Полный текст (611 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
نفسها، فقالت: يا هذا! أما يقذعك الإسلام والكرم؟ كل وقل، وإن أردت غير ذلك فارتحل، فأنشأ الأسدي يقول:
تَقولُ لي عمرَةُ قوْلَ المُبتَعِلْ: ... للضّيفِ حَقّ يا فتَى فكُلْ وَقِلْ
فعِندنَا ما شِئتَ من بَرْدٍ وَظِلٍّ، ... أمّا الذي تَطلبُهُ، فَلا يَحِلْ
يَمنَعُ مِنهُ الدِّينُ وَالعِرْقُ الأصُلْ
قال: وعلقها، فقال: فزوجيني نفسك. فقالت: شأنك وأوليائي؟ فأتاهم، فخاف أن لا يزوجوه للعداوة التي بينهم، فانتسب عذرياً، فزوجوه، فأقام معها زماناً ثم علم به أهلها، فقالوا: يا هذا والله إنك لكفؤ كريم، ولكنا نكره أن تنكح منا وأنت حربنا، فخل عن صاحبتنا، وقد كان تزايد وجده بها لما رأى من موافقتها وحسنها، وكانت تهالكه عند الجماع، فطلقها وقال:
أحِبّكِ يا عمَرَ حُبّ المُسِرّ، ... لِطُولِ الحَياةِ وَأمنِ الغِيَرْ
وَيُعجِبُني مِنكِ عِندَ الجِما ... عِ حياةُ الكلامِ وَموْتُ النّظرْ
وَهَجرُكِ يَرْمِينَ بالمُنكرَاتِ ... أغالِيظَ ذو السَّكَرِ المُبتَهِرْ
وَذو أشَرٍ بَارِدٍ طَعمُهُ، ... وَرَابي المَجَسّةِ سُخنِ القَعَرْ
стр. 562
الأخوات الثلاث وكتابهن
أخبرنا أبو الغنائم محمد بن علي بن علي في ما أجاز لنا، حدثنا إسماعيل بن سعيد بن سويد، حدثنا الحسين بن القاسم، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا الزبير بن بكار، حدثني عم لي قال: ذكر لي رجل من أهل المدينة أن رجلاً خرج حاجاً، فبينا هو قد نزل تحت سرحة في بعض الطريق، بين مكة والمدينة، إذا هو بكتاب معلق في السرحة مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. أيها الحاج القاصد بيت الله إن ثلاث أخوات فتيات خلون يوماً، فبحن بهواهن، وذكرن أشجانهن، فقالت الكبرى منهن:
عَجِبتُ له أن زَارَ في النّوْمِ مَضْجعي، ... وَلَوْ زَارَني مُستَيقظاً كانَ أعجَبَا
وقالت الوسطى:
ما زَارَني في النّوْمِ إلاّ خَيالُهُ، ... فقُلتُ لَهُ: أهلاً وَسَهلاً وَمَرْحَبَا
وقالت الصغرى:
بنَفسِي وَأهلي مَن أرَى كُلَّ لَيلَةٍ ... ضَجيعي، وَرَيّاهُ من المِسكِ أطيَبَا
وفي أسفل الكتاب: رحم الله من نظر في كتابنا هذا وقضى بيننا بالحق ولم يجر في القضية. قال: فأخذ الكتاب فتى وكتب في أسفله:
أُحَدّثُ عَنْ حُورٍ تَحَدّثنَ مَرّةً، ... حديثَ امرِئٍ سَاسَ الأمورَ وَجرّبَا
ثَلاثٍ كَبَكرَاتِ الهِجَانِ عَطابلٍ، ... نَوَاعِمَ يَقتُلنَ اللّئيمَ المُسَبّبَا
خَلَوْنَ، وَقد غابتْ عُيُونٌ كَثيرَةٌ، ... مِنَ اللاءِ قَد يَهوَينَ أنْ يَتَغَيّبَا
فَبُحنَ بما يُخفِينَ من لاعِجِ الهَوَى، ... مَعاً، وَاتّخَذنَ الشّعرَ مَلهىً ومَلعَبَا
стр. 563
عَجبتُ له أن زَارَ في النّومِ مَضجَعي، ... وَلَوْ زَارَني مُستَيقِظاً كانَ أعَجَبَا
وَإذ أخبرَتْ ما أخبرَتْ وَتَضاحَكَتْ، ... تَنَفّسَتِ الأخرَى، وَقالت تطرُّبَا:
وَما زَارَني في النّوْمِ إلاّ خَيَالُهُ، ... فقُلتُ لهُ: أهلاً وسَهلاً وَمَرْحَبَا
وَشُوّقَتِ الأخرَى وَقالَتْ مُجيبَةً ... لَهُنّ بقَوْلٍ كانَ أشهَى وَأعذَبَا:
بنَفسِي وَأهلي مَن أرَى كلّ لَيلَةٍ ... ضَجيعي، وَرَيّاهُ مِنَ المِسكِ أطيَبَا
فلَمّا تَبَيّنتُ الذي قُلنَ وَانبَرَى ... ليَ الحُكمُ لم أترُكْ لدى القَوْلِ مَعتَبَا
قَضَيتُ لصُغرَاهُنّ بالظّرْفِ، إنّني ... رَأيتُ الذي قالتْ إلى القَلبِ أطرَبَا
غريبان وجارية
أخبرنا أبو الفتح عبد الواحد بن الحسين بن شيطا وأبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين قالا: حدثنا أبو القاسم بن سويد العدل، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا ابن علي الكاتب، أخبرني بعض أصحابنا من الكتاب قال: دخلت البصرة أنا وصديق لي، فرأيت جارية قد خرجت من بعض الدور كأنها فلقة قمر، فقلت لصاحبي: لو ملت بنا إليها فاستسقيناها ماء؟ ففعل، فقلنا له: جعلنا الله فداءك، اسقينا ماء، فقالت: نعم، وكرامة! فدخلت وأخرجت كوز ماء، وهي تقول:
ألا حَيِّ شَخْصَيْ قاصِدَينِ أرَاهُمَا ... أقَامَا فَما أن يَعرِفَا مُبتَغَاهُمَا
هُمَا استَسقَيَا مَاءً عَلى غَيرِ ظَمأةٍ ... لِيَستَمتِعَا باللّحظِ مِمّنْ سَقَاهُمَا
فقلت لها: جعلني الله فداءك، فهل لك في الخلوة؟ فولت، وهي تقول: شه! أجمل أنا فيركبني اثنان؟
стр. 564
المضل إبله والجارية الموجعة القلب
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي، حدثنا إبراهيم بن محمد الطائفي، حدثني صقر بن محمد مولى قريش، حدثنا الأصمعي قال: سمعت رجلاً من بني تميم يقول: أضللت إبلاً لي، فخرجت في طلبهن، فمررت بجارية أعشى نورها بصري، فوقفت بها، فقالت: ما حاجتك؟ قلت: إبل لي أضللتها، فهل عندك شيء من علمها؟ قالت: أفلا أدلك على من عنده علمهن؟ قلت: بلى! قالت: الذي أعطاكهن هو الذي أخذهن، فاطلبهن من طريق التيقن لا من طريق الاختيار. ثم تبسمت، وتنفست الصعداء، ثم بكت وأطالت البكاء، وأنشأت تقول:
إني وَإنْ عَرَضَتْ أشياءُ تُضحِكُني، ... لمُوجَعُ القَلبِ مطوِيّ عَلى الحَزَنِ
إذا دَجا اللّيلُ أحيا لي تَذَكّرَهُ، ... وَالصّبحُ يَبعَثُ أشجاناً عَلى شَجَنِ
وَكيفَ تَرْقُدُ عَينٌ صَارَ مُؤنِسُهَا ... بَينَ التّرَابِ، وَبَينَ القَبرِ وَالكَفَنِ
أبلَى الثّرَى وَتُرَابُ الأرْضِ جِدّتَهُ، ... كأنّ صُورَتهُ الحَسناءَ لَمْ تَكُنِ
أبكي عَلَيهِ حَنيناً حِينَ أذكُرُهُ، ... حَنينَ وَالِهَةٍ حَنّتْ إلى وَطَنِ
أبكي على مَن حَنَتْ ظهرِي مُصِيبَتُهُ، ... وَطَيّرَ النّوْمَ عَن عَيني وَأرّقَني
وَاللهِ لا أنسَ حبّي الدهرَ ما سَجَعتْ ... حَمَامَةٌ، أوْ بَكَى طَيرٌ عَلى فَنَنِ
فقلت، عندما رأيت من جمالها وحسن وجهها وفصاحتها وشدة جزعها: هل لك من بعل لا تذم خلائقه وتؤمن بوائقه؟ فأطرقت ملياً ثم أنشأت تقول:
كُنّا كَغُصنَينِ في أصلٍ غِذاؤُهُما ... ماءُ الجَدَاوِلِ في رَوْضَاتِ جَنّاتِ
فَاجتَثّ خيرَهُمَا من جَنبِ صَاحِبِهِ، ... دَهرٌ يَكُرّ بفَرْحَاتٍ وَتَرْحَاتِ
стр. 565
وَكانَ عَاهَدَني، إنْ خانَني زَمَنٌ، ... أنْ لا يُضَاجعَ أُنثى بَعدَ مَثوَاتي
وَكُنتُ عَاهدتُهُ أيضاً، فعَاجَلَهُ ... رَيبُ المَنُونِ مُذْ سُنَيّاتِ
فاصرِفْ عِنانَكَ عَمّن لَيسَ يَرْدعُه ... عَنِ الوَفَاءِ خِلابٌ في التحيّاتِ
دعه ليوم البعث
أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق بقراءتي عليه، حدثنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن بيان الزبيبي، حدثنا محمد بن خلف المحولي، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن الحسين، حدثني محمد بن سلام الجمحي قال: سمعت خارجة بن زياد، وهو من بني سليم، يذكر قال: هويت امرأة من الحي، فكنت أتبعها إذا خرجت إلى المسجد، فعرفت مني ذلك فقالت لي ذات ليلة: ألك حاجة؟ قلت: نعم! قالت: وما هي؟ قلت: مودتك. قالت: دع ذلك ليوم التغابن. قال: فأبكتني، والله فما عدت إليها بعد ذلك.
لحام بني إسرائيل والجارية
أخبرنا أحمد، حدثنا محمد، حدثنا عبد الله، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا أحمد بن حرب، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا مرحوم بن عبد العزيز، حدثنا أبو عمران الجوني قال: كان لحام بني إسرائيل لا يتورع من شيء، فجهد أهل بيت من بني إسرائيل، فأرسلوا إليه جارية منهم تسأله، فمضت إليه، وقالت: يا لحام بني إسرائيل، أعطنا لحماً! فقال: لا! أو تمكنيني من نفسك. فرجعت،
стр. 566
فجهدوا جهداً شديداً، فرجعت إليه، فقالت: يا لحام بني إسرائيل، أعطنا! فقال: لا! أو تمكنيني من نفسك. فرجعت، فجهدوا جهداً شديداً، فأرسلوها إليه، فقالت: يا لحام بني إسرائيل، أعطنا، فقال: لا؟! أو تمكنيني من نفسك. قالت: دونك.
فلما خلا بها جعلت تنتفض كما تنتفض السعفة إذا خرجت من الماء، فقال لها: ما لك؟ قالت: أخاف الله! هذا شيء لم أصنعه قط. قال: فأنت تخافين الله ولم تصنعيه، وأفعله أنا. أعاهد الله أني لا أرجع إلى شيء مما كنت فيه.
قال: فأوحى الله، ، إلى نبي بني إسرائيل: أن كتاب لحام بني إسرائيل أصبح في كتاب أهل الجنة، فأتاه النبي، ﵇، فقال: يا لحام! أما علمت بأن كتابك أصبح في كتاب أهل الجنة؟
راهبة لا تشارك في المعصية
أخبرنا أحمد بن علي، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله بن إبراهيم الزبيبي، حدثنا محمد بن خلف القاضي، حدثنا أبو بكر القرشي، حدثني أحمد بن العباس النمري، حدثني أبو عثمان التميمي قال: مر رجل براهبة من أجمل النساء فافتتن بها، فتلطف في الصعود إليها، فأرادها على نفسها، فأبت عليه، وقالت: لا تغتر بما ترى، فليس وراءه شيء، فأبى حتى غلبها على نفسها، وكان إلى جانبها مجمرة لبان، فوضعت يدها فيها، حتى احترقت، فقال لها بعد أن قضى حاجته منها: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قالت: إنك لما قهرتني على نفسي خفت أن أشركك في اللذة، فأشاركك في المعصية، ففعلت ذاك لذلك، فقال الرجل: والله لا أعصي الله أبداً، وتاب مما كان عليه.
стр. 567
يقلع عينه
وبإسناده حدثنا محمد بن خلف، حدثنا أبو بكر القرشي، حدثني محمد بن الحسين، حدثني الصلت بن حكيم، حدثني موسى بن صالح أبو هارون قال: نظر رجل من عباد بني إسرائيل إلى امرأة جميلة نظرة شهوة، فعمد إلى عينه فقلعها.
اللهو البرئ
أخبرنا أحمد بن علي، حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا عبد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن خلف قال: وأنشدني عبد الله بن شبيب لبعض المدنيين:
وَبالعَرْصَةِ البَيضَاءِ إن زُرْتُ أهلَها، ... مَهاً مُهمَلاتٌ ما عَلَيهِنّ سائسُ
خَرجنَ لحبّ اللهوِ مِنْ غَيرِ ريبَةٍ، ... عَفائِفُ باغي اللهوِ مِنهنّ آيِسُ
شادن من بني الرهبان
ولي من أثناء قصيدة:
وَشَادِنٍ مِنْ بَني الرّهبَانِ تاركني ... حبّي، وَقد شَاعَ بَينَ النّاسِ وَاشتَهَرَا
وَقال: لَوْ كنتَ صَبّاً لافتدَيتَ بمَنْ ... تَهوَاهُ في لُبسِهِ الزُّنّارَ وَالشَّعَرَا
فقُلتُ: لَستُ بذَنبي طالِباً بَدَلاً، ... وَلَوْ أذابَ غَرَامي أعظُمي وَبَرَى
وَكانَ ذلِكَ مِنهُ أصلَ سَلوَتِهِ، ... وَالعَزْمُ في الأمرِ ممّا يُعقِبُ الظّفَرَا
стр. 568
اليد المسموطة
أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت إن لم يكن حدثنا، حدثنا القاضي أبو القاسم هبة الله بن الحسين الرحبي، حدثنا علي بن أحمد المهلبي، أخبرنا أبو العباس بن عطاء قال:
كان يحضر حلقتي شاب حسن الوجه يخبئ يده. قال: فوقع لي أن الرجل قد قطعت يده على حال من الأحوال، قال: فجاءني يوم جمعة، وقد جاءت السماء بالبركات، ولم يجئني في ذلك اليوم أحد، فطالبتني نفسي بمخاطبته، فدفعتها مراراً كثيرة إلى أن غلب علي كلامه، فكلمته فقلت له: يا فتى ما بال يدك تخبئها، لم لا تخرجها، فإن كان بها علة دعوت الله تعالى لك بالعافية، فما سببها؟ فأخرجها، فرأيت فيها شبيهاً بالشلل، فقلت: يا فتى ما أصاب يدك؟ قال: حديثي طويل. قلت: ما سألتك إلا وأحب أن أسمعه.
فقال لي الغلام: أنا فلان بن فلان، خلف لي أبي ثلاثين ألف دينار، فعلقت نفسي بجارية من القيان، فأنفقت عليها جملة، ثم أشاروا علي بشرائها، فاشتريتها بستة آلاف دينار، فلما حصلت عندي وملكتها قالت: لم اشتريتني، وما في الأرض أبغض إلي منك، وإني لأرى نظري إليك عقوبةً، فاسترد مالك، فلا متعة لك بي، مع بغضي لك. قال: فبذلت لها كل ما يبذله الناس، فما ازدادت إلا عتواً، فهممت بردها، فقالت لي داية لي: دعها تموت ولا تموت أنت.
قال: فاعتزلت في بيت، ولم تأكل ولم تشرب، وإنما كانت تبكي وتتضرع حتى ضعف الصوت، وأحسسنا منها بالموت، وما مضى يوم إلا وأنا أجيء إليها وأبذل لها الرغائب، وما ينفع ذلك ولا تزداد إلا بغضاً لي.
فلما كان اليوم الرابع أقبلت عليها وسألتها عما تشتهيه، فاشتهت حريرةً
стр. 569
فحلفت لا يعملها أحد سواي، وأوقدت النار ونصبت القدر، وبقيت أمرس ما جعل فيها، والنار تعمل، وقد أقبلت علي تشكو ما مر بها من الآلام في هذه الأيام، فأقبلت دايتي، فقالت: يا سيدي سليمان يدك؛ قد ذهبت، فرفعتها وقد انسمطت على ما تراها.
قال أبو العباس: فصعقت صعقةً، وقلت: يا بأبي هذا في طلب المعشوق أقبل عليك، فنالك هذا كله.
التفاح بدل الجمار
أخبرنا أحمد بن علي التوزي، حدثنا إسماعيل بن سويد، حدثنا أبو علي الكوكبي، أخبرني ابن الأصقع قال: قال لي بعضهم: رأيت ببغداد في وقت الحج فتىً ومعه تفاح مغلف، فانتهى إلى سور فوقف تحته، فاطلع عليه جوار كأنهن المها، فأقبل يرميهن بذاك التفاح، فقلن له: أم تكن معتزماً على الحج؟ فقال:
وَلمّا رَأيتُ الحَجّ قَد آنَ وقتُهُ، ... وَأبصرْتُ تلك العيسَ بالرّكبِ تعسِفُ
رَحَلتُ مَعَ العُشّاقِ في طَلَبِ الهَوَى، ... وَعَرَفتُ مِنْ حَيثُ المُحبّينَ عرّفوا
وَقَد زَعَمُوا أنّ الجِمارَ فَرِيضَةٌ، ... وَتِارِكَ مَفرُوضِ الجِمَارِ يُعَنَّفُ
عَمَدتُ لتُفّاحٍ ثَلاثٍ وَأرْبَعٍ، ... فزُعفِرَ لي بَعضٌ وَبَعضٌ مُغَلَّفُ
وَقُمتُ حِيَالَ القَصرِ، ثمّ رَمَيتُهُ، ... فَظلّتْ لهَا أيدِي المِلاحِ تَلَقّفُ
وَإنّي لأرْجُو أنْ تُقَبَّلَ حِجّتي، ... ومَا ضَمّني للحَجّ سَعيٌ وَمَوْقِفُ
стр. 570
مدرك الشيباني وعمرو النصراني
أخبرنا القاضي أبو عبد الله القضاعي إجازة، أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن يعقوب بن خرزاد النحيرمي بقراءتي عليه، أخبرنا جعفر بن شاذان القمي أبو القاسم قال: كان عمرو بن يوحنا النصراني يسكن في دار الروم ببغداد، في الجانب الشرقي، وكان من أحسن الناس صورةً وأجملهم خلقاً، وكان مدرك بن علي الشيباني يهواه، وكان من أفاضل أهل الأدب، وكان له مجلس يجتمع إليه الأحداث لا غير، فإن حضره شيخ أو كهل قال له: إنه ليقبح بمثلك أن يختلط بالأحداث والصبيان فقم في حفظ الله.
وكان عمرو بن يوحنا ممن يحضر مجلسه، فعشقه مدرك، وهام به، فجاء عمرو يوماً إلى المجلس، فكتب مدرك رقعةً وطرحها في حجره، فقرأها، فإذا فيها:
بمَجالِسِ العِلمِ التي ... بكَ تمّ جَمعُ جموعِها
ألاّ رَثَيتَ لُمقلَةٍ، ... غَرِقَتْ بمَاءِ دُموعِها
بَيني وبَينَكَ حُرْمَةٌ، ... اللهَ في تَضيِيعِهَا
فقرأ الأبيات، ووقف عليها من كان في المجلس، وقرأوها واستحيا عمرو من ذلك، فانقطع عن الحضور، وغلب الأمر على مدرك، فترك مجلسه، ولزم دار الروم، وجعل يتبع عمراً حيث سلك، وقال فيه قصيدة مزدوجة عجيبة، وله أيضاً في عمرو أشعار كثيرة، ثم اعترى مدركاً الوسواس وسل جسمه، وذهب عقله، وانقطع عن إخوانه، ولزم الفراش، فحضره جماعة فقال لهم: ألست صديقكم القديم العشرة لكم، فما فيكم أحد يسعدني بالنظر
стр. 571
إلى وجه عمرو؟ فمضوا بأجمعهم إليه، وقالوا له: إن كان قتل هذا الفتى ديناً، فإن إحياؤه لمروءة. قال: وما فعل؟ قالوا: قد صار إلى حال ما نحسبك تلحقه، فلبس ثيابه، ونهض معهم، فلما دخلوا عليه سلم عليه عمرو، وأخذ بيده، وقال: كيف تجدك يا سيدي؟ فنظر إليه وأغمي عليه ساعة، ثم أفاق وفتح عينيه، وهو يقول:
أنَا في عَافِيَة إ ... لاّ مِنَ الشّوْقِ إلَيكَا
أيّهَا العَائِدُ مَا بي ... مِنكَ لا يَخفَى عَلَيكَا
لا تَعُدْ جِسْماً وَعُدْ ... قَلباً رَهيناً في يَدَيكَا
كَيفَ لا يَهلِكُ مَرْ ... شوقٌ بسَهمَيْ مُقلَتَيكَا
ثم شهق شهقةً فارق الدنيا بها حتى دفنوه.
كلانا أسير الهوى
ولي من أثناء قصيدة كتبت بها إلى بعض أهل العلم:
وَذي شَجَنٍ مثلي شكَوْتُ صَبابَتي ... إلَيهِ، وَدَمعيَ مَا يُفتِّر قَطرُه
فقالَ، وَلَمْ يَملِكْ سَوَابِقَ عَبرَةٍ ... تُتَرْجِمُ عمّا قد تَضَمّنَ صَدرُه:
كِلانا أسيرٌ في الهَوَى مُتَهَدَّدٌ ... بقَتلٍ، فمَا يَنفَكّ مَا عَاشَ أسرُه
لَقَد ضَاقَ ضَرْعي بالنّوَى، وَأمَلّني ... نَعيبُ غُرَابِ البَينِ لا شِيدَ وَكرُه
وَأقلَقَني حادِي الرّكائِبِ بالضّحَى، ... وَسَائِقُهَا لمّا تَتَابَعَ زَجرُه
وَتَقويضُ خَيمِ الحيّ وَالبَينُ ضَاحِكٌ ... لفُرْقَتِنَا، حَتى بَدَا مِنهُ ثَغرُه
وَفي الجيرَةِ الغادينَ أحوىً، عذارُهُ ... يَقُومُ بهِ للعاشِقِ الصّبّ عُذرُه
غَدائِرُهُ لي شَاهِداتٌ بأنّهُ ... وَفَيتُ لَهُ من بَعدِ ما بَانَ غَدرُه
стр. 572
أي قول أحسن ؟
أخبرنا أحمد بن علي الوراق بدمشق، حدثنا الحسين بن محمد أخو الخلال، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم الشطي بجرجان، حدثنا أبو علي أحمد بن الحسين بن شعبة، حدثنا أحمد بن جعفر الهاشمي، حدثنا محمد بن عبد الله الكاتب قال: كنت يوماً عند محمد بن يزيد المبرد، فأنشد:
جِسمي معي غَيرَ أنّ الرّوحَ عندَكمُ، ... فالجسمُ في غُرْبَةٍ وَالرّوحُ في وَطَنِ
فَليَعجَبِ النّاسُ منّي أنّ لي بَدَناً ... لا رُوحَ فيهِ، وَلي رُوحٌ بلا بَدَنِ
ثم قال: ما أظن الشعراء قالت أحسن من هذا. قلت: ولا قول الآخر؟ قال: هيه! قلت: الذي يقول:
فارَقتُكمُ وَحَيِيتُ بَعدَكُمُ، ... ما هكذا كانَ الذي يَجِبُ
فالآنَ ألقَى النّاسَ مُعتَذِراً، ... من أنْ أعِيشَ وأنتمُ غَيَبُ
قال: ولا هذا. قلت: ولا خالد الكاتب:
رُوحانِ لي، رُوحٌ تَضَمَنّهَا ... بَلَدٌ، وَأُخرَى حَازَها بَلَدُ
وَأظُنّ غَائِبَتي كَشَاهِدَتي ... بمَكانِها تَجِدُ الذي أجِدُ
قال: ولا هذا. قلت: أنت إذا هويت الشيء ملت إليه، ولم تعدل إلى غيره. قال: لا! ولكنه الحق، فأتيت ثعلباً، فأخبرته، فقال ثعلب ألا أنشدته:
غابُوا، فَصَارَ الجِسْمُ من بَعدِهم، ... مَا تَنظُرُ العَينُ لَهُ فَيّا
بِأيّ وَجهٍ أتَلَقّاهُمُ، ... إذا رَأوْني بَعدَهُمْ حَيّا
يا خجلَتي مِنهُ، وَمِنْ قَوْلِهِ: ... مَا ضرّكَ الفَقدُ لَنَا شَيّا
стр. 573
قال: فأتيت إبراهيم بن إسحق الحربي، قأخبرته، فقال: ألا أنشدته:
يا حيَائي مِمّنْ أُحِبّ، إذا مَا ... قالَ بَعد الفِراق: إني حَييتُ
لَوْ صَدقتَ الهَوَى حَبيباً، عَلى الصّ ... حّةِ لمَا نَأى، لكُنتَ تموتُ
قال: فرجعت إلى المبرد، فقال: أستغفر الله إلا هذين البيتين، يعني بيتي إبراهيم.
شهود ثقات
وأخبرنا أحمد بن علي، أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز بهمذان، حدثنا محبوب بن محمد النرديجي قاضي شروان، أنبأنا أبو سعيد الحسن بن زكريا العدوي ببغداد: أنشدني إبراهيم الحربي:
أنكَرْتَ ذُلّي، فَأيّ شَيءٍ ... أحسَنُ مِنْ ذِلّةِ المُحِبِّ؟
ألَيسَ شَوْقي وَفَيضُ دَمعي ... وَضُعفُ جسمي شهودَ حُبّي؟
قال إبراهيم: هؤلاء شهود ثقات.
ود ووفاء حتى الموت
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، حدثنا محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف، أخبرني أبو بكر، حدثنا الزبير بن بكار عن مولى لعلي بن أبي طالب، ﵇، قال، وكان راوية: إن فتىً من قريش من أهل المدينة هوي جارية منهم، فاشتد وجد كل واحد منهما بصاحبه، ثم بلغه عنها أنها تبدلت، فشكا ذلك إلى أخ له، فكان يستريح إليه، وكانت الجارية قد خرجت مع صواحب لها تتبدى، فقال له
стр. 574
صاحبه: الرأي أن تتلقاها فتعلمها ذلك، فإن كانت قد فعلت كان اعتزالك عنها، وإن كانت لم تفعل لم تعجل عليها بقطيعة.
قال: فخرجنا حتى أتينا القصر الذي هي فيه، وأرسل إليها: إني أريد أن أكلمك، فأرسلت إليه: إني لا أقدر نهاراً، ولكن موعدك الليلة من وراء القصر. فلقيها لموعدها، فشكا إليها وذكر شدة وجده بها وما هو فيه. فقالت: قد أكثرت علي، وما أدري بما أجيبك، إلا أن مثلي ومثلك ما قال جميل:
فما سِرتُ من ميلٍ وَلا سِرتُ لَيلَةً ... مِنَ الدّهرِ إلاّ اعتادَني مِنكِ طائِفُ
وَلا مَرّ يَوْمٌ مُذْ تَرَامَتْ بكِ النّوَى ... وَلا لَيلَةٌ إلاّ هَوىً مِنكِ رَادِفُ
أهُمُّ سُلُوّاً عَنكِ ثمّ تَرُدّني ... إلَيكِ وَتَثنيني عَلَيكِ العَوَاطِفُ
فلا تَحسبِنّ النأيَ أسلَى مَوَدّتي، ... وَلا أنّ عَيني رَدّهَا عَنكِ عاطِفُ
وَكم من بَديلٍ قد وَجَدنا وَطِرْفَةٍ، ... فتأبى عليّ النّفسَ تِلكَ الطّرَائِفُ
ثم افترقا وقد خرج ما كان في قلوبهما فلم يزالا على الوفاء والود حتى ماتا.
؟
الهموم الغالبة
أخبرنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، أخبرنا أبو عمر بن حيويه، أنبأنا أبو بكر بن الأنباري أنشدنا إبراهيم بن عبد الله الوراق لمحمد بن أمية:
شَغَلَتني بها، وَلمْ تَرْعَ عَهدي، ... ثمّ مَنّتْ وَعَهدُها لا يَدُومُ
وَرَأتني أبكي إليهَا، فقالت: ... يَتَبَاكَى كَأنّهُ مَظلومُ
стр. 575
عَلِمَ اللهُ أنّني مَظلُومُ، ... وَحَبِيبي بِمَا أقُولُ عَلِيمُ
لَيسَ لي في الفؤادِ حظّ فأشكو، ... غَلَبَتني على الفؤادِ الهُمومُ
العاصمان الحياء والكرم
حدثنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق، أنبأنا محمد بن أحمد بن فارس، أخبرنا عبد الله بن إبراهيم الزبيبي، حدثنا محمد بن خلف أنشدت لبعضهم:
مَا إنْ دَعَاني الهَوَى لفاحِشةٍ ... إلاّ عَصَاهُ الحَيَاءُ وَالكَرَمُ
فَلا إلى مَحرَمٍ مَدَدتُ يدي، ... وَلا سَعَتْ بي لرِيبَةٍ قَدَمُ
وفاء أعرابية لزوجها
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي المقنعي، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف، حدثني محمد بن العباس المكتب، حدثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: رأيت أعرابية ذات جمال فائق بمنى، وهي تتصدق، فقلت لها: يا أمة الله تتصدقين، ولك هذا الجمال؟ فقالت: قدر الله فما أصنع؟ قلت: فمن أين معاشكم؟ قالت: هذا الحاج نتقممهم، ونغسل ثيابهم. قلت: فإذا ذهب الحاج، فمن أين؟ فنظرت إلي، وقالت لي: يا صلت الجبين! لو كنا إنما نعيش من حيث تعلم لما عشنا.
فوقعت بقلبي. فقلت لها: هل لك زوج يعفك ويغنيك الله بسعيه وكده؟ قالت: هيهات، ما أنا إذاً من العرب، ولم أف له! فعلمت أن زوجها توفي وآلت أن لا تتزوج بعده، فتركتها.
стр. 576
لا خير في ناقض العهد
أخبرنا الحسن بن علي، حدثنا محمد بن العباس، أخبرنا محمد بن خلف أنشدني رجل من قريش لبعضهم:
وَاللهِ لا خنتُ مَنْ هَوِيتُ، وَلا ... تَسكُنُ عَنهُ صَبَابَتي أبَدَا
لا خَيرَ في مُغرَمٍ أخي كُلَفٍ ... يَنقُضُ عَهداً لَهُ إذا عُهِدَا
حَتى يَرَى صَاحِباً لِصَاحِبِهِ ... في قُرْبِهِ، إنْ دَنَا وَإنْ بَعُدَا
أم الضحاك وأرق الهمّ
وبإسناده حدثنا محمد بن خلف، حدثني قاسم بن الحسن، أخبرني العمري، أخبرني الهيثم بن عدي قال: كانت أمّ الضحاك المحاربية تحت رجل من بني ضبة يقال له زيد، وكان لها محباً، فسلا عنها، وتزوج عليها، وكانت على غاية المحبة له فحجت، فبينا هي تطوف بالكعبة إذ رأت زيداً، فلم تملك نفسها أن قبضت على ثوبه، وقالت: أنت هو؟ قال: نعم! حياك الله، فمه! فأنشأت تقول:
أتَهجُرُ مَن تُحِبّ بِغَيرِ جُرْمٍ، ... أسأتَ إذاً وَأنتَ لَهُ ظَلُومُ
تُؤرّقُني الهُمُومُ، وَأنتَ خِلوٌ، ... لَعَمرُكَ ما تُؤرّقُكَ الهُمُومُ
فَلا وَاللهِ آمَنُ بَعدَ زَيْدٍ ... خَليلاً مَا تَغَوّرَتِ النّجُومُ
стр. 577
حب على غير ريبة
قال محمد بن خلف: وأنشدني بعض أهل الأدب لأعرابي:
أُحِبّ التي أهوَى على غَيرِ رِيبَةٍ، ... وَأحفَظُها في ما أُسِرّ وَمَا أُبدِي
وَلَستُ بمُفشِ سِرَّهَا وَحَدِيثَهَا، ... وَلا ناقِضٍ يَوْماً لهَا مُوثَقَ العَهدِ
وَلا مُبتَغٍ أُخرَى سِوَاهَا، مكانَها، ... وَلَوْ أنّها حَوْرَاءُ من جَنّةِ الخُلدِ
عاشق ومعشوق
قال: وأنشدت أيضاً لغيره:
لا خَيرَ في مَن هَوَاهُ مَمذُوقُ، ... لَيسَ لَهُ في هَوَاهُ تَصدِيقُ
هَوَايَ، ما عِشتُ، وَاحدٌ أبداً، ... لأنّني عَاشِقٌ وَمَعشُوقُ
وكلُّ مَن كان صَادِقَاً أبَدَاً ... قَامَتْ لَهُ في فُؤادِهِ سُوقُ
مراودة الرسول
زَعَمَ الرّسُولُ بأنّني رَاوَدتُهُ، ... كذبَ الرّسولُ، وَمُنزِلِ الفُرقانِ
ما كنتُ أجمَعُ خَلّتَينِ: خِيانَةً ... لَكُمُ، وَبَيَعَ كَرَامَةٍ بهَوَانِ
стр. 578
ساء ظن المحب
وقال عباس:
إنّ جُهدَ البَلاءِ حُبُّكَ إنسَا ... ناً هَوَاهُ بآخَرٍ مَشغُولُ
مَا عَلِمنا إلاّ الجَميلَ، وَمَا يُش ... بهكم، يا ظَلومُ، إلا الجميلُ
ما عَهِدنا ما تَكرَهونَ، وَلكن ... سَاءَ ظَنّ المُحبّ في ما يَقولُ
عاشق عفيف
أخبرنا أحمد بن علي السواق، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله إبراهيم البصري، حدثنا محمد بن خلف أنشدت لأبي عبد الرحمن العلوي:
إنْ أكُنْ عَاشِقاً، فإني عَفيفُ اللّ ... فظِ والفَرْجِ عَن رُكُوبِ الحَرَامِ
مَا حَمَاني الإسلامُ حُبَّ ذَوَاتِ الأ ... عينِ النُّجلِ وَالوُجُوهِ الوِسَامِ
؟
عمر ونصر بن حجاج
وأخبرنا أحمد بن علي، حدثنا محمد، حدثنا عبد الله، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا عبد الله بن عبيد، أخبرني محمد بن عبد الله، حدثني أبو محمد عبد الله بن أبي عبد الله، حدثني محمد بن سعيد القرشي، أخبرنا محمد بن جهم بن عثمان بن أبي جهمة، وكان جهمة على ساقة غنائم خيبر يوم افتتحها النبي، ﷺ ، قال: أخبرني أبي عن جده قال: بينما عمر بن الخطاب يطوف ذات ليلة في سكة من سكك المدينة، إذ سمع
стр. 579
امرأة وهي تهتف من خدرها وتقول:
هَلْ من سَبِيلٍ إلى خَمرٍ فأشرَبَها، ... أمْ هَلْ سَبيلٌ إلى نَصرِ بنِ حجّاجِ
إلى فتىً مَاجِدِ الأعرَاقِ مُقتَبِلٍ، ... سَهلِ المُحَيّا، كرِيمٍ، غَيرِ مِلجاجِ
قال: فقال عمر، رحمة الله عليه: ألا أرى معي في المصر رجلاً تهتف به العواتق في خدورهن؟ علي بنصر بن حجاج! فأتي به، فإذا هو أحسن الناس وجهاً وشعراً، فقال: علي بالحجام، فجز شعره، فخرجت له وجنتان كأنهما شقتا قمر، فقال: اعتم، فاعتم، ففتن الناس. فقال عمر: والله لا تساكنني ببلد أنا فيه. قال: ولم ذاك يا أمير المؤمنين! قال: هو ما قلت لك. فسيره إلى البصرة، وخشيت المرأة التي سمع منها عمر ما سمع أن يبدر إليها عمر بشيء، فدست إليه أبياتاً تقول فيها:
قُلْ للإمامِ الذي تُخشَى بَوَادِرُهُ: ... ما لي وَللخَمرِ أوْ نصرِ بنِ حجّاجِ
إني عنيتُ أبَا حَفصٍ بغَيرِهِما، ... شرْبَ الحَليبِ وَطَرْفٍ غيره ساجي
إنّ الهَوَى ذٍِمّةُ التّقوَى، فقَيّدَهُ ... حَتى أقَرّ بإلجَامٍ وَإسرَاجِ
لا تَجعَلِ الظنّ حَقّاً، أوْ تُبَيّنَهُ، ... إنّ السّبيلَ سَبيلُ الخائِفِ الرّاجي
قال: فبعث إليها عمر: قد بلغني عنك خبر، وإني لم أخرجه من أجلك، ولكن بلغني أنه يدخل على النساء، ولست آمنهن.
قال: وبكى عمر، وقال: الحمد لله الذي قيد الهوى حتى أقر بإلجام وإسراج. ثم إن عمر كتب إلى عامله بالبصرة كتباً، فمكث الرسول عنده أياماً، ثم نادى مناديه: الا إن بريد المسلمين يريد أن يخرج، فمن كانت له حاجة فليكتب! فكتب نصر بن حجاج كتاباً، ودسه في الكتب، ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين سلام عليك! أما
стр. 580
بعد فلعمري، يا أمير المؤمنين، لئن سيرتني أو حرمتني وما نلت مني عليك بحرام، وكتب بهذه الأبيات:
أَإنْ غَنّتِ الذّلفَاءُ يَوْماً بمُنيَةٍ، ... وَبَعضُ أمَانيِّ النّسَاءِ غَرَامُ
ظَنَنتَ بيَ الظّنَّ الذِي لَيسَ بَعدَهُ ... بَقَاءٌ، فَمَا لي في النّديّ كَلامُ
وَيَمنَعُني مِمّا تَظُنّ تَكَرُّمي، ... وَآبَاءُ صِدْقٍ سَالِفُونَ كِرَامُ
وَيَمنَعُها مِمّا تَظُنّ صَلاتُهَا، ... وَحَالٌ لهَا في قَوْمِهَا وَصِيَامُ
فهَذانِ حَالانَا! فَهَلْ أنتَ رَاجعي، ... فَقَدْ جُبّ مَني كَاهِلٌ وَسَنامُ
فقال عمر، لما قرأ الكتاب: أما ولي سلطان فلا، فما رجع إلى المدينة إلا بعد وفاة عمر، وله خبر طويل ليس هذا موضعه، ويقال إن هذه المتمنية أم الحجاج.
الله شاهد
وبإسناده، حدثنا محمد بن خلف، أخبرني بعض أهل الأدب عن عثمان بن عمر، حدثني عبد الله بن صالح، حدثني بلال بن مرة قال: بلغني أن أعرابياً خلا بجارية من قومه، فراودها عن نفسها، فقالت: ويحك! والله إن كان ما تدعوني إليه حلالاً، لقد كان قبيحاً. قال: وكيف ذاك؟ قالت: والشاهد الله. قال: فلم يعاودها.
رداء من الصون والعفاف
ولي من نسيب قصيدة من أولها:
يا لَيلَةً لا أزَالُ أذكُرُها، ... مَا نُسِيَتْ لَيلَةٌ، وَأشكُرُها
стр. 581
وَفَتْ سُلَيمَى فِيهَا بمَوْعِدِها، ... إذْ طَرَقَتْ، وَالظّلامُ يُضْمِرُهَا
وَغَابَ عَنّا رَقِيبُنَا، فَصَفَتْ، ... وكانَ يُخشَى مِنهُ تَكَدُّرُهَا
بِتنَا ضَجيعَينِ في مَلاحِفَ يَط ... وِيهَا الهَوَى تَارَةً وَيَنشُرُهَا
أنهَلُ مِنْ رِيقِهَا عَلى ظَمَإٍ، ... صَهبَاءَ، فوها الشّهيُّ مِعصَرُهَا
نَقلي عَلى شُرْبِ رِيقِها قُبَلٌ ... تُشعِلُ نَارَ الهَوَى وَتُسعِرُهَا
إنْ مُلّ لَفظٌ مُكَرَّرٌ، فَمُنى ... نَفسِيَ في لَفظَةٍ تُكَرّرُهَا
جَارِيَةٌ ذاتُ مَنظرٍ حَسَنٍ، ... أحسَنَ تَصويرَها مُصَوّرُهَا
كالغًصنِ قَدّاً، وَالبَدرِ إن سَفَرَتْ، ... شَبِيهُهَا في الظّبَاءِ أحوَرُها
فَمِنْ كَثيبٍ وَارَاهُ مِئْزَرُهَا، ... وَبَدرِ تِمٍّ غَطّاهُ مِعجَرُهَا
طَيّبَةُ الأصلِ لَستُ أنسِبُهَا ... مَخافَةً أنْ يَغَارَ مَعشَرُها
وَخافَتِ الصّبحَ أنْ يَنِمّ عَلى ... مَكَانِهَا ضَوْءُهُ فَيَشهَرُهَا
فَوَدّعَتني عَجلَى، وَأدمُعُهَا ... يَبُلُّ أرْدانَهَا تَحَدّرُهَا
وَانصَرَفَتْ في رِداءِ مَكرُمَةٍ، ... وَحُلّتَيْ عِفّةٍ تُجَرِّرُهَا
رِداؤُهَا الصّوْنُ وَالعَفَافُ، فَمَا ... تَكَادُ عَينُ الأنَامِ تَنظُرُهَا
وهي طويلة اقتصرت على ما ذكرته.
стр. 582
نصيب وزينب
أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن خلف المحولي، حدثنا عبد الله بن عمرو وأحمد بن حرب، حدثنا بنان هو ابن أبي بكر، حدثني محمد بن المؤمل بن طالوت الوادي، حدثني أبي عن الضحاك بن عثمان الحزامي قال: خرجت في آخر الحج، فنزلت بخيمة بالأبواء على امرأة، فأعجبني ما رأيت من حسنها، فتمثلت بقول نصيب:
بزَينبَ ألمِمْ قبلَ أن يَرْحلَ الرَّكْبُ ... وَقُلْ إنْ تَمَلّينَا فَمَا مَلّكِ القَلبُ
وَقُلْ في تَجَنّيها لكَ الذّنبَ: إنّمَا ... عِتَابُكَ مَن عَاتَبتَ فيما لهُ عَتْبُ
خَلِيليّ مِن كَعبٍ ألِمّا، هُدِيتُمَا، ... بزينَبَ، لا يَفقدكُما أبداً كَعبُ
وَقُولا لها: ما في البُعادِ لِذي الهَوَى ... بُعادٌ، ومَا فيه لصَدعِ النّوَى شَعْبُ
فَمَن شَاءَ رَامَ الوَصْلَ، أوْ قالَ ظالماً ... لِصَاحِبِهِ ذَنْبُ، وَلَيسَ لهُ ذنبُ
قال: فلما سمعني أتمثل بالأبيات قالت: يا فتى! أتعرف قائل هذا الشعر؟ قلت: نعم! ذاك نصيب. قالت: نعم، هو ذاك، أفتعرف زينب؟ قلت: لا! قالت: أنا والله زينب. قلت: فحياك الله. قالت: أما إن اليوم موعده من عند أمير المؤمنين. خرج إليه عام أول، وعدني هذا اليوم. ولعلك لا تبرح حتى تراه.
قال: فما برحت من مجلسي، وإذا أنا براكب يزول مع السراب. فقالت: ترى خبب ذاك الراكب؟ إني أحسبه إياه.
ثم أقبل الراكب حتى أناخ قريباً من الخيمة، فإذا هو نصيب، ثم ثنى رجله
стр. 583
عن راحلته، فنزل ثم أقبل، فسلم علي، وجلس ناحيةً، وسلم عليها، وساءلها وساءلته فأحفيا، ثم ساءلته أن ينشدها ما أحدث من الشعر بعدها، فجعل ينشدها، فقلت في نفسي: عاشقان أطالا التنائي، فلا بد أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة.
فقمت إلى راحلتي أشد عليها، فقال لي: على رسلك! أنا معك. فجلست حتى نهض، ونهضت معه، فتسايرنا ساعة، ثم التفت إلي فقال: قلت في نفسك محبان التقيا بعد طول تناء، فلا بد أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة. قلت: نعم! قد كان ذاك. قال: فلا ورب هذه البنية التي إليها نعمد ما جلست منها مجلساً قط أقرب من مجلسي الذي رأيت، ولا كان بيننا مكروه قط.
العاشق المتكتم
وأخبرنا أحمد بن علي، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله بن إبراهيم البصري، حدثنا محمد بن خلف، حدثني أبو موسى عيسى بن جعفر الكاتب، حدثني محمد بن سعيد، حدثني إسحق بن جعفر الفارسي: سمعت عمر بن عبد الرحمن يحكي عن بعض العمريين قال: بينا أنا يوماً في منزلي إذ دخل علي خادم لي، فقال لي: رجل بالباب معه كتاب. فقلت له: ادخله، أو خذ كتابه. قال: فأخذت الكتاب منه، فإذا فيه هذه الأبيات:
تَجَنّبَكَ البَلا، وَلَقيتَ خَيراً، ... وَسَلّمكَ المَليكُ من الغُمومِ
شَكَوْنَ بَناتُ أحشائي إليكمُ ... هَوَايَ حِينَ ألفَتْني كَتُوم
وَحَاوَلْنَ الكِتابَ إلَيكَ في مَا ... يُخامِرُها، فدَتكَ من الهُمُومِ
стр. 584
وَهنّ يَقُلنَ يَا ابنَ الجودِ: إنّا ... بَرِمنا مِنْ مُرَاعاةِ النّجومِ
وَعندكَ، لوْ مَننتَ، شفاءُ سُقمي ... لأعضَاءٍ ضَنِينَ مِنَ الكُلُومِ
فلما قرأت الأبيات قلت: عاشق. فقلت للخادم: ادخله، فخرج إليه الخادم بالخبر فلم يجده، فقلت أخطأت، فما الحيلة؟ فارتبت في أمره، وجعل الفكر يتردد في قلبي، فدعوت جواري كلهن ممن يخرج منهن ومن لا يخرج فجمعتهن ثم قلت: أخبرنني الآن قصة هذا الكتاب.
قال: فجعلن يحلفن، وقلن: يا سيدنا ما نعرف لهذا الكتاب سبباً وإنه لباطل. ثم قلن: من جاء بهذا الكتاب؟ فقلت: قد فاتني، وما أردت بهذا القول لأني ضننت عليه بمن يهوى منكن، فمن عرفت منكن أمر هذا الرجل، فهي له فلتذهب إليه متى شاءت، وتأخذ كتابي إليه.
قال: فكتبت إليه كتاباً أشكره على فعله وأسأله عن حاله، وعما يقصده، ووضعت الكتاب في موضع من الدار، وقلت: من عرف شيئاً فليأخذه، فمكث الكتاب في موضعه حيناً لا يأخذه أحد ولا أرى للرجل أثراً، فاغتممت غماً شديداً ثم قلت: لعله من بعض فتياننا، ثم قلت: إن هذا الفتى قد أخبر عن نفسه بالورع، وقد قنع ممن يحبه بالنظر، فدبرت عليه، فحجبت جواري من الخروج.
قال: فما كان إلا يوم وبعض آخر، حتى دخل الخادم ومعه كتاب، فقلت له: ما هذا؟ قال: أرسل به إليك فلان، وذكر بعض أصدقائي، فأخذا الكتاب ففضضته، فإذا فيه هذه الأبيات:
ماذا أرَدتَ إلى رُوحِ مُعَلَّقَةٍ ... عند الترَاقي، وَحادي المَوْتِ يحدوهَا
حَثثتَ حَادِيهَا ظُلماً، فَجَدّ بهَا ... في السّيرِ، حتى تَوَلّتْ عن تَرَاقيهَا
حَجبتَ من كان يحيي عند رُؤيتهِ ... رُوحي، وَمن كانَ يَشفيني تلاقِيها
فالنّفسُ ترْتاحُ نحوَ الظّلمِ جاهِلةً، ... وَالقَلبُ مني سَليمٌ ما يُؤاتِيها
стр. 585
وَاللهِ لوْ قِيلَ لي تأتي بفَاحِشَةٍ، ... وَإنّ عُقباك دُنيانا وَمَا فِيها
لقُلتُ: لا وَالذي أخشَى عُقوبتَه ... وَلا بأضعَافِهَا مَا كُنتُ آتِيها
لَوْلا الحَياءُ لبُحنا بالذي كَتَمَتْ ... بنتُ الفُؤادِ، وَأبدَينَا تَمَنّيهَا
قال: قلت لا أدري ما أحتال في أمر هذا الرجل، وقلت للخادم: لا يأتيك أحد بكتاب إلا قبضت عليه حتى تدخله إلي، ولم أعرف له بعد ذلك خبراً.
قال: فبينا أنا أطوف بالكعبة، إذا أنا بفتى قد أقبل نحوي، وجعل يطوف إلى جنبي ويلاحظني، وقد صار مثل العود. قال: فلما قضيت طوافي خرجت واتبعني، فقال: يا هذا! أتعرفني؟ قلت: ما أنكرك لسوء، قال: أنا صاحب الكتابين.
قال: فما تمالكت أن قبلت رأسه وبين عينيه وقلت: بأبي أنت وأمي، والله لقد شغلت علي قلبي، وأطلت غمي لشدة كتمانك لأمرك، فهل لك فيما سألت وطلبت؟ قال: بارك الله لك وأقر عينك إنما أتيتك مستحلاً من نظر كنت أنظره على غير حكم الكتاب والسنة، والهوى داع إلى كل بلاء، وأستغفر الله. فقلت: يا حبيبي أحب أن تصير معي إلى المنزل، فآنس بك وتجري الحرمة بيني وبينك. قال: ليس إلى ذلك سبيل، فاعذر وأجب إلى ما سألتك. فقلت: يا حبيبي! غفر الله لك ذنبك، وقد وهبتها لك ومعها مائة دينار تعيش بها، ولك في كل سنة كذا وكذا.
قال: بارك الله لك فيها فلولا عهود عاهدت الله تعالى بها وأشياء وكدتها على نفسي لم يكن شيء في الدنيا أحب إلي من هذا الذي تعرضه علي، ولكن ليس إليه سبيل، والدنيا فانية منقطعة.
حدثني قلت له: فأما إذ أبيت أن تصير إلى ما دعوتك إليه، فأخبرني
стр. 586
من هي من جواري حتى أكرمها لك ما بقيت. فقال: ما كنت لأسميها لأحد أبداً، ثم سلم علي، ومضى فما رأيته بعد ذلك.
كتمان ما في القلب
وبه قال: أخبرني محمد بن خلف: أنشدني علي بن صالح المعري:
عَفِيفٌ، حَلِيمٌ، ناسِكٌ، ذو مخافَةٍ ... إذا مَسّهُ شَجوٌ مِنَ الحُبّ بسّرَا
سَلِيمٌ مِنَ الآفَاتِ، ذو وَرَعٍ، لَهُ ... جَوَارِحُ ما تَصبُو إلى حُسنِ ما يَرَى
فَتىً لم يَزَلْ يُخفي الذي في ضَميرِهِ، ... وَيَكتُمُ ما في القَلبِ مِنهُ عَنِ الوَرَى
لا خير في ناقض العهد
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، حدثنا أبو عمر بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف أنشدني رجل من قريش لبعضهم:
وَاللهِ لا خُنتُ مَنْ هَوِيتُ، وَلا ... تَسكُنُ عَنهُ صَبَابَتي أبَدَا
لا خَيرَ في مُغرَمٍ أخي كُلَفٍ، ... يَنقُضُ عَهداً لَهُ إذا عَهِدَا
حَتى يُرَى حَافِظاً لِصَاحِبِهِ، ... في قُرْبِهِ، إنْ دَنَا، وَإنْ بَعُدَا
قال: وأنشدت لغيره لا خير في من هواه ممذوق، وهي ثلاثة أبيات
стр. 587
قد ذكرتها سابقاً، وكتبت بعدها ها هنا قال ابن المرزبان: وأنشدت للعباس بن الأحنف:
أيَسُرّكُم أنّي هَجَرْتُكُم، ... وَمَنَحتُ قَوْماً غيرَكم وُدّي
لَسنا نَلُومُ عَلى قَطِيعتِنَا ... مَنْ لا يَدُومُ لَنا عَلى عَهدِ
وللعباس أيضاً زعم الرسول بأنني راودته وهما بيتان ذكرا من قبل، وبعدهما: وله أيضاً إن جهد البلاء وهي ثلاثة أبيات هنالك، فتركت إعادة هذا كله.
طريد العشق
حدث أبو عمر بن حيويه، ونقلته من خطه، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا أبو بكر العامري قال: قال علي بن صالح عن ابن دأب قال: كان من حديث جاركرز الربابي، والرباب بنو عبد مناة، أن أباه كان رجلاً من طابخة، يقال له حباب، وكان شجاعاً فاتكاً، وأنه قتل رجلاً من بني حباب بن هبل بن كلب بن وبرة، فرهنهم بالدية امرأته وابنه حية، وهو صغير، وخرج حباب في جمع الدية، فهلك، وبقيت امرأته وابنة في يدي كلب، وشب ابنه حية، فشب أحسن فتىً في العرب وأوضأهم، فعلق جاريةً من جواري الحي، وعلقته، وفسدت به فساداً شديداً، حتى جلس نسوة من كلب، ذات ليلة، يلعبن، ويتذاكران الشراب، ففطن به، وسمعت بذلك كلب، وكان قد علق فتاةً منهم، فطلبته كلب، فخرج هارباً، فأدركه أخوها، فرماه حية، فقتله، وانطلق، فلحق بقوم من بلقين، فاستجار بهم، فأجاروه، فعاث في نسائهم، وعلقته امرأة منهم، فطلبته بلقين، فأعجزهم، وهرب حتى أتى أمه ليلاً، فقالت: ويلك! إن القوم
стр. 588
قاتلوك. فقال: والله ما أجد مذهباً.
قال: وأخفته وذكرت ذلك لظئر لها، هو أخو ابن لها أرضعته، فقالت: أرسليه، فأرسلته إليها، فأخذته فخيطت عليه عباءة، فجعلته كهيئة الكرز، ثم طرحته بفناء بيتها، حتى مر بها عدي بن أوس الكلبي، فقالت: يا عدي! إني قد أردت أن أظعن، وإني أريد أن تجير لي كرزي هذا، وما فيه، قال: قد أجرته، وأمر به، فحمل إلى بيته، فلما نظر إلى الكرز أنكره، ففتشه، فإذا فيه حية، فقال: لا أنعم الله بك عيناً، ولكن أجاره وبرز، فقالت له أمه: ويلك مهلاً عن نساء الحي! فلم يلتفت إليها، ورأته ابنة عدي، فعلقته، وعلقها، فمكثت بذلك مدة، وعدي لا يعلم، فقال:
ما زِلتُ أطوِي الحَيَّ أسمَعُ حِسَّهُم، ... حتى وَقَعتُ على رَبيبَةِ هَوْدَجِ
فَوَضَعتُ كفّي عِندَ مَقطعِ خصرِها، ... فَتَنَفّسَتْ بُهْراً، وَلمّا تَنْهَجِ
وَتَنَاوَلَتْ رَأسِي لِتَعرِفَ مَسّهُ، ... بمُخَضَّبِ الأطرَافِ غَيرِ مُشَنَّجِ
قالَت: وَعَيشِ أبي وَنَعمةِ وَالدي، ... فَعلِمتُ أنّ يَمينَها لَمْ تُحرَجِ
قال: فلما بلغ عدي بن أوس الخبر، وأنشد الشعر، أمر به فربط، ثم أخرج إلى خارج البيوت فقتل.
стр. 589
أعوذ بالله من الحرام
أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا حسين بن الضحاك اليشكري، حدثني محمد بن عبد الله الخراساني، حدثني إبراهيم بن العباس، حدثني إسحق بن عبد الله بن شرحبيل، حدثني سلم بن عبد الرحمن قال: كان عندنا بالمدينة فتىً من أهل الأدب والدين، وكان له جمال، فعلقته امرأة من أهل المدينة، من قريش، فأرادت كلامه، فاستحيت منه، فكتبت إليه:
ألا مَن عَذيِري مِن هَوَايَ وَمن قلبي، ... فَقد بَرّحَا بي، فاشتَكَيتُ إلى رَبي
هُمُومي وَأحَزانيَ وَطُولُ بلِيّتي ... بمَن غابَ عَن عَيني، فَطَالَ بهِ نحبي
فدَيتُكَ لَوْلا خِيفَةُ اللهِ في الّذِي ... تُكاتِمُهُ نَفسي لأظهَرْتُ ما خُبّي
قال: فلما أتاه الكتاب أظهر تعجباً، وكان في غفلة عن ذلك، فكتب إليها: وصل إلي كتابك، وفهمت ما سألت، فعلى أي وجه يكون وصالنا، وأصل فراق أم وصل اتفاق؟ فإن كان وصل فراق، فلا حاجة لنا فيه، وإن كان وصل اتفاق، فذاك الذي نريد.
قال: فأرسلت إليه: معاذ الله من وصل فرقة يدعو إلى حسرة، وما سألتك إلا الحق، وإني أعوذ بالله من فعل الحرام.
قال: ففكر في نفسه. فقال: هذه امرأة لها شرف وقدر، ومه هذا يسار، وليس يخطئني ما أحذره من قول الناس.
قال: فأرسل إليها: يا هذه قد فكرت في هذا الأمر، وتدبرته، فلم أر الذي أخاف من عاقبته يخطئني، وإني أكره أن أتعرض لقالة الناس وكلامهم، وكتب إليها:
صُدّي الفُؤادَ عَنِ الطّرِيقِ الأبعَدِ ... ثمّ اسلُكي قَصدَ السّبيلِ الأقصَدِ
стр. 590
وَدَعي التّشاغُلِ بالذي أصبَحتُمُ ... فيه، فإني قد أخالُكِ تُرْشَدِي
قال: فأمسكت عنه فلم تعاوده.
الفتى المتعبد والمفتونة به
وأخبرنا أحمد بن علي، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن خلف، حدثني أبو محمد جعفر بن الفضل بن محمد بن المعافى عن عبد الواحد بن زياد الافريقي، حدثني أبي قال: سمعت شيخاً من أهل العلم يقول: كان عندنا فتىً متعبد، حسن السيرة، فأحبته جارية من قومه، وجعلت تكاتم أمرها مخافة العيب، فمكثت بذلك حيناً، فلما بلغ الحب منها أرسلت إليه بكتاب وضمنته هذه الأبيات:
تَطَاولَ كِتماني الهَوَى، فأبادَني، ... فأصبَحتُ أشُكو ما ألاقي من الوَجدِ
فأصبحتُ أشكو غُصّةً من جَوى الهوَى، ... أقامَت، فما يَعدو إلى أحدٍ بَعدي
فهَا أنا ذا حَرّى من الوَجدِ صَبَّةٌ، ... كثيرَةُ دَمعِ العَينِ، يجرِي على خَدّي
قال: فأقبلت به امرأة فقال: ما هذا؟ قالت: كتاب أرسلني به إليك إنسان. قال: سميه! قالت: إذا قرأته سميت لك صاحبه، فرمى به إليها، وأنكره إنكاراً شديداً، فقالت له: ما يمنعك من قراءته؟ قال: هذا كتاب قد أنكره قلبي، فلم تزل به حتى قرأه، فرفع رأسه إليها، فقال: هذا الذي كنت أحذر وأخاف، ثم دفعه إليها. فقالت: أما له جواب؟ قال: بلى! قالت: وما هو؟ قال: تقولين لها: إنه يعلم السر وأخفى الله، لا إله إلا هو، له الأسماء الحسنى. قالت: لا غير؟ قال: في هذا كفاية.
فمضت إليها، فأخبرتها بما جرى بينهما، فكتبت إليه:
يا فارغَ القَلبِ من همّي وَمن فِكَرِي، ... ماذا الجَفاءُ، فدتكَ النفسُ يا وَطَرِي؟
стр. 591
إنْ كُنتَ مُعتَصِماً باللهِ تَخدمُهُ، ... فإنّ تَحلِيلَنَا في مُحكَمِ السُّوَرِ
فلما وصل إليه الكتاب قال: ما هذا؟ قالت: تقرأه، فأبى، فلم تزل تلطف به حتى فتحه، فقرأه، ثم رمى به إليها. فقالت: ما له جواب؟ قال: بلى! قالت: ما هو؟ قال: قولي لها: وهو الذي يتوفاكم بالليل، ويعلم ما جرحتم بالنهار.
فصارت إليها، فأخبرتها بما جرى بينهما، فكتبت إليه:
فَرّجْ عن القلبِ بعضَ الهَمّ وَالكُرَبِ، ... وَجْدُ بوَصلِكَ، وَالهِجرانَ فاجتَنِبِ
إنّا سَألنَاكَ أمراً مَا نُريدُ بِهِ ... إلاّ الصّلاحَ، وَأن نَلقاكَ عن قُرُبِ
فإنْ أجَبتَ إلى ما قَد سألتُ، فَقَدْ ... نِلتُ المُنى، وَالهَوَى، يا منتهَى أرَبي
وَإنْ كَرِهتَ وِصالي قلتُ: أكرَهُهُ، ... وَإنّني رَاجعٌ عن ذاكَ من كَثَبِ
قال: فجاءت بالكتاب إليه، فأخذه، وقال لها: اجلسي، ففتحه، وقرأه عن آخره، وكتب إليها كتاباً كان هذا الشعر آخره:
إنّي جَعَلتُ هُمُومي ثمّ أنفاسِي ... في الصّدرِ مِنّي وَلم يُظهِرْهُ قرْطاسِي
وَلم أكُنْ شاكياً ما بي إلى أحدٍ ... إنّي إذاً لَقَليلُ العِلمِ بالنّاسِ
فاستَعصمِي اللهَ، مِمّا قَد بُلِيتِ بِهِ، ... وَاستَشعِرِي الصّبرَ، عمّا قلتُ، بالياسِ
إني عَنِ الحُبّ في شُغلٍ يُؤرّقُني ... تَذكَارُ ظُلمَةِ قَبرٍ فِيهِ أرْمَاسِي
فَفيهِ لي شُغُلٌ لا زِلتُ أذكرُهُ، ... منَ السّؤالِ وَمِنْ تَفرِيقِ أحلاسِي
وَلَيسَ يَنفَعُني فِيهِ سِوَى عَمَلي، ... هُوَ المُؤانسُ لي مِنْ بَينِ أنّاسِي
стр. 592
فاستكثرِي من تُقى الرّحمنِ وَاعتصِمي، ... وَلا تَعودي، فبي شُغلٌ عن النّاسِ
فلما قرأت الكتاب أمسكت وقالت: إنه لقبيح بالحرة المسلمة العارفة مواضع الفتنة كثرة التعرض للفتن، ولم تعاوده.
لا صبر على الفراق
ذكر أبو عمر بن حيويه ونقلته من خطه، حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان، أخبرني أبو بكر العامري، حدثنا دعبل بن علي الخزاعي قال:
كان بالكوفة رجل من بني أسد عشق جارية لبعض أهل الكوفة، فتعاظم أمره وأمرها، فكان يقول فيها الشعر، وذكر بعض أهل الكوفة أنه مات من حبها، وصنعوا له كتاباً في ذلك مثل كتاب جميل وبثينة، وعفراء وعروة، وكثير وعزة، فباعها مولاها لرجل من أهل بغداد، من الهاشميين، فيروى أنه مات حين أخرجت من الكوفة، وأنها لما بلغها موته ماتت أسفاً عليه، فمن شعره فيها عند فراقها:
جَدّ الرّحِيلُ، وَحَثّني صَحبي، ... قالوا: الرّحيلُ، فطَيّرُوا لُبّي
وَاشتَقتُ شَوْقاً كَادَ يَقتَلَني، ... فالنّفسُ مُشرِفَةٌ عَلى نَحبِ
لمْ يَلقَ، يَوْمَ البَينِ، ذو كُلَفٍ ... يَوْماً كمَا لاقَيتُ مِنْ كَرْبي
لا صَبرَ لي عِندَ الفِرَاقِ عَلى ... فَقدِ الحَبيبِ وَلَوْعَةِ الحُبّ
العاشق البكّاء
قال: وحدثني حاتم بن محمد، أخبرني عبد الرحمن بن صالح قال: قيل للنضر بن زياد المهلبي: هل كان عندكم بالبصرة أحد شهر بالعشق، كما شهر من نسمع به من سائر الأمصار؟ قال: نعم! كان عندنا فتىً من
стр. 593
النساك، له فضل وعلم وأدب، فجعل يذوب ويتغير ويصفر، لا يعرف له خبر، فعاتبه أهله وإخوانه في أمره، وقالوا: لو تداويت وشربت الدواء، فإن العلاج مبارك، وما أنزل الله تعالى داءً إلا وله دواء، فلما أكثروا عليه قال:
وَقالَ أُناسٌ لوْ تعالجتَ بالدّوَا، ... فقلتُ: الذي يَخشَى عليّ رَقيبُ
تُعالَجُ أدوَاءٌ وَللحبّ لَوْعَةٌ، ... تكادُ لها نَفسُ اللّبيبِ تَذُوبُ
وَلَوْ كانَ شُرْبي للهَلِيلَجِ نافِعاً ... من الحُبّ لم تُعكَفْ عليّ كُروبُ
بلى! في عِلاجِ الحُبّ أنّ ذنوبَهُ ... حِسانٌ وَإحساني عَليّ ذُنُوبُ
وَإن رُمتُ صَبراً أوْ تَسلّيتُ ساعةً ... فَصَبرِي لمَنْ أهوَى عليّ رَقيبُ
قال: ثم سكت، فعوتب، فلم يجب بشيء، وكان، بعدما بدا هذا القول منه، لا يكلمه أحد ممن يعرفه في شيء من الأشياء إلا بكى، ولا يستفيق من البكى، فلم يزل على ذلك حتى مات كمداً.
قال: فأنا أدركت بعض من كان ينسب إليه من ولده أو ولد ولده ينسبون إلى البكّاء.
العاقلة الصابئة لدينها
أخبرنا أحمد بن علي السواق، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس عن عبد الله بن إبراهيم الزبيبي، حدثنا محمد بن خلف القاضي، حدثنا إسحق بن منصور، حدثني أبي، حدثني أبو العباس التيمي المؤدب، حدثني أبو جعفر محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثتني أمي، وكانت من عذرة، عن أبيها أنها سمعته يحدث إخواناً له قال: أحببت جاريةً من العرب، وكانت ذات عقل وأدب، فما زلت أحتال
стр. 594
في أمرها حتى اجتمعت معها في ليلة مظلمة شديدة السواد، في موضع خال، فحادثتها ساعةً. ثم دعتني نفسي إليها، فقلت: يا هذه! قد طال شوقي إليك، فقالت: وأنا كذلك، فقلت لها: وقد عسر اللقاء. قالت: نحن كذلك. قلت: هذا الليل قد ذهب، والصبح قد قرب. قالت: وهكذا تفنى الشهوات وتنقطع اللذات. قلت لها: لو أدنيتني منك؟ فقالت: هيهات هيهات إني أخاف العقوبة من الله تعالى. قلت لها: فما الذي دعاك إلى الحضور معي في هذا المكان؟ قالت: شقوتي وبلائي، قلت: فمتى أراك؟ قالت: ما أراني أنساك، وأما الاجتماع معك فما أراه يكون.
قال: ثم تولت من بين يدي، فاستحييت مما سمعت منها، فرجعت، وقد خرج من قلبي ما كنت أجد من حبها، ثم أنشات أقول:
تَوَقّتْ عَذاباً لا يُطاقُ انتَقامُهُ، ... وَلم تَأتِ ما تَخشَى بهِ أن تُعَذَّبَا
وَقالت مقالاً كِدتُ من شدّةِ الحيا ... أهِيمُ على وَجهي حَياً وَتَعَجّبَا
ألا أُفِّ للحُبّ الذي يُورِثُ العَمى ... وَيُورِدُ ناراً لا تَمَلّ التّوَثّبَا
فأقبَلُ عَوْدي فَوْقَ بَدءٍ مُفكّراً، ... وَقد زَالَ عن قَلبي العَمى فتسرّبَا
قال: فلم أر امرأةً كانت أصوَن منها لدينها ولا أعقل.
حب يدعو إلى التقى
أخبرنا أحمد بن علي، حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا عبد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن خلف
أنشدني صالح بن يعقوب المديني، وأخبرني أن أباه أخبره بهذا الشعر، وذكر أنه أنشده لامرأة من أهل الأبلة كانت متقشفة، وكان لها حبر من رجل من النساك من أهل الأبلّة، ولم يحفظ الخبر كله صالح، إلا أنه أخبرني بهذا
стр. 595
الكلام، وأنشدني هذا الشعر:
بِنَفسِيَ من يَدعوهُ حبّي إلى التّقى ... وَخَوْفِ عذابِ اللهِ في ساعةِ الحَشْرِ
وَيَترُكُ مَا يَهَوى لَهُ وَيَخافُهُ، ... وَيَقنَعُ بالتّذكارِ وَالنّظَرِ الشَّزْرِ
وَلَمْ يَزِدِ التّذكارُ إلاّ تَهَيّجاً ... لزَفرَتِهِ بَينَ الجَوانِحِ وَالصّدرِ
لَئن قَنعتْ نفسُ المحبّ من الهَوَى ... بهاجِسةِ التذكار أوْ دَمعةٍ تَجرِي
وَلمْ تَتَهَيّجْ للمَحَارِمِ، إنّهُ ... لَذو خِيفةٍ للهِ في السرّ والجَهرِ
سيد العشاق
ومما وجدته بخط أبي عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان، حدثنا أبو بكر العامري، حدثني أبو عبد الله القرشي، حدثنا الدمشقي عن الزبير، حدثني مصعب بن عبد الله الزبيري قال: عشق رجل من ولد سعيد بن العاص جاريةً مغنية بالمدينة، فهام بها دهراً وهو لا يعلمها بذلك، ثم إنه ضجر، فقال: والله لأبوحن لها، فأتاها عشيةً، فلما خرجت إليه، قال لها: بأبي أنت أتغنيني؟:
أتَجزُونَ بالوُدّ المُضَاعَفِ مِثلَهُ، ... فأنّ الكَرِيمَ من جزَى الوُدَّ بالوُدّ
قالت: نعم! وأغني أحسن منه، ثم غنت:
للّذي وَدَّنَا المَوَدّةُ بالضِّع ... فِ، وَفَضلُ البادي به لا يُجازَى
لَوْ بَدا مَا بِنَا لَكُمْ مَلأ الأرْ ... ضَ، وَأقطَارَ شَامِها وَالحِجازَا
فاتصل ما بينهما بعمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة، فابتاعها له، وأهداها إليه، فمكثت عنده سنة، ثم ماتت، فبقي مولاها شهراً، أو أقل،
стр. 596
ثم مات كمداً عليها، فقال أبو السائب المخزومي: حمزة سيد الشهداء وهذا سيد العشاق، فامضوا حتى ننحر على قبره سبعين نحرة، كما كبر النبي، صلى الله عليه وآله، على عمه حمزة سبعين تكبيرة.
قال: وبلغ أبا حازم الخبر، فقال: أما من محب في الله يبلغ هذا؛ هذا وليٌّ.
موت الأحوص وجاريته بشرة
حدث أبو عمر بن حيويه، حدثنا أبو بكر بن المرزبان، حدثني العباس بن الفضل الأسدي، حدثني محمد بن زياد الأعرابي قال: خرج الأحوص بن محمد إلى دمشق، ومعه جارية له يقال لها بشرة، وكان شديد الإعجاب بها، لا يكاد أن يصبر عنها، وكانت هي أيضاً له من المحبة على أكثر من ذلك، فاشتكى الأحوص، واشتدت علته وحضرته الوفاة، فأخذت رأسه فوضعته في حجرها وجعلت تبكي، فقطر من دموعها على خده، فرفع رأسه إليها، فقال:
ما لجديدِ المَوْتِ يا بِشر لذّةٌ، ... وَكُلُّ جَديدٍ تُستَلَذّ طَرَائِفُهْ
فَلا ضَيرَ، إنّ اللهَ يَا بِشرَ سَاقني ... إلى بَلَدٍ جَاوَرْتُ فِيهِ خَلائِفه
فَلَستُ، وَإنْ عَيشٌ تَوَلّى، بِجازِعٍ ... وَلا أنا مِمّا حَمّمَ الموْتَ خائِفُه
ثم مات من يومه، فجزعت عليه بشرة جزعاً شديداً ولم تزل تبكي وتندبه إلى أن شهقت شهقةً فماتت، فدفنت إلى جانب قبره.
стр. 597
أجر الشهادة
أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن عطية المكي، حدثنا أبو الفتح يوسف بن عمر بن مسرور القواس الزاهد، حدثنا الحنبلي أبو بكر، حدثني مسبح بن حاتم العكلي، حدثني ابن عائشة قال: كنا على باب عبد الواحد بن زياد، ومعنا أبو نواس، فخرج الشيخ، فقال: سلوا يا فتيان! فسألنا، حتى بقي أبو نواس، فقال: سليمان يا فتى، فقال:
وَلَقَدْ كُنَا رَوَينَا ... عَن سَعيدٍ عن قتادَه
عن سَعيدِ بن المسيب ... أنّ سَعدَ بنَ عُبادَه
قال: مَن ماتَ مُحبَاً ... فَلَهُ أجرُ الشَّهَادَهْ
فقال: يا خبيث! والله لا حدثتك حديثاً، وأنا أعرفك.
ليلى ومجنونها
أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي بقراءتي عليه قلت له: أخبركم أبو عمر محمد بن العباس، حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان، أخبرني أبو محمد البلخي، أخبرني عبد العزيز بن صالح عن أبيه عن ابن دأب، حدثني رجل من بني عامر يقال له رياح بن حبيب قال:
كان في بني عامر من بني الحريش جارية من أجمل النساء وأحسنهن، لها عقل وأدب، يقال لها ليلى ابنة مهدي بن ربيعة بن الحريش، فبلغ المجنون خبرها، وما هي عليه من الجمال والعقل، وكان صباً بمحادثة النساء، فعمد إلى احسن ثيابه، فلبسها وتهيأ بأحسن هيئة، وركب ناقةً له كريمةً، وأتاها، فلما جلس إليها، وتحدث بين يديها أعجبته، ووقعت بقلبه، فظل يومه يحدثها وتحدثه، حتى أمسى وانصرف إلى أهله، فبات بأطول
стр. 598
ليلة، حتى إذا أصبح مضى إليها فلم يزل عندها حتى أمسى، ثم انصرف، فبات بأطول ليلة من ليلته الأولى، وجهد أن يغمض، فلم يقدر على ذلك، وأنشأ يقول:
نَهارِي نهَارُ النّاسِ، حتى إذا بَدا ... ليَ اللّيلُ هزّتني إلَيكِ المَضَاجِعُ
أُقَضّي نهَارِي بالحَديثِ وَبِالمُنى، ... وَيَجمَعُني وَالهَمَّ باللّيلِ جامِعُ
وأدام زيارتها، وترك إتيان كل من كان يأتيه فيتحدث إليه بغيرها، وكان يأتيها كل يوم، فلا يزال عندها نهاره أجمع، حتى إذا أمسى انصرف، وإنه خرج ذات يوم، يريد زيارتها، فلما قرب من منزلها لقيته جارية حاسرة عسراء، فتطير من لقائها، فأنشأ يقول:
وَكيفَ ترَجّي وَصلَ ليلى، وَقد جَرَى ... بجَدّ القُوى في النّاسِ أعسَرُ حاسِرُ
صرِيعُ العَصَا جَذبُ الزّمامِ إذا انتَحى ... لوَصلِ امرِئٍ لم تُقضَ منه الأوَاصرُ
ثم صار إليها في غد، فلم يزل عندها، فلما رأت ليلى ذلك منه، وقع في قلبها مثل الذي وقع لها في قلبه، فجاءها يوماً كما كان يجيء، فأقبل يحدثها وجعلت هي تعرض عنه بوجهها، وتقبل على غيره تريد أن تمتحنه، وتعلم ما لها في قلبه، فلما رأى ذلك منها اشتد عليه وجزع، حتى عرف ذلك فيه، فلما خافت عليه أقبلت عليه كالمشيرة إليه فقالت:
كِلانَا مُظهِرٌ للنّاسِ بُغضاً، ... وَكُلٌّ عِندَ صَاحبِهِ مَكِينُ
فسري عنه، وعلم ما في قلبها، وقالت له: إنما أردت أن أمتحنك، والذي لك عندي أكثر من الذي لي عندك، وأنا معطية الله عهداً إن أنا جالست بعد يومي هذا رجلاً سواك حتى أذوق الموت، إلا أن أكره على ذلك.
قال: فانصرف في عشيته وهو أسر الناس بما سمع منها، فأنشأ يقول:
أظُنّ هَوَاهَا تَارِكي بمَضَلّةٍ ... من الأرْضِ لا مالٌ لديّ ولا أهلُ
стр. 599
وَلا أحَدٌ أقضِي إلَيهِ وَصيّتي، ... وَلا وَارِثٌ إلاّ المَطيّةُ وَالرّحلُ
محَا حُبُّها حبَّ الأولى كنّ قَبلهَا، ... وَحلّتْ مكاناً لم يكن حُلّ من قبلُ
إهدار دم المجنون وزواج ليلى
وأخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي أيضاً بقراءتي عليه، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف قال: قال أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي إن قيس بن الملوح، وهو مجنون، لما نسب بليلى، وشهر بحبها، اجتمع إليه أهلها، فمنعوه من محادثتها وزيارتها، وتهددوه بالقتل، وكان يأتي امرأة من بني هلال ناكحاً في بني الحريش، وكان زوجها قد مات، وخلف عليها صبية صغاراً، فكان المجنون إذا أراد زيارة ليلى جاء إلى هذه المرأة فأقام عندها وبعث بها إلى ليلى، فعرفت له خبرها وعرفتها خبره، فعلم أهل ليلى بذلك فنهوها أن يدخل قيس إليها، فجاء قيس كعادته، فأخبرته المرأة الخبر وقالت: يا قيس! أنا امرأة غريبة من القوم ومعي صبية، وقد نهوني أن أؤويك، وأنا خائفة أن ألقى منهم مكروهاً، فأحب أن لا تجيء إلي هاهنا، فأنشأ يقول:
أجارَتَنا إنّا غَرِيبَانِ هَا هُنَا، ... وَكُلّ غَرِيبٍ للغريبِ نَسيبُ
فَلا تَزْجرِيني عنكِ خِيفةَ جاهِلٍ ... إذا قالَ شرّاً أوْ أُخيفَ لَبيبُ
قال: وترك الجلوس إلى الهلالية، وكان يترقب غفلات الحي في الليل، فلما كثر ذلك منه خرج أبو ليلى، ومعه نفر من قومه، إلى مروان بن الحكم، فشكوا إليه ما نالهم من قيس، وما قد شهرهم به، وسألوه الكتاب إلى عامله عليهم بمنعه من كلام ليلى، وبخطبه إليهم، فكتب لهم مروان كتاباً إلى عامله
стр. 600
يأمره فيه أن يحضر قيساً ويتقدم إليه في ترك زيارة ليلى، فإن أصابه أهلها عندهم، فقد أهدر دمه.
فلما ورد الكتاب على عامله بعث إلى قيس وأبيه، وأهل بيته، فجمعهم، وقرأ عليهم كتاب مروان، وقال لقيس: اتق الله في نفسك، لا يذهب دمك هدراً، فانصرف قيس وهو يقول:
ألا حُجِبتْ لَيلى، وَآلى أمِيرُهَا ... عَليّ يَميناً جاهِداً لا أزُورُهَا
وَأوْعَدَني فِيهِمْ رِجَالٌ، أبُوهُمُ ... أبي وَأبوها، خُشّنتْ لي صُدورُها
عَلى غَيرِ شيءٍ غَيرَ أني أُحِبّهَا، ... وَأنّ فؤادِي عِندَ لَيلى أسِيرُهَا
فلما أيس منها، وعلم أن لا سبيل إليها، صار شبيهاً بالتائه العقل، وأحب الخلوة، وحديث النفس، وتزايد الأمر به، حتى ذهب عقله، ولعب بالحصا والتراب، ولم يكن يعرف شيئاً إلا ذكرها وقول الشعر فيها، وبلغها هي ما صار إليه قيس، فجزعت أيضاً لفراقه وضنيت ضناً شديداً.
وإن أهل ليلى خرجوا حجاباً، وهي معهم، حتى إذا كانوا بالطواف رآها رجل من ثقيف وكان غنياً كثير المال، فأعجب بها، على تغيرها وسقمها، فسأل عنها، فأخبر من هي، فأتى أباها، فخطبها إليه وأرغبه في المهر، فزوجه إياها، وبلغ الخبر قيساً، فأنشأ يقول:
ألا تِلكَ لَيلى العَامِرِيّةُ أصبَحَتْ ... تَقَطّعُ إلا مِنْ ثَقيفٍ وِصَالُها
هُمُ حَبَسوها محبِسَ البُدْنِِ وَابتَغى ... بهَا المَالَ أقوَامٌ تَساحَفَ مَالُها
إذا التَفَتَتْ وَالعيسُ صُعْرٌ من البُرَى ... بنَخلةَ خَلّى عبرَةَ العَينِ حَالُهَا
следующие страницы →