← Адаб

Адаб · id 26549

مصارع العشاق

السراج القارئ

Полный текст (611 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أراد الرجوع إلى منزله لئلا يراها، فقالت: يا فتى لا ترجع، فلا كان الملتقى بعد هذا أبداً إلا بين يدي الله، . وبكت بكاءً كثيراُ، ثم قالت: أسأل الله، . الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهل ما قد عسر من أمرك. ثم تبعته فقالت: امنن علي بموعظة أحملها عنك، وأوصني بوصية أعمل عليها! فقال لها الفتى: أوصيك بحفظ نفسك من نفسك وأذكرك قوله : وهو الذي يتوفاكم بالليل، ويعلم ما جرحتم بالنهار. قال: فأطرقت، وبكت بكاءً أشد من بكائها الأول، ثم أفاقت، فقالت: والله ما حملت أنثى ولا وضعت إنساً كمثلك في مصري وأحيائي. وذكرت أبياتاً آخرها: لألبسَنّ لهذا الأمرِ مِدْرَعَةً، ... ولا ركنتُ إلى لذّاتِ دنُيايا. ثم لزمت بيتها فأخذت بالعبادة. قال: فكانت إذا أجهدها الأمر تدعو بكتابه فتضعه على عينيها، فيقال لها: وهل يغني هذا شيئاً؟ فتقول: وهل لي دواء غيره؟ وكان إذا جن عليها الليل قامت إلى محرابها، فإذا صلت قالت: يا وَارِثَ الأرْض هبْ لي منك مغفِرَةً، ... وحلّ عني هوى ذا الهاجِرِ الدّاني. وانظُرْ إلى خَلّتي، يا مُشتَكى حَزَني، ... بنَظرَةٍ منك تجلو كلَّ أحزَاني. فلم تزل على ذلك حتى ماتت كمداً، وكان الفتى يذكرها بعد موتها ثم يبكي عليها، فيقال له: مم بكاؤك، وأنت قد أيستها؟ فيقول: إني ذقت طعمها مني في أول أمرها وجعلت قطعها ذخيرةً لي عند الله، ،

стр. 37

وإني لأستحيي من الله، ،؟ أن أسترد ذخيرةً ذخرتها عنده. قال لنا الشيخ أبو القاسم الأزجي، ﵀: ووجدت في نسخة زيادةً مسموعة عن الزينبي شيخنا، ﵀، قال: ثم إن الجارية لم تلبث أن بليت ببلية في جسمها، فكان الطبيب يقطع من لحمها أرطالاً لأنه قد عرف حديثها مع الفتى، فكان إذا أراد أن يقطع لحمها يحدثها بحديث الفتى فما كانت تجد لقطع لحمها ألماً ولا كانت تتأوه، فإذا سكت عن ذكره تأوهت. قال: فلم تزل كذلك حتى ماتت كمداً. خارب بيته أخبرني القاضي أبو القاسم التنوخي إجازة وحدثني أحمد بن ثابت الحافظ عنه قال: أنشدني أبو عبد الله بن الحجاج لنفسه: يا سيّدي! عبدُك لِمْ تقتلُه؟ ... رَأيتَ من يفعلُ ما تفعلُه؟ نزلتَ في قلبي، فيا سيّدي ... لِمْ تًخٍربُ البيتَ الذي تنزِلُه؟ آه من البين أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني بمكة في المسجد الحرام سنة ست وأربعين وأربعمائة على باب الندوة بقراءتي عليه قال: أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب قال: سمعت أبا علي الحسن بن أحمد بن علي الزنجاني الصوفي بأسفرايين يقول: سمعت عبد العزيز بن سعيد المنجوري يقول: سمعت سهلان القاضي يقول: بينا أنا مار في طرقات جبل شورى، وقد مرت علي قافلة عظيمة، إذا نحن بشاب على الطريق ذاهب العقل، مدهوش، عريان وبين يديه

стр. 38

خلقان ممزقات فقال لي: أين رأيت القافلة؟ قلت: في موضع كذا. قال: آه من البين! آه من البين! آه من دواعي الحين! فقلت: وما دهاك؟ فقال: شيّعتُهم من حيثُ لم يَعلَموا، ... وَرُحتُ، والقلبُ بهِم مُغرَمُ. سألتُهُم تَسْلِيمَةً مِنْهُم ... عليّ، إذ بانوا، فَما سَلّمُوا. سارُوا، ولم يرثُوا لمُستَهتَرٍ، ... ولم يُبالوا قَلبَ مَن تَيّموا. واستحسنوا ظلمي، فمِن أجلِهم ... أحبَّ قلبي كلَّ من يَظلِمُ. وفاء زوجة أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءة عليه قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه قال: أخبرنا محمد بن خلف قال: أخبرني أبو بكر العامري عن مصعب بن عبد الله الزبيري قال: تزوج مالك بن عمرو الغساني بابنة عم النعمان بن بشير فشغف كل واحد منهما بصاحبه، وكان مالك شجاعاً، فاشترطت عليه أن لا يقاتل إذا لقي، شفقةً عليه وضناً به، وإنه غزا حياً من لخم، فباشر القتال، فأصابته جراح فقال، وهو مثقل منها: ألا ليتَ شِعري عن غزالٍ تركتُه، ... إذا ما أتاهُ مصرعي كيفَ يَصْنَعُ؟. فَلَوْ أنّني كنتُ المُؤخَّرَ بَعدَهُ، ... لَما بَرِحَتْ نفسي عَلَيه تَطَلّعُ. وإنه مكث يوماً وليلةً ثم مات من جراحه، فلما وصل خبره إلى زوجته بكته سنةً، ثم اعتقل لسانها فامتنعت من الكلام، وكثر

стр. 39

خطابها، فقال عمومتها وولاة أمرها: نزوجها لعل لسانها ينطلق، ويذهب حزنها، فإنما هي من النساء، فزوجوها بعض أبناء الملوك فساق إليها ألف بعيرٍ، فلما كان في الليلة التي أهديت إليه فيها قامت على باب القبة ثم قالت: يقولُ رِجالٌ: زَوِّجوهَا لَعَلّهَا ... تَقَرُّ، وترْضى بعدَهُ بخَلِيلٍ. فأخفَيتُ في النّفسِ التي ليسَ بعدَها ... رَجاءٌ لهم، والصّدقُ أفضَلُ قِيلِ. وَحَدّثَني أصْحابُهُ أنّ مالِكاً ... أقامَ، ونادَى صَحَبَهُ بِرَحيلِ. وَحَدّثَني أصْحابُهُ أنّ مالِكاً ... ضَرُوبٌ بِنَصْلِ السيفِ غيرُ نكولِ. وَحَدّثَني أصْحابُهُ أنّ مالِكاً ... خَفِيفٌ على الأحْداثِ غيرُ ثَقيلِ. وَحَدّثَني أصْحابُهُ أنّ مالِكاً ... صرومٌ كماضي الشّفرَتينِ صَقيلِ. وأخبرنا أبو محمد الجوهري قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه قال: حدثنا محمد بن خلف قال: أخبرنا أبو بكر العامري قال: حدثني عمرو بن محمد العبقري قال: أخبرني شيخ أثق به، وذكر الحديث، وزاد فيه: فلما فرغت من الشعر شهقت شهقةً فماتت.

стр. 40

جميل والبنات العذريات أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس قال: حدثنا محمد بن خلف. قال: أخبرني أبو بكر قال: أخبرنا المدايني قال: قال هشام بن محمد سمعت رجلاً من بني عذرة يحدث قال: لما علق جميل بثينة وجعل ينسب بها استعدى عليه أهلها ربعي بن دجاجة، وهو يومئذ أمير تيماء، قال: فخرج جميل هارباً حتى انتهى إلى رجل من عذرة، بأقصى بلادهم، وكان سيداً، فاستجار به، وكان للرجل سبع بنات، فلما رأى جميلاً رغب فيه، وأراد أن يزوجه ليسلو عن بثينة، فقال لبناته: البسن أحسن ثيابكن وتحلين بأحسن حليكن، وتعرضن له، فلعل عينه أن تقع على إحداكن فأزوجه. قال: وكان جميل: إذا أراد الحاجة، أبعد في المذهب، فإذا أقبل رفعن جانب الخباء، فإذا رآهن صرف وجهه، قال: ففعلن ذلك مراراً، فعرف جميل م أراد به الشيخ، فأنشأ يقول: حلفتُ لكيما تعلمينيَ صادِقاً، ... ولَلصِّدق خيرٌ في الأمورِ وَأنجحُ. لَتَكليمُ يوْمٍ واحدٍ من بُثَينَة ... وَرُؤيتُها عندي ألَذّ وأملَحُ. من الدهرِ لوْ أخلو بكنّ، وإنّما ... أُعالجُ قلباً طامحاً حيثُ يطمحُ. فقال الشيخ: أرخين عليكن الخباء، فوالله لا يفلح هذا أبداً.

стр. 41

حبذا ذاك الظلوم أنبأنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي قال: أخبرنا الشريف أبو الفضل محمد بن الحسن بن الفضل بن المأمون قال: قُرأ على أبي بكر بن الأنباري، وأنا أسمع، للمؤمل: أقَاتِلَتي هِندٌ، وَقَتْلي مُحَرَّمُ، ... أما فِيكُمُ يا أيّها الناسُ مُسلِمُ. يُظَلّمُها في ما تُريدُ بِعاشِقٍٍ، ... ألا حبّذا ذاكَ الظَّلومُ المُظَلَّمُ. لقد زَعموا لي أنّها نذرَتْ دَمي، ... وما لي بحمَدِ اللهِ لحمٌ ولا دَمُ. بَرَى حُبُّها لحمي، ولم يُبْقِ لي دَماً، ... وإن زعَمَتْ أنّي صَحيحٌ مُسَلَّمُ. سَتَقتُلُ جلداً بالِياً فوْقَ أعظُمٍ، ... وَليسَ يبالي القتلَ جِلدٌ وأعظُمُ. فلَمْ أرَ مثلَ الحُبِّ صَحّ قرينُهُ، ... ولا مثلَ مَن لم يدرِ ما الحبّ يُسقِمُ. أآذنةٌ لي أنتِ في ذكرِ حاجَةٍ، ... ألا طالما قد كنتُ عنها أُجَمجِمُ. غدَرْتُم، وَلم نغدرْ، وقلتُم: غدرْتمُ، ... تظُنّونَ أنّا منكمُ نَتَعَلّمُ. قطعنا، زَعمتُم، والقطيعَةُ منكُمُ، ... زَعمنا، وأنتُم تزعُمُونَ ونزعُمُ. فإن شئتُمُ كان اجتماعاً، فقلتُمُ ... وقلنا، فإنّ القوْلَ للقوْلِ سُلَّمُ. وإلاّ فإنّا قد رَضينا بحُكمِكُم ... على كل حالٍ فاتقوا الله واحكُموا. فوَاللهِ ما أجرَمتُ جُرْماً علمتُهُ، ... فإن سرّكمْ جُرْمي، فها أنا مجْرِمُ. وعاقَبتُموني في السّلامِ عَلَيْكُمُ، ... ولم يكُ لي ذنبٌ سوى ذاك يُعلَمُ. فإن تمنَعوا مني السلامَ، فإنّني ... لَغاد على حِيطانِكم فَمُسَلِّمُ.

стр. 42

الظريفة العاشقة أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي في ما أذن لنا أن نرويه عنه قال: أخبرنا أبو عمر بن حيويه. قال: حدثنا محمد بن خلف قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله السرخسي قال: حدثني عباس بن عبيد قال: كان بالمدينة جارية ظريفة حاذقة بالغناء، فهويت فتىً من قريش، فكانت لا تفارقه ولا يفارقها، فملّها الفتى وتزايدت هي في محبته وأسفت، فغارت، فولهت وجعل مولاها لا يعبأ بذلك ولا يرق لشكواها، وتفاقم الأمر بها حتى هامت على وجهها، ومزقت ثيابها، وضربت من لقيها، فلما رأى مولاها ذلك عالجها فلم ينجع فيها العلاج، وكانت تدور بالليل في السكك مع الأدب والظرف. قال: فلقيها مولاها ذات يوم في الطريق، ومعه أصحاب له، فجعلت تبكي وتقول: الحُبُّ أوّلُ ما يكونُ لجَاجَةً، ... يَأتي بِهِ وَتسوقُهُ الأقْدارُ. حتى إذا اقتحَمَ الفتى لُجَجَ الهوَى، ... جاءَتْ أُمورٌ، لا تُطاقُ، كبارُ قال: فما بقي أحد إلا رحمها، فقال لها مولاها: يا فلانة امضي معنا إلى البيت، فأبت وقالت: شغل الحلي أهله أن يعارا. قال: وذكر بعض من رآها ليلةً، وقد لقيتها مجنونة أخرى، فقالت لها: فلانةُ! كيف أنت؟ فقالت: كما لا أحب، فكيف أنت من ولهك وحبك؟ قالت: على ما لم يزل يتزايد بي على مر الأيام. قالت لها: تغني بصوت من أصواتك فإني قريبة الشبه بك. فأخذت

стр. 43

قصبةً توقع بها وغنت: يا مَن شَكا ألماً للحُبّ شبّهَهُ ... بالنارِ في القلبِ من حُزْنٍ وتذكارِ. إنّي لأُعْظِمُ ما بي أن أُشبّهَهُ ... شيئاً يُقاسُ إلى مِثلٍ وَمِقدارِ. لَوْ أنّ قَلْبيَ في نارٍ لأحْرَقَهَا، ... لأنّ أحزانَهُ أذكى من النّارِ. ثم مضت. عليان المجنون حدثنا أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي قال: أخبرنا أبو محمد عبيد الله بن محمد الجرادي الكاتب قال: حدثنا محمد بن أبي الأزهر قال: حدثني عبيد الله بن الزعفراني المحدث عمن حدثه قال: مر بي عليان المجنون البصري في بعض الأيام، فقلت: يا أبا الحسين، قف علينا! فقال: أنت شبعان وعليان جائع يريد أن يأكل شيئاً، فدعوت له بما يأكل، وهو يسمع، فرجع، فلما أكل تنفس الصعداء وأنشأ يقول: وَذي نَفَسٍ صَاعِدِ، ... يَئنّ بِلا عَائِدِ. تَبَرَّمَ عُوَّادُه ... بذي السَّقَمِ الزائدِ. وَذي سَهرَةٍ قد جَفا ... كلُّ أخٍ رَاقِد. يَكّر عَلى عَسكَرٍ، ... وَيْضعُفُ عَن وَاحِدِ. ومضى، فقلت لغلامي: رده وارفق به! فرده، فقلت: زدني! فقال: الذي أعطيتني لا يساوي أكثر مما أعطيتك. فقلت للغلام: اسقه

стр. 44

قدحاً، فوقف، فلما شربه قال: وَكنتُ إذا رَأيتُ فَتىً يُبَكّي ... على شَجَنٍ ضَحِكتُ إذا خلَوْتُ. فأحسبُني أدالَ اللهُ مِنّي، ... فصِرْتُ إذا سمعتُ بهِ بَكيتُ. فشغلت بخط ما أنشدنيه ومضى. عاشق يموت كتماناً أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن محمد بن العلاف الواعظ، ﵀، بقراءتي عليه قال: حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين قال: حدثنا جعفر بن محمد الصوفي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال: حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا زكريا بن إسحاق قال: سمعت مالك بن سعيد يقول: حدثني مشيخة من خزاعة أنه كان عندهم بالطائف جارية متعبدة ذات يسار وورع، وكانت لها أم أشد عبادةً منها، وكانت مشهورة بالعبادة، وكانتا قليلتي المخالطة للناس، وكانت لهما بضاعة مع رجل من أهل الطائف، فكان يبضعها لهما، فما رزقهن الله من شيء أتاهن به. قال: وبعث يوماً ابنه، وكان فتىً جميلاً مسرفاً على نفسه، إليهن ببعض حوائجهن، فقرع الباب، فقالت أمها: من هذا؟ قال: أنا ابن فلان. قالت: ادخل! فدخل وابنتها في بيتٍ، ولم تعلم بدخول الفتى، فلما قعد معها خرجت ابنتها، وهي تظن أنها بعض نسائهن حتى جلست بين يديه، فلما نظرت إليه قامت مبادرةً فخرجت، ونظر إليها فإذا هي من أجمل العرب. قال: ووقع حبها في قلبه. فخرج من عندها، وما يدري أين يسلك، فأتى أباه، فأخبره برسالتهن، وجعل الفتى ينحل ويذوب جسمه،

стр. 45

وتغير عما كان عليه، ولزم الوحدة والفكر، وجعل الناس يظنون أن الذي به من عبادة قد لزمها، حتى سقط على فراشه. فلما رآه أبوه على تلك الحال دعا له الأطباء والمعالجين، فجعلوا ينظرون إليه، فكل يصف به دواء، ويقول: به داء لا يقوله صاحبه، والفتى مع ذلك ساكت لا يتكلم، حتى إذا طالت علته واشتد عليه الأمر دعا أبوه فتياناً من الحي، وإخوانه الذين كانوا له أنساً، فقال لهم: اخلوا به وسلوه عن علته لعله يخبركم ببعض ما يجده، فأتوه فكلموه وسألوه، فقال: والله ما بي علة أعرفها فأبينها لكم، وأخبركم بما أجد منها، فأقلوا الكلام. وكان الفتى فطناً ذا عقل، فلما طال به الوجد دعا امرأة من بعض أهله فخلا بها، وقال: إني ملق إليك حديثاً ما ألقيته إليك إلا عند الإياس من نفسي، فإن ضمنت لي كتمانه أخبرتك وإلا صبرت حتى يحكم الله في أمري ما يحب، وبعد، فوالله ما أخبرت به أحداً قبلك، ولئن كتمت علي لا أخبر به أحداً بعدك، وإن هذا البلاء الذي أرى بي لا شك قاتلي وإنه يجب علي في محبتي له أن أكون لمن أحب صائناً وعليه مشفقاً من تزيد الناس وإكثارهم حتى يصير الصغير كبيراً، والكبير عندهم الباقي ذكره أبداً، الله الله في أمري، واجعليه محرزاً في صدرك فإن فعلت فلك حسن المكافأة، وإن أبيت فالله يحسن لك الشكر. فقالت له المرأة: قل يا بني ما بدا لك، فوالله ما أجد في الدنيا أحداً أحب بقاءه غيرك، وكيف لي أن يكون عندي بعض دوائك، فوالله لأكتمن أمرك ما بقيت أيام الدنيا. فقال لها: إن من قصتي كذا وكذا! فقالت له: يا بني أفلا أخبرتنا، فوالله ما رأيت كلمةً أسكن بمجامع القلب فلا تفارقه أبداً، من كلمة: محب عاشق أخبر من يحبه أنه له وامق، فتلك الكلمة تزرع في قلوب ذوي الألباب شجراً لا تدرك أصوله. فقال

стр. 46

لها: ومن لي بها، وكيف السبيل إليها وقد بلغك حالها وقصتها وشدة اجتهادها وعبادتها؟ قالت له: يا بني علي أن آتيك بما تسر به. قال: فلبست ثوبها وأتت منزل الجارية، فدخلت فسلمت على أمها وحادثتها ساعةً. فسألتها أمها عن حاله وعن وجعه، فقالت: والله لقد رأيت الأوجاع والآلام، فما رأيت وجعاً قط كوجعه، وإن وجعه يزيد في كل يوم، وألمه يترقى، وهو في ذلك صابر غير شاك لا يفقد من جوارحه شيئاً، ولا من عقله. فقالت أمها: أفلا تدعون له الأطباء؟ قالت: بلى، والله فما وقع أحد منهم على دائه، ولا يفقه دواءه. ثم قامت فدخلت على الجارية في بيتها الذي كانت تتعبد فيه، فسلمت عليها، وحادثتها ساعةً، وقد كان وقع إلى الجارية خبره، فعلمت أن ذلك من أجلها، فقالت لها المرأة: يا بنية أبليت شبابك وأفنيت أيامك على هذه الحال التي أنت عليها. قالت: يا عمتاه أية حال سوء تريني عليها قالت لا يا بنية ولكن مثلك يفرح في الدنيا ويلذ فيها ببعض ما أحل الله لك، غير تاركة لطاعة ربك ولا مفارقة لخدمته، فيجمع الله لك بذلك الدارين جميعاً، فوالله ما حرم الله، ، على عباده ما أحل لهم. فقالت: يا عمتاه، أو هذه الدار دار بقاء لا انقطاع لها ولا فناء فتكون الجوارح قد وثقت بذلك، فتجعل لله تعالى منظر هممها، وللدنيا شطرها، فتعد الجوارح إذاً التعب راحةً والكد سلامةً، أم هذه الدار دار فناءً وتلك دار بقاءٍ ومكافأة، والعمل على حسب ذلك. قالت: يا بنية لا! ولكن الدنيا دار فناء وانقطاع وليست بباقية على أحد، ولا دائمة له، ولكن قد جعل الله تعالى لعباده فيها ساعات صدقة منه على النفوس، تنال فيها ما أحل لها من مخافة الشدة عليها. فقالت الجارية: صدقت يا عمتاه، ولكن لله عباد قد علموا وصح في

стр. 47

هممهم شيء من ذخر ذخروه عنده، فجعلوا هذا الشكر الذي جعله ذخيرة عنده، إذ لم تكن الدنيا كاملة لهم، ولا هم متنقصون شيئاً قدموه لأنفسهم، وسكنت نفوسهم ورضيت منهم بالصبر على الطاعة لتنال جملة الكرامة، وإن كلامك ليدلني على أن تحته علةً، وهو الذي حملك على مناظرتك لي على مثل هذا، وقد كنت أظن قبل اليوم فيك أنك تأمرين بالحرص على طاعة الله، ، والخدمة له، والتقرب إليه بالأعمال الزكية التي تبلغ رضاه وترفع عنده فقد أصبحت متغيرة عن ذلك العهد الذي كنت أعهدك عليه، فأخبريني بما عندك وأوضحي لي ما في نفسك، فإن يكن لك جواب أعتبتك، وإن يكن فيه حظ تابعتك، وإن يكن أمراً بعيداً من الله تعالى وعظتك. قالت: يا بنية فأنا مخبرتك به، والذي منعني من إلقائه إليك هيبتك، إذ بسطتني وعلمت أن عندي خيراً وأمرتني بإلقائه، فإن من قصة فلان كذا وكذا. قالت: قد ظننت ذلك فأبلغيه مني السلام، وقولي: أي أخاه! إني والله قد وهبت نفسي لمليك يكافئ من أقرضه بالعطايا الجزيلة، ويعين من انقطع إليه وخدمه بالهمم الرفيعة، وليس إلى الرجوع بعد الهبة سبيل، فتوسل إلى مولاك ومولاي بمحابه، واضرع إليه في غفران ما قدمت يداك من عمل لم يهبه فيه، ولم يرضه، فهو أول ما يجب عليك أن تسأله، وأول ما يجب علي أن أعظك به، فإذا خدمته بقدر ما عصيته طاب لك الفراغ من سؤال شهوات القلوب وخطرات الصدور، فإنه لا يحسن بعبد كان لمولاه عاصياً وعن أمره مولياً ناسياً لأن ينسي ذنوبه والاعتذار منها، ويلزم نفسه مسألة الحوائج لعلها داعية له إلى الفتنة إن لم يتداركه الله تعالى بكرمه، فاستنفذ نفسك يا أخي من مهلكات الذنوب، فإن له

стр. 48

فضلاً وسع كل شيء، ولست مؤيستك من فضله إن رآك متبتلاً إليه ومما قدمت يداك معتذراً أن يمن بي عليك، فإنه الملك الذي يجود على من ولى عنه بكرمه، فكيف من أقبل إليه، فلا يشك أنه إذا جاد على من ولى عنه، يكون لمن أطاعه مكرماً وإليه وقت الندامة مسرعاً، وما أبقيت لك حجة تحتج بها، فليكن ما أخبرتك به نصب عينك ولا ترادني في المسألة، فلا أجيبك والسلام. قال: فقامت المرأة من عندها، فأتته، فأخبرته بمقالتها. قال: فبكى بكاءً شديداً، فقالت له العجوز: والله يا بني ما رأيت امرأة خوف الله، ، في صدرها، مثل هذه المرأة فاعمل بما أمرتك به، فقد، والله، بالغت في النصيحة، وأحسنت الموعظة، فلا تلق نفسك في مهلكات الأمور، فتندم حيث لا تغني الندامة، ولو علمت يا بني أن حيلة تنفذ غير الذي دعتك إليه لاحتلتها، ولكان عندي من ذلك ما أرجو أن محتالةً، ولكني رأيت الله، ، قد جعلته نصب عينيها، فهي إليه ناظرة ومن جعل الله نصب عينيه لها عن زينة الحياة الدنيا، ورفعتها، واشتغل بما قد جعله نصب عينيه. وجعل يبكي ويقول: كيف لي بالبلوغ إلى ما دعت إليه ومتى يكون آخر المدة التي نلتقي فيها؟ قال: فاشتد وجعه ذلك، وحال عن ذوي العقول، فلما نظر القوم إليه في تلك الحال، وجعل لا يقره قرار، حبسوه في بيت، وأوثقوه، وتوهم القوم أن الذي به من عشق، فكان ربما أفلت، فيخرج من منزله فيجتمع عليه الصبيان، فيقولون له: مت عشقاً، مت عشقاً! فكان يقول: أَأُفشي إلَيكم بعضَ ما قد يَهيجُني ... أم الصبرُ أوْلى بالفتى عند ما يَلقَى. أَأُوعَدُ وعداً ما لَه، الدهرَ، آخِرٌ ... وَأُومَرُ بالتّقوَى، ومَن ليَ بالتّقوَى. سلامٌ على مَن لا أُسَمّيهِ باسمِه ... وَلوْ صرْتُ مثلَ الطيرِ في قفصٍ يُلقى.

стр. 49

ألا أيّها الصّبيَانُ لو ذُقتمُ الهوَى ... لأيْقَنتُمُ أنّي مُحَدّثُكم حَقّاً. أحِبّكم مِن حُبّها، وأراكُمُ ... تقولون لي: مُتْ يا شجاعُ بها عِشقا. فلَم تُنصِفوني، لا، ولا هيَ أنصَفَتْ ... فرِفقاً رُوَيداً، وَيحَكم بالفتى رِفْقَاً. فلما صح ذلك عند أهله وعلموا أنه عاشق جعلوا يسألونه عن أمره، فكان لا يجيبهم، وكتمت العجوز قصته، فأخذوه فحبسوه في بيت فلم يزل فيه حتى مات، ﵀. جفني كأس ودمعي الراح ولي من أبيات من أثناء القصيدة: صرَعتَنا ألحاظُ غزْلانِ يَبري ... نَ كأنّ اللِّحاظَ منها رِماحُ. من ظِباءٍ في كلّ جارِحَةٍ من ... الألحاظهن يُلقى جِرَاحُ. استَحَلّوا من قتلِنا كلَّ محْظو ... رٍ وما قَتلُ عاشِقَينِ مُبَاحُ. يا نديمي إليَكَ بالكأسِ عني، ... إنّ جَفنيَ كأسي ودمعي الراحُ. رأي سقراط في العشق أخبرنا أبو القاسم علي بن أبي علي قال: أخبرنا أبو عمر بن حيويه قال: حدثنا أبو بكر بن المرزبان قال: قال سقراط: العشق جنون، وهو ألوان، كما أن الجنون ألوان.

стр. 50

لا أنت تدري بي ولا أدري أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي قال: أنشدنا أبو عمر بن العباس قال: أنشدنا أبو عبد الله بن عرفة لبعضهم: يُنظَرُ في عمري فإن كان في ... عُمرِكَ نقصٌ زيدَ من عمري. حتى نوافي البَعثَ في ساعَةٍ ... لا أنتَ تدري بي ولا أدري. أخافُ أن أُطفأ، فيدعوكَ مَنْ ... يهوَاكَ من بعدي إلى غَدري. شكوى المحبين ولي ابتداء قصيدة كتبت بها من دمشق إلى الشيخ الفقير أبي الحسن مروان بن عثمان النحوي الإسكندراني، وهو بصور: وحقِّ مصارعِ أهْلِ الهوَى ... لروعةِ صوتِ غُرَابِ النوَى. وَشكوَى المُحبِّينَ يوْم الفِرَا ... قِ ما في قلوبِهِم من جوَى. وَقد لفّ أعناقَهُم مَوْقفٌ ... وَقد رَفَعَ البَينُ فيهم لِوَا. عَشِيّةَ أجْرُوا عيونَ العُيو ... نِ بينَ العَقيقِ وبينَ اللِّوَى. دُموعاً كَثُرْنَ فلَوْ أنّهُ ... أتاهُنّ وَفدُ منى لارْتَوَى. لقد أتمَنّى زَماناً يُضَمّ ... بكَ الشملُ وَهوَ لقلبي هوَى.

стр. 51

مجنون المربد أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن إجازة قال: أخبرنا أبو عمر بن حيويه قال: حدثنا أبو بكر خلف قال: حدثني محمد بن الفضل قال: حدثني بعض أهل الأدب عن محمد بن أبي نصر الأزدي قال: رأيت بالبصرة مجنوناً قاعداً على ظهر الطريق بالمربد، فكلما مر به ركب قال: ألا أيّها الرّكبُ اليَمانون عَرّجوا ... علينا، فقَد أمسى هَوَانا يَمانِيا. نُسائِلكُم: هل سالَ نَعمانُ بعدَنا ... فَحَبَّ إلَينَا بطنُ نَعمانَ وَادِيا. قال: فسألت عنه فقيل: هذا رجل من أهل البصرة، كانت له ابنة عم، وكان يحبها فتزوجها رجل من أهل الطائف فنقلها، فتوله عليها. إبراهيم بن المهدي والشعر كتب إلي أبو غالب بن بشران من واسط قال: أخبرنا ابن دينار قال: أخبرنا أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني قال: حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال: حدثني الحسين بن إسحاق قال: حدثني خالد قال: لما بويع لإبراهيم بن المهدي بالخلافة طلبني، وقد كان يعرفني وقد كنت متصلاً ببعض أسبابه، فأدخلت إليه فقال: أنشدني يا خالد شيئاً من شعرك! فقلت: يا أمير المؤمنين ليس من الشعر الذي قال فيه رسول الله ﷺ : إن من الشعر لحكماً، وإنما أمزح وأهزل. قال: لا تقل هذا! هات أنشدني، فأنشدته: عِش فَحُبِّيك سريعاً قاتلي ... والضّنى إن لم تصِلني واصِلي. ظَفِرَ الشَّوْقُ بِقَلبٍ دَنِفٍ ... فيكَ والسُّقمُ بجسمٍ ناحِلِ. فهُما بينَ اكتِئاب وَضَنىً ... ترَكاني كالقضِيبِ الذّابِلِ. قال: فاستملح ذلك ووصلني.

стр. 52

راكب القصبة أخبرنا أبو غالب بن بشران في ما كتب به إلينا قال: أخبرنا ابن دينار قال: أخبرنا أبو الفرج الأصبهاني قال: حدثني حمزة بن أبي سلالة الشاعر قال: دخلت بغداد في بعض السنين، فبينا أنا مار في الجنينة إذا أنا مار برجلٍ عليه مبطنة نظيفة، وعلى رأسه قلنسوة سوداء، وهو راكب قصبة والصبيان يصيحون خلفه: يا خالد، يا بارد! فإذا أذوه حمل بالقصبة عليهم، فلم أزل أطردهم عنه حتى تفرقوا وأدخلته بستاناً هناك، فجلس واستراح، واشتريت له رطباً فأكل. واستنشدته فأنشدني: قد حازَ قَلبي فَصَارَ يملِكُهُ ... فكيفَ أسلُو وكيفَ أتركُهُ. رَطيبُ جِسْمٍ كالمَاءِ تحسِبُهُ ... يخطُرُ في القلبِ منه مسلَكُهُ. يكادُ يجري من القميص من النّع ... مة لوْلا القَميصُ يُمسكُهُ. فاستزدته، فقال: ولا حرف. الأمين وحبه للشعر أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي، ﵀، في ما أذن لنا في روايته قال: أخبرنا محمد بن العباس بن حيويه قال: حدثنا العباس بن المغيرة الجوهري قال: حدثنا أبو نصر محمد بن موسى الطوسي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد أبو هفان قال: حدثني أبو نواس قال: دخلت على الأمين أمير المؤمنين، وهو قاعد في قبة له، ومعه جارية لم أر قط أحسن منها. قال: وإذا على جبين الجارية مكتوب بالغالية مما

стр. 53

عمل في طار: الله، وعلى رأسها إكليل وفي حجرها عود، وإذا على الإكليل مكتوب: واللهٍ يا طرْفَي الجاني على كَبِدي ... لأُطفِئَنّ بدمعي لَوْعَةَ الحَزَنِ. باللهِ تطمَعُ أن أبلى هوىً وَجوى ... وأنتَ تلتَذّ طِيبَ العَيشِ والوَسَنِ. وإذا على العود مكتوب: يا أيّها الزاعمُ الذي زَعمَا ... أنّ الهَوَى ليسَ يورِثُ السقَمَا. لو أنّ ما بي بك الغداةَ لما ... لُمتَ محِبّاً إذا شكا ألّما. قال: وبين أيديهما صينية ذهب. قال: وإذا على الصينية مكتوب: لا شيءَ أحسنُ مِنْ أيّامِ مجْلِسِنَا ... إذ نجعَلُ الرُّسلَ في ما بيننا الحدَقا. وَإذا حوَاجِبُنا تقضي حَوائِجَنَا ... وَشكلُنا في الهوَى نلقَاهُ متّفِقَا. ليتَ الوُشاةَ بِنَا والحاسِدينَ لنَا ... في لُجّة البَحرِ ماتوا كلّهم غرَقَا. أوْ ليتَ من عابَنَا أو ذمّ مجْلِسَنَا ... شُبَّتْ عليه ضِرَامُ النارِ فاحتَرَقا. وإذا على المَغسلِ مكتوب: لوْ كانَ يدري مالكٌ ما الذي ... ألقى مِن الأحزَانِ والكَرْبِ. وَمَا ألاقي مِن ألِيمِ الهَوَى ... عذّبَ أهْلَ النّارِ بالحُبِّ. قال فملأ الكأس وأعطاني، وإذا على الكأس مكتوب: الحمدُ للهِ على ما قَضى ... قد كانَ ذا في القَدَر السابقِ. ما تحملُ الأرْضُ على ظهرِهَا ... أشقى ولا أوْثَقَ مِن عاشِقِ.

стр. 54

فَبَينَما يمشي على مَرْمَرٍ ... إذا بِهِ يَسقُطُ مِنْ حالِقِ. قال: فشربت الكأس وناولته، فحياني بتفاحة وأترجة، وإذا على التفاحة مكتوب بالذهب: تُفّاحَةٌ تَأكُل تُفّاحَةً، ... يا ليتني كنتُ التي تُؤْكَلُ. فَألثمُ الثغرّ، إذا عَضّني ... بِعِلّةِ الأكْلِ، ولا أُؤكَلُ. قال وإذا على الأترجة مكتوب: يا لكِ أُتْرُجّةً مُطَيَّبةً ... تُوقِدُ نارَ الهَوَى على كَبِدي. لوْ أن أُتْرُجّةً بَكَتْ لَبَكَتْ ... لرَحمَتي هذه التي بِيَدي. ؟؟؟؟؟ هوى الملاح بلاء ولي من غزل قصيدة مدحت بها أحد بني منقذ: أيّها الرّاحلون مِن بطنِ خبتٍ، ... فرِكابُ النَّوَى بِهِم تَتَرَامَى. إن أتَيْتُم وَادي الأرَاكِ فأهدُوا ... لسلَيمى تحِيّتي وَالسّلامَا. واطلُبوا لي قلبي وآيتُه أنْ ... تجِدوا فِيهِ مِن هَوَاهَا سِهَامَا. وَرِدُوا ماءَ ناظِري عِوَضَ الغُد ... رَانِ وارعَوا بينَ الحشا لا الخُزَاما. ولي أيضاً قصيدة: كُفّي مَلامَكِ عَنْه وَالعَذَلا، ... قَدْ ضَاقَ ذَرْعاً بالّذي حَمَلا. وَدَعِي مَدامِعَهُ تَسِحُّ وَإنْ ... لمْ تُطْفِ مِن نارِ الهوَى شُعَلا.

стр. 55

وَذَرِيهِ يَرْفُلُ في غَلائِلَ مِن ... نسج ِالغَليلِ يجرّهَا ومُلا. يا أُختَ كِندَةَ! رَفّهي كمِداً ... شَرِبَتْ مَفاصِلُهُ الهَوَى نَهَلا. لَوْ كُنتِ شاهِدَةً مَوَاقفَنا، ... والبَيْنُ يَضْحَكُ بينَنَا جَذَلا. وَالدَّمعُ قَد سالَ الكَثِيبُ بِهِ ... حتى لَكَادَ يُسَيِّلُ المُقَلا. لَرَثَيْتِ للْعُشّاقِ رَاحِمَةً، ... وَعَلِمتِ أنّ هَوَى المِلاحِ بَلا. حجر من أرض لوط أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي بن أحمد بن الفضل الأزجي قراءة عليه قال: أخبرنا علي بن جعفر السيرواني الصوفي بمكة قال: سمعت المواريني يقول، قال لي رجل من الحاج: مررت بديار قوم لوط وأخذت حجراً مما رجموا به، وطرحته في مخلاة، ودخلت مصر، فنزلت في بعض الدور في الطبقة الوسطى، وكان في أسفل الدار حدث، فأخرجت الحجر من خرجي، ووضعته في روزنة في البيت، فدعا الحدث الذي كان في أسفل الدار صبياً إليه، واجتمع معه فسقط الحجر على الحدث من الروزنة فقتله.

стр. 56

فاسق لم يغفر له أخبرنا أبو الحسين محمد بن عثمان بن مكي بقراءتي عليه بمصر قال: أخبرنا جدي أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن زريق قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشا المقري قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن الحكم يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: خرجت حاجاً إلى مكة فلما صرنا كان ليلة عرفات رأى الإمام الذي حج بنا تلك الليلة بمنىً مناماً، فلما صرنا بعد الحج إلى مكة بعد انقضاء الحج، بتنا تلك الليالي في المسجد الحرام، والخلائق جلوس، إذ سمعنا منادياً ينادي فوق الحجر: أنصتوا، يا معشر أهل الحجيج، فأنصتوا، ثم قال: يا معشر أهل الحجيج: إن إمامكم رأى أن الله، ، قد غفر لكل من وافى العام البيت إلا رجلاً واحداً فإنه فسق بغلامٍ. امرأة صاحب المسحاة والملك أخبرنا الأمير أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله قراءة عليه في ذي القعدة، سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن منصور اليشكري قال: حدثنا أبو عبد الله بن عرفة قال: حدثني محمد بن موسى السامس قال: حدثنا روح بن أسلم قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبي البختري عن سلمان قال: كان في بني إسرائيل امرأة ذات جمال، وكانت عند رجل يعمل بالمسحاة، فكان إذا جاء بالليل قدمت له طعامه، وفرشت له فراشه، فبلغ خبرها ملك ذلك العصر، فبعث إليها عجوزاً من بني إسرائيل، فقالت لها: ما تصنعين بهذا الذي يعمل بالمسحاة! لو كنت عند الملك لكساك

стр. 57

الحرير، وفرشك الديباج، فلما وقع الكلام في مسامعها جاء زوجها بالليل، فلم تقدم له طعامه، ولم تفرش له فراشه، فقال لها: ما هذا الخلق يا هنتاه! فقالت: هو ما ترى. فقال: أطلقك؟ قالت: نعم، فطلقها. فتزوجها ذلك الملك، فلما زفت إليه نظر إليها فعمي، ومد يده إليها فجفت. فرفع نبي ذلك العصر خبرهما إلى الله، ، فأوحى الله تعالى إليه: أعلمهما أني غير غافر لهما، أما علما أن بعيني ما عملا بصاحب المسحاة؟ يقتل جاريته بريبة أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي التوزي قال: حدثنا إسماعيل بن سعيد بن سويد قال: حدثنا الحسين بن القاسم قال: حدثنا عبيد الله بن خرداذبة قال: أخبرني موسى بن المأمون قال: كان فروح الزناء يعشق جاريةً بالمدينة يقال لها رهبة ثم اشتراها فقال: يا رَهبَ لم يَبقَ لي شيء أُسَرّ بِهِ ... غيرَ الجلوسِ، فَتَسقِيني وأسقِيكِ. وَتَمزُجينَ بِرِيقٍ مِنكِ لي قَدَحاً، ... وَتَشتَفي بكم نفسي وأشْفِيكِ. يا رَهْبَ مَا مَسّني شيءٌ أُغَمُّ بِهِ ... إلا تَفَرّجَ عَنّي حينَ آتِيكِ. قال ثم عثر على ريبةً بينها وبين جارية له، فقتلها، فقال ابن الخياط المديني: تَنَجّدَ وَاستشرَى على قتلِ كاعبٍ، ... كأنّ فُضَاضَ المِسكِ منها التنفسُ. فمالتْ على الكَفّينِ خَودٌ غَريرَةٌ، ... كما باتَ بينَ الرّاحِ والصُّهبِ نَرْجِسُ.

стр. 58

قتيل لا يودى أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق قال: حدثنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن فارس قال: أخبرنا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم الزبيبي قال: حدثني أبو بكر محمد بن خلف قال: حدثنا عبيد الله بن سعد الزهري قال: حدثنا عمي قال: حدثني أبي عن صالح بن كيسان قال: حدثني ابن شهاب أن القاسم بن محمد أخبره أن رجلاً ضاف ناساً من هذيل، فخرجت لهم جارية، واتبعها ذلك الرجل، فأرادها على نفسها فتعافسا في الرمل، فرمته بحجر، ففضت كبده، فبلغ ذلك عمر، ﵀، فقال: ذاك قتيل الله لا يودى أبداً. يقتلها ويبكي عليها أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد الجوهري قال: حدثنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز قال: حدثنا أبو بكر محمد بن خلف القاضي قال: حدثني أبو عبد الله اليمامي عن العتبي عن أبيه قال: كان رجل من العرب تحته ابنة عم له، وكان لها عاشقاً، وكانت امرأةً جميلةً، وكان من عشقه لها أنه كان يقعد في دهليزه مع ندمائه، ثم يدخل ساعة بعد ساعة ينظر إليها، ثم يرجع إلى أصحابه عشقاً لها، فطبن لها ابن عم لها، فاكترى داراً إلى جنبه، ثم لم يزل يراسلها حتى أجابته إلى ما أراد، فاحتالت، فنزلت إليه، ودخل الزوج كعادته لينظر إليها، فلم يرها، فقال لامرأةٍ: أين فلانة؟ قالت: تقضي حاجةً، فطلبها في

стр. 59

الموضع، فلم يجدها، فإذا هي قد نزلت، وهو ينظر إليها، فقال لها: ما وراءك؟ فوالله لتصدقني. قالت: والله لأصدقنك، من الأمر كيت وكيت، فأقرت له، فسل السيف فضرب عنقها، وقتل أمها، وهرب وأنشأ يقول: يا طَلعَةً طَلَعَ الحِمامُ عَلَيها ... فجَنى لهَا ثَمَرَ الرَّدى بيَدَيها. رَوّيتُ من دَمِها الثرَى، وَلَطالَما ... رَوّى الهَوى شفَتَيّ من شفَتيها. حكَمتُ سيفي في مجال خِناقِها، ... وَمدامعي تجري على خَدّيْها. ما كانَ قتلِيها لأني لم أكُنْ ... أخشى إذا سقَطَ الغُبارُ عليها. لكن بخلتُ على العُيونِ بحُسنِها، ... وأنِفتُ من نَظرِ العيونِ إليها. قال: وزادني غير أبي عبد الله: وكان لها أخت شاعرة فقالت تجيبه: لَوْ كنْتَ تُشفِقُ أوْ تَرِقّ عَلَيها ... لَرَفعْتَ حدّ السيف عن وَدْجَيها. وَرَحمتَ عَبرَتَها وطولَ حنِينِها، ... وَجزعتَ من سوءٍ يَصِيرُ إلَيهَا. مَن كان يفعلُ ما فعلتَ بِمثلِها، ... إذ طاوَعَتكَ، وَخالفَتْ أبَوَيهَا. فَترَكتَها في خِدرِها مَقتُولَةً، ... ظُلماً، وَتبكي، يا شِقيّ، عَلَيهَا.

стр. 60

ظبيات لهن أسرى وقتلى ولي ابتداء قصيدة: بينَ بابِ ابرزوا ونهرِ المُعلّى ... ظَبيَاتٌ لهُنّ أسْرَى وَقَتْلى. فَاتِكاتٌ حَلَلْنَ، يوْمَ التَقَيْنَا، ... من دمي بالإعرَاضِ ما ليسَ حلاّ. هَجَرُوا مع تصَاقُبِ الدارِ، واست ... لّ هَوَاهُم مِن جِسمِيَ الرّوحَ سَلاّ. وَأبَوْا أنْ يُسامِحُوا بِحُبَالٍ ... رُبّمَا نَفّسَ الهُمومَ وَسَلاّ. فَعَلَيهِم، معَ الصبى والتّصابي ... مِن سَلامي، مَا دَقّ مِنه وَجَلاَّ. إهدار دم الفاسق أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق قال: حدثنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن فارس قال: حدثنا أبو الحسين بن بيان الزبيبي قال: حدثنا أبو بكر محمد بن خلف المحولي قال: حدثنا أحمد بن زهير قال: حدثنا داود بن رشيد قال: حدثنا أبو المليح عن الزهري قال: كان رجل يهوى امرأةً، فأرادها، فأغلقت الباب دونه، فأدخل الرجل رأسه من إسكفة الباب، فأخذت المرأة حجراً أو خشبةً، فضربت رأسه فدمغته، فرفع ذلك إلى عبد الملك بن مروان فقال: به لا بظبي، وأهدر دمه.

стр. 61

عمر وابن الشيخ الأنصاري أخبرنا أبو طاهر بن السواق قال: حدثنا محمد بن فارس قال: حدثنا عبد الله بن إبراهيم الزبيبي قال: حدثنا محمد بن خلف قال: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث قال: قال عمر بن الخطاب: لا أهدر دم أحد من المسلمين. وإنه أتي يوماً بفتىً أمرد قد وجد قتيلاً ملقىً على وجه الطريق. فسأل عمر عن أمره واجتهد فلم يقف له على خبر، ولم يعرف له قاتل. فشق ذلك عليه، وقال: اللهم أظفرني بقاتله، حتى إذا كان رأس الحول أو قريباً من ذلك وجد صبي مولود ملقىً بموضع القتيل، فأتي به عمر، رحمة الله عليه، فقال: ظفرت بدم المقتول، إن شاء الله، فدفع الصبي إلى امرأة وقال لها: قومي بشأنه، وخذي منا نفقته، وانظري من يأخذه منك، فإذا وجدت امرأة تقبله وتضمه إلى صدرها، فأعلميني بمكانها. فلما شبّ الصبي، وطاب، جاءت جارية فقالت للمرأة: إن سيدتي بعثتني إليك، لتبعثي بالصبي لتراه، والمرأة معها، حتى دخلت على سيدتها، فلما رأته أخذته فقبلته وضمته إليها، وإذا هي بنت شيخ من الأنصار من أصحاب النبي، ﵌، فأخبرت عمر خبر المرأة، فاشتمل عمر على سيفه، ثم أقبل إلى منزلها، فوجد أباها متكئاً على باب داره فقال: يا أبا فلان! ما فعلت ابنتك فلانة؟ قال: يا أمير المؤمنين جزاها الله خيراً، هي من أعرف الناس بحق الله تعالى، وحق أبيها، مع حسن صلاتها وصيامها، والقيام بدينها. فقال عمر: قد أحببت أن أدخل عليها فأزيدها رغبةً في الخير وأحثها على ذلك. فقال الشيخ: جزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين! فقال له: امكث مكانك حتى أرجع إليك.

стр. 62

فاستأذن عمر عليها، فلما دخل أمر عمر كل من كان عندها بالخروج، فخرجوا عنها، وبقيت هي وعمر في البيت ليس معهما أحد، فكشف عمر عن السيف فقال: لتصدقني، وكان عمر لا يكذب، فقالت: على رسلك يا أمير المؤمنين، على الخبير وقعت، فوالله لأصدقن: إن عجوزاً كانت تدخل علي، فاتخذتها أماً، وكانت تقوم من أمري بما تقوم به الوالدة، وكنت لها بمنزلة البنت، فأمضت بذلك حيناً، ثم إنها قالت: يا بينة إنه قد عرض لي سفر، ولي بنت في موضع أتخوف عليها فيه أن تضيع، وقد أحببت أن أضمها إليك، حتى أرجع من سفري، فعمدت إلى ابن، كان لها، شاب أمرد فهيأته كهيأة الجارية، وأتتني به، وأنا لا أشك أنه جارية، فكان يرى مني ما ترى الجارية من الجارية، حتى اغتفلني يوماً وأنا نائمة، فما شعرت حتى علاني وخالطني، فمددت يدي إلى شفرة كانت إلى جنبي فقتلته، ثم أمرت به فألقي حيث رأيت، فاشتملت منه على هذا الصبي، فلما وضعته ألقيته في موضع أبيه، فهذا والله خبرهما على ما أعلمتك. فقال لها عمر، رحمة الله عليه: صدقت بارك الله فيك! ثم أوصاها ووعظها، ودعا لها، وخرج من عندها، وقال لأبيها: بارك الله في ابنتك، فنعم الابنة ابنتك، وقد وعظتها وأمرتها. فقال له الشيخ: وصلك الله يا أمير المؤمنين، وجزاك خيراً عن رعيتك!.

стр. 63

سوسن العابدة ومراوداها أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق قال: حدثنا ابن فارس قال: حدثنا الزبيبي قال: حدثنا محمد بن خلف قال: حدثني أحمد بن زهير قال: قال غيلان: حدثنا أبو عوانة عن إسماعيل بن سالم عن أبي إدريس الأودي قال: كان رجلان في بني إسرائيل عابدان وكانت جارية يقال لها سوسن، عابدةٌ، وكانوا يأتون بستاناً فيتقربون فيه بقربان لهم، فهوي العابدان سوسن فكتم كل واحد منهما عن صاحبه، واختبأ كل واحد منهما خلف شجرة ينظران إليها، فبصر كل واحد منهما بصاحبه، فقال كل واحد منهما لصاحبه: ما يقيمك ههنا؟ فأفشى كل واحد منهما إلى صاحبه حب سوسن، فاتفقا على أن يراوداها عن نفسها، فلما جاءت لتقرب قالا لها: قد عرفت طواعية بني إسرائيل بني إسرائيل لنا، فإن لم تؤاتينا قلنا، أصبحنا: إنا أصبنا معك رجلاً، وإن الرجل فاتنا، وإنا أخذناك، فقالت لهما: ما كنت لأطيعكما، فأخذاها، وأخرجاها، وقالا: أخذنا سوسن مع رجل، وإن الرجل سبقنا وذهب، فأقاموا سوسن على المصطبة، فكانوا يقيمون المذنب ثلاثة أيام، فتنزل نار من السماء، فتأخذه، فأقاموا سوسن، فلما كان اليوم الثالث جاء دانيال، وهو ابن ثلاث عشرة سنةً، فوضعوا له كرسياً، فجلس عليه، وقال: قدموهما إلي! فجاءا كالمستهزئين، فقال: فرقوا بين الشاهدين! قال لأحدهما: خلف أي شجرة رأيتها؟ فقال: وراء تفاحة، وقال للآخر: خلف أي شجرة رأيتها؟ فاختلفا، فنزلت نار من السماء، فأحرقتهما، وأفلتت سوسن. قال أبو بكر: وفي خبر آخر أنها وقفت لترجم فنزل الوحي على دانيال وهو ابن سبع سنين.

стр. 64

يخون الغازي فيقتل أخبرنا أبو علي زيد بن أبي حيويه القاضي بمدينة تنيس في سنة خمس وخمسين وأربعمائة قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن نصر قال: حدثنا أبو عمرو عثمان بن محمد بن أحمد السمرقندي بتنيس قال: حدثنا أحمد بن شيبان الموصلي قال: حدثنا مؤمل عن حماد بن سلمة وحماد بن زيد عن أيوب: أن رجلاً خرج غازياً، فخرج من جيرانه فأبصر في بيته ذات ليلة مصباحاً، فقام قريباً من منزله، فسمع: وَأشعَثَ غَرَّهُ الإسلامُ مني ... خلَوْتُ بعِرْسهِ ليلَ التَّمام. أبِيتُ على ترَائبِها وَيُضْحي ... على جَرْداءَ لاحقةِ الحِزَامِ. كأنّ مَوَاضعَ الرَّبَلاتِ منهَا ... فِئَامٌ يَنتَمِينَ إلى فِئَامِ. قال: فدخل عليه فقتله، ثم رمى به، فلما أصبح أخبر عمر به فقام يخطب الناس فقال: أنشد الله رجلاً، وأعزم على من علم من هذا الرجل علماً إلا أخبرنا به. فقام الرجل فأخبره بما رأى وبما سمع، فقال عمر: اقتل! قال: فعلت يا أمير المؤمنين.

стр. 65

ما أذنبت إلا ذنب صحر أنبأنا القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي ولقيته بمدينة الرسول، ﵌، في سنة ست وأربعين وأربعمائة قال: أخبرنا أبو مسلم الكاتب قال: أخبرنا ابن دريد قال: حدثنا العكلي عن ابن أبي خالد عن الهيثم عن مجالد عن الشعبي قال: كان لقمان بن عاد بن عاديا، الذي عُمّرَ عمرَ سبعة أنسر، مبتلى بالنساء، وكان يتزوج المرأة فتخونه، حتى تزوج جاريةً صغيرةً لم تعرف الرجال، ثم نقر لها بيتاً في صفح جبل، وجعل له درجةً بسلاسل ينزل بها ويصعد، فإذا خرج رفعت السلاسل، حتى عرض لها فتىً من العماليق فوقعت في نفسه، فأتى بني أبيه، فقال: والله لأجنين عليكم حرباً لا تقومون لها! قالوا: وما ذلك؟ قال: امرأة لقمان بن عاد هي أحب الناس إلي. قالوا: فكيف نحتال لها؟ قال: اجمعوا سيوفكم ثم اجعلوني بينها، وشدوها حزمةً عظيمة، ثم ائتوا لقمان، فقولوا: إنا أردنا أن نسافر، ونحن نستودعك سيوفنا حتى نرجع، وسموا له يوماً! ففعلوا وأقبلوا بالسيوف فدفعوها إلى لقمان، فوضعها في ناحية بيته. وخرج لقمان وتحرك الرجل فخلت الجارية عنه، فكان يأتيها، فإذا أحست بلقمان جعلته بين السيوف حتى انقضت الأيام، ثم جاؤوا إلى لقمان فاسترجعوا سيوفهم، فرفع لقمان رأسه بعد ذلك فإذا نخامة تنوس في سقف البيت، فقال لامرأته: من نجم هذه؟ قالت: أنا، قال: فتنخمي! ففعلت، فلم تصنع شيئاً، فقال: يا ويلتاه! والسيوف دهتني، ثم رمى

стр. 66

بها من ذروة الجبل فتقطعت قطعاً، وانحدر مغضباً، فإذا ابنة له يقال لها صحر فقالت له: يا أبتاه! ما شأنك؟ قال: وأنت أيضاً من النساء، فضرب رأسها بصخرة فقتلها، فقالت العرب: ما أذنبت إلا ذنب صحر، فصارت مثلاً. الحسناء المهجورة أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءة عليه قال: أخبرنا أبو عمر بن حيويه قال: حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان المحولي قال: حدثني عبد الله بن عمرو قال: حدثني علي بن عبد الله بن سليمان النوفلي قال: ذكر أبو المختار عن محمد بن قيس العبدي قال: إني لبالمزدلفة بين النائم واليقظان، إذ سمعت بكاءً متتابعاً ونفساً عالياً، فاتبعت الصوت، فإذا أنا بجارية كأنها الشمس حسناً، ومعها عجوز، فلطئت بالأرض لأنظر إليها وأمتع عيني بحسنها، فسمعتها تقول: دعوتك يا مولاي سراً وجهرةً ... دعاء ضعيف القلب عن محمل الحب. بليت بقاسي القلب لا يعرف الهوى ... وأقتل خلق الله للهائم الصب. فإن كنت لم تقض المودة بيننا ... فلا تخل من حب له أبداً قلبي. رضيت بهذا في الحياة، فإن أمت ... فحسبي ثواباً في المعاد به حسبي. وجعلت تردد هذه الأبيات، وتبكي، فقمت إليها، فقلت: بنفسي أنت، مع هذا الوجه يمتنع عليك من تريدينه؟ قالت: نعم، والله، وفي قلبه أكثر مما في قلبي، فقلت: إلى كم هذا البكاء؟ قالت: أبداً أو يصير

стр. 67

الدمع دماً وتتلف نفسي غماً. فقلت لها: إن هذه لآخر ليلةٍ من ليالي الحج، فلو سألت الله التوبة مما أنت فيه، رجوت أن يذهب حبه من قلبك. فقالت: يا هذا! عليك بنفسك في طلب رغبتك، فإني قد قدمت رغبتي إلى من ليس يجهل بغيتي. وحولت وجهها عني، وأقبلت على بكائها وشعرها، ولم يعمل فيها قولي وعظتي. إنما يرحم الصحيح السقيما أنشدنا أبو محمد الجوهري قال: أنشدنا ابن حيويه قال: أنشدنا عبيد الله بن أحمد قال: أنشدني أبي خالد الكاتب: عِشتُ مُستَهتراً وَعِشتُ سَلِيما، ... حيثُ ما كنتُ لا عدِمتُ النّعِيمَا. عَجَبٌ أنْ تَكُونَ يَا حَسَنَ ال ... وَجْهِ رَؤوفاً بِعَاشِقِيكَ رَحِيمَا. بَدَني نَاحِلٌ، وَأنتَ صَحِيحٌ، ... إنّمَا يَرْحَمُ الصّحِيحُ السّقِيمَا. عَلِمَ الخَلْقُ أنّ رُوحي وَجِسمي ... لَقِيَا في هَوَاكَ أمْراً عَظِيمَاً. يخصي المغني أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي ثابت الحافظ قال: حدثنا أبو نعيم الحافظ الأصبهاني بها قال: حدثنا سليمان الطبراني قال: حدثنا محمد بن جعفر بن أعين قال: حدثنا علي بن حرب المؤملي عن عامر بن الكلبي عن حماد الراوية قال: حدثني بعض خدم سليمان بن عبد الرحمن قال: خرج سليمان بن عبد الملك يريد بيت المقدس، وكان أغير قريش وأسرعها طيرةً، فنزل منزلاً من غور البلقاء بدير لبعض الرهبان،

стр. 68

فحف بالدير أهل العسكر، وكان في من خرج معه رجل من كلب، يقال له سنان، وكان فارساً ومغنياً محسناً، وشجاعاً، وبغيرة سليمان عبد الملك عارفاً، ولم يك يسمع له صوت في عسكره، فزاره في تلك الليلة فتية من أهله، فعشاهم، وسقاهم، فأخذ فيهم الشراب، فقالوا: يا سنان! ما أكرمتنا بشيء أن لم تسمعنا صوتك. فترنم فغناهم، فقال: مَحجُوبةٌ سَمِعَتْ صَوْتي فأرّقَهَا ... مِنْ آخِرِ اللّيلِ لمّا بَلّهَا السّحَرُ. تَثْني عَلى فَخْذِهَا مُثْنَى مُعَصْفَرَة ... وَالحَلْيُ مِنْهَا عَلى لبّاتِهَا حَصِرُ. لم يَحجُبِ الصّوْتَ أحرَاسٌ وَلا غَلَقٌ ... فَدَمعُهَا لطُرُوقِ الصّوْتِ مُنحَدِرُ. في لَيلَةِ النّصْفِ ما يَدرِي مُضَاجِعُها ... أوَجْهُهَا عِنْدَهُ أبْهَى أمِ القَمَرُ. لَوْ خُلّيَتْ لمَشَتْ نَحْوِي عَلى قَدمٍ ... تَكَادُ من رِقّةٍ للمَشيِ تَنْفَطِرُ. فلما سمع سليمان الصوت قام فزعاً يتفهم ما سمع، وكان معه جاريته عوان، ولم يكن لها نظير في زمانها في الجمال والتمام والحذق بالغناء، وكان يحبها، فلما فهم الصوت ارتعدت فرائصه غيرة، ثم أقبل نحو عوان، وهي خلف ستر، فكشف الستر رويداً لينظر أنائمة هي أم مستيقظة، فوجدها مستيقظة، وهي صفة الأبيات: عليها معصفرة، وحليها على لباتها، فلما أحست به، وعلمت بأنه قد علم بأنها مستيقظة قالت: يا أمير المؤمنين! قاتل الله الشاعر حيث يقول: ألا رُبّ صَوْتٍ جَاءَني مِنْ مُشَوّهٍ ... قَبيحِ المُحَيّا وَاضِعِ الأبِ واَلجَدّ. قَصِيرِ نِجَادِ السّيفِ جَعْدٍ بَنَانُهُ ... إلى أمَةٍ يُعزَى مَعاً وَإلى عَبْدِ.

стр. 69

فسكن من غضبه قليلاً، ثم قال لها: فقد راعك صوته على ذلك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين صادف مني استيقاظاً، فقال: ويحك يا عوان! كأنه، والله، يراك وينعتك في غنائه في هذه الليلة، والله لأقطعنه أطباقاً كائناً ما كان. ثم بعث في طلبه فبعثت عوان خادماً إليه سراً، وقالت له: إن أدركته فحذرته، فأنت حر، ولك ديته. فخرج سليمان حتى وقف على باب الدير، فسبقت رسل سليمان، فأتوا به إلى سليمان مربوطاً حتى وقفوه بين يديه، فقال له: من أنت؟ قال: أنا سنان الكلبي فارسك يا أمير المؤمنين. فأنشأ سليمان يقول: تَثكَلُ في الثّكلى سنَاناً أُمُّه ... كَانَ لها رَيحَانَةً تَشُمّه. وَخَالُهُ يَثْكَلُهُ وَعَمُّه ... ذُو سَفَهٍ هَنَاتُه تَعُمّه. فقال سنان: يا أمير المؤمنين: استَبْقِني إلى الصّبَاحِ أعتَذِرْ ... إنّ لسَاني بالشّرَابِ مُنكَسِرْ. فارِسُكَ الكَلبيُّ في يوْمٍ نَكِرٌ، ... فإنْ يكُنْ أذنَبَ ذَنباً أوْ عَثَرْ. فَالسّيّدُ العَافي أحَقُّ مَنْ غَفَرْ. فقال سليمان: أعلي تجترئ يا سنان! أما إني لا أقتلك، ولكني سأنكل بك نكالاً يؤنبك من تفحلك. فأمر به فخصي، فسمي ذلك الدير دير الخصيان.

стр. 70

تقتل حفاظاً على عرضها أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن فارس قال: حدثنا عبد الله بن إبراهيم الزبيبي قال: حدثنا محمد بن خلف قال: حدثني إسحاق بن محمد قال: حدثنا محمد بن زياد الأعرابي قال: نزل رجل من العرب بامرأة من باهلة، وليس عندها زوجها، فأكرمته وفرشته، فلما لم ير عندها أحداً سامها نفسها، فلما خشيته قالت له: امكث، أستصلح لك، ثم راحت فأخذت مديةً، فأخفتها ثم أقبلت إليه، فلما رآها ثار إليها فضربت بها في نحره، فلما رأت الدم سقطت مغشياً عليها، وسقط هو ميتا، فأتاها آتٍ من أهلها فوجدها على تلك لحال، فأجلسها حتى أفاقت، فقال أعشى باهلة في ذلك: لَعَمرِي لَقد حَفّتْ معَاذَةُ ضَيفَها ... وَسَوّتْ عَلَيْهِ مَهْدَهُ ثمّ بَرّتِ. فَلَمّا بَغَاهَا نَفسَهَا غَضِبَتْ لهَا ... عرُوقٌ نمَتْ وَسطَ الثرَى فاستَقرّتِ. وَشدّتْ على ذي مديَةِ الكَفّ مِعصَماً ... وَضِيئاً وَعَرّتُ نَفسَها فاستَمَرّتِ. فأمّتْ بها في نحرِه وَهوَ يَبتَغي ال ... نّكَاحَ فَمَرّتْ في حَشَاهُ وَجَرّتِ. فَثجّ كأنّ النيلَ في جَوْفِ صَدْرِهِ، ... وَأدْرَكَهَا ضُعْفُ النّسَاءِ فخَرّتِ.

стр. 71

هل يأتيكم نفسي وأنشد لخالد الكاتب: إني إذا لم أجد شخصاً لأرسله ... وضاق بي منتهى أمري وملتمسي لمرسل زفرة من بعدها نفس، ... يا ليت شعري هل يأتيكم نفسي؟ المرأة الفاجرة والحية حججت فإني لفي رفقة مع قوم إذ نزلت منزلاً ومعنا امرأة، فنامت، وانتهت، وحية منطوية عليها قد جمعت رأسها وذنبها بين ثدييها، فهالنا ذلك وارتحلنا، فلم تزل منطوية عليها لا تضرها، حتى دخلنا أنصاب الحرم فانسابت، فدخلنا مكة فقضينا نسكنا. فرآها الغريض فقال: أي شقية ما فعلت حيتك؟ قالت: في النار! فقال: ستعلمين من في النار؛ ولم أفهم ما أراد فظننت أنه مازحها، واشتقت إلى غنائه، ولم يكن بيني وبينه ما يوجب ذلك عليه، فأتيت بعض أهله، فسألته ذلك فقال: نعم، فوجه إليه أن اخرج بنا إلى موضع كذا وكذا، ثم قال لي: اركب بنا، فركبنا حتى سرنا قدر ميل، فإذا الغريض هناك، فنزلنا، فإذا طعام معد، وموضع حسن، فأكلنا وشربنا، ثم قال: يا أبا يزيد هات بعض طرائفك! فاندفع يغني، ويوقع بقضيب: مرضت فلم تحفل علي جنوب، ... وأدنفت، والممشى إلي قريب

стр. 72

فلا يبعد الله الشباب وقولنا ... إذا ما صبونا صبوة سنتوب فقلد سمعت شيئاً ظننت أن الجبال التي حولنا تنطق معه شجا صوت وطيب غناء، وقال لي: أتحب أن نزيدك؟ فقلت: إي والله، فقال له: هذا ضيفك وضيفنا، وقد رغب إليك وإلينا، فأسعفه بما يريد. فاندفع يغني بشعر مجنون بني عامر: عفا الله عن ليلى الغداة، فإنها ... إذا وليت حكماً علي تجور أأترك ليلى ليس بيني وبينها ... سوى ليلة؟ إني إذاً لصبور فما عقلت بما غنى من حسنه، إلا بقول صاحبي: نجور عليك يا أبا يزيد، عرض بأني لما وليت الحكم عليه، جرت في سؤالي إياه أكثر من صوت. فقلت له، بعد ساعة، سراً: جعلت فداءك إني أريد المضي في أصحابي، نريد الرحلة، وقد أبطأت عليهم، فإن رأيت أن تسأله، حاطه الله من السوء والمكروه، أن يزيدني لحناً واحداً، فقال: يا أبا يزيد! أتعلم ما هو أشهى إلى ضيفنا؟ قال: نعم، أرادك على أن تكلمني في أن أغنيه. قلت: فهو والله ذاك، فاندفع يغني: خذي العفو مني تستديمي مودتي، ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب فإني رأيت الحب في الصدر والأذى ... إذا اجتمعنا، لم يلبث الحب يذهب فقال له: قد أخذنا العفو منك، واستدمنا مودتك، ثم أقبل علينا فقال: ألا أحدثكم بحديث حسن؟ قلنا: بلى! فقال: قال شيخ من أهل العلم وبقية الناس وصاحب علي بن أبي طالب، وخليفة عبد الله بن عباس على البصرة، أبو الأسود الدؤلي لابنته ليلة البناء: أي بنية! النساء كن بوصيتك وتأديبك أحق مني، ولكن لابد مما لابد منه، يا بنية: إن أطيب الطيب الماء، وأحسن الحسن الدهن، وأحلى الحلاوة الكحل. يا بنية لا تكثري مباشرة زوجك فيملك، ولا تتباعدي عنه

стр. 73

فيجفوك، ويعتل عليك. وكوني كما قلت لأمك: خُذي العفوَ مني تستديمي موَدّتي ... ولا تَنطِقي في سَوْرَتي حينَ أغضَبُ. فإني رأيتُ الحُبّ في الصّدرِ والأذى ... إذا اجتَمعَا لم يلبَثِ الحُبُّ يذهبُ. فقلت له: فديتك ما أدري غناؤك أحسن أم حديثك، والسلام عليك، ونهضت وركبت، وتخلف الغريض وصاحبه في موضعهما، وأتيت أصحابي وقد أبطأت، فرحلنا منصرفين، حتى إذا كنا في المكان الذي رأيت فيه الحية منطويةً على صدر المرأة، ونحن ذاهبون، رأيت الحية والمرأة وهي منطوية عليها فلم ألبث أن صفرت الحية فإذا الوادي يسيل علينا حيات، فنهشنها حتى بقيت عظاماً، فطال تعجبنا من ذلك، ورأينا ما لم نر مثله قط، فقلت لجارية كانت معنا: ويحك أخبرينا عن هذه المرأة! قالت: علقت ثلاث مرات، وكل مرة تلد ولداً، فإذا وضعته سجرت التنور، ثم ألقته فيه، فذكرت قول الغريض، حين سألها عن الحية فقالت في النار ستعلمين من في النار. أبو نواس والغلام عند الحجر الأسود وجدت بخط محمد بن نصر بن أحمد بن مالك يقول: حدثنا أبو بكر محمد بن الفضل بن قديد بن أفلح البزاز قال: حدثنا الحسن بكر بن أحمد بن الفرج بن عبد الرحيم بكازرون قال: حدثنا عباد قال: قال الأصمعي: كنت مع أبي نواس بمكة، فإذا أنا بغلام أمرد يستلم الحجر، فقال لي أبو نواس: والله لا أبرح حتى أقبله عند الحجر، فقلت: ويلك! اتق الله، ، فإنك في بلد الله الحرام،

стр. 74

وعند بيته. فقال: ما منه بد. ثم دنا من الحجر، وجاء الغلام يستلمه فبادر أبو نواس، فوضع خده على خد الغلام، وقبله، والله، وأنا أرى فقلت: ويلك لقد ارتكبت أمراً عظيماً في حرم الله تعالى. فقال: دع ذا عنك فإن ربي رحيم، ثم أنشأ يقول: وعاشِقَانِ التَفّ خَدّاهُمَا ... عندَ استِلامِ الحَجَرِ الأسوَدِ. فاشتَفَيا مِنْ غيرِ أنْ يَأتئمَا ... كأنّما كانا على مَوْعِدِ. الزاغ الشاعر العاشق أخبرنا علي بن محمد بن الحسين الجازري بقراءتي عليه قال: حدثنا أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري قال: حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال: حدثني أبو علي محرز بن أحمد الكاتب. قال: حدثني محمد بن مسلم السعدي قال: وجه إلي يحيى بن أكثم يوماً، فصرت إليه، وإذا عن يمينه قمطرة مجلدة، فجلست، فقال: افتح هذه القمطرة، ففتحتها، فإذا شيء قد خرج منها، رأسه رأس إنسان، وهو من سرته إلى أسفله خلقة زاغ، وفي صدره وظهره سلعتان، فكبرت وهللت، وفزعت، ويحيى يضحك، فقال لي بلسان فصيح طلق ذلق: أنا الزّاغُ أبو عَجْوَه ... أنا ابنُ اللّيْثِ واللّبوَه. أُحِبّ الرّاحَ والرَّيْحَا ... نَ والنّشوَةَ وَالقَهوَه. فلا عَدْوَ يدي يُخشى ... ولا يُحذرُ لي سَطْوَه.

стр. 75

ولي أشيَاءُ تُستَط ... رَفُ يَوْمَ العِرْسِ والدَّعوَه. فَمِنها سِلْعَةٌ في الظَهْ ... رِ لا تسترُها الفَرْوَه. وَأمّا السِّلعَةُ الأخرَى ... فلَوْ كانَتْ لهَا عُرْوَه. لمَا شَكّ جَميعُ الناسِ في ... هَا أنّهَا رَكْوَه. ثم قال: يا كهل أنشدني شعراً غزلاً! فقال لي يحيى: قد أنشدك الزاغ، فأنشده، فأنشدته: أغَرّكَ أنْ أذنَبْتَ ثُمّ تَتابَعتْ ... ذنوبٌ، فلَم أهجُرْكَ، ثُمّ ذنوبُ. وأكثرْتَ حتى قلتَ ليسَ بصارمي ... وقدْ يَصرِمُ الإنْسانُ وهوَ حبيبُ. فصاح: زاغ زاغ زاغ، وطار، ثم سقط في القمطرة. فقلت ليحيى: أعز الله القاضي، وعاشق أيضاً! فضحك. قلت: أيها القاضي! ما هذا؟ قال: هو ما تراه، وجه به صاحب اليمن إلى أمير المؤمنين، وما رآه بعد، وكتب كتاباً لم أفضضه، وأظن أنه ذكر في الكتاب شأنه وحاله. الزاغ في رواية أخرى أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن طاهر الدقاق قال: أخبرنا الأمير أبو الحسن أحمد بن محمد بن المكتفي بالله قال: حدثنا جحظة قال: أخبرني بعض بني الرضا قال: قال علي بن محمد: دخلت على أحمد بن أبي دؤاد، وعن يمينه قمطر مجلد، فقال لي: اكشف وانظر العجب! فكشفت، فخرج علي رجل طوله شبر، من وسطه إلى أعلاه رجل، ومن وسطه إلى أسفل صورة الزاغ ذنباً ورجلاً، فقال لي: من أنت؟ فانتسبت له، فسألته عن اسمه فقال: أنا الزّاغُ أبو عَجوَه ... حليفُ الخمرِ والقَهوَه.
следующие страницы →