← Адаб

Адаб · id 26549

مصارع العشاق

السراج القارئ

Полный текст (611 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

لها ذلك عنه، فبكت وقبلت، ثم أنشأت تقول: يُبَاعِدُني عَنْ قُرْبِهِ وَلِقَائِهِ، ... فلمّا أذَابَ الجسْمَ مني تَعَطَّفَا فَلَستُ بآتٍ موْضِعاً فيه قاتلي، ... كَفَاني سَقَاماً أن أموتَ كذا كفى فألحت عليها؛ فأبت. وترامت العلة بها، وتزايد المرض حتى ماتت. أين الشفاء من السقم أخبرنا القاضي الشريف أبو الحسين بن المهتدي إن لم يكن سماعاً فإجازة، أخبرنا الشريف أبو الفضل محمد بن الحسن بن الفضل الهاشمي، أنبأنا أبو بكر بن الأنباري قال: أنشدنا محمد بن المرزبان: شَكَوْتُ إلى رَفيقيَّ الّذي بي، ... فَجَاءاني وَقد جَمَعا دَوَاءَ وَجَاءَا بالطّبيبِ ليَكوِيَاني، ... وَلا أبغي، عَدِمتُهما، اكتوَاءَ وَلَوْ ذَهَبا إلى مَنْ لا أُسَمّي، ... لأهدى لي منَ السّقَمِ الشّفَاءِ قوت النفس وبالإسناد: أنشدنا أبو بكر بن الأنباري لأحمد بن يحيى: إذا كنتَ قُوتَ النفسِ ثمّ هَجَرْتَهَا ... فكَم تَلبثُ النّفسُ التي أنتَ قُوتُها سَتَبقَى بَقاءَ الضّبّ في الماءِ أوْ كَمَا ... يَعيشُ لَدى دَيمُومةِ النّبتِ حوتُهَا

стр. 422

المتصبر الجاهد قال وزادنا أبو الحسن بن البراء: أغرّكِ أني قد تَصَبّرتُ جاهِداً، ... وَفي النّفسِ مني مِنكِ ما سَيُميتُها فَلَوْ كانَ ما بي بالصّخُورِ لهَدّهَا، ... وَبالرّيحِ مَا هَبّتْ وطَالَ سكوتُهَا فَصَبراً لَعَلّ اللهَ يَجْمَعُ بَينَنَا، ... فأشكو هُمُوماً منكِ كنتُ لَقِيتُهَا على قبر ابن سريج أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن في ما أذن لنا أن نرويه عنه، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الرحيم المازني قال: حدثنا أبو علي الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثني هارون بن أبي بكر بن عبد الله بن مصعب، حدثني إسحق بن يعقوب مولى آل عثمان عن أبيه قال: إنا لبفناء دار عمرو بن عثمان بالأبطح صبح خامسة من التهانئ إذ دريت برجل على راحلة؛ ومعه إداوة جميلة قد جنب إليها فرساً وبغلاً، فوقفا علي، فسألاني، فانتسبت لهما عثمانياً، فنزلا، وقالا: رجلان من أهلك، قد نابتنا إليك حاجةً، نحب أن تقضيها قبل الشدة، بأمر الحاج، قلت: فما حاجتكما؟ فالا: نريد إنساناً يوقفنا على قبر عبيد بن سريج. قال: فنهضت معهما، حتى بلغت بهما محلة ابن أبي قارة من خزاعة، بمكة، وهم موالي عبيد بن سريج، فالتمست لهما إنساناً يصحبهما، حتى يوقفهما على قبره بدسم، فوجدت ابن أبي دباكل، فأنهضته معهما،

стр. 423

فأخبرني ابن أبي دباكل أنه لما وقفهما على قبره، نزل أحدهما عن راحلته، وهو عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان، ثم عقرها واندفع يغني غناء الركبان بصوت طليل حسن: وَقَفنَا على قَبرٍ بدَسْمَ، فهاجَنا، ... وذَكَّرَنا بالعَيشِ إذ هوَ مُصْحَبُ فَجالتْ بأرْجَاءِ الجُفُونِ سَوَافِحٌ ... من الدّمعِ تَستَبكي الذي تَتَعقّبُ فإنْ تَنْفَدَا عن ساحَةِ عُبَيداً بعَوْلَةٍ، ... وَقَلَّ له منّا البُكَى وَالتحَوّبُ فلما أتى عليها نزل صاحبه، فعقر ناقته، وهو رجل من جذام، يقال له عبيد الله بن المنتشر، فاندفع يتغنى عند الخلوات: فارَقوني وَقد عَلِمتُ يَقيناً، ... ما لَمنْ ذَاقَ مِيَتةً مِنْ إيَابِ إنّ أهلَ الحِصَابِ قد تَركوني ... مُودَعاً مُولَعاً بأهلِ الحِصَابِ أهلِ بيتٍ تَتَابَعُوا للمَنَايَا، ... ما على الدهرِ بعدهم من عِتابِ سكنوا الجِزْعَ جزْعَ بَيتِ أبي مو ... سَى إلى الشِّعبِ من صَفّي الشبابِ كم بذاك الحجونِ من حيّ صِدقٍ ... من كُهولٍ أعِفّةٍ وَشَبَابِ قال ابن أبي دباكل: فوالله ما أتم منها ثالثاً، حتى غشي على صاحبه، ومضى غير معرج عليه، حتى إذا فرغ جعل ينضح الماء في وجهه، ويقول: أنت أبداً منصوب على نفسك من كلفات ما ترى، فلما أفاق قرب إليه الفرس، فلما علاه استخرج الجذامي من خرج على البغل قدحاً، وإداوة، فجعل في القدح تراباً من تراب القبر، وصب عليه ماء، ثم قال: هاك! فاشرب، هذه السلوة، فشرب، ثم جعل الجذامي مثل ذلك لنفسه، ثم

стр. 424

نزل على البغل، وأردفني، فخرجنا، لا والله ما يعرجان ولا يعرضان بذكر شيء مما كانا فيه، ولا أرى في وجوههما مما كنت أرى قبل شيئاً. قال: فلما اشتمل علينا أبطح مكة مد يده إلي بشيء، وإذا عشرون ديناراً، فوالله ما جلست حتى ذهبت ببعيري، واحتملت أداة الراحلتين، فبعتهما بثلاثين ديناراً. قاتل الله الأعرابي ما أبصره ! أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن عمر بن شاهين، رحمه الله تعالى، حدثنا أبي، أخبرنا عمر بن الحسن، حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا علي بن الجعد، سمعت أبا بكر بن عياش يقول: كنت في الشباب إذا أصابتني مصيبة تجلدت، ودفعت البكاء بالصبر، فكان ذلك يؤذيني ويؤلمني، حتى رأيت أعرابياً بالكناسة، واقفاً على نجيب، وهو ينشد: خَليليّ عُوجَا من صُدُورِ الرّوَاحِلِ ... بجُمهُورِ حَزْوَى فابكِيَا في المَنازِلِ لَعَلّ انحِدَارَ الدّمعِ يُعقِبُ رَاحَةً ... مِنَ الوَجْدِ أوْ يَشفي نَجيّ البَلابِلِ فسألت عنه، فقيل: ذو الرمة، فأصابتني بعد ذلك مصائب، فكنت أبكي، وأجد لذلك راحةً، فقلت: قاتل الله الأعرابي ما كان أبصره!

стр. 425

لسان كتوم ودمع نموم أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال، رحمه الله تعالى، بقراءتي عليه، سمعت أحمد بن محمد بن عروة يقول: سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول: كان الجنيد يقول: لِسَاني كَتُومٌ لأسرَارِكُم، ... وَدَمعي نَمُومٌ لسِرّي مُذِيعْ وَلَوْلا دُمُوعي كَتَمتُ الهَوَى، ... وَلَوْلا الهَوى لم تكنْ لي دُمُوعْ الشعر حسن وقبيح ومما وجدته بغير سند في مجموعات بعض أهل العلم قال: وقف شيخ من العرب على مسعر بن كدام، وهو يصلي، فأطال، فلما فرغ قال له الأعرابي: خذ من الصلاة كفيلاً! فتبسم وقال له: يا شيخ! خذ فيما يجدي عليك. كم تعد من سنيك؟ قال: مائة وبضع عشرة سنة. فقال له: في بعضها ما يكفي واعظاً فاعمل لنفسك، فأنشأ الأعرابي يقول: أُحِبُّ اللّوَاتِي هُنّ مِنْ وَرَقِ الصّبى ... وَفيهِنَّ عَنْ أزْواجِهِنَّ طِمَاحُ مُسِرّاتُ بُغضٍ مُظهِرَاتٌ مَوَدّةً، ... تَرَاهُنّ كالمَرْضَى، وَهُنّ صَحَاحُ فقال له مسعر: أف لك من شيخ! فقال: والله ما بأخيك حراك منذ أربعين سنة، لكنه بحر يجيش من زبده، فضحك مسعر وقال: إن الشعر كلام، فحسنه حسن، وقبحه قبيح.

стр. 426

عديني وامطلي أنشدنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، رحمه الله تعالى، للشريف الرضي أبي الحسن محمد بن الطاهر أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي: أذاتَ الطَّوْقِ لمْ أُقرِضْكِ قَلبي، ... عَلى ضَنِّي بهِ، لِيضِيعَ دَيْنِي سكَنتِ القَلبَ حِينَ خُلِقتِ مِنهُ، ... فَأنتِ مِنَ الحَشَا وَالنّاظِرَينِ أُحِبّكِ أنّ لَوْنَكِ لَوْنَ قَلبي، ... وَإنْ ألبستِ لَوْناً غَيرَ لَوْني عِدِيني وَامطُلي، أبداً، فحِسبي ... وِصَالاً أنْ أرَاكِ وَأنْ تَرَيْني البين صعب على الأحباب وأخبرنا القاضي، أنشدنا الثقة بحضرة المرتضى: قالَتْ، وَقَد نَالَهَا للبَينِ أوْجَعُهُ، ... وَالبَينُ صَعبٌ على الأحبَابِ مَوْقِعُهُ اشدُدْ يَدَيكَ على قَلبي فقد ضَعُفَتْ ... قوَاهُ مِمّا بهِ لَوْ كانَ يَنفَعُهُ اعطِفْ عليّ المَطَايَا سَاعَةً فَعَسَى ... مَن كانَ شَتّتَ شملَ البَينِ يجمَعُهُ كَأنّني، يَوْمَ وَلَّوْا سَاعِةً بِمِنىً، ... غَرِيقُ بَحرٍ رَأى شَطّاً وَيَمنَعُهُ

стр. 427

قتلها الجوى ذكر أبو عمر بن حيويه ونقلته من خطه، حدثنا أبو بكر محمد بن خلف، أخبرني أبو العلاء القيسي، حدثنا أبو عبد الرحمن العائشي، أخبرني أبو منيع عبد لآل الحارث بن عبيد قال: رأيت شيخاً من كلب قاعداً على رأس هضبةٍ، فملت إليه، فإذا هو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ فقال: رحمةٌ لجارية منا كانت تحب ابن عم لها، وكان أهلها بأعلى واد بكلب، فتزوجها رجل من أهل الكوفة، فنقلها إلى الكوفة، فقتلها الجوى وبلغ منها الشوق، فأوت في علية لها، فتغنت بهذا الشعر: لَعَمرِي لَئِنْ أشرَفتُ أطوَلَ ما أرَى ... وكَلّفتُ عَيني مَنظَراً مُتَعَاديَا وَقُلتُ: زِيَادٌ مُؤنِسِي مُتَهَلِّلٌ، ... أمِ الشّوْقُ يُدني مِنهُ ما ليس دانيَا وَقُلتُ لبَطنِ الجِنّ حِينَ لَقِيتُهُ: ... سَقَى اللهُ أعلالَ السّحابَ الغَوَاديَا ثم قبضت مكانها. غراب البين ناقة أو جمل أخبرنا أبو إسحق الحبال في ما أذن لنا في روايته، أخبرنا أبو الفرج محمد بن عمر الصدفي، حدثنا أبو الفتح بن سنحت، حدثنا أبو عبد الله الحكيمي: أنشدني عون عن أبيه لأبي الشيص: مَا فَرّقَ الأحْبَابَ بَعْ ... دَ اللهِ إلاّ الإبلُ وَالنّاسُ يُلْحُونَ غُرَا ... بَ البَيْنِ لَمّا جَهِلُوا وَمَا غُرَابُ البَيْنِ إلْ ... لا نَاقَةٌ أوْ جَمَلُ

стр. 428

الدنو الفاضح وبإسناده قال: وأنشدنا لنفسه: اللهُ يَعلَمُ مَا أرَدتُ بِهَجرِكُمْ ... إلاّ مُسَاتَرَةَ العَدُوّ الكَاشِحِ وَعَلِمتُ أنّ تَسَتّرِي وَتَبَاعُدِي ... أدنى لِوَصْلِكِ مِنْ دُنُوٍّ فاضِحِ الحراث الشاعر أنبأنا أبو بكر الخطيب، إن لم يكن حدثنا، أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسن بن محمد بن إبراهيم قراءة عليه، حدثنا أبو الحسن علي بن الحسن الرازي، حدثنا أبو علي الحسين بن علي الكوكبي الكاتب، حدثنا أبو العباس المبرد قال: قال لي الجاحظ: أنشدني أكارٌ بالمصيصة لنفسه: حَصَدَ الصّدودُ وِصَالَنا بمَناجلٍ، ... طُبعَ المَناجِلُ من حَديدِ البَينِ دِيسَ الحَصَادُ، وَذُرّيتْ أكداسُهُ، ... بَعدَ الحَصَادِ، بسَافيَاتِ المَينِ فَالشّوْقُ يَطحنَهُ بأرْحِيةِ الهَوَى، ... وَالهَمُّ يَعجُنُهُ بدَمعِ العَينِ وَالحزْنُ يَخبزُهُ بنِيرانِ الهَوَى، ... وَالهَجْرُ يَأكُلُهُ بلَوْنٍ لَوْنِ

стр. 429

لم يطل ليلي وبإسناده أنشدنا أبو علي لبشار: لمْ يَطُلْ لَيلي، وَلكِنْ لمْ أنَمْ، ... وَنَفَى عَني الكَرَى طَيفٌ ألَمّ خَتَمَ الحُبُّ لهَا في عُنُقي، ... مَوْضِعَ الخَاتَم من أهلِ الذِّمَمْ إنّ في ثَوْبيّ جِسْماً نَاحِلاً ... لَوْ تَوَكّأتُ عَلَيْهِ لانْهَدَمْ عقوبة الغراب أخبرنا أبو إسحق الحبال، رحمه الله تعالى، فيما أجاز لنا، أخبرنا أبو الفرج محمد بن عمر الصدفي، أخبرنا أبو علي الحسين بن علي بن محمد بن رحيم، أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن زوزان، حدثنا أبو زيد، أخبرنا إبراهيم بن الأزهر عن عبد الله بن محمد قال: مررت في بعض سكك البصرة فسمعت استغاثة جارية تضرب، فتيممت الأبواب حتى وقفت على الباب الذي يخرج منه الصوت، فقلت: يا أهل الدار! أما تتقون الله؟ علام تضربون جاريتكم؟ فقيل لي: ادخل. فدخلت، فإذا أمرأة كأن عنقها إبريق فضة، جالسة على منصة، وبين يديها غراب مشدود، وفي يدها عصاً تضربه بها. قال: فكلما ضربت الغراب صاحت الجارية، فقلت: ما شأن هذا الغراب؟ فقالت لي: أما سمعت قول قيس بن ذريح حيث يقول: ألا يا غُرَابَ البَينِ قد طِرْتَ بالّذي ... أُحَاذِرُ مِنْ لَيلى فَهَلْ أنتَ وَاقعُ ألا وقع كما أمره؟ فقلت: إن هذا الغراب ليس هو ذاك الغراب. فقالت: نأخذ البريء بالسقيم حتى نظفر بحاجتنا.

стр. 430

موت عروة بن حزام حدث أبو القاسم منصور بن جعفر بن محمد الصيرفي، حدثنا عبد الله بن جعفر عن المبرد، أخبرني مسعود بن بشر الأنصاري قال: وليت صدقات عذرة، فصرت إلى بلدهم، فإذا بشيء يختلج تحت ثوب، فأقبلت، فكشفت عنه، فإذا رجل لا يرى إلا رأسه، فقلت: ويحك! ما بك؟ فقال: كأنّ قطاةً عُلّقَتْ بجنَاحِهَا ... عَلى كَبدي من شِدّةِ الخَفَقانِ جَعَلتُ لعَرّافِ اليَمَامَةِ حُكمَه ... وَعَرّافِ حِجرٍ إن هُما شَفَياني قال: ثم تنفس حتى ملأ ثوبه الذي كان فيه ثم خمد، فنظرت فإذا هو قد مات. فلم أرم حتى أصلحت من شأنه، وصليت عليه، فقال لي رجل: أتدري من هذا؟ قلت: لا! قال: هذا عروة بن حزام. عيش غض وزمان مطاوع أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ بدمشق، أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا الجريري، حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال: كنت عند ثعلب جالساً، فجاءه محمد بن داود الأصبهاني، فقال له: أهاهنا شيء من صبوتك؟ فأنشده: سَقَى اللهُ أيّاماً لَنَا وَلَيَالِيَا ... لَهُنّ بأكْنَافِ الشّبَابِ مَلاعِبُ إذِ العيشُ غضٌّ وَالزَمانُ مطاوِعٌ ... وَشَاهِدُ آفَاتِ المُحِبّينَ غَائِبُ

стр. 431

فتوى في الحب وأخبرنا أحمد بن علي، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، أخبرني بعض أصحابنا قال: كتب بعض أهل الأدب إلى أبي بكر بن داود الفقيه الأصبهاني: يا ابنَ داودَ، يا فَقيهَ العِرَاقِ ... أفتِنَا في قَواتِلِ الأحدَاقِ هَلْ عليها القِصَاصُ في القتلِ يوْماً، ... أمْ حَلالٌ لَهَا دَمُ العُشّاقِ؟ فأجابه ابن داود: عِندِي جَوَابُ مَسِائِلِ العُشّاقِ، ... فَاسمَعْهُ مِنْ قَلِقِ الحَشَا مُشتاقِ لمّا سألتَ عَنِ الهَوَى أهلَ الهَوَى ... أجرَيتَ دَمعاً لَمْ يَكُنْ بِالرّاقي أخطأتَ في نَفسِ السؤالِ، وَإن تُصِبْ ... بكَ في الهَوَى شَفَقاً مِنَ الأشفاقِ لَوْ أنّ مَعشُوقاً يُعَذِّبُ عَاشِقاً، ... كَانَ المُعَذَّبُ أنْعَمَ العُشّاقِ أبو العتاهية يعاتب عتبةَ أخبرنا القاضي الشريف أبو الحسين بن المهتدي، رحمه الله تعالى، إجازة، حدثنا الشريف أبو الفضل بن المأمون، حدثنا أبو بكر بن الانباري، أنشدنا محمد بن المرزبان: أنشدني الحسن بن صالح الأسدي لأبي العتاهية: سُبحَانَ جَبّارِ السّمَاءِ ... إنّ المُحِبّ لَفي عَنَاءِ مَن لمْ يَذُقْ حُرَقَ الهَوَى، ... لم يَدْرِ مَا جُهدُ البَلاءِ لَوْ كُنتُ أحسَبُ عَبرَتي ... لَوَجَدْتُهَا أنْهَارَ مَاءِ

стр. 432

كَمْ مِنْ صَدِيقٍ لي أُسا ... رِقُهُ البُكَاءَ مِنَ الحَيَاءِ فإذَا تَفَطّنَ لامَني، ... فأقُولُ: مَا بي مِنْ بُكاءِ لَكِنْ ذَهّبْتُ لأرْتَدِي، ... فَأصَبْتُ عَيْنيَ بالرّدَاءِ حَتى أُشَكّكَهُ، فَيَس ... كُتَ عَنْ مَلامي وَالمِرَاءِ يا عُتبَ! مَنْ لمْ يَبكِ لي ... مِمّا لَقيتُ مِنَ الشّقَاءِ بَكَتِ الوُحُوشُ لرَحْمَتي، ... وَالطّيرُ في جوّ السّمَاءِ وَالجِنُّ عُمّارُ البُيُو ... تِ، بَكَوْا، وَسكّانُ الهَوَاءِ وَالنّاسُ، فَضْلاً عَنْهُمُ، ... لَمْ تَبكِ إلاّ بالدّمَاءِ يا عَتبَ! إنّكِ لَوْ شَهِدْ ... تِ عليّ وَلْوَلَةَ النّسَاءِ وَمُوَجَّهاً مُسْتَرْسلاً ... بَينَ الأحِبّةِ للقَضاءِ لَجَزَيتنِي غَيرَ الّذِي ... قَد كانَ منكِ من الجَزَاءِ أفَمَا شَبِعتِ، وَلا رَوِي ... تِ منَ القَطيعَةِ وَالجَفَاءِ لِمْ تَبخَلِينَ عَلى فَتىً ... مَحضِ المَوَدّةِ وَالصّفَاءِ؟ وفيها أبيات اختصرتها. يا حبذا بلداً حلته أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن عمر بن شاهين، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الحسن بن دريد الأزدي: حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه يعني الأصمعي لنائل ابن أبي حليمة أحد بني بزوان من بني أسد: إني أرِقتُ، وَسارِي اللّيلِ قد هَجَدَا، ... وَالنّجمُ يَنهَضُ في مِرْقاتِهِ صُعُدَا

стр. 433

وَما أرِقتُ بحَمدِ اللهِ مِنْ وَصَبٍ ... وَمَا شَكَوْتُ وَرَبي مُنعِمٌ أبَدا طافَتْ طَوَائِفُ من ذِكرَاكِ عَاتِيَةٌ، ... مُخَالِطٌ حُبُّهَا الأحشَاءَ وَالكَبِدَا ما تأمُرِين بكَهلٍ قَد عَرضْتِ لَهُ، ... واللهِ مَا وَجَدَ النَّهدِيُّ مَا وَجَدَا أمّا الفُؤادُ فأمسَى مُقصَداً كَمِداً، ... مِنْ أجلِ مَنْ لا تُداني دارَهُ أبَدَا مِنْ أجلِ جَارِيَةٍ إني أُكَاتِمُهَا ... حَتى أمُوتَ، وَلَمْ أُخبِرْ بها أحَدَا مَنْ يَمُوتُ وَلَمْ يُخبرْ بقَاتِلِهِ ... فَلا إخَالُ لَهُ عَقلاً، وَلا قَوَدا وَهاجَني صُرَدٌ في فَرْعِ غَرْقَدَةٍ؛ ... إناّ إلى رَبّنَا، مَا أشأمَ الصُّرَدا مَا زَالَ يَنْتِفُ رِيشاً مِنْ قَوَادِمِهِ، ... ويَرْجُفُ الرّيشُ حتى قلتُ قد سجدَا تَحَقّقَ البَينُ مِنْ لُبنى وَجَارَتِها، ... يا بَرْحَ عَيْنيَ إنْ كانَ الفِرَاقُ غدَا تَمشي الهُوَينَا إلى الأترَابِ إن فَعَلتْ ... عومَ الغَدِيرِ زَهَتهُ الرّيحُ فَاطّرَدَا تَجلُو بأخضَرَ مِنْ نَعمَانَ يَصْحَبُه ... قَبلَ الشّرَابِ بكَفّ رَخصَةٍ بَردَا يُضَمَّنُ المِسكُ وَالكَافُورُ ذا غُدُرٍ ... مِثلِ الأسَاوِدِ لا سَبطاً وَلا قِدَدَا حَلّتْ بأطيبَ نجدٍ نَهرَهُ، عَلِمَتْ، ... يَا حَبّذا بَلَداً حَلّتْ بِهِ بَلَدَا

стр. 434

قتيلهن شهيد ووجدت على ظهر جزء بن شاهين هذين البيتين: يَقولُونَ جاهد يا جَميلُ بغَزْوَةٍ، ... وَأيّ جِهَادٍ غَيركُنّ أُرِيدُ لكلّ حَديثٍ عِنْدَكُنّ بَشاشَةٌ، ... وكُلُّ قَتيلٍ بَينَكُنّ شَهيدُ عاشق لي أو لمن ؟ أنبأنا الرئيس أبو علي محمد بن وشاح الكاتب، أخبرنا المعافى بن زكريا الجريري إجازة، حدثنا محمد بن محمد بن يحيى الصولي، حدثنا عون بن محمد الكندي قال: خرجت مع محمد بن أبي أمية إلى ناحية الجسر ببغداد، فرأى فتىً من ولاد الكتاب جميلاً، فمازحه، فغضب وهدده، فطلب من غلامه دواته وكتب من وقته: دونَ بابِ الجِسرِ دارٌ لِفَتى، ... لا أُسَمّيهِ وَمَنْ شَاءَ فَطَنْ قَالَ كَالمَازِحِ، وَاستَعلَمَني: ... أنتَ صَبٌّ عَاشِقٌ لي، أوْ لمَنْ؟ قلتُ: سَلْ قَلبَكَ يخبرْكَ به، ... فَتَحَايَا بَعدَمَا كانَ مَحَنْ حُسنُ ذاكَ الوَجهِ لا يُسلِمُني، ... أبداً مِنهُ، إلى غَيرِ حَسَنْ ثم دفع الرقعة إليه، فاعتذر وحلف أنه لم يعرفه.

стр. 435

أبو العتاهية وعتبة أخبرنا القاضي أبو الحسين بن المهتدي، رحمه الله تعالى، إجازة إن لم يكن سماعاً، حدثنا أبو الفضل محمد بن الحسن بن الفضل الهاشمي، أنشدنا أبو بكر بن الأنباري، حدثني محمد بن المرزبان، حدثني إسحق بن محمد، حدثنا محمد بن سلام قال: قدم أبو العتاهية من الكوفة إلى بغداد، وهو خامل الذكر، لا يعرف، فمدح المهدي بشعر، فلم يجد من يوصله إليه، فكان يطلب سبباً يشتهر به، ويعرف من جهته، فيوصله إلى المهدي، فاجتازت به يوماً عتبة راكبةً مع عدة من جواريها وحشمها، فكلمها واستوقفها، فلم تكلمه، لم تقف عليه، وأمرت غلمانها بتنحيته، فأنشأ يقول: يا عُتْبَ! مَا شاني وَمَا شانُكِ، ... تَرَفّقي، سِتّي، بسُلطَانِكِ أخَذْتِ قَلْبي هَكَذا عَنوَةً ... ثمّ شَدَدْتِيهِ بأشْطَانِكِ اللهَ في قَتلِ فَتىً مُسْلِمٍ ... مَا نَقَضَ العَهدَ وَما خانَكِ حَرَمْتنِي مِنكِ دُنُوّاً، فَيَا ... وَيْلِيَ، ما لي وَلحِرْمَانِكِ يا جَنّةَ الفِرْدوْسِ جودي، فَقد ... طَابَتْ ثَنَايَاكِ وَأرْدَانُكِ

стр. 436

البيت يعرفهن لو يتكلم وبإسناده: أنشدني أبي وأبو الحسن بن البر لعمر بن بي ربيعة: لَبِثُوا ثَلاثَ مِنى بمَنزِلِ قَلعَةٍ، ... فَهُمُ على عِرْضٍ، لعَمرُكَ ما همُ مُتَجاوِرِينَ بغَيرِ دَارِ إقَامَةٍ، ... لَوْ قد أجَدّ تَرَحّلٌ لَم يَندَمُوا وَلَهُنّ بالبَيتِ العَتيقِ لُبَانَةٌ، ... وَالبَيتُ يَعرِفُهُنّ لَوْ يَتَكَلّمُ لَوْ كانَ حَيّاً قَبلَهُنّ ظَعَائِناً، ... حَيّا الحَطيمُ وُجوهَهُنّ وزَمزَمُ لَكِنّهُ مِمّا يُطِيفُ بِرُكْنِهِ، ... مِنهنّ، صَمّاءُ الصّدى مُستَعجِمُ وكأنهّنّ، وَقد صَدَرْنَ عَشِيّةً، ... دُرٌّ بأكنَافِ الحَطيمِ مُنّظَّمُ الحب لا يعلق إلا الكرام أخبرنا القاضي أبو الحسين بن المهتدي فيما أجاز لنا، حدثنا الشريف أبو الفضل محمد بن الحسين بن الفضل الهاشمي، حدثنا أبو بكر بن الأنباري، حدثني أبي، حدثنا الحسن بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن أبي أيوب: اجتمع أبو نواس والعباس بن الأحنف، فاستنشد أبو نواس العباس، فأنشده: حُبُّ الحِجازِيَّةِ أبلى العِظامْ، ... وَالحبُّ لا يَعلقُ إلاّ الكِرَامْ

стр. 437

سَيّدَتي، سَيّدَتي! إنّهُ ... ليسَ لِما بالعاشِقينَ اكتِتَامْ سَيّدَتي، سَيّدَتي! إنّني ... أعجزُ عن حمل البلايا العظامْ سَيّدَتي، سَيّدَتي! فاسمعي ... دعوَةَ صَبٍّ عاشقٍ مستهامْ ومر في أبيات كثيرة أول كل بيت سيدتي سيدتي، فقال له أبو نواس: لقد خضعت لهذه المرأة خضوعاً، ظننت معه أنك تموت قبل تمام القصيدة. يزيد بن معاوية وعمارة المغنية أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري إن لم يكن سماعاً فإجازة، حدثنا المعافى بن زكريا الجريري، حدثنا أبو النضر العقيلي، حدثني عبد الله بن أحمد بن حمدون النديم عن أبي بكر العجلي عن جماعة من مشايخ قريش من أهل المدينة قالوا: كانت عند عبد الله بن جعفر جارية مغنية يقال لها عمارة، وكان يجد بها وجداً شديداً، وكان لها نمه مكان لم يكن لأحد من جواريه، فلما وفد عبد الله بن جعفر على معاوية خرج بها معه فزاره يزيد، ذات يوم، فأخرجها إليه، فلما نظر إليها، وسمع غناءها، وقعت في نفسه، فأخذه عليها ما لا يملكه، وجعل لا يمنعه من أن يبوح بما يجد بها إلا مكان أبيه مع يأسه من الظفر بها، فلم يزل يكاتم الناس أمرها إلى أن مات معاوية، وأفضى الأمر إليه، فاستشار بعض من قدم عليه من أهل المدينة وعامة من يثق به في أمرها، وكيف الحيلة فيها، فقيل له: إن أمر عبد الله بن جعفر لا يرام، ومنزلته من الخاصة والعامة ومنك ما قد علمت؛ وأنت لا تستجيز إكراهه، وهو لا يبيعها بشيء أبداً، وليس يغني في هذا إلا الحيلة، فقال: انظروا لي رجلاً عراقياً له أدب وظرف ومعرفة، فطلبوه،

стр. 438

فأتوه به، فلما دخل رأى بياناً وحلاوةً وفهماً، فقال يزيد: إني دعوتك لأمر إن ظفرت به فهو حظك آخر الدهر ويد أكافئك عليها إن شاء الله تعالى؛ ثم أخبره بأمره، فقال له: عبد الله بن جعفر ليس يرام ما في قلبه إلا بالخديعة، ولن يقدر أحد على ما سألت، فأرجو أن أكونه، والقوة بالله، فأعني بالمال. قال: خذ ما أحببت. فأخذ من طرف الشام وثياب مصر، واشترى متاعاً للتجارة من رقيق ودواب وغير ذلك، ثم شخص إلى المدينة، فأناخ بعرصة عبد الله بن جعفر، واكترى منزلاً إلى جانبه، ثم توسل إليه وقال: إني رجل من أهل العراق قدمت بتجارة وأحببت أن أكون في عز جوارك وكنفك إلى أن أبيع ما جئت به، فبعث عبد الله بن جعفر إلى قهرمانه أن أكرم الرجل، ووسع عليه في نزوله. فلما اطمأن العراقي سلم عليه أياماً وعرفه نفسه، وهيأ له بغلةً فارهةً، وثياباً من ثياب العراق وألطافاً، فبعث بها إليه، وكتب معها: يا سيدي! إني رجل تاجر، ونعم الله علي سابغة، وقد بعثت إليك بشيء من تحف وكذا من الثياب والعطر، وبعثت ببغلة خفيفة العنان، وطيئة الظهر، فاتخذها لرجلك، فأنا أسألك بقرابتك من رسول الله ﵌، ألا قبلت هديتي ولم توحشني بردها، إني أدين الله تعالى بحبك وحب أهل بيتك، وإن أعظم أملي في سفرتي هذه أن أستفيد الأنس بك والتحرم بمواصلتك. فأمر عبد الله بقبض هديته، وخرج إلى الصلاة، فلما رجع مر بالعراقي في منزله، فقام إليه، وقبل يده، واستكثر منه، فرأى أدباً وظرفاً وفصاحةً، فأعجب به وسر بنزوله عليه، فجعل العراقي في كل يوم

стр. 439

يبعث إلى عبد الله بلطف تطرفه، فقال عبد الله: جزى الله ضيفنا هذا خيراً، فقد ملأنا شكراً، وما نقدر على مكافأته. فإنه لكذلك إلى أن دعاه عبد الله، ودعا بعمارة في جواريه، فلما طاب لهما المجلس، وسمع غناء عمارة، تعجب، وجعل يزيد في عجبه، فلما رأى ذلك عبد الله سر به إلى أن قال له: هل رأيت مثل عمارة! قال: لا والله يا سيدي ما رأيت مثلها، وما تصلح إلا لك، وما ظننت أن يكون في الدنيا مثل هذه الجارية، حسن وجه، وحسن عمل، قال: فكم تساوي عندك؟ قال: ما لها ثمن إلا الخلافة؟ قال: تقول هذا لتزين لي رأياً فيها وتجتلب سروري؟ قال له: يا سيدي، والله، إني لأحب سرورك، وما قلت لك إلا الجد، وبعد فإني تاجر أجمع الدراهم إلى الدرهم، طلباً للربح، ولو أعطيتها بعشرة آلاف دينار لأخذتها. فقال له عبد الله: عشرة آلاف؟ قال: نعم! ولم يكن في لك الزمان جارية تعرف بهذا الثمن. فقال له عبد الله: أنا أبيعكها بعشرة آلاف. قال: قد أخذتها. قال: هي لك، قال: قد وجب البيع، وانصرف العراقي. فلما أصبح عبد الله لم يشعر إلا بالمال قد جيء به، فقيل لعبد الله: قد بعث العراقي بعشرة آلاف دينار، وقال: هذا ثمن عمارة، فردها، وكتب إليه: إنما كنت أمزح معك، ومما أعلمك أن مثلي لا يبيع مثلها. فقال له: جعلت فداءك! إن الجد والهزل في البيع سواء. فقال له عبد الله: ويحك! ما أعلم جاريةً تساوي ما بذلت، ولو كنت بائعها من أحد لآثرتك، ولكني كنت مازحاً، وما أبيعها بملك الدنيا لحرمتها بي وموضعها من قلبي. فقال العراقي: إن كنت مازحاً، فإني كنت جاداً، وما اطلعت على ما في نفسك وقد ملكت الجارية، وبعثت إليك بثمنها، وليس تحل لك، وما لي من أخذها من بد. فمانعه إياها، فقال له: ليست لي بينة، ولكني أستحلفك عند قبر رسول الله ﷺ ، ومنبره.

стр. 440

فلما رأى عبد الله الجد قال: بئس الضيف أنت، ما طرقنا طارق، ولا نزل بنا نازل أعظم بليةً منك، أتحلفني فيقول الناس: اضطهد عبد الله ضيفه وقهره وألجأه إلى أن استحلفه؟ أما والله ليعلمن الله، ، أني سأبليه، في هذا الأمر، الصبر وحسن العزاء. ثم أمر قهرمانه بقبض المال منه، وبتجهيز الجارية بما يشبهها من الخدم والثياب والطيب، فجهزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار، وقال: هذا لك ولك عوضها مما ألطفتنا، والله المستعان. فقبض العراقي الجارية وخرج بها، فلما برز من المدينة قال لها: يا عمارة! إني، والله، ما ملكتك قط، ولا أنت لي، ولا مثلي يشتري دارية بعشرة آلاف دينار، وما كنت لأقدم على ابن عم رسول الله ﵌، فأسلبه أحب الناس إليه لنفسي، ولكني دسيس من يزيد بن معاوية، وأنت له وفي طلبك بعث بي فاستتري مني، وإن داخلني الشيطان في أمرك، أو تاقت نفسي إليك فامتنعي. ثم مضى بها حتى ورد دمشق، فتلقاه الناس بجنازة يزيد، وقد استخلف ابنه معاوية بن يزيد، فأقام الرجل أياماً، ثم تلطف للدخول عليه، فشرح له القصة، ويروى أنه لم يكن أحد من بني أمية يعدل بمعاوية بن يزيد في زمانه نبلاً ونسكاً، فلما أخبره قال: هي لك وكل ما دفعه إليك من أمرها فهو لك، وارحل من يومك، فلا أسمع بخبرك في شيء من بلاد الشام. فرحل العراقي ثم قال للجارية: إني قلت لك ما قلت حين خرجت بك من المدينة، فأخبرتك أنك ليزيد، وقد صرت لي، وأنا أشهد الله أنك لعبد الله بن جعفر، وإني قد رددتك عليه، فاستتري مني. ثم خرج بها حتى قدم المدينة، فنزل قريباً من عبد الله، فدخل عليه بعض خدمه فقال له: هذا العراقي ضيفك الذي صنع بنا ما صنع، وقد

стр. 441

نزل العرصة، لا حياه الله، فقال عبد الله: مه! أنزلوا الرجل وأكرموه. فلما استقر بعث إلى عبد الله: جعلت فداءك! إن رأيت أن تأذن لي أذنةً خفيفةً لأشافهك بشيء فعلت. فأذن له، فلما دخل سلم عليه، وقبل يده، فقربه عبد الله، ثم اقتص عليه القصة، حتى إذا فرغ قال: قد والله وهبتها لك قبل أن أراها، وأضع يدي عليها، فهي لك، ومردودة عليك. وقد علم الله تعالى أني ما رأيت لها وجهاً إلا عندك. فبعث إليها، فجاءت وجاء بما جهزها به موفراً، فلما نظرت إلى عبد الله خرت مغشياً عليها، وأهوى إليها عبد الله فضمها إليه. وخرج العراقي وتصايح أهل الدار: عمارة عمارة، فجعل عبد الله يقول، ودموعه تجري: أحلم هذا، أحق هذا؟ ما أصدق بهذا. فقال له العراقي: جعلت فداءك! قد ردها عليك إيثارك الوفاء وصبرك على الحق وانقيادك له. فقال عبد الله: الحمد لله، اللهم إنك تعلم أني تصبرت عنها، وآثرت الوفاء، وأسلمت لأمرك، فرددتها علي بمنك، فلك الحمد! ثم قال: يا أخا العراق ما في الأرض أعظم منةًَ منك، وسيجازيك الله تعالى. وأقام العراقي أياماً، وباع عبد الله غنماً له بثلاثة عشر ألف دينار، وقال لقهرمانه: احملها إليه، وقل له: اعذر، واعلم أني لو وصلتك بكل ما أملك لرأيتك أهلاً لأكثر منه، فرحل العراقي محموداً وافر العرض والمال.

стр. 442

سكينة وعروة بن أذينة وأخبرنا محمد، حدثنا المعافى، حدثنا محمد بن القاسم الأنباري، حدثنا محمد بن يحيى النحوي، حدثنا عبيد الله بن شبيب عن عمر بن عثمان قال: مرت سكينة بعروة بن أذينة، وكان تنسك، فقالت له: يا أبا عامر! ألست القائل: إذا وَجَدتُ أذىً للحبّ في كَبِدي ... أقبَلتُ نَحوَ سِقاءِ القَوْمِ أبترِدُ هَبني ابترَدتُ ببَرْدِ الماءِ ظاهرَهُ، ... فمَن لنَارٍ على الأحشاءِ تَتّقِد ُ أو لست القائل: قالت، وأبثَثتُها سرّي فبُحتُ بهِ: ... قد كُنتَ عندي تُحبّ السَّترَ فاستَترِ ألَستَ تُبصِرُ مَن حَوْلي؟ فقلتُ لها: ... غَطّى هَوَاكِ، ومَا ألقَى، على بصرِي ثم قالت: هؤلاء أحرار إن كان هذا خرج من قلب سليم. رقية حميرية وجدت بخط شيخي أبي عبد الله الحسين بن الحسن الأنماطي في مجموع له بخطه قال: وحكى بعضهم عن شيخ من أهل اليمن أنه وجد في كتاب بالمسند، وهي لغة حمير، كلاماً كانت حمير ترقي به العاشق، فيسلو. وهو: ما أحسَنَتْ سَلمَى إليكَ صَنيعَا، ... تَرَكَتْ فؤادَكَ بالفِرَاقِ مَرُوعا قال: فحدثت بهذا الحديث كاهنةً كانت هناك، فلما كان من غد ذلك اليوم، لقيتني فقالت: إني رأيت البارحة الشعر يحتاج أن يقلب كلامه وحروفه، حتى يسلو به العاشق. قلت: فكيف يقلب كلامه؟ قالت: يقول مروعاً بالفراق فؤادك تركت صنيعاً إليك سلمى. أحسنت ما.

стр. 443

أمثل هذا يبتغي وصلنا ؟ أخبرنا أحمد بن علي الوراق بصور، حدثنا أبو الحسن علي بن الحسين بن أحمد التغلبي بدمشق، حدثنا عبد الرحمن بن عمر بن نصر، حدثنا الزجاجي، حدثنا الأخفش، حدثني أبي عن أبيه قال: خرجت إلى سر من رأى في بعض حاجاتي فصحبني رجل في الطريق، فقال: ألا أنشدك شيئاً من شعري؟ قلت: بلى، فأنشدني: وَيلي على سَاكِنِ شَطِّ الصَّرَاهْ، ... مَرّرَ حُبِّيهِ عَليّ الحَيَاهْ مَا يَنْقَضِي مِنْ عَجَبٍ فِكرَتي، ... في خَلّةٍ قَصّرَ فِيها الوُلاهْ تَرْكُ المُحبّينَ بِلا حَاكِمٍ، ... لَمْ يَنصبُوا للعَاشِقينَ القُضَاهْ أما، وَمَنْ أصْبَحتُ عَبداً لَهُ، ... وَمَنْ لَهُ في كُلّ أُفْقٍ رُعَاهْ لَوْ أنّني مَلَكْتُ أمرَ الهَوَى، ... مَلأتُ بالضّرْبِ ظُهُورَ الوُشَاهْ حَتى إذا قَطّعتُ أبْشَارَهُمْ، ... قَعَدءتُ أقْضِي للفَتى بالفَتاهْ لَقَدْ أتَاني عَجَبٌ رَاعَني ... مَقَالُهَا للقَوْمِ: يا ضَيعَتَاهْ أمِثلُ هَذَا يَبْتَغِي وَصْلَنَا؟ ... أمَا يَرَى ذَا وَجْهَهُ في المِرَاهْ؟ فقلت: من أنت؟ قال: أنا القصافي الشاعر.

стр. 444

الأخوات الثلاث وكتابهن أخبرنا محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثني الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا أحمد بن زهير بن حرب أبي خيثمة، أخبرنا الزبير بن بكار، حدثني مصعب عمي قال: ذكر لي رجل من أهل المدينة أن رجلاً خرج حاجاً، فنزل تحت سرحة في بعض الطريق، بين مكة والمدينة، فنظر إلى كتاب معلق على السرحة فيه، بسم الله الرحمن الرحيم، أيها الحاج القاصد بيت الله تعالى! إن ثلاث أخوات خلون يوماً فبحن بأهوائهن، وذكرن أشجانهن، فقالت الكبرى: عَجبتُ له إذ زَارَ في النّومِ مَضْجَعي، ... وَلَوْ زَارَني مُستَيقظاَ كَانَ أعجَبَا وقالت الوسطى: وَمَا زَارَني في النّوْم إلاّ خَيَالُهُ، ... فقلتُ لهُ: أهلاً وَسَهلاً وَمَرْحَبَا وقالت الصغرى: بِنَفسِي وَأهلي مَنْ أرَى كُلَّ لَيْلَةٍ ... ضَجيعي، وَرَيّاهُ مِنَ المِسكِ أطيَبَا وفي اسفل الكتاب مكتوب: رحم الله امرأً نظر في كتابنا، وقضى بالحق بيننا، ولم يجر في القضية. قال: فأخذ الكتاب فتىً، فكتب في أسفله: أُحَدّثُ عَنْ حُورٍ تَحَدّثنَ مَرّةً، ... حديثَ امرِئٍ سَاسَ الأمورَ وَجَرّبَا ثَلاثٍ كَبَكْرَاتِ الهِجَانِ عَطابلٍ، ... نَوَاعِمَ يَغلِبنَ اللّبِيبَ المُشَبِّبَا

стр. 445

خَلَوْنَ، وقد غابَتْ عُيُونٌ كَثيرَةٌ، ... مِنَ اللاّءِ قَد يَهوَينَ أنْ يَتَغَيَّبَا فَبُحنَ بمَا يُخفِينَ من لاعجِ الهَوَى، ... معاً، واتّخّذنَ الشّعرَ مَلهىً وَمَلعَبا عَجبتُ له إذ زَارَ في النّوْمِ مضجعي، ... ولَوْ زَارَني مُستَيقظاً كَانَ أعْجَبَا عمر وجميل وبثينة أخبرنا محمد بن الحسين، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي، حدثنا أحمد بن يحيى عن أبي عبد الله القرشي قال: خرج عمر بن أبي ربيعة إلى الجباب، حتى إذا كان بالجباب لقيه جميل بن معمر، فاستنشده عمر بن أبي ربيعة، فأنشده كلمته التي يقول فيها: خَلِيليّ في ما عِشتُما هَلْ رَأيتُما ... قَتيلاً بكَى من حبّ قاتِلِهِ قَبلي ثم استنشده جميل، فأنشده قافيته التي أولها: عَرَفتُ مَصيفَ الحَيّ وَالمُترَبَّعَا حتى بلغ إلى قوله: وَقَرّبنَ أسبَابَ الهَوَى لمُتَيَّمٍ ... يَقيسُ ذرَاعاً قِسنَ إصْبَعَا فصاح جميل واستحيا، وقال: لا والله ما أحسن أن أقول مثل هذا. فقال له عمر: اذهب بنا إلى بثينة لنتحدث عندها؟ فقال له: إن الأمير قد أهدر دمي متى جئتها، قال: دلني علي أبياتها؟! فدله، ومضى حتى وقف على الأبيات، وتأنس، وتعرف، ثم قال: يا جارية أنا عمر بن أبي ربيعة، فأعلمي بثينة مكاني! فأعلمتها، فخرجت إليه فقالت: لا والله يا عمر! ما أنا من نسائك اللاتي تزعم أن قد قتلهن الوجد بك. قال:

стр. 446

وإذا امرأة طوالة أدماء حسناء، فقال لها عمر: فأين قول جميل: وَهُما قالَتا: لَو أنّ جَميلاً ... عَرَضَ اليَوْمَ نَظرَةً فَرَآنَا نَظَرَتْ نَحوَ تِرْبِها ثمّ قالَتْ: ... قَد أتَانَا، ومَا عَلِمنَا، مُنَانَا بَينَمَا ذاكَ مِنهُمَا رَأتَاني ... أُعمِلُ النّصّ سَيرَةً زَفَيَانَا فقالت له: لو استمد جميل منك ما أفلح، وقد قيل: اشدد البعير مع الفرس إن تعلم جرأته وإلا تعلم من خلقه. العجوز وبنتها الجميلة أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي التوزي، حدثنا أبو القاسم إسماعيل بن سعيد بن سويد المعدل، حدثنا علي أبو الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا أبو أمية الغلابي، أخبرني محمد بن أفلح السدوسي، أخبرني سوادة بن الحسين قال: خرجت أنا وصاحب لي نبغي ضالةً لنا، فألجأنا الحر إلى أخبية، فدنونا من خباء منها، فإذا عجوز بفنائه، فسلمنا، فردت السلام، ثم جلسنا نتناشد الأشعار. فقالت العجوز: هل فيكم من يروي لذي الرمة شيئاً؟ قلنا: نعم! قالت: قاتله الله حيث يقول: وَما زَالَ يَنمي حبُّ مَيّةَ عِندنَا ... وَيَزْدادُ حتى لم نَجِدْ مَا يَزِيدُها ثم ولت، واطلعت علينا من الخباء بهكنة كأنها شقة قمر، فقالت: إنها والله ما قالت شيئاً وإن أشعر منه الذي يقول: وَرَخْصَةِ الأطرَافِ مَمكُورَةٍ ... تَحسَبُها مِنْ حُسنِها لُؤلُؤهْ

стр. 447

كَأنّهَا بَيْضَةُ أُدْحِيّةٍ، ... أرْخَى عَلَيها هِقْلُها جُؤْجُؤْهْ قال: فأقبلت على صاحبي متعحباً من حالها، فقالت: مم تعجب؟ فقلت: من جمالك. قالت: فوالله لو رأيت بنيةً لي رأيت ما لم يخطر على قلبك من حسن امرأة. قلت: فأرينيها! قالت: إنه يقبح ذلك. قلت: إنما نريد أن نستتم الحديث، ولعلنا أن لا نلتقي أبداً. قال: فأشارت إلى جانب الخباء، فسفرت منه جارية كأنها الشمس، فبهتنا ننظر إليها ثم أسبلت الستر، فكان آخر العهد بها. أحيا الناس جميعاً أنبأنا الشيخ الصالح أبو طالب محمد بن علي بن الفتح، أخبرنا أبو الحسين محمد ابن أخي ميمي، حدثنا جعفر الخالدي، حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق، حدثنا محمد الحسين البرجلاني، حدثني أشرس بن النعمان، حدثني الجزري، حدثني موسى بن علقمة المكي قال: كان عندنا ههنا بمكة نخاس، وكانت له جارية، وكان يوصف من جمالها وكمالها أمر عجيب، وكان يخرجها أيام الموسم، فتبذل فيها الرغائب، فيمتنع من بيعها، ويطلب الزيادة في ثمنها، فما زال كذلك حينا، وتسامع بها أهل الأمصار، فكانوا يحجون عمداً للنظر إليها. قال: وكان عندنا فتىً من النساك قد نزع إلينا من بلده، وكان مجاوراً عندنا، فرأى الجارية يوماً، في أيام العرض لها، فوقعت في نفسه، وكان يجيء أيام العرض، فينظر إليها، وينصرف. فلما حجبت أحزنه ذلك، وأمرضه مرضاً شديداً، فجعل يذوب جسمه، وينحل، واعتزل الناس، فكان يقاسي البلاء طول السنة إلى أيام الموسم، فإذا خرجت الجارية

стр. 448

إلى العرض خرج فنظر إليها فسكن ما به، حتى تحجب. فبقي على ذلك سنين، ينحل ويذبل، وصار الخلال من شدة الوله وطول السقم. قال: فدخلت عليه يوماً، ولم أزل به، وألح عليه، إلى أن حدثني بحديثه، وما يقاسيه، وسأل أن لا أذيع عليه ذلك، ولا يسمع به أحد، فرحمته لما يقاسي، وما صار إليه، فدخلت إلى مولى الجارية، ولم أزل أحادثه، إلى أن خرجت إليه بحديث الفتى، وما يقاسي، وما صار إليه، وأنه على حالة الموت، فقال: قم بنا إليه حتى أشاهده وأنظر حاله. فقمنا جميعاً فدخلنا عليه، فلما دخل مولى الجارية ورآه وشاهده، وشاهد ما هو عليه لم يتمالك أن رجع إلى داره، فأخرج ثياباً حسنة سرية، وقال: أصلحوا فلانة، ولبسوها هذه الثياب، واصنعوا بها ما تصنعون لها أيام الموسم، ففعلوا بها ذلك، فأخذ بيدها، وأخرجها إلى السوق، ونادى في الناس، فاجتمعوا، فقال: معاشر الناس! اشهدوا أني قد وهبت جاريتي فلانة لهذا وما عليها ابتغاء ما عند الله. ثم قال للفتى: تسلم هذه الجارية فهي هدية مني إليك بما عليها، فجعل الناس يعذلونه ويقولون: ويحك! ما صنعت؟ قد بذل لك فيها الرغائب، فلم تبعها، ووهبتها لهذا؟ فقال: إليكم عني، فإني قد أحييت كل من على وجه الأرض، قال الله تعالى: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ". تضحية محمودة حدثنا الخطيب بدمشق، أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن يعقوب الضبي، سمعت أمي تقول، سمعت مريم امرأة أبي عثمان تقول: صادفت من أبي عثمان خلوةً، فاغتنمتها، فقلت: يا أبا عثمان! أي عملك أرجى عندك؟ فقال: يا مريم! لما ترعرعت، وأنا بالري،

стр. 449

وكانوا يريدونني على التزويج، فأمتنع، جاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان! قد أحببتك حباً ذهب بنومي وقراري، وأنا أسألك بمقلب القلوب، وأتوسل إليك به أن تتزوج بي. قلت: ألك والد؟ قالت: نعم، فلان الخياط، في موضع كذا وكذا، فراسلت أباها أن يزوجها إياي، ففرح بذلك وأحضر الشهود، فتزوجت بها. فلما دخلت بها وجدتها عوراء عرجاء مشوهة الخلق، فقلت: اللهم لك الحمد على ما قدرته لي. فكان أهل بيتي يلومونني على ذلك، فأزيدها براً وإكراماً، إلى أن صارت بحيث لا تدعني أخرج من عندها، فتركت حضور المجلس إيثاراً لرضاها، وحفظاً لقلبها، ثم بقيت معها على هذه الحال خمس عشرة سنة، وكأني في بعض أوقاتي على الجمر، وأنا لا أبدي لها شيئاً من ذلك إلى أن ماتت، فما شيء أرجى عندي من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي. ابن داود وابن سريج والظهار أخبرنا أبو بكر الخطيب، حدثنا التنوخي، حدثنا أبي، حدثني أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن البختري القاضي الداودي، حدثني أبو الحسن عبد الله بن أحمد، حدثني أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن محمد الداودي قال: كان أبو بكر محمد بن داود وأبو العباس بن سريج، إذا حضرا مجلس القاضي أبي عمر، يعني محمد بن يوسف، لم يجر بين اثنين في ما يتفاوضان أحسن مما يجري بينهما، وكان ابن سريج كثيراً ما يتقدم أبا بكر في الحضور إلى المجلس، فتقدمه في الحضور أبو بكر يوماً، فسأله حدث من الشافعين عن العود الموجب للكفارة في الظهار ما هو؟ فقال: إنه إعادة القول ثانياً، وهو مذهبه، ومذهب داود، فطالبه بالدليل، فشرع فيه،

стр. 450

ودخل ابن سريج، فاستشرحهم ما جرى، فشرحوه، فقال ابن سريج لابن داود: أولاً يا أبا بكر أعزك الله! هذا قول، مَن من المسلمين تقدمكم فيه؟ فاستشاط أبو بكر من ذلك، وقال: أتقدر أنّ من اعتقدت أن قولهم إجماع في هذه المسألة، إجماع عندي؟ أحسن أحوالهم أن أعدهم خلافاً، وهيهات أن يكونوا كذلك. فغضب ابن سريج وقال له: أنت يا أبا بكر بكتاب الزهرة أمهر منك في هذه الطريقة. فقال أبو بكر: وبكتاب الزهرة تعيرني! والله ما تحسن تستتم قراءته قراءة من يفهم، وإنه من أحد المناقب إذ كنت أقول فيه: أُكَرّرُ في رَوْضِ المَحَاسنِ مُقلَتي، ... وَأمنَعُ نَفسِي أنْ تَنَالَ المُحَرَّمَا رَأيتُ الهَوَى دَعوَى من الناس كلّهم، ... فَمَا إنْ أرَى حُبّاً صَحِيحاً مُسلَّمَا وَيَنطِقٌ سِرّي عَن مُتَرْجَمِ خاطرِي، ... فَلَوْلا اختِلاسٌ رَدَّهُ لَتَكَلّمَا ؟ يكتب إلى روحه أخبرنا الأزجي، حدثنا علي بن عبد الله: كتب الحسين بن منصور إلى أخبرنا بن عطاء: أطال الله لي حياتك، وأعدمني وفاتك، على ما أحسن ما جرى به قدر، أو نطق به خبر، مع ما أنّ لك في قلبي من لواعج أسرار محبتك، وأفانين ذخائر مودتك، ما لا يترجمه كتاب، ولا يحصيه حساب، ولا يفنيه عتاب، وفي ذلك أقول: كَتَبتُ، وَلَمْ أكتُبْ إلَيكَ، وَإنّمَا ... كَتَبتُ إلى رُوحي بِغَيرِ كِتابِ وَذلكَ أنّ الرّوحَ لا فَرْقَ بَينَها ... وَبَينَ محبّيها بِفَضْلِ خِطابِ فكلُّ كِتَابٍ صَادِرٍ مِنكَ وَارِدٌ ... إلَيكَ، بِلا رَدّ الجَوَابِ، حَوَابي

стр. 451

الفتى الحاج والجارية المكية وجدت بخط أبي عمر بن حيويه يقول: حدثنا أبو بكر محمد بن المرزبان، أخبرني أبو جعفر أحمد بن الحارث، حدثنا أبو الحسن المدايني عن بعض رجاله قال: حج ابن أبي العنبس الثقفي، فجاور، ومعه ابن ابنه، وإلى جانبهم قوم من آل أبي الحكم مجاورون، وكان الفتى يجلس مجلساً يشرف منه على جارية، فعشقها، فأرسل إليها، فأجابته، فكان يأتيها يتحدث إليها. فلما أراد جده الرحيل جعل الفتى يبكي، فقال له جده: ما يبكيك يا بني، لعلك ذكرت مصر؟ وكانوا من أهل مصر. فقال: نعم! وأنشأ يقول: يُسائِلُني، غَداةَ البَينِ، جَدّي، ... وَقَد بَلّتْ دُمُوعُ العَينِ نَحرِي: أمِنْ جَزَعٍ بكَيتَ، ذكَرْتَ مصراً؟ ... فقلتُ: نعم! وَما بي ذكرُ مصرِ وَلَكِنْ للّتي خَلّفتُ خَلْفي، ... بكَتْ عَيني، وَقَلّ اليَوْمَ صَبرِي فَمن ذا إن هَلَكتُ وَحانَ يَوْمي ... يُخَبّرُ وَالِدي دَائي وَأمرِي فَيَحفظَ أهلُ مَكّةَ في هَوَائي، ... وَإنْ كانوا أتوا قَتلي وَضُرّي قال: وارتحلوا، فلما خرجوا عن أبيات مكة أنشأ يقول: رَحَلُوا، وكُلّهُمْ يَحِنّ صَبَابَةً ... شَوْقاً إلى مِصْرَ، وَدَارِي بالحَرَمْ لَيتَ الرّكابَ، غداةَ حَانَ فرَاقُنا، ... كانتْ لحوماً قُسّمَتْ فوْق الوَضَمْ رَاحُوا سِرَاعاً يُعملِونَ مَطِيّهم ... قُدُماً، وَبتّ مِنَ الصّبابَةِ لم أنمْ طُوبى لهُمْ يَبغونَ قَصْدَ سَبيلهمْ، ... وَالقَلبُ مُرْتهنٌ ببَيتِ أبي الحَكَمْ ثم إن الفتى اعتل، واشتدت علته، فلما وردوا أطراف الشام

стр. 452

مات فدفنه جده، ووجد عليه وجداً شديداً، وقال يرثيه: يَا صَاحِبَ القَبرِ الغَرِيبِ ... بالشّامِ من طَرفِ الكَثيبِ بالشِّعبِ بَينَ صَفَائِحٍ ... صُمٍّ تُرَصَّفُ بالجُنُوبِ مَا إنْ سَمعتُ أنينَهُ، ... وَنِدَاءَهُ عِنْدَ المَغيبِ أقبَلْتُ أطْلُبُ طِبَّهُ، ... وَالمَوْتُ يَعْضُلَ بالطَّبيبِ وَاللّيلُ مُنْسَدِلُ الدّجَى، ... وَحشُ الجِنابِ من الغُرُوبِ هَاجَتْ لِذَلِكَ لَوْعَةٌ ... في الصّدْرِ ظَاهرَةُ الدبيبِ عاشق أخت زوجته ذكر أبو عمر محمد بن العباس، ونقلته من خطه، أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف المحولي، أخبرني أبو بكر العامري، أخبرني رياح بن قطب بن زيد الأسدي ابن أخت قريبة أم البهلول ابنة أباق الدبيرية الأسدية أخت الركاض بن أباق الدبيري الشاعر عن قريبة قالت: كان لعبد المخبل وهو كعب بن مالك؛ وقال غير قريبة: هو كعب بن عبد الله من بني لأي بن شاس بن أنف الناقة وهو من أهل الحجاز؛ ابنة عم له يقال لها أم عمرو، وكانت أحب الناس إليه، فخلا بها ذات يوم، فنظر إليها وهي واضعة ثيابها فقال لها: يا أم عمرو! هل ترين أن أحداً من النساء أحسن منك؟ قالت: نعم! أختي ميلاء أحسن مني. قال: فكيف لي بأن ترينيها؟ قالت: إن علمت بك لم تخرج إليك. ولكن تختبئ في الستر، وأبعث إليها. قال: ففعلت، وأرسلت إليها، وهو في الستر، وجاءت ميلاء، فلما نظر إليها عشقها وترك أختها امرأته، وعارضها من مكان لا تحتسبه، فشكا إليها حبها، وأعلمها أنه قد رآها. فقالت: والله يا ابن عم! ما

стр. 453

وجدت بي من شيء، إلا قد وجدت منك مثله، وظنت أم عمرو امرأته أنه قد عشق أختها فتبعتهما، وهما لا يدريان، حتى رأتهما قاعدين جميعاً، فمضت تقصد إخوتها، وكانوا سبعةً، فقالت: إما أن تزوجوا كعباً ميلاء، وإما أن تغيبوها عني. فلما بلغه أن ذلك قد بلغ إخوتها هرب، فرمى بنفسه نحو الشام وترك الحجاز. وقال وهو بالشام: أفي كُلّ يَوْمٍ أنتَ مِنْ بارِحِ الهَوَى ... إلى الشُّمّ من أعلامِ مَيلاءَ ناظِرُ فروى هذا البيت رجل من أهل الشام. ثم خرج يريد مكة فمر على أم عمرو وأختها ميلاء، وقد ضل الطريق، فسلم عليهما، وسألهما عن الطريق. فقالت أم عمرو: يا ميلاء! صفي له الطريق، فذكر الرجل لما سمعها تقول يا ميلاء: أفي كُلّ يَومِ أنتَ مِنْ بارِحِ الهَوَى ... إلى الشُّمِّ مِنْ أعلامِ مَيلاءَ نَاظِرُ فتمثل به فعرفت الشعر، فقالت: يا عبد الله! من أين أنت؟ قال: أنا رجل من أهل الشام، فقالت: فمن أين رويت هذا الشعر؟ قال: رويته عن أعرابي بالشام. قالت: أو تدري ما اسمه؟ قال: اسمه كعب. قال: فأقسمتا عليه أن لا يبرح حتى يراك إخوتنا، فيكرموك، ويدلوك على الطريق، فقد أنعمت علينا. فقال: إني لأروي له شعراً آخر، فما أدري أتعرفانه أم لا؟ فقالتا: نسألك بالله إلا أسمعتنا إياه؟ قال: سمعته يقول: خَلِيليَّ! قد رُزْتُ الأمورَ وَقِستُهَا، ... بِنَفسِي وَبالفِتيَانِ كُلَّ مَكَانِ فَلَمْ أُخفِ يَوْماً للرّفِيقِ وَلمْ أجِدْ ... خَلِيّاً وَلا ذا البَثّ يَستَوِيَانِ مِنَ النّاسِ إنسَانانِ، دَيني عَلَيهما، ... مَلِيّانِ لَوْلا النّاسُ قَدْ قَضَيَانِي مَنُوعَانِ، ظَلاّمانِ، مَا يُنصِفَانِني، ... بدَلَّيهِما وَالحُسنِ قَدْ خَلَبَاني

стр. 454

يُطِيلانِ حَتى يَحسَبَ النّاسُ أنّني ... قُضِيتُ، وَلا وَاللهِ مَا قَضَيَاني خَلِيليّ، أمّا أُمُّ عَمرو فَمِنهُمَا، ... وَأمّا عَنِ الأخرَى، فَلا تَسلاني بُلِينا بِهِجرانٍ، وَلَمْ يُرَ مِثْلُنا ... مِنَ النّاسِ إنسَانَانِ يَهتَجِرَانِ أشَدَّ مُصافاةً وَأبْعَدَ مِنْ قِلىً، ... وَأعصَى لِوَاشٍ حِينَ يُكْتَنَفَانِ يُبَيّنُ طَرْفَانَا الذّي في نُفُوسِنا، ... إذا استُعجِمَتْ بالمَنطِقِ الشّفَتَانِ فَوَاللهِ مَا أدرِي أكُلُّ ذَوِي الهَوَى ... عَلى شَكلِنَا، أمْ نَحنُ مُبتَلَيَانِ فَلا تَعجَبا مِمّا بيَ اليَوْمَ مِنْ هَوَىً، ... فَفي كُلّ يَوْمٍ مِثْلُ مَا تَرَيَانِ خَلِيليّ! عَن أيّ الذي كانَ بَيننَا ... مِنَ الوَصْلِ أوْ ماضِي الهَوَى تَسَلانِ وكُنّا كَرِيمَيْ مَعشَرٍ حُمّ بَينَنَا ... هَوىً، فَحِفظنَاهُ بِحُسْنِ صِيَانِ نَذودُ النفوسَ الحَائماتِ عَنِ الهَوَى ... وَهُنّ بأعنَاقٍ إلَيْهِ ثَوَانِ سَلاهُ بأُمّ العَمرِ مِنهُ، فَقَدْ بَرَا ... بِهِ السّقمُ لا يَخفَى وَطولُ ضَمانِ فَما زَادَنا بُعدَ المَدى نَقضُ مَرّةٍ، ... وَلا رَجَعَا مِنْ عِلْمِنا بِبَيَانِ خَلِيليّ! لا وَاللهِ مَا لي بالّذي ... تُرِيدانِ مِنْ هَجرِ الصّدِيقِ يَدَانِ وَلا ليَ بالهَجرِ اعتِلاءٌ، إذا بَدَا ... كَمَا أنْتُمَا بالبَينِ مُعتَلَيَانِ قال: فنزل الرجل وحط رحله حتى جاءت إخوتهما فأخبرتاهم الخبر، وكانتا مهتمتين بكعب، وذلك أنه كان ابن عمهم، وكان ظريفاً شاعراً، فأكرموا الرجل ودلوه على الطريق، وخرجوا، فطلبوا كعباً بالشام، فوجدوه، فأقبلوا به، حتى إذا صار إلى بلدهم نزل كعب في بيت ناحيةً من الحي، فرأى ناساً قد اجتمعوا عند البيوت، فقال كعب لغلام قائم، وكان قد ترك بنياً له صغيراً: يا غلام من أبوك؟ قال: أبي كعب. قال: فعلام يجتمع هذا الناس؟ وأحس فؤاد كعب بشر. قال: يجتمعون على

стр. 455

خالتي ميلاء، ماتت الساعة. قال: فزفر زفرةً حر منها ميتاً، فدفن إلى جانب قبرها. يقتل حبيبته وينتحر ذكر أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، ونقلته من خطه، حدثنا أبو بكر محمد بن خلف المحولي، حدثنا العمري عن الهيثم عن ابن عياش ولقيط بن بكير قال: وحدثنا أحمد بن الحارث الخزاز، حدثنا أبو الحسن المدايني، حدثني هشام بن الكلبي عن أبي مسكين قال: خرج ناس من بني حنيفة يتنزهون فبصر فتىً منهم بجارية فعشقها، فقال لأصحابه: انصرفوا حتى أقيم وأرسل إليها، فطلبوا إليه أن يكف، وأن ينصرف، فأبى، وانصرف القوم، وجعل يراسل الجارية حتى وقع في نفسها، فأقبل في ليلة إضحيان متقلداً قوساً، والجارية نائمة بين إخوتها، فأيقظها، فقالت: يا فاسق انصرف وإلا، والله أيقظت إخوتي، فقاموا إليك، فقتلوك، فقال: والله للموت أهون علي مما أنا فيه، ولكن أعطيني يدك أضعها على فؤادي وأنصرف، فأعطته يدها، فوضعها على فؤاده وصدره، ثم انصرف. فلما كانت الليلة القابلة أتاها، وهي في مثل حالها، فأيقظها، فقالت: له مثل مقالتها الأولى، ورد هو عليها مثل قولها، وقال: لك الله علي إن أمكنتني من شفتيك أرتشفهما أن أنصرف، ثم لا أعود إليك، فأمكنته من شفتيها ثم انصرف، ووقع في نفسها مثل النار، ونذر به الحي، فقالوا: ما لهذا الفاسق في هذا الحي ذاهباً وجائياً؟ انهضوا بنا حتى نخرجه. فأرسلت إليه أن القوم يأتونك الليلة، فالحذر، فلما أمسى خرج ناحيةً عن الحي، فقعد على مرقب له ومعه قوسه وأسهمه، وكان أحد الرماة،

стр. 456

وأصاب الحي من النهار مطر، فلهوا عنه، فلما كان في آخر الليل ذهب السحاب، وطلع القمر، فخرجت تريده، وقد أصابها الندى، فنشرت شعرها، وكانت معها جارية من الحي، فقالت: هل لك في عباس، وهو اسمه، فخرجتا تمشيان، فنظر إليهما، وهو على المرقب، فظن أنهما ممن يطلبه، فرمى بسهمه فما أخطأ قلب الجارية، ففلقه، وصاحت الجارية التي كانت معها، وانحدر من المرقب الذي كان عليه، فإذا هو بالجارية متضمخة بدمها، فقال عند ذلك، وهو يبكي: نَعَبَ الغُرَابُ بِما كَرِهْ ... تُ وَلا إزَالَةَ للقَدَرْ تَبكي، وَأنتَ قَتَلتَهَا، ... فَاصْبِرْ، وَإلا فانْتَحِرْ قال: ثم وجأ نفسه بمشاقصه، حتى مات. وجاء الحي فوجدوهما ميتين، فدفنوهما في قبر واحد. ؟ المأمون وذات القلم أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني، حدثنا محمد بن عبد الله البصري، حدثنا الغلابي محمد بن زكريا، حدثنا مهدي بن سابق قال: رأى المأمون في يد جارية له قلماً، وكان ذا شغف بها، واسمها منصف، فقال: أرَاني مَنَحتُ الحُبّ مَن لَيسَ يعرِفُ ... فمَا أنصَفتَني في المَحَبّةِ مُنصِفُ وَزَادَتْ لَدَينا حُظوَةً يَوْمَ أعرَضَتْ ... وَفي إصْبعَيها أسمَرُ اللّوْنِِ أهيَفُ أصَمُّ، سَميعٌ، سَاكِنٌ، مُتَحَرّكٌ، ... يَنالُ جَسِيماتِ العُلى، وَهوَ أعجَفُ عَجبتُ لَهُ أنَّى، وَدَهرُكِ مُعجِبٌ، ... يُقَوِّمُ تَحريفَ العِبَادِ مُحَرَّفُ

стр. 457

ميت الحب شهيد قال الجوهري: وأنشدني محمد بن محمد الصائغ: سأكتُمُ ما ألقَاهُ، يا فَوْزَ، نَاظِرِي، ... من الوَجدِ كَيلا يَذهَبَ الأجرُ باطِلا فَقَدْ جاءَنا عَن سَيّدِ الخَلقِ أحمدٍ، ... وَمَن كانَ بَرّاً بالعِبَادِ وَوَاصِلا بأنْ من يَمُتْ في الحُبِّ يكتمُ وَجدَهُ، ... يَمُوتُ شَهيداً في الفَرَاديسِ نَازِلا رَوَاهُ سُوَيدٌ عَنْ عليّ بنِ مُسهَرٍ، ... فَما فيه من شَكٍّ لمَنْ كانَ عَاقِلا وَمَاذا كَثيرٌ للّذي بَاتَ مُفرَداً، ... سَقِيماً، عَليلاً، بالهَوَى مُتَشَاغِلا عصيان العذال سنة ولي من أثناء قصيدة مدحت بها ببغداد: وَحَوْراءَ غَدَتْ باللّحْ ... ظِ للعُشّاقِ قَتّالَهْ فكَمْ من قَائِلٍ حينَ ... رآهَا، وَهيَ مُختالَهْ أفي أجفَانِها المَرْضَى ... مِنَ القَارَةِ نَبّالَهْ بَدَتْ مَا بَينَ أترَابٍ ... لَهَا كَالبَدرِ في الهَالَهْ عَلَيهَا من ثِيَابِ الصَّوْ ... نِ مَا تَسْحَبُ أذْيَالَهْ أيَا ظَبيَةَ بَطنِ الخَيْ ... فِ! ضَيفٌ رَامَ إنزَالَهْ قِرَاهُ قُبْلَةٌ، فَالبَيْ ... نُ قَدْ قَرّبَ أحمَالَهْ

стр. 458

فَكَمْ لاحٍ عَلى حُبِّي ... كِ لمْ أُصْغِ لِمَا قَالَهْ وَمِنْ سُنّةِ مَنْ يَعْشَ ... قُ أنْ يَعصِيَ عُذّالَهْ عمر والمرأة المتلعجة أخبرنا محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا أبو بكر بن الأنباري، حدثني أبي، حدثنا أحمد بن الربيع الخزاز، حدثني يونس بن بكير الشيباني، حدثني أبو إسحق عن السائب بن جبير مولى ابن عباس، وكان قد أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: ما زلت أسمع حديث عمر بن الخطاب، ﵁، أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيراً، إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة عليها بابها، وهي تقول: تَطَاولَ هذا اللّيلُ تَسرِي كَوَاكِبُهْ ... وأَرّقَنِي أنْ لا ضَجيعَ أُلاعِبُهْ أُلاعِبُهُ طَوْراً، وطَوْراً كَأنّما ... بَدَا قَمَراً في ظُلْمَةِ اللّيلِ حَاجِبُهْ يُسَرُّ بِهِ مَنْ كَانَ يَلهُو بِقُرْبِهِ، ... لَطيفُ الحَشَا لا تَحتَوِيهِ أقَارِبُهْ فَوَاللهِ، لَوْلا اللهُ لا شَيءَ غَيرَهُ، ... لَنُقّضَ مِنْ هذا السّرِيرِ جَوَانِبُهْ وَلَكِنِنّي أخشَى رَقيباً مُوَكَّلاً ... بأنْفُسِنا لا يَفترُ، الدّهرَ، كَاتِبُهْ ثم تنفست الصعداء، وقالت: لهان على عمر بن الخطاب وحشتي، وغيبة زوجي عني، وعمر واقف يستمع قولها، فقال لها: يرحمك الله، يرحمك الله! ثم وجه إليها بكسوة ونفقة، وكتب في أن يقدم عليها زوجها.

стр. 459

سادلة البرقع أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ، أخبرنا أبو نعيم الحافظ الأصبهاني بأصفهان، حدثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي، حدثنا محمد بن علي بن حرب المروزي، أخبرنا أبو الفتح عبد الواحد بن الحسين بن شيطا المقري، رحمه الله تعالى، حدثنا أبو القاسم إسماعيل بن سويد، حدثنا الكوكبي، أخبرنا أبو العيناء، أخبرني الجماز عن الأصمعي قال: نظر أعرابي إلى أعرابية عليها برقع، فقال لها: ارفعي البرقع أنظر نظرةً! فقالت: لا والله، دون أن يبيضّ القار، فأنشأ يقول: هَلِ القَارُ مُبَيضٌّ فأنظُرَ نَظرَةً ... إلى وَجهِ لَيلى، أوْ تَقضّى نُذورُهَا ميعاد السلو أخبرنا محمد بن الحسين، أخبرنا المعافى بن زكريا، حدثنا ابن دريد، حدثنا عبد الرحمن عن عمه، سمعت جعفر بن سليمان يقول: ما سمعت بأشعر مر القائل: إذا رُمتُ عَنها سَلوَةً قالَ شافعٌ ... منَ الحُبّ: ميعادُ السّلُوّ المَقَابرُ فقلت: أشعر منه الأحوص حيث يقول: سَيبقَى لها في مُضْمَرِ القَلبِ وَالحَشا ... سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبلى السّرَائر

стр. 460

رجل في ثوب امرأة أنبأنا محمد بن الحسين الجازري، حدثنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا، حدثنا الحسين ابن القاسم الكوكبي، حدثنا عبد الله بن محمد القرشي، حدثنا محمد بن صالح الحسني، حدثني أبي عن نمير بن قحيف الهلالي قال: كان في بني هلال فتىً يقال له بشر، ويعرف بالأشتر، وكان سيداً حسن الوجه، شديد القلب، سخي النفس، وكان معجباً بجارية من قومه تسمى جيداء، وكانت الجارية بارعةً، فاشتهر أمره وأمرها ووقع الشر بينه وبين أهلها، حتى قتلت بينهم القتلى، وكثرت الجراحات، ثم افترقوا على أن لا ينزل أحد منهم بقرب الآخر. فلما طال على الأشتر البلاء والهجر جاءني ذات يوم، فقال يا نمير! هل فيك من خيرٍ؟ قلت: عندي كل ما أحببت. قال: أسعدني على زيارة جيداء، فقد ذهب الشوق إليها بروحي، وتنغصت علي حياتي، قلت: بالحب والكرامة، فانهض إذا شئت. فركب وركبت معه، فسرنا يومنا وليلتنا، حتى إذا كان قريباً من مغرب الشمس نظرنا إلى منازلهم، ودخلنا شعباً خفياً، فأنخنا راحلتينا، وجلين، فجلس هو عند الراحلتين، وقال: يا نمير! اذهب، بأبي أنت وأمي، فادخل الحي واذكر لمن لقيك أنك طالب ضالةً، ولا تعرض بذكري بين شفةٍ ولسان، فإن لقيت جاريتها فلانة الراعية، فأقرئها مني السلام، وسلها عن الخبر، وأعلمها بمكاني. فخرجت لا أعذر في أمري حتى لقيت الجارية فأبلغتها الرسالة، وأعلمتها بمكانه، وسألتها عن الخبر، فقالت: بلى، والله، مشدد عليها، متحفظ منها، وعلى ذلك فموعدكما الليلة عند تلك الشجرات اللواتي عند أعقاب البيوت.
следующие страницы →