الأرض، فلما أفاقت نحبت، ثم قالت: سيدي! بك تقرب المتقربون في الخلوات، ولعظمتك سبحت النينان في البحار الزاخرات، ولجلال قدسك تضافقت الامواج المتلاطمات. أنت الذي سجد لك سواد الليل وبياض النهار والفلك الدوار والبحر الزخار والقمر النوار والنجم الزهار وكل شيء عندك بمقدار، لأنك الله العلي القهار: يَا مُؤنِسَ الأبْرَارِ في خَلَوَاتِهِمْ، ... يَا خَيرَ مَنْ حَطّتْ بهِ النُّزّالُ. مَنْ ذاقَ حُبَّكَ لا يَزَالُ مُتَيَّماً، ... قَرِحَ الفُؤادِ يَعُودُهُ بَلْبَالُ. مَن ذاقَ حبّكَ لا يُرَى مُتَبسّماً، ... في طُولِ حُزْنٍ للحَشَا يَغتَالُ. فقلت لها: من تريدين؟ فقالت: إليك عني، ثم رفعت طرفها نحو السماء

стр. 264

فقالت: أُحِبُّكَ حُبَّينِ، حُبَّ الوِدَادِ، ... وَحُبّاً لأنّكَ أهْلٌ لِذَاكَا. فَأمّا الّذي هًوَ حُبّ الوِدَادِ، ... فَحُبٌّ شُغِلتُ به عَن سوَاكَا. وَأمّا الّذي أنتَ أهلٌ لَهُ، ... فكَشفُك للحُجْبِ حتى أرَاكَا. فما الحمدُ في ذا وَلا ذَاكَ لي، ... وَلكِن لك الحمدُ في ذا وَذاكَا. ثم شهقت شهقةً، فإذا هي قد فارقت الدنيا، فبقيت أتعجب مما رأيت منها، فإذا أنا بنسوة قد أقبلن وعليهن مدارع العشر، فاحتملنها، فغيبنها عني فغسلنها، ثم أقبلن بها في أكفانها فقلن لي: تقدم فصل عليها، فتقدمت فصليت عليها، وهن خلفي. ثم احتملنها ومضين. ؟ ما بي جنون أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي الأزجي، حدثنا أبو الحسن بن جهضم. أنشدنا محمد بن عبد الله ليحيى بن معاذ: أمُوتُ بدائي لا أصِيبُ مُدَاوِيا، ... وَلا فَرَجاً مِمّا أرَى مِنْ بَلائِيَا. ؟ إذا كانَ دَاءَ العَبْدِ حُبُّ مَليكه، ... فمَن دُونَه يُرْجَى طبيباً مُداوِيَا. مَعَ اللهِ يُمْضِي دَهْرَهُ مُتَلَذّذاً، ... مُطيعاً، تَرَاهُ كان، أوْ كان عاصِيَا. يقولون يَحيى جُنّ من بعدِ صحّة، ... وما بي جُنُونٌ، يا خَليلي، ما بِيَا. ؟ رابعة العدوية ورياح القيسي أخبرنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي، ﵀، بقراءتي عليه، أخبرنا محمد بن عبد الله ابن أخي ميمي، حدثنا الحسين بن صفوان، حدثنا عبد الله بن محمد القرشي، حدثني محمد بن الحسين، حدثني أبو معمل صاحب عبد الوارث قال: نظرت رابعة إلى رياح القيسي، وهو يقبل صبياً من أهله، ويضمه إليه، فقالت: أتحبه يا رياح؟ قال: نعم قالت: ما كنت أحسب أن

стр. 265

في قلبك فارغاً لمحبة غيري. قال: فصاح رياح وسقط مغشياً عليه، ثم أفاق، وهو يمسح العرق عن وجهه، وهو يقول: رحمة منه، تعالى ذكره، ألقاها في قلوب العباد للأطفال. دواء المحبين أخبرنا أحمد بن علي بن الحسين البزاز، حدثنا محمد بن عبد الله القطيعي، حدثنا الحسين بن صفوان، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثني إبراهيم بن عبد الملك قال: قدمت شعوانة وزوجها مكة، فجعلا يطوفان ويصليان، فإذا كل الرجل وأعيا، جلس، وجلست خلفه، فيقول هو في جلوسه: أنا العطشان من حبك لا أروى، وتقول هي بالفارسية: أنبت لكل داء دواء في الجبال، ودواء المحبين في الجبال لم ينبت. يستحي من الله أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت إن لم يكن سماعاً فإجازة، أخبرنا علي بن أيوب، حدثنا محمد بن عمران قال: حكي عن أبي مسلم الخشوعي أنه نظر إلى غلام جميل، فأطال ثم قرأ: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، سبحان الله، ما أهجم طرفي على مكروه نفسه، وأدمنه على سخط سيده، وأغراه بما قد نهى عنه، وألهجه بالأمر الذي قد حذر منه، لقد نظرت إلى هذا نظراً لا أحسب إلا أنه سيفضحني عند جميع من قد عرفني في عرصة القيامة، ولقد تركتني نظري هذا، وأنا أستحيي من الله، سبحانه، وغن غفر لي. ثم صعق.

стр. 266

محبو الله أحياء وإن قبروا أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي بن شكر الخياط، حدثنا علي بن عبد الله بن الحسن بمكة، حدثنا علي بن إبراهيم النقاش، سمعت أبا القاسم بن مردان، سمعت أحمد بن عيسى الحراز يقول: دعتني امرأة غسل ولدها، ذكرت أنه أوصى بذلك، فلما كشفت عن الثوب قبض على يدي، فقلت: يا سبحان الله! حياة بعد موت؟ فقال: يا أبا سعيد إن المحبين لله تعالى أحياء وإن قبروا. العباد على ثلاث منازل أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي الأزجي الخياط الشيخ الصالح، ﵀، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد الهمذاني بمكة في المسجد الحرام، حدثنا الخالدي، سمعت ابن مسروق يقول: بلغنا عن حيان القيسي أنه قال: العباد مع الله تعالى ثلاث منازل: قوم يضن بهم عن البلاء لئلا يسترق الجزع سرهم، فتكون هذه حكمة، أو يكون في صدورهم حرج من قضائه، وقوم يضن بهم عن مساكنة أهل المعاصي لئلا تغنم قلوبهم، فمن أجل ذلك سلمت صدورهم للعالم، وقم صب عليهم البلاء صباً، فما ازدادوا له إلا حباً.

стр. 267

تاه تفي حب الله أخبرنا عبد العزيز بن علي، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا الحسنبن يحيى بن حميوه، حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثني إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن الحسن البلخي عن إبراهيم بن أدهم قال: وجدت يوماً راحة، وطاب قلبي لحسن صنع الله بي واختياره لي، فقلت: اللهم إن كنت أعطيت أحداً من المحبين لك ما أسكنت به قلوبهم قبل لقائك، فأعطني ذلك، فلقد أضر بي القلق. قال: فرأيت الله، ﵎، في النوم، فوقفني بين يديه، وقال: يا إبراهيم! ما استحييت مني، تسألين أن أعطيك ما يسكن به قلبك قبل لقائي، وهل يسكن قلب المشتاق إلى غير حبيبه أم هل يستريح المحب إلى غير من اشتاق إليه؟ فقلت: يا رب! تهب في حبك، فلم أدر ما أقول. عمر والزاني القتيل أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا أبو بكر محمد بن خلف المحولي، حدثنا أبو الفضل أحمد بن ملاعب، أخبرني محمد بن سعيد الأصبهاني، أخبرنا علي بن مسهر عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي قال: كان أخوان من الأنصار، فخرج أحدهما في بعث، وتخلف الآخر عند امرأة أخيه. فقالت امرأة المقيم له: أشعرت أن امرأة أخيك يختلف إليها رجل. قال لها: فإذا جاء فأعلميني، فلما جاء أخبرته، وبينها وبينه حائط، فوضعت له سلماً، فصعد، فأشرف، فإذا هو بامرأة أخيه توقد له ناراً، وتشوي له دجاجة، وهو يقول: وَأشعَثَ غَرّةٌ الإسلامُ مني، ... خَلَوْتُ بعِرْسِهِ لَيلَ التَّمامِ.

стр. 268

أبِيتُ على تَرَائِبها، وَيُمسي ... على جَرْداءَ لاحِقَةِ الحزَامِ. كأنّ مجَامعَ الرَّبلاتِ مِنها، ... نِيَامٌ يَنهَضُونَ إلى قِيَامِ. فنزل فضربه بالسيف حتى قتله، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فلما أصبح قام خطيباً فقال: أنشد الله والإسلام رجلاً عند علم من هذا المقتول إلا أنبأ به. فقام إليه رجل فقص عليه القصة وأخبره بقوله. فقال عمر: أبعده الله وأسحقه. نصر بن حجاج وامرأة السلمي وجدت بخط أحمد بن محمد بن علي الأبنوسي، حدثنا أبو محمد علي بن عبد الله بن المغيرة، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن أحمد الواسطي، حدثني إبراهيم بن الربيع، حدثني سماك بن عطية قال: لما قدم نصر بن حجاج البصرة نزل على مجاشع بن مسعود السلمي، فبينما هو ليلةً يتحدث هو وامرأته كتب على رمل هم عليه قعود: أنا أحبك. قال: فكتبت هي: وأنا كذلك، فدعا بإجانة، ووضعها على الكتابة، فلما أصبح دعا غلامه، فقال: أي شيء هذا؟ قال: أنا أحبك، وأنا كذلك، فدعاها ودعاه، وقال لها: ضميه إلى صدرك يذهب عنكما ما أنتما فيه.

стр. 269

ضحيتا الهوى وجدت بخط أبي عمر بن حيويه ونقلته منه قال: حدثنا أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان، أخبرني صالح بن يوسف المحاربي قال: أخبرني أبو عثمان المازني، أخبرنا العتبي عن شبابة بن الوليد العذري أن فتىً من بني عذرة، يقال له أبو مالك بن النضر، كان عاشقاً لابنة عم له عشقاً شديداً، فلم يزل على ذلك مدة، ثم إنه فقد بضع عشرة سنة، ولم يحس له خبر. قال شبابة بن الوليد: فضلت إبل لي، فخرجت في طلبها، فبينا أنا سير في الرمال إذا بهاتف يهتف بصوت ضعيف، وهو يقول: يا ابنَ الوَليدِ ألا تحمونَ جارَكمُ، ... وَتَحفَظُونَ لَهُ حَقّ القَرَابَاتِ. عَهدي إذا جارُ قَوْمٍ نابَهُ حَدَثٌ ... وَقَوْهُ مِنْ كلّ أضرَارِ المُلِمّاتِ. هذا أبو مَالك المُمْسَى بِبَلْقَعَةٍ، ... مَعَ الضّبَاعِ وَآسَادٍ بِغَابَاتِ. طَلِيحُ شَوْقٍ بِنَارِ الحُبّ محترِقٌ ... تَعْتَادُهُ زَفَرَاتٌ إثْرَ لَوْعَاتِ. أمّا النّهَارُ فَيُضْنِيهِ تَذَكّرُهُ، ... وَاللّيلُ مرْتَقِبٌ للصّبحِ هل يأتي؟ يهذي بجارِيةٍ من عُذْرَةَ اختَلَسَتْ ... فُؤادَهُ، فَهْوَ مِنْهَا في بَلِيّاتِ. فقلت: دلني عليه، رحمك الله، فقال: نعم، اقصد الصوت، فلما قصدت غير بعيد سمعت أنيناً من خباء فأصغيت إليه، فإذا قائل يقول: يَا رَسِيسَ الهَوَى أذَبتَ فُؤادِي، ... وَحَشَوْتَ الحَشَا عَذاباً ألِيمَا. فدنوت منه، فقلت: أبو مالك؟ قال: نعم! قلت: ما بلغ بك ما أرى؟ قال: حبي سعاد ابنة أبي الهيذم العذري، فشكوت يوماً إلى ابن عم لنا من الحي ما أجد من بها، فاحتملني إلى هذا الوادي، منذ بضع عشرة

стр. 270

سنة، ويأتيني كل يومٍ بخبرها، ويقوتني، حفظه الله، من عنده. فقلت له: إني أصير إلى أهلاه، فأخبرهم بما رأيت، قال: أنت وذاك. فانصرفت، وصرت إلى أهل الجارية، فخبرتهم بحال الفتى، وما رأيت منه، وحدثتهم حديثه، فرقوا له فزوجوه بحضرتي، ورجعت إليه عامداً لأفرج عنه لما رأيت منه، فلما أخبرته الخبر، حدد النظر إلي، ثم تأوه تأوهاً شديداً بلغ من قلبي، ثم انشأ يقول: الآنَ إذ حَشْرَجتْ نَفسِي وَحاصرَها ... فِرَاقُ دُنْيا، وَنَادَاهَا مُنَاديها. ثم زفر زفرةً، فمات، فدفنته في موضعه ثم انصرفت فأعلمتهم الخبر، فأقامت الجارية ثلاثاً لا تطعم طعاماً ثم ماتت. غصص الموت أخبرنا أبو محمد الحسن علي الجوهري، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس، حدثنا محمد بن القاسم الأنباري: أنشدني أبي عن بعض أصحابه لأبي نواس: إنّ في وَصْلِ مَنْ أُحبّ دَوَائي، ... وَبِكَفَّيْهِ، إنْ أحَبَّ، شِفَائي. إنْ أمُتْ ضَيْعَةً، فَلَم أجنِ ذَنباً، ... من حَبِيب أمَاتَ حُسنَ عَزَائي. كُلَّ يَوْمٍ يُذِيقُني غُصَصَ المَوْ ... ت بِصَدٍّ يُرِيشُهُ بِالجَفَاءِ.

стр. 271

الدماء المطلولة ولي من أثناء قصيدة كتبتها إلى بعض الأدباء: كم دَمٍ للعُشّاقِ أُهرِيقَ بالهَج ... رِ إلى رُكْنِ كَعْبَةٍ غَرّاءِ. وَدِمَاءُ العُشّاقِ مَطْلُوَلةٌ لَيْ ... سَ لَهَا، فَاعلمُوهُ، من أوْلِيَاءِ. سَلْ بِمَجْنُونِ عَامِرٍ وَأخي عُذْ ... رَةَ، مَا كانَ مِنهُ مَع عفرَاءِ. وَجَمِيلٍ وَقَيْسِ لُبْنى، وَغَيْلا ... نَ، وَخَلْقٍ يَفُوتُهُمْ إحْصَائي. ولي أيضاً من أثناء قصيدة مدحت بها بعض الرؤساء بالإسكندرية: فلله ما أبقى الهوى من حشاشةٍ ... بها للنوى داء يعز دواه. قلبٍ رماه البين يوم فراقهم ... بسهم وما أخطاه حين رماه. ولي من اثناء قصيدة: وَكَمْ مِنْ لَيْلَةٍ بِالرّمْلِ بِتْنَا ... كَأنّا إلْدةٌ فَوْقَ الحَشَايَا. إذا ابتَسَمَتْ، وَسِتَرُ اللّيلِ مُرْخىً، ... أضَاءَ لَنَا الدّجَى بَرْقُ الثّنَايَا. نُدِيرُ حَدِيثَ مَنْ قَتَلَتهُ خَوْدٌ، ... وَمَنْ في الحُبّ نَالَتْهُ الرَزَايَا. كَمجنُونٍ وَقَيسٍ قَيسِ لُبْنى، ... وَمَن أبْدَى لَهُ الحُبُّ الخَبَايَا.

стр. 272

ليلى الأخيلية والحجاج أخبرنا أبو جعفر بن مسلمة في ما أذن لنا في روايته أن أبا القاسم إسماعيل بن سعيد بن سويد أخبرهم إجازة قال: حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري، حدثني أبي، حدثنا أحمد بن عبيد عن أبي الحسن المدائني عمن حدثه عن مولى لعنبسة أن سعيد بن العاص قال: كنت أدخل مع عنبسة بن سعيد إذا دخل على الحجاج، فدخل يوماً، فدخلت إليهما، وليس عند الحجاج غير عنبسة، فقعدت فجيء الحجاج بطبق فيه رطب، فأخذ الخادم منه شيئاً فجاءني به، ثم جيء بطبق، حتى كثرت الأطباقن وجعل لا يؤتون بشيء إلا جاءني منه بشيء، جتى ظننت أن ما بين يدي أكثر مما عندهم، ثم جاء حاجب فقال: امرأة بالباب، فقال له الحجاج: أدخلها! فدخلت، فلما رآها الحجاج، طأطأ رأسه حتى ظننت أن ذقنه قد اصاب الأرض، فجاءت حتى بين يديه، فنظرت إليها فإذا هي امرأة قد أسنت، حسنة الخلق، ومعها جاريتان لها، وإذا هي ليلى الأخيلية، فسألها الحجاج عن نسبها، فانتسبت له، فقال لها: يا ليلى ما أتىبك؟ فقالت: إخلاف النجوم، وقلة الغيوم، وكلب البرد، وشدة الجهد، وكنت لنا بعد الله الرفد. فقال لها: صفي لنا الفجاج. فقالت: الفجاج مغبرة، والأرض مقشعرة، والمنزل معتل، وذو العيال مختل، والهالك المقل، والناس مسنتون، رحمة الله يرجون. وأصابتنا سنون مجحفة مبطلة لم تدع لنا هيعاً ولا ريعاً، ولا عافطة

стр. 273

ولا ناقلة، أذهبت الأموال، وفرقت الرجال، وأهلكت العيال. ثم قالت: إني قد قلت في الأمير قولاً! قال: هاتي، فأنشأت تقول: أحَجّاجُ لا يُفْلَلْ سِلاحُكَ إنّمَا ال ... مَنَايَا بِكَفّ اللهِ حَيْثُ تَرَاهَا. أحَجّاجُ لا تُعْطِ العُصَاةَ مُنَاهُمُ، ... ولا اللهُ يُعْطي للعُصَاةِ مُنَاهَا. إذَا هَبَطَ الحَجّاجُ أرْضاً مَرِيضَةً ... تَتَبّعَ أقْصَى دَائِهَا فَثَفَاهَا. شَفَاهَا مِنَ الدّاءِ العُضَالِ الذِي بها ... غُلامٌ إذَا هَزّ القَنَاةَ سَقَاهَا. سَقَاهَا، فَرَوّاهَا بِشُرْبٍ سِجَالُهُ ... دِمَاءُ رِجَالٍ حَيْثُ قَالَ حَمَاهَا. إذَا سَمِعَ الحَجّاجُ رِزّ كَتِيبَةٍ، ... أعَدّ لهَا قَبْلَ النّزُولِ قِرَاهَا. أعَدّ لَهَا مَسْمُومَةً فَارِسِيّةً ... بِأيْدِي رِجَالٍ يَحلُبُونَ صَرَاهَا. فَمَا وَلَدَ الأبْكَارُ وَالعُونُ مِثْلَهُ، ... بِنَجْدٍ وَلا أرْضٍ يَجِفّ ثَرَاهَا. قال: فلما قالت هذا، قال الحجاج: قاتلها الله! ما أصاب صفتي شاعر مذ دخلت العراق غيرها، ثم التفت إلى عنبسة بن سعيد فقال: والله إني لأعد للأمر عسى أن لا يكون أبداً، ثم التفت إليها فقال: حسبك. قالت: إني قد قلت أكثر من هذا، قال: حسبك، ويحك حسبك، ثم قال: يا غلام اذهب إلى فلان فقل له اقطع لسانها. قال: فأمر بإحضار الحجام، فالتفتت إليه فقالت: ثكلتك أمك! أما سمعت ما قال؟ إنما أمرك أن تقطع لساني بالصلة. فبعث إليه يستثبته، فاستشاط الحجاج

стр. 274

غضباً، وهم بقطع لسانه وقال: ارددها، فلما دخلت عليه قالت: كاد، وأمانة الله، يقطع مقولي. ثم أنشأت تقول: حَجّاجُ! أنتَ الذي مَا فَوْقَهُ أحَدٌ ... إلاّ الخَلِيفَةُ وَالمُسْتَغْفَرُ الصَّمَدُ. حَجّاجُ! أنتَ شهابُ الحرْبِ إذ لقِحت، ... وَأنتَ للنّاسِ في جِنحِ الدُّجَى تَقِدُ. ثم أقبل الحجاج على جلسائه فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله أيها الأمير إلا أنا بم نر امرأة قط أفصح لساناً ولا أحسن محاورة ولا أملح وجهاً ولا أرصن شعراً منها. فقال: هذه ليلى الأخيلية التي مات توبة الخفاجي من حبها، ثم التفت إليها فقال: أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة. فقالت: نعم أيها الأمير، هو الذي يقول: وَهَلْ تَبْكِيَنْ لَيْلى إذا مَا بكَيتُها ... وَقَامَ عَلى قَبْرِي النّسَاءُ النّوائحُ. كمَا لَوْ أصَابَ المَوْتُ لَيْلى بكَيتُهَا، ... وَجَادَ لهَا دَمْعٌ مِنَ العَينِ سَافحُ. وَأُغْبَطُ مِنْ لَيلى لا أنَالُهُ، ... بلى! كُلُّ مَا قَرّتْ بِهِ العَينُ صَالحُ. وَلَوْ أنّ لَيلى الأخيَلِيّةَ سَلّمَتْ ... عليّ، وَدُوني تُرْبَةٌ وَصَفَائحُ. لسَلَّمْتُ تَسْلِيمَ البَشَاشَةِ أوْ زَقَا ... إليها صَدىً من جانِبِ القَبرِ صَائحُ. فقال لها: زيدينا يا ليلى من شعره، فقالت: هو الذي يقول: حَمَامَةَ بَطنِ الوَادِيَينِ تَرَنّمِي، ... سَقَاكِ مِنَ الغُرّ الغَوَادِي مطيرُهَا.

стр. 275

أبيني لنا، لا زَالَ رِيشُكِ نَاعِماً، ... وَلا زِلتِ في خَضرَاءَ غَضٍّ نضِيرُهَا. وَأُشْرِفُ بِالقَوْزِ اليَفَاعِ لَعَلّني ... أرَى نَارَ لَيلى أوْ يَرَاني بَصِيرُهَا. وَكُنتُ إذا مَا جِئتُ ليلى تَبَرْقَعَتْ ... فَقَدْ رَابَني مِنها الغدَاةَ سُفُورُهَا. يَقُولُ رِجَالٌ: لا يَضِيرُكَ نَأيُهَا! ... بَلى! كلُّ ما شَفّ النّفوسَ يَضِيرُهَا. بَلى يَضِيرُ العَينَ أن تُكثرَ البُكَى، ... وَيُمْنَعَ مِنْهَا نَوْمُهَا وَسُرُورُهَا. وَقَدْ زَعَمَتْ لَيلى بِأنّيَ فَاجِرٌ، ... لنَفسِي تُقَاهَا، أوْ عَلَيها فُجورُهَا. فقال لها الحجاج: يا ليلى ما الذي رابه من سفورك؟ فقالت: أبها الأمير، كان يلم بي كثيراً، فأرسل إلي يوماً أني آتيك، وفطن الحي، فأرصدوا له، فلما أتاني سفرت، فعلم أن ذلك لشرٍ، فلم يزد على التسليم والرجوع. فقال: لله درك، فهل رأيت منه شيئاً تكرهينه؟ فقالت: لا والذي أسأله أن يصلحك غير أنه قال لي مرةً قولاً ظننت أنه قد خضع لبعض الأمر، فقتل له: وذِي حَاجَةٍ قُلْنَا لَهُ: لا تَبُحْ بهَا ... فَلَيْسَ إلَيهَا مَا حَيِيتُ سَبِيلُ. لَنَا صَاحِبٌ لا يَنْبَغي أنْ نَخُونَهُ، ... وَأنتَ لأخرَى فَارِغٌ وَحَلِيلُ. فلا والذي أسأله أن يصلحك ما رأيت منه شيئاً. حتى فرق الموت بيني وبينه. قال: ثم ماذا؟ قالت: لم يلبث أن خرج في غزاة له فأوصى ابن عمه: إذا أتيت الحاضرة من بني عبادة، فناد بأعلى صوتك: عَفَا اللهُ عَنهَا! هَلْ أبِيَنّ لَيلةً ... مِنَ الدّهرِ لا يَسْرِي إليّ خَيَالُها. فخرجت وأنا أقول: وَعَنهُ عَفَا رِبي، وَأحسَنَ حَالَهُ، ... فَعَزّ عَلَيْنَا حَاجَةً لا يَنَالُهَا.

стр. 276

قال: ثم ماذا؟ قالت: لم يلبث أن مات، فأتاني نعيه. قال: فأنشدينا بعض مراثيك، فأنشدت: لتَبْكِ عَلَيهِ مِنْ خَفَاجَةَ نُسْوَةٌ، ... بِمَاءِ شُؤونِ العَبْرَةِ المُتَحَدِّرِ. قال: فأنشدينا: كَأنّ فَتى الفِتيَانِ تَوْبةَ لم يُنِخْ ... قَلائصَ يَفحَصْنَ الحَصَا بالكَرَاكر. فلما فرغت من القصيدة قال محصن الفقعسي، وكان من جلساء الحجا: من هذا الذي تقول هذه هذا فيه؟ فوالله إني لأظنها كاذبة. فنظرت إليه، ثم قالت: أيها الأمير! إن هذا القائل لو رأى توبة لسره أن لا يكون في داره عذراء إلا وهي حامل منه. فقال الحجاج: هذا وأبيك الجواب، وقد كنت عنه غنياً. ثم قال لها: سلي ليلى تعطي. قالت: أعط فمثلك أعطى فأجزل. قال: لك عشرون. قالت: زد فمثلك زاد فأجمل. قال: لك أربعون. قالت: زد فمثلك زاد فأفضل. قال: لك ستون. قالت: زد فمثلك زاد فأكمل. قال: لك ثمانون. قالت: زد فمثلك زاد فأتم. قال: لك مائة، واعلمي يا ليلى أنها غنم، قال: معاذ الله أيها الأمير، أنت أجود جواداً وأمجد مجداً وأورى زنداً من أن تجعلها غنماً. قال: فما هي ويحك يا ليلى؟ قالت: مائة ناقة يدعى بها. فأمر بها ثم قال: ألك حاجةٌ بعدها؟ قالت: تدفع إلي النابغة الجعدي في قرن. قال: قد فعلت. وقد كانت تهجوه ويهجوها، فبلغ النابغة ذلك، فخرج هارباً عائذاً بعبد الملك، فاتبعه إلى الشام، فهرب إلى قتيبة، فمات بقومس، ويقال بحلوان.

стр. 277

علي بن صالح والقينة ذكر أبو عمر بن حيويه في ما نقلته من خطه قال: حدثنا محمد بن خلف قال: حدثنا الحسين بن جعفر قال: حدثنا عبد الله بن أحمد العبدي قال: حدثني سليمان بن علي الهاشمي أن علي بن صالح بن داود ذكر عن جارية من القيان أنها تميل إليه محبةً وكلفاً، وكانت موصوفةً بالأدب شاعرةً، فكره مراسلتها، فحضر يوماً عند بعض أهل البصرة، وكانت عنده، فلما رأت علي بن صالح قالت: طاب عيشنا في يومنا هذا، فلم يلتفت إليها وأطرقت هي أيضاً فلم تنظر إليه، ثم دعت بداوة فكتبت على منديل، كان معها، ثم غافلت أهل المجلس، فألقت إليه المنديل، فأخذه فإذا فيه: لَعَلّ الذي يَبْلُو بحُبّكَ يَا فَتىً، ... يَرُدّكَ لي يَوْماً إلى أحسَنِ العَهدِ. قال: فما هو إلا أن قرأت الشعر حتى وجدت في قلبي من أمرها مثل النار، وقمت فانصرفت خوفاً من الفضيحة، ثم لم أزل أعمل الحيلة في ابتياعها من حيث لا تعلم، فعسر ذلك علي، فعرفتها الخبر، وما عزمت عليه من ابتياعها، فأعانتني على ذلك حتى ملكتها، فلم أوثر عليها أحداً من حرمي، ولا أهلي، ولا كان عندي شيء يعدلها، فتوفيت، فأنا لا عيش لي بعدها، ولا سرور. فوالله ما لبث بعد هذا الكلام إلا أياماً يسيرة حتى مات أسفاً وكمداً، فدفن إلى جنبها. ريقته مدام ولي من قصيدة أولها: قِفي أُخْبِرْكِ مَا صَنَعَ الغَرَامُ، ... عَشِيّةَ قُوِّضَتْ تِلكَ الخِيَامُ. لَقَدْ فَتَكَ الهَوَى بي يَوْمَ سَارُوا، ... وَلَوْ لم يُؤثِرُوا قَتْلي أَقَامُوا.

стр. 278

سَرَوْا وَالّليلُ في ثَوْبَيْ حِدَادٍ، ... وَقَدْ ألقَى مَرَاسِيَهُ الظّلامُ. وَقَدْ هَتَكُوا الأكِلّةَ عَن بُدورٍ ... كَوَامِنَ لَيْسَ يَبرَحُهَا التَّمَامُ. وَفي الأحدَاجِ ذُو لَعَسٍ، لمَاهُ، ... لنا كَأسٌ، وَرِيقَتُهُ مُدَامُ. رَمى، وَقُلُوبُنا الأغَراضُ، فَانظُرْ ... بعَينِكَ هَلْ تَطِيشُ لَهُ سِهَامُ. عشق ليس فيه فحش أنبأنا أبو محمد الجوهري، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدثنا أبو بكر محمد بن خلف المحولي، حدثنا أبو سعيد عبد الله بن شبيب قال: حدثنا العتبي قال: كان عند خالد بن عبد الله فقهاء من أهل الكوفة، فيهم أبو حمزة الثمالي، فقال خالد: حدثونا بحديث عشق ليس فيه فحش! فقال أبو حمزة الثمالي: أصلح الله الأمير! زعموا أنه ذكر عند هشام بن عبد الله غدر النساء وسرعة تزويجهن. فقال هشام: إنه ليبلغني من ذلك العجب. فقال بعض جلسائه: أنا أحدثك عما بلغني من ذلك. بلغني ان رجلاً من بني يشكر يقال له غسان بن مهضم من العذافر، كانت تحته ابنة عم له يقال لها أم عقبة بنت عمرو بن الأجبر، وكان لها محباً، وكانت هي له كذلك، فلما حضره الموت، وظن أنه مفارق الدنيا، قال ثلاثة أبيات. ثم قال لها: يا أم عقبة! اسمعي ما أقول، وأجيبيني بحق، قال ثلاثة أبياتٍ. ثم قال لها: يا أم عقبة! اسمعي ما أقول، وأجيبيني بحق، فقد تاقت نفسي إلى مسألتك عن نفسك، بعدما يواريني التراب. فقالت: قل، فوالله لا أجيبك بكذبٍ ولأجعلنه آخرخطاب مني. فقال، وهو يبكي بكاءً منعه الكلام:

стр. 279

أخبريني بِمَا تُرِيدِينَ بَعْدِي، ... وَالذي تُضْمِرينَ يَا أُمَّ عُقْبَهْ. تحفَظِيني مِنْ بَعدِ مَوْتي لِما قَدْ ... كان مني من حسنِ خُلقٍ وَصُحِبهْ. أمْ تُرِيدينَ ذَا جَمَالٍ وَمَالٍ، ... وَأنا في الترَابِ في سُحقِ غُرْبَهْ. فأجابته ببكاء وانتحاب: قَد سَمِعنا الّذِي تقُولُ وَمَا قد ... خِفتَهُ يا خَليلُ من أُمّ عُقبَهْ. أنا مِنْ أحْفَظِ الأنَامِ وَأرْعَا ... هم لِما قد أوليتُ مِن حُسنِ صُحبهْ. سَوْفَ أبكيكَ ما حَيِيتُ بِشَجوٍ ... وَمَرَاثٍ أقُولُهَا وَبِنَدْبَهْ. قال: فلما قالت ذلك طابت نفسه، وفي النفس ما فيها، فقال: أنَا وَالله وَاثِقٌ مِنْكِ لَكِنْ ... رُبّمَا خِفْتُ مِنكِ غَدْرَ النّساءِ. بَعْد مَوْتِ الأزْوَاجِ يا خيرَ مَنْ عُو ... شِرَ فَارْعَيْ حَقّي بحُسنِ الوَفاءِ. إنّي قَد رَجَوْتُ أنْ تَحفَظي العَه ... دَ، فكُوني إنْ متُّ عندَ الرّجَاءِ. قال: ثم اعتقل لسانه، فلم ينطق حتى مات. فلم تلبث بعده حتى خطيت من كل جانب، ورغبت فيها الأزواج لاجتماع الخصال الفاضلة فيها من العقل والجمال والعفاف، فقالت مجيبة لهم: سَأحفَظُ غَسّاناً عَلى بُعدِ دَارِهِ ... وَأرْعاهُ حتى نلتقي يوْمَ نُحشَرُ. وَإني لفي شُغلٍ عنِ النّاسِ كلّهم ... فكفّوا! فما مثلي بمَن ماتَ يَغدُرُ. سأبكي عَلَيهِ مَا حَيِيتُ بِعَبرَةٍ ... تَجُولُ على الخدّينِ مني وَتَحدُرُ. فأيس الناس منها حيناً، فلما مرت بها لأيام نسيت عهده وقال: من مات فقد فات، فأجابت بعض خطابها، فتزوجها، فلما كانت الليلة التي أراد الدخول بها جاءها غسان في النوم، وقد أغفت، فقال:

стр. 280

غدَرْتِ، وَلم تَرْعَيْ لبَعلِكِ حُرْمَةً، ... وَلمْ تَعرِفي حَقّاً، وَلم تَحفَظي عَهدَا. وَلمْ تَصْبِري حَوْلاً حِفَاظاً لصَاحِبٍ، ... حَلَفتِ لَهُ يَوْماً وَلمْ تُنجِزِي وَعدَا. غَدَرْتِ بهِ لمّا ثَوَى في ضَرِيحِهِ، ... كذلكَ يُنسَى كلُّ مَن سكَنَ اللَّحدَا. قال: فلما سمعت هذه الأبيات انتبهت مرتاعة مستحيةً منه كأنه بات معها في جانب البيت، وأنكر ذلك منها من حضرها من نسائها، فقلن: ما لك، وما حالك، وما دهاك؟ فقالت: ما ترك غسان لي في الحياة أرباً، ولا بعده في سرور رغبةً. أتاني في منامي الساعة، فأنشدني هذه الأبيات، ثم أنشدتها وهي تبكي بدمعٍ غزير وانتحاب شديد، فلما سمعن ذلك منها أخذن بها في حديث آخر لتنسى ما هي فيه، فغافلتهن وقامت، فلم يدركنها حتى ذبحت نفسها حياءً مما كادت أن تركب بعده من الغدر به والنسيان لعهده. فقالت امرأة منهن: قد بلغنا أن امرأة أتاها زوجها في المنام فلامها في مثل هذا، فقتلت نفسها. فما سمعنا به. قال: وكانت المرأة القائلة هذا الكلام صاحبة شعر ورجز فقالت: مَاذَا صَنَعْتِ وَمَاذَا ... لَقِيتِ مِنْ غَسّانِ. قَتَلْتِ نَفسَكِ حُزْناً ... يَا خِيرَةَ النِّسْوَانِ. وَفَيتِ مِنْ بَعدِ مَا قَد ... هَمَمْتِ بِالعِصْيَانِ. إنّ الوَفَاءَ مِنَ الل ... هِ، لَمْ يَزَلْ بِمَكَانِ. قال: فلما بلغ زوجها، وكان يقال له المقدام بن حبيش، وكان قد أعجب بها، أنها قالت: ما كان لي مستمتع بعد غسان، قال: هكذا فلتكن النساء في الوفاء، وقل من تحفظ ميتاً، إنما هي أيام قلائل حتى ينسى وعنه يسلى.

стр. 281

فقال هشام: صدق وبر، لجاد ما أدركه عقله وحسن عزائه حين فاتته طلبته. أحسنت المرأة ووقفت، وأحسن الرجل فصبر. نظرة بتبسم أنشدنا أبو محمد الحسن بن محمد بن علي الخلال، ﵀، قال: أنشدنا أبو بكر أحمد بن محمد الخوارزمي لبعضهم: وَقالوا لها: هذا حَبيبُكِ مُعرِضاً، ... فقالتْ: ألا إعرَاضُهُ أيسَرُ الخَطبِ. فَمَا هيَ إلاّ نَظْرَةٌ بِتَبَسُّمٍ، ... فتَصْطكُّ رِجلاهُ وَيَسقطُ للجنبِ. قميص الكتمان أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي العلاف الواعظ بقراءتي عليه، أخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان الواعظ، حدثنا جعفر بن محمد الصوفي، حدثنا أحمد بن محمد الطوسي، حدثني القاسم بن يزيد، حدثني محمد بن سلام، حدثني خلاد بن يزيد الأرقط قال: كان عويمر العقيلي مشغوفاً بابنة عم له، وكان يقال لها ريا، فزوجت برجلٍ، فحملها إلى بلاده، فاشتد وجده، واعتل علة أخذه الهلاس بها، فدعوا له طبيباً لينظر إليه، فقال له: أخبرني بالذي تجد، فرفع عقيرته فقال: كذَبتُ على نَفسِي فحَدّثتُ أنّني ... سَلَوْتُ لكيما يَنظرُوا حينَ أصْدُقُ. وَما عن قِلىً مني وَلا عَنْ مَلالَةٍ، ... وَلَكِنّني أُبْقي عَلَيْكِ وَأُشْفِقُ.

стр. 282

وَمَا الهَجْرُ إلاّ جُنّةٌ لي لَبِسْتُهَا، ... لتَدفَعَ عني ما يُخافُ وَيُفرَقُ. عُطَفتُ على أسرَارِكُمْ، فكَسَوْتُها ... قَمِيصاً مِنَ الكِتمَانِ لا يَتَخرّقُ. وَلي عَبْرَتَانِ ما تُفِيقَانِ: عَبرَةٌ ... تَفِيضُ، وَأُخرَى للصّبَابَةِ تخنقُ. وَيَوْمَانِ: يَوْمٌ فيهِ جِسْمٌ مُعَذَّبٌ ... عَلِيلٌ، وَيَوْمٌ للتّفَرّقِ مُطْرِقُ. وَأكثرُ حَظّي مِنْكِ أني إذا سَرَتْ ... ليَ الرّيحُ مِنْ تِلْقَائِكُم أتَنَشّقُ. ثم ذهب عقله، فقال المتطبب لأهله ومن حضره: ارفقوا به، ثم انصرف. فما مكث إلا ليالي يسيرةً حتى قضى. طرف قتول أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري، أخبرنا ابن روح، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا الكوكبي، حدثني إسحاق بن محمد، أخبرني أبو عثمان المازني قال: قال أبو حيان الدارمي في أبي تمام الروبج من بني هاشم، وكان يهواه: سَبَاكَ مِنْ هَاشِمٍ سَلِيلُ ... لَيْسَ إلى عَطفِهِ سَبِيلُ. ما اختال في صَحن قصرِ أوْسٍ ... إلاّ تَسَجّى لَهُ قَتِيلُ. وَلا حَظَتْهُ العُيُونُ حَتى ... رَنَتْ لَهُ الكَاعِبُ البَتُولُ. فإن يَقِفْ، فَالعُيونُ نُصْبٌ، ... وَإنْ تَصَدّى، فهنّ حُولُ. يَمْسَحُهُ عَنْ أدِيمِ خَدٍ ... مُوَرَّدٍ، صَحنُهُ أسِيلُ. للحَتفِ في عَيْنِهِ قِسِيٌّ ... أيْدِي المَنَايَا بهَا تَصُولُ.

стр. 283

ينزِعُ فيهَا بِغَير نَبْلٍ، ... طَرْفٌ لعُشّاقِهِ قَتُولُ. قال أبو عثمان: فحدثني من أتى بخبره أن المأمون أنشد هذا الشعر، فقال: ما سمعت أرق من هذا المعنى: فإنْ يَقِفْ، فالعُيُونُ نُصْبٌ، ... وَإنْ تَصَدّى، فهُنّ حُولُ. شعر ليحيى بن طالب أخبرنا محمد بن أبي نصر الحفظ، حدثني الفقه أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي حدثنا القاضي أبو محمد عبد الله بن الربيع، حدثنا أبو علي القالي قال: قال أبو بكر الأنباري: غني هارون الرشيد بشعر يحيى بن طالب: أيا أثلاثِ القَاعِ من بَطْنِ تُوضَحٍ، ... حَنِيني إلى أطْلالِكُنّ طَوِيلُ. وَيَا أثلاثِ القَاعِ قَدْ مَلّ صُحْبَتِي ... مَسِيرِي، فَهَلْ في ظِلّكُنّ مَقِيلُ. وَيَا أثلاثِ القَاعِ قَلْبي مُوَكَّلٌ ... بكنّ، وَجَدْوَى خَيْرِكُنّ قَلِيلُ. ألا هَلْ إلى شَمّ الخُزَامَى وَنَظْرَةٍ ... إلى قَرْقَرَى قَبْلَ المَمَاتِ سَبِيلُ. فأشرَبَ مِنْ مَاءِ الحُجَيلاءِ شَرْبَةً ... يُدَاوَى بهَا قَبْلَ المَمَاتِ عَلِيلُ. أحدِّثُ عنكِ النفسَ أن لَستُ رَاجِعاً ... إليكِ، فَحُزْني في الفُؤادِ دَخِيلُ. أُرِيدُ هُبُوطاً نَحْوَكُمْ فَيَرُدّني، ... إذا رُمْتُهُ، دَيْنٌ عَليّ ثَقِيلُ. فقال هارون الرشيد: يقضى دينه، فطلب فإذا هو قد مات قبل ذلك بشهرٍ.

стр. 284

غصة الحديث وبإسناده حدثنا القالي، أخبرنا أبو بكر بن دريد أنشدنا عبد الرحمن عن عمه لرجل من بني كلاب: وَلمّا قَضَيْنَا غُصّةً مِنْ حَدِيثِنَا، ... وَقد فَاضَ من بعد الحديثِ المَدامعُ. جَرَى بَينَنا منّا رَسِيسٌ يَزِيدُنَا ... سَقَاماً، إذا مَا استَوْعَبَتهُ المَسامعُ. كأنْ لم تُجاوِرْنا أُمَامُ، وَلمْ يُقَمْ، ... بِعيصِ الحِمَى إذْ أنتَ بالعَيش قانعُ. فَهَلْ مِثْلُ أيّامٍ تَقَضّينَ بِالحِمَى ... عَوَائِدُ، أوْ غَيْثُ السّتَارَينِ وَاقعُ. وَإنّ نَسِيمَ الرّيحِ من مَدْرَجِ الصَّبَا، ... لأوْرَابِ قَلْبٍ شَفّهُ الحُبُّ نافعُ. قال أبو علي القالي: الرس الشيء من الحبر والرسيس مثله. أفق من الحب وبإسناده قال: وأنبأنا القالي، أخبرنا ابن دريد حدثنا أبو حاتم للعوام بن عقبة بن كعب: أإنْ سَجَعتْ في بَطنِ وَادٍ حَمَامَةٌ ... تُجاوِبُ أُخرَى مَاءُ عَيْنَيكَ دافقُ. كأنّكَ لمْ تَسْمَعْ بُكَاءَ حَمَامَةٍ ... بليلٍ، وَلمْ يُحزِنكَ إلفٌ مُفَارِقُ. وَلمْ تَرَ مَفْجُوعاً بِشَيءٍ يُحِبّه ... سِوَاكَ، وَلمْ يَعشَقْ كَعِشقِك عاشقُ. بَلى فأفِقْ عَنْ ذِكْرِ لَيْلى، فإنّمَا ... أخو الصّبرِ مَنْ كفّ الهَوَى وَهوَ تائقُ.

стр. 285

نصيب وأم بكر أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا الحرمي بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكار، وحدثني إبراهيم بن عبد الله السعدي عن جدته جمال بنت عون بن مسلم عن جدها السعدي قال: رأيت رجلاً أسود معه امرأة بيضاء، فوقفت أتعجب من شدة سواده مع شدة بياضها، فقلت له: من أنت؟ فقال: أن الذي أقول: ألا لَيْتَ شِعرِي ما الذي تُحدِثنّ لي ... غداً غُرْبَةُ النأيِ المُفَرِّقِ وَالبُعدِ. لَدَى أُمّ بَكْرٍ حِينَ تَنتَشِبُ النّوَى ... بنا، ثمّ يَخلُو الكاشِحُونَ بها بَعدي. أتَصْرِمُني عِنْدَ الأُلى فِيهِمِ العِدى، ... فَتشمتَهمْ بي أمْ تُقِيمُ عَلى العَهدِ. ابن أبي عتيق ونصيب وسعدى أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر الحنبلي، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا الجرمي بن أبي العلاء، واسمه أحمد، حدثنا الزبير بن بكار، وحدثني أبو عثمان أحمد بن محمد الأسدي عن محمد بن عبد الله عن مؤرخ قال: أراد ابن أبي عتيقٍ الحج، فلقي نصيباً، فقال: هل توصي إلى سعدى بشيء؟ قال: نعم ببيتين. قال: ما هما؟ قال: أتَصْبِرُ عَنْ سُعدَى، وَأنتَ صَبُورُ، ... وَأنتَ بحُسنِ الصّبرِ مِنكَ جَدِيرُ. وَكِدتُ وَلم أُخلَقْ من الطيرِ إنْ بَدا ... سَنَا بَارِقٍ نَحْوَ الحِجَازِ أطِيرُ. قال: فخرج ابن أبي عتيق، فوجد سعدى في مجلس لها، فقال لها:
следующие страницы →