Полный текст (611 стр.). Показаны 596–611 · переход к 601.
стр. 596
ثم مات كمداً عليها، فقال أبو السائب المخزومي: حمزة سيد الشهداء وهذا سيد العشاق، فامضوا حتى ننحر على قبره سبعين نحرة، كما كبر النبي، صلى الله عليه وآله، على عمه حمزة سبعين تكبيرة.
قال: وبلغ أبا حازم الخبر، فقال: أما من محب في الله يبلغ هذا؛ هذا وليٌّ.
موت الأحوص وجاريته بشرة
حدث أبو عمر بن حيويه، حدثنا أبو بكر بن المرزبان، حدثني العباس بن الفضل الأسدي، حدثني محمد بن زياد الأعرابي قال: خرج الأحوص بن محمد إلى دمشق، ومعه جارية له يقال لها بشرة، وكان شديد الإعجاب بها، لا يكاد أن يصبر عنها، وكانت هي أيضاً له من المحبة على أكثر من ذلك، فاشتكى الأحوص، واشتدت علته وحضرته الوفاة، فأخذت رأسه فوضعته في حجرها وجعلت تبكي، فقطر من دموعها على خده، فرفع رأسه إليها، فقال:
ما لجديدِ المَوْتِ يا بِشر لذّةٌ، ... وَكُلُّ جَديدٍ تُستَلَذّ طَرَائِفُهْ
فَلا ضَيرَ، إنّ اللهَ يَا بِشرَ سَاقني ... إلى بَلَدٍ جَاوَرْتُ فِيهِ خَلائِفه
فَلَستُ، وَإنْ عَيشٌ تَوَلّى، بِجازِعٍ ... وَلا أنا مِمّا حَمّمَ الموْتَ خائِفُه
ثم مات من يومه، فجزعت عليه بشرة جزعاً شديداً ولم تزل تبكي وتندبه إلى أن شهقت شهقةً فماتت، فدفنت إلى جانب قبره.
стр. 597
أجر الشهادة
أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن عطية المكي، حدثنا أبو الفتح يوسف بن عمر بن مسرور القواس الزاهد، حدثنا الحنبلي أبو بكر، حدثني مسبح بن حاتم العكلي، حدثني ابن عائشة قال: كنا على باب عبد الواحد بن زياد، ومعنا أبو نواس، فخرج الشيخ، فقال: سلوا يا فتيان! فسألنا، حتى بقي أبو نواس، فقال: سليمان يا فتى، فقال:
وَلَقَدْ كُنَا رَوَينَا ... عَن سَعيدٍ عن قتادَه
عن سَعيدِ بن المسيب ... أنّ سَعدَ بنَ عُبادَه
قال: مَن ماتَ مُحبَاً ... فَلَهُ أجرُ الشَّهَادَهْ
فقال: يا خبيث! والله لا حدثتك حديثاً، وأنا أعرفك.
ليلى ومجنونها
أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي بقراءتي عليه قلت له: أخبركم أبو عمر محمد بن العباس، حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان، أخبرني أبو محمد البلخي، أخبرني عبد العزيز بن صالح عن أبيه عن ابن دأب، حدثني رجل من بني عامر يقال له رياح بن حبيب قال:
كان في بني عامر من بني الحريش جارية من أجمل النساء وأحسنهن، لها عقل وأدب، يقال لها ليلى ابنة مهدي بن ربيعة بن الحريش، فبلغ المجنون خبرها، وما هي عليه من الجمال والعقل، وكان صباً بمحادثة النساء، فعمد إلى احسن ثيابه، فلبسها وتهيأ بأحسن هيئة، وركب ناقةً له كريمةً، وأتاها، فلما جلس إليها، وتحدث بين يديها أعجبته، ووقعت بقلبه، فظل يومه يحدثها وتحدثه، حتى أمسى وانصرف إلى أهله، فبات بأطول
стр. 598
ليلة، حتى إذا أصبح مضى إليها فلم يزل عندها حتى أمسى، ثم انصرف، فبات بأطول ليلة من ليلته الأولى، وجهد أن يغمض، فلم يقدر على ذلك، وأنشأ يقول:
نَهارِي نهَارُ النّاسِ، حتى إذا بَدا ... ليَ اللّيلُ هزّتني إلَيكِ المَضَاجِعُ
أُقَضّي نهَارِي بالحَديثِ وَبِالمُنى، ... وَيَجمَعُني وَالهَمَّ باللّيلِ جامِعُ
وأدام زيارتها، وترك إتيان كل من كان يأتيه فيتحدث إليه بغيرها، وكان يأتيها كل يوم، فلا يزال عندها نهاره أجمع، حتى إذا أمسى انصرف، وإنه خرج ذات يوم، يريد زيارتها، فلما قرب من منزلها لقيته جارية حاسرة عسراء، فتطير من لقائها، فأنشأ يقول:
وَكيفَ ترَجّي وَصلَ ليلى، وَقد جَرَى ... بجَدّ القُوى في النّاسِ أعسَرُ حاسِرُ
صرِيعُ العَصَا جَذبُ الزّمامِ إذا انتَحى ... لوَصلِ امرِئٍ لم تُقضَ منه الأوَاصرُ
ثم صار إليها في غد، فلم يزل عندها، فلما رأت ليلى ذلك منه، وقع في قلبها مثل الذي وقع لها في قلبه، فجاءها يوماً كما كان يجيء، فأقبل يحدثها وجعلت هي تعرض عنه بوجهها، وتقبل على غيره تريد أن تمتحنه، وتعلم ما لها في قلبه، فلما رأى ذلك منها اشتد عليه وجزع، حتى عرف ذلك فيه، فلما خافت عليه أقبلت عليه كالمشيرة إليه فقالت:
كِلانَا مُظهِرٌ للنّاسِ بُغضاً، ... وَكُلٌّ عِندَ صَاحبِهِ مَكِينُ
فسري عنه، وعلم ما في قلبها، وقالت له: إنما أردت أن أمتحنك، والذي لك عندي أكثر من الذي لي عندك، وأنا معطية الله عهداً إن أنا جالست بعد يومي هذا رجلاً سواك حتى أذوق الموت، إلا أن أكره على ذلك.
قال: فانصرف في عشيته وهو أسر الناس بما سمع منها، فأنشأ يقول:
أظُنّ هَوَاهَا تَارِكي بمَضَلّةٍ ... من الأرْضِ لا مالٌ لديّ ولا أهلُ
стр. 599
وَلا أحَدٌ أقضِي إلَيهِ وَصيّتي، ... وَلا وَارِثٌ إلاّ المَطيّةُ وَالرّحلُ
محَا حُبُّها حبَّ الأولى كنّ قَبلهَا، ... وَحلّتْ مكاناً لم يكن حُلّ من قبلُ
إهدار دم المجنون وزواج ليلى
وأخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي أيضاً بقراءتي عليه، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف قال: قال أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي إن قيس بن الملوح، وهو مجنون، لما نسب بليلى، وشهر بحبها، اجتمع إليه أهلها، فمنعوه من محادثتها وزيارتها، وتهددوه بالقتل، وكان يأتي امرأة من بني هلال ناكحاً في بني الحريش، وكان زوجها قد مات، وخلف عليها صبية صغاراً، فكان المجنون إذا أراد زيارة ليلى جاء إلى هذه المرأة فأقام عندها وبعث بها إلى ليلى، فعرفت له خبرها وعرفتها خبره، فعلم أهل ليلى بذلك فنهوها أن يدخل قيس إليها، فجاء قيس كعادته، فأخبرته المرأة الخبر وقالت: يا قيس! أنا امرأة غريبة من القوم ومعي صبية، وقد نهوني أن أؤويك، وأنا خائفة أن ألقى منهم مكروهاً، فأحب أن لا تجيء إلي هاهنا، فأنشأ يقول:
أجارَتَنا إنّا غَرِيبَانِ هَا هُنَا، ... وَكُلّ غَرِيبٍ للغريبِ نَسيبُ
فَلا تَزْجرِيني عنكِ خِيفةَ جاهِلٍ ... إذا قالَ شرّاً أوْ أُخيفَ لَبيبُ
قال: وترك الجلوس إلى الهلالية، وكان يترقب غفلات الحي في الليل، فلما كثر ذلك منه خرج أبو ليلى، ومعه نفر من قومه، إلى مروان بن الحكم، فشكوا إليه ما نالهم من قيس، وما قد شهرهم به، وسألوه الكتاب إلى عامله عليهم بمنعه من كلام ليلى، وبخطبه إليهم، فكتب لهم مروان كتاباً إلى عامله
стр. 600
يأمره فيه أن يحضر قيساً ويتقدم إليه في ترك زيارة ليلى، فإن أصابه أهلها عندهم، فقد أهدر دمه.
فلما ورد الكتاب على عامله بعث إلى قيس وأبيه، وأهل بيته، فجمعهم، وقرأ عليهم كتاب مروان، وقال لقيس: اتق الله في نفسك، لا يذهب دمك هدراً، فانصرف قيس وهو يقول:
ألا حُجِبتْ لَيلى، وَآلى أمِيرُهَا ... عَليّ يَميناً جاهِداً لا أزُورُهَا
وَأوْعَدَني فِيهِمْ رِجَالٌ، أبُوهُمُ ... أبي وَأبوها، خُشّنتْ لي صُدورُها
عَلى غَيرِ شيءٍ غَيرَ أني أُحِبّهَا، ... وَأنّ فؤادِي عِندَ لَيلى أسِيرُهَا
فلما أيس منها، وعلم أن لا سبيل إليها، صار شبيهاً بالتائه العقل، وأحب الخلوة، وحديث النفس، وتزايد الأمر به، حتى ذهب عقله، ولعب بالحصا والتراب، ولم يكن يعرف شيئاً إلا ذكرها وقول الشعر فيها، وبلغها هي ما صار إليه قيس، فجزعت أيضاً لفراقه وضنيت ضناً شديداً.
وإن أهل ليلى خرجوا حجاباً، وهي معهم، حتى إذا كانوا بالطواف رآها رجل من ثقيف وكان غنياً كثير المال، فأعجب بها، على تغيرها وسقمها، فسأل عنها، فأخبر من هي، فأتى أباها، فخطبها إليه وأرغبه في المهر، فزوجه إياها، وبلغ الخبر قيساً، فأنشأ يقول:
ألا تِلكَ لَيلى العَامِرِيّةُ أصبَحَتْ ... تَقَطّعُ إلا مِنْ ثَقيفٍ وِصَالُها
هُمُ حَبَسوها محبِسَ البُدْنِِ وَابتَغى ... بهَا المَالَ أقوَامٌ تَساحَفَ مَالُها
إذا التَفَتَتْ وَالعيسُ صُعْرٌ من البُرَى ... بنَخلةَ خَلّى عبرَةَ العَينِ حَالُهَا
стр. 601
مات أبوها فتزوجها
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءة عليه، حدثنا محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان، أخبرني أبو محمد المروزي، حدثني العمري عن لقيط بن بكير المحاربي قال: كان رجل من كلب عاشقاً لابنة عم له، وكانت هي له كذلك، وكان الفتى مقلاً، فخطبها إلى عمه، فأبى وسأله مالاً كثيراً، فلما رأت الجارية شدة أبيها على ابن عمها، أرسلت إليه أن اخرج فاطلب الرزق، ولك علي أن أصبر عامين على أن تحلف لي وتوثق لي أنك إن أصبت مالاً، لا تتزوج إلا أن يبلغك موتي. فحلف لها، وحلفت له، فخرج الفتى، فرزقه الله مالاً، فبلغ الجارية أنه قد تزوج، فكتبت إليه:
ألا ليتَ شِعرِي هَل تَغَيّرْتَ بَعدَنَا ... أمَ انتَ على العَهدِ الذي كنتُ أعهَدُ
فكتب إليها:
عَليكِ بحُسنِ الظنّ يا هِندُ، وَاعلَمي ... بِأنّ وِصَالي، مَا حَيِيتُ، مُجَدَّدُ
فكتبت إليه:
إنّ الرّجَالَ أُولو غَدْرٍ، وَإن حلَفوا ... وَقَوْلُهُمْ غَرَرٌ، وَالوُدّ مَمذُوقُ
فكتب إليها:
أمِنتِ مِنْ غَدرِنا ما دُمتِ سالمَةً، ... وَما أضَاءَ لَنا، يا حَمدَةُ، الأفُقُ
فكتبت إليه:
لَوْ كانَ غَيرُكَ مَا صَدّقتُهُ أبَداً، ... وَأنتَ عِندِي امرُؤ بالصّدقِ مَعرُوفُ
فكتب إليها:
إنْ كُنتُ عِندَكِ ذا صِدقٍ وَذا ثِقَةٍ، ... فإنّ قَلبي بكُمْ، يا حَمدَ، مَشغُوفُ
стр. 602
فكتبت إليه:
أقبِلْ إلينا وَعَجّلْ ما استَطَعتَ وَلا ... تَمكُثُ، فإنّ أبي قد قارَبَ الأجَلا
فكتب إليها:
إني إلَيكِ سرِيعٌ، فاعلميه، إذا ... هَلّ الهِلالُ، فَلا تَبغي ليَ العِلَلا
فقدم، وقد مات أبوها، فتزوجها.
الصابر والشاكر في الجنة
وأخبرنا الحسن بن علي المقنعي، حدثنا محمد بن العباس الخزاز، حدثنا محمد بن خلف المحولي، حدثنا محمد بن عمر، حدثنا محمد بن صالح النطاح عن محمد بن أبي رجاء، أخبرني رجل من أهل الكوفة قال: تزوج عمران بن حطان امرأة من الخوارج، وكانت من أجمل النساء، وأحسنهن عقلاً، وكان عمران بن حطان من أسمج الناس وأقبحهم وجهاً، فقالت له يوماً: غني نظرت في أمري وأمرك، فإذا أنا وأنت في الجنة. قال: وكيف؟ قالت: إني أعطيت مثلك فصبرت، وأعطيت مثلي فشكرت، فالصابر والشاكر في الجنة.
قال: فمات عنها عمران، فخطبها سويد بن منحوف، فأبت أن تتزوجه، وكان في وجهها خال كان عمران يستحسنه ويقبله، فشدت عليه، فقطعته، وقالت: والله لا ينظر إليه أحد بعد عمران، وما تزوجت حتى ماتت.
стр. 603
البطة العاشقة
ذكر أبو القاسم منصور بن جعفر الصيرفي، حدثني المظفر بن يحيى، حدثنا محمد بن هارون، حدثني أبي قال: اشتريت زوج بط، فقلت: اعلفوه، ثم أخذت يوماً الذكر فذبحته، فجعلت الأنثى تضطرب تحت المكبة، حتى كادت أن تقتل نفسها. فقلت: ارفعوا عنها المكبة، فرفعت، فجاءت فلم تزل تضطرب في داء الذكر حتى ماتت.
حلم أبي العتاهية
أنبأنا أبو حنيفة الملحمي، وحدثني الخطيب عنه، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا عسل بن ذكوان، حدثنا ذماد عن حماد بن شفيق قال: قال أبو سلمة الغنوي: قلت لأبي العتاهية، ما الذي صرفك عن الغزل إلى قول الزهد؟ قال: إذاً والله أخبرك أني قلت:
اللهُ بَيني وَبَينَ مَولاتي ... أهدَتْ ليَ الصّدَّ وَالمَلالاتِ
مَنَحتُهَا مَهجَتي وَخالِصَتي، ... فَكَانَ هِجرَانُهَا مُكافَاتي
هَيّمَني حُبُّهَا، وَصَيّرَني ... أُحدُوثَةً في جَميعِ جَارَاتي
فرأيت في المنام، تلك الليلة، كأن آتياً أتاني فقال: ما أصبت أحداً تدخله بينك وبين عتبة يحكم لك عليها بالمعصية إلا الله، ؟ فانتبهت مذعوراً، وتبت إلى الله تعالى من ساعتي من قول الغزل.
стр. 604
الصوفي وحيلته للتقبيل
أنبأنا التنوخي علي بن المحسن، أخبرنا أبو بكر بن شاذان، حدثني نفطويه، حدثني إدريس بن إدريس قال: حضرت بمصر قوماً من الصوفية، وعندهم غلام أمرد يغنيهم، فغلب على رجل منهم أمره، فلم يدر ما يصنع، فقال: يا هذا! قل لا إله إلا الله! فقال: لا إله إلا الله. فقال: أقبل الفم الذي قال لا إله إلا الله.
الرشيد والأعرابي
أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا أبو النضر العقيلي، حدثنا حماد بن إسحق عن أبيه إسحق بن إبراهيم الموصلي قال: بينا أنا جالس مع الرشيد على المائدة، إذ دخل الحاجب، فأعلمه أن بالباب أعرابياً عنده نصيحة، فأمر بإحضاره، فلما دخل أمره بالجلوس على المائدة، ففعل، وكان له فصاحة وصباحة، فلما تم الغداء ورفعت المائدة وجيء بالطست، غسل يده، ثم أمر بالشراب، فأحضر، فقال: يا أمير المؤمنين ما حالتي في اللباس؟ فاستملح هارون ذلك من فعله، فأمر بثياب حسنة، فطرحت عليه. وقال له: يا أعرابي من أين جئت؟ قال: من الكوفة. قال: أعربي أم مولى؟ قال: عربي. قال: فما الذي قصد بك إلينا وما نصيحتك؟ قال: قصد بي إليك قلة المال وكثرة العيال؛ وأما نصيحتي، فإني علمت أني لا أصل إليك إلا بها. قال: فأخذ إسحق العود، فغنى صوتاً يشتهيه الرشيد ويطرب عليه، وهو:
لَيسَ لي شَافِعٌ إلَي ... كَ سِوَى الدّمعِ يَنفَعُ
стр. 605
عِشتَ بَعدِي وَمُتُّ قب ... لَكَ، هَلْ فِيكَ مَطمَعُ
قِسَمُ الحُبّ خَمسَةٌ، ... صَارَ لي مِنهُ أرْبَعُ
فَإلى اللهِ أشتَكي ... كَبِداً لي تَقَطَّعُ
فقال الرشيد كالمازح: كيف ترى هذا يا أعرابي؟ قال: بئس، والله، ما غنّى. فغضب من ذلك هارون وصعب عليه. قال إسحق: وسقط في يدي، فقال هارون: ويلك يا أعرابي! هل يكون شيء أحسن من هذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين! قولي حين أقول:
لا وَحُبّيكَ لا أُصَا ... فِحُ بِالدّمعِ مَدْمَعَا
مَن بكَى شَجوَهُ استرَا ... حَ وَإنْ كانَ مُوجَعَا
كَبِدِي في هَوَاك أس ... قمُ مِنْ أنْ تُقَطَّعَا
لمْ تَدَعْ سَوْرَةَ الهَوَى ... للبِلى فيّ مَطمَعَا
قال: فاستملح هارون ذلك منه، وأمر إسحق أن يغنيه به شهراً لا يقطعه عنه، وأمر للأعرابي بعشرة آلاف درهم.
الفضل بن يحيى يودع أصحابه
حدثنا المعافى، حدثنا الصولي محمد بن يحيى، حدثنا أحمد بن يحيى قال: لما خرج الفضل بن يحيى إلى خراسان ودع أصحابه ثم قال:
لمّا دنَا البَينُ بَينَ الحَيّ وَاقتَسَمُوا ... حَبلَ الهَوَى، وَهوَ في أيديهم قِطَعُ
جادَتْ بأدمُعِها سَلمَى، وَأعجَلَني ... وَشْكُ الفِرَاقِ، فمَا أبكي وَما أدَعُ
يا قَلبِ وَيحكَ! لا سَلمى بذي سَلَمٍ، ... وَلا الزّمَانُ الذي قد مَرّ مُرْتَجَعُ
стр. 606
أكُلَّمَا مَرّ رَكْبٌ لا يُلائِمُهُمْ، ... وَلا يُبَالُونَ أن يَشتاقَ من فَجعُوا
عَلّقتْني بهَوىً مِنهُمْ، فقدْ جُعِلَتْ ... مِنَ الفِرَاقِ حَصَاةُ القَلبِ تَنصَدعُ
صخر العقيلي وزوجته وابنة عمه ليلى
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس، حدثنا محمد بن خلف المحولي، حدثنا أبو محمد التميمي عن المدائني عن أبي زكريا العجلاني أن رجلاً من بني عقيل كان يسمى صخراً، وكانت له ابنة عم تدعى ليلى، وكان بينهما ود شديد، وحب مبرح، ولم يكن واحد منهما يفتر عن صاحبه ساعة، ولا يوماً، وكان لهما مكان يلتقيان فيه، ولليلى جارية تبلغ صخراً رسائلها، وتبلغها عنه، وتسعى بينهما، حتى طال ذلك منهما، وكانا يتحدثان في كل ليلة، ثم ينصرفان إلى منازلهما.
ثم إن أبا صخر زوج صخراً امرأةً من الأزد وصخر لذلك كاره مخافة أن تصرمه ليلى، فلما بلغ ليلى خبره، قطعته وتركت إتيان المكان الذي كانا يلتقيان فيه، فمرض صخر مرضاً شديداً، وكان قد أفشى سره إلى ابن عم له، وكانوا يقولون: قد سحرته ليلى، لما كان يصنع بنفسه. فكان ابن عمه يحمله إلى ذلك المكان الذي كانا يلتقيان فيه، فلا يزال يبكي على آثارها وعهدها حتى يصبح، وابن عمه يسعفه ثم يرده.
وكانت ليلى أشد وجداً به، وحباً له منه لها، فأرسلت جاريتها إليه، وقالت: اذهبي إلى مكاننا، فانظري هل ترين صخراً هنالك، فإذا رأيته فقولي له:
تَعْساً لمَنْ لِغَيرِ ذَنبٍ يَصرِمُ، ... قَد كُنتَ يا صَخر زَمَاناً تَزْعُمُ:
أنّكَ مَشغُوفٌ بِنَا مُتَيَّمُ، ... فَالحَمدُ للهِ عَلى مَا يُنعِمُ
стр. 607
لمّا بَدا مِنكَ لَنَا المُجَمجَمُ، ... وَاللهُ رَبّي شَاهدٌ قَد يَعلَمُ
أنْ رُبّ خِطبٍ شَأنُهُ يُعَظَّمُ، ... رَدَدتُهُ، وَالأنفُ مِنهُ يُرْغَمُ
قال: فانطلقت الجارية، فإذا هي بصخر، فأبلغته قولها، فوجدته كالشن البالي قد هلك حزناً ووجداً. فقال لها: يا حسن أحسني بي فعلاً، وأبيني لي عذراً، وسلي لي غفراً وصلحاً، فوالله ما ملكت أمري، وقولي لها:
فهمتُ الذي عيّرْتِ يا خِيرَ مَن مَشَى، ... وَما كانَ عن رَأيي وَما كان عن أمرِي
دُعيتُ فلم أفعل، وَزُوّجتُ كارِهاً، ... وَما ليَ ذنبٌ، فاقبلي وَاضِحَ العُذرِ
فإنْ كنتُ قَد سُمّيتُ صَخراً، فإنّني ... لأضعفُ عن حَملِ القليلِ من الصّخرِ
وَلَستُ، وَرَبِّ البّيتِ، أبغي مُحَدَّثاً ... سِوَاكِ، وَلَوْ عِشنا إلى مُلتَقى الحَشرِ
فقالت له حسن: يا صخر! إن كنت تزعم أنك كاره تزويج أبيك إياك فاجعل أمر امرأتك بيدي لأعلم ليلى أنك لها محب ولغيرها قال، وأنك كنت مكرهاً. فقال: لا! ولكن قد جعلت ذلك في يد ابنة عمي.
فانصرفت إليها فأخبرتها بما دار بينهما، وقالت: قد جعل الأمر إليك، وما عليه عتب فطلقيها منه. قالت ليلى: هذا قبيح، ولكن عديه الليلة إلى موضع متحدثنا، ثم أطلّق إن جعل أمرها إليك، فإنه لم يكن ليردك بحضرتي.
فمضت الجارية، فأخذت موعده، فاجتمعا وتشاكيا، وتعاتبا، ثم قالت له الجارية: اجعل أمر أهلك إلي، فوالله إن ليلى لأفضل بني عقيل نسباً وأكرمهم أباً وحسباً، وإنها لأشد لك حباً، فقال صخر: فأمرها في يدك. قالت: فهي طالق منك ثلاثاً، فأظهرت ليلى من ذلك جزعاً، وأن الذي فعلت جاريتها شق عليها. فتراجعا إلى ما كانا عليه من اللقاء ولم يظهر صخر طلاق
стр. 608
امرأته حتى قال له أبوه: يا صخر ألا تبني بأهلك؟ قال له: وكيف أبني بها، وقد بانت مني عصمتها في يمين حلفت بها؟ فأعلم أبوه أهل المرأة، وقالت المرأة تهجو ليلى وقومها:
ألا أبلِغَا عَنّي عُقَيلاً رِسَالَةً، ... وَمَا لعُقَيلٍ من حَيَاءٍ وَلا فَضلِ
نساؤهُمْ شرُّ النّساءِ، وَأنتُمُ ... كذلك، إنّ الفرْعَ يجرِي على الأصلِ
أمَا فِيكُمُ حُرٌّ يَغارُ عَلى اختِهِ؛ ... وَما خَيرُ حيّ لا يَغارُ على الأهلِ
قال: وهجتها ليلى، وتقاولتا حتى شاع خبرهما، فأجمعوا على تزويج ليلى من صخر، لما انكشف لهم من وجد كل واحد منهما بصاحبه، فزوجوها من صخر، فعاشا على أنعم حال وأحسن مودة.
تفي لزوجها بعد موته
وأخبرنا الحسن بن علي، حدثنا محمد بن العباس، حدثنا محمد بن خلف، أخبرني أبو صالح الأزدي عن إبراهيم بن عبد الواحد الزيدي، أخبرني البهلول بن عامر، حدثني سعيد بن عبد العزيز التنوخي قال: كان الحسن بن سابور رجلاً له عقل ودين، فأعجب بفتاة من الحي ذات عقل ودين، قال: فأرسل إليها بهذه الأبيات:
فَدَيتُكِ هَل إلى وَصلٍ سَبيلٌ، ... وَهَلْ لكِ في شِفَا بَدَنٍ عَليلِ
فعِندَكِ مُنيَتي وَشِفَاءُ سُقمي، ... فداويني، فدَيتُكِ، مِنْ غَليلي
فلما وصل الرسول إليها عذلته، وقالت: ما هذا؟ أو يكتب إلى النساء بمثل هذا؟ وكبتت إليه كتاباً تضعف من رأيه وتوبخه وتأمره بالكف عن ذلك، وفيه:
ألا يا أيّها النِّضوُ المُعَنّى! ... رُوَيدَكَ في الهَوَى رِفقاً قَليلا
стр. 609
لَنَا رَبٌّ يُعَذّبُ مَنْ عَصَاهُ ... وَيُسكِنُ ذا التّقى ظِلاَّ ظليلا
وكان موسراً، فضمكن لها أنه يدفع إليها ماله. فقالت للرسول: لا حاجة لي في ذلك ولا إليه سبيل. قال: وكيف ذاك؟ قالت: ويحك إني كنت عاهدت ابن عمي إن مات أن لا أتزوج بعده، وذلك أنه نظر إلي يوماً نظرة أنكرتها ودمعت عيناه، وأنشأ يقول:
كَأني بالتّرَابِ يُهَالُ طُرّاً ... عَلى بَدَني، وَتَندُبُني نِسَايَا
وَأُصبحُ رَهنَ مُوحِشَةٍ دَفِيناً، ... وَبِنتُ، وَقُطّعَتْ مِنكُم عُرَايَا
وَيَنسَاني الحَبيبُ لفَقدِ وَجهي، ... وَيُحدِثُ مُؤنِساً أيضاً سِوَايَا
قالت: فقلت له: كأنك تعرض بي؟ فقال: ومن في العالم أخشى عليه هذا غيرك؟ قالت: فأجبته، فقلت:
ألا طِبْ أيّهَا المَحزُونُ نَفساً، ... فَإنّي لا أخونُكَ في وَدَادِ
وَلا أبغي سِوَاكَ مَعي أنِيساً، ... وَلا يَنحاشُ بَعدَكَ لي فُؤادِي
قالت: فقال لي: أوَتَفينَ بهذا لي؟ قالت: فقلت: اي والله لا أخونك أبداً، وحاشاك من قولك! فأنشأ يقول:
وَإنّي لا أخُونُكَ بَعدَ هَذا، ... وَلم أنقضْ على حَدَثٍ عُهُودي
وَلا أبغي سِوَاكِ، الدّهرَ، إنّي ... عَليّ بِذاكَ شَاهِدَةٌ شُهُودي
قالت: فرضيت بذلك منه ورضي به مني، فعاجلته أقدار الله تعالى، فصار إليه، وما كنت لأنقض عهده أبداً، فقل لصاحبك أن يقبل على شأنه ويدع ذكر ما لا يتم ولا يكون. قال: فرجعت إليه، فأخبرته ما قالت، وحدثته بالقصة فأمسك عنها.
стр. 610
أفِقْ أو لا تُفِق
ولي من ابتداء قصيدة:
أفِقْ من غَرَامِكَ، أوْ لا تُفِقْ، ... فَإنّ الخَليطَ غَداً مُنطَلِقْ
وَاطفئْ بدَمعكَ نَارَ الحَشَا، ... إنِ اسَطعتَ، أوْ خَلِّهَا تَحترِقْ
وَخُذْ عَن أَخيكَ حَديثَ الهَوَى، ... فَقد ذاقَ مِنهُ الذِي لم تَذُقْ
وَإنْ كُنتَ تُنكِرُ فِعْلَ الغَرَا ... مِ بالعاشِقينَ، فَسَلْ مَن عَشِقْ
وَقَائِلَةٍ، وَغُرَابُ النّوَى ... بفُرْقَةِ مَا بَينَنَا قَدْ نَعَقْ:
تَزَوّدْ، وَلَوْ قُبلَةً، قَبلَ أنْ ... يَنُمّ بِنَا دَمعُكَ المُنهرِقْ
وَخُذ أهبَةَ البَينِ قَبلَ الفِرَاقِ، ... فرَهنُكَ في حَيّنا قَد غَلِقْ
وَسَارُوا، وَقَد حَصَرُوا بَاخِلِي ... نَ عَلى الجَفنِ بَعدَهُمْ يَنطَبِقْ
فَمَا ضَرّ حَادِيَهُمْ، لا سَقَاهُ ... عَلى ظَمَإٍ عارِضٌ، لَوْ رَفِقْ
وَقَدْ كنتُ أقنَعُ مِن وَصلِهِمْ، ... بطَيفِ الخَيَالِ، إذا مَا طَرَقْ
وَإنْ كانَ في ضَحِكِ العَارِضَي ... نِ بالشّيبِ لي زَاجِرٌ لا يَعُقْ
لو صدق الهوى
ولي أيضاً من أثناء قصيدة أولها:
وَلمّا لمْ أجِدْ ظَهراً مُطِيقاً، ... أحَمّلُهُ اشتِيَاقِي وَالغَرَامَا
سَألتُ البَارِقَ النّجديّ يُهدِي ... إلى دارٍ تَحِلّ بهَا السّلامَا
стр. 611
ومنها:
وَلَستُ، وَإنْ تَطاوَلَتِِ اللّيالي، ... بناسٍ قول هند يا أمام
أهَذا المُدّعي زُوراً وَإفكاً ... هواناً، ثم ضيّفت اللثاما
فَلوْ صَدقَ الهَوى لم يَحيَ يَوْماً ... بإثر البين عنه ولا أقاما