← Адаб

Адаб · id 26549

مصارع العشاق

السراج القارئ

Полный текст (611 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر. رب أعن. المأمون يسأل ما هو العشق أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري بقراءتي عليه قال: حدثنا أبو الفرج المعافى بن زكرياء الجريري قال: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقري قال: حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال: حدثنا أبو العالية الشامي قال: سأل أمير المؤمنين المأمون يحيى بن أكثم عن العشق ما هو؟ فقال: هو سوانح تسنح للمرء، فيهتم بها قلبه، وتؤثرها نفسه. قال: فقال له ثمامة: اسكت يا يحيى! إنما عليك أن تجيب في مسألة طلاق أو محرم صاد ظبياً أو قتل نملةً، فأما هذه فمسائلنا نحن. فقال له المأمون: قل يا ثمامة، ما العشق؟ فقال ثمامة: العشق جليس ممتع، وأليف مؤنس، وصاحب ملك مسالكه لطيفة، ومذاهبه غامضة، وأحكامه جائزة، ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والعقول وآراءها،

стр. 2

وأعطي عنان طاعتها، وقود تصرفها، توارى عن الأبصار مدخله وعمي في القلوب مسلكه. فقال له المأمون: أحسنت والله يا ثمامة! وأمر له بألف دينار. العشق داء أهل الظرف أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي العلاف بقراءتي عليه قال: حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان المروروذي قال: حدثنا جعفر بن محمد الخالدي قال: حدثنا أحمد بن محمد الطوسي قال: حدثني علي بن عبد الله القمي قال: قال لي عبد الله بن جعفر المديني قلت لأبي زهير المديني: ما العشق؟ قال: الجنون والذل، وهو داء أهل الظرف. العشق أوله لعب وآخره عطب أنبأنا أبو بكر أحمد علي بن الحافظ إن لم يكن حدثنا قال: أخبرني أبو الحسن علي بن أيوب القمي الكاتب بقراءتي عليه قال: أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران قال: أخبرني المظفر بن يحيى قال: قال بعض الفلاسفة: لم أر حقاً أشبه بباطل ولا باطلاً أشبه بحق من العشق، هزله جد وجده هزل، وأوله لعب وآخره عطب. ذنوب اضطرار أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ بالشام قال: حدثنا رضوان بن عمر الدينوري قال: سمعت معروف بن محمد بن الصوفي الصوفي بالري يقول: سمعت أبا بكر الصيني يقول: سمعت إبراهيم بن الفضل يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: لو كان إلي من الأمر شيء ما عذبت العشاق، لأن ذنوبهم ذنوب اضطرار لا ذنوب اختيار. المجنون الشاعر أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه قال: أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني أبو علي الحسن بن صالح قال: قال مساور الوراق: قلت لمجنون كان عندنا، وكان شاعراً، ويقال إن عقله ذهب لفقد ابنة عم كانت له، فقلت له يوماً: أجز هذا البيت: وَما الحُبُّ إلاّ شُعلةٌ قَدحَتْ بها ... عيونُ المَها باللَّحظِ بينَ الجوانِحِ. قال فقال على المكان: ونارُ الهوى تَخفَى، وفي القلبِ فِعلُها ... كفعل الذي جادَت به كفُّ قادحِ. الجنة لمن عشق وعف أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بدمشق قال: حدثنا أبو الحسن علي بن أيوب بن الحسين بن أيوب القمي إملاء قال: حدثنا أبو عبيد الله المرزباني وأبو عمرو بن حيويه وأبو بكر بن شاذان قالوا: حدثنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي الملقب بنفطويه قال: دخلت على محمد بن داود الأصبهاني في مرضه الذي مات فيه، فقلت له: كيف تجدك؟ فقال: حبُّ من تعلم أورثني ما ترى. فقلت: ما منعك عن الاستمتاع به مع القدرة عليه؟ فقال: الاستمتاع على وجهين، أحدهما النظر المباح، والثاني اللذة المحظورة، فأما النظر المباح فأورثني ما ترى، وأما اللذة المحظورة فإنه منعني منها ما حدثني أبي قال: حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي، ﷺ ، أنه قال:

стр. 3

من عشق وكتم وعف وصبر غفر الله له وأدخله الجنة، ثم أنشدنا لنفسه: انظُرْ إلى السّحرِ يجري في لَوَاحظِه، ... وانظر إلى دَعَجٍ في طرفِهِ الساجي. وانظر إلى شَعَراتٍ فوقَ عارِضِه ... كأنّهُنّ نِمالٌ دَبّ في عاجِ. وأنشدنا لنفسه: ما لَهُم أنكرُوا سواداً بخدّي ... هـ، ولا يُنْكِرُونَ وَرْدَ الغُصُونِ. إنْ يَكُنْ عَيْبُ خدّه بُدَدَ الشَّعْ ... رِ، فَعَيْبُ العيونِ شعرُ الجُفونِ. فقلت له: نفيت القياس في الفقه، وأثبته في الشعر. فقال: غلبة الهوى، وملكة النفوس دعتا إليه. قال: ومات في ليلته أو في اليوم الثاني. العاشق الشهيد أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ قال: حدثنا أبو الحسن علي بن أيوب القمي قال: حدثنا محمد بن عمران قال: حدثني محمد بن مخزوم قال: حدثني الحسن بن علي الأشناني وأحمد بن محمد بن مسروق قالا: حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله، ﷺ : من عشق فظفر فعف فمات مات شهيداً.

стр. 4

سقراط والعشق أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قال: وأخبرنا أبو عمر محمد بن العباس قال: حدثنا أبو بكر بن المرزبان قال: قال سقراط الحكيم: العشق جنون، وهو ألوان كما أن الجنون ألوان. العاشق التقي أخبرنا الشيخ الصالح أبو طالب محمد بن علي بن الفتح العشاري بقراءتي عليه قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الله القطيعي إجازة قال: حدثنا جعفر بن محمد بن نصير الخالدي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال: حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا سويد بن سعيد أبو محمد قال: سمعت علي بن عاصم يقول: قال لي رجل من أهل الكوفة من بعض إخواني: ألا أريك فتىً عاشقاً؟ قال: بلى، والله، فإني أسمع الناس ينكرون العشق وذهاب العقل فيه، وإني لأحب رؤيته، فعدني يوماً أجئ معك فيه. قال: فوعدته يوماً فمضينا فأنشأ صاحبي يحدثني عن نسكه وعبادته، وما كان فيه من الاجتهاد، قلت: وبمن هو متعلق؟ قال: بجاريةٍ لبعض أهله كان يختلف إليهم، فوقعت في نفسه، فسألهم أن يبيعوها منه، فأبوا، وبذل لهم جميع ماله، وهو سبعمائة دينار، فأبوا عليه ضراراً وحسداً أن يكون مثلها في ملكه، فلما أبوا عليه، بعثت إليه الجارية، وكانت تحبه حباً شديداً: مرني بأمرك، فوالله لأطيعنك ولأنتهين إلى أمرك في كل ما أمرتني به. فأرسل إليها: عليك بطاعة الله، ، فإن عليها المعول والسكون إليها، وبطاعة من يملك رقك، فإنها مضمومة إلى طاعة ربك، ، ودعي الفكر في أمري لعل الله، ، أن يجعل لنا فرجاً يوماً من الدهر، فوالله ما كنت بالذي تطيب نفسي بنيل شيء

стр. 5

أحبه أبداً في ملكي، فأمنعه، أمد يدي إليه حراماً بغير ثمن، ولكن أستعين بالله على أمري، فليكن هذا آخر مرسلك إلي، ولا تعودي فإني أكره والله أن يراني الله تعالى، وأنا في قبضته، ملتمساً أمراً يكرهه مني، فعليك بتقوى الله، فإنها عصمة لأهل طاعته، وفيها سلو عن معصيته. قال: ثم لزم الاجتهاد الشديد، ولبس الشعر وتوحد، فكان لا يدخل منزله إلا من ليل إلى ليل، وهو مع ذلك مشغول القلب بذكرها ما يكاد يفارقه، فوالله ما زال الأمر به حتى قطعه، فو الآن ذاهب العقل واله في منزله. قال: ثم صرنا إلى الباب واستأذنا فأذن لنا. قال علي: فدخلت إلى دار قوراء سرية، وإذا أنا بشاب في وسط الدار على حصير متزر بإزار ومرتد بآخر. قال: فسلمنا عليه، فلم يرد علينا السلام، فجلسنا إلى جنبه، وإذا هو من أجمل من رأيت وجهاً، وهو مطرق ينكت في الأرض، ثم ينظر إلى ساعده، ثم يتنفس الصعداء، حتى أقول قد خرجت نفسه، وهو مع ذلك كالخلال من شدة الضر الذي به. قال: فالتفت، فإذا أن بوردة حمراء مشدودة في عضده، قال: فقلت لصاحبي: ما هذه؟ فوالله ما رأيت العام ورداً قبل هذه! فقال: أظن فلانة، وسماها، بعثت بها إليه، فلما سماها رفع رأسه فنظر إلينا ثم قال: جَعَلتُ من ورْدتِها ... تميمَةً في عَضُدي. أشُمّهَا مِن حبّهَا ... إذا عَلاني كمَدي.

стр. 6

فمَن رَأى مثلي فتىً ... بالحزنِ أضحى مرتدي. أسقمَه الحبُّ، فَقَد ... صَارَ حليفَ الأوَدِ. وَصَارَ سَهْواً دهرُه ... مُقارِناً للْكَمَدِ. قال: ثم أطرق، فقلت: الساعة، والله، يموت. اقل علي بن عاصم: وورد علي من أمره ما لم أتمالك، وقمت أجر ردائي، فوالله ما بلغت الباب حتى سمعت الصراخ فقلت: ما هذا؟ فقالوا: مات والله! قال علي: فقلت: والله لا أبرح حتى أشهده. قال: وتسامع الناس فجاؤوا بطبيب فقال خذوا في أمر صاحبكم، فقد مضى لسبيله، فغسلوه وكفنوه ودفنوه وانصرف الناس. فقال لي صاحبي: امض بنا! فقلت: امض أنت فإني أريد الجلوس ههنا ساعة، فمضى، فما زلت أبكي وأعتبر به. وأذكر أهل محبة الله، ، وما هم فيه. قال: فبينا أنا على ذلك، إذا أنا بجارية قد أقبلت كأنها مهاة، وهي تكثر الالتفات، فقالت لي: يا هذا! أين دفن هذا الفتى؟ قال علي: فرأيت وجهاً ما رأيت قبله مثله، فأومأت إلى قبره؟ قال: فذهبت إليه، فوالله ما تركت على القبر كثير تراب إلا ألقته على رأسها، وجعلت تتمرغ فيه، حتى ظننت أنها ستموت، فما كان بأسرع من أن طلع قوم يسعون حتى جاؤوا إليها، فأخذوها، وجعلوا يضربونها، فقمت إليهم فقلت: رفقاً بها، برحمكم الله! فقالت: دعهم أيها الرجل يبلغوا همتهم، فوالله لا انتفعوا بي بعده أيام حياتي، فليصنعوا بي ما شاؤوا. قال علي: فإذا هي التي كان يحبها الفتى، فانصرفت وتركتها.

стр. 7

رواية ثانية عن العاشق التقي . أنبأنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه قراءة عليه قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان إجازة قال: أخبرني عبد الله بن نصر المروزي قال: أخبرني عبد الله بن سويد عن أبيه قال: سمعت علي بن عاصم يقول: قال لي رجل من أهل الكوفة من بعض إخواني: هل لك في عاشقٍ تراه؟ فمضيت معه، فرأيت فتىً كأنما نزعت الروح من جسده، وهو مؤتزر بإزار ومرتد بآخر، وإذا هو مفكر، وفي ساعده وردة، فذكرنا له بيتاً من الشعر، فتهيج، وقال: وذكر الأبيات المتقدمة الخمسة، ثم أطرق، فقلنا: ما شأنه؟ فقالوا: عاشق جاريةً لبعض أهله فأعطى بها كل ما يملك، وهو سبعمائة دينار، فأبوا أن يبيعوها. فنزل به ما ترى، وفقد عقله. قال: فخرجنا فلبثنا ما شاء الله، ثم مات فحضرت جنازته، فلما سوي عليه، إذا أنا بجارية تسأل عن القبر، فدللتها، فما زالت تبكي وتأخذ التراب فتجعله في شعرها، فبينا هي كذلك إذا قوم يسعون فأقبلوا عليها ضرباً، فقالت: شأنكم، والله لا تنتفقون بي بعده أبداً. عاتبوه في سفك دمي ! ولي من أبيات: عاتِبوه اليَوْمَ في سَفكِ دمي ... فَعَسى عتبُكم يُحشِمُه. ثمّ قُولوا للّذي لم يُخطِني ... إذ رَمى، صَائِبَةً أسهُمُه: أحَلالٌ لكَ في شَرعِ الهَوَى ... دمُ مَن ليسَ حلالاً دمَهُ؟ بيَ جرحٌ في فؤادي من هوى ... شادنٍ أعوزني مَرْهَمُه.

стр. 8

مجنون دير هرقل أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني بقراءتي عليه بمكة في المسجد الحرام، بباب الندوة، في سنة ست وأربعين وأربعمائة قال: أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب قال: حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بن الصديق بنسف قال: حدثنا أبو يعلى محمد بن مالك الرقي قال: حدثنا عبد الله بن عبد العزيز السامري قال: مررت بدير هرقل أنا وصديق لي، فقال لي: هل لك أن تدخل فترى من فيه من ملاح المجانين؟ قلت: ذاك إليك. فدخلنا فإذا بشاب حسن الوجه، مرجل الشعر، مكحول العين، أزج الحواجب، كأن شعر أجفانه قوادم النسور، وعليه طلاوة تعلوها حلاوة، مشدود بسلسلة إلى جدار، فلما بصر بنا قال: مرحباً بالوفد، قرب الله ما نأى منكما، بأبي أنتما. قلنا: وأنت، فأمتع الله الخاصة والعامة بقربك، وآنس جماعة ذوي المروءة بشخصك، وجعلنا وسائر من يحبك فداءك. فقال: أحسن الله عن جميل القول جزاءكما، وتولى عني مكافأتكما. قلنا: وما تصنع في هذا المكان الذي أنت لغيره أهل؟ فقال: اللهُ يعلمُ أنّني كَمِدُ، ... لا أستطيعُ أبثُّ ما أجِد. نَفسانِ لي: نفسٌ تضَمّنَها ... بَلَدٌ، وأُخرَى حازَها بَلَدُ. أمّا المُقيمةُ ليس ينفعُها ... صَبرٌ، وليس بقربها جلَدُ. وأظنّ غائبَتي كشاهِدَتي، ... بِمكانِها تجِدُ الذي أجِدُ.

стр. 9

ثم التفت إلينا فقال: أحسنت؟ قلنا: نعم!، ثم ولينا فقال: بأبي أنتم ما أسرع مللكم، بالله أعيروني أفهامكم وأذهانكم. قلنا: هات! فقال: لمّا أناخوا، قُبَيْل الصُّبْحِ، عيسَهُمُ، ... وَرَحّلوها، فسارت بالهوى الإبلُ. وَقَلّبتْ، من خِلالِ السِّجفِ، ناظرَها، ... ترْنو إليّ وَدَمعُ العينِ مُنْهمِلُ. فَوَدّعَتْ بِبَنان عَقدُها عَنَمٌ، ... نادَيتُ لا حَمَلَتْ رِجلاكَ يا جَمَلُ. ويلي مِن البَينِ! ماذا حلّ بي وبِها؟ ... يا نازِحَ الدّارِ حلّ البينُ وارْتحلوا. يا رَاحِلَ العِيسِ عَرّجْ كيْ أُوَدّعَها، ... يا رَاحلَ العِيس في تَرْحالكَ الأجَلُ. إنّي على العَهدِ لم أنقض موَدَتكم، ... فليتَ شعري، وطالَ العهدُ، ما فعلوا؟ فقلنا، ولم نعلم بحقيقة ما وصف، مجوناً منا: ماتوا! فقال: أقسمت عليكم! ماتوا؟ فقلنا، لننظر ما يصنع: نعم! ماتوا. قال: إني والله ميت في أثرهم، ثم جذب نفسه في السلسلة جذبةً دلع منها لسانه، وندرت لها عيناه، وانبعثت شفتاه بالدماء، فتلبط ساعة، ثم مات. فلا أنسى ندامتنا على ما صنعنا.

стр. 10

هند المحرمة أخبرنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي بقراءتي عليه سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى بن علي النحوي قال: حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن أيوب السختياني عن ابن سيرين قال: قال عبد الله بن عجلان النهدي في الجاهلية: ألا إنّ هِنداً أصبحَت منك مَحْرَماً ... وأصْبحتَ من أدنى حُموّتها حَمى. وأصبحتَ كالمقمورِ جفن سلاحهِ ... يُقلّبُ بالكَفّينِ قوْساً وأسْهُمَا. ومد بها صوته حتى مات. المجنون الشاعر أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد بن عيسى بقراءتي أو قراءة عليه بمصر قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن القاسم بن مرزوق قال: أخبرنا إبراهيم بن علي بن إبراهيم البغدادي قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل قال: حدثني المبرد قال: خرجت أنا وجماعة من أصحابي مع المأمون، فلما قربنا من نحو الرقة فإذا نحن بدير كبير فأقبل إلي بعض أصحابي فقال: مل بنا إلى هذا الدير لننظر من فيه، ونحمد الله، سبحانه، على ما رزقنا من السلامة. فلما دخلنا إلى الدير رأينا مجانين مغلولين، وهم في نهاية القذارة، فإذا منهم شابٌ عليه بقية ثياب ناعمة، فلما بصر بنا قال: من أين أنتم يا فتيان، حياكم الله؟

стр. 11

فقلنا: نحن من العراق. فقال: يا بأبي العراق وأهلها! بالله أنشدوني أو أنشدكم؟ فقال المبرد: والله إن الشعر من هذا لطريف. فقلنا: أنشدنا! فأنشأ يقول: الله يعلمُ أنّني كَمِدُ ... لا أستطيعُ أبثُّ ما أجِدُ. روحانِ لي: رُوحٌ تضَمّنَها ... بلَدٌ، وأُخرَى حازَها بلَدُ. وَأرَى المُقيمَةَ ليس ينفعُها ... صبرٌ، ولا يقوَى بها جَلَدُ. وأظُنّ غائبَتي، كَشاهِدَتي، ... بِمكانها تجِدُ الذي أجِدُ. قال المبرد: إن هذا لطريف، والله زدنا! فأنشأ يقول: لمّا أناخُوا قُبَيْلَ الصُّبْحِ عِيسَهُمُ ... وَرَحّلوها، فسارت بالهوَى الإبلُ. وَأبرَزَتْ من خِلالِ السِّجْفِ ناظِرَها ... ترنو إليّ وَدمعُ العينِ مُنْهَمِلُ. وَوَدّعَتْ بِبَنانٍ عَقدُها عَنَمٌ، ... ناديتُ لا حَمَلَت رجلاك يا جَمَلُ! ويلي من البَينِ! ماذا حلّ بي وبِها، ... من نازِلِ البينِ حانَ الحَينُ وارْتَحَلوا. يا رَاحلَ العِيس عَجّل كيْ نُوَدّعَها! ... يا رَاحلَ العِيس في ترْحالكَ الأجلُ! إنّي على العَهدِ لم أنقض مَودّتَهم، ... فليتَ شعري لطولِ العهد ما فعلوا؟ فقال رجل من البغضاء الذين معي: ماتوا! قال: إذاً فأموت. فقال له: إن شئت. قال: فتمطى واستند إلى السارية التي كان مشدوداً فيها فما برحنا حتى دفناه.

стр. 12

فراقية ابن زريق أخبرنا أبو الحسين محمد بن علي بن محمد بن الجاز القرشي الأديب بالكوفة، وأنا متوجه إلى مكة سنة إحدى وأربعين وأربعمائة بقراءتي عليه، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن حاتم بن بكير البزاز التكريتي بتكريت قال: حدثني بعض أصدقائي أن رجلاً من أهل بغداد قصد أبا عبد الرحمن الأندلسي وتقرب إليه بنسبه، فأراد أبو عبد الرحمن أن يبلوه ويختبره، فأعطاه شيئاً نزراً، فقال البغدادي: إنا لله وإنا إليه راجعون! سلكت البراري والبحار والمهامه والقفار إلى هذا الرجل فأعطاني هذا العطاء النزر؟ فانكسرت إليه نفسه واعتل فمات. وشغل عنه الأندلسي أياماً، ثم سأل عنه فخرجوا يطلبونه، فانتهوا إلى الخان الذي كان فيه وسألوا الخانية عنه، فقالت: إنه كان في هذا البيت، ومذ أمس لم أره، فصعدوا فدفعوا الباب، فإذا بالرجل ميتاً، وعند رأسه رقعة فيها مكتوب: لا تَعْذُليهِ، فإنّ العَذلَ يولِعُهُ ... قد قلتِ حقّاً، ولكن ليس يسمعُهُ. جاوَزْتِ في نُصْحِهِ حدّاً أضرّ بِهِ ... من حيثُ قَدّرْتِ أن النصْحَ ينفعه. قد كان مضطلِعاً بالحَطْبِ يحمِلُه، ... فضُلّعَتْ بخطوب البَينِ أضلُعه.

стр. 13

ما آبَ مِن سفرٍ إلا وأزْعَجَهُ ... عزْمٌ إلى سَفَرٍ بالرُّغْمِ يُزْمِعُه. كَأنّما هُوَ في حلّ وَمُرْتَحَلٍ ... مُوَكَّلٌ بِقَضَاءِ اللهِ يَذرعه. أستَوْدعُ الله، في بغداد، لي قمراً ... بالكَرْخِ من فَلَكِ الأزْرَارِ مَطلعُه. وكم تَشَفّعَ بي أن لا أُفَارِقَهُ، ... وللضّرُوراتِ حالٌ لا تُشَفِّعُه. وكم تَشبّثَ بي يوْمَ الرّحيل ضُحى، ... وأدمُعي مُسْتَهِلاّتٌ وأدمُعُه. أُعْطيتُ ملكاً فلمْ أُحسِن سياستَه، ... وكلُّ مَن لا يسُوسُ المُلكَ يخلعُه. ومَن غدا لابساً ثوْبَ النّعيمِ بِلا ... شكرٍ عليه، فعنهُ اللهُ ينْزِعُه. قال لنا أبو الحسين محمد بن علي بن الجاز وزادني أبو علي الحسن بن علي المتصوف: والحِرْصُ في المرْء، والأرْزَاق قد قسمتْ، ... بَغيٌ، ألا إنّ بغيَ المرء يصرَعُه. لو أنني لم تقع عيني على بلد ... في سفرتي هذه إلا وأقطعه. اعتضتُ من وجه خِلّي، بعد فِرْقَتِهِ، ... كأساً تَجَرّعَ مِنها ما أُجَرَّعُه. فلما وقف أبو عبد الرحمن على هذه الأبيات بكى حتى اخضلت لحيته، وقال: وددت أن هذا الرجل حي وأشاطره نصف ملكي. وكان في رقعة الرجل: منزلي ببغداد في الموضع المعروف بكذا، والقوم يعرفون بكذا، فحمل إليهم خمسة آلاف دينار وسفتجة، وحصلت في يد القوم وعرفهم موت الرجل.

стр. 14

مجنون على الدرب أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني في المسجد الحرام بباب الندوة بقراءتي عليه قال: حدثنا الحسن بن محمد بن حبيب المذكر قال: سمعت أبا الفرج أحمد بن محمد بن بيان النهاوندي يقول: مررت بدرب أبي خلف، فإذا جماعة وقوف على مجنون فوقفت، فهش إلي وقال: سَقِّني قبلَ تَباريحِ العَطَش! ... إنّ يومي يومُ طشٍّ بعدَ رَشّ. حُبُّ مَن أهوَاهُ قد أدْهَشَني، ... لا خلَوْتُ الدهرَ من ذاكَ الدّهَش. لحم على وضم ولي في نسيب قصيدة مدحت بها أحد بني عقيل، ﵀، بالشام: قالَتْ، وَقَدْ قُوّضَتْ خِيامُهُمُ ... واستملوا للنّوَى بِذي سَلَمِ. للسائقِ المُستحِثّ: رُدّ على ... الواقفِ السَلامَ وَاسْتَقِمِ. فَصِحتُ وَجداً، والبينُ مُبتسِمٌ، ... ألقاهُ من مَفرِقي بِمُبتسَمي. اللهَ يا سَلْمَ في صرِيعِ هَوىً ... أبقيتِ منه لحماً على وَضَمِ.

стр. 15

عقربا الصدغين ولي أيضاً من نسيب قصيدة مدحت بها بعض الرؤساء ببغداد: يا خَليلَيّ اكشِفا عَنْ قِصّتي ... تجِدا نِضْواً من الحبّ لَقَا. فَأدالَ اللهُ، يا يومَ النَّوَى، ... مِنكَ، إذ أقْلَقْتَني يوْمَ اللِّقَا. إنّ في نهرِ المُعَلّى فَرْهَداً ... قَمَراً من فوْقِ غصنٍ في نَقَا. عَقرَبا صُدْغَيْهِ تسري، فَإذا ... لَدَغَتْ قَلباً تحامَته الرُّقى. قبر النديم أخبرنا أبو القاسم المحسن بن حمزة بن عبيد الله الوراق بقراءتي عليه بتنيس قال: حدثنا أبو علي الحسين بن علي الديبلي قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن علي قال: حدثنا أبو بكر بن دريد قال: حدثنا عبيد النعالي غلام أبي الهذيل قال: انصرفت من جنازة من مسجد الرضى في وقت الهاجرة، فلما دخلت سكك البصرة اشتد عليّ الحرّ فتوخيت سكةً ظليلة فاضطجعت على باب دار، فسمعت ترنماً يجذب القلب، فطرقت الباب واستسقيت ماء فإذا فتىً اجتهرني جماله، إلا أن أثر العلة والسقم عليه بين، فأدخلني إلى خيشٍ نظيف، وفرش سري، فلما اطمأننت خرج الفتى ومعه وصيفة معها طست وماء ومنديل، فغسلت رجلي

стр. 16

وأخذت ردائي ونعلي، وانصرفت، فلبثت يسيراً فإذا جارية أخرى وقد جاءت بطست وماء، فقلت: قد غسلت يدي. فقالت: إنما غسلت رجليك، فاغسل الآن يديك للغداء. وإذا الفتى قد أقبل ضاحكاً ليؤنسني، وأنا أعرف العبرة في عينيه وأتي بالطعام فأقبل يأكل نغض بما يأكله، وهو في ذلك يبسطني. فلما انقضى أكلنا أتينا بشراب فشرب قدحاً وشربت آخر، ثم زفر زفرةً ظننت أن أعضاءه قد نقضت وقال لي: يا أخي! إن لي نديماً، فقم بنا إليه! فقمت وتقدمني، ودخل مجلساً، فإذا قبر عليه ثوب أخضر، وفي البيت رمل مصبوب، فقعد على الرمل، وطرح لي مصلى، فقلت: والله لا قعدت إلا كما تقعد، وأقبل يردد العبرات ثم شرب كأساً وشربت وأنشأ يقول: أطَأُ الترابَ، وأنتَ رهنُ حَفيرَة، ... هالتْ يدايَ على صَداك ترابَها. إنّي لأعذر من مشى إن لم أطَأ ... بجفونِ عيني ما حَيِيتَ جِنَابها. لو أنّ جَمرَ جَوَانِحي مُتَلَبِّسٌ ... بالنّارِ أطْفأ حرَّهَا وأذابَهَا. ثم أكب على القبر مغشياً عليه، فجاءه غلام بماء فصبه على وجهه، فأفاق فشرب ثم أنشأ يقول: اليوْمَ ثابَ ليَ السرُورُ لأنّني ... أيقَنتُ أنّي عاجلاً بكَ لاحِقُ. فَغَداً أُقاسِمُكَ البِلى، وَيسوقُني ... طوْعاً إلَيكَ، من المَنِيّةِ، سائِقُ ثم قال لي: قد وجبت حقي عليك فاحضر غداً جنازتي! قلت: يطيل

стр. 17

الله عمرك. قال إني ميت لا محالة. فدعوت له بالبقاء فقال: لقد عققتني، ألا قلت: جاور خليلَك مُسعِداً في رَمْسِه، ... كَيما يَنالُكَ في البِلى ما نالَه. فانصرفت وطالت علي ليلتي، وغدوت فإذا هو قد مات. مريض مطوح . أخبرنا أبو علي محمد بن أبي نصر الأندلسي بمصر من لفظه قال: أخبرنا أبو محمد علي بن محمد الحافظ بالأندلس قال: أخبرنا أبو مروان عبد الملك بن أبي نصر السعدي قال: قال أبو النصر مسلمة بن سهل: حدثني أبو كامل مؤمل بن صالح البغدادي قال: قال أبو شراعة: بينا أنا أمشي بالبادية ناحية السماوة مصعداً إذا بفتىً من الأعراب ملوح الجسم معروقه، عليه قطيريتان، وهو محتضن صبياً يقول له: إذا حاذيت أبيات آل فلان، فارفع صوتك منشداً بهذه الأبيات، ولك إحدى بردتي هاتين. فجعل يكررها عليه ليحفظها فحفظها: مريضٌ بأفناءِ البيوتِ مُطَوَّحُ، ... أبى ما بهِ من لاعِجِ الشوْق يبرَحُ. يقولونَ: لو جئتَ النَّطاسيّ عل ما ... تَشكّاهُ من آلام وَجدكَ يُمصَحُ. وَلَيسَ دوَاءَ الدّاءِ إلاّ بخيلَةٌ ... أضرّ بِنا فيها غرامٌ مُبَرِّحُ. إذا ما سألْناها وِصَالاً تُنِيلُهُ ... فصُمُّ الصَّفا منها بذلك أسْمَحُ. فتبعت الصبي، وهو لا يشعر بي، فلما حاذباها رفع عقيرته بالأبيات

стр. 18

ينشدها، فسمعت من بعض الأبيات قائلاَ يقول: رَعى اللهُ مَن هامَ الفُؤادُ بحبّهِ، ... وَمَن كِدْتُ من شوْقٍ إليه أطيرُ. لَئِن كَثُرَتْ بالقلبِ أبراحُ لَوْعَةٍ، ... فإنّ الوُشاةَ الحاضرينَ كَثيرُ. يمشُّونَ، يستشرونَ غَيظاَ وَشِرّةً، ... وما منهمُ إلاّ أبلُّ غيورُ. فإنْ لم أزُرْ بالجسمِ رهبَةَ مُرْصَدٍ، ... فَبالقَلبِ آتي نحوكمْ فَأزُورُ. أفاق بعد لأي، وهو يقول: أظُنّ هوَى الخودِ الغرِيرَةِ قاتلي، ... فيا ليتَ شِعري ما بنو العمّ صُنّعُ. أرَاهمْ، وللرّحمنِ دَرُّ صَنِيعِهِم، ... تراكى دمي هدراً، وخابَ المُضَيَّعُ. حي على البهم أخبرنا أبو بكر الأردستاني بقراءتي عليه بمكة في المسجد الحرام قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا محمد بن سعيد قال: حدثنا عباس الترقفي قال: حدثنا عبد الله بن عمرو قال: حدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا أبو غياث البصري عن إبراهيم بن محمد الشافعي قال: بينا ابن أبي ملكية يؤذن إذ سمع الأخضر الجدي يتعنى في دار العاص بن

стр. 19

وائل ويقول: صغيرَينِ نرْعى البَهمَ، يا ليتَ أنّنَا ... إلى الآنِ لم نَكبَرْ، ولم تَكبَرِ البَهمُ. قال: فأسرع في الأذان، فأراد أن يقول: حي على الصلاة، فقال: حي على البهم، حتى سمعه أهل مكة، فجاء يعتذر إليهم. موت عروة بن حزام أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بالشام قال: أخبرنا أبو الحسين بن روح قال: حدثنا المعافى بن زكرياء قال: حدثني علي بن سليمان الأخفش قال: أخبرنا محمد بن يزيد قال: حدثني مسعود بن بشر المازني قال: حدثنا العتبي عن أبيه عن رجل عن هشام بن عروة عن النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري قال: وليت صدقات بني عذرة، قال: فدفعت إلى فتى تحت ثوب، فكشفت عنه، فإذا رجل لم يبق منه إلا رأسه، فقلت: ما بك؟ فقال: كأنّ قَطَاةً عُلّقَتْ بجَنَاحِهَا، ... على كَبِدي من شِدّةِ الخَفَقَان. جعلتُ لعرّافِ اليمامَةِ حُكمَهُ، ... وعرّافِ نجدٍ إنْ هُمَا شَفَياني. ثم تنفس حتى ملأ منه الثوب الذي كان فيه، ثم بخمد، فإذا هو قد مات، فأصلح من شأنه، وصليت عليه، فقيل لي: أتدري من هذا؟ هذا عروة بن حزام.

стр. 20

ذو الرمة ورسيس الهوى أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري الحافظ فيما أذن لنا في روايته قال: أخبرنا أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ قال: حدثني جعفر بن هارون بن رياب قال: حدثني عبد الله بن أبي سعد قال: حدثنا يزيد بن محمد بن المهلب بن المغيرة المهلبي قال: حدثني عبد الصمد بن المعذل عن أبيه عن جده غيلان بن الحكم قال: وفد علينا ذو الرمة، ونحن بكناسة الكوفة، فأنشدنا قصيدته الحائية فلما انتهى إلى قوله: إذا غَيّرَ النّأيُ المحبّينَ لم يَكَدْ ... رَسيسُ الهوَى من حُبّ مَيّةَ يبرَحُ. قال له ابن شبرمة: أراه قد برح. ففكر ثم قال: لم أجد. رسيس الهوى من حب مية يبرح. فرجعت بحديثهم إلى أبي الحكم البحتري، من المختار، فقال: أخطأ ابن شبرمة حين رد عليه، وأخطأ ذو الرمة حيث قبل منه، إنما هذا كقول الله : إذا أخرج يده لم يكد يراها أي لم يرها ولم يكد. موت الصوفي عاشق الغلام أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد بمصر بقراءتي عليه قال: حدثنا أبو صالح السمرقندي الصوفي قال: حدثنا الحسين بن القاسم بن أليسع قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو الدينوري قال: حدثنا أبو محمد جعفر بن عبد الله الصوفي الخياط قال: قال أبو حمزة: رأيت مع محمد بن قطن الصوفي غلاماً جميلاً، فكانا لا يفترقان في سفر ولا حضر، فمكثا بذلك زمناً طويلاً، فمات الغلام، وكمد عليه محمد بن قطن، حتى عاد جلداً وعظماً، فرأيته يوماً، وقد

стр. 21

خرج إلى المقابر، فاتبعته، فوقف على قبره قائماً يبكي، وينظر إليه والسماء تمطر بالمطر، فما زال واقفاً من وقت الضحى إلى أن غربت الشمس لم يبرح ولم يجلس، ويده على خده، فانصرفت عنه، وهو كذلك واقفاً، فلما كان من الغد خرجت لأعرف خبره، وما كان من أمره، فصرت إلى القبر، فإذا هو مكبوب لوجهه ميت، فدعوت من كان بالحضرة فأعانوني على حمله، فغسلته وكفنته في ثيابه ودفنته إلى جانب القبر. عاشق يخاف معصية الله وأخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد بمصر أيضاً بإسناده قال: قال أبو حمزة: ونظر محمد بن عبيد الله بن الأشعث الدمشقي، وكان من خيار عباد الله، إلى غلام جميل فغشي عليه، فحمل إلى منزله، واعتاده السقم حتى أقعد من رجليه، فكان لا يقوم عليهما زمناً طويلاً، فكنا نأتيه ونعوده، ونسأله عن حاله وأمره، وكان لا يخبرنا بقصته ولا بسبب مرضه، وكان الناس يتحدثون بحديث نظره، فبلغ ذلك الغلام، فأتاه عائداً، فهش إليه وتحرك وضحك في وجهه، واستبشر برؤيته، فما زال يعوده حتى قام على رجليه، وعاد إلى حالته. فسأله الغلام يوماً المصير إليه معه إلى منزله، فأبى أن يفعل، فكلمني أن أسأله أن يتحول إليه، فسألته، فأبى، فقلت: وما الذي تكره من ذلك؟ فقال: لست بمعصوم من البلاء، ولا آمن من الفتنة، وأخاف أن تقع علي من الشيطان محنة أو عند ظفر بفرصة فتجري بيني وبينه معصية فيحتجب الله عني يوم تظهر فيه الأسرار ويكشف فيه عن ساقٍ فأكون من الخاسرين.

стр. 22

ليلى العامرية ومجنونها أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءة عليه قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس ابن حيويه الخزاز قراءة عليه قال: حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني قاسم بن الحسن عن العمري قال: قال الهيثم بن عدي: حدثنا عثمان بن عمارة عن أشياخهم من بني مرة قال: رحل رجل منا إلى ناحية الشام مما يلي تيماء والشراة في طلب بغية له، فإذا هو بخيمة قد رفعت له، وقد أصابه مطر، فعدل إليها، فتنحنح، فإذا امرأة قد كلمته، فقالت له: انزل، فنزل وراحت إبلهم وغنمهم فإذا أمر عظيم وإذا رعاء كثير، فقالت لبعض العبيد سلوا هذا الرجل من أين أقبل؟ فقلت: من ناحية اليمامة ونجد. فقالت: أي بلاد نجد وطئت؟ قلت: كلها. قالت: بمن نزلت هنا؟ قلت: ببني عامرٍ، فتنفست الصعداء، وقالت: بأي بني عامر؟ فقلت: ببني الحريش. فاستعبرت، ثم قالت: هل سمعت بذكر فتى يقال له قيس ويلقب بالمجنون؟ فقلت، إي والله، ونزلت بأبيه، وأتيته حتى نظرت إليه، يهيم في تلك الفيافي، ويكون مع الوحش لا يعقل ولا يفهم إلا أن تذكر له ليلى فيبكي، وينشد أشعاراً يقولها فيها. قال: فرفعت الستر بيني وبينها، فإذا شقة قمرٍ لم تر عيني مثلها، فبكت وانتحبت حتى ظننت، والله، أن قبلها قد انصدع، فقلت لها: أيتها المرأة! اتقي الله، فوالله ما قلت بأساً، فمكثت طويلاً على تلك الحال من البكى والنحيب ثم قالت: ألا لَيْتَ شِعرِي، وَالخُطوبُ كثيرَةٌ، ... متى رَحلُ قيسٍ مُستَقِلٌّ فرَاجِعُ. بنفسي مَن لا يَستَقِلّ برَحلِه ... ومَن هو، إن لم يحفظ اللهُ، ضائعُ.

стр. 23

ثم بكت حتى غشي عليها، فلما أفاقت قلت: من أنت، بالله؟ قالت: أنا ليلى المشؤومة عليه، غير المساعدة له. فما رأيت مثل حزنها ووجدها، فمضيت وتركتها. ردوا على المشتاق قلبه الجريح . ولي من نسيب قصيدة مدحت بها أمير المؤمنين المقتدي بأمر الله: سَبَحَتْ حينَ أبصرَتَ ْمن دموعي ... لُجَّ بَحْرٍ قد أعْجَزَ السُّبّاحَا. ثُمّ قالَتْ لِتِرْبِهَا، في خَفَاءٍ ... ليتَ هذا الفَتى قضى فَاسترَاحَا. أيّها الرّاحِلونَ! رُدّوا على الْ ... مُشتاقِ قَلْباً أثْخَنْتُموهُ جِرَاحا. كَتمَ الوَجدَ جُهدَهُ، فَإذا الدّمْ ... عُ بِأسرَارِ وَجْدِهِ قدْ باحَا. باعَكم قَلبَهُ الكئيبَ سفاهاً، ... فَأخَذْتُمْ رُقَادَهُ استرباحَا. الرشيد وجارية زلزل أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءة عليه قال حدثنا أبو عمر بن حيويه الخزاز قال حدثنا محمد المفضل قال حدثني إسحاق بن إبراهيم المصلي عن أبيه قال لي زلزل وكان اسمه منصور عندي جارية من صالحها ومن صفتها قد علمتني الغناء فكنت اشتهي أن أرها فاستحي أساله فلما توفي

стр. 24

زلزل بلغني أن ورثته يعرضون الجارية، فصرت إليهم فأخرجوها، فإذا جارية كاد الغزال أن يكونها لولا ما تم منها ونقص منه، قال: قلت لها: غني صوتاً! فجيء بالعود فوضع في حجرها، فاندفعت تغني وتقول، وعيناها تذرفان: أقفَرَ من أوْتارِه العُودُ ... فالعُودُ للإقفارِ معمودُ. وَأوْحشَ المِزْمارُ من صَوْته ... فمَا لَه بعدَكَ تَغريدُ. مَن للمزاميرِ وَسُمّاعِهَا ... وعامِرُ اللّذاتِ مَفقُودُ. والخَمرُ تبكي في أبارِيقِهَا ... والقَينةُ الخَمصانَةُ الرُّودُ. ثم شهقت شهقة ظننت أن نفسها قد خرجت، فركبت من ساعتي، فدخلت على أمير المؤمنين فأخبرته بخبر الجارية، وما سمعت منها، فأمر بإحضارها، فلما دخلت عليه قال لها: عني الصوت الذي غنيت به إبراهيم! فغنت وجعلت تريد البكى فيمنعها إجلال أمير المؤمنين، فرحمها وأعجب بها، فقال: أتحبين أن أشتريك؟ فقالت: يا سيدي أما إذ خيرتني فقد وجب نصحك علي، والله لا يشتريني أحد بعد زلزلٍ فينتفع بي. فقال: يا إبراهيم! أتعلم بالعراق جاريةً جمعت ما جمعت هذه؟ إن وجدت فاشترها بشطر ما لي! فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين ولا على وجه الأرض فأمر بشرائها وأعتقها وأجرى عليها رزقاً.

стр. 25

اطلبوا نفسي أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن طاهر الدقاق بقراءتي عليه قال: أخبرنا الأمير أبو الحسن أحمد بن محمد بن المكتفي بالله قال: أنشدنا جحظة لنفسه: ويح نفسي عهدي بها في التراقي، ... قبلَ يوْمِ الفِراقِ، عند الفِرَاقِ. اطلبوها في حيثُ كنّا اعتَنَقْنَا، ... هلَكت في اشتغالِنا بالعِنَاقِ. وجهك أظرف أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن حسنون النرسي بقراءتي عليه قال: أخبرنا أبو حاتم محمد بن عبد الواحد بن محمد اللبان الرازي قال: حدثنا أبو محمد بيان بن يزداد القمي إجازة قال: أنشدني أحمد بن محمد القمي المؤدب: يَرَاكَ الفُؤادُ بعينِ الهَوَى، ... وَعينُ المَحَبّةِ لا تُخلِفُ. إذا غِبْتَ عن ناظرِ المُقلَتَيْ ... نِ فقلبي يراك وما يَطرِفُ. تمكّنَ في القلبِ من حبّكم ... عيونٌ من الحبّ ما تَنْزَفُ. فمَن يكُ من حبّه سالياً، ... فإنّيَ من حبّكم مُدْنَفُ. كلامٌ رَخيمٌ وَدلٌّ مليحٌ، ... وَوَجهُك من كلِّ ذا أظرْفُ.

стр. 26

العيون الدعج أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي الشروطي قال: أخبرنا علي بن أيوب القمي قال: حدثنا محمد بن عمران قال: حدثنا ابن دريد قال: حدثنا أبو عثمان سعيد بن هارون الاشنانداني قال: أخبرني التوزي قال: سمعت أبا عبيدة يقول: قال رجل من بني فزارة لرجل من عذرة: تعدون موتكم من الحب مزية، أي فضيلةً، وإنما ذلك من ضعف البنية، ووهن العقيدة، وضيق الروية. فقال العذري: أما لو أنكم رأيتم المحاجر البلج ترشق بالأعين الدعج من فوقها الحواجب الزج، والشفاه السمر تفتر عن الثنايا الغر، كأنها سرد الدر، لجعلتموها اللات والعزى، ودفعتم الإسلام وراء ظهوركم. صريع الغواني أنبأنا أحمد بن علي قال: حدثنا علي بن أيوب قال: حدثنا محمد بن عمران قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة عن أبي العباس محمد بن يزيد المبرد: أن مسلم بن الوليد الأنصاري لما وصل الرشيد في أول يوم لقيه أنشده قصيدته التي يصف فيها الخمر، وأولها: أديرَا عليّ الكَأسَ لا تَشرَبَا قَبْلي، ... ولا تَطلُبا من عند قاتلي ذَحلي.

стр. 27

فاستحسن ما حكاه من وصف الشراب واللهو والغزل وسماه يومئذ صريع الغواني بآخر بيت منها وهو: هلِ العيشُ إلاّ أن ترُوحَ معَ الصِّبا، ... وتغدو صريعَ الكأس والأعينِ النُّجل. غليل ودموع أخبرنا أبو بكر الأردستاني بقراءتي عليه في المسجد الحرام بباب الندوة قال: أخبرنا ابن حبيب المذكر قال: دخلت دار المرضى بنيسابور فرأيت شاباً من أبناء النعم، يقال له أبو صادق السكري، مشدوداً، وهو يجلب ويصيح، فلما بصر بي قال: أتروي من الشعر شيئاً؟ قلت: نعم! قال: من شعر من؟ قلت: من شعر من شئت. قال: من شعر البحتري؟ قلت: أي قصيدة تريد؟ فقال: ألَمْعُ بَرقٍ سرى أم ضوْءُ مِصْبَاحِ ... أمِ ابتسامتُها بالمَنظَرِ الضّاحي؟ فأنشدته القصيدة، فقال: فأنشدك قصيدة؟ قلت: نعم! فأخذ في إنشاد قصيدته: أقصِرَا! إنّ شأنِيَ الإقصَارُ، ... وَأقِلاَ لا ينفَعُ الإكثارُ. حتى بلغ قوله: إن جرَى بينَنا وبينَكِ عتَبٌ، ... أوْ تناءتْ منّا ومنكِ الديارُ. فالغَليلُ الذي عهِدتِ مُقيمٌ، ... والدموعُ التي شهِدتِ غِزارُ. فقفز وجعل يرقص في قيده ويصيح إلى أن سقط مغشياً عليه.

стр. 28

عبد الله بن جعفر وجاريته . وجدت بخط أحمد بن محمد بن علي الأنبوسي، ونقلته من أصله، قال: حدثنا أبو محمد علي بن عبد الله بن المغيرة قال: حدثني جدي قال: حدثني عمي قال: حدثني علي بن أبي مريم قال: حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثني بكر بن إسحاق النجلي قال: حدثنا أبو سهل محمد بن عمر الأنصاري عن محمد بن سيرين قال: نظر عبد الله بن جعفر إلى جارية له كان يحبها حباً شديداً وهي تلاحظ مولاه فسألها: بالله هل تحبين فلاناً؟ فقالت: أعيذك بالله يا سيدي! قال فسألها: بالله لا تكتميني ذلك! فسكتت فأعتقها ودعاه فزوجها إياه. قال: ثم إن نفسه تتبعتها فدعا مولاه فقال: أتنزل عنها ولك عشرة آلاف درهم؟ قال: لا والله، ولا مائة ألف درهم. قال: بارك الله لك فيها! قال فأعرض عنها.؟ قال: فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيراً حتى مات مولاه وتزوجها ابن جعفر بعد ذلك. قال ابن حسين فذكرت هذا الحديث لأبي ياسين الرقي فحدثني عن بعض أصحابه أن عبد الله بن جعفر لما دخلت عليه أنشأ يقول: رضيتُ بحُكم الله في كلّ أمرِه، ... وَسَلّمتُ أمرَ اللهِ فيّ كما مضى. بَلاني وأبلاني بحُبّ دَنِيّةٍ، ... وَصَبّرَني حتى امَّحى الحبُّ فانقضى. لَعَمرِيَ! ما حُبّي بحُبّ مَلالَةً، ... ولا كانَ وُدّي زائلاً فَتَنَقّضَا. ولكنّ حبّي معْهُ دَلٌّ يزينهُ، ... وَيُعرِضُ أحياناً إذا الحِبُّ أعرَضَا.

стр. 29

صريعا الحب أخبرنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي قراءة عليه قال: أخبرنا أبو محمد عبيد الله بن محمد بن علي الجرادي الكاتب قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد قال: أخبرنا عبد الرحمن عن عمه عن يونس قال: انصرفت من الحج فمررت بماوية وكان لي فيها صديق من بني عامر بن صعصعة، فصرت إليه مسلماً، فأنزلني، فبينا أنا عنده، ونحن قاعدان بفنائه، إذا نساءٌ مستبشرات، وهن يقلن: تكلم تكلم! فقلت: ما هذا؟ فقالوا: فتىً منا كان يعشق ابنة عم له، فزوجت، وحملت إلى ناحية الحجاز، فإنه لعلى فراشه منذ حول ما تكلم، ولا أكل، إلا أن يؤتى بما يأكله ويشربه. فقلت: أحب أن أراه. فقام، وقمت معه فمشينا غير بعيد، وإذا بفتىً مضطجع بفناء بيت من تلك البيوت، لم يبق منه إلا خيال، فأكب الشيخ عليه يسأله، وأمه واقفة، فقالت: يا مالك! هذا عمك أبو فلان يعودك، ففتح عينيه، وأنشأ يقول: ليبكِني اليومَ أهلُ الوُدّ والشَّفَقِ، ... لم يبقَ من مهجتي إلاّ شفا رَمَقِ. اليوْمَ آخرُ عَهدي بالحياةِ، فَقَد ... أُطلِقتُ من رَبقَةِ الأحزانِ والقَلَقِ. ثم تنفس الصعداء فإذا هو ميت، فقام الشيخ، وقمت فانصرفت إلى خبائه فإذا جارية بضة تبكي وتتفجع. فقال الشيخ: ما يبكيك؟ فأنشأت تقول: ألا أُبَكّي لِصَبّ شَفّ مُهْجَتَهُ ... طولُ السَّقامِ وأضنى جسمَه الكَمَدُ. يا لَيتَ مَن خَلّفَ القلبَ الهَيومَ به، ... عِندي فأشكو إليه بعض ما أجِدُ. أنَشْرُ تُرْبِكَ أسرَى لي النسيمُ بهِ، ... أم أنتَ حيثُ يُناطُ السَّحرُ والكَبِدُ.

стр. 30

ثم انثنت على كبدها، وشهقت، فإذا هي ميتة. قال يونس: فقمت من عند الشيخ وأنا وقيذ. أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن طاهر الدقاق قال: حدثنا الأمير أبو الحسن أحمد بن محمد المكتفي بالله قال: حدثنا ابن دريد فذكر القصة. أجساد بغير قلوب . أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي التوزي قال: أخبرنا أبو محمد بن الجرادي الكاتب قال: حدثنا أبو بكر بن دريد قال: أنشدنا العكلي عن أبيه لداود بن سلم التميمي: ما ذَرّ قَرْنُ الشّمْسِ إلاّ ذَكرْتُها، ... وَيذكِرُنيها ما دَنَتْ لِغُرُوبِ. واذكُرُها ما بينَ ذاكَ وَبعدَهُ، ... وبالليلِ أحلامي، وَعندَ هُبوبِ. وَبُلّيتُها شوْقاً، وَبَلاّنِيَ الهَوَى، ... وأعيا الذي بي طِبَّ كلّ طبيبِ. وأعجبُ أنّي لا أموتُ صَبَابَةً، ... وما كمَدٌ مِنْ عَاشِقٍ بِعَجيبِ. وكم لامَ فيها من مُؤدّ نصيحَةً، ... فقلتُ له: أقصِرْ، فغيرُ مُصيبِ. أتَأْمُرُ إنْساناً بفُرْقَةِ قلْبِهِ؟ ... أتُصْلِحُ أجساداً بِغَيْرِ قُلُوبِ؟ وكُلُّ محِبٍّ قد سلا، غيرَ أنّني ... غريبٌ! ألا يا ويحَ كلِّ غريبِ.

стр. 31

السل داء الحب أخبرنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي فيما أذن لنا في روايته قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه الخزاز قال: أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان إجازة قال: حدثنا أحمد بن منصور بن سوار قال: حدثنا نوح بن يزيد المعلم قال: حدثنا إبراهيم بن سعد قال: حدثني محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن زبير قال: سمعت رجلاً من بني عذرة عند عروة بن الزبير يحدثه، فقال عروة: يا هذا بحق أقول لكم إنكم أرق الناس قلوباً. فقال: نعم، والله، لقد تركت بالحي ثلاثين قد خامرهم السل، وما بهم داء إلا الحب. مجنون وعليلة أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد بن علي الوراق من حفظه قال: حكى لي أبو الحسين علي بن الحسين الصوفي المعروف برباح قال: حدثني بعض أصدقائي أنه دخل إلى بعض المارستانات ببغداد فرأى شاباً حسن الوجه، نظيف الثياب، جالساً على حصير نظيف، وعن يساره مخدة نظيفة، وفي يده مروحة، وإلى جانبه كوز فيه ماء، فسلمت عليه، فرد السلام أحسن رد، فقلت له: هل لك من حاجة؟ فقال: نعم! أريد قرصين وعليهما فالوذج، فمضيت فجئته بذلك، وجلست مقابله حتى أكل، ثم قلت له: أبقي لك حاجة؟ فقال: نعم، ولا أظنك تقدر عليها. فقلت: اذرها، فلعل الله أن ييسرها. فقال: تمضي إلى نهر الدجاج درب أحمد الدهقان، إلى دار على باب زقاق الغفلة، فاطرق الباب وقل: إن فلاناً قال لي:

стр. 32

مُرَّ بالحبيبِ وَقُلْ لهُ: ... مجْنونُكم مَن ذا يحلّه؟. قال: فمضيت وسألت عن الدرب والزقاق، فدللت عليه، فطرقت الباب، فخرجت إليّ عجوز فأبلغتها الرسالة، فدخلت وغابت عني ساعة، ثم خرجت فقالت: ارْجعْ إلَيه وقُل لَهُ: ... علِيلُكم مَن ذا أعلّه. فرجعت إلى الفتى فأخبرته بالجواب، فشهق شهقةً فمات، وعدت إلى القوم أخبرهم بذلك، فوجدت الصراخ في الدار، وقد ماتت الجارية، أو كما قال. الحب للحبيب الأول أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي بن الفضل الأرجي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الهمذاني بمكة في المسجد الحرام قال: حدثنا محمد بن علي بن المأمون قال: حدثنا أبو محمد الرقاقي قال: خرج أبو حمزة يشيع بعض الغزاة، وكان راكباً، فسمع قائلاً يقول: نَقِّلْ فُؤادَك حيثُ شئتَ من الهوَى، ... ما الحُبّ إلاّ للْحَبِيبِ الأوّل. فسقط حتى خشينا عليه. دين الغدر ولي من قطعة: يا مَن رَمى قلبي فلم يُخطِه، ... أصميتني قتلاً، ولم أدرِ. ساعدَكَ الحبُّ على مَقتَلي، ... كلاكما قد دان بالغدرِ.

стр. 33

سواجع وهواتف أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن طاهر الدقاق بقراءتي عليه قال: أخبرني الأمير أبو الحسن أحمد بن محمد بن المكتفي بالله قال: حدثنا ابن دريد قال: حدثنا الرياشي عن الأصمعي قال: أخبرني مسجع بن نبهان قال: حدثني رجل من بني الصيداء من أهل الصريم قال: كنت أهوى جاريةً من باهلة، وكان قومها قد أخافوني، وأخذوا علي المسالك، فخرجت ذات يوم، فإذا حمامات يسجعن على أفنان أيكات متناوحاتٍ في سرارة واد، فاستفزني من الشوق ما لم أعقل معه بشيء، فركبت، وأنا أقول: دعَتْ، فوْق أغصَانٍ من الأيكِ مَوهِناً، ... مطوَّقَةٌ ورْقاءُ في إثر آلفِ. فهاجَتْ عقابيلَ الهوَى، إذ ترَنّمَتْ، ... وَشَبّتْ ضِرَامَ الشوْق بينَ الشراسفِ. لكني خرجت فآواني الليل إلى حي فخفت أن يكونوا من قومها فبت في القفر، فلما هدأت الرجل إذا قائل يقول: تمتع من شَميمٍ عَرِارِ نجدٍ ... فما بعدَ العَشيّةِ من عَرَارِ. فتألمت من ذلك ثم غلبتني عيناي، فإذا آخر يقول: وَلا شيء بَعدَ اليوْمِ إلاّ تَعِلّةً ... من الطيفِ أو تلقى بها منزِلاً قفرَا. فزادني ذلك قلقاً، ثم نمت فإذا ثالث يقول: لن يُلبِثَ القرناءَ أن يتفَرّقوا، ... ليَلٌ يَكُرّ علَيهِمُ وَنَهَارُ.

стр. 34

فقمت، فغيرت وركبت متنكباً عن الطريق، فلما برق الفجر، إذا راعٍ مع الشروق قد سرح غنمه وهو يتمثل: كَفى باللّيالي مخلّفاتٍ لجِدّةٍ ... وبالموْتِ قَطّاعاً حبالَ القرائنِ. فأظلمت علي الأرض فتأملته فعرفته، فقلت: فلان؟ قال: فلان. قلت: ما وراءك؟ قال: ضاجعت، والله، رملة الثرى، فما لبثت أن سقطت عن بعيري فما أفقت حتى حميت الشمس عليّ، وقد عقل الغلام ناقتي، وقد مضى، فكررت إلى أهلي، وأنشأت أقول: يا رَاعيَ الضّأنِ! قد أبقيتَ لي كَمَداً ... يبقى ويُتلفني، يا راعيَ الضّانِ. نعيتَ نفسي إلى نفسي، فكيفَ إذاً، ... أبقى، ونفسيَ في أثناءِ أكفاني؟ لوْ كنتَ تَعلَمُ ما أسأرْتَ في كَبِدي، ... بَكيتَ ممّا ترَاهُ اليوْمَ أبْكاني. من الحب اليائس إلى التعبد أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي بن شكر قال: حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الله الهمذاني بمكة قال: حدثنا إبراهيم بن علي قال: حدثنا محمد بن جعفر الكاتب عن محمد بن الحسن البرجلاني عن جعفر بن معاذ قال: أخبرني أحمد بن سعيد العابد عن أبيه قال: كان عندنا بالكوفة شاب يتعبد ملازماً للمسجد الجامع، لا يكاد يخلو منه، وكان حسن الوجه، حسن القامة، حسن السمت، فنظرت إليه امرأة ذات جمال، وعقل، فشغفت به، وطال ذلك عليها، فلما كان ذات يوم وقفت له على طريقه، وهو يريد المسجد، فقالت له: يا فتى اسمع مني كلمات أكلمك بها، ثم اعمل ما شئت. فمضى ولم يكلمها. ثم وقفت

стр. 35

له بعد ذلك على طريقه، وهو يريد منزله، فقالت له: يا فتى اسمع كلمات أكلمك بها. فأطرق فقال لها: هذا موقف تهمة، وأنا أكره أن أكون للتهمة موضعاً. فقالت له: والله ما وقفت موقفي هذا جهالةً مني بأمرك، ولكن معاذ الله أن يتشوف العباد إلى مثل هذا مني، والذي حملني على أن لقيتك في هذا الأمر بنفسي معرفتي أن القليل من هذا عند الناس كثير، وأنتم، معاشر العباد، في مثال القوارير أدنى شيء يعيبه، وجملة ما أكلمك به أن جوارحي كلها مشغولة بك، فالله الله في أمري وأمرك. قال: فمضى الشاب إلى منزله، وأراد أن يصلي فلم يعقل كيف يصلي، فأخذ قرطاساً وكتب كتاباً، ثم خرج من منزله. فإذا بالمرأة واقفة في موضعها، فألقى إليها الكتاب، ورجع إلى منزله. وكان في الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم. اعلمي أيتها المرأة أن الله، ﵎، إذا عصي حلم، فإذا عاود العبد المعصية ستر، فإذا لبس لها ملابسها غضب الله، ، لنفسه غضبةً تضيق منها السموات والأرضون والجبال والشجر والدواب، فمن ذا الذي يطيق غضبه؟ فإن كان ما ذكرت باطلاً، فإني أذكرك يوماً تكون السماء كالمهل، وتصير الجابل كالعهن، وتجثو الأمم لصولة الجبار العظيم، وإني والله قد ضعفت عن إصلاح نفسي، فكيف بصلاح غيري، وإن كان ما ذكرت حقاً فإني أدلك على طبيب، هو ولي الكلوم الممرضة، والأوجاع المرمضة، ذلك الله رب العالمين، فاقصديه على صدق المسألة، فإني متشاغل عنك بقوله، : وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين، ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع، يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، والله يقضي بالحق، فأين المهرب من هذه الآية؟ ثم جاءت بعد ذلك بأيام فوقفت له على طريقه، فلما رآها من بعيد

стр. 36

أراد الرجوع إلى منزله لئلا يراها، فقالت: يا فتى لا ترجع، فلا كان الملتقى بعد هذا أبداً إلا بين يدي الله، . وبكت بكاءً كثيراُ، ثم قالت: أسأل الله، . الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهل ما قد عسر من أمرك. ثم تبعته فقالت: امنن علي بموعظة أحملها عنك، وأوصني بوصية أعمل عليها! فقال لها الفتى: أوصيك بحفظ نفسك من نفسك وأذكرك قوله : وهو الذي يتوفاكم بالليل، ويعلم ما جرحتم بالنهار. قال: فأطرقت، وبكت بكاءً أشد من بكائها الأول، ثم أفاقت، فقالت: والله ما حملت أنثى ولا وضعت إنساً كمثلك في مصري وأحيائي. وذكرت أبياتاً آخرها: لألبسَنّ لهذا الأمرِ مِدْرَعَةً، ... ولا ركنتُ إلى لذّاتِ دنُيايا. ثم لزمت بيتها فأخذت بالعبادة. قال: فكانت إذا أجهدها الأمر تدعو بكتابه فتضعه على عينيها، فيقال لها: وهل يغني هذا شيئاً؟ فتقول: وهل لي دواء غيره؟ وكان إذا جن عليها الليل قامت إلى محرابها، فإذا صلت قالت: يا وَارِثَ الأرْض هبْ لي منك مغفِرَةً، ... وحلّ عني هوى ذا الهاجِرِ الدّاني. وانظُرْ إلى خَلّتي، يا مُشتَكى حَزَني، ... بنَظرَةٍ منك تجلو كلَّ أحزَاني. فلم تزل على ذلك حتى ماتت كمداً، وكان الفتى يذكرها بعد موتها ثم يبكي عليها، فيقال له: مم بكاؤك، وأنت قد أيستها؟ فيقول: إني ذقت طعمها مني في أول أمرها وجعلت قطعها ذخيرةً لي عند الله، ،

стр. 37

وإني لأستحيي من الله، ،؟ أن أسترد ذخيرةً ذخرتها عنده. قال لنا الشيخ أبو القاسم الأزجي، ﵀: ووجدت في نسخة زيادةً مسموعة عن الزينبي شيخنا، ﵀، قال: ثم إن الجارية لم تلبث أن بليت ببلية في جسمها، فكان الطبيب يقطع من لحمها أرطالاً لأنه قد عرف حديثها مع الفتى، فكان إذا أراد أن يقطع لحمها يحدثها بحديث الفتى فما كانت تجد لقطع لحمها ألماً ولا كانت تتأوه، فإذا سكت عن ذكره تأوهت. قال: فلم تزل كذلك حتى ماتت كمداً. خارب بيته أخبرني القاضي أبو القاسم التنوخي إجازة وحدثني أحمد بن ثابت الحافظ عنه قال: أنشدني أبو عبد الله بن الحجاج لنفسه: يا سيّدي! عبدُك لِمْ تقتلُه؟ ... رَأيتَ من يفعلُ ما تفعلُه؟ نزلتَ في قلبي، فيا سيّدي ... لِمْ تًخٍربُ البيتَ الذي تنزِلُه؟ آه من البين أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني بمكة في المسجد الحرام سنة ست وأربعين وأربعمائة على باب الندوة بقراءتي عليه قال: أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب قال: سمعت أبا علي الحسن بن أحمد بن علي الزنجاني الصوفي بأسفرايين يقول: سمعت عبد العزيز بن سعيد المنجوري يقول: سمعت سهلان القاضي يقول: بينا أنا مار في طرقات جبل شورى، وقد مرت علي قافلة عظيمة، إذا نحن بشاب على الطريق ذاهب العقل، مدهوش، عريان وبين يديه

стр. 38

خلقان ممزقات فقال لي: أين رأيت القافلة؟ قلت: في موضع كذا. قال: آه من البين! آه من البين! آه من دواعي الحين! فقلت: وما دهاك؟ فقال: شيّعتُهم من حيثُ لم يَعلَموا، ... وَرُحتُ، والقلبُ بهِم مُغرَمُ. سألتُهُم تَسْلِيمَةً مِنْهُم ... عليّ، إذ بانوا، فَما سَلّمُوا. سارُوا، ولم يرثُوا لمُستَهتَرٍ، ... ولم يُبالوا قَلبَ مَن تَيّموا. واستحسنوا ظلمي، فمِن أجلِهم ... أحبَّ قلبي كلَّ من يَظلِمُ. وفاء زوجة أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءة عليه قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه قال: أخبرنا محمد بن خلف قال: أخبرني أبو بكر العامري عن مصعب بن عبد الله الزبيري قال: تزوج مالك بن عمرو الغساني بابنة عم النعمان بن بشير فشغف كل واحد منهما بصاحبه، وكان مالك شجاعاً، فاشترطت عليه أن لا يقاتل إذا لقي، شفقةً عليه وضناً به، وإنه غزا حياً من لخم، فباشر القتال، فأصابته جراح فقال، وهو مثقل منها: ألا ليتَ شِعري عن غزالٍ تركتُه، ... إذا ما أتاهُ مصرعي كيفَ يَصْنَعُ؟. فَلَوْ أنّني كنتُ المُؤخَّرَ بَعدَهُ، ... لَما بَرِحَتْ نفسي عَلَيه تَطَلّعُ. وإنه مكث يوماً وليلةً ثم مات من جراحه، فلما وصل خبره إلى زوجته بكته سنةً، ثم اعتقل لسانها فامتنعت من الكلام، وكثر

стр. 39

خطابها، فقال عمومتها وولاة أمرها: نزوجها لعل لسانها ينطلق، ويذهب حزنها، فإنما هي من النساء، فزوجوها بعض أبناء الملوك فساق إليها ألف بعيرٍ، فلما كان في الليلة التي أهديت إليه فيها قامت على باب القبة ثم قالت: يقولُ رِجالٌ: زَوِّجوهَا لَعَلّهَا ... تَقَرُّ، وترْضى بعدَهُ بخَلِيلٍ. فأخفَيتُ في النّفسِ التي ليسَ بعدَها ... رَجاءٌ لهم، والصّدقُ أفضَلُ قِيلِ. وَحَدّثَني أصْحابُهُ أنّ مالِكاً ... أقامَ، ونادَى صَحَبَهُ بِرَحيلِ. وَحَدّثَني أصْحابُهُ أنّ مالِكاً ... ضَرُوبٌ بِنَصْلِ السيفِ غيرُ نكولِ. وَحَدّثَني أصْحابُهُ أنّ مالِكاً ... خَفِيفٌ على الأحْداثِ غيرُ ثَقيلِ. وَحَدّثَني أصْحابُهُ أنّ مالِكاً ... صرومٌ كماضي الشّفرَتينِ صَقيلِ. وأخبرنا أبو محمد الجوهري قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه قال: حدثنا محمد بن خلف قال: أخبرنا أبو بكر العامري قال: حدثني عمرو بن محمد العبقري قال: أخبرني شيخ أثق به، وذكر الحديث، وزاد فيه: فلما فرغت من الشعر شهقت شهقةً فماتت.

стр. 40

جميل والبنات العذريات أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس قال: حدثنا محمد بن خلف. قال: أخبرني أبو بكر قال: أخبرنا المدايني قال: قال هشام بن محمد سمعت رجلاً من بني عذرة يحدث قال: لما علق جميل بثينة وجعل ينسب بها استعدى عليه أهلها ربعي بن دجاجة، وهو يومئذ أمير تيماء، قال: فخرج جميل هارباً حتى انتهى إلى رجل من عذرة، بأقصى بلادهم، وكان سيداً، فاستجار به، وكان للرجل سبع بنات، فلما رأى جميلاً رغب فيه، وأراد أن يزوجه ليسلو عن بثينة، فقال لبناته: البسن أحسن ثيابكن وتحلين بأحسن حليكن، وتعرضن له، فلعل عينه أن تقع على إحداكن فأزوجه. قال: وكان جميل: إذا أراد الحاجة، أبعد في المذهب، فإذا أقبل رفعن جانب الخباء، فإذا رآهن صرف وجهه، قال: ففعلن ذلك مراراً، فعرف جميل م أراد به الشيخ، فأنشأ يقول: حلفتُ لكيما تعلمينيَ صادِقاً، ... ولَلصِّدق خيرٌ في الأمورِ وَأنجحُ. لَتَكليمُ يوْمٍ واحدٍ من بُثَينَة ... وَرُؤيتُها عندي ألَذّ وأملَحُ. من الدهرِ لوْ أخلو بكنّ، وإنّما ... أُعالجُ قلباً طامحاً حيثُ يطمحُ. فقال الشيخ: أرخين عليكن الخباء، فوالله لا يفلح هذا أبداً.
следующие страницы →