Полный текст (611 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فقال هشام: صدق وبر، لجاد ما أدركه عقله وحسن عزائه حين فاتته طلبته. أحسنت المرأة ووقفت، وأحسن الرجل فصبر.
نظرة بتبسم
أنشدنا أبو محمد الحسن بن محمد بن علي الخلال، ﵀، قال: أنشدنا أبو بكر أحمد بن محمد الخوارزمي لبعضهم:
وَقالوا لها: هذا حَبيبُكِ مُعرِضاً، ... فقالتْ: ألا إعرَاضُهُ أيسَرُ الخَطبِ.
فَمَا هيَ إلاّ نَظْرَةٌ بِتَبَسُّمٍ، ... فتَصْطكُّ رِجلاهُ وَيَسقطُ للجنبِ.
قميص الكتمان
أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي العلاف الواعظ بقراءتي عليه، أخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان الواعظ، حدثنا جعفر بن محمد الصوفي، حدثنا أحمد بن محمد الطوسي، حدثني القاسم بن يزيد، حدثني محمد بن سلام، حدثني خلاد بن يزيد الأرقط قال: كان عويمر العقيلي مشغوفاً بابنة عم له، وكان يقال لها ريا، فزوجت برجلٍ، فحملها إلى بلاده، فاشتد وجده، واعتل علة أخذه الهلاس بها، فدعوا له طبيباً لينظر إليه، فقال له: أخبرني بالذي تجد، فرفع عقيرته فقال:
كذَبتُ على نَفسِي فحَدّثتُ أنّني ... سَلَوْتُ لكيما يَنظرُوا حينَ أصْدُقُ.
وَما عن قِلىً مني وَلا عَنْ مَلالَةٍ، ... وَلَكِنّني أُبْقي عَلَيْكِ وَأُشْفِقُ.
стр. 282
وَمَا الهَجْرُ إلاّ جُنّةٌ لي لَبِسْتُهَا، ... لتَدفَعَ عني ما يُخافُ وَيُفرَقُ.
عُطَفتُ على أسرَارِكُمْ، فكَسَوْتُها ... قَمِيصاً مِنَ الكِتمَانِ لا يَتَخرّقُ.
وَلي عَبْرَتَانِ ما تُفِيقَانِ: عَبرَةٌ ... تَفِيضُ، وَأُخرَى للصّبَابَةِ تخنقُ.
وَيَوْمَانِ: يَوْمٌ فيهِ جِسْمٌ مُعَذَّبٌ ... عَلِيلٌ، وَيَوْمٌ للتّفَرّقِ مُطْرِقُ.
وَأكثرُ حَظّي مِنْكِ أني إذا سَرَتْ ... ليَ الرّيحُ مِنْ تِلْقَائِكُم أتَنَشّقُ.
ثم ذهب عقله، فقال المتطبب لأهله ومن حضره: ارفقوا به، ثم انصرف. فما مكث إلا ليالي يسيرةً حتى قضى.
طرف قتول
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري، أخبرنا ابن روح، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا الكوكبي، حدثني إسحاق بن محمد، أخبرني أبو عثمان المازني قال: قال أبو حيان الدارمي في أبي تمام الروبج من بني هاشم، وكان يهواه:
سَبَاكَ مِنْ هَاشِمٍ سَلِيلُ ... لَيْسَ إلى عَطفِهِ سَبِيلُ.
ما اختال في صَحن قصرِ أوْسٍ ... إلاّ تَسَجّى لَهُ قَتِيلُ.
وَلا حَظَتْهُ العُيُونُ حَتى ... رَنَتْ لَهُ الكَاعِبُ البَتُولُ.
فإن يَقِفْ، فَالعُيونُ نُصْبٌ، ... وَإنْ تَصَدّى، فهنّ حُولُ.
يَمْسَحُهُ عَنْ أدِيمِ خَدٍ ... مُوَرَّدٍ، صَحنُهُ أسِيلُ.
للحَتفِ في عَيْنِهِ قِسِيٌّ ... أيْدِي المَنَايَا بهَا تَصُولُ.
стр. 283
ينزِعُ فيهَا بِغَير نَبْلٍ، ... طَرْفٌ لعُشّاقِهِ قَتُولُ.
قال أبو عثمان: فحدثني من أتى بخبره أن المأمون أنشد هذا الشعر، فقال: ما سمعت أرق من هذا المعنى:
فإنْ يَقِفْ، فالعُيُونُ نُصْبٌ، ... وَإنْ تَصَدّى، فهُنّ حُولُ.
شعر ليحيى بن طالب
أخبرنا محمد بن أبي نصر الحفظ، حدثني الفقه أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي حدثنا القاضي أبو محمد عبد الله بن الربيع، حدثنا أبو علي القالي قال: قال أبو بكر الأنباري: غني هارون الرشيد بشعر يحيى بن طالب:
أيا أثلاثِ القَاعِ من بَطْنِ تُوضَحٍ، ... حَنِيني إلى أطْلالِكُنّ طَوِيلُ.
وَيَا أثلاثِ القَاعِ قَدْ مَلّ صُحْبَتِي ... مَسِيرِي، فَهَلْ في ظِلّكُنّ مَقِيلُ.
وَيَا أثلاثِ القَاعِ قَلْبي مُوَكَّلٌ ... بكنّ، وَجَدْوَى خَيْرِكُنّ قَلِيلُ.
ألا هَلْ إلى شَمّ الخُزَامَى وَنَظْرَةٍ ... إلى قَرْقَرَى قَبْلَ المَمَاتِ سَبِيلُ.
فأشرَبَ مِنْ مَاءِ الحُجَيلاءِ شَرْبَةً ... يُدَاوَى بهَا قَبْلَ المَمَاتِ عَلِيلُ.
أحدِّثُ عنكِ النفسَ أن لَستُ رَاجِعاً ... إليكِ، فَحُزْني في الفُؤادِ دَخِيلُ.
أُرِيدُ هُبُوطاً نَحْوَكُمْ فَيَرُدّني، ... إذا رُمْتُهُ، دَيْنٌ عَليّ ثَقِيلُ.
فقال هارون الرشيد: يقضى دينه، فطلب فإذا هو قد مات قبل ذلك بشهرٍ.
стр. 284
غصة الحديث
وبإسناده حدثنا القالي، أخبرنا أبو بكر بن دريد أنشدنا عبد الرحمن عن عمه لرجل من بني كلاب:
وَلمّا قَضَيْنَا غُصّةً مِنْ حَدِيثِنَا، ... وَقد فَاضَ من بعد الحديثِ المَدامعُ.
جَرَى بَينَنا منّا رَسِيسٌ يَزِيدُنَا ... سَقَاماً، إذا مَا استَوْعَبَتهُ المَسامعُ.
كأنْ لم تُجاوِرْنا أُمَامُ، وَلمْ يُقَمْ، ... بِعيصِ الحِمَى إذْ أنتَ بالعَيش قانعُ.
فَهَلْ مِثْلُ أيّامٍ تَقَضّينَ بِالحِمَى ... عَوَائِدُ، أوْ غَيْثُ السّتَارَينِ وَاقعُ.
وَإنّ نَسِيمَ الرّيحِ من مَدْرَجِ الصَّبَا، ... لأوْرَابِ قَلْبٍ شَفّهُ الحُبُّ نافعُ.
قال أبو علي القالي: الرس الشيء من الحبر والرسيس مثله.
أفق من الحب
وبإسناده قال: وأنبأنا القالي، أخبرنا ابن دريد حدثنا أبو حاتم للعوام بن عقبة بن كعب:
أإنْ سَجَعتْ في بَطنِ وَادٍ حَمَامَةٌ ... تُجاوِبُ أُخرَى مَاءُ عَيْنَيكَ دافقُ.
كأنّكَ لمْ تَسْمَعْ بُكَاءَ حَمَامَةٍ ... بليلٍ، وَلمْ يُحزِنكَ إلفٌ مُفَارِقُ.
وَلمْ تَرَ مَفْجُوعاً بِشَيءٍ يُحِبّه ... سِوَاكَ، وَلمْ يَعشَقْ كَعِشقِك عاشقُ.
بَلى فأفِقْ عَنْ ذِكْرِ لَيْلى، فإنّمَا ... أخو الصّبرِ مَنْ كفّ الهَوَى وَهوَ تائقُ.
стр. 285
نصيب وأم بكر
أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا الحرمي بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكار، وحدثني إبراهيم بن عبد الله السعدي عن جدته جمال بنت عون بن مسلم عن جدها السعدي قال: رأيت رجلاً أسود معه امرأة بيضاء، فوقفت أتعجب من شدة سواده مع شدة بياضها، فقلت له: من أنت؟ فقال: أن الذي أقول:
ألا لَيْتَ شِعرِي ما الذي تُحدِثنّ لي ... غداً غُرْبَةُ النأيِ المُفَرِّقِ وَالبُعدِ.
لَدَى أُمّ بَكْرٍ حِينَ تَنتَشِبُ النّوَى ... بنا، ثمّ يَخلُو الكاشِحُونَ بها بَعدي.
أتَصْرِمُني عِنْدَ الأُلى فِيهِمِ العِدى، ... فَتشمتَهمْ بي أمْ تُقِيمُ عَلى العَهدِ.
ابن أبي عتيق ونصيب وسعدى
أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر الحنبلي، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا الجرمي بن أبي العلاء، واسمه أحمد، حدثنا الزبير بن بكار، وحدثني أبو عثمان أحمد بن محمد الأسدي عن محمد بن عبد الله عن مؤرخ قال: أراد ابن أبي عتيقٍ الحج، فلقي نصيباً، فقال: هل توصي إلى سعدى بشيء؟ قال: نعم ببيتين. قال: ما هما؟ قال:
أتَصْبِرُ عَنْ سُعدَى، وَأنتَ صَبُورُ، ... وَأنتَ بحُسنِ الصّبرِ مِنكَ جَدِيرُ.
وَكِدتُ وَلم أُخلَقْ من الطيرِ إنْ بَدا ... سَنَا بَارِقٍ نَحْوَ الحِجَازِ أطِيرُ.
قال: فخرج ابن أبي عتيق، فوجد سعدى في مجلس لها، فقال لها:
стр. 286
يا سعدى! معي إليك رسالة. قالت: وما هي؟ هاتها يا ابن الصديق، فأنشدها البيتين، فتنفست تنفساً شديداً، فقال ابن أبي عتيق: أوه أجبته، والله، بأحسن من بيتيه، وعتق ما ملك أن لو سمعها لنعق وطار.
عاشق يقتله الصد
حدثني محمد بع عبد الله الأندلسي، وكتبه لي بخطه، حدثني الفقيه أبو محمد علي بن أحمد الحافظ الأندلسي، حدثني أبو عبد الله محمد بن الحسن المذحجي الطبيب الأديب قال: كنت أختلف في النحو إلى محمد بن خطاب النحوي في جماعة، وكان معنا عنده أبو الحسن أسلم بن أحمد بن سعيد ابن قاضي قضاة الأندلس أسلم ابن عبد العزيز صاحب المزني والربيع، قال محمد بن الحسن: وكان أجمل من رأته العيون، وكان معنا عند محمد بن خطاب أحمد بن كليب، وكان من أهل الأدب والشعر، فاشتد كلفه بأسلم، وفارق صبره وصرف فيه القول متستراً بذلك، إلى أن فشت أشعاره فيه، وجرت على الألسنة وتنوشدت في المحافل.
فلعهدي بعرس في بعض الشوارع بقرطبة، والكوري الزامر قاعد في وسط المحفل، وفي رأسه قلنسوة وشرٍ، وعليه ثوب خز عبيدي، وفرسه بالحلية المحلاة يمسكه غلامه، وكان يزمر لأمير المؤمنين الناصر، وهو يزمر في البوق بقول أحمد بن كليب في أسلم، وهو:
أسْلَمَني في الهَوَى ... أسْلَمُ هَذَا الرَّشَا.
غَزَالٌ لَهُ مُقْلَةٌ ... يُصيبُ بهَا مَنْ يَشَا.
وَشَى بَيْنَنَا حَاسِدٌ، ... سَيُسْألُ عَمّا وَشَى.
وَلَوْ شَاءَ أن يَرْتَشِي ... على الوصْل رُوحي ارتشى.
стр. 287
ومغن محسن يسايره فيها، فلما بلغ هذا المبلغ انقطع أسلم عن جميع مجالس الطلب، ولزم بيته، والجلوس على بابه.
وكان أحمد بن كليب لا شغل له إلا المرور على باب أسلم سائراً ومقبلاً نهاره كله، فامتنع أسلم عن الجلوس على باب داره نهاراً، فإذا صلى المغرب، واختلط الظلام خرج مستروحاً، وجلس على باب داره، فعيل صبر أحمد بن كليب فتحيل في بعض الليالي ولبس جبة صوف من جباب أهل البادية، واعتم بمثل عمائمهم، وأخذ بإحدى يديه دجاجاً، وبالأخرى قفصاً فيه بيض، وتحين جلوس أسلم عند اختلاط الظلام على بابه، فتقدم إليه، وقبل يديه وقال: يا مولا! تأمر من يقبض هذا؟ فقال له أسلم: ومن أمن؟ فقال: أجيرك في الضيعة الفلانية، وقد كان يعرف أسماء ضياعه والعاملين فيها، فأمر أسلك غلمانه ذلك منه على عادتهم في قبول هدايا العاملين في الضياع عند ورودهم ثم جعل يسأله عن الضيعة، فلما جاوبه أنكر الكلام، فتأمله فعرفه، فقال له: يا أخي! وإلى هنا بلغت بنفسك، وإلى ها هنا تتبعني؟ أما كفاك انقطاعي عن مجالس الطلب، وعن الخروج جملةً وعن القعود على بابي نهاراً، حتى قطعت عني جميع ما لي فيه راحة، فقد صرت من سجنك في حيرة، والله، لا فارقت هذه الليلة قعر منزلي، ولا جلست بعدها على بابي لا ليلاً ولا نهاراً. ثم قال، فانصرف أحمد بن كليب حزيناً كئيباً.
قال محمد بن الحسن: واتصل ذلك بنان فقلنا لأحمد بن كليب: قد خسرت دجاجك وبيضك، فقال: هات كل ليلة قبلة يده، وأخسر أضعاف ذلك.
قال: فلما يئس من رؤيته البتة نهكته العلة، وأضجعه المرض.
قال محمد بن الحسن: فأخبرني شيخنا أبو عبد الله محمد بن خطاب قال: فعدته فوجدته بأسوأ حال، فقلت له: ولم لا تتداوى؟ فقال: دوائي
стр. 288
معروف، وأما الأطباء فلا حيلة لهم في البتة. فقلت له: وما دواؤك؟ قال نظرة من أسلم، ولو سعيت في أن يزورني لأعظم الله أجرك بذلك، وكان هو والله أيضاً يؤجر.
قال: فرحمته وتقطعت نفسي له، فنهضت إلى أسلم، فاستأذنت عليه، فأذن لي وتلقاني بما أحب، فقلت له: لي حاجة. قال: وما هلي؟ قلت: قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب من ذمام الطلب عندي، فقال: نعم! ولكن تعلم أنه برح بي وشهر اسمي وآذاني. فقلت: كل ذلك يغتفر في مثل الحال التي هو فيها، فتفضل بعيادته. فقال لي: والله ما أقدر على ذلك فلا تكلفني هذا. فقلت له: لا بد، فليس عليك في ذلك شيء، وإنما هي عيادة مريض.
قال: ولم أزل به حتى أجاب، فقلت: فقم الآن! فقال لي: لست والله أفعل، ولكن غداً، فقلت له: ولا خلف؟ قال: نعم.
قال: فانصرف إلى أحمد بن كليب وأخبرته بوعده بعد تأبيه، بذلك وارتاحت نفسه.
قال: فلما كان من الغد بكرت إلى أسلم وقلت له: الوعد. فوجم، وقال: والله لقد تحملني على خطةٍ صعبةٍ علي، وما أدري كيف أطيق ذلك. قال: فقلت له: لا بد أن تفي بوعدك لي.
قال: فأخذ رداءه ونهض معي راجلاً، فلما أتينا منزل أحمد بن كليب، وكان يسكن في آخر درب طويل، وتوسط الزقاق وقف واحمر وخجل، وقال لي: يا سيدي، الساعة والله أموت وما أقدر أن أنقل قدمي، ولا أستطيع أن أعرض هذا على نفسي. فقلت له: لا تفعل بعد أن بلغت المنزل وتنصرف؟ فقال: لا سبيل، والله، إلى ذلك البتة.
ورجع هارباً، فاتبعه فأخذت بردائه، فتمادى وخرق الرداء، وبقيت قطعة منه في يدي لشدة إمساكي له، ومضى ولم أدركه، فرجعت ودخلت
стр. 289
على أحمد بن كليب.
وقد كان غلامه دخل عليه، إذ رآنا من أول الزقاق، مبشراً، فلما رآني دونه تغير وجهه وقال: وأين أبو الحسن؟ فأخبرته بالقصة، فاستحال من وقته، واختلط، وجعل يقول ويتكلم بكلامٍ لا يعقل منه أكثر من الترجع، فاستبشعت الحال، وجعلت أترجع وقمت، فثاب إليه وجهه، وقال: أبا عبد الله! قلت: نعم! قال: اسمع مني، واحفظ عني. ثم أنشأ يقول:
أسْلمُ يَا رَاحَةَ العَلِيلِ، ... رِفقاً على الهَائمِ النّحِيلِ.
قال: فقلت: اتق الله، ما هذه الكبيرة؟ فقال لي: قد كان. فخرجت عنه، فوالله ما توسطت الزقاق حتى سمعت الصراخ عليه وقد فارق الدنيا.
قال لنا أبو محمد علي بن أحمد: وهذه قصة مشهورة عندنا. ومحمد بن الحسن ثقة، ومحمد بن خطاب ثقة، وأسلم هذا من بني خلف وكانت فيهم وزارة وحجابة، وهو حاجب الديوان المشهور في غناء زرياب، وكان شاعراً، وابنه الآن في الحياة يكنى أبا الجعد.
قال أبو محمد: ولقد ذكرت هذه الحكاية لأبي عبد الله محمد بن سعيد الخولاني الكاتب، فعرفها، وقال: لقد أخبرني الثقة أنه رأى أسلم هذا في يوم شديد الكطر لا يكاد أحد يمشي في طريق، وهو قاعد على قبر أحمد بن كليب المذكرو زائراً له قد تحين غفلة الناس في مثل ذلك النهار.
стр. 290
شعر ملحون
قال شيخنا: قال لنا أبو محمد، وحدثني أبو محمد قاسم بن محمد القرشي قال: كتب ابن كليب إلى محمد بن خطاب شعراً يتغزل فيه بأسلم، فعرفه ابن خطاب على أسلم فقال: هذا ملحون، وكان ابن كليب قد أسقط التنوين من لفظه في بيت من الشعر، فكتب ابن خطاب إلى ابن كليب بذلك، فكتب إليه ابن كليب مسرعاً:
ألحِقْ ليَ التّنوِينَ في مَطمعٍَ، ... فإنّني أُنْسِيتُ إلْحَاقَه.
لا سِيّما إذ كان في وَصْلِ مَنْ ... كَدَّرَ لي في الحُبّ أخْلاقَه.
قبر عاشق
أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قال: أنشدنا أبو عمر محمد بن العباس عمن أنشده في أثر حكاية ذهبت علي وحفظت الشعر:
مرَرْتُ بقبرٍ مُشرِقٍ وَسْطَ رَوْضَةٍ ... عَلَيهِ منَ النُّوَارِ ثَوْبُ شَقَائِقِ.
فَقُلتُ: لَمنْ هذا؟ فجَاوَبَني الثّرَى: ... تَرَحّمْ عَلَيْهِ إنّهُ قَبْرُ عَاشِقِ.
стр. 291
وفاة عزيز لا حياة ذليل
أخبرني أبو الخطاب أحمد بن المغيرة الأندلسي بدمشق لأبي العلاء أحمد بن سليمان وذكر لي أنه قرأ عليه ديوان الصبابة وقرأته جميعه بدمشق.
ولي من أثناء قصيدة له أولها:
أسالتْ أتيَّ الدّمعِ فَوْقَ أسِيلِ، ... وَمالَتْ لظِلٍّ بِالعِرَاقِ ظَلِيلِ.
ومنها:
أسَرْتِ أخَانَا بِالخِدَاعِ، وَإنّهُ ... يُعَدّ، إذا اشتَدّ الوَغَى، بقَبيلِ.
فإنْ تُطلِقيهِ تَرْتجي شُكرَ قَوْمِه، ... وَإنْ تَقْتُلِيهِ تُؤخَذي بقَتِيلِ.
وَإنْ عاشَ لاقَى ذِلّةً، وَاخِتيَارُهُ ... وَفَاةُ عَزِيزٍ، لا حَيَاةُ ذَليل. ِ
أجمل الناس وأقبحهم
أخبرنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين الوكيل، حدثنا أبو الحسين محمد بن عبد الله القطيعي، حدثنا الحسين بن صفوان، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا الحسين بن عبد الرحمن قال: خرج رجل من بين أسد في نشدان إبل له أضلاه، حتى إذا كان ببعض بلاد قضاعة، أمسى في عشية باردة، وقد رفعت له بيوت، فتفرس أيها أرجى أن يكون أمثل قرىً، قال: فرأيت مظلة روحاء فأممتها، فإذا بامرأة من أكمل النساء حسناً، وآصلهن عقلاً، فسلمت فردت ورحبت ثم قالت: ادخل من القر، وادن من الصلاة! فدخلت فلم ألبث أن أتيت بعشاء كثير، فأكلت وهي تحدثني، حتى إذا راحت الإبل إذا
стр. 292
هنيء قد أقبل إليها كأنه بعرة دمامةً وضؤولة شخص، وذد كان في حجرها ابن لها كأطيب الولدان وأحسنهم، فلما رأى ذلك الإنسان مقبلاً هش إليه، وعدا في لقائه، فأخذ الصبي، فاحتمله ثم أقبل به يلثم فاه مرةً وعينه أخرى، ويفديه. فقلت في نفسي: أظنه عبداً لهم، حتى جاء فجلس إلى جانبها، وقال: من ضيفكم هذا؟ فأخبرته، فعرفت أنه زوجها وأن الصبي ولده منها، فطفقت أنظر إليه تارةً وإليها أخرى وأتعجب لاختلافهما، كأنها الشمس حسناً، وكأنه قرد قبحاً، ففطن لنظري إليها وإليه، فقال: يا أخا بين أسد! ترى عجباً؟ قلت: أجل، وأبيك، إني لأرى عجباً معجباً.
قال: صدقت! تقول: أحسن الناس وآدم الناس. قلت: نعم، فليت شعري كيف أودم بينكما! قال: أخبرك كيف كان ذلك.
كنت سابع سبعة بينكما! قال: أخبرك كيف كان ذلك.
كنت سابع سبعة أخوة كلهم لو رأيتني معهم ظننتني عبداً لهم، وكان أبي وأخوتي يطرحونني، وكنت لكل عمل دنيء: للرواية مرة، ولرعاية الغنم أخرى، وكانت أخوتي هم أصحاب الإبل والخيل. فبينا أنا أرعى الإبل في عام جدب أشهب إذ ضل بعير منها، فقالوا لأبي: ابعث فلاناً يبغيه! فدعاني فقال: اذهب فاطلب هذا البعير! فقلت: ما تنصفني أنت ولا بنوك. أما إذا الإبل درت ألبانها وطاب ركوبها، فهم أصحابها، وأما إذا ندت ضلالها، فأنا باغيها. فقال: يا لكع اذهب! أما والله إني لأظنه آخر أيامك من ضرب وجيع.
قال: وظننت أني مضروب، فعدت مضطهداً مجقوراً خلق الثياب جائعاً مقروراً، فطفت ليلة في بسابس ليس بها غريب، فبت، ث
стр. 293
م أصبحت فغدوت حافياً، حتى دفعت مساء الليلة إلى مظلة، فإذا عجوز وسيمة خليقة للخير والسؤدد، في عشية بادرة ذات صر، ومعها هذه عدسة نفسها، وهي ابنتها، فأدخلتني العجوز، وأتتني بتمر وعلقتني هذه سخرياً، وهزؤوا بي، وقالت: ما رأينا كالعشية قد فتىً أجمل منك، ولا أجكم خلقاً. فقلت: يا هذه جنبيني نفسك، فإني عن الباطل وأهله في شغل.
قالت: ويحك! هل لك أن تدخل هذا الستر علي، إذا نام الحي، فنتحدث وتمثلنا من أماثيلك هذه؟ فإنا نراها ملاحاً. فغرني إبليس، لما شبعت من القرى، ودفئت من الصلى، وجاء أبوها وأخوتها مثل السباع، واضطجعوا أمام الخيمة، وأنا فيها، فلم يزل بي القدر المحتوم حتى نهضت لألج عليها الستر، فإذا هي نائمة، فهمزتها برجلي، فانتهت وقالت: من هذا؟ قلت: الضيف. قالت: إياك، فلا حيام الله.
قال الأسدي: وهي والله تصدف حياءً من حديث زوجها صدوف المهرة العربية سمعت صلاصل لجامها. ثم قالت: لا حسن خبرك، اخرج لعنك الله!.
قال: فسقط في يدي، وعرفت أني لست في شيء، فخرجت لأهرب فزعاً مذعوراً فهاجني كليب لهم، مثل الفارس لا يطاف مرتبضه، وأرادأكلي، فأرهبته عني، ثم قالت: اذهب لا صحبك الله. فلما رجعت عاد الكلب إلي فرهقني، فجعلت أمشي القهقرى، وأرهبه لعصية معي، وهو يركبني بأجرامه، حتى شد علي شدة، فتعلقت أظفاره وأنيابه في مقدم مدرعة صوف علي، وأهويت من قبل عقبي في بئر،
стр. 294
وهوى معي، فإذا وهو في قرارها، وقد الله تعالى، وقدر الله تعالى أنه لم يكن فيها ماء، فسمعت المرأة الوجبة، فأقبلت ومعها حبل حتى أشرفت علي، ثم أدلت الحبل فقالت: ارتق، لعنك الله! فلولا أن يقص أثري معك، غدوةً، لوددت أنها قبرك.
قال: فتعلقت بالحبل وارتقيت حتى إذا كدت أن أتناول يدها تهور بها ما تحت قدميها من البئر، وبئر، إنما هي بئر حفر لا طي لها، فإذا أنا وهي والكلب في قرارها، ينبح في ناحية، وهي تبكي في ناحية، وتدعو بالبثور والفضيحة، وأنا منقبض في ناحية فقر برد جلدي على القتل، حتى إذا أصبحت أمها تفقدتها عند الصلاة فأتت أباها، فقالت: أتعلم أن ابنتك ليست ههنا؟ فقام، وكان قائفاً عالماً بالآثار، فتحدى أثري وأثرها، حتى تطلع في البئر، فإذا نحن فيها، فرجع سريعاً، فقال لبنيه: أختكم وكلبكم وضيفكم في البئر.
قال: فتواثبوا فمن آخذ حجراً، ومن آخذ سيفاً، ومن آخذ عصا، وهم يريدون أن يجعلوا البئر قبري وقبرها. فقال أبوها: مه! فإن ابنتي ليست بحيث تظنون. قال: فنزل أحدهم، فأخرجها وأخرج الكلب ثم أخرجوني، فقال أبوهم: إنكم إن قتلتم هذا الرجل طلبتم، وإن خليتموه افتضحتم، وقد رأيت أن أزوجه إياها، فلعمري! إنه ما يطعن في نسبه، وإنه لكفؤ، ثم علي، فقال: هل فيك خير؟ فلما وجدت ريح الحياة، كأنما كان على قلبي غطاء فانكشف، قلت:
стр. 295
وأين الخير إلا عندي؟ حكمك! قال: خمسين بكرةً وعبداً وأمةً قلت: لك ما سألت، وإن شئت فازدد. قال: قد ملكتها، فانصرفت حتى آتي أبي، فلما رآني قال: لا مرحباً، ولا أهلاً، فأين البعير؟ قلت: أربع عليك أيها الرجل تسمع الخبر، فإنما أنت محدث: كان من الأمر كيت وكيت، قال: ورويت بك زناد أبيك، إذاً والله لا تسلم ولا تخذل، علي بالإبل.
فلما جاءت قال: اعتد حاجتك، فاعتددت منهن خمسين بكرةً كأنهن العذارى، ودفع إلي عبداً وأمة مولدين، ثم ساق معي الإبل حتى أتيناهم، فدفعنا إليهم حقهم، واحتملنا صاحبتنا، وها هي هذه، جهدها أن تقول كذبت، فاعجب لذلك فعل ذهرٍ، أي أكثر العجب.
لا يقبل الرشة
أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني في ما أذن لنا في روايته: حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي، سمعت منصور بن عبد الله يقول: دخل قوم على الشبلي في مرضه الذي مات فيه فقالوا: كيف تجدك يا أبا بكر؟ فأنشأ يقول:
إنّ سُلْطَانَ حُبّهِ ... قال: لا أقبَلُ الرُّشَا.
فَسَلُوهُ، فَدَيتُهُ ... لِمْ بِقَتْلي تَحَرّشَا.
стр. 296
كيف يقتل الفاسق
أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي بن السواق، ﵀، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم، حدثنا أبو بكر محمد بن خلف، حدثنا أبو بكر العامري، حدثنا عبد الله بن عمر، حدثنا أبو عباد شيخ قديم قال: أدركت الخادم الذي كان يقوم على راس الحجاج، فقلت له: أخبرني بأعجب شيء رأيت من الحجاج؟ قال: كان أميراً على واسط، وكانت بواسط امرأة يقال: إنه لم يك بها في ذلك الوقت امرأة أجمل منها، فأرسل ابن أخيه إليها يريدها على نفسها مع خادم له، فأبت، وقالت: إن أردتني فاخطبني إلى أخوتي، وكان لها أخوة أربعة، فأبى وقال: لا! إلا كذا، وعاودها، فأبت إلا أن يخطبها إلى أخوتها، فأما حرام فلا، فأبى هو إلا الحرام، فأرسل إليها بهدية، فأخذتها فعزلتها، ثم أرسل إليها عشية جمعة أني آتيك الليلة، فقالت لأمها: إن الأمير قد بعث إلي بكذا وكذا، فأنكرت أمها ذلك، وقالت لأخوتها: إن أختكم قد زعمت كذا وكذا، فأنكروا ذلك وكذبوها، فقالت: إنه قد وعدني أن يأتيني الليلة، فسترونه.
فقعد أخوتها فيبيت حيال البيت الذي هو فيه، وفيه سراح، وهم يرون من يدخل إليها، وجويرية لها على باب الدار، قاعدة. حتى جاء الأمير فنزل عن دابته، وقال لغلامه: إذا أذن المؤذن في الغلس، فأتني بدابتي، ودخل، فمشت الجارية بين يديه، فقالت له: ادخل، فدخل وسيدتها على سرير مستلقية، فاستلقى إلى جانبها ثم وضع يده عليها، وقال: إلى كم هذا المطل؟ فقالت له: كف يدك يا فاسق، فدخل أخوتها عليها، ومعهم سيوف، فقطعوه، ثم لفوه في نطع، وجاؤوا به إلى سكة من سكك واسط، فألقوه فيها.
стр. 297
وجاء الغلام بالدابة فجعل يدق الباب دقاً رفيقاً وليس يكلمه أحد، فلما خشي الصبح، وأن تعرف الدابة، انصرف وأصبحوا، فإذا هم به، فأتوا له الحجاج، فأخذ أهل تلك السكة، فقال: أخبروني ما هذا. وما قصته؟ قالوا: لا نعلم ما حاله وما قصته. غير أنا وجدناه ملقىً. ففطن الحجاج، فقال: علي بمن كان يخدمه. فأتي بذلك الخصي الذي كان الرسول. فقالوا: هذا كان صاحب سره. فقال له الحجاج: اصدقني! ما كان حاله وما فصته؟ فأبى، فقال له: إن صدقتني لم أضرب عنقك، وإن لم تصدقني فعلت بك، وفعلت. فأخبره الأمر على جهته، فأمر بالمرأة وأمها وأخوتها فجيء بهم، فعزلت المرأة عنهم، فسألها فأخبرته بمثل ما اخبر به الخصي، ثم سأل الأخوة على انفراد، فأخبروه بمثل ذلك، وقالوا: حن صنعنا به الذي ترى. فصرفهم وأمر برفيقه ودوابه وماله وكل قليل وكثير له أن يعطى للمرأة.
فقالت المرأة: عندي هديته التي وجه بها إلي. فقال: بارك الله لك فيها، وأكثر النساء مثلك، هي لك، وكل ما ترك من شيء فهو لك، فأعطاهما جميع ما ترك وخلى عنها وعن أخوتها، وقال: إن مثل هذا لا يدفن فألقوه للكلاب. ودعل بالخصي فقال: أما أنت فقد قلت لك إني لا أضرب عنقك، وأمر بضرب وسطه.
ميتا الحب
أخبرنا الأمير أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله قراءة عليه في داره بالحريم الطاهري سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، حدثنا أبو العباس أحمد بن منصور اليشكري، حدثنا أبو القاسم بإسناد له عن ابن الأشدق قال: كنت أطوف بالبيت، فرأيت شاباً تحت الميزاب قد أدخل رأسه في كسائه، وهو يئن كالمحموم، فسلمت، فرد السلام، ثم قال: من أين؟
стр. 298
قلت: من البصرة. قال:؟ أترجع إليها؟ قلت: نعم! قال: فإذا دخلت النباج، فاخرج إلي الحي، ثم ناد: يا هلال يا هلال، تخرج إليك جارية فتنشدها هذا البيت:
لقد كنتُ أهوَى أنْ تَكُونَ مَنيّتي ... بعَينَيكِ حتى تَنُظرِي مَيّتَ الحُبّ.
ومات مكانه، فلما دخلت النباج أتيت الحي، فناديت: يا هلال يا هلال، فخرجت إلي جارية لم أر أحسن منها، وقالت: ما وراءك؟ قلت: شاب بمكة أنشدني هذا البيت. قالت: وما صنع؟ قلت: مات، فخرت مكانها ميتة.
إساءة الدنيا وإحسانها
أخبرنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن النوخي بقراءتي عليه، أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى الرماني النحوي، حدثنا أبو بكر بن دريد: أنشدنا عبد الرحمن عن عمه:
رُوَيدَكَ يا قُمرِيُّ! لستَ بمُضْمرٍ ... من الشَوْقِ إلا دونَ ما أنا مُضْمِرُ.
ليكفِك أن القلبَ مُذْ أن تَنَكّرَتْ ... أُسَيماءُ عن مَعُروفهِ مُتَنَكِّرُ.
سَقَى اللهُ أيّاماً خَلَتْ وَلَيَالِياً، ... فَلَمْ يَبقَ إلاّ عَهدُهَا المُتذكَّرُ.
لَئِن كانتِ الدّنيا أجدّتْ إساءَةً، ... لمَا أحسَنَتْ في سالِفِ الدّهرِ أكثرُ.
стр. 299
عيون وخدود
أخبرنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن أيضاً، أخبرنا علي بن عيسى الرماني قال: أخبرنا ابن دريد أنشدنا عبد الرحمن عن عمه لأبي المطرب العنبري:
أيا بارِقَي مَغنى بُثَينَةَ أسعِدَا ... فتىً مُقصَداً بالشَّوْقِ فهوَ عَميدُ.
لَيَاليَ مِنّا زَائِرٌ مُتَهَالِكٌ، ... وَآخَرُ مَشهُورٌ كَوَاهُ صُدُودُ.
عَلى أنّهُ مُهدِي السّلامِ وَزَائِرٌ ... إذا لمْ يَكُنْ ممّنْ يخافُ شُهودُ.
وَقد كانَ في مَغنى بُثَينةَ لوْ رَنَتْ ... عُيونُ مَها تَبدو لَنا وَخُدُودُ.
جسم ناحل وعظام
أخبرنا أبو الحسين احمد بن التوزي، أخبرنا إسماعيل بن سعيد بن سويد، حدثنا أبو بكر بن الأنباري، أخبرن ابي: أنشدنا احمد بن عبيد:
ألا مُسْعِفٌ من بُعدِ ناء وَشُقّةٍ ... بِرَامٍ، وَأعلامٍ بسفَحِ بَرَامِ.
أقَامَ بهِ قلبي وَرَاحَتْ مطيتي ... بأشلاءِ جِسْمٍ نَاحِلٍ وَعِظَامِ.
قال أبو بكر: الأشلاء جمع شلو، وهو العضو.
стр. 300
موت جميل بثينة
أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق، أخبرنا محمد بن أحمد بن فارس قال، حدثنا أبو الحسين عبيد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا أبو بكر العامري، أخبرني أبو الحسن بن محمد بن أبي سيف، أخبرني أبو عبد الرحمن العجلاني عن سهل بن سعد الساعدي قال: بينا أنا بالشام إذ لقيني رجل من أصحابي فقال: هل لك في جميل تعوده، فإنه ثقيل بالمرض؟ قلت: نعم! فدخلنا عليه، وهو يجود بنفسه، وما يخيل إلي أن الموت علق به، فنظر إلي وقال: يا ابن سعد! ما تقول في رجل لم يزن قط، ولم يشرب خمراًقط، ولم يسفك دماً حراماً قط، يشهد أن لا إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، منذ خمسين سنة.
قال: قلت: من هذا الرجل؟ فإني أظنه، والله، قد نجا، لن الله تعالى يقول: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً.
قال: أنا. قال: فقلت: والله ما رأيت كاليوم أعجب من هذا، وأنت تشبب ببثينة منذ عشرين سنة.
قال: أنا في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من الآخرة، فلا نالتني شفاعة محمد إن كنت وضعت يدي عليها لريبة قط، وإن كان أكثر ما كان مني إليها أني كنت آخذ يدها أضعها على قلبي، فأستريح إليها.
قال: ثم أغمي عليه، ثم أفاق، فقال:
صَدَعَ النعيُّ وَما كَنى بجَمِيلِ، ... وَثَوَى بمِصرَ ثَوَاءَ غَيرِ قَفُولِ.
وَلقد أجرُّ الذّيلَ في وَادِي القُرَى، ... نَشوَانَ بَينَ مَزَارِعٍ وَنَخِيلِ.
قُومي بُثَيْنَةُ، فَاندُبي بعَوِيلِ، ... وَابكي خَليلَكِ دونَ كلّ خليلِ.
ثم أغمي عليه فمات.
стр. 301
غشية تجيء وأخرى تذهب
أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن يوسف العلاف بقراءتي عليه، أخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين، حدثنا جعفر بن محمد، حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي، حدثنا علي القمي، حدثني أبو المصعب المديني قال: دخلت على الربيع بن عبيد، وكان قد أخذته زمعة الحب، وتيم عقله، فكان يصيبه كالغفلة حتى يذهب عقله، فسمعته وهو يخاطب نفسه، ويقول:
الحبُّ لَوْ قَطّعَني ... ما قُلْتُ للحُبّ ظَلَمْ.
قَدْ كُنْتُ خِلْواً، زَمَناً، ... فاليَوْمَ يَبدُو مَا كُتِمْ.
قال: قلت كيف أنت برحمك الله؟ فقال: من أنت؟ فقلت: أنا أخوك أبو المصعب. قال: غشية تجيء، وأخرى تذهب، وأنا أتوقع الموت ما بين ذلك. قلت: الله بينك وبين من ظلمك. قال: مه، والله ما أحب أن يناله مكروه في الدنيا ولا في الآخرة! ثم تنفس حتى رحمته، وهمت دموعه، وذهب عقله، فقمت عنه.
стр. 302
الهم الملازم
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري في ما أذن لنا أن نرويه عنه، أخبرنا أبو القاسم طلحة بن محمد الشاهد، أخبرنا أبو عبد الله الحرمي بن أبي العلاء وهو أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أبي الخمصة الغطفاني المكي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثني محمد بن حسن: أنشدني محرز بن جعفر لعبيد بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي:
غُرَابٌ وَظَبيٌ أعصَبُ القَرْنِ بَادِياً، ... بصَرْمٍ، وَصِرْدانُ العَشيّ تَصِيحُ.
لَعَمرِي لَئن شَطّتْ بعَتمَةَ دارُها، ... لقَد كنتُ من وَشكِ الفرَاقِ أُلِيحُ.
أرُوحُ بِهَمٍّ، ثمّ أغدُو بِمِثْلِهِ، ... وَيُحسَبُ أني في الثّيَابِ صَحِيحُ.
الفتى المشدود بالحبل
ذكر أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه الخزاز ونقلته منخطه أن أبا بكر محمد بن خلف المحولي حدثهم قال: حدثنا يحيى بن جعفر الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق، حدثنا يعقوب بن عتبة بن المغيرة الأخنس عن الزهري عن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه قال: كنت في خيل خالد بن الوليد فقال لي فتىً منهم، وهو في سني، قد جمعت يداه إلى عنقه برمةٍ، ونسوة مجتمعات غير بعيدات عنه: يا فتى! قلت: ما تشاء؟ قال: هل أنت آخذ بهذه الرمة ومدنيني من هؤلاء النسوة، فأقضي إليهن حاجةً، ثم تردني، فتفعل ما بدا لك؟ قال: قلت والله ليسير ما طلبت. فأخذت برمته حتى وقفته، فقال: إسلم حبيش على بعد العيش، وذكر الحديث.
стр. 303
حكاية سلم حبيش على بعد العيش
ذكر أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه الخزاز، ونقلته من خطه، أن أبا بكر محمد خلف بن المرزبان حدثهم قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف الكوفي، حدثنا الهيثم بن عدي، حدثني سعيد بن شيبان عن أبي مسعود الأسلمي عن أبيه قال: نشأ فينا غلام يقال له عبد الله بن علقمة، وكان جميلاً، فهوي جاريةً من غير فخذه، يقال لها حبيشة، فكان يأتيها، ويتحدث إليها. قال: فخرج ذات يوم من عندها، ومعه أمه، فراى في طريقه ظبيةً على رابية، فأنشأ يقول:
يا أُمَّنا خَبّرِينا، غَيرَ كاذِبَةٍ، ... وَلا تَشوبي سؤولَ الخيرِ بالكذِبِ.
حُبَيشُ أحسَنُ أمْ ظَبيٌ بَرابيَةٍ، ... لا بل حُبيشةُ من دُرٍّ وَمن ذهَبِ.
انصرف من عندها مرةً أخرى، فأصابته السماء، فأنشأ يقول:
وَما أدْرِي، إذا أبْصَرْتُ يَوْماً، ... أصَوْبُ القَطْرِ أحْسَنُ أمْ حُبَيشُ.
حُبَيشٌ، وَالّذِي خَلَقَ البَرَايَا ... عَلى أنْ لَيسَ عِندَ حُبَيشَ عَيشُ.
فلما كثر ذلك منه وشهر بها، قال قومه لأمه: إن هذا الغلام يتيم، وإن أهل هذه المرأة يرغبون بأنفسهم عنكم، فانظري جاريةً ن قومك ممن لا تمتنع عليك، فزيّنيها واعرضيها عليه لعله يتعلقها ويسلى، ففعلت، وحضرها نساؤها، فجعلوا يعرون عليه نساء الحي، ثم يقولون له: يا عبد الله! كيف ترى؟ فيقول: إيهاً، والله حسناء، إلى ان قال قائل: أهي أحسن أم حبيشة؟ فقال: مرعى ولا كالسعدان.
فلما يئسوا من أن ينصرف عنها، قال بعضهم لبعض: عليكم بحبيشة،
стр. 304
وطمعوا أن ياتوا الأمر من قبلها، فقالوا: والله لئن أتاك، لا تزرين به، وتتجهمينه، وتقولين له: أنت أبغض الناس إلي، فلا تقربني، ونحن بمرأى منك ومسمع، ليفعلن بك ما يسوءك، فأتاها، فلم تكلمه بشيء مما قالوا، ولم تزد على أن نظرت إليه، ونظر إليها، ثم أرسلت عينيها بالبكى، فانصرف عنها، وهو يقول:
وَما كانَ حُبّي عن نَوَالٍ بَذَلْتِه ... وَلَيسَ بمُسْليَّ التّجَهّمُ وَالهَجْرُ.
سِوَى أنّ دائي مِنكِ داءُ مَودّةٍ، ... قَدِيماً، وَلمْ يُمزَجْ كما تُمزَجُ الخمرُ.
وَما أنسَ مِلْ أشياء لا أنسَ دمعَها ... وَنَظْرَتَها حَتّى يُغَيّبني القَبْرُ.
فبينما هما على أشد ما كانا عليه من الهوى والصبوة، إذ هجم عليهم جيش خالد بن الوليد يوم الغميصاء، فأخذ الغلام رجل من أصحاب خالد، فأراد قتله، فقال له: ألمم بي أهل تلك البيوت أقضي إليهن حاجةً، افعل ما بدا لك.
قال: فأقبلت به حتى انتهى إلى خيمة منها، فقال: إسلم حبيش بعد انقطاع العيش، فأجابته فقالت: سلمت وحياك الله عشراً، وتسعاً وتراً، وثلاثاً تترى، فلم أر مثلك يقتل صبراً. وخرجت تشتد، وعليها خمار أسود، وقد لاثته على رأسها، وكان وجهها مثل القمر ليلة البدر، فقال حين نظر إليها:
أرَيتُكِ إنْ طالَبتُكم فَوجَدتكمْ ... ببرْزَةَ، أوْ إنْ لم تَفُتْني الحَرَانقُ.
أمَا كانَ حَقّاً أن يُنَوَّلَ عاشِقٌ ... تكلّفَ إدلاجَ السُّرَى وَهوَ رَاهقُ.
فَإنيَ لا سِرّاً لَدَيّ أضَعْتُهُ، ... وَلا رَاقَ عَيني بعد وَجهكِ رَائقُ.
стр. 305
على أن ما بات العشية شاغل، ... فلا ذكر إلا أن تكون توامق.
فها أنا ماسور لديك مكبلن ... وما أنا بعد اليوم بالعتب ناطق.
فأجابته:
أرَى لكَ أسْبَاباً أظُنّكَ مُخْرِجاً ... بهَا النّفسَ من جَنبيّ والرّوحُ زَاهقُ.
فأجابها فقال:
فإنْ يَقتُلوني، يا حُبَيش، فلم يَدَعْ ... هَوَاكِ لهُمْ مِني سِوَى غُلّةِ الصّدرِ.
وَأنتِ التي قَفّلتِ جِلْدِي عَلى دَمي ... وَعَظمي وَأسبَلتِ الدموعَ على النّهرِ.
فأجابته فقالت:
وَنَحنُ بَكَينا من فِرَاقِكَ مَرّةً، ... وَأُخرَى، وَقايَسنا لكَ العُسرَ باليُسرِ.
فأنتَ فلا تَبْعَدْ، فَنِعمَ أخُو النَّدَى، ... جَميلُ المُحَيّا في المُرُوءةِ وَالبِشْرِ.
قال الذي أخبر به: فلم سمعت ذلك منهما أدركتني الغيرة، فضربته ضربةً، فقطعت منها يده وعنقه، فلما رأته قد سقط قالت لي: ائذن لي أن أجمع بعضه إلى بعض، فأذنت لها، فجمعته وجعلت تمسح التراب عن وجهه بخمارها وتبكي، ثم شهقت شهقةً خرجت منها نفسها.
موت عروة بن حزام
قال أبو بكر بن المرزبان وأخبرنا أحمد بن زهير، أخبرنا الزبير بن بكار، أخبرنا أبي قال: قال عروة بن الزبير: مررت بوادي القرى فقيل لي: هل لك في عروة بن حزام؟ فقلت: الذي يلقى من الحب ما يلقى؟ قالوا: نعم! فخرجت حتى جئته، فإذا هوى
стр. 306
في بيت منفرد عن البيوت، وإذا، والله، حوله أخوات له أمثال التماثيل، وأمه وخالته. قال: فقلت له: أنت عروة؟ قال: نعم! قلت: صاحب عفراء؟ قال: صاحب عفراء، ثم استوى قاعداً فقال: وأنا الذي أقول:
وعينان ما أوفيت نشزاً فتنظرا ... بما فيهما إلا هما تكفان.
ألا فاحملاني، بارك الله فيكما، ... إلى حاضر البلقاء ثم ذراني.
ثم التفت إلى أخواته فقال:
مَنْ كانَ من أُمّهَاتِي بَاكِياً أبَداً، ... فَالَيْوَم إني أُرَاكَ اليَوْمَ مَقْبُوضا.
مَنْ كانَ يَلحُو فإني غَيرُ سَامِعِهِ، ... إذَا عَلَوْتُ رِقَابَ القَوْمِ مَعرُوضَا.
قال عروة بن الزبير: فلما سمعن قوله برزن والله يضربن حر الوجوه، ويشقنقن جيوبهن. قال عروة: فقمت، فما وصلت إلى منزلي حتى لحقني رجل فقال: قد مات.
قصة عروة وعفراء
نقلت من خط ابن حيويه: حدثنا أبو بكر بن المرزبان، حدثني أبو العباس فضل بن محمد اليزيدي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي، أخبرني لقيط بن بكر المحاربي.
أن عروة بن حزام وعفراء ابنة مالك العذريين، وهما بطن من عذرة، يقال لهم بنو هند بن حزام بن ضبة بن عبد بكير بن عذرة، نشأا جميعاً فعلقها علاقة الصبي، وكان عروة يتيماً في حجر عمه، حتى بلغ، فكان يسأل عمه أن يزوجه عفراء فيسوفه، إلى أن خرجت عير لأهله إلى الشام
стр. 307
وخرج عروة إليها، ووفد على عمه ابن عم له من البلقاء يريد الحج، فخطبها، فزوجها إياه.
وأقبل عروة في عيره حتى إذا كان بتبوك نظر إلى رفقة مقبلةٍ من نحو المدينة فيها امرأة على جمل أحمر، فقال لأصحابه: والله، إنها شمائل عفراء، فقالوا: ويحك! ما تترك ذكر عفراء لشيء؟ قال: وجاء القوم، فلما دنوا منه وتبين الأمر يبس وبقي قائماً لا يتحرك، ولا يحير كلاماً، ولا يرجع جواباً، حتى بعد القوم، فذلك حيث يقول:
وَإني لَتَعرُوني لِذِكرَاكِ رِعْدَةٌ، ... لها بَينَ جِلْدِي وَالعِظامِ دَبِيبُ.
فَما هُوَ إلاّ أنْ أرَاهَا فُجاءةً ... فَأُبْهَتَ حَتى مَا أكَادُ أُجِيبُ.
فَقُلْتُ لعَرّافِ اليَمَامَةِ: داوِني، ... فَإنّكَ إنْ أبْرَأتَني لَطَبِيبُ.
فَما بيَ من حمّى وَلا مسّ جِنةٍ، ... وَلكنّ عَمي الحِميرِيَّ كَذُوبُ.
قال أبو بكر: وعراف اليمامة هذا الذي ذكره عروة وغيره من الشعراء، هو رياح بن راشد ويكنى أبا كحيلة، وهو عبد لبني يشكر، تزوج مولاه امرأةً من بني الأعرج، فساقه في مهرها ثم ادعى بعد نسباً في بني الأعرج.
ثم إن عروة انصرف إلى أهله واخذه البكاء والهلاس حتى نحل، فلم يبق منه شيء، فقال بعض الناس: هو مسحور، وقال قوم: بل به جنةٌ! وقال آخرون: بل هو موسوس، وإن بالحاضر من اليمامة لطبيبا يداوي من الجن، وهو أطب الناس، فلو أتيتموه، فلعل الله يشفيه، فساروا إليه من أرض بني عذرة حتى داواه، فجعل يسقيه السلوان، وهو يزداد سقماً، فقال له عروة: يا هناه! هل عندك للحب دواء أو رقية؟ فقال:
стр. 308
لا والله. فانصرفوا حتى مروا بطبيب بحجر، فعالجه وصنع به مثل ذلك، فقال له عروة: والله ما دائي ودوائي إلا شخص بالبلقاء مقيم، فهو دائي، وعنده دوائي.
وفي غير هذه الرواية: شخص بالبلقاء مقيم هو وراني، أي أمرضني وهزلني، والورى داء يكون في الجوف مثل القرحة والسل.
قال سحيم عبد بني الحسحاس:
وَرَاهُنَّ رَبي مثلَ ما قَد وَرَينَني، ... وَأحمَى على أكبادِهنّ المَكاوِيَا.
رجع الحديث قال: فانصرفوا به، فأنشأ يقول عند انصرافهم به:
جَعلتُ لعَرّافِ اليَمَامَةِ حُكمَهُ ... وَعَرّافِ حِجرٍ إن هُما شَفَياني.
فقالا: نعم! نَشفي من الداء كلّه، ... وَقَامَا مَعَ العُوّادِ يَبْتَدِرَانِ.
فَمَا تَرَكَا مِنْ رُقيَةٍ يعلمانِها، ... وَلا سَلَوةٍ إلاّ وقَدْ سَقَيَاني.
فَقالا: شَفاكَ الله، وَاللهِ مَا لَنَا ... بما ضَمِنَتْ مِنكَ الضّلُوعُ يَدانِ.
قال: فلما قدم على أهله، وكان له أخوات أربع ووالدة وخالة، فمرض دهراً، فقال لهن يوماً، اعلمن أني لو نظرت إلى عفراء نظرة ذهب وجعي، فذهبن به حتى نزلوا البلقاء مستخفين، فكان لا يزال يلم بعفراء، وينظر إليها، وكانت عند رجل كريم سيد كثير المال والغاشية.
فبينا عروة يوماً بسوق البلقاء، إذ لقيه رجل من بني عذرة فسأله عن حاله ومقدمه، فأخبره. قال: والله لقد سمعت انك مريض، وأراك قد صححت. فلما أمسى الرجل دخل على زوج عفراء فقال: متى قدم عليكم هذا الكلب الذي قد فضحكم؟ فقال زوج عفراء: أي كلب هو؟ قال: عروة! قال: أوقد قدم؟ قال: نعم! قال: أنت والله أولى بها منه أن تكون
стр. 309
كلباً، ما علمت بقدومه، ولو علمت لضممته إلي.
فلما أصبح غدا يستدل عليه حتى جاءه، فقال: قدمت هذا البلد، ولم تنزل بنا، ولم تر أن تعلمنا بمكانك فيكون منزلكم عندنا وعلي، إن كان لكم منزل إلا عندي. قال: نعم! نتحول إليك الليلة، أو في غد. فلما ولى قال عروة لأهله: قد كان ما ترون، وإن أنتم لم تخرجوا معي لأركبن رأسي ولألحقن بقومكم، فليس علي بأس. فارتحلوا وركبوا طريقهم، ونكس عروة ولم يزل مدنفاً، حتى نزل وادي القرى.
وروى العمري عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبي مسكين أن عفراء لما بلغها وفاة عروة قالت لزوجها: يا هناه! قد كان من أمر هذا الرجل ما بلغك، والله ما كان ذلك إلا على الحسن الجميل، وإنه قد بلغني أنه مات في أرض غربةٍ، فغن رأيت أن تأذن لي فأخرج في نسوة من قومي فيندبه ويبكين عليه. فقال: إذا شئت، فأذن لها، فخرجت، وقالت ترثيه:
ألا أيّها الركبُ المُخِبّونَ وَيحَكُم! ... بحَقٍّ نَعَيتُم عُرْوَةَ بنَ حِزَامِ.
فَلا هَنئ الفِتيَانَ بَعدَكَ غَارَةٌ، ... وَلا رَجَعُوا مِنْ غَيبَةٍ بِسَلامِ.
فَقُلْ للحبَالى لا تُرَجّينَ غَائِباً، ... وَلا فَرَحَاتٍ بَعْدَهُ بِغُلامِ.
قال: ولم تزل تردد هذه الأبيات وتبكي حتى ماتت، فدفنت إلى جابنه، فبلغ الخبر معاوية، فقال: لو علمت بهذين الشريفين لجمعت بينهما.
وقد روي مثل هذا الكلام عن عمر بن الخطاب، ﵁: حدثنا أبو عبد الله محمد بن زكريا، حدثنا العيشي عن أبيه قال: لما زُوجت عفراء جعل عروة يضع صدره في أعطان إبلها، وحيث
стр. 310
كانت تجلس، فقيل له: اتق الله، فإن هذا غير نافعك، فأنشأ يقول:
بيَ اليأسُ، أوْ داءُ الهُيَامِ سُقِيتُه، ... فإيّاكَ عَني لا يَكُنْ بكَ مَا بيَا.
الهجران إثم
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الحوهري، حدثنا أبو القاسم طلحة، حدثنا الجرمي بن أبي العلاء، حدثني الزبير، حدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن عبدي بن أبي سلمة: أنشدني جدي يوسف بن الماجشون لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة:
كَتَمتَ الهوَى حَتى أضَرّ بِكَ الكتمُ، ... وَلامَكَ أقوَامُ، وَلَوْمُهُمُ ظُلْمُ.
وَنَمّ عَلَيْكَ الكَاشِحُونَ، وَقبلَهم ... عَلَيكَ الهَوَى قد نمّ لَوْ نَفعَ النمُّ.
وَزَادَكَ إغرَاءٌ بِهَا طُولُ هَجْرِهَا، ... قَدِيماً، وَأبلى لحمَ أعظُمِكَ الهَمّ.
فأصْبَحتَ كالهِندِيّ، إذْ ماتَ حسرَةً ... على إثرِ هِندٍ، أوْ كمَنْ سُقيَ السُّمّ.
ألا مَنْ لنَفسٍ لا تَمُوتُ فَيَنقَضي ... عَنَاهَا، وَلا تَحيَا حَياةً لها طَعمُ.
تَجَنّبتَ إتْيَانَ الحَبِيبِ تَأثّماُ، ... ألا إنّ هِجْرَانَ الحَبِيبِ هوَ الإثمُ.
فذُقْ هَجرَها، قَد كنتَ تَزْعُمُ أنّهُ ... رَشَادٌ، ألا يا رُبّما كَذَبَ الزّعمُ.
стр. 311
مصطبران على البلوى
أنبأنا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري الحافظ، أخبرنا أبو الحسين بن روح النهرواني حدثنا المعافى بن زكريا: أخبرنا محمد بن يحيى الصولي عن أحمد بن يحيى أنه أنشد:
هوَى نَاقَتي خَلفي، وَقُدّاميَ الهوَى، ... وَإني وَإيّاهَا لمُخْتَلِفَانِ.
هَوَايَ عرَاقيٌّ وَتَثْني زِمَامَهَا، ... كَبَرْقٍ سرَى بَعدَ الهُدُوءِ يمَاني.
تَحِنّ وَأبْكي، إنّها لَبَلِيّةٌ، ... وَإنّا عَلى البَلْوَى لمُصْطَبِرَان.
فضل الشاعرة
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي التوزي إجازة، أخبرنا القاضي أبو عمر أحمد بن محمد بن العلاف، اخبرنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثني محرز الكاتب، أخبرني يحيى بن الخصيب قال: كنت عند فضل الشاعرة إذ استأذن عليها إنسان فأذنت له، وقالت: ما حاجتك؟ قال: تجيزين مصراع بيت من شعر. قالت: ما هو؟ قال:
مَن لمُحبٍّ أحَبّ في صِغَرِهْ ... فصَارَ أحدُوثَةً على كِبَرِهْ.
فقالت:
مِنْ نَظَرٍ شَفّهُ وَأرّقَهُ، ... فكانَ مَبدَا هَوَاهُ مِن نَظَرِهْ.
لَوْلا الأمَاني لمَاتَ مِنْ كمَدٍ، ... مَرُّ اللَّيَالي يَزِيدُ في ذِكَرِهْ.
مَا إنْ لَهُ مُسْعِدٌ فَيُسعِدَهُ ... بِاللّيْلِ في طُولِهِ وَفي قِصَرِهْ.
стр. 312
شهقة الموت
قال محمد بن المرزبان، ونقلته من خط ابن حيويه عنه، قال: أخبرني بعض أصحاب المدايني اخبرنا المدايني، أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: كان بالمدينة رجل من ولد عبد الرحمن بن عوف، وكان شاعراً، وكانت عنده ابنة عم له، وكان لها عاشقاً، وبها مستهتراً، فضاق ضيقةً شديدة، وأراد المسير إلى هشام إلى الرصافة، فمنعه من ذلك ما كان يجد بها وكره فراقها، فقالت له يوماً، وقد بلغ منها الضيق: يا ابن عمي! ألا تأتي الخليفة لعل الله تعالى أن يقسم لك منه رزقاً، فنكشف به بعض ما نحن فيه. فلما سمع ذلك منها نشط للخروج، فتجهز، ومضى، حتى إذا كان من الرصافة على أميال خطر ذكرها بقلبه، وتمثلت له، فلبث ساعة شبيهاً بالمغمى عليه، ثم أفاق، فقال للجمال: احبس، فحبس إبله، فأنشأ يقول:
بَينَما نحنُ في بلاكثَ فالقَا ... عِ سرَاعاً، وَالعِيسُ تَهْوِي هُوِيّا.
خَطَرَتْ خطرَةٌ على القَلْبِ مِنْ ذِكْ ... رَاكِ، وَهناً، فَما أطقتُ مُضِيّا.
قُلْتُ: لَبَيّكِ، إذْ دَعَاني لكِ الشّوْ ... قُ، وَللحَادِيَينِ رُدّا المَطِيّا.
فكَرَرْنَا صُدُورَ عِيسٍ عِتَاقٍ، ... مُضْمَرَات، طُوِينَ بالسّيرِ طَيّا.
ذَاكَ مِمّا لَقِينَ من دَلَجِ السّي ... رِ، وَقَوْلِ الحُدَاةِ، باللّيلِ، هَيّا.
ثم قال للجمال: ارجع بنا! فقال له: سبحان الله، قد بلغت طيتك! هذه أبيات الرصافة. فقال: والله لا تخطو غلا راجعة، فرجع، حتى إذا كان من المدينة على قدر ميل لقيه بعض بني عمه، فأخبره أن امرأته قد توفيت، فشهق شهقةً، وسقط عن ظهر البعير ميتاً.
стр. 313
جنون وعشق
أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني في المسجد الحرام بقراءتي عليه بباب الندوة، أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المذكر، أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد الصوفي القزويني، حدثنا شادل، حدثنا يحيى بن سليمان المادراي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الأبلي قال: رأيت غورك يوماً خارجاً من الحمام، والصبيان يؤذونه، فقلت: ما خبرك أبا محمد؟ قال: قد آذاني هؤلاء الصبيان، أما يكفيني ما أنا فيه من العشق والجنون؟ قلت: ما أظنك مجنوناً. قال: بلى، والله، وبي عشق شديد. قلت: هل قلت في عشقك وجنونك شيئاً؟ قال: نعم، وأنشد:
جُنُونٌ وعِشقٌ ذَا يَرُوحُ وَذا يَغدُو، ... فَهَذا لَهُ حَدٌّ، وَهَذا لَهُ حَدُّ.
هُمَا استَوْطَنا جسمي وَقلبي كِلاهُما، ... فَلمْ يَبْقَ لي قَلبٌ صَحيحٌ وَلا جِلدُ.
وَقَدْ سَكَنَا تحتَ الحَشَا، وَتَحَالَفَا ... عَلى مُهْجَتي ألاّ يُفَارِقَهَا الجَهدُ.
فَأيُّ طَبِيبٍ يَسْتَطِيعُ بحيلَةٍ، ... يُعَالِجُ مِنْ دَاءَين مَا مِنْهُمَا بُدُّ.
الفتى والشيخ العاشق
أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي إن لم يكن سماعاً فإجازة، أخبرنا عبد الغفار بن عبد الواحد بن نصر الأرموي، حدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد القاضي، حدثني أبو بكر أحمد بن محمد الميموني، حدثني محمد بن عمر، حدثني أبو عبد الله الروذباري قال: دخلت درب الزعفراني، فرأيت فتىً قد صرع شيخاً، وهو يكلمه ويعض حلقه، فقلت له: يا فتى أتفعل هذا بأبيك؟ أباه، فقال: دعني حتى أفرغ منه ثم أحدثك بقصتي، فلما فرغ قلت: يا فتى ما ذنبه؟ قال: إن هذا يزعم أنه يهواني، وله ثلاث ما رآني.
стр. 314
زينة الله
أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن سويد المعدل، حدثنا أبو علي الحسين بن القاسم الكوكبي، اخبرنا عسل، أخبرنا التوزي قال: نظر رجل من قريش إلى رجل ينظر إلا غلام وضيء الوجه، فزجره، فرآه محيريز الزاهد فقال له: هل رأيت غير النظر؟ قال: لا! قال: أتريد أان تبطل زينة الله في بلاده، وحليته في عباده؟
ينشد في ظل خيمة
أخبرنا أبو عبد الله الأندلسي الحافظ من لفظه، حدثني الفقيه أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي، حدثنا القاضي أبو بكر عبد الله بن الربيع، حدثنا القالي أبو علي، حدثنا أبو بكر بن دريد، حدثنا عبد الرحمن عن عمه قال: بينا أنا سائر بناحية بلاد بني عامر، إذا برجل ينشد في ظل خيمة له، وهو يقول:
أحَقّاً، عِبادَ اللهِ، أن لَستُ ناظِراً ... إلى قَرْقَرَى يَوْماً وَأعلامِهَا الغُبرِ؟
كأنّ فُؤادِي، كُلّمَا مَرّ رَاكِبٌ، ... جَنَاحُ غُرَابٍ رَامَ نَهْضاً إلى وكرِ.
إذا ارْتَحَلَتْ نحوَ اليَمَامَةِ رِفْقَةٌ، ... دَعَاكَ الهَوَى، وَاهتَاجَ قَلبُك للذكرِ.
فَيَا رَاكِبَ الوَجنَاءِ! أبتَ مُسَلَّماً، ... وَلا زِلتَ من رَيبِ الحَوَادثِ في سترِ.
إذا ما أتَيتَ العُرْضَ، فاهتِفْ بجَوّه: ... سُقيتَ على شحطِ النوَى سَبَلَ القطرِ.
стр. 315
فإنّكَ مِنْ وَادٍ إليّ مُرَحَّبٍ، ... وَإن كنتَ لا تُزْدارُ إلاّ على عَفْرِ.
قال: فأذنت، وكان ندي الصوت، فلما رآني أومأ إلى فأتيته، فقال: أأعجبك ما سمعت؟ فقلت: إي والله! فقال: أمن أهل الحضارة أنت؟ قلت: نعم! قال: فمن تكوت؟ قلت: لا حاجة لك في السؤوال عن ذلك. قال: أو ما حل الإسلام الضغائن، وأطفأ الأحقاد؟ قلت: بلى! قال: فما يمنعك إذا قلت: أنا امرؤ من قيس؟ قلت: الحبيب القريب. قال: فمن أيهم؟ قلت: أحد بني سعد بن قيس، ثم أحد أعصر بن سعد. قال: زادك الله قرباً.
ثم وثب فأنزلني عن حماري، وألقى عنه إكافه، وقيده بقراب خيمته، وقام إلى زند فاقتدح وأوقد ناراً، وجاء بصيدانو، فألقى فيها تمراً، وأفرغ عليه سمناً، ثم لته حتى التبك، ثم ذر عليه دقيقاً، وقربه إلي، فقلت: إني إلى غير هذا أحوج. قال: وما هو؟ قلت: تنشدني. قال: أصبت فإني فاعل، فلقمت لقيمات وقلت: الوعد! قال: نعمى عين وأنشدني:
لَقَدْ طَرَقَتْ أُمُّ الخُشَيفِ، وَإنّها ... إذا صَرَعَ القَوْمَ الكَرَى لَطَرُوقُ.
فَيَا كَبِداً يُحمَى عليها، وَإنّها، ... مخافَةَ هَيضَاتِ النَّوَى، لخفُوقُ.
أقَامَ فَرِيقٌ مِنْ أُنَاسٍ يَوَدّهُمْ، ... بذاتِ الغَضَا، قَلبي، وَبَانَ فَرِيقُ.
بحَاجَةِ مَحْزُونٍ يَظَلّ وَقَلْبُهُ ... رَهِينٌ بِبَيضَاتِ الحِجَالِ صَدِيقُ.
стр. 316
تَحَمّلْنَ أنْ هَبّتْ لَهُنّ عَشِيّةً ... جَنوبٌ، وَأنْ لاحَتْ لَهُنّ بُرُوقُ.
كَأنّ فُضُولَ الرَّقْمِ حِينَ جَعَلنَها ... ضُحَيّاً على أُدْمِ الجِمَالِ عُذُوقُ.
وَفِيهِنّ مِن تَحتِ السّتَارِ تَحِلَّةٌ، ... تَكَادُ على غُرّ السّحَابِ تَرُوقُ.
هَجين، فأما الدعص عن أخرياتها ... فوعث، وأما خصرها فدقيق.
التفريق بين مؤتلفين
أنبانا القاضي أبو عبد الله محمد بن علي الله بن سلامة القضاعي عن أبي الحسن بن نصر بن الصياح، حدثنا أبو عمر عبيد بن أحمد السمسار.
أن أبا بكر بن داود الأصبهاني كان يدخل الجامع من باب الوراقين.
فلما كان بعد مدة عدل عنه وجعل دخوله من غيره، وكنت مجترئاً عليه، فسألته عن ذلك، فقال: يا بين! السبب فيه أني في الجمعة الماضية أردت الدخول منه فصادفت عند الباب حدثين يتحدثان، وكل واحد منهما مسرور بصاحبه، فلما رأياني قالا: أبو بكر قد جاء، فتفرقا، فجعلت علي نفسي أن لا أدخل من باب فرقت فيه بين مؤتلفين.
стр. 317
لا كلمته أبداً
أنبأنا القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة المصري، حدثنا ابن نصر، حدثنا أبو عمر عبيد الله بن أحمد بن السمسار أن حدثاً كان يعرف بابن سمنون الصوفي، نشأ مع أبي بكر في كتاب واحد، وكانا لا يفترقان، فإذا عمل أبو بكر كتاباً في الأدب ناقضه، وعمل في معناه، وإن أبا بكر نقش على فص خاتمه سطرين، الأول منهما: وما وجدنا لأكثرهم من عهد؛ والآخر: فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وكان إذا رأى إنساناً ينظر إلى حدث رمى إليه بخاتمه، وقال: اقرأ ما عليه فينتهي عن ذلك، فقال لابن سمنون: أتقدر أن تناقضني في هذا؟ قال: نعم! فلما كان الغد جاءه بخاتم على فصه سطران، الأول منهما: وجعلنا بعضكم لبعض فتنةً أتصبرون؛ والثاني: ولنصبرن على ما آذيتمونا. فاستحسن ذلك. وعلى هذا الطريق قال أبو نواس:
كَتَبَتْ عَلى فَصٍّ لخاتَمِهَا: ... مَنْ نَامَ لم يَشعُرْ بمَن سَهِدا
стр. 318
وَكَتَبْتُ في فَصّي أُنَاقِضُهَا: ... لا كانَ مَنْ يَهْوَى إذا رَقَدَا
قَالَتْ: يُنَاقِضُني بخَاتَمِهِ، ... وَاللهِ، لا كَلّمْتُهُ أبَداَ
سلبت عظامي لحمها
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي التوزي في ما أذن لنا في روايته، حدثنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن جعفر الخالع، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن السري، حدثنا أحمد بن الحسين بن محمد بن فهم، حدثني الخريمي قال: دخلت حماماً في درب الثلج، فإذا بسوار بن عبد الله القاضي في الحمام، في البيت الداخل، مستلقياً، وعليه المئزر، فجلست بقربه، فسكت ساعة ثم قال لي: قد أحشمتني يا رجل! إما أن تخرج أو أخرج. فقلت: جئت أسألك عن مسألة. فقال: ليس هذا موضع المسائل. قلت: إنها من مسائل الحمام، فضحك وقال: هاتها، فقلت: من الذي يقول:
سَلبتِ عِظامي لحمهَا، فتركتِها ... عَوَارِيَ ممّا نَالَها تَتَكَسّرُ
وَأخْلَيْتِها مِنْ مُخّها، فتركتِها ... أنَابيبَ في أجْوافِها الرّيحُ تَصْفِرُ
إذا سمعتْ ذِكرَ الفرَاقِ ترَعدّت ... مَفَاصِلُهَا خَوْفاَ لِمَا تَتَنَظّرُ
خذي بيدي ثم ارْفعي الثْوبَ تنظرِي ... بِلى جَسَدِي، لكنّني أتَسَتّرُ
فقال سوار: أنا والله قلتها. قلت: فإنه يغنى بها، ويجود. فقال: لو شهد عندي الذي يغني بها لأجزت شهادته.
стр. 319
الزنجي الشاعر
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي بقراءتي عليه وأبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قراءة عليه قالا: أخبرنا أبو عمر بن حيويه الخزاز، حدثنا محمد بن خلف، أخبرنا عبد الله بن شبيب، أخبرني الزبير بن بكار، حدثني محمد بن الحسن، حدثني هبيرة بن مرة القشيري قال: كان لي غلام يسوق ناضحاً ويرطن بالزنجية بشيء يشبه الشعر، فمر بنا رجل يعرف لسانه، فاستمع له ثم قال: هو يقول:
فقلتُ لهَا: إني اهتَديتُ لِفِتْيَةٍ، ... أنَاخُوا بجَعجَاعٍ قَلائصَ سُهّمَا
فقالت: كذاكَ العاشِقونَ ومن يخَفْ ... عُيونَ الأعادي بجعلِ اللّيلِ سُلّمَا
نصيب وزينب
أخبرني القاضيان أبو الحسين أحمد بن علي التوزي وأبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قالا: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس، حدثنا محمد بن خلف، حدثني محمد بن معاذ عن إسحق بن إبراهيم قال: حدثني رجل من قريش عمن حدثه قال: كنت حاجاً ومعي رجل من القافلة لا أعرفه، ولم أره قبل ذلك، ومعه هودج وأثقال وضينة، وعبيد ومتاع، فنزلنا منزلاً، فإذا فرش ممهدة، وبسط قد بسطت، فخرج من أعظمها هودجاً امرأة زنجية، فجلست على تلك الفرش الممهدة، ثم جاء زنجي، فجلس إلى جنبها، على الفرش،
стр. 320
فبقيت متعجباً منهما، فبينا أنا أنظر إذ مر بنا مار وهو يقود إبلاً معه، فجعل يغني ويقول:
بزَينبَ ألمِمْ قَبلَ أن يرْحَلَ الرَّكبُ، ... وَقُلْ إنْ تَمَلّيْنَا فَمَا مَلّكِ القلبُ
قال: فوثبت الزنجية إلى الزنجي، فخبطته وضربته، وهي تقول: شهرتني في الناس، شهرك الله. فقلت: من هذا؟ قالوا لي: نصيب الشاعر، وهذه زينب. وذكر الزبير ضد هذا الخبر.
بريرة وزوجها الحبشي
أخبرنا القاضيان أبو الحسين أحمد بن علي التوزي وأبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قالا: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه الخزاز، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا الحسن بن مكرم بن حسان، حدثنا علي بن عاصم عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما أعتقت بريرة، وكان زوجها حبشياً، خيرت، فاختارت فراقه، فكان يطوف حولها، ودموعه تسيل على خديه حباً لها، فقال رسول الله ﷺ ، لعمه العباس: أما ترى شدة حبه لها، وشدة بغضها له؟ فقال له النبي ﷺ : لو تزوجته؟ قالت: إن أمرتني. قال: لا آمرك، ولكني شفيع، فلم تفعل.
وبإسناده حدثنا محمد بن خلف، حدثنا محمد بن الهيثم، حدثنا يوسف بن عدي عن سعيد وأيوب عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس: أن زوج بريرة كان عبداً أسود مولىً لبني المغيرة، يوم أعتقت، والله لكأني به في أطراف المدينة ونواحيها، وإن دموعه لتجري على لحيته، يتبعها ويترضاها لتختاره فلم تفعل.
следующие страницы →