Полный текст (611 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وأصاب الحي من النهار مطر، فلهوا عنه، فلما كان في آخر الليل ذهب السحاب، وطلع القمر، فخرجت تريده، وقد أصابها الندى، فنشرت شعرها، وكانت معها جارية من الحي، فقالت: هل لك في عباس، وهو اسمه، فخرجتا تمشيان، فنظر إليهما، وهو على المرقب، فظن أنهما ممن يطلبه، فرمى بسهمه فما أخطأ قلب الجارية، ففلقه، وصاحت الجارية التي كانت معها، وانحدر من المرقب الذي كان عليه، فإذا هو بالجارية متضمخة بدمها، فقال عند ذلك، وهو يبكي:
نَعَبَ الغُرَابُ بِما كَرِهْ ... تُ وَلا إزَالَةَ للقَدَرْ
تَبكي، وَأنتَ قَتَلتَهَا، ... فَاصْبِرْ، وَإلا فانْتَحِرْ
قال: ثم وجأ نفسه بمشاقصه، حتى مات. وجاء الحي فوجدوهما ميتين، فدفنوهما في قبر واحد.
؟
المأمون وذات القلم
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني، حدثنا محمد بن عبد الله البصري، حدثنا الغلابي محمد بن زكريا، حدثنا مهدي بن سابق قال: رأى المأمون في يد جارية له قلماً، وكان ذا شغف بها، واسمها منصف، فقال:
أرَاني مَنَحتُ الحُبّ مَن لَيسَ يعرِفُ ... فمَا أنصَفتَني في المَحَبّةِ مُنصِفُ
وَزَادَتْ لَدَينا حُظوَةً يَوْمَ أعرَضَتْ ... وَفي إصْبعَيها أسمَرُ اللّوْنِِ أهيَفُ
أصَمُّ، سَميعٌ، سَاكِنٌ، مُتَحَرّكٌ، ... يَنالُ جَسِيماتِ العُلى، وَهوَ أعجَفُ
عَجبتُ لَهُ أنَّى، وَدَهرُكِ مُعجِبٌ، ... يُقَوِّمُ تَحريفَ العِبَادِ مُحَرَّفُ
стр. 457
ميت الحب شهيد
قال الجوهري: وأنشدني محمد بن محمد الصائغ:
سأكتُمُ ما ألقَاهُ، يا فَوْزَ، نَاظِرِي، ... من الوَجدِ كَيلا يَذهَبَ الأجرُ باطِلا
فَقَدْ جاءَنا عَن سَيّدِ الخَلقِ أحمدٍ، ... وَمَن كانَ بَرّاً بالعِبَادِ وَوَاصِلا
بأنْ من يَمُتْ في الحُبِّ يكتمُ وَجدَهُ، ... يَمُوتُ شَهيداً في الفَرَاديسِ نَازِلا
رَوَاهُ سُوَيدٌ عَنْ عليّ بنِ مُسهَرٍ، ... فَما فيه من شَكٍّ لمَنْ كانَ عَاقِلا
وَمَاذا كَثيرٌ للّذي بَاتَ مُفرَداً، ... سَقِيماً، عَليلاً، بالهَوَى مُتَشَاغِلا
عصيان العذال سنة
ولي من أثناء قصيدة مدحت بها ببغداد:
وَحَوْراءَ غَدَتْ باللّحْ ... ظِ للعُشّاقِ قَتّالَهْ
فكَمْ من قَائِلٍ حينَ ... رآهَا، وَهيَ مُختالَهْ
أفي أجفَانِها المَرْضَى ... مِنَ القَارَةِ نَبّالَهْ
بَدَتْ مَا بَينَ أترَابٍ ... لَهَا كَالبَدرِ في الهَالَهْ
عَلَيهَا من ثِيَابِ الصَّوْ ... نِ مَا تَسْحَبُ أذْيَالَهْ
أيَا ظَبيَةَ بَطنِ الخَيْ ... فِ! ضَيفٌ رَامَ إنزَالَهْ
قِرَاهُ قُبْلَةٌ، فَالبَيْ ... نُ قَدْ قَرّبَ أحمَالَهْ
стр. 458
فَكَمْ لاحٍ عَلى حُبِّي ... كِ لمْ أُصْغِ لِمَا قَالَهْ
وَمِنْ سُنّةِ مَنْ يَعْشَ ... قُ أنْ يَعصِيَ عُذّالَهْ
عمر والمرأة المتلعجة
أخبرنا محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا أبو بكر بن الأنباري، حدثني أبي، حدثنا أحمد بن الربيع الخزاز، حدثني يونس بن بكير الشيباني، حدثني أبو إسحق عن السائب بن جبير مولى ابن عباس، وكان قد أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، قال:
ما زلت أسمع حديث عمر بن الخطاب، ﵁، أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيراً، إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة عليها بابها، وهي تقول:
تَطَاولَ هذا اللّيلُ تَسرِي كَوَاكِبُهْ ... وأَرّقَنِي أنْ لا ضَجيعَ أُلاعِبُهْ
أُلاعِبُهُ طَوْراً، وطَوْراً كَأنّما ... بَدَا قَمَراً في ظُلْمَةِ اللّيلِ حَاجِبُهْ
يُسَرُّ بِهِ مَنْ كَانَ يَلهُو بِقُرْبِهِ، ... لَطيفُ الحَشَا لا تَحتَوِيهِ أقَارِبُهْ
فَوَاللهِ، لَوْلا اللهُ لا شَيءَ غَيرَهُ، ... لَنُقّضَ مِنْ هذا السّرِيرِ جَوَانِبُهْ
وَلَكِنِنّي أخشَى رَقيباً مُوَكَّلاً ... بأنْفُسِنا لا يَفترُ، الدّهرَ، كَاتِبُهْ
ثم تنفست الصعداء، وقالت: لهان على عمر بن الخطاب وحشتي، وغيبة زوجي عني، وعمر واقف يستمع قولها، فقال لها: يرحمك الله، يرحمك الله! ثم وجه إليها بكسوة ونفقة، وكتب في أن يقدم عليها زوجها.
стр. 459
سادلة البرقع
أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ، أخبرنا أبو نعيم الحافظ الأصبهاني بأصفهان، حدثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي، حدثنا محمد بن علي بن حرب المروزي، أخبرنا أبو الفتح عبد الواحد بن الحسين بن شيطا المقري، رحمه الله تعالى، حدثنا أبو القاسم إسماعيل بن سويد، حدثنا الكوكبي، أخبرنا أبو العيناء، أخبرني الجماز عن الأصمعي قال: نظر أعرابي إلى أعرابية عليها برقع، فقال لها: ارفعي البرقع أنظر نظرةً! فقالت: لا والله، دون أن يبيضّ القار، فأنشأ يقول:
هَلِ القَارُ مُبَيضٌّ فأنظُرَ نَظرَةً ... إلى وَجهِ لَيلى، أوْ تَقضّى نُذورُهَا
ميعاد السلو
أخبرنا محمد بن الحسين، أخبرنا المعافى بن زكريا، حدثنا ابن دريد، حدثنا عبد الرحمن عن عمه، سمعت جعفر بن سليمان يقول: ما سمعت بأشعر مر القائل:
إذا رُمتُ عَنها سَلوَةً قالَ شافعٌ ... منَ الحُبّ: ميعادُ السّلُوّ المَقَابرُ
فقلت: أشعر منه الأحوص حيث يقول:
سَيبقَى لها في مُضْمَرِ القَلبِ وَالحَشا ... سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبلى السّرَائر
стр. 460
رجل في ثوب امرأة
أنبأنا محمد بن الحسين الجازري، حدثنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا، حدثنا الحسين ابن القاسم الكوكبي، حدثنا عبد الله بن محمد القرشي، حدثنا محمد بن صالح الحسني، حدثني أبي عن نمير بن قحيف الهلالي قال: كان في بني هلال فتىً يقال له بشر، ويعرف بالأشتر، وكان سيداً حسن الوجه، شديد القلب، سخي النفس، وكان معجباً بجارية من قومه تسمى جيداء، وكانت الجارية بارعةً، فاشتهر أمره وأمرها ووقع الشر بينه وبين أهلها، حتى قتلت بينهم القتلى، وكثرت الجراحات، ثم افترقوا على أن لا ينزل أحد منهم بقرب الآخر.
فلما طال على الأشتر البلاء والهجر جاءني ذات يوم، فقال يا نمير! هل فيك من خيرٍ؟ قلت: عندي كل ما أحببت. قال: أسعدني على زيارة جيداء، فقد ذهب الشوق إليها بروحي، وتنغصت علي حياتي، قلت: بالحب والكرامة، فانهض إذا شئت.
فركب وركبت معه، فسرنا يومنا وليلتنا، حتى إذا كان قريباً من مغرب الشمس نظرنا إلى منازلهم، ودخلنا شعباً خفياً، فأنخنا راحلتينا، وجلين، فجلس هو عند الراحلتين، وقال: يا نمير! اذهب، بأبي أنت وأمي، فادخل الحي واذكر لمن لقيك أنك طالب ضالةً، ولا تعرض بذكري بين شفةٍ ولسان، فإن لقيت جاريتها فلانة الراعية، فأقرئها مني السلام، وسلها عن الخبر، وأعلمها بمكاني.
فخرجت لا أعذر في أمري حتى لقيت الجارية فأبلغتها الرسالة، وأعلمتها بمكانه، وسألتها عن الخبر، فقالت: بلى، والله، مشدد عليها، متحفظ منها، وعلى ذلك فموعدكما الليلة عند تلك الشجرات اللواتي عند أعقاب البيوت.
стр. 461
فانصرفت إلى صاحبي، فأخبرته الخبر، ثم نهضنا نقود راحلتينا، حتى جاء الموعد، فلم نلبث إلا قليلاً إذا جيداء قد جاءت تمشي حتى دنت منا، فوثب إليها الأشتر، فصافحها وسلم عليها، وقمت مولياً عنهما، فقالا: إنا نقسم عليك إلا ما رجعت، فوالله ما بيننا ريبة، ولا قبيح نخلو به دونك. فانصرفت راجعاً إليهما حتى جلست معهما، فتحدثا ساعةً، ثم أرادت الانصراف، فقال الأشتر: أما فيك حيلة يا جيداء، فنتحدث ليلتنا، ويشكو بعضنا إلى بعض؟ قالت: والله ما إلى ذلك من سبيل إلا أن تعود إلى الشر الذي تعلم. قال لها الأشتر: لا بد من ذلك، ولا وقعت المساء على الأرض. فقالت: هل في صديقك هذا من خير أو فيه مساعدة لنا؟ قال: الخير كله. قالت: يا فتى! هل فيك من خيرٍ؟ قلت: سلي ما بدا لك، فإني منته إلى مرادك، ولو كان في ذلك ذهاب روحي.
فقامت فنزعت ثيابها، فخلعتها علي، فلبستها. ثم قالت: اذهب إلى بيتي، فادخل في خبائي، فإن زوجي سيأتيك بعد ساعة، أو ساعتين، فيطلب منك القدح ليحلب به الإبل، فلا تعطه إياه حتى يطيل طلبه، ثم ارم به رمياً، ولا تعطه إياه من يدك، فإني كذا كنت أفعل به، فيذهب فيحلب، ثم يأتيك عند فراغه من الحلب والقدح ملآن لبناً، فيقول: هاك غبوقك، فلا تأخذ منه حتى تطيل نكداً عليه، ثم خذه أو دعه حتى يضعه، ثم لست تراه حتى تصبح، إن شاء الله تعالى.
قال: فذهبت، ففعلت ما أمرتني به، حتى إذا جاء القدح الذي فيه اللبن أمرني أن آخذه فلم آخذه، حتى طال نكدي، ثم أهويت لآخذه، وأهوى ليضعه، واختلفت يدي ويده، فانكفأ القدح، واندفق ما فيه، فقال: إن هذا طماح مفرط. وضرب بيده إلى مقدم البيت فاستخرج منه سوطاً مفتولاً كمتن الثعبان المطوق، ثم دخل علي،
стр. 462
فهتك الستر عني وقبض بشعري، وأتبع ذلك السوط متني، فضربني تمام ثلاثين، ثم جاءت أمه وإخوته، وأخت له، فانتزعوني من يده، ولا والله ما أقلعوا، حتى زايلتني روحي، وهممت أن أوجره السكين، وإن كان فيه الموت.
فلما خرجوا عني، وهو معهم، شددت ستري، وقعدت كما كنت، فلم ألبث إلا قليلاً حتى دخلت أم جيداء علي تكلمني، وهي تحسبني ابنتها، فاتقيتها بالسكات والبكى، وتغطيت بثوبي دونها. فقالت: يا بنية! اتقي الله ربك ولا تعرضي لمكروه زوجك فذاك أولى بك، فأما الأشتر، فلا أشتر لك آخر الدهر.
ثم خرجت من عندي، وقالت: سأرسل إليك أختك تؤنسك، وتبيت عندك الليلة. فلبثت غير ما كثير، فإذا الجارية قد جاءت فجعلت تبكي وتدعو على من ضربني، وجعلت لا أكلمها، ثم اضطجعت إلى جانبي، فلما استمكنت منها شددت بيدي على فيها، وقلت: يا هذه! تلك أختك مع الأشتر، وقد قطع ظهري الليلة في سببها، وأنت أولى بالستر عليها، فاختاري لنفسك، ولها، فوالله لئن تكلمت بكلمة لأصيحن بجهدي حتى تكون الفضيحة شاملةً، ثم رفعت يدي عنها، فاهتزت الجارية كما تعتز القصبة من الزرع، ثم بات معي منها أملح رفيق رافقته، وأعفه وأحسنه حديثاً، فلم تزل تتحدث، وتضحك مني ومما بليت به من الضرب حتى برق النور، إذا جيداء قد دخلت علينا من آخر البيت، فلما رأتنا ارتاعت، وفزعت، وقالت: ويلك! من هذا عندك؟ قلت: أختك. قالت: وما السبب؟ قلت: هي تخبرك، ولعمر الله إنها لعالمة بما نزل بي.
وأخذت ثيابي منها، ومضيت إلى صاحبي، فركبنا، ونحن خائفان، فلما سري عنا روعنا، حدثته ما أصابني، وكشفت عن ظهري، فإذا
стр. 463
فيه ما غرس الله من ضربة إلى جانب أخرى، كل ضربة تخرج الدم وحدها. فلما رآني الأشتر قال: لقد عظمت صنيعتك ووجب شكرك، إذ خاطرت بنفسك، فبلغني الله مكافأتك.
شامة مشؤومة
أخبرنا محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا أبو بكر بن الأنباري، حدثني أبي، حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الربعي، حدثني عباد بن عبد الواحد، حدثني ابن عائشة، حدثني أبي قال:
كانت عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية عند هشام بن عبد الملك، وكانت من أجمل النساء، فدخل عليها يوماً، وعليها ثياب سود رقاق من هذه التي يلبسها النصارى يوم عيدهم، فملأته سروراً حين نظر إليها، ثم تأملها فقطّب، فقالت: ما لك يا أمير المؤمنين؟ أكرهت هذه، ألبس غيرها؟ قال: لا! ولكن رأيت هذه الشامة التي على كشحك من فوق الثياب، وبك يذبح النساء، وكانت بها شامة في ذلك الموضع، أما إنهم سينزلونك عن بغلة شهباء، يعني بني العباس، وردة، ثم يذبحونك ذبحاً. قال: وقوله يذبح بك النساء، يعني إذا كانت دولة لأهلك ذبحوا بك من نساء القوم الذين ذبحوك.
فأخذها عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس، وكان معها من الجوهر ما لا يدرى ما هو، ومعها درع يواقيت وجوهر منسوج بالذهب، فأخذ ما كان معها وخلى سبيلها. فقالت، في الظلمة: أي دابةٍ تحتي؟ قيل لها: دهماء، في الظلمة، فقالت، نجوت.
قال: فأقبلوا على عبد الله بن علي، فقالوا: ما صنعت؟ أدنى ما يكون يبعث أبو جعفر إليها، فتخبره بما أخذت منها، فيأخذه منك، اقتلها،
стр. 464
فبعث في إثرها، وأضاء الصبح، وإذا تحتها بغلة شهباء وردة، فلحقها الرسول، فقالت: مه! فقال: أمرنا بقتلك، قالت: هذا أهون علي، فنزلت فشدت درعها من تحت قدميها وكميها.
صاحب يساوي الخلافة
أخبرنا أبو علي بن محمد الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا الفضل بن العباس أبو الفضل الربعي، حدثنا إبراهيم بن عيسى الهاشمي قال: قال علويه: أمرني المأمون وأصحابي أن نغدو إليه لنصطبح، فغدوت، فلقيني عبد الله بن إسماعيل صاحب المراكب. فقال: يا أيها الرجل الظالم المتعدي! أما ترحم ولا ترق ولا تستحي من عريب؟ هي هائمة بك.
قال علويه: وكانت عريب أحسن الناس وجهاً، وأظرف الناس وأحسن غناء مني ومن صاحبي مخارق، فقلت له: مر حتى أجيء معك، فحين دخلنا قلت له: استوثق من الأبواب، فإني أعرف الناس بفضول الحجاب، فأمر بالأبواب فأغلقت ودخلت، فإذا عريب جالسة على كرسي، وبين يديها ثلاث قدور زجاج، فلما رأتني قامت إلي، فعانقتني، وقبلتني، وأخلت لسانها في فمي.
قالت: ما تشتهي تأكل؟ قلت: قدراً من هذه القدور، فأفرغت قدراً منها بيني وبينها، فأكلنا. ثم دعت بالنبيذ، فصبت رطلاً، فشربت نصفه، وسقتني نصفه، فما زلنا نشرب حتى سكرنا، ثم قالت: يا أبا الحسن! أخرجت البارحة شعراً لأبي العتاهية فاخترت منه شيئاً. قلت: ما هو؟ قالت:
وَإني لمُشتَاقٌ إلى ظِلّ صَاحِبٍ ... يَرِقُّ ويَصفُو إنْ كَدُرْتُ عَلَيهِ
стр. 465
عذيرِي من الإنسانِ! لا إنْ جَفَوتُه ... صَفَا لي، وَلا إنْ كنتُ طَوْعَ يَدَيهِ
فصيرناه مجلسنا، فقالت: بقي فيه شيء، فأصلحه! قلت: ما فيه شيء. قالت: بلى، في موضع كذا، فقلت: أنت أعلم، فصححناه جميعاً، ثم جاء الحجاب، وكسروا الباب، واستخرجت، فأدخلت على المأمون، فأقبلت أرقص من أقصى الصحن، وأصفق بيدي، وأغني الصوت، فسمع وسمعوا ما لم يعرفوه، فاستطرفوه، فقال المأمون: ادن يا علويه! فدنوت، فقال: رد الصوت! فرددته سبع مرات، فقال: أنت الذي تشتاق إلى ظل صاحب يروق ويصفو إن كدرت عليه؟ فقلت: نعم! فقال خذ مني الخلافة، وأعطني هذا الصاحب بدلها.
وسألني عن خبري، فأخبرته، فقال: قاتلها الله، فهي أجل أبزار من أبازير الدنيا.
امرأة على كتف أعرابي
أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، حدثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، حدثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا عمران بن أبي ليلى، حدثنا حبان بن علي عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: كنت أطوف مع عمر بن الخطاب حول الكعبة، وكفي في كفه، فإذا أعرابي على كتفه امرأة مثل المهاة وهو يقول:
صِرْتُ لِهَذي جَمَلاً ذَلُولا ... مُوَطّأً أتّبِعُ السّهُولا
أعدِلُها بالكَفّ أنْ تَمِيلا ... أحذَرُ أنْ تَسقُطَ أوْ تَزُولا
أرْجُو بذَاكَ نَائِلاً جَزِيلا
فقال له عمر: ما هذه المرأة التي وهبت لها حجتك يا أعرابي؟ فقال:
стр. 466
هذه امرأتي، والله، يا أمير المؤمنين، إنها مع ما ترى من صنيعتي بها، حمقاء مرغامة، أكول قمّامة، مشؤومة الهامة. قال: فما تصنع بها إذا كان هذا قولك فيها؟ قال: إنها ذات جمال، فلا تفرك، وأم صغار، فلا تترك. قال: إذاً فشأنك بها.
كيد النساء
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي التوزي، حدثنا إسماعيل بن سعيد بن سويد، حدثنا الكوكبي قال: حدثنا أحمد بن عبيد النحوي، حدثنا محمد بن زبار عن الشرقي بن قطامي قال: كان عمرو بن قمية البكري من أحب الناس إلى مرثد بن قيس بن ثعلبة، وكان يجمع بينه وبين امرأته على طعامه، وكانت إصبع قدم عمرو الوسطى والتي تليها ملصقتين، فخرج مرثد ذات يوم يضرب بالقداح، فأرسلت امرأته إلى عمرو أن عمك يدعوك، فجاءت به من وراء البيوت، فلما دخل عليها، لم يجد عنه، وأنكر شأنها، فأرادته على نفسه، فقال: لقد جئت بأمر عظيم. فقالت: أما لتفعلن أو لأسوءنك. فقال: للمساءة ما دعوتني. ثم قام فخرج، وأمرت بجفنة، فكفئت على أثر قدمه، فلما رجع مرثد وجدها متغضبة، فقال: ما شأنك؟ قالت: رجل قريب القرابة منك جاءني يسومني نفسي. قال: من هو؟ قالت: أما أنا فلا أسميه، وهذا أثر قدمه، فعرف مرثد أثر عمرو، فأعرض عنه، وعرف عمرو من أين أتي، فقال في ذلك:
لَعمرُكَ! مَا نَفسِي بِجِدّ رَشِيدَة، ... تُؤامِرُني سِرّاً لأصْرِمَ مَرْثَدَا
عَظيمُ رَمَادِ القِدرِ، لا مُتَعَبّسٌ، ... وَلا مُؤيِسٌ مِنها، إذا هُوَ أخمَدَا
стр. 467
فَقَدْ أظهَرَتْ مِنهُ بَوَائِقُ جَمّةٌ، ... وَأفرَغَ في لَوْمي مِراراً وَأصْعَدَا
عَلى غَيرِ ذَنبٍ أن أكونَ جَنَيتُهُ، ... سِوى قَوْلِ باغٍ جاهدٍ فَتَجَهّدَا
النخلة العاشقة
أخبرنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي، أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني، أخبرني محمد بن أحمد الحكيمي، حدثنا أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب قال: سمعت أبا مسلمة المنقري يقول: كان عندنا بالبصرة نخلة ذكر من حسنها وطيب رطبها. قال: ففسدت حتى شيّصت. قال: فدعا صاحبها شيخاً قديماً يعرف النخيل، فنظر إليها وإلى ما حولها من النخل، فقال: هذه عاشقة لهذا الفحل الذي بالقرب منها. قال: فلقحت منه، فعادت إلى أحسن ما كانت.
المهدي ونخلتا حلوان
وأخبرنا أحمد بن علي التوزي، أخبرنا أبو عبيد الله، أخبرنا أبو بكر الجرجاني، حدثنا الحارث بن أبي أسامة عن محمد بن أبي القيسي عن أبي سمير عبد الله بن أبي أيوب قال: لما خرج المهدي، فصار بعقبة حلوان، استطاب الموضع، فتغدى ودعا بحسنة، فقال لها: أما ترين طيب هذا الموضع، فغنيني، فأخذت محكةً كانت في يده وأوقعت بها على مخدة، وغنته:
أيَا نَخلَتَيْ وَادي بُوَانَةَ! حَبّذا، ... إذا نَامَ حُرّاسُ النّخِيلِ، جَناكُمَا
فقال: أحسنت! لقد هممت بقطع هاتين النخلتين، يعني نخلتي
стр. 468
حلوان. فقالت: أعيذك بالله أن تكون النحس. قال: وما ذاك؟ قالت: قول الشاعر فيهما:
أسعِدَانِي يَا نَخلَتَيْ حُلْوَانِ، ... وَابكِيا لي من رَيبِ هذا الزّمَانِ
وَاعْلَمَا، إنْ بَقِيتُمَا، أنّ نَحساً ... سَوْفَ يَأتِيكُما، فَتَفتَرِقَانِ
فقال: لا أقطعهما أبداً، ووكل بهما من يحفظهما.
الأشتر وجيداء
أخبرنا أبو القاسم علي بن أبي علي قراءة عليه، حدثني أبي، أخبرني أبو الفرج علي بن الحسين بن الأصفهاني، حدثني جعفر بن قدامة، حدثني أبو العيناء قال: كنت أجالس محمد بن صالح بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب، وكان حمل إلى المتوكل أسيراً، فحبسه مدة، ثم أطلقه، وكان أعرابياً فصيحاً محرماً، فحدثني قال: حدثني نمير بن قحيف الهلالي، وكان حسن الوجه حيياً، قال: كان منا فتىً يقال له بشر بن عبد الله، ويعرف بالأشتر. وكان يهوى جاريةً من قومه يقال لها جيداء، وكانت ذات زوج، وشاع خبره في حبها، فمنع منها، وضيق عليه، وذكر قصة الأشتر مع جيداء على نحو ما في الخبر الذي قبل هذا الجزء فكرهت إعادتها لأن المعنى واحد.
стр. 469
ماتت حزناً على المأمون
أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن مالك النحوي، حدثنا يحيى بن أبي حماد الموكبي عن أبيه قال: وصفت للمأمون جارية بكل ما توصف امرأة من الكمال والجمال، فبعث في شرائها، فأتي بها وقت خروجه إلى بلاد الروم، فلما هم ليلبس درعه، خطرت بباله، فأمر، فخرجت إليه، فلما نظر إليها أعجب بها وأعجبت به، فقالت: ما هذا؟ قال: أريد الخروج إلى بلاد الروم. قالت: قتلتني، والله يا سيدي، وحدرت دموعها على خدها كنظام اللؤلؤ، وأنشات تقول:
سأدعُو دَعوَةَ المُضْطَرّ رَبّاً ... يُثيبُ عَلى الدّعاءِ وَيَستَجيبُ
لَعَلّ اللهَ أن يَكفيكَ حَرْباً، ... وَيَجمعَنَا، كما تَهوَى القُلوبُ
فضمها المأمون إلى صدره، وأنشأ متمثلاً يقول:
فَيا حُسنَها إذ يَغسِلُ الدمعُ كُحلَها ... وَإذ هيَ تُذرِي الدمعَ مِنها الأنَامِلُ
صَبيحَةَ قالت في العتابِ: قَتَلتَني، ... وقتلي، بما قالت، هُنَاكَ تُحَاوِلُ
ثم قال لخادمه: يا مسرور! احتفظ بها وأكرم محلها، وأصلح لها كل ما تحتاج إليه من المقاصير والخدم والجواري إلى وقت رجوعي، فكان كما قال الأخطل:
قَوْمٌ إذا حَارَبوا شّدوا مآزِرَهُم ... دونَ النّساءِ، وَلَوْ باتَتْ بأطْهَارِ
ثم خرج، فلم يزل الخادم يتعاهدها، ويصلح ما أمر به، فاعتلت علةً شديدة أشفق عليها منها وورد نعي المأمون، فلما بلغها ذلك تنفست
стр. 470
الصعداء وتوفيت، وكان مما قالت، وهي تجود بنفسها:
إنّ الزّمَانَ سَقَانَا مِنْ مَرَارَتِهِ ... بَعدَ الحَلاوَةِ أنفَاساً وَأرْوَانَا
أبدَى لَنَا تَارَةً مِنهُ، فأضْحكَنا، ... ثمّ انثنَى تَارَةً أُخرَى، فأبكَانَا
إنّا إلى اللهِ في مَا لا يَزَالُ لَنَا، ... مِنَ القَضَاءِ، ومَن تَلوِينَ دُنيَانَا
دُنيَا نَرَاها تُرِينَا من تَصرّفِها ... مَا لا يَدُومُ مُصَافاةً وَأحزَانَا
وَنَحنُ فِيها، كَأنّا لا نُزَايلُهَا، ... للعَيشِ أحيَاؤُنَا يَبكُونَ مَوْتَانَا
القاضي المدنف
وأخبرنا الجازري، حدثنا المعافى، حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقري، حدثنا أحمد بن الصلت قال: كان حمدان البرتي على قضاء الشرقية، فقدمت امرأة طقطق الكوفي زوجها إليه، وادعت عليه مهراً أربعة آلاف درهم، فسأله القاضي عما ذكرت، فقال: أعز الله القاضي، مهرها عشرة دراهم. فقال لها البرتي: أسفري، فسفرت حتى انكشف صدرها، فلما رأى ذلك قال لطقطق: ويحك! مثل هذا الوجه يستأهل أربعة آلاف دينار ليس أربعة آلاف درهم، ثم التفت إلى كاتبه، فقال له: ما في الدنيا أحسن من هذا الشذر على هذا النحر.
فقال له طقطق: فديتك إن كانت قد وقعت في قلبك طلقتها. فقال له البرتي: تهددها بالطلاق، وقد قال الله: : " فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها "، وإن ههنا ألفاً ممن يتزوجها. فقال طقطق: فإني، والله،
стр. 471
ما قضيت وطري منها، وأنا طقطق لست بزيد. فأقبل البرتي على المرأة، فقال: يا حبيبتي! ما أدري كيف كان صبرك على مباضعة هذا البغيض، ثم أنشأ يقول:
تَرَبّصْ بها رَيبَ المَنونِ، لَعَلّهَا ... تُطَلّقُ يَوْمَاً، أوْ يموتَ حَليلُها
فقام طقطق، وتعلق به وصيف غلام البرتي، فصاح به: دعه يذهب عنا إلى سفر، ثم قال لها: إن لم يصر لك إلى ما تريدين فصيري إلى امرأة وصيف حتى تعلمني، وأضعه في الحبس.
وكتب صاحب الخبر ما كان، فعلق به البرتي، وصانعه على خمسمائة دينار على أن لا يرفع الخبر بعينه، ولكن يكتب أن عجوزاً خاصمت زوجها، فاستغاثت بالقاضي، فقال لها: ما أصنع يا حبيبتي! هو حكم ولا بد أن أقضي بالحق.
وانصرف البرتي متيماً، فما زال مدنفاً يبكي ويهيم فوق السطوح، ويقول الشعر: فكان مما يقوله:
وَاحَسرَتي عَلى مَا مَضَى، ... لَيْتَني لضمْ أعرِفِ القَضَا
أحبَبتُ أمراً وَخِفتُ اللهَ حَقّاً ... فَمَا تَمّ حَتى انقَضَى
وغير ذلك من شعر لا وزن له ولا روي إلا أنه ارعوى ورجع.
بماذا أكفر ؟
أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بصور، أنبأنا أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد الناجي الأندلسي: حدثني خالي القاضي أبو شاكر عبد الواحد بن محمد بن موهب بن محمد التجيبي لعبد الله بن الفرج الجياني، وهو أخو سعيد وأحمد ابني الفرج:
стр. 472
تَدَارَكتُ من خَطَإي نَادِمَا، ... لرُجْوَى سِوَى خالقي رَاحِمَا
فَلا رُفِعَتْ صَرْعَتي إنْ رَفَعْ ... تُ يَديَّ إلى غَيْرِ مَوْلاهُمَا
أمُوتُ وَأدْعُو إلى مَنْ يَمُو ... تُ بمَاذا أُكَفّرُ هَذَا بِمَا؟
كل يومين حجة واعتمار
وأخبرنا محمد، حدثنا المعافى، حدثنا محمد بن القاسم الأنباري، حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا مسلم بن عبد الله بن مسلم بن جندب عن أبيه قال: أنشد ابن أبي عتيق سعيد بن المسيب قول عمر بن أبي ربيعة:
أيّهَا الرّاكِبُ المُجِدُّ ابتِكَارَا، ... قَد قَضَى من تهامَةَ الأوْطَارَا
إنْ يكُنْ قَلبُك، الغداةَ، خَلِيّاً، ... فَفُؤادِي بالخَيفِ أمسَى مُعَارَا
لَيتَ ذا الدّهرَ كانَ حَتماً عَلَينا، ... كُلَّ يَوْمَينِ حِجّةً وَاعتِمَارَا
فقال: لقد كلفت المسلمين شططاً. فقال: يا أبا محمد! في نفس الجمل شيء غير ما في نفس سائقه.
ليس للغدور وفاء
أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة أنشدنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الجبار لنفسه:
رَنَتْ إليّ بِعَينِ الرّئمِ، وَالتَفَتَتْ ... بجيدِهِ، وثَنَتْ مِنْ قَدِّهَا ألِفَا
فخِلتُ بدرَ الدّجَى يَسرِي على غُصنٍ ... هَزّتهُ رِيحُ الصَّبَا فاهتزّ وَانعَطَفَا
стр. 473
وَأبصَرَتْ مُقلَتي تَرْنُو مُسَارِقَةً ... إلى سِوَاهَا، فَعَضّتْ كَفَّها أسَفَا
ثمّ انثَنَتْ كالرَّشَا المَذعُورِ نَافِرَةً، ... وَوَرْدُ وَجنَتِها بالغَيظِ قد قُطِفَا
تَقولُ: يا نعمُ! قومي تَنظرِي عجباً، ... هذا الذي يَدّعي التَّهيَامَ وَالشَّعَفَا
يُريدُ منّا الوَفَا، وَالغَدْرُ شِيمَتُهُ، ... هَيهَاتَ أنْ يَتَأتّى للغَدُورِ وَفَا
أكني بغيرك واعنيك
وأخبرنا التنوخي قال: تقلت من خط أبي إسحق الصابي:
أكني بِغَيركَ في شعرِي وَأعنيكِ، ... تَقِيّةً، وَحِذَاراً مِنْ أعَادِيكِ
فإنْ سَمعتِ بإنسانٍ شُعِفتُ به، ... فإنّما هُوَ سِترٌ دونَ حُبّيكِ
غَالطتُهم دونَ شَخصٍ لا وُجودَ لَهُ، ... مَعناهُ أنتِ، وَلكن لا أُسَمّيكِ
أخافُ مِنْ مُسعدِي في الحبّ زَلّتَهُ، ... وكَيفَ آمَنُ فيهِ كَيدَ وَاشِيكِ
وَلَوْ كَشَفتُ لهُمْ ما بي وَبحتُ بهِ ... لاستَعبَرُوا رَحمةً من محنَتي فيكِ
مرضى تبعث المرض
ولي من أثناء قصيدة:
وَشَادِنٍ سِهَامُهُ ... مِنَ الجُفُونِ تُنتَضَى
قَدْ أصْبَحَتْ لهَا قُلُو ... بُ عَاشِقيهِ غَرَضا
كَمْ بَعَثَتْ أجفانُهُ ال ... مَرضَى لِقَلْبِ مَرَضَا
стр. 474
شعر على حائط
أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا الحسين بن محمد بن عفير الأنصاري قال: قال أبو علي صديقنا: حدثني بعض أهل المعرفة أنه بينا هو في بعض بلاد الشام نزل في دار من دورها، فوجد على بعض حيطانها مكتوباً:
دَعُوا مُقلَتي تبكي لِفَقدِ حَبيبها، ... لتُطفي ببرْدِ الدّمعِ حَرَّ كُرُوبِهَا
ففي حلّ الدّمعِ للقلبِ رَاحةٌ، ... فَطُوبَى لنَفسٍ مُتّعَتْ بِحَبيبها
بمَنْ لَوْ رَأتْهُ القَاطِعاتُ أكفَّهَا ... لَما رَضِيَتْ إلاّ بقَطعِ قُلُوبِها
قال: فسأل عنه، فأخبر أن بعض العمال نزل هذه الدار، وقد أصاب ثلاثين ألف دينار، فعلق غلاماً، فأنفق ذلك المال كله عليه. قال: فبينا أنا جالس إذ مر بنا ذلك الغلام، قال: فما رأيت غلاماً أحسن منه حسناً وجمالاً.
جرير والحجاج وأمامة
وأخبرنا أبو علي، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا أبو النضر العقيلي، أخبرنا الزبير، حدثني محمد بن أيوب اليربوعي عن أبي الذيال السلولي، حدثني جرير قال: وفدت على الحجاج في سفرة تسمى سفرة الأربعين، فأعطاني أربعين راحلةً ورعاءها، وحشو حقائبها القطائف والأكسية لعيالي، وأوقرها
стр. 475
حنطة، ثم خرجت. فلما شددت على راحلتي كورها، وأنا أريد المضي، جاءني خادم فقال: أجب الأمير، فرجعت معه، فدخلت على الحجاج، فإذا هو قاعد على كرسي، وإذا جارية قائمة تعممه، فقلت: السلام عليك أيها الأمير. فقال: هات، قل في هذه! فقلت: بأبي وأمي تمنعني هيبة الأمير، وإجلاله، فأفحمت، فما أدري ما أقول، فقال: بل هات، قل فيها! فقلت: بأبي وأمي، فما اسمها؟ قال: أمامة، فلما قال أمامة فتح علي فقلت:
وَدّعْ أُمَامَةَ حَانَ مِنكَ رَحيلُ، ... إنّ الوَداعَ لمَنْ تُحِبّ قَليلُ
تِلْكَ القُلُوبُ صَوَادِياً تَيّمتَهَا، ... وَأرَى الشّفَاءَ، وَمَا إلَيهِ سَبيلُ
فقال: بل إليه سبيل. خذ بيدها! فأخذت بيدها، فجبذتها، فتعلقت بالعمامة، وجبذتها حتى رأيت عنق الحجاج قد صغت، ومالت مما جبذتها، وتعلق بالعمامة. قال: وخطر ببالي بيت من شعر، فقلت:
إنْ كانَ طِبَّكُمُ الدّلالً، فإنّهُ ... حَسَنٌ دلالك، يا أُمَيمَ، جَميلُ
فقال الحجاج: إنه، والله، ما بها ذاك، ولكن بها بغض وجهك، وهو أهل لذاك. خذها بيدها جرها! فلما سمعت ذلك منه خلت العمامة، وخرجت بها، فكنيتها أم حكيم، وجعلتها تقوم على عمالي وتعطيهم نفقاتهم بقرية يقال لها الفنة، من قرى الوشم.
قال طلحة: فأخبرني الزبير قال: قال محمد بن أيوب: وسمعت حبجياً بن نوح يقول: كانت والله مباركة.
стр. 476
عائشة بنت طلحة وغراب قيس بن ذريح
أخبرنا محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن إسحق بن إبراهيم العجلي البزاز المعروف بالمراجلي بسر من رأى، حدثنا محمد بن يونس الكديمي، حدثنا يحيى بن عمر الليثي، حدثنا الهيثم بن عدي، حدثنا المجالد عن الشعبي قال: مر بي مصعب بن الزبير، وأنا في المسجد. فقال: يا شعبي؛ قم! فقمت، فوضع يده في يدي وانطلق حتى دخل القصر، فقصرت، فقال: ادخل يا شعبي! فدخل حجرةً، فقصرت، فقال: ادخل يا شعبي! فدخل بيتاً، فقصرت، فقال: ادخل، فدخلت، فإذا امرأة في حجلة، فقال: أتدري من هذه؟ فقلت: نعم! هذه سيدة نساء المسلمين، هذه عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، فقال: هذه ليلى، وتمثل:
وَمَا زِلتُ في لَيلى لدن طَرّ شارِبي ... إلى اليَوْمِ أُخفي حُبّها وَأُدَاجِنُ
وَأحمِلُ في لَيلى لقَوْمٍ ضَغِينَةً، ... وَتُحملُ في لَيلى عليّ الضّغائنُ
ثم قال لي: يا شعبي! إنها اشتهت علي حديثك، فحادثها، فخرج وتركها، قال: فجعلت أنشدها وتنشدني، وأحدثها وتحدثني، حتى أنشدتها قول قيس بن ذريح:
ألا يا غُرَابَ البَيْنِ! قَد طرْتَ بالّذي ... أُحَاذِرُ من لُبنى، فَهلْ أنتَ وَاقعُ؟
أتَبكي عَلى لُبنى، وَأنتَ قَتَلتهَا؟ ... فَقَد هَلَكَتْ لُبنى، فما أنتَ صَانِعُ؟
قال: فلقد رأيتها، وفي يدها غراب تنتف ريشه، وتضربه بقضيب وتقول: يا مشؤوم.
стр. 477
أبو السائب يضرب الغراب
وحدثنا المعافى قال: قال محمد بن مزيد الخزاعي، حدثنا الزبير قال: قال الخليل بن سعيد: مررت بسوق الطير، فإذا الناس قد اجتمعوا يركب بعضهم بعضاً، فاطلعت فإذا أبو السائب قابضاً على غراب يباع، قد أخذ طرف ردائه. وهو يقول للغراب: يقول لك ابن ذريح:
ألا يا غُرَابَ البَينِ! قَد طرْتَ بالّذي ... أُحَاذِرُ من لُبنى، فَهلْ أنتَ وَاقعُ؟
ثم لا تقع، ويضربه بردائه والغراب يصيح.
السوداء وغراب البين
وحدثنا المعافى، حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الحكيمي، حدثنا ميمون بن المزرع قال: كنت آتي أبا إسحق الزيادي. فأتيته مرة، فمرت به أمة سوداء شوهاء، فقال لها: يا عنيزة أسمعيني: مر بالبين غراب فنعب، فقالت: لا والله أو تهب لي قطيعةً، فأخرج صريرةً من جيبه فناولها قطيعةً أريت أن فيها ثلاث حبات، فوضعت الجرة عن ظهرها وقعدت عليها، ثم رفعت عقيرتها:
مَرّ بالبَينِ غُرَابٌ فَنَعَبْ، ... لَيتَ ذا النّاعِبَ بالبَينِ كَذَبْ
فَلضحَاكَ اللهُ مِنْ طَيرٍ لَقَدْ ... كنتَ لوْ شِئتَ غنيّاً أن تُسَبّ
قال أبو بكر: فأحسنت.
стр. 478
الذنب ذنبي لا ذنب الغراب
قال أبو الفرج المعافى: وحدثني محمد بن الحسن بن مقسم أنشدني أحمد بن يحيى لأحمد بن مية، وهو أحد الظرفاء:
يَسُبّ غُرَابَ البَينِ ظُلماً مَعاشِرٌ، ... وَهُمْ آثَرُوا بُعدَ الحَبيبِ على القرْبِ
وَمَا لِغُرَابِ البَينِ ذنَبٌ، فَأبتَدي ... بِسَبّ غُرَابِ البَينِ، لَكِنّهُ ذَنبي
فيا شوْقُ لا تنفَد، ويَا دمعُ فِضْ وَزِدْ ... ويَا حُبُّ رَاوِحْ بَينَ جَنبٍ إلى جَنبِ
ويَا عاذِلي لمْني! ويَا عائِدي الحَني، ... عَصَيتُكُمَا، حَتى أُغَيّبَ في التُّربِ
إذا كَانَ رَبّي عَالِماً بِسَرِيرَتي ... فمَا النّاسُ في عَيني بأعظمَ من رَبي
المعتصم والمأمون والغلام التركي
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي المحتسب، حدثنا أبو عبيد الله محمد بن عمران، أخبرني محمد بن يحيى الصولي، حدثني محمد بن يحيى بن أبي عباد، حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: دعا المعتصم بالله المأمون، فأجلسه في مجلس في سقفه جامات، فوقع ضوء بعض الجامات على وجه سيماء التركي، غلام المعتصم، وكان أوجد الناس به ولم يكن في عصره مثله، فصاح المأمون: يا أحمد بن محمد اليزيدي، وكان حاضراً، انظر إلى ضوء الشمس على وجه سيماء، أرأيت أحسن من هذا قط؟ وقد قلت:
قد طَلَعَتْ شمسٌ على شَمسِ، ... وَزَالَتِ الوَحْشَةُ بالأنْسِ
стр. 479
أجز، فقال:
قَدْ كُنتُ أقلَى الشمسَ في ما مَضَى، ... فَصرْتُ أشْتاقُ إلى الشّمسِ
وفطن المعتصم، فعض شفته على أحمد. فقال أحمد للمأمون: والله، لئن يعلم أمير المؤمنين لأقعن معه في ما أكره. فدعاه، فأخبره الخبر، وأنشده الشعر، فضحك المعتصم، وقال: كثر الله في غلمان أمير المؤمنين مثله.
المأمون والعشق
وأخبرنا أحمد بن علي الوكيل، حدثنا المرزباني الصولي، حدثنا عون بن محمد الكندي، سمعت موسى بن عيسى يقول: سمعت أحمد بن يوسف يقول: كان المأمون يحب أن يعشق ويعمل أشعاراً في العشق، فلم يكن يقع له العشق، ولا يستمر له ما يريد. وكانت عنده جاريةٌ اشتريتها له، وكانت تسميني أبي، وكان يباثّني حديثها وأمرها. وربما شكاها إلي، فقال: فعلت بنتك كذا وكذا. وله أشعار فيها:
أوّلُ الحُبّ مزَاحٌ وَوَلَعْ، ... ثمّ يَزْدَادُ إذا زَادَ الطّمعْ
كلُّ مَن يهوَى، وَإن غالَتْ بهِ ... رُتبَةُ المُلكِ، لمَنْ يَهوَى تَبَعْ
فَلِذا هَمٌّ وَغَدْرٌ وَنَوَى؛ ... وَلِذا شَوْقٌ وَوَجْدٌ وَجَزَعْ
стр. 480
الوليد بن يزيد والفتاة النصرانية
أخبرنا محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن الحسن بن دريد، أخبرنا أبو حاتم، أخبرنا العتبي قال: نظر الوليد بن يزيد إلى جارية نصرانية من أهيإ النساء يقال لها سفرى، فجن بها، وجعل يراسلها، وهي تأبى، حتى بلغه أن عيداً للنصارى قد قرب، وأنها ستخرج فيه.
وكان في موضع العيد بستان حسن، وكانت النساء يدخلنه، فصانع الوليد صاحب البستان أن يدخله فينظر إليها، فتابعه، وحضر الوليد وقد تقشف وغير حليته، ودخلت سفرى البستان، فجعلت تمشي حتى انتهت إليه، فقالت لصاحب البستان: من هذا؟ فقال: رجل مصاب. فجعلت تمازحه وتضاحكه، حتى اشتفى من النظر إليها، ومن حديثها، فقيل لها: ويلك أتدرين من ذاك الرجل؟ قالت: لا! فقيل لها: الوليد بن يزيد وإنما تقشف حتى ينظر إليك، فجنت به بعد ذلك، وكانت عليه أحرص منه عليها. فقال الوليد في ذلك:
أضْحَى فُؤادُكَ، يا وَليدُ، عَميدَا ... صَبّاً كَلِيماً للحِسانِ صَيُودَا
من حبّ واضِحةِ العَوارِضِ طَفلةٍ ... بَرَزَتْ لَنا نحوَ الكَنيسةِ عِيدَا
مَا زِلتُ أرْمُقُهَا بعَيْنَيْ وَامِقٍ، ... حَتى بَصُرَتْ بها تُقبّلُ عُودَا
عودَ الصّليبِ، فَوَيحَ نفسِي من رَأى ... مِنكُمْ صَلِيباً مِثلَهُ مَعْبُودَا
فَسألتُ رَبي أنْ أكُونَ مَكَانَهُ، ... وَأكُونَ في لَهَبِ الجَحيمِ وَقودَا
قال القاضي أبو الفرج المعافى: لم يبلغ مدرك الشيباني هذا الحد من الخلاعة، إذ قال في عمرو النصراني:
يَا لَيتَني كُنتُ لَهُ صَلِيبَا، ... فَكُنتُ مِنْهُ أبَداً قَريبَا
стр. 481
أُبصِرُ حُسناً، وَأشُمّ طِيبا، ... لا وَاشِياً أخشَى وَلا رَقيبَا
فلما ظهر أمره وعلمه الناس قال:
ألا حبّذا سُفرَى، وَإنْ قِيلَ إنّني ... كُلِفتُ بنَصرَانِيّةٍ تَشرَبُ الخَمرَا
يَهُونُ عَلينا أنْ نظلّ نَهَارَنَا ... إلى اللّيلِ لا أُولى نُصَلّي وَلا عَصرَا
جور الهوى
ولي من جملة قصيدة عملتها بتنيس، وأنا أستغفر الله وأستقيله:
وَبتنّيسَ في كَنيسَةِ ديرِي ... نَ، لحَيني، أبصَرْتُ ظَبياً أغَنّا
وَاقِفاً يَلْثِمُ الصّلِيبَ، وَطَوْراً ... بِأنَاجِيلِهِ يُرَجّعُ لَحنَا
فَتَمَنّيتُ أنْ أكُونَ صَليباً، ... يَوْمَ قُرْبَانِهِ، فأقرَعَ سِنّا
وفي هذه القطعة:
وَأخي لَوْعَةٍ لَقيتُ، فَمَا زَا ... لَ بمَاءِ الجُفُونِ يُبكي الجَفْنَا
يَشتَكي وَجدَهُ إليّ، وَأشكُو ... مَا يُلاقي قَلبي الكَئيبُ المُعَنّى
ثمّ لمّا كَفّتْ دُمُوعُ مَآقِي ... هِ وَمَلّ المَكَانَ مِمّا وَقفنَا
قَالَ لي، وَالعذّالُ قَد يَئِسوا من ... هُ وَمني، وَحَنّ شَوْقاً وَأنّا:
قَدْ أفَاقَ العُشّاقُ من سكرَةِ الحُ ... بّ جَميعاً فَمَا لَنا مَا أفَقنَا؟
قُلتُ: جَارَ الهَوَى عَلَينا فَلَوْ أنّ ... اغَداةَ الفِرَاقِ مُتنا استَرَحنَا
стр. 482
مدرك الشيباني وعمرو النصراني
أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، رحمه الله تعالى، سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، حدثنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري قال: أنشدنا أبو القاسم مدرك بن محمد الشيباني لنفسه في عمرو النصراني. قال القاضي أبو الفرج: وقد رأيت عمراً، وبقي حتى ابيضّ رأسه:
مِن عَاشِقٍ ناءٍ هَوَاهُ دَانِ، ... نَاطِقِ دَمعٍ صَامِتِ اللّسَانِ
مُوثَقِ قَلبٍ مُطلَقِ الجُثمَانِ، ... مُعَذَّبٍ بالصَّدِّ وَالهِجْرَانِ
مِنْ غَيرِ ذَنبٍ كَسَبتْ يَدَاهُ، ... غَيرَ هَوىً نَمّتْ بِهِ عَينَاهُ
شَوْقاً إلى رُؤيَةِ مَنْ أشْقَاهُ، ... كَأنّما عَافَاهُ مَنْ أضناهُ
يا وَيْحَهُ مِنْ عَاشقٍ مَا يَلقَى ... مِنْ أدْمُعٍ مُنْهَلّةٍ مَا تَرْقَا
نَاطِقَةٍ وَمَا أحَارَتْ نُطْقَا، ... تُخبِرُ عَنْ حُبٍّ لَهُ استَرَقّا
لمْ يَبقَ مِنْهُ غَيرُ طَرْفٍ يَبكي، ... بِأدْمُعٍ مِثْلِ نِظَامِ السِّلْكِ
تُطفيهِ نِيرانُ الهَوَى وَتُذكي، ... كَأنّها قَطْرُ السّمَاءِ تَحكي
إلى غَزَالٍ مِنْ بَني النّصَارَى، ... عِذَارُ خَدّيهِ سَبَى العَذَارَى
وَغَادَرَ الأُسدَ بهِ حَيَارَى، ... في رِبْقَةِ الحُبِّ لَهُ أسَارَى
رئمٍ بدَارِ الرّومِ رَامَ قَتلي، ... بمُقلَةٍ كَحلاءَ لا عَنْ كُحْلِ
وَطَرّةٍ بهَا استَطَارَ عَقلي، ... وَحُسنِ وَجْهٍ وَقَبيحِ فِعلِ
رئمٍ بهَا أيّ هِزَبْرٍ لَمْ يُصَدْ، ... يَقتُلُ باللّحظِ وَلا يَخشَى القَوَدْ
متى يقُل: ها! قالتِ الألحاظُ: قد، ... كَأنّهُ نَاسُوتُهُ حِينَ اتّحَدْ
стр. 483
مَا أبصَرَ الناسُ جَميعاً بَدْرَا، ... وَلا رَأوْا شَمساً، وَغُصْناً نَضْرَا
أحسَنَ مِن عمروٍ، فدَيتُ عمر!! ... ظَبيٌ بعَيْنَيهِ سَقَاني الخَمْرَا
هَا أنَا ذَا بِقَدّهِ مَقدُودُ، ... وَالدّمعُ في خَدّي لَهُ أُخْدُودُ
مَا ضرّ مَن فَقدي بهِ مَوْجُودُ، ... لَوْ لَمْ يُقبّحْ فِعلَهُ الصّدُودُ
إنْ كانَ دِيني عِندَهُ الإسلامُ ... فَقَدْ سَعَتْ في نَقضِهِ الآثَامُ
وَاختَلّتِ الصّلاةُ وَالصّيَامُ، ... وَجَازَ في الدّينِ الحَرَامُ
يَا لَيْتَنِي كُنتُ لَهُ صَلِيبَا، ... أكُونُ مِنْهُ أبَداً قَرِيبا
أُبْصِرُ حُسْناً وَأشمّ طِيبا، ... لا وَاشِياً أخشَى، وَلا رَقيبَا
بَلْ لَيْتَني كُنتُ لَهُ قُرْبانَا ... ألْثِمُ مِنْهُ الثّغْرَ وَالبَنانَا
أوْ جَاثَليقاً كُنتُ أوْ مُطْرَانَا، ... كَيْمَا يَرَى الطّاعةَ لي إيمانَا
بَلْ لَيْتني كنتُ لعمروٍ مُصْحَفَا ... يَقرَأُ مِني كُلّ يَوْمٍ أحرُفا
أوْ قَلَماً يَكتُبُ بي مَا ألّفَا ... مِنْ أدَبٍ مُسْتَحسَنٍ قَد صُنّفَا
بَلْ لَيْتَني كنتُ لعمروٍ عُوذَهْ، ... أوْ حُلّةً يَلبَسُهَا مَقذُوذَهْ
أوْ بَرْكَةً بإسمِهِ مَأخُوذَهْ، ... أوْ بِيعَةً في دَارِهِ مَنْبُوذَهْ
بَلْ لَيْتَني كُنتُ لَهُ زُنّارَا ... يُدِيرُني في الخَصرِ كَيفَ دَارَا
حَتى إذا اللّيلُ طَوَى النّهَارَا، ... صِرْتُ لَهُ حينَئِذٍ إزَارَا
قَدْ، وَالّذي يُبقِيهِ لي، أفنَاني، ... وَابتَزّ عَقلي، وَالضَّنى كَسَاني
ظَبيٌ عَلى البُعَادِ وَالتّدَانِي، ... حَلّ مَحلّ الرّوحِ مِنْ جُثمَاني
стр. 484
وَاكَبِدي مِنْ خَدّهِ المُضَرَّجِ، ... أذْهَبُ للنّسكِ وَللتّحَرّجِ
إلَيكَ أشكُو يا غَزَالَ الإنسِ، ... مَا بي من الوَحشَةِ بَعد الأُنسِ
يَا مَنْ هِلالي وَجهُهُ وَشَمسِي، ... لا تُقَتَلُ النّفسُ، بِغَيرِ نَفسِ
جُدْ لي كمَا جُدتَ بحُسنِ الوُدّ، ... وَارْعَ كَمَا أرْعَى قَدِيمَ العَهدِ
وَاصْدُدْ كصَدّي عن طوِيلِ الصّدّ، ... فَلَيسَ وَجدٌ بكَ مِثلَ وَجدِي
هَا أنا في بَحرِ الهَوَى غَرِيقُ، ... سَكرَانُ مِنْ حُبّكَ لا أُفيقُ
مُحتَرِقٌ، مَا مَسّني حَرِيقُ، ... يَرْثي لي العَدُوُّ وَالصّديقُ
فَلَيتَ شعرِي فيكَ! هَل تَرْثي لي ... مِنْ سَقَمٍ بي وَضنًى طَوِيلِ
أمْ هَلْ إلى وَصْلِكَ من سَبيلِ ... لِعاشِقٍ ذِي جَسَدٍ نَحِيلِ!
في كلّ عُضْوٍ مِنهُ سُقْمٌ وَألَمْ، ... وَمُقْلَةٌ تَبكي بدَمعٍ وبِدَمْ
شَوْقاً إلى بَدْرِ وَشَمْسٍ وصَنَمْ، ... مِنهُ إلَيهِ المُشتكَى، إذا ظَلَمْ
أقُولُ إذ قَامَ بقَلبي وقَعَدْ: ... يا عمرو، يا عَامرَ قَلبي بالكَمَدْ
أُقسِمُ باللهِ يَمينَ المُجْتَهِدْ، ... إن امرأً أسعَدتَهُ لَقَدْ سَعِدْ
يا عمرو! نَاشَدتُكَ بالمَسيحِ، ... ألا استَمَعتَ القَوْلَ مِنْ فَصيحِ
يُخبرُ عَنْ قَلبٍ لَهُ جَريحِ، ... بَاحَ بِمَا يَلقَى مِنَ التبْرِيحِ
يا عمرو! بالحَقّ مِنَ اللاهُوتِ، ... وَالرّوحِ رُوحِ القُدسِ وَالنّاسوتِ
ذَاكَ الذِي في مَهدِهِ المَنحُوتِ، ... عُوّضَ بالنّطقِ مِنَ السّكُوتِ
بحَقّ نَاسُوتٍ بِبَطْنِ مَرْيَمِ، ... حَلّ مَحَلَّ الرّيقِ مِنهَا في الفَمِ
ثمّ استَحَالَ في قَنُومِ الأقدَمِ، ... فَكَلّمَ النّاسَ، وَلمّا يُفطَمِ
стр. 485
بحَقّ مَنْ بَعدَ المَمَاتِ قُمّصَا ... ثَوْباً عَلى مِقدَارِهِ مَا قُصّصَا
وكانَ للهِ تَقيّاً مُخْلِصاً، ... يَشفي وَيُبري أكْمَهاً وَأبْرَصَا
بحقّ مُحيي صُورَةِ الطّيُورِ، ... وَبَاعِثِ المَوْتَى مِنَ القُبُورِ
وَمَنْ إلَيهِ مَرْجِعُ الأمُورِ، ... يَعلَمُ مَا في البَرّ وَالبُحُورِ
بحَقّ مَا في شَامخِ الصّوَامِعِ، ... مِنْ سَاجِدٍ لرَبّهِ وَرَاكِعِ
يَبكي إذا ما نَامَ كُلُّ هَاجِعِ ... خَوْفاً إلى اللهِ بِدَمْعٍ هَامِعِ
بحَقّ قَوْمٍ حَلَقُوا الرّؤوسَا، ... وَعَالجُوا طُولَ الحيَاةِ بُوسَا
وَقَرَعُوا في البِيعَةِ النّاقُوسَا، ... مُشَمْعِلِينَ يَعبُدُونَ عِيسَى
بحَقّ مارت مَرْيَمٍ وَبُولُسِ، ... بحَقّ شِمعُونَ الصَّفَا وَبطرُسِ
بحَقّ دَانِيلَ بحَقّ يُونُسِ، ... بحَقّ حَزْقِيلَ وَبَيتِ المَقْدِسِ
وَنينَوَى، إذْ قَامَ يَدعُو رَبَّهُ، ... مُطَهِّراً مِنْ كُلّ سُوءٍ قَلْبَهُ
وَمُسْتَقيلاً، فَأقَالَ ذَنْبَهُ، ... وَنَالَ مِنْ أبِيهِ مَا أحَبّهُ
بحَقّ مَا في قُلّةِ المَيروُنِ ... مِنْ نَافِعِ الأدوَاءِ للمَجنُونِ
بحَقّ مَا يُؤثَرُ عَنْ شِمعُونِ، ... مِنْ بَرَكاتِ الخُوصِ وَالزّيتُونِ
بحَقّ أعيَادِ الصّليبِ الزُّهْرِ، ... وَعيدِ شِمعُونَ وَعيدِ الفِطْرِ
وَبالشّعَانِينِ العَظِيمِ القَدرِ، ... وَعيدِ مَرمَارِي الرّفِيعِ الذّكرِ
стр. 486
وَعيدِ أشعَبَا، وبالهَيَاكِلِ، ... وَالدُّخُنِ اللاّتي بكَفّ الحَامِلِ
يُشفَى بها من خيلِ كلّ خَابلِ ... وَمن دَخيلِ السُّقمِ في المَفاصِلِ
بحَقّ سَبعينَ مِنَ العِبادِ، ... قَامُوا بدينِ اللهِ في البِلادِ
وأَرْشَدُوا النّاسَ إلى الرّشادِ، ... حَتى اهتَدَى مَنْ لمْ يَكُنْ بهادِ
بحَقّ ثنتي عَشرَةٍ مِنَ الأمَمْ، ... سارُوا إلى الأقطارِ يَتلونَ الحِكَمْ
حتى إذا صُبحُ الدّجى جَلّى الظُّلَمْ ... صَارُوا إلى اللهِ وَفَازُوا بِالنِّعَمْ
بحَقّ مَا في مُحكَمِ الإنجِيلِ، ... مِنْ مُحكَمِ التحريمِ وَالتّحليلِ
وَخَبَرٍ ذِي نَبَإٍ جَلِيلِ، ... يَرْوِيهِ جِيلٌ قَد مَضَى عَن جيلِ
بحَقّ مُرْقُسَ الشّفِيقِ النّاصِحِ، ... بحَقّ لُوقَا ذِي الفَعَالِ الصّالِحِ
بحَقّ يُوحَنّا الحَلِيمِ الرّاجِحِ ... وَالشّهَدَاءِ بالفَلا الصّحَاصِحِ
بحَقّ مَعمُوِيّةِ الأرْواحِ، ... وَالمَذبَحِ المَشهُورِ في النّواحي
وَمَن بهِ من لابسِ الأمسَاحِ، ... وَعَابِدٍ بَاكٍ وَمِنْ نَوّاحِ
بحَقّ تَقْرِيبِكَ في الآحَادِ، ... وَشُرْبِكَ القَهوَةَ كالفِرْصَادِ
وَطُولٍ تَبييضِكَ للأكْبَادِ، ... بِمَا بِعَيْنَيكَ مِنَ السّوَادِ
بحَقّ مَا قُدّسَ شَعيَا فِيهِ، ... بِالحَمدِ للهِ وَبِالتّنزِيهِ
بحَقّ نَسطُورٍ وَمَا يَرْويهِ، ... عَنْ كُلّ نَامُوسٍ لَهُ فَقِيهِ
стр. 487
شَيخانِ كَانَا مِنْ شُيُوخِ العلمِ ... وَبَعضِ أرْكَانِ التّقَى وَالحِلمِ
لَم يَنطِقَا قَطّ بِغَيرِ فَهْمِ، ... مَوْتُهُمَا كَانَ حَيَاةَ الخَصمِ
بِحُرْمَةِ الأسقُفِ وَالمُطْرَانِ، ... وَالجَاثَلِيقِ العَالِمِ الرّبّاني
وَالقَسّ وَالشمّاسِ وَالدّيرَاني، ... وَالبطرَكِ الأكبَرِ وَالرّهبَانِ
بحُرْمَةِ المَحبُوسِ في أعلى الجَبَلْ، ... ومَار قُولا حِينَ صَلّى وَابتَهَلْ
وَبالكَنيسَاتِ القَديمَاتِ الأُوَلْ، ... وَبِالسّليمِ المُرْتَضَى بمَا فَعَلْ
بِحُرْمَةِ الأسقُوفيَا وَالبَيرَم، ... وَمَا حَوَى مِغفَرُ رَأسِ مَرْيَمِ
بِحُرْمَةِ الصّوْمِ الكبيرِ الأعظَمِ، ... وَحَقِّ كلّ بَرْكَةٍ وَمَحرَمِ
بِحَقّ يَوْمِ الذّبحِ ذِي الإشرَاقِ ... وَلَيلَةِ المِيلادِ وَالسُّلاّقِ
وَالذَّهَبِ المُذهِبِ للنِّفَاقِ، ... وَالفِصْحِ، يَا مُهَذَّبَ الأخلاقِ
بكُلّ قُدّاسِ عَلى قُدّاسِ، ... قَدّسَهُ القَسُّ مَعَ الشمّاسِ
وَقَرّبُوا يَوْمَ الخَميسِ الناسي، ... وَقَدّمُوا الكَاسَ لكُلّ حَاسِ
ألا رَغبتَ في رِضَا أدِيبِ ... بَاعَدَهُ الحُبُّ عَنِ الحَبيبِ
فَذابَ مِنْ شَوْقٍ إلى المُذيبِ ... أعلى مُنَاهُ أيسَرُ التّقريبِ
فَانظُرْ أمَيرِي في صَلاحِ أمرِي، ... مُحتَسِباً فيّ عَظيمِ الأجْرِ
مُكتَسِباً فيّ جَميلَ الشّكرِ، ... في نَثرِ ألفاظٍ، وَنَظمِ شِعرِ
стр. 488
قضاة لا يقبلون الرُّشى
قال ابن السراج: ولي من قطعة:
دَمعي بمَكتومِ غَرَامي وَشَى، ... وكَانَ مَطوِيّاً عَلَيهِ الحَشَا
يَنهَلّ دَمعي سَاجِماً كُلّمَا ... أبصَرْتُ رَبْعاً مِنهمُ مُوحِشاً
صَادَ فُؤادي في الهَوَى شَادِنٌ ... سَقَاهُ مِنْ رِيقَتِهِ فَانتَشَى
أبصَرْتُهُ يَوْمَ شَعَانِينِهِ ... يَجذبُهُ الرِّدْفُ إذا مَا مَشَى
أشَدُّ شَيءٍ في الهَوَى أنّهُ ... قُضَاتُهُ لا يَقبَلُونَ الرُّشَى
إبراهيم بن المهدي والجارية
أخبرنا أبو علي الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا المظفر بن يحيى بن أخبرنا الشرابي، حدثنا أبو العباس المرثدي، حدثنا طلحة بن عبد الله الطلحي أنشدني يعقوب بن عباد الزبيري لإبراهيم بن المهدي، وقد أخدمته بعض العباسيات، في حال استخفائه عندها، جاريةً وقالت لها: أنت له، فإن مد يده إليك، فلا تمتنعي، ولم تعلم بهبتها له، وكانت مليحةً، فجمشها يوماً بأن قبل يدها وقال:
يا غَزَالاً لي إلَيْ ... هِ شَافعٌ مِنْ مُقلَتَيهِ
وَالّذي أجلَلْتُ خَدّيْ ... هِ، فَقَبّلتُ يَدَيْهِ
بأبي وَجهُكِ مَا أكْ ... ثَرَ حُسّادِي عَلَيهِ
أنَا ضيفٌ، وَجَزَاءُ الضّي ... فِ إحسَانٌ إلَيهِ
стр. 489
قال المعافى: ومما يضارع بعض ما تضمنته هذه الأبيات من جهة ما أنشدناه إبراهيم بن عرفة لنفسه:
يَا دَائمَ الهَجرِ وَالصّدُودِ، ... مَا فَوْقَ بَلوَايَ مِنْ مَزيدِ
أصْبَحتُ عَبداً، وَلستَ تَرْعَى ... وَصِيّةَ اللهِ في العَبيدِ
الطائفة في البيت الحرام
أخبرنا محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن القاسم الأنباري، حدثني أبي، حدثنا عامر بن عمران أبو عكرمة الضبي عن سليمان بن أبي شيخ قال: بينا عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ﵈، يطوف بالبيت إذ رأى امرأةً تطوف وتنشد:
لا يَقبلُ اللهُ مِنْ مَعشُوقَةٍ عَمَلاً، ... يَوْماً، وَعَاشِقُهَا غَضبَانُ مَهجورُ
قال القاضي: وفي غير هذه الرواية يليه بيت آخر وهو:
وَكَيفَ يَأجُرُها في قَتلِ عَاشِقِها، ... لكنّ عَاشِقَهَا في ذَاكَ مَأجُورُ
فقال عبد الله للمرأة: يا أمة الله! مثل هذا الكلام في مثل هذا الموقف؟ فقالت: يا فتى ألست ظريفاً؟ فقال: بلى! قالت: ألست راويةً للشعر؟ قال: بلى! قالت: أفلم تسمع الشاعر يقول:
بِيضٌ غَرَائرُ مَا هَمَمنَ برِيبَةٍ ... كَظِبَاءِ مَكّةَ، صَيدُهُنّ حَرَامٌ
يُحسَبنَ مِنْ لِينِ الحَديثِ زَوَانِياً، ... وَيَصُدّهُنّ عَنْ الخَنَا الإسلامُ
стр. 490
سباق العاشقين
ولي أبيات مفردة مما نظمته ببغداد:
وَحَقَّ تَبَسّمِ يَوْمِ التّلاقي ... لتَشتيتِ شَملِ لَيالي الفِرَاقِ
وَوَصْلِ حِبَالِ الهَوَى بَينَنَا، ... عَلى أُلفَةٍ حَسُنَتْ وَاتّفَاقِ
وَحُرْمَةِ مَوْقِفِنا نَجتَلي ... بُدُوراً مُنَزَّهَةً عَنْ مَحَاقِ
وَنَسحَبُ مِنْ صَوْنِنَا وَالعَفَا ... فِ أردِيَةً بَينَ تِلكَ الحِدَاقِ
لَقَدْ ضِقتُ ذرْعاً بِلَوْمِ العذول، ... فَيا لَيتَهُم نَفّسوا مِن خِناقِي
أحِنُّ لنَجدٍ مَتى أنجَدُوا، ... عَلى أنّ دارِي قُصُورُ العِرَاقِ
فَمَنْ مُخبرٌ عَنّي الظّاعِنِي ... نَ، بالأمسِ، أني على العَهدِ بَاقِ
وَأني، إذا استَبَقَ العَاشِقُونَ ... إلى غَايَةٍ، فزْتُ يَوْمَ السّباقِ
ندوب اللواحظ
ولي أيضاً في مفردة:
وَقَائِلَةٍ، وَقد نَظَرَتْ نُدُوباً، ... جَنَتهَا مِنْ لَوَاحِظِهَا سِهَامُ
وَأنفَاساً مُصَعَّدَةً، وَجَفناً ... يَفيضُ كأنّ فَائِضَهُ غَمَامُ:
أرَاكَ شرِبتَ كأسَ الحُبّ صِرْفاً، ... فَقَد رَوِيَتْ بهَا مِنكَ العِظامُ
أفَاقَ العَاشِقونَ بكُلّ أرْضٍ، ... وَنَامَ السّاهِرُونَ، وَمَا تَنَامُ
وَصَحّ مِنَ الهَوَى مَرْضَاهُ جَمعاً، ... فَمَا لكَ لَيسَ يَبرحُكَ السَّقَامُ
стр. 491
فقُلْتُ لهَا، ودَمعُ العَينِ هَامٍ، ... لَهُ مِنْ فَوْقِ خَدّيَّ انسِجَامُ:
أقِلّي اللّوْمَ عَنْ ظَمآنَ صَادٍ، ... يَحُومُ، وَقَد أضَرّ بِهِ الأُوَامُ
أصَمَّ عَنِ العَوَاذِلِ، لَيسَ يَجدِي ... عَليهِ في الهَوَى قَطُّ المَلامُ
الشيخ المتصابي
أخبرنا محمد بن الحسين، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن الحسن بن دريد، أخبرنا الرياشي عن محمد بن سلام عن أبيه، حدثني شيخ من بني ضبة قال: رأيت أعرابياً كبير السن كثير المزاح، بيده محجن، وهو يجر رجليه حتى وقف على مسعر بن كدام، وهو يصلي، فأطال الصلاة، والأعرابي واقف، فلما أعيا قعد. حتى إذا فرغ مسعر من صلاته سلم الأعرابي عليه، وقال له: خذ من الصلاة كفيلاً! فتبسم مسعر، وقال: عليك بما يجدي عليك نفعه، يا شيخ، كم تعد؟ فقال: مائةَ وبضع عشرة سنة. قال: في بعضها ما كفى واعظاً، فاعمل لنفسك، فقال:
أُحِبُّ اللّوَاتِي هُنّ مِنْ وَرَقِ الصِّبى، ... وَمِنهُنّ عَنْ أزْوَاجِهِنّ طِمَاحُ
مُسِرّاتُ بُغضٍ، مُظهِرَاتٌ عَدَاوَةً، ... تَرَاهُنّ كَالمَرْضَى، وَهُنّ صِحاحُ
فقال مسعر: أف لك! فقال: والله ما بأخيك حركة منذ أربعين سنة، ولكنه بحر يجيش ويرمي زبده، فضحك مسعر، وقال: إن الشعر كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح.
стр. 492
نور متجسم
قال: وحدثنا المعافى، حدثنا يزيد بن الحسن البزاز، حدثني خالد الكاتب قال: دخلت على أبي عباد أبي الرغل بن أبي عباد، وعنده أحمد بن يحيى وابن الأعرابي، فرفع مجلسي، فقال له ابن الأعرابي: من هذا الفتى الذي أراك ترفع من قدره؟ فقال: أو ما تعرفه؟ قال: اللهم لا! قال: هذا خالد الكاتب الذي يقول الشعر؟ قال: فأنشدني من قولك شيئاً، فأنشده:
لَوْ كَانَ مِنْ بَشَرٍ لمْ يَفتَنِ البَشَرَا، ولَمْ يَفقْ في الضّيَاءِ الشمسَ والقَمَرَا
نُورٌ تَجَسّمَ، مُنحَلّ وَمُنعَقِدٌ، ... لَوْ أدرَكَتهُ عُيُونُ النّاسِ لانكَدَرَا
فصاح ابن الأعرابي وقال: كفرت يا خالد! هذه صفة الخالق، ليست صفة المخلوق، فأنشدني ما قلت غير هذا، فأنشدته:
أَرَاكَ لمّا لجَجتَ في غَضَبِكَ، ... تَترُكُ رَدّ السّلامِ في كُتُبِك
حتى أتيت على قولي:
أقُولُ للسُّقمِ عُدْ إلى بَدَني، ... حبّاً لِشَيءٍ يكونُ مِنْ سَبَبِك
فصاح ابن الأعرابي وقال: إنك لفطن، وفوق ما وصفت به.
بيت شعر بثلاثمائة دينار
قال: وحدثنا المعافى، حدثنا أحمد بن جعفر بن موسى البرمكي قال: فال خالد الكاتب:
وقف علي رجل بعد العشاء متلفع برداء عدنيٍ أسود، ومعه غلام معه صرةٌ، فقال لي: أنت خالد؟ قلت: نعم! قال: أنت الذي تقول:
قَد بكَى العاذِلُ لي من رَحمَتي، ... فبُكائي لِبُكَاءِ العَاذِلِ
стр. 493
قلت: نعم! قال: يا غلام ادفع إليه الذي معك! فقلت: وما هذا؟ قال: ثلاثمائة دينار. قلت: والله لا أقبلها، أو أعرفك. قال: أنا إبراهيم بن المهدي.
صرعة المحب
قال: وحدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن القاسم الأنباري، حدثني محمد بن المرزبان، حدثنا زكريا بن موسى، حدثنا شعيب بن السكن عن يونس النحوي قال: لما اختلط عقل قيس المجنون وامتنع من الطعام والشراب مضت أمه إلى ليلى فقالت لها: يا هذه! قد لحق ابني بسببك ما قد علمت، فلو صرت معي إليه، رجوت أن يثوب إليه، ويرجع عقله إذا عاينك؟ فقالت: أما نهاراً فلا أقدر على ذلك لأني لا آمن الحي على نفسي، ولكن أمضي معك ليلاً.
فلما كان الليل صارت إليه فقالت له: يا قيس! إن أمك تزعم أن عقلك ذهب بسببي، وأن الذي لحقك أنا أصله. ففتح عينيه، فنظر إليها، وأنشأ يقول:
قالَت جُنِنتَ عَلى رَأسِي، فقُلتُ لها: ... ألحُبُّ أعظَمُ مِمّا بِالمَجَانِينِ
الحُبّ لَيسَ يُفيقُ الدّهرَ صَاحِبُهُ، ... وَإنّمَا يُصرَعُ المَجنُونُ في الحِينِ
جنون القلب
ولي ابتداء قصيدة مدحت بها عين الدولة ابن أبي عقيل بالشام أولها:
عَرِّجْ بِنَا عَنِ الحِمَى يَمِينَا، ... فَقَدْ تَوَلّى الحَيرةُ الغَادِينَا
لمْ أنسَ يَوْمَ ذِي الأَرَاكِ قَوْلَها، ... وَالبَينُ عَنْ قَوْسِ النّوَى يَرْمينَا
стр. 494
٤
تَزَوَّدِ الوَدَاعَ، وَاعلَمْ أنّنَا، ... كمَا اشتَهَى البَينُ، مُفَارِقُونَا
وأَلمَسَتْني، وَالرّقِيبُ غَافِلٌ، ... كَفّاً تَكَادُ أنْ تَذُوبَ لِينَا
أجْلَلتُ فضاهَا اللّثْمَ إلاّ أنّني ... قَبّلتُ مِنهَا النّحرَ والجَبيِنا
تَمْنَعُنَا العِفّةُ كُلَّ رِيبَةٍ، ... وَالقَلبُ قَد جُنّ بهَا جُنُونَا
أنفاس تذيب الحديد
أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال، حدثنا محمد بن أحمد بن الصلت، حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم، حدثني أبي أنشدني أبو عكرمة الضبي:
فلو أنّ ما بي بالحَصَا فَلَقَ الحَصَا، ... وَبالرّيحِ لمْ يُسْمَعْ لهنّ هُبُوبُ
وَلَوْ أنّني أستَغفِرُ اللهَ كُلّمَا ... ذكَرْتُكِ لمْ تُكتَبْ عليّ ذُنوبُ
وَلَوْ أنَ أنفَاسِي أصَابَتْ بحرّهَا ... حَديداً، إذاَ ظَلّ الحَديدُ يَذُوبُ
لو يدوم التلاقي
وبإسناده أخبرنا محمد بن القاسم الأنباري قال: أنشدني محمد بن المرزبان لابن أبي عمار المكي:
مَنْ لقَلبٍ يجولُ بينَ التّرَاقِي، ... مُستَهَامٍ، يَتُوقُ كُلَّ مَتَاقِ
حَذراً أنْ تَبينَ دَارُ سُلَيمَى، ... أوْ يَصيحَ الصَّدَى لهَا بِفِرَاقِ
стр. 495
أمَّ سَلاّمَ، مَا ذكَرتُكِ إلاّ ... شَرِقَتْ بالدّمُوعِ مِني المَآقِي
كَيفَ يَنسَى المُحِبُّ ذِكرَ حَبيبٍ، ... طَيّبِ الخِيمِ ظَاهِرِ الأشَواقِ
وَحَديثٍ يَشفي السَّقيمَ من السُّق ... مِ، دَوَاءِ السّلِيمِ كَالدِّرْيَاقِ
حَبّذَا أنتِ من جَلِيسٍ إلَينَا ... أُمَّ سَلاّمَ لَوْ يَدُومُ التّلاقي
حمام الشعب
أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثني محمد بن القاسم أنشدني أبي لبعض الأعراب:
ألا يا حَمامَ الشِّعبِ شِعبِ مُؤنِّسٍ! ... سُقيتَ الغَوَادي من حمامٍ وَمن شِعبِ
سُقيتَ الغَوَادي، رُبّ خَوْدٍ خَرِيدَةٍ، ... أصَاختْ لخفضٍ من عَنائكَ أوْ نَصْبِ
فإنْ يَرْتَحِلْ صَحبي بجُثمانِ أعظُمي، ... يُقِمْ قَلبيَ المَحزُونُ في منزِلِ الرَّكبِ
في وجهه شافع
وأخبرنا أبو علي الجازري، حدثنا المعافى، حدثنا محمد بن يحيى الصولي، حدثنا علي بن يحيى قال:
كنت واقفاً بين يدي المعتضد، وهو مقطب، فأقبل بدر، فلما رآه من بعيد تبسم وأنشد:
وَفي وَجهِهِ شافعٌ يَمحُو إساءَتَهُ، ... من القُلوبِ، وَجيهٌ حَيثُ مَا شَفَعَا
следующие страницы →