Полный текст (5 943 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
قال ابن سعد: وكان ذلك أوّل ما صلاها.
وقد رويت صلاة الخوف من طرق كثيرة, ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ما تيسَّر منها في مقصد عباداته ﷺ .
وكانت غيبته ﷺ في هذه الغزوة خمس عشرة ليلة.
وفي البخاري عن جابر قال: كنا مع النبي ﷺ بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي ﷺ , فجاء رجل من المشركين وسيف النبي ﷺ معلق بالشجرة, فاخترطه -يعني سله من غمده, فقال: تخافني, قال: "لا"، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: "الله".
الحواشي
(١) "قال ابن سعد: وكان ذلك أوّل ما صلاها" بناءً على قوله -أعني: ابن سعد: أن هذه الغزوة سنة خمس، أمَّا على أنه صلاها بعسفان، وأنها أوّل صلاته, كما رواه أحمد وأصحاب السنن كما مَرَّ، فتكون هي أول, ويكون نزول جبريل في الأولى معلمًا والثانية مذكرًا.
"وقد رويت صلاة الخوف من طرق كثيرة، ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ما تيسَّر منها في مقصد عباداته ﷺ " وهو التاسع, "وكانت غيبته ﷺ في هذه الغزوة خمس عشرة ليلة". قاله ابن سعد, قال: وبعث جعال بن سراقة بشيرًا بسلامته وسلامة المسلمين.
"وفي البخاري" تعليقًا, ووصله مسلم، فلو عزاه المصنف لهما كان أَوْلَى "عن جابر قال: كنا مع النبي ﷺ بذات الرقاع، فإذا أتينا" ظرفية لا شرطية، أي: ففي وقت إتياننا "على شجرة ظليلة" ذات ظل، وفي نسخة: إذ وهي ظاهرة، لكنها ليست في البخاري "تركناها للنبي ﷺ " لينزل تحتها فيستظل بها.
وفي البخاري أيضًا قبل هذا بلصقه بمسندًا عن جابر، أنه غزا مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فلمَّا قفل قفل معه, فأدركتهم القافلة في واد كثير العضاء، فنزل النبي ﷺ وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل ﷺ تحت شجرة, فعلق بها سيفه,
قال جابر: فنمنا نومة، "فجاء رجل من المشركين وسيف النبي ﷺ معلق بالشجرة" وهو نائم "فاخترطه، يعني: سله من غمده، فقال: له "تخافني، قال: "لا"، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: "الله" يمنعني منك، وبقية هذا الحديث، فتهدده أصحاب النبي ﷺ ، وأقيمت الصلاة, فصلَّى بطائفة ركعتين، ثم تأخَّروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، وكان للنبي ﷺ أربع، وللقوم ركعتان، وبقية الحديث الآخر الذي سقت أوله: فنمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا فجئناه، فإذا عنده أعرابي جالس، فقال ﷺ : "إن هذا الأعرابي اخترط سيفي وأنا نائم, فاستيقظت وهو فيстр. 1052
وعند أبي عوانة: فسقط السيف من يده, فأخذه ﵊ فقال: "من يمنعك مني"؟ قال: كن خير آخذ. قال: "تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله"؟ قال الأعرابي: أعاهدك أني لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. قال: فخلى سبيله. فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس.
وفي رواية عند البخاري: ولم يعاقبه.
وإنما لم يؤاخذه ﵊ بما صنع، وعفا عنه، لشدة رغبته ﵊ في استئلاف الكفَّار.
وفي رواية أبي اليمان عند البخاري -في الجهاد- قال: من يمنعك مني ثلاث مرات. وهو استفهام......
الحواشي
(١) يده صلتًا، فقال لي: من يمنعك مني، قلت: "الله"، فها هو ذا جالس"، ثم لم يعاقبه النبي ﷺ .
قال الحافظ: وظاهر قوله فتهدده يشعر بأنهم حضروا القصة، وأنه إنما رجع عمَّا كان عزم عليه بالتهديد، وليس كذلك، بل في رواية البخاري في الجهاد بعد قوله قلت: الله فشام السيف، أي: بفاء وشين معجمة، أي: أغمده, وهي من الأضداد, شمه استله وأغمده، قاله الخطابي وغيره. وكأن الأعرابي لما شاهد ذلك الثبات العظيم، وعرف أنه حيل بينه وبينه تحقق صدقه، وعلم أنه لا يصل إليه فألقى السلاح وأمكن من نفسه.
"وعند أبي عوانة" في حديث جابر: "فسقط السيف من يده", وكأنه لما شامه سقط من يده زيادة في المعجزة، "فأخذه ﵊، فقال: "من يمنعك مني"، قال: كن خير آخذ"، "قال: "تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" , قال الأعرابي: أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك" أجابه بغير ما سأله، فلم يثبت؛ لأنه لم يهتد حينئذ، ولم ينف كراهة لمواجهته بعد هذه الآية الباهرة والحلم الذي لا يباري بخلاف ما أمره، ونسخة: بل لا أعاهدك يأباها الطبع. "قال: فخلى سبيله، فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس".
"وفي رواية عند البخاري ولم يعاقبه", فيجمع مع قوله في رواية ابن إسحاق: "قم فاذهب لشأنك"، بأن قوله فاذهب كان بعد أن أخبر الصحابة بقصته, فمَنَّ عليه, قاله الحافظ. قال: وإنما لم يؤاخذه ﵊ بما صنع وعفا عنه؛ لشدة رغبته ﵊ في استئلاف الكفار".
"وفي رواية أبي اليمان" الحكم ابن نافع، شيخ البخاري، أخبرنا شعيب عن الزهري، فذكر الحديث. "عند البخاري في الجهاد" في باب من علَّق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة "قال: من يمنعك مني ثلاث مرات، وهو" كما في الفتح هنا في المغازي "استفهامстр. 1053
إنكاري، أي: لا يمنعك مني أحد.
وكان الأعرابي قائمًا على رأسه والسيف في يده, والنبي ﷺ جالس لا سيف معه.
ويؤخذ من مراجعة الأعرابي له في الكلام أن الله سبحانه منع نبيه، وإلّا فما الذي أحوجه إلى مراجعته مع احتياجه إلى الحظوة عند قومه بقتله. وفي قوله ﷺ في جوابه: الله، أي: يمنعني منك، إشارة إلى ذلك، ولذلك لما أعادها الأعرابي فلم يزده على ذلك الجواب، وفي ذلك غاية التهكم وعدم المبالاة به.
وذكر الواقدي في نحو هذه القصة أنه أسلم، ورجع إلى قومه فاهتدى به خلق كثير. وقال فيه: إنه رمي بالزلخة حين همَّ بقتله ﷺ , فندر السيف من يده وسقط إلى الأرض. والزلخة -بضم الزاي وتشديد اللام- وجع يأخذ في الصلب.
الحواشي
(١) إنكاري، أي: لا يمنعك مني أحد، وكان الأعرابي قائمًا على رأسه والسيف في يده, والنبي ﷺ جالس لا سيف معه، ويؤخذ من مراجعة الأعرابي له في الكلام أن الله سبحانه منع نبيه" منه "وإلّا فما الذي أحوجه إلى مراجعته مع احتياجه" استفهام يفيد استبعاد كون ذلك من غير مانع من الله تعالى "إلى الحظوة" بضم الحاء المهملة وكسرها، كما في القاموس, وبالظاء المعجمة المكانة، أي: المنزلة الرفيعة "عند قومه بقتله" كما قاله لهم.
فعند ابن إسحاق أنه قال: ألا أقتل لكم محمدًا، قالوا: بلى، وكيف تقتله، قال: أفتك به.
"وفي قوله ﷺ في جوابه: "لله"، أي: يمنعني منك إشارة إلى ذلك، ولذلك لما أعادها الأعرابي لم يزده على ذلك الجواب, وفي ذلك التهكم وعدم المبالاة به" أصلًا عطف تفسير.
"وذكر الواقدي في نحو هذه القصة أنه" أي: الأعرابي الذي هو دعثور المذكور عند الواقدي "أسلم ورجع إلى قومه، فاهتدى به خلق كثير".
وفي رواية ابن إسحاق ثم أسلم بعد، "وقال فيه: إنه رمي الزلخة حين همَّ بقتله ﷺ , فندر" بنون ودال وراء مهملتين: سقط أو خرج "السيف من يده وسقط" هو، أي: الأعرابي "إلى الأرض" لشدة وجع صلبه, فلم يستطع القيام، ولا يظهر جعل ضمير سقط للسيف، وأنه عطف مسبب على سبب؛ لأن خروجه من يده سبب لسقوطه؛ لأن هذا ليس فيه كبير فائدة، لأنه مستفاد من ندر، فإنما أراد أنه حين رمي بالزلخة أصابه شيئان: سقوط سيفه وقامة نفسه لشدة الوجع، "والزلخة بضم الزاي وتشديد اللام" بعدها خاء معجمة فتاء تأنيث "وجع يأخذ في الصلب".стр. 1054
وقال البخاري: قال مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر: اسم الرجل غورث بن الحارث، أي: على وزن جعفر.
وحكى الخطابي فيه: غويرث -بالتصغير. وقد تقدَّم في غزوة غطفان, وهي غزوة ذي أمر بناحية نجد, مثل هذه القصة لرجل اسمه دعثور، وأنه قام على رأسه ﷺ بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ فقال ﷺ : "الله"، ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده وأنه أسلم.
قال في عيون الأثر: والظاهر أن الخبرين واحد.
الحواشي
(١) "وقال البخاري" في الصحيح. "قال مسدد" بن مسرهد شيخه، "عن أبي عوانة" الوضاح اليشكري البصري، "عن أبي بشر" بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بن إياس.
قال الحافظ: اختصر البخاري إسناده وتمامه، كما أخرجه مسدد في مسنده, رواية معاذ بن المثنى عنه، وكذا أخرجه إبراهيم الحربي في غريب الحديث عن مسدد، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر قال: غزا رسول الله ﷺ خصفة بنخل, فرأوا من المسلمين غرة فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث، حتى قام على رسول الله ﷺ بالسيف فذكره، فاختصر البخاري متنه أيضًا، فقال: "اسم الرجل غورث بن الحارث" بفتح الغين المعجمة، وسكون الواو، وفتح الراء فمثلثة، "أي: على وزن جعفر" وقيل: بضم أوله مأخوذ من الغرث وهو الجوع، ووقع عند الخطيب بالكاف بدل المثلثة.
"وحكى الخطابي فيه غويرث بالتصغير".
وحكى عياض أن بعض المغاربة قاله في البخاري بالعين المهملة، قال: "وصوابه بالمعجمة، "وقد تقدَّم في غزوة غطفان وهي غزوة ذي أمر" بفتح الهمزة والميم وشد الراء، "بناحية نجد مثل هذه القصة لرجل اسمه دعثور" بضم الدال وسكون العين المهملتين وضم المثلثة وسكون الواو وراء، وتقدَّم للمصنف أيضًا أن الخطيب سماه غورث، وغيره غورك. "وأنه قام على رأسه ﷺ بالسيف فقال: من يمنعك مني اليوم؟ ".
وفي رواية الآن, "فقال ﵊: "الله"، فدفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده، وأنه أسلم".
"قال" الحافظ فتح الدين اليعمري "في عيون الأثر: والظاهر أن الخبرين واحد" اختلف الرواة في اسمه، فبعضهم سماه غورث، وبعضهم دعثور، وقد استدرك الذهبي في التجريد غورث ابن الحارث على من تقدمه، وعزاه للبخاري وتعقبه في الإصابة، بأنه ليس في البخاري تعرضстр. 1055
وقال غيره من المحققين: الصواب أنهما قصتان في غزوتين.
وفي هذه القصة: فرط شجاعته، وقوة يقينه وصبره على الأذى، وحلمه على الجهال ﷺ .
وفي انصرافه ﷺ من هذه الغزوة، أبطأ جمل جابر بن عبد الله فنخسه ﷺ فانطلق متقدمًا بين يدي الركاب،
الحواشي
(١) لإسلامه, وبأنه يلزم عليه الجزم بكون القصتين واحدة مع احتمال كونهما واقعتين، وأطال في بيان ذلك، وقال: قد يتمسّك لإسلمه بقوله: جئتكم من عند خير الناس، انتهى. وجزم صاحب النور بإسلام غورث بعد رجوعه إلى قومه، إنما تبع فيه الذهبي على عادته, وقد علم التوقف فيه.
"وقال غيره من المحققين" كابن كثير: "الصواب أنهما قصتان في غزوتين" قصة لرجل اسمه دعثور بغزوة ذي أمر، وفيها التصريح بأنه أسلم، ورجع إلى قومه، فاهتدى به خلق كثير، وقصة بذات الرقاع لرجل اسمه غورث، وليس في قصته تصريح بإسلامه.
وفي فتح الباري: وقع عند الواقدي في شبيه هذه القصة أن اسم الأعرابي دعثور وأنه أسلم، لكن ظاهر كلامه أنهما قصتان في غزوتين، فالله أعلم.
وفي الإصابة قصة تشبه قصة غورث المخرَّجة في الصحيح، فيحتمل التعدد, أو أحد الاسمين لقب إن ثبت الاتحاد.
"وفي هذه القصة" كما قال في الفتح: "فرط شجاعته وقوة يقينه و" قوة "صبره على الأذى و" قوة "حلمه على الجهّال ﷺ " قال: وفيه جواز تفرّق العسكر في النزول ونومهم، وهذا محله إذا لم يكن هناك ما يخافون منه، انتهى.
"وفي انصرافه ﷺ من هذه الغزوة" كما رواه ابن إسحاق عن وهب بن كيسان، عن جابر مطولًا، ومثله في طبقات ابن سعد.
وفي البخاري: أن ذلك كان في غزوة تبوك. وفي مسلم أنه في غزوة الفتح "أبطأ جمل جابر بن عبد الله" فلا يكاد يسير, "فنخسه" النبي " ﷺ " بعد أن أناخه جابر بأمره نخسات بعصا من يد جابر، أو قطعها من شجرة، كما في رواية ابن إسحاق، ولمسلم وأحمد: فضربه برجله ودعا له،"فانطلق متقدمًا بين يدي الركاب" وللإسماعيلي: فضربه ودعا, فمشى مشية ما مشى مثل ذلك قبله. ولأبي نعيم: أنه نفث في ماء ثم مج من الماء في نحره ثم ضربه بالعصا، فوثب فقال: "اركب"، قلت: إني أرضى أن يساق معنا، قال: "اركب"، فركبت، فوالذي نفسي بيده لقد رأيتني وأنا أكفه عنه ﷺ , إرادة أن لا يسبقه, وليس هذا اختلافًا، بل يحمل على أنه ﵇ فعل بهстр. 1056
ثم قال: "أتبيعنيه"؟ فابتاعه منه, وقال: "لك ظهره إلى المدينة"، فلما وصلها أعطى الثمن وأرجح، ووهب له الجمل. والحديث أصله في البخاري.
ولا حجة فيه لجواز بيع وشرط، لما وقع فيه من الاضطراب. وقيل غير ذلك مما يطول ذكره والله أعلم.
الحواشي
(١) جميع ما ذكر.
"ثم قال: "أتبيعنيه"، فابتاعه منه" بأوقية، "وقال: "لك ظهره" أي: الركوب عليه "إلى المدينة"، فلمَّا وصلها أعطى الثمن وأرجح" فزاده شيئًا يسيرًا على الأوقية، كما في رواية بن إسحاق، "ووهب له الجمل، والحديث أصله في البخاي" في عشرين موضعًا، لكن لم يقع فيه أن ذلك في ذات الرقاع، ولذا لم يذكره في غزواتها، بل في بعضها أنه في تبوك، "ولا حجة فيه لجواز بيعه، وشرط" كما قال به أحمد والبخاري في طائفة لكثرة رواة الاشتراط، ومنعه أبو حنيفة والشافعي مطلقًا، وإن وقع بطلًا للنهي عن بيع وشرط وتوسط مالك، ففصل كما قرر في الفروع، وقالوا: لا حجة في خبر جابر، "لما وقع فيه من الاضطراب".
قال في الروض: فقد روي: أفقرني ظهره إلى المدينة، وروي: شرط لي ظهره إليها.
وقال البخاري: الاشتراط أكثر وأصح، واضطربوا في الثمن، فقيل: بأوقية وبأربع أواق وبخمس أواق وبخمسة دنانير وبأربعة دنانير، وهو في معنى أوقية, وبدينارين ودرهمين، وكل هذه الروايات ذكرها البخاري, "وقيل غير ذلك مما يطول ذكره".
ومنه أنه لم يرد حقيقة البيع، بل أراد أن يعطيه الثمن بهذه الصورة، أو لم يكن الشرط في نفس العقد، بل كان سابقًا أو لاحقًا فلم يؤثِّر في العقد.
ووقع عند النسائي: "أخذته بكذا، وأعرتك ظهره إلى المدينة" فزال الإشكال, لكن فيها اضطراب "والله أعلم" بالصواب في نفس الأمر.
قال السهيلي ﵀: ومن لطيف العلم في حديث جابر بعد أن يعلم قطعًا أنه ﵇ لم يفعل شيئًا عبثًا، بل لحكمة مؤيدة بالعصمة اشتراؤه الجمل منه ثم أعطاه الثمن، وزاده ثم ردَّه عليه، وكان يمكن أن يعطيه ذلك بلا مساومة، ولا اشتراء, ولا شرط توصيل، فالحكمة فيه بديعة جدًّا, فلتنظر بعين الاعتبار، وذلك أنه سأله "هل تزوجت"؟ ثم قال: "هلَّا بكرًا"، فذكر مقتل أبيه وما خلف من البنات.
وقد كان ﵇ أخبر جابرًا، بأنَّ الله قد أحيا أباه، وردَّ عليه روحه، وقال: ما تشتهي فأزيدك؟ فأكد ﷺ هذا الخبر بمثل شبهه، فاشترى منه الجمل وهو مطيته، كما اشترى الله من أبيه ومن الشهداء أنفسهم بثمن هو الجنة, ونفس الإنسان مطيته، كما قال عمر بن العزيز: إن نفسي مطيتي. ثم زادهم زيادة، فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ثم ردَّ عليهم أنفسهم التي اشترى منهم فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية. فأشار ﷺ باشتراء الجمل من جابر وإعطائه الثمن وزيادة، ثم رد الجمل المشترى عليه إشارة بذلك كله إلى تأكيد الخبر الذي أخبر به عن فعل الله بأبيه, فتشاكل الفعل مع الخبر كما تراه، وحاشا لأفعاله أن تخلو من حكمة، بل هي كلها ناظرة إلى القرآن ومنتزعة منه. انتهى. فما أحسن استنباطاته. هذا واقتصر المصنف من الآيات الواقعة في هذه الغزوة على قصتي غورث وجابر لتعلقهما بها، وتعلق قصة جابر من جهة سيره معه ﵊.стр. 1057
" غزوة بدر الأخيرة وهي الصغرى ":
وتسمَّى: بدر الموعد.
وكانت في شعبان، بعد ذات الرقاع. قال ابن إسحاق: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة من غزوة ذات الرقاع، أقام بها جمادى الأولى إلى آخر رجب، ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان. ويقال: كانت في هلال ذي القعدة.
الحواشي
(١) غزوة بدر الأخيرة وهي الصغرى:
بعدم وقوع حرب فيها، فكانت صغرى بالنسبة للكبرى للقتال، ونصر المؤمنين، فهي تسمية اصطلاحية للتمييز.
وأما قول الشامي في غزوة أُحد بدر الصغرى, الإضافة تأنيث الأصغر، فلعله اسم للبقعة في حَدِّ ذاتها، "وتسمَّى بدر الموعد" للمواعدة عليها مع أبي سفيان يوم أُحد، وهي الثالثة، "وكانت في شعبان" سنة أربع "بعد ذات الرقاع" في قول أبي إسحاق.
قال ابن كثير: وهو الصحيح.
وقال الواقدي: في مستهلّ ذي القعدة، يعني: سنة أربع، ووافق ابن عقبة على أنها في شعبان، لكنه قال: سنة ثلاث وهو وَهْم، فإن هذه تواعدوا عليها من أُحد, وكانت في شوال سنة ثلاث.
"قال ابن إسحاق: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة من غزوة ذات الرقاع أقام بها جمادى الأولى، آخر رجب" نقل بالمعنى, تبع فيه ابن سيد الناس، ولفظ ابن إسحاق: أقام بها بقية جمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجبًا، "ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان" حتى نزله، إلى هنا انفصل المصنّف من كلام ابن إسحاق دون بيان، فإن قوله: "ويقال: كانت في هلال ذي القعدة"стр. 1058
وميعاد أبي سفيان: هو ما سبق أنَّ أبا سفيان قال يوم أُحد: الموعد بيننا وبينكم بدر العام القابل، فقال ﵊ لرجل من أصحابه: $"قل: نعم هو بيننا وبينكم موعد".
فخرج ﵊ ومعه ألف وخمسمائة من أصحابه، وعشرة أفراس، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، فأقاموا على بدر ينتظرون أبا سفيان.
وخرج أبو سفيان حتى نزل مجنة من ناحية مر الظهران،
الحواشي
(١) قول الواقدي كما مَرَّ، وفي تعبيره: بِيُقَالُ إشارة إلى ضعفه، "وميعاد أبي سفيان هو ما سبق أن أبا سفيان قال يوم أحد: الموعد بيننا وبينكم بدر من العام القابل، فقال ﵊ لرجل من أصحابه" هو عمر كما عند الواقدي: "قل: نعم هو بيننا وبينكم موعد"، فخرج ﵊ ومعه" كما رواه الحاكم في الإكليل، عن الواقدي "ألف وخمسمائة من أصحابه, وعشرة أفراس" وعدَّها فقال: فرس لرسول الله ﷺ , وفرس لأبي بكر، وفرس لعمر، وفرس لأبي قتادة، وفرس لسعيد بن زيد، وفرس للمقداد، وفرس للحباب، وفرس للزبير، وفرس لعباد بن بشر، كذا نقله في العيون.
قال البرهان: هي تسعة: فينبغي أن يطلب العاشر مع من قال, أعني: الواقدي، "واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة" الأنصاري الخزرجي، الأمير المستشهد بموتة، قال: وحمل اللواء علي بن أبي طالب.
وقال ابن هشام: استخلف عبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ بن سلول, هكذا عزاه لنفسه في تهذيب السيرة، وتبعه اليعمري، وأمَّا الشامي فعزاه لابن إسحاق, ولعله وقف عليه في رواية غير زياد البكائي، كيونس أو إبراهيم بن سعد، ويحتمل أنه استخلف أحدهما على الصلاة والآخر على الحكم، أو وجه الخطاب إلى أحدهما، ثم عدل إلى الآخر لأمرٍ اقتضاه، فروى كل ما علم وعاد المصنف إلى خبر ابن إسحاق، فقال: "فأقاموا على بدر ينتظرون أبا سفيان" ثمان ليال، "وخرج أبو سفيان" في قريش، وهم ألفان ومعهم خمسون فرسًا، كذا عند الواقدي، "حتى نزل مجنة" بميم فجيم فنون مشددة مفتوحات، ويجوز كسر الميم والنون: سوق بقرب مكة، كما في الشامية، أي: إمالة النون في الوقف والجيم مفتوحة، إلّا أن انون مكسورة في الوصل لفتح ما قبل هاء التأنيث أبدًا، "من ناحية مَرَّ" بفتح الميم وشد الراء "الظهران" بفتح الظاء المعجمة وإسكانстр. 1059
ويقال: عسفان، ثم بدا له الرجوع، فقال: يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلّا عام خصيب، ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا، فرجع الناس. فسماهم أهل مكة: جيش السويق, يقولون: إنما خرجتم تشربون السويق.
وأقام ﷺ ببدر ثمانية أيام،
الحواشي
(١) الهاء، وادٍ بين مكة وعسفان, تسمِّيه العامة: بطن مرو، "ويقال" حتى نزل "عسفان" بدل مجنة، "ثم بدا له الرجوع" أي: ظهر له صورة، وإلّا فقد كان دبره لقريش وهو بمكة.
روي أن نعيم بن مسعود الأشجعي قدم مكة، فأخبر قريشًا بتهيؤ المسلمين لحربهم، فذكر أبو سفيان أنه كاره للخروج، وجعل له عشرين بعيرًا على أن يخذّل المسلمين ضمنها له سهيل بن عمرو, وحمله على بعير فقدم المدينة، وأرجف بكثرة العدو حتى قذف في قلوبهم الرعب، ولم يبق لهم نية في الخروج حتى خشي ﵇ أن لا يخرج معه أحد، وجاءه العمران، فقالا: إن الله مظهر دينه ومعز نبيه، وقد وعدنا القوم موعدًا لا نحب أن نتخلّف عنه، فيرون أن هذا جبن، فسر لموعدهم, فوالله إن في ذلك لخيرة، فسر بذلك وقال: "والذي نفسي بيده لأخرجنّ وإن لم يخرج معي أحد" فأذهب الله عن المسلمين ما كان الشيطان رعبهم به، وقال أبو سفيان لقريش: قد بعثنا نعيمًا يخذّل أصحاب محمد عن الخروج، وهو جاهد لكن نخرج فنسير ليلة أو ليلتين، ثم نرجع، فإن لم يخرج محمد بلغه أنا خرجنا فرجعنا؛ لأنه لم يخرج، فيكون لنا هذا عليه، وإن خرج أظهرنا أن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام عشب، قالوا: نعم ما رأيت، "فقال: يا معشر قريش, إنه لا يصلحكم" أي: لا يريحكم ويزيل عنكم مشقة اسفر، "إلّا عام خصب" بالتنوين، أي: ذو خصب، أو مخصب، والإضافة لوجود النماء فيه، والبركة بظهور النبات وكثرته "ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، وإنّ عامكم هذا عام جدب" بالإضافة والتنوين، أي: محل، وهو انقطاع المطر، ويبس الأرض، "وإني راجع فارجعوا، فرجع الناس فسماهم أهل مكة جيس السويق، ويقولون: إنما خرجتم تشربون السويق" وهو قمح، أو شعير يقلى ثم يطحن، ويتزوّد به ملتوتًا بماء، أو عسل، أو سمن، أو وحده، فسمع الناس بمسير جيش الإسلام، وذهب صيته إلى كل جانب، وكبت الله عدوهم، فقال صفوان لأبي سفين: والله نهيتك يومئذ أن تعد القوم وقد اجترأوا علينا, ورأونا قد اخلفناهم, وأخذوا في الكيد والنفقة والتهيؤ لحرب الخندق.
"وأقام ﵊ ببدر ثمانية أيام" ينتظر أبا سفيان لميعاده، كذا عند ابن إسحاق، ومقتضاه أنها أيام الموسم، وصرّح بذلك السبل فقال: فانتهوا إلى بدر ليلة هلال ذي القعدة, وقام السوق صبيحة الهلال، فأقاموا ثمانية أيام والسوق قائمة.стр. 1060
وباعوا ما معهم من التجارة، فربحوا الدرهم درهمين. وأنزل الله في المؤمنين: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢] إلى قوله ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] .
والصحيح أن هذه الآية نزلت في شأن حمراء الأسد، كما نصَّ عليه العماد بن كثير.
الحواشي
(١) وفي البغوي: كانت بدر الصغرى موضع سوق الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام لهلال ذي القعدة إلى ثمانٍ تخلو منه، ثم يتفرّقون إلى بلادهم، لكنه مشكل مع ما قدَّمه المصنف من أن الخروج في شعبان، ويقال لهلال ذي القعدة، بل لا يصح إلّا على القول بأن الخروج في شوال، اللهمَّ إلا أن يخرج على الثاني مع تأويله بأنه كانت كذلك بالنظر لوصوله إلى بدر، لا لخروجه من المدينة، أو أطلق الهلال، وأراد ما يقاربه, بقي أنه يشكل على تصحيح قول ابن إسحاق أنه خرج في شعبان إلا أن يئول بأن معناه: عزم على الخروج فيه، وأمر أصحابه بالتهيؤ، ولم يخرج بالفعل إلّا في أواخر شوال, حتى وصل هلال ذي القعدة، وهذا جمع بين الأقوال.
"وباعوا ما معهم من التجارة" التي خرجوا بها معهم، "فربحوا الدرهم درهمين" كما روي أن عثمان قال: ربحت للدينار دينارًا، "وأنزل الله في المؤمنين: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢] الآية، بأُحد، وخبر المبتدأ قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ إلى قول: ﴿فَانْقَلَبُوا﴾ [آل عمران: ١٧٤] الآية. رجعوا من بدر ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْل﴾ [آل عمران: ١٧٤] الآية. بسلامة وربح ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] , من قتل أو جرح. هذا قول مجاهد وعكرمة.
"والصحيح" وهو قول المفسرين: "إن هذه الآية نزلت" قبل ذلك "في شأن حمراء الأسد كما نص عليه العماد بن كثير" وسبقه إلى ترجيحه ابن جرير, ووقع في البيضاوي والجلال ما يشبه التناقض, فذكر أن قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ [آل عمران: ١٧٢] الآية. في حمراء الأسد، وأعرب الجلال ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ﴾ بدلًا منه، ثم قالا: فانقلبوا، أي: رجعوا من بدر بنعمة من الله، وفضل ربح في التجارة، فإنهم أتوا بدرًا وافوا بها سوقًا، فاتَّجروا وربحوا. انتهى.
وهذا إنما يأتي على أنها نزلت في بدر، فهو خلط بين قولين متنافيين، إلّا أن يقال قولهما رجعوا من بدر، بيان لما ترتَّب على استجابتهم له ﵇ في حمراء الأسد، ولم يبالوا بكونها في عام آخر لكونها من ثمرات الأولى, فكأنهما شيء واحد، وعليه فتفسيرهما قوله: ﴿فَانْقَلَبُوا﴾ برجعوا من بدر يكون حملًا للآية على أنه عبَّر بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه, هكذا أملاني شيخنا.стр. 1061
" غزوة دومة الجندل ":
وهي بضم الدال "من "دومة" هي مدينة بينها وبين دمشق خمس ليال، وبعدها من المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة. قال أبو عبيدة الله البكري: سميت بدومي بن إسماعيل، كان نزلها.
وكان في شهر ربيع الأول، على رأس تسعة وأربعين شهرًا من الهجرة، وكان سببها أنه بلغه ﷺ أن بها جمعًا كثيرًا يظلمون من مَرَّ بهم،
الحواشي
(١) غزوة دومة الجندل:
"وهي بضم الدال من دومة" عند أهل اللغة وأصحاب الحديث يفتحونها كذا في الصحاح.
ورجَّح الحازمي وغيره من المحدثين الضم.
وقال اليعمري: بضم الدال وفتحها.
وقال ابن القيم: بضم الدال، وأما بفتحها فمكان آخر.
وقال بعضهم: دومة الجندل بالضم والفتح، وأما المكان الآخر الذي باليمن فبالفتح فقط، "وهي مدينة بينها وبين دمشق" بكسر الدال وفتح الميم، على المشهور.
وحكي في المطالع كسر الميم، قاله النووي.
قال الجواليقي: أعجمي معرّب، فهو ممنوع الصرف, "خمس ليال وبعدها من المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة" كما قاله ابن سعد.
"قال أبو عبد الله البكري: سميت بدومي بن إسماعيل, كان نزلها" وفي الوفاء قيل: كان منزل أكيدر أولًا دومة الحيرة، وكان يزور أخواله من كلب، فخرج معهم للصيد، فرفعت له مدينة متهدمة لم يبق إلا حيطانها مبنية بالجندل، فأعادوا بناءها وغرسوا الزيتون وسموها دومة الجندل، تفرقة بينها وبين دومة الحيرة، وكان أكيدر يتردد بينهما.
"وكان في شهر ربيع الأول على رأس تسعة وأربعين شهرًا من الهجرة" فتكون سنة خمس، وبه صرح ابن هشام، "وكان سببها" كما قال ابن سعد وغيره: "أنه بلغه ﷺ أن بها جمعًا يظلمون من مَرَّ بهم", وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة, وهي طرف من أفواه الشام، فأراد ﵊ الدنوَّ إلى أدنى الشام، وقيل له: لو دنوت لها لكان ذلك مما يفزع قيصر، وكان بها سوق عظيم وتجار.стр. 1062
فخرج ﵊ لخمس ليالٍ بقين من شهر ربيع، في ألف من أصحابه، فكان يسير الليل ويكمن النهار.
واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة.
فلمَّا دنا منهم، لم يجد إلّا النعم والشاء، فهجم على ماشيتهم ورعاتهم, فأصاب من أصاب، وهرب من هرب في كل وجه. وجاء الخبر أهل دومة فتفرقوا، ونزل ﷺ بساحتهم, فلم يلق بها أحدًا، فأقام بها أيامًا، وبعث السرايا وفرَّقها، فرجعوا ولم يصب منهم أحد. ودخل المدينة في العشرين من ربيع الآخر.
الحواشي
(١) "فخرج ﷺ لخمس ليالٍ بقين من شهر ربيع" الأول "في ألف من أصحابه، فكان يسير الليل، ويكمن النهار" بضم الميم وفتحها, "واستخلف على المدينة" كما قال ابن هشام: "سباع" -بكسر السين المهملة فموحدة فألف فعين مهملة, "ابن عرفطة" -بضم العين والفاء- الغفاري، ويقال له: الكناني.
وعندا بن سعد وغيره: فقال له دليله مذكور العذري، ونكب عن طريقهم لما دنا من دومة: يا رسول الله, إن سوائمهم ترعى عندك, فأقم لي حتى أطلع لك، قال: "نعم"، فخرج العذري طليعة وحده، فوجد آثار النعم والشاء وهم مغربوم -بفتح الغين المعجمة وكسر الراء مشددة، فرجع إلى النبي ﷺ فأخبره, وقد عرف مواضعهم، "فلما دنا منهم لم يجد" النبي ﷺ ، وفي نسخة: لم يجدوا، أي: النبي ومن معه "إلّا النعم والشاء" عطف خاص على عام، على أن النعم الإبل والبقر والغنم أو المال الراعي، "فهجم على ماشيتهم ورعاتهم" جمع راعٍ، كقاض وقضاة, ويجمع أيضًا على رعاء بالكسر والمد، ورعيان كرغفان كما في المصباح.
زاد القاموس: ورعاء -بالفتح، أي: من ولي أمر مواشيهم.
"فأصاب من أصاب، وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة، فتفرقوا" فرقًا من المنصور بالرعب، "ونزل ﵊ بساحتهم, فلم يلق بها أحدًا، فأقام بها أيامًا، وبعث السرايا وفرَّقها، فرجعوا ولم يصب منهم أحد" بالبناء للمفعول، أي: من المسلمين في تلك الغزوة، أو من الكفار الذي بعث لهم السرايا.
وفي نسخة: أحدًا -بالنصب, وهي المنقولة في العيون عن ابن سعد, وزاد: وأخذوا منهم رجلًا فسأله ﷺ عنهم، فقال: هربوا حيث علموا أنك أخذت نعمهم، فعرض عليه الإسلام فأسلم "ودخل المدينة في" يوم "العشرين من ربيع الآخر", فتكون غيبته خمسًا وعشرين ليلة، ولعله جَدَّ في السير لما مَرَّ أن بعد دومة من المدينة خمس عشرة، فيكون الذهاب والإياب في ثلاثين، وأقام بها أيام وأقلها ثلاثة، والله أعلم.стр. 1063
الفهرس:
٣ إسلام الفاروق
١٢ دخول الشعب وخبر الصحيفة
٣١ الهجرة الثانية إلى الحبشة ونقض الصحيفة
٣٨ وفاة خديجة وأبي طالب
٤٩ خروجه ﷺ إلى الطائف
٥٦ ذكر الجن
٦٧ وقت الإسراء
٧٢ ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الأنصار
٨٩ باب هجرة المصطفى وأصحابه إلى المدينة
١٤٣ قصة سراقة
١٧٥ ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر
١٩١ ذكر المؤاخاة بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين
١٩٤ باب بدء الأذان
كتاب المغازي
٢٢٤ بعث حمزة ﵁
٢٢٦ سرية عبيدة المطلبي
٢٢٨ سرية سعد بن مالك
٢٢٩ أول المغازي ودان
٢٣١ غزوة بواط
٢٣٦ غزوة بدر الأولى
٢٣٧ سرية أمير المؤمنين عبد الله بن جحش
٢٤٢ تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر
٢٥٥ باب غزوة بدر العظمى
٣٤٢ قتل عمير عصماء
٣٤٤ غزوة بني سليم وهي قرقرة الكدر
٣٤٧ قتل أبي عنك اليهودي
٣٤٨ غزوة بني قينقاع
стр. 1064
٣٥٣ غزوة السويق
٣٥٦ ذكر بعض وقائع ثانية الهجرة
٣٥٧ ذكر تزويج علي بفاطمة ﵄
٣٦٧ قتل كعب بن الأشرف وهي سرية محمد بن مسلمة
٣٧٨ غزوة غطفان
٣٨٢ غزوة بحران
٣٨٤ سرية زيد إلى القردة
٣٨٦ غزوة أحد
٤٦٤ غزوة حمراء الأسد
٤٧١ سرية أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد
٤٧٢ سرية عبد الله بن أنيس
٤٧٤ بعث الرجيع
٤٩٦ بئر معونة
٥٠٥ حديث بني النضير
٥٢١ غزوة ذات الرقاع
٥٣٥ غزوة بدر الأخيرة وهي الصغرى
٥٣٩ غزوة دومة الجندل
стр. 1065
المجلد الثالث
تابع كتاب المغازي
غزوة المريسيع
...
تابع كتاب المغازي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"غزوة المريسيع":
غزوة المريسيع: بضم الميم وفتح الراء وسكون التحتيتين بينهما مهملة مكسورة وآخره عين مهملة- وهو ماء لبني خزاعة، بينه وبين الفرع مسيرة اليوم.
وتسمى غزوة بني المصطلق -بضم الميم وسكون المهملة وفتح الطاء المشالة المهملة، وكسر اللام بعدها قاف- وهو لقب اسمه: جذيمة بن سعد بن عمرو، بطن من خزاعة.
الحواشي
(١) غزوة المريسيع:
"بضم الميم وفتح الراء وسكون التحتيتين بينهما مهملة مكسورة آخره عين مهملة" قال في القاموس مصغر مرسوع.
قال السهيلي: وهو من قولهم: رسعت عين الرجل، إذا دمعت من فساد، "وهو ماء لبني خزاعة" بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي المخففة، قال في القاموس: حي من الأزد سموا بذلكن؛ لأنهم تخزعا، أي: تخلفوا عن قومهم، وأقاموا بمكة "بينه وبين الفرع" بضم الفاء والراء كما قاله السهيلي.
وجرى عليه في المشارق، وقال في التنبيهات: كذا قيده الناس، وكذا رويناه، وحكى عبد الحق عن الأحول، إسكان الراء ولم يذكر غير ا. هـ.
ونقل مغلطاي أن الحازمي وافقه وتبعهما ابن الأثير والصغاني، وغيرهما موضع من ناحية المدينة، وأما الفرع بفتحتين، فموضع بين الكوفة والبصرة "مسيرة يوم" هكذا في الفتح، وشرح المصنف، ويقع في بعض النسخ يومين ومثله في سيرة مغلطاي، وقال: بين الفرع والمدينة ثمانية برد، "وتسمى غزوة بني المصطلق، بضم الميم وسكون" الصاد "المهملة وفتح الطاء المشالة المهملة" المبدلة من التاء لأجل الصاد "وكسر اللام بعدها قاف، هو لقب" لحسن صوته، وهو أول من غنى من خزاعة قاله المصنف.
وفي الروض: هو مفتعل من الصلق، وهو رفع الصوت، فأفاد أنه كان حسن الصوت شديده، واقتصر المصنف على الحسن؛ لأنه المرغوب في سماعه، "واسمه جذيمة" بجيم مضمومة فذال معجمة مفتوحة فتحتية ساكنة "ابن سعد بن عمرو" بفتح العين، ابن ربيعة بن حارثة "بطن من بني خزاعة".
وقد روى الطبراني من حديث سفيان بن وبرة قال: كنا مع النبي ﷺ في غزوة المريسيع،стр. 1066
وكانت يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان، سنة خمس، وفي البخاري قال ابن إسحاق في شعبان سنة ست، وقال موسى بن عقبة: سنة أربع ا. هـ.
قالوا: وكأنه سبق قلم، أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع، والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد النيسابوري والبيهقي في الدلائل وغيرهم سنة خمس.
وسببها أن بلغه ﵊ أن رئيسهم الحارث بن أبي
الحواشي
(١) غزوة بني المصطلق، "وكانت" كما قال ابن سعد: "يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس" ورواه البيهقي عن قتادة وعروة وغيرهما، ولذا ذكرها أبو معشر قبل الخندق، ورجحه الحاكم.
"وفي البخاري: قال ابن إسحاق" محمد في مغازيه: رواية يونس بن بكير وغيره "في شعبان سنة ست" وبه جزم خليفة والطبري.
"وقال موسى بن عقبة: سنة أربع ا. هـ، قالوا: وكأنه سبق قلم" من البخاري، "أراد أن يكتب سنة خمس" لأنه الذي قاله ابن عقبة، "فكتب سنة أربع" سهوا، وتبعه عليه اليعمري، وهو عجيب، "والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق، أخرجها الحاكم وأبو سعيد النيسابوري والبيهقي في الدلائل، وغيرهم سنة خمس" ولفظه عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، ثم قاتل رسول الله ﷺ بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس.
قال في فتح الباري بعد ذكر ما ساقه المصنف من أول الغزوة إلى هنا غير أنه أسقط صورة التبري، ويؤيده ما أخرجه البخاري في الجهاد عن ابن عمر؛ أنه غزا مع النبي ﷺ بني المصطلق في شعبان، وابن عمر سنة أربع لم يؤذن له في القتال؛ لأنه إنما أذن له فيه في الخندق، وهي بعد شعبان سواء قلنا إنها كانت سنة خمس، أو سنة أربع.
وقال الحاكم في الإكليل: قول عروة وغيره أنها كانت سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق قلت: ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك، فلو كانت المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطا؛ لأنه مات أيام قريظة، وكانت في سنة خمس على الصحيح، وإ كانت كما قيل سنة أربع، فهو أشد غلطا، فظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان قبل الخندق؛ لأنها كانت في شوال سنة خمس أيضا، فيكون سعد بن معاذ موجودا في المريسيع، ورمي بها بعد ذلك بسهم في الخندق ومات من جراحته في قريظة ا. هـ.
"وسببها أنه بلغة ﵊ أن رئيسهم" أي: بني المصطلق، "الحارث بن أبيстр. 1067
ضرار سار في قومه ومن قدر عليه من العرب، فدعاهم إلى حرب رسول الله ﷺ فأجابوه، وتهيئوا للمسير معه إليه.
فبعث ﵊ بريدة بن الحصيب الأسلمي يعلم علم ذلك، فأتاهم ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه، ورجع إلى رسول الله ﷺ .
وخرج رسول الله ﷺ مسرعا في بشر كثير من المنافقين، لم يخرجوا في غزاة قط مثلها, واستخلف على المدينة زيد بن حارثة, وقادوا الخيل، وكانت ثلاثين فرشا
الحواشي
(١) ضرار" والد جويرية أم المؤمنين، وأسلم لما جاء في فدائها، "سار في قومه، ومن قدر عليه من العرب، فدعاهم إلى حرب رسول الله ﷺ فأجابوه وتهيئوا للمسير معه إليه" وكانوا ينزلون ناحية الفرع، "فبعث ﵊" كما قال ابن سعد "بريدة" بضم الموحدة وفتح الراء مصغر "ابن الحصيب" بضم الحاء.
قال الغساني: وصحف من أعجمها وفتح الصاد المهملتين.
"الأسلمي يعلم علم ذلك" أي: ليعلم حالهم الذي هم عليه، فاستأذنه أن يقول, فأذن له، "فأتاهم ولقي الحارث بن أبي ضرار، وكلمه" فوجدهم قد جمعوا الجموع، قالوا: من الرجل؟، قال: منكم قدمت لما بلغني من جمعكم لهذا الرجل، فأسير في قومي ومن أطاعني فنكون يدا واحدة حتى نستأصله.
قال الحارث: فنحن على ذلك فعجل علينا، فقال بريدة: اركب الآن وآتيكم بجمع كثير من قومي، فسروا بذلك منه، "ورجع إلى رسول الله ﷺ " فأخبره خبرهم، فندب ﷺ الناس "وخرج رسول الله ﷺ مسرعا في"، أي: مع "بشر" يطلق على الواحد والجمع، لكن العرب ثنوه ولم يجمعوه. وفي التنزيل: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٤٧] ، كما في المصباح، لكن وصفه بقوله "كثير" دليل على استعماله في الجمع "من المنافقين، لم يخرجوا في غزاة قط مثلها".
قال الشامي: ليس بهم رغبة في الجهاد، إلا أن يصيبوا من عرض الدنيا بفتحتين ما سوى العين، ولقرب السفر، "واستخلف على المدينة" حبه "زيد بن حارثة" قاله ابن سعد وشيخه.
وقال ابن هشام: أبا ذر الغفاري، ويقال: نميلة بن عبد الله الليثي، ونميلة تصغير نملة، كما قال البرهان، "وقادوا الخيل، وكانت ثلاثين فرسا" قاله ابن سعد قال: منها عشرة في المهاجرين, وفي الأنصار عشرون ومعه ﷺ لزاز والظرب.стр. 1068
وخرجت عائشة وأم سلمة ﵄.
وبلغ الحارث ومن معه مسيره ﵊ فسيء بذلك هو ومن معه، وخافوا خوفا شديدا، وتفرق عنهم من كان معهم من العرب.
وبلغ ﵊ المريسيع، وصف أصحابه، ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة
الحواشي
(١) وذكر الشامي أنهما من جملة عشرة المهاجرين.
قال البرهان: لزاز بكسر اللام وزاي مكررة مخففة بينهما ألف، من لاززته، أي: ألصقته، كأنه لصق بالمطلوب لسرعته، وقيل: لاجتماع خلقه، واللزز المجتمع الخلق، ا. هـ. والظرب بفتح الظاء المعجمة كما في القاموس والنور في الخيل النبوية، والسبل وتكسر على ما في بعض نسخ النور هنا، وصدر به الشامي في ذكر الخيل النبوية فراء مكسورة فموحدة واحد الظراب، وهي الروابي الصغار سمي بذلك لكبره وسمنه، وقيل: لقوته وصلابته.
"وخرجت عائشة وأم سلمة ﵄" فسار ﷺ حتى سلك على الخلائق بالخاء والقاف، مكان به مزارع وآبار قرب المدينة، فنزل بها فأتي يومئذ برجل من عبد القيس، فسلم على رسول الله ﷺ فقال له: "أين أهلك"؟، قال: بالروحاء من عمل الفرع، قال: "أين تريد"؟، قال: إياك جئت لأؤمن بك، وأشهد أن ما جئت به حق وأقاتل معك عدوك، فقال ﷺ : "الحمد لله الذي هداك إلى الإسلام"، فقال: "أي الأعمال أحب إلى الله"؟، قال: "الصلاة، لأول وقتها".
فكان بعد ذلك يصلي الصلاة لأول وقتها، وأصاب ﷺ عينا للمشركين، أي: جاسوسا لهم، فسألوه عنهم فلم يذكر من شأنهم شيئا، فعرض عليه الإسلام فأبى، فأمر عمر بن الخطاب فضرب عنقه كما في الشامية.
"وبلغ الحارث ومن معه مسيره ﵊" وأنه قتل جاسوسه "فسيء بذلك" الخبر "هو ومن معه" أي: ساءهم خبر مسيره إليهم، كما قاله البيضاوي، وسيء بهم معناه ساءه مجيئهم، وفي إعراب السمين سيء مبني للمفعول، والقائم مقام الفاعل ضمير لوط من ساءني بكذا، أي: حصل لي سوء وبهم متعلق به، أي: بسببهم "وخافوا شديدا" للرعب الذي قذفه الله في قلوب أعدائه، "وتفرق عنهم من كان معهم من العرب" الذين جمعهم الحارث من غير قومه، "وبلغ ﵊ إلى المريسيع".
قال ابن سعد: فضرب عليه قبة فتهيئوا للقتال، "وصف أصحابه ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر" الصديق، قاله ابن سعد، ويقال: إلى عمار بن ياسر "وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة".стр. 1069
فتراموا بالنبل ساعة ثم أمر ﵊ أصحابه فحملوا حملة رجل واحد، وقتلوا عشرة وأسروا سائرهم، وسبوا الرجال والنساء والذرية والنعم والشاء.
الحواشي
(١) وروي أنه ﷺ أمر عمر، فنادى في الناس: قولوا: لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم، فأبوا "فتراموا بالنبل ساعة" فكان أول من رمى رجل منهم، "ثم أمر ﵊ أصحابه فحملوا حملة رجل واحد" فما أفلت منهم إنسان، "وقتلوا عشرة وأسروا سائرهم" أي: باقيهم.
قال البرهان: لم يذكر عدتهم، وقد قال بعض شيوخي: كانت الأسرى أكثر من سبعمائة فطلبتهم منه جويرية ليلة دخوله بها فوهبهم لها ا. هـ، ولا يشكل بما رواه ابن إسحاق وغيره من حديث عائشة، وخرج الخبر إلى الناس أنه ﷺ قد تزوج جويرية، فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ ، فأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، ا. هـ؛ لأن طلبها إياهم منه وكونه وهبهم لها لا يمنع كون المسلمين حين سمعوا أنه تزوجها أطلقوا الأسرى، فكان ذلك زيادة إكرام من الله لنبيه حتى لا يسأل أحدا منهم في ذلك بشيء أو مجانا.
نعم، روى الواقدي بسند له مرسل أن جويرية قالت: رأيت قبل قدوم النبي ﷺ بثلاث ليال، كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري، فكرهت أن أخبرها أحدا من الناس حتى قدم ﷺ ، فلما سبينا رجوت الرؤيا، فلما أعتقني وتزوجني والله ما كلمته في قومي، حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم من أيديهم وما شعرت إلا بجارية من بنات عمي تخبرني الخبر فحمدت الله تعالى، فإن صح أمكن أن يكون قولها ما كلمته، أي: ألححت عليه، بل اكتفيت بأول مرة ليلة الدخول، أو ما كلمته حين خطبني.
"وسبوا الرجال والنساء والذرية" تفسير لأسر سائرهم، "و" ساقا "النعم والشاء" فهو مفعول لمحذوف؛ لأن السبي مخصوص بأسر العدو، أو ضمن سبي معنى أخذ فلا تقدير.
قال ابن سعد: وكانت الإبل ألفي بعير، والشاء خمسة آلاف شاة، وكان المسبي مائتي بيت.
قال البرهان: وأحد البيوت.
وفي نسخة: بنت بكسر الموحدة ونون ساكنة وفوقية، والأولى أظهر ا. هـ. وهو الذي دل عليه حديث عائشة: لقد أعتق..... إلخ، ثم ظاهر حديث عائشة أنهم كلهم أطلقوا بلا فداء.
وذكر الواقدي أنه قدم وفدهم فافتدوا الذرية والنساء كل واحد منهم بست فرائض ورجعوا إلى بلادهم وخير من خير منهن أن تقيم عند من صارت في سهمه، فأبين إلا الرجوع، فإن صحстр. 1070
ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحدا، كذا ذكره ابن إسحاق.
والذي في صحيح البخاري من حديث ابن عمر يدل على أن أغار عليهم على حين غفلة منهم فأوقع بهم ولفظه: أن النب ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تستقي على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم وهم على الماء.
يحتمل أنهم حين الإيقاع بهم ثبتوا قليلا، فلما كثر فيهم القتل انهزموا بأن يكونوا لما دهمهم
الحواشي
(١) فيحتمل أن بعض الوفد قدم ففادى جملة، وذهبوا بهم قبل تزوج جويرية، ثم أعتق المسلمون الباقي بعد تزوجها وإلا فالأصلح الأول.
"ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد" هو هشام بن صبابة، بصاد مهملة مضمومة فموحدة مخففة فألف فموحدة أخرى، أصابه أنصاري يقال له أوس من رهط عبادة بن الصامت، يرى أنه من المشركين فقتله خطأ، وقدم أخوه مقبس بن صبابة من مكة مسلما في الظاهر، فقال: يا رسول الله جئتك مسلما، وأطلب دية أخي قتل خطأ، فأمر له بدية أخيه، فأقام غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدا، كما ذكر ابن إسحاق وأتباعه، فأهدر ﷺ دمه فقتل يوم الفتح، "كذا ذكره" أي: حاصل المعنى الذي ساقه المصنف "ابن إسحاق" وإلا فأكثره لفظ ابن سعد، كما فصله صاحب العيون.
وإنما قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر، وعبد الله بن أبي بكر ومحمد بن يحيى، قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أن بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث، فخرج حتى لقيهم على المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق، وقتل من قتل منهم، ونفل رسول الله أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءهم عليه.
قال الحافظ: كذا عنده بأسانيد مرسلة، "والذي في صحيح البخاري" في كتابه العتق، وكذا في صحيح مسلم "من حديث ابن عمر يدل على أنه أغار عليهم على حين غفلة منهم، فأوقع بهم" القتل والأسر.
قال المصباح: وقع بالقوم وقيعة قتلت وأثخنت وتميم تقول: أوقعت بهم بالألف، "ولفظه: أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون" بغين معجمة فألف فراء مشددة، أي: غافلون "وأنعامهم تستقي على الماء فقتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم وهم على الماء" فهذا خلاف رواية ابن إسحاق أنهم اقتتلوا. "فيحتمل" في الجمع بينهما، كما قاله الحافظ "أنهم حين الإيقاع بهم" وإن كانوا غافلين "ثبتوا قليلا، فلما كثر فيهم القتل" بحمل المسلمين عليهم حملة واحدة، "انهزموا بأن يكونوا" تصوير لما فعل بهم "لما دهمهم" بكسر الهاء وفتحها، أي:стр. 1071
وهم على الماء وتصافوا وقع القتال بين الطائفتين، ثم بعد ذلك وقعت الغلبة عليهم.
قيل وفي هذه الغزوة نزلت آية التيمم. وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، فذكر حديث التيمم.
الحواشي
(١) فجأهم "وهم على الماء وتصافوا، وقع القتال بين الطائفتين، ثم بعد ذلك وقعت الغلبة عليهم" للمسلمين، والحمد لله.
وذكر ابن سعد القصة بنحو ما ذكر ابن إسحاق، ثم أشار إلى حديث ابن عمر، ثم قال: الأول أثبت وأقره اليعمري، ورده الحافظ، فقال: والحكم يكون الذي في السير أثبت مما في الصحيح مردوده، ولا سيما مع إمكان الجمع ا. هـ.
وذكر ابن إسحاق من جملة السبي جويرية أم المؤمنين، وسيذكر المصنف قصتها التي ساقها الشارح في الزوجات، فلا نطيل بها هنا.
"قيل: وفي هذه الغزوة نزلت آية التيمم".
قال ابن بطال: هي آية النساء، أو المائدة.
وقال القرطبي: آية النساء ووجهه بأن آية المائدة تسمى آية الوضوء، وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء.
وكذا ذكر الواحدي في سبب النزول الحديث في آية النساء.
قال الحافظ: وخفي على الجميع ما ظهر للبخاري من أنها آية المائدة بلا تردد لرواية عمرو بن الحارث، إذ صرح فيها بقوله: فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] .
"وفي الصحيحين" البخاري في التيمم والمناقب والنكاح والتفسير والمحاربين، ومسلم في الطهارة "من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، فذكر" كل في صحيحه "حديث التيمم" بطوله، وهو حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا له: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة، أقامت برسول الله ﷺ والناس ليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس ليسوا على ماء وليس معهم ماء فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال: ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيه في خاصرتي،стр. 1072
قال في فتح الباري: "قوله في بعض أسفاره" قال ابن عبد البر في التمهيد:
يقال كان ذلك في غزوة بني المصطلق. وجزم بذلك في الاستذكار. وسبقه إلى ذلك ابن سعد وابن حبان، وغزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع.
وفيها كانت قصة الإفك لعائشة، وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها أيضا.
فإن كان ما جزموا به ثابتا، حمل على أنه سقط منها في تلك السفرة مرتين, لاختلاف القصتين، كما هو بين من سياقهما.
الحواشي
(١) فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، قام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثا البعير فأصبنا العقد تحته.
"قال في فتح الباري" في كتاب التيمم "قولا في بعض أسفاره. قال ابن عبد البر في التمهيد" لما في الموطأ من المعاني والأسانيد رتبه على أسماء شيوخ مالك على حروف المعجم، ولم يتقدمه أحد إلى مثله، وهو سبعون جزءا.
قال ابن حزم: لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله، فكيف أحسن منه "يقال كان ذلك في غزوة بني المصطلق، وجزم بذلك في الاستذكار" بمذاهب علماء الأمصار، فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار، شرح فيه الموطأ على وجهه، ونسق أبوابه، "وسبقه إلى ذلك" الجزم "ابن سعد وابن حبان وغزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع، وفيها كانت" تامة، أي: وقعت، وبه عبر الفتح "قصة الإفك لعائشة" حال من قصة أو صفة لها، أي: المنسوبة لعائشة لا حال من الإفك وإلا لقال عن عائشة، ثم هو كما ترى لم يذكر قصة الإفك كما توهمه الشارح، وجعل له ترجمة وتكلم فيها على لفظ الإفك لغة. "وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها أيضا" كما أنه سبب حديث التيمم، "فإن كان ما جزموا به" من أن قصة التيمم في غزوة المريسيع "ثابتا حمل على أنه سقط منها في تلك السفرة مرتين، لاختلاف القصتين، كما هو بين من سياقهما" فقد علمت سياق حديث التيمم.
وأما حديث الإفك ففي البخاري ومسلم عن عائشة خرجت مع رسول الله ﷺ بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي، وأنزل فيه حت إذا فرغ ﷺ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين أذن ليلة بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل، فمضيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع،стр. 1073
واستبعد بعض شيوخنا ذلك؛ لأن المريسيع من ناحية مكة بين قديد والساحل، وهذه القصة كانت من ناحية خيبر لقولها في الحديث: حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش، وهما بين مكة وخيبر كما جزم به النووي.
قال: وما جزم به مخالف لما جزم به ابن التين فإنه قال: البيداء هو ذو الحليفة بالقرب من المدينة من طريق مكة، وذات الجيش وراء ذي الحليفة.
الحواشي
(١) فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش في نحر الظهيرة وهم نزول، فهلك من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي بن سلول ... الحديث في نحو أربع ورقات.
"واستبعد بعض شيوخنا ذلك" أي: ما جزموا به، أي: ابن سعد وابن حبان وابن عبد البر، من أن قصة التيمم في غزاة المريسيع؛ "لأن المريسيع من ناحية مكة بين قديد والساحل، وهذه القصة" أي: قصة التيمم، "كانت من ناحية خيبر لقولها في الحديث: حتى إذا كنا بالبيداء" بفتح الموحدة والمد، "أو بذات الجيش" بفتح الجيم، وسكن التحتية وشين معجمة، والشك من عائشة قاله المصنف، "وهما بين مكة وخيبر" وليست خيبر من جهة قديد التي بها المريسيع "كما جزم به النووي".
"قال" أي: بعض شيوخه: "وما جزم به" النووي "مخالف لما جزم به ابن التين" شارح البخاري "فإنه قال: البيداء هو ذو الحليفة بالقرب من المدينة من طريق مكة وذات الجيش وراء ذي الحليفة" وهذا يرد الاستبعاد، ويدل على أن قصة التيمم كانت بالمريسيع كما جزموا به.стр. 1074
وقال أبو عبيد البكري في معجمه: البيداء أدنى إلى مكة من ذي الحليفة، ثم ساق حديث عائشة هذا، ثم قال: وذات الجيش من المدينة على بريد. قال: وبينها وبين العقيق سبعة أميال, والعقيق من طريق مكة لا من طريق خيبر، فاستقام ما قاله ابن التين تنبيه.
الحواشي
(١) "وقال أبو عبيد البكري في معجمه: البيداء أدنى" أقرب "إلى مكة من ذي الحليفة، ثم ساق حديث عائشة هذا" في التيمم، ثم ساق حديث ابن عمر، قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد.
قال: والبيداء هو الشرف الذي قدام ذي الحليفة من طريق مكة، هكذا أسقطه المصنف من الفتح قبل قوله، "ثم قال: وذات الجيش من المدينة على بريد قال: وبينها وبين العقيق سبعة أميال".
قال ابن حجر: قلت: "والعقيق من طريق مكة، لا من طريق خيبر، فاستقام ما قاله ابن التين" وظهر به عدم استبعاد كون قصة التيمم بالمريسيع.
"تنبيه" لا يخفى عليك أن الكلام كله صريح في أن الاستبعاد، إنما هو في كون قصة التيمم بالمريسيع، ولم أدر ما وجه ترجيع اسم الإشارة لقصة الإفك، وأيضا فقصة الإفك لا نزاع في كونها في غزاة المريسيع؛ لأنه المنقول في البخاري عن الزهري.
ورواه الجوزقي والبيهقي عنه عن عروة عن عائشة، وجزم به ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي، فلا يتأتى من شيخ الحافظ استبعادها؛ لأنه يشبه خرق الإجماع؛ فإنما استبعد ما جزم به أولئك، كما هو صريح الكلام السابق واللاحق.
وفي الفتح عقب قوله: فاستقام، ما قال ابن التين ويؤيده ما رواه الحميدي: أن القلادة سقطت ليلة الأبواء، والأبواء بين مكة والمدينة.
وعند الفريابي: وكان ذلك المكان يقال له الصلصل بمهملتين مضمومتين ولامين أولاهما ساكنة بين الصادين.
قال البكري: جبل عند ذي الحليفة، كذا ذكره في حرف الصاد المهملة، ووهم مغلطاي وغيره، فزعم أنه ضبطه بالمعجمة، وعرف من تظافر هذه الروايات تصويب ما قال ابن التين ا. هـ.
ثم قال في الفتح في شرح قول أسيد: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، أي: بل مسبوقة بغيرها من البركات، وهذا يشعر بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك، فيقوى قول من ذهب إلى تعدد ضياع العقد، فأخذه المصنف ووصله بكلامه الأول وهو صادق؛ لأنه كله كلامه.стр. 1075
وقد قال قوم بتعدد ضياع العقد مرتين، ومنهم محمد بن حبيب الأخباري فقال: سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع وفي غزوة بني المصطلق.
وقد اختلف أهل المغازي في أي هاتين الغزوتين كانت أولا.
وقال الداودي: كانت قصة التيمم في غزاة الفتح ثم تردد في ذلك.
وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع, فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق؛ لأن إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة، وهي بعدها بلا خلاف.
وكان البخاري يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبي موسى، وقدومه كان وقت إسلام أبي هريرة.
ومما يدل على تأخر القصة أيضا عن قصة...........
الحواشي
(١) فقال: "وقد قال قوم بتعدد ضياع العقد مرتين، ومنهم محمد بن حبيب الأخباري".
قال أبو ذر في حواشيه: أكثر العلماء لا يصرف حبيب هنا يجعله اسم أمه، فعلى هذا لا ينصرف للتعريف والتأنيث ا. هـ، أي: العلمية والتأنيث المعنوي. وبهذا جزم النووي في شرح مسلم وهو مردود.
ففي الروض للسهيلي ما لفظه وابن حبيب النسابة مصروف اسم أبيه، ورأيت لابن المغربي إنما هو حبيب بفتح الباء غير مجرى، أي: مصروف لأنها أمه، وأنكر عليه غيره، وقالوا: هو حبيب بن المحبر معروف ا. هـ. "فقال: سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع، وفي غزوة بني المصطلق" فليست المرتان في غزوة واحدة، "وقد اختلف أهل المغازي في أي هاتين الغزوتين كانت أولا" بالفتح وشد الواو.
"وقال الداودي" أحمد بن نصر المالكي شارح البخاري: "كانت قصة التيمم في غزاة الفتح، ثم تردد في ذلك وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع" لأنه ليس فيها بيان كيفية التيمم، "فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق؛ لأن إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة وهي بعدها" أي: بعد غزوة بني المصطلق، "بلا خلاف" وهذا أيضا يرد أن المرتين كانتا في غزوة واحدة، "وكان" فعل ماض "البخاري يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبي موسى، وقدومه كان وقت إسلام أبي هريرة" في سنة سبع، "ومما يدل على تأخر القصة" للتيمم "أيضا عنстр. 1076
الإفك ما رواه الطبراني من طريق يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة أخرى، فسقط أيضا عقدي حتى جلس الناس على التماسه، فقال لي أبو بكر: يا بنية في كل سفرة تكونين عناء وبلاء على الناس، فأنزل الله تعالى الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر: إنك لمباركة.
الحواشي
(١) قصة الإفك ما رواه الطبراني من طريق" محمد بن إسحاق، عن "يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير" بن العوام، المدني الثقة، مات بعد المائة، وله ست وثلاثون سنة "عن أبيه" عباد قاضي مكة زمن أبيه وخليفته إذا حج ثقة.
روى له الجميع "عن عائشة ﵂ قالت: لما كان من أمر عقدي" أي: قلادتي، وكانت من جزع ظفار كما مر عنها في حديث الإفك، ورواه أبو داود وغيره عن عمار في هذه القصة، وجزع بفتح الجيم وسكون الزاي خرز يمني وظفار مدينة باليمن.
وفي رواية عروة، عنها في الصحيح: أنها استعارتها من أسماء أختها فهلكت، أي: ضاعت.
قال الحافظ: والجمع أن إضافتها إليها لكونها في يدها وتصرفها، وإلى أسماء لكونها ملكها لتصريحها بأنها استعارتها منها "ما كان وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول الله ﷺ في غزو أخرى، فسقط أيضا عقدي حتى جلس الناس" بجلوس النبي ﷺ "على التماسه" أي: لأجل طلبه.
وفي أبي داود: فبعث أسيد بن حضير وناسا معه في طلبه، وفيه اعتناء الإمام بحفظ حقوق المسلمين، وإن قلت فقد نقل ابن بطال أنه روي أن ثمن العقد كان اثني عشر درهما، وفيه إشارة إلى ترك إضاعة المال, قاله الحافظ وقد مر في حديث الصحيحين، فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة، أقامت برسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء.
"فقال لي أبو بكر" قال الحافظ: لم تقل أبي؛ لأن قضية الأبوة الحنو، وما وقع من العتاب بالقول والتأديب بالفعل مغاير لذلك في الظاهر، فلذا أنزلته منزلة الأجنبي، فقال أبو بكر:
"يا بنية في كل سفرة تكونين عناء وبلاء على الناس، فأنزل الله تعالى الرخصة في التيمم".
اختلف فيه هل هو عزيمة أو رخصة، وفصل بعضهم قال هو لعدم الماء عزيمة وللعذر رخصة، "فقال أبو بكر: إنك لمباركة" هذا لفظ الفتح، ولفظ العيون: والله يا بنية إنك كما علمت لمباركة. وكل عزى للطبراني فكأنهما روايتان له، أو الفتح اختصر وقال لها ﷺ : "ما كانстр. 1077
وفي إسناده محمد بن حميد الرازي. وفيه مقال.
وفي سياقه من الفوائد: بيان عتاب أبي بكر ﵁ الذي أبهم في حديث الصحيح، والتصريح بأن ضياع العقد كان مرتين في غزوتين. ا. هـ.
وفي هذه الغزوة
الحواشي
(١) أعظم بركة قلادتك" رواه ابن إسحاق القتيبي في تفسيره، وقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، وفي رواية: لقد بارك الله فيكم، وفي رواية: فقال أسيد: جزاك الله خيرا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرا، وفي رواية: إلا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل للمسلمين فيه بركة، رواها كلها البخاري.
قال الحافظ: إنما قال ذلك دون غيره؛ لأنه كان رئيس من بعث في طلب العقد الذي ضاع، قال: وقولها: فأصبنا العقد تحته ظاهر في أن الذين توجهوا في طلبه لم يجدوه.
وللبخاري أيضا: فبعث رجلا فوجدها وله ولمسلم، فبعث ناسا من أصحابها في طلبها, ولأبي داود: فبعث أسيد بن حضير، وناسا معه قال: وطريق الجمع أن أسيدا كان رأس من بعث لذلك، فلذا سمي في بعض الروايات دون غيره وأسند الفعل إلى واحد منهم، وهو المراد به، وكأنهم لم يجدوا العقد أولا، فلما رجعوا ونزلت آية التيمم، وأرادوا الرحيل وأثاروا البعير وجده أسيد، فرواية وجدها, أي: بعد جميع ما تقدم من التفتيش وغيره انتهى ملخصا.
"وفي إسناده" الحافظ "محمد بن حميد الرازي" أبو عبد الله التميمي عن ابن المبارك وخلق.
وعنه أبو داود والترمذي وابن ماجه وطائفة، توفي سنة ثلاثين ومائتين، "وفيه مقال" فضعفه النسائي والجوزجاني، ووثقه أحمد ويحيى بن معين وغير واحد، "وفي سياقه من الفوائد بيان عتاب أبي بكر ﵁ الذي أبهم في حديث الصحيح" في قولها: فعاتبني أبو بكر، وقال: ما شاء الله أن يقول.
"والتصريح بأن ضياع العقد كان مرتين في غزوتين" في قولها: خرجت مرة أخرى فسقط أيضا عقدي، وقول أبيها في كل سفرة "انتهى" كلام الفتح، وحاصله: هل السفر المبهم في قول عائشة في بعض أسفاره المريسيع، أو ذات الرقاع، أو الفتح أقوال، وهل سقط العقد مرتين في غزوة واحدة وهي المريسيع, أو مرتين في غزوتين "وفي هذه الغزوة" على ما عند ابن إسحاق وأهل المغازي.
وعند النسائي أن ذلك كان في غزوة تبوك وأيده الحافظ, بأن في رواية للبخاري في سفرстр. 1078
قال ابن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فسمعه زيد بن أرقم، ذو الأذن الواعية، فحدث رسول الله ﷺ بذلك فأرسل إلى ابن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ فقال له رسول الله ﷺ : "إن الله قد صدقك يا زيد". رواه البخاري.
وكانت غيبته ﵊ في هذه الغزوة ثمانية وعشرين يوما.
الحواشي
(١) أصاب الناس فيه شدة، ورجح ابن كثير الأول، بأن ابن أبي لم يخرج في غزوة تبوك، بل ورد أنه رجع بطائفة من الجيش.
"قال ابن أبي" ابن سلول، رأس المنافقين: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز" يعني نفسه، "منها" أي: المدينة، "الأذل" يعني النبي ﷺ ، وما أحسن قول أسيد بن حضير بالموجب، لما قال له ذلك ﵇، قال: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال: ارفق به فوالله لقد جاء الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه وإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا، ذكره ابن إسحاق، وذلك أنه ضرب مهاجري أنصاريا بيده, فقال الأنصاري: يا للأنصار وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمعها الله رسوله الله ﷺ قال: "ما هذا"؟ فأخبروه، فقال: "دعوها فإنها منتنة"، فقال ابن أبي أوقد: فعلوا والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" رواه البخاري عن جابر، وأورده ابن إسحاق مطولا، وسمى المهاجري جهجاه بن مسعود أجير عمر بن الخطاب والأنصاري سنان بن وبر, "فسمعه زيد بن أرقم" الأنصاري استصغر بأحد وأول مشاهده الخندق، وقيل: المريسيع، وغزا مع النبي ﷺ سبع عشرة غزوة، كما في الصحيح وله حديث كثير وشهد صفين مع علي، ومات بالكوفة سنة ست، وقيل: ثمان وستين "ذو الأذن الواعية" الضابطة لما سمعته؛ لأنه لما نقل قول ابن أبي، واتهم فيه نزل القرآن مصدقا له، فدل على قوة ضبطه وحفظه لما سمعه، "فحدث رسول الله ﷺ بذلك" بنفسه، كما في رواية أو ذكر ذلك لعمه، فذكره عمه له ﷺ كما في أخرى، وكلاهما في الصحيح، "فأرسل إلى ابن أبي وأصحابه، فخافوا ما قالوا".
قال في حديث البخاري فصدقهم، وكذبني فأصابني هم لم يصبني مثله، فجلست في بيتي، "فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] فقال له رسول الله ﷺ : "إن الله قد صدقك يا زيد" وفي مرسل الحسن: أنه أخذ بإذنه فقال له: وفي الله بإذنك يا غلام، وكان ﵇ لما حلف له ابن أبي قال لزيد: لعله أخطأ سمعك، "رواه" أي: أصل الحديث بمعناه، لا كونه في هذه الغزوة "البخاري" بطرق عديدة من حديث زيد.
وفي الترمذي فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي: والله لا تنقلب، أي: إلى المدينة،
حتى تقول إنك أنت الذليل ورسول الله العزيز، ففعل.
"وكانت غيبته ﵊ في هذه الغزوة ثمانية وعشرين يوما" وقدم المدينة لهلال رمضان، قاله ابن سعد، وفي هذه الغزوة أيضا نهى ﷺ عن العزل، رواه البخاري وغيره عن أبي سعيد.стр. 1079
" غزوة الخندق وهي الأحزاب ":
جمع حزب، أي: طائفة
فأما تسميتها بالخندق: فلأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمره ﵊، ولم يكن اتخاذ الخندق من شأن العرب، ولكنه من مكايد الفرس وكان الذي أشار به سلمان
الحواشي
(١) غزوة الخندق وهي الأحزاب:
هذه الترجمة للبخاري
قال الحافظ: يعني أن لها اسمين وهو كما قال: والأحزاب "جمع حزب، أي: طائفة فأما تسميتها بالخندق" بفتح الخاء المعجمة وسكون النون، "فلأجل الخندق الذي حفر حول المدينة" في شاميها من طرف الحرة الشرقية إلى طرف الحرة الغربية "بأمره ﵊".
روى الطبراني بسند لا بأس به عن عمرو بن عوف المزني: أنه ﷺ خط الخندق من أحمر الشيخين تثنية شيخ ضد شاب، وهما أطمان تثنية أطم بضمتين، طرف بني حارثة حتى بلغ المداحج، فقطع لكل عشرة أربعين ذراعا.
قال شيخنا: لعلها حاصلة من ضرب قدر من الطول في العرض، والحاصل في ذلك في العمق وليس المراد لكل عشرة أربعين طولا لزيادة ذلك على مسافة عرض المدينة بكثير لكثرة الصحابة الذين حفروا فيه، قلت: وفي رواية خط ﷺ الخندق لكل عشرة أناس عشرة أذرع، "ولم يكن" كما أفاده السهيلي "اتخاذ الخندق من شأن العرب، ولكنه من مكايد الفرس" وحروبها جمع مكيدة، أي: حيلها التي يتوصلون بها إلى مرادهم، "و" لذا "كان الذي أشار به سلمان" الفارسي.
قال ابن جرير: أول من اتخذ الخنادق موشهر بن أيرج، وإلى رأس ستين سنة من ملكهстр. 1080
فقال: يا رسول الله، إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فأمر رسول الله ﷺ بحفره، وعمل فيه بنفسه ترغيبا للمسلمين.
وأما تسميتها بالأحزاب، فلاجتماع طوائف من المشركين على حزب المسلمين، وهم: قريش وغطفان واليهود ومن تبعهم
الحواشي
(١) بعث موسى ﵇، وأول من فعل الكمائن في الحروب بختنصر انتهى من الروض، وتبعه العيون وهو بميم مفتوحة فواو فشين معجمة فهاء ساكنة فراء، وإيرج بهمزة في أوله مكسورة فتحتية فراء فجيم، كما في نسخة صحيحة من الروض والعيون قرئت على مصنفيهما.
"فقال" سلمان، كما ذكره أصحاب المغازي منهم، أبو معشر "يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فأمر رسول الله ﷺ بحفرة" حول المدينة "وعمل فيه بنفسه ترغيبا للمسلمين"، فسارعوا إلى عمله، حتى فرغوا منه وجاء المشركون فحاصروهم.
وذكر ابن سعد وغيره أنه لما تهيأت قريش للخروج، أتى ركب خزاعة النبي ﷺ في أربع ليال حتى أخبروه، فندب الناس وأخبرهم خبر عدوهم وشاورهم في أمرهم أيبرز من المدينة، أم يكون فيها ويحاربهم عليها؟، وفي طرقها، فأشار سلمان بالخندق، فأعجبهم وأحبوا الثبات بالمدينة وأمرهم ﷺ بالجد ووعدهم النصران إن هم صبروا واتقوا وأمرهم بالطاعة.
"وأما تسميتها بالأحزاب فلاجتماع طوائف من المشركين على حرب المسلمين وهم قريش وغطفان واليهود"، عد اليهود مشركين وإن كانوا أهل كتاب؛ لأنهم لما ظاهروهم وخالفوا ما يعلمونه من كتابهم المقتضي لمبادرتهم للإسلام، أفلا أقل من كف الأذى وترك القتال، كانوا كأنهم منهم أو ضمهم إليهم بالتبعية؛ لأن الجل مشركون، أو لأن المراد مطلق الكفار، كما هو المراد بهم إذا أفردوا، فإن جمعوا فعباد الأوثان، "ومن تبعهم" كبني سليم.
ذكر موسى بن عقبة في المغازي، قال: خرج حيي بن أخطب بعد بني النضير إلى مكة يحرض المشركين على حربه ﷺ ، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في غطفان، ويحرضهم على قتاله على أن لهم نصف تمر خيبر، فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك، وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد، فأقبل إليهم طليحة بن خويلد فيمن أطاعه، وخرج أبو سفيان بقريش، فنزلوا بمر الظهران فجاءهم من أجابهم من بني سليم مددا لهم، فصاروا في جمع عظيم فهم الذين سماهم الله الأحزاب.
وذكر الواقدي أنهم جعلوا لهم تمر خيبر سنة، ولعلهما كان قصدهما خروج حيي لمكة وكنانة لغطفان ابتداء ثم طرأ لهما الذهاب جملة لمكة، ثم لغطفان فلا ينافي رواية ابن إسحاق الآتية لذلك.стр. 1081
وقد أنزل الله تعالى في القصة صدرا من سورة الأحزاب.
واختلف في تاريخها: فقال موسى بن عقبة: كانت سنة أربع.
وقال ابن إسحاق: كانت في شوال سنة خمس، وبذلك جزم غيره من أهل المغازي.
ومال البخاري إلى قول موسى بن عقبة، وقواه بقول ابن عمر: أن رسول الله ﷺ عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة فلم يجزه، وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة فأجازه
الحواشي
(١) "وقد أنزل الله تعالى في هذه القصة صدرا" أي: جملة، "من سورة الأحزاب" من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١١] ، إلى قوله: ﴿قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] سميت صدرا لارتفاعها على غيرها من بقية السورة من حيث دلالتها على فضل المؤمنين، وثباتهم وخبث المنافقين وعنادهم.
وفي المصباح صدر المجلس مرتفعه.
"واختلف في تاريخها فقال موسى بن عقبة" في مغازيه التي شهد مالك والشافعي بأنها أصح المغازي "كانت سنة أربع".
قال الحافظ: وتابع على ذلك الإمام مالك أخرجه أحمد عن موسى بن داود عنه.
"وقال ابن إسحاق:" كانت "في شوال سنة خمس، وبذلك جزم غيره من أهل المغازي".
قال ابن القيم: وهو الأصح والذهبي هو المقطوع به، والحافظ هو المعتمد، انتهى غايته أن ابن سعد وشيخه قالا: كانت في ذي القعدة "ومال البخاري إلى قول موسى بن عقبة" فنقله عنه مقتصرا عليه، "وقواه بقول ابن عمر" الذي أخرجه أول أحاديث الباب عن نافع عنه بلفظ: "إن رسول الله ﷺ عرضه يوم أحد".
قال الحافظ: عرض الجيش اختبار أحوالهم قبل مباشرة القتال للنظر في هيآتهم، وترتيب منازلهم وغير ذلك، "وهو ابن أربع عشرة" سنة.
وفي رواية مسلم: عرضني يوم أحد في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة، "فلم يجزه" بضم أوله وكسر الجيم فزاي، أي: لم يمضه، ولم يأذن له لعدم أهليته للقتال، "وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة" سنة، "فأجازه".
وفي رواية مسلم: عرضني يوم أحد في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة، "فلم يجزه" بضم أوله وكسر الجيم فزاي، أي: لم يمضه، ولم أذن له لعدم أهليته للقتال، "وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة" سنة، "فأجازه".
قال الحافظ: أي: أمضاه وأذن له في القتال.
وقال الكرماني: أجازه من الإجازة وهي للأنفال، أي: أسهم له، قلت: والأول أولى، ويردстр. 1082
فيكون بينهما سنة واحدة، وأحد كانت سنة ثلاث، فيكون الخندق في سنة أربع.
ولا حجة فيه إذا ثبت أنها كانت سنة خمس، لاحتمال أن يكون ابن عمر في أحد كان أول ما طعن في الرابعة عشر، وكان في الأحزاب استكمل الخمس عشرة، وبهذا أجاب البيهقي.
وقال الشيخ ولي الدين بن العراقي: والمشهور أنها في السنة الرابعة.
وكان من حديث هذه الغزوة:
الحواشي
(١) الثاني هنا أنه لم يكن في غزوة الخندق غنيمة يحصل منها نقل.
وفي حديث أبي واقد الليثي رأيت رسول الله ﷺ يعرض الغلمان وهو يحفر الخندق، فأجاز من أجاز ورد من رد إلى الذراري، فهذا يوضح أن المراد بالإجازة الإمضاء للقتال؛ لأن ذلك كان في مبدأ الأمر قبل حصول الغنيمة، أن لو حصلت غنيمة ا. هـ.
وعلى هذا "فيكون بينهما سنة واحدة، وأحد كانت سنة ثلاث" باتفاق "فيكون الخندق في سنة أربع" كما قال ابن عقبة، "ولا حجة فيه إذا ثبت أنها كانت سنة خمس"، كما جزم به أهل المغازي "لاحتمال أن يكون ابن عمر في أحد كان أول ما طعن في الرابعة عشر، وكان في الأحزاب استكمل الخمس عشرة، وبهذا أجاب البيهقي".
زاد الحافظ ويؤيد قول ابن إسحاق: أن أبا سفيان قال للمسلمين لما رجع من أحد: موعدكم العام المقبل ببدر، فخرج ﷺ من السنة المقبلة إليها، فلم يأت أبو سفيان للجدب، فرجعوا بعد أن وصلوا إلى عسفان، أو دونها، ذكره ابن إسحاق وغيره، وقد بين البيهقي سبب هذا الاختلاف، وهو أن جماعة من السلف كانوا يعدون التاريخ من المحرم الذي وقع بعد الهجرة، ويلغون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول، وعلى ذلك جرى يعقوب بن سفيان في تاريخه، فذكر أن غزوة بدر الكبرى كانت في السنة الأولى، وأحد في الثانية، والخندق في الرابعة، وهذا عمل صحيح على ذلك البناء لكنه بناء واه مخالف لما عليه الجمهور من جعل التاريخ من المحرم سنة الهجرة، وعلى ذلك تكون بدر في الثانية، وأحد في الثالثة، والخندق في الخامسة، وهو المعتمد، ا. هـ.
"و" لكن "قال الشيخ" الحافظ ابن الحافظ "ولي الدين بن العراقي المشهور: أنها" أي: الخندق، "في السنة الرابعة" حقيقة لمزيد إتقان القائلين بذلك كيف وهم موسى بن عقبة ومالك والبخاري، ولذا صححه النووي في الروضة.
"وكان من حديث" أي: سبب هذه الغزوة، "هذه الغزوة" كما رواه ابن إسحاق بأسانيدстр. 1083
أن نفرا من يهود خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له.
ثم خرج أولئك اليهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حربه ﵊ وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد بايعوهم على ذلك واجتمعوا معهم.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن
الحواشي
(١) كلها مرسلة، "أن نفرا من يهود" منهم سلام بن مشكم وابن أبي الحقيق وحيي وكنانة النضيريون وهوذة بن قيس وأبو عمار الوائليان، "خرجوا" من خيبر "حتى قدموا على قريش مكة، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله".
قال في رواية ابن إسحاق: فقالت لهم قريش: إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه، قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ فسر ذلك قريشا ونشطوا لما دعوهم إليه، "فاجتمعوا لذلك واتعدوا له" أي: تواعدوا على وقت يخرجون فيه، وفي نسخة: واستعدوا له، والأول هو الرواية في ابن إسحاق والمناسب لقوله، "ثم خرج أولئك اليهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان" بعين مهملة.
قال الجوهري: وليس في العرب عيلان غيره، وهو في الأصل اسم فرسه، ويقال هو لقب مضر؛ لأنه يقال قيس بن عيلان، "فدعوهم إلى حربه ﵊ وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه".
قال الواقدي: وجعلوا لهم خيبر سنة إن هم نصروهم، "وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، واجتمعوا معهم فخرجت قريش" في أربعة آلاف، وعقدوا اللواء في دار الندوة، وحمله عثمان بن أبي طلحة "وقائدها أبو سفيان بن حرب" المسلم في الفتح، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس وألفا وخمسمائة بعير ولاقتهم بنو سليم بمر الظهران في سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أمية، وخرجت معهم بنو أسد يقودهم طليحة بن خويلد الأسدي، قاله ابن سعد، وأسلم طليحة بعد ذلك.
"وخرجت غطفان وقائدها يينة بن حصن" بن حذيفة بن بدر الفزاري، "في فزارة" قبيلته،стр. 1084
في فزارة، والحارث بن عوف المري في مرة.
وكان عدتهم -فيما ذكره ابن إسحاق- عشرة الآف, والمسلمون ثلاثة آلاف وقيل غير ذلك.
الحواشي
(١) وكانو ألفا.
قال في الروض: سمي عيينه لشتر كان بعينيه واسمه حذيفة، وهو الذي قال في ﷺ : "الأحمق المطاع" لأنه كان يتبعه عشرة الآف قناة.
وقال فيه أيضا: إن شر الناس من ودعه الناس اتقاء شره.
وفي رواية: إني أداريه لأني أخشى أن يفسد علي خلقا كثيرا، وفيه بيان معنى الشر الذي أتقي منه، ودخل عليه ﷺ بغير إذن، فقال له: "أين الإذن"، قال: "ما استأذنت على مضري قبلك"، وقال: "ما هذه الحميراء معك"؟ قال: "عائشة بنت أبي بكر"، فقال: "طلقها"، وأنزل لك عن أم البنين في أمور كثيرة من جفائه أسلم، ثم ارتد وآمن بطليحة حتى تنبأ، وأخذ أسيرا، فأتي به للصديق، فمن عليه، ولم يزل مظهرا للإسلام على جفوته وعنجهيته ولوثة أعرابيته حتى مات.
قال الشاعر:
وإني على ما كان من عنجهيتي ... ولوثة أعرابيتي لأديب
ا. هـ.
"والحارث بن عوف المري" بضم الميم وشد الراء، أسلم بعد تبوك في وفد قومه بني مرة، وكانوا ثلاثة عشر رجلا رأسهم الحارث أحد الفرسان المشهورين "في" بني "مرة" وكانوا أربعمائة.
زاد ابن سعد: وخرجت أشجع، وهم أربعمائة يقودهم مسعود بن رخيلة، بضم الراء وفتح الخاء، وأسلم بعد وخرج معهم غيرهم.
قال: وقد روى الزهري: أن الحارث بن عوف رجع ببني مرة، فلم يشهد الخندق منهم أحد، وكذلك روت بنو مرة والأول أثبت ا. هـ.
"وكان عدتهم فيما ذكره ابن إسحاق" بأسانيده, وابن سعد "عشرة الآف".
قال ابن سعد: وكانوا ثلاثة عساكر، وعاج الأمر إلى أبي سفيان، قالا أيضا: "والمسلمون ثلاثة آلاف".
قال الشامي: وهو الصحيح المشهور "وقيل غير ذلك".
قال في الفتح: وقيل: كان المشركون أربعة آلاف، والمسلمون نحو الألف.
ونقل ابن القيم في الهدى عن ابن إسحاق أن المسلمين كانوا سبعمائة. قال: وهذا غلطстр. 1085
وذكر ابن سعد أنه كان مع المسلمين ستة وثلاثون فرسا.
ولما سمع رسول الله ﷺ بالأحزاب، ما أجمعوا عليه من الأمر، ضرب على المسلمين الخندق، فعمل فيه ﵊ ترغيبا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون، فدأب ودأبوا.
وأبطأ على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين في عملهم ذلك ناس من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعف عن العمل
الحواشي
(١) من خروجه يوم أحد.
قال الشامي: ولا دليل في قول جابر في قصة الطعام، وكانوا ألفا؛ لأنه أراد الآكلين فقط لا عدة من حضر الخندق ا. هـ. وقيل: كان المشركون خمسة عشر ألفا، كذا حكاه في النهر.
قال ابنا سعد وهشام: واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم.
"وذكر ابن سعد أنه كان مع المسلمين سنة وثلاثون فرسا، ولما سمع رسول الله ﷺ بالأحزاب وما أجمعوا عليه من الأمر" الذي زعموه، وهو استئصال المسلمين "ضرب على المسلمين الخندق"، أي: جعل على كل عشرة أربعين ذراعا كما مر، وكان الخندق بسطة أو نحوها، "فعمل فيه ﵊" بنفسه "ترغيبا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فدأب ودأبوا" جدوا وتعبوا، حتى كان سلمان يعمل عمل عشرة رجال حتى عانه قيس بن صعصعة، أي: أصابه بالعين فلبط، بضم اللام وكسر الموحدة وطاء مهملة، أي: صرع فجأة من عين، أو علة وهو ملتو، فقال ﷺ : "مروه فليتوضأ وليغتسل به سلمان وليكفئ الإناء خلفه" ففعل، فكأنما حل من عقال.
وعند الطبراني: وت نافس المهاجرون والأنصار في سلمان، وكان رجلا قويا، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقال الأنصار: سلمان منا. فقال ﷺ : "سلمان منا أهل البيت" بنصب أهل على الاختصاص، أو على إضمار، أعني وأما الخفض على البدل فلم يجزه سيبويه من ضمير المتكلم، ولا من ضمير المخاطب؛ لأنه في غاية البيان، وأجازه الأخفش، قاله السهيلي.
"وأبطأ على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين في عملهم ذلك" أي: تأخر عن العمل معهم، "ناس من المنافقين" وهذا كالاستثناء من دأب ودأبوا، كأنه قال: إلا المنافقين وإنما أخرجوا؛ لأنهم مسلمون ظاهرا، "وجعلوا يورون بالضعف عن العمل" أي: يخفون مقصودهم من خذلان المسلمين بإظهار الضعف.
ففي القاموس وراه تورية أخفاه كواراه أو يتعللون به سماه تورية، لإظهارهم خلافстр. 1086
وفي البخاري: عن سهل بن سعد قال: كنا مع النبي ﷺ في الخندق، وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتادنا، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والأنصار".
والأكتاد: بالمثناة الفوقية- جمع كتد -بفتح أله وكسر المثناة- وهو ما بين الكاهل إلى الظهر، وفي بعض نسخ البخاري: أكبادنا بالموحدة، وهي موجه على أن المراد به مما يلي الكبد من الجنب.
الحواشي
(١) قصدهم من عدم إعانة المسلمين وخذلانهم، وأبرزوه في صورة الضعف، لكن حيث صح المعنى اللغوي بالحقيقة، فلا معدل عنه للمجاز.
"وفي البخاري" ثاني حديث في هذا الباب. "عن سهل بن سعد" الساعدي "قال: كنا مع النبي ﷺ في الخندق وهم يحفرون" بكسر الفاء "ونحن ننقل التراب على أكتادنا" بالتاء والباء.
وفي حديث أنس: على متونهم كما عند البخاري.
ق ال الحافظ: ووهم ابن التين فعزا هذه اللفظة لحديث سهل.
"فقال رسول الله ﷺ : "الله لا عيش" دائم "إلا عيش الآخرة".
قال الداودي: إنما قال ابن رواحة: لا هم إن العيش بلا ألف ولام، فأورده بعض الرواة على المعنى.
قال الحافظ: وحمله على ذلك ظنه أنه يصير بالألف واللام غير موزون، وليس كذلك بل يكون دخله الجزم، ومن صوره زيادة شيء من حروف المعاني في أول الجزء "فاغفر للمهاجرين والأنصار"، وفي حديث أنس بعده، " فاغفر للأنصار والمهاجرة".
قال الحافظ: وكلاهما غير موزون، ولعله ﷺ تعمد ذلك، ولعل أصله فاغفر للأنصار وللمهاجرة بتسهيل همزة الأنصار، وباللام في المهاجرة، وفي الرواية الأخرى فبارك بدل فاغفر، "والأكتاد بالمثناة الفوقية، جمع كتد، بفتح أوله وكسر المثناة".
زاد المصباح وفتحها "ما بين الكاهل" كصاحب الحارك، أو مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق وهو الثلث الأعلى، وفيه ست فقرات، أو ما بين الكتفين، أو موصل العنق في الصلب، كما في القاموس "إلى الظهر".
وقال ابن السكيت: الكتد مجتمع الكتفين، وحاصل المعنى أنهم كانوا يحملون على أكتافهم أعالي ظهورهم، "وفي بعض نسخ البخاري: أكبادنا بموحدة، وهو موجه على أن المرد به ما يلي الكبد من الجنب" لاستحالة الحقيقة.стр. 1087
وفي البخاري أيضا: عن أنس: فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
"اللهم إن العيش عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة"
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا
قال ابن بطال: وقوله: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة"، هو من قول ابن رواحة تمثل به ﵊
الحواشي
(١) "وفي البخاري أيضا" ثالث حديث في الباب عن حميد، "عن أنس": خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق، "فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم".
قال الحافظ: أي: إنهم عملوا فيه بأنفسهم لاحتياجهم إلى ذلك لا مجرد الرغبة في الأجر، "فلما رأى ما بهم من النصب" بفتح النون والصاد التعب "والجوع".
"قال:" وفي رواية أبي الوقت فقال: والأولى أولى؛ لأن جواب لما لا يقترن بالفاء " ﷺ " وفي هذا كما قال الفتح بيان سبب قوله: "اللهم إن العيش" المعتبر الدائم "عيش الآخرة " لا عيش الدنيا لكدورته، وكونه مع المنغصات التي لا تتناهى، ثم بعد هو فإن وإن طال قل متاع الدنيا قليل، هكذا رواية أنس في الصحيح كما سقته. ومت رواية سهل لا عيش إلا عيش الآخرة، وما يقع في نسخ من جعله كذلك في خبر أنس مخالف للبخاري. "فاغفر للأنصار والمهاجرة" بكسر الجيم وسكون الهاء، "فقالوا": أي الطائفتان حال كونهم، "مجيبين له نحن الذين بايعوا" صفة الذين لا صفة نحن، قاله الفتح "محمدا على الجهاد".
وفي رواية عبد العزيز، عن أنس عند البخاري على الإسلام بدل الجهاد، والأول أثبت، قاله الحافظ. "ما بقينا أبدا. قال ابن بطال وقوله: اللهم لا عيش إلى عيش الآخرة، هو من قول ابن رواحة" عبد الله الصحابي الشهير "تمثل به ﵊" قال: ولو لم يكن من لفظه لم يكن بذلك شاعرا، قال: وإنما يسمى شاعرا من قصده، وعلم السبب والوتد، وجميع معايبه من الزحاف ونحو ذلك، قال الحافظ كذا، قال: وعلم الوتد إلخ، إنما تلقوه من العروض التي اخترع ترتيبها الخليل بن أحمد وقد كان من شعراء الجاهلية والمخضرمين والطبقة الأولى والثانية من شعراء الإسلام قبل أن يضعه الخليل، كما قال أبو العتاهية، أن أقدم من العروض، يعني أنه نظمстр. 1088
وعند الحارث بن أبي أسامة من مرسل طاوس زيادة في آخر الرجز:
والعن عضلا والقارة ... هم كلفونا ننقل الحجارة
وفي البخاري من حديث البراء قال: لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله ﷺ رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه،
الحواشي
(١) الشعر قبل وضعه:
وقال أبو عبد الله بن الحجاج الكاتب:
قد كان شعر الورى قديما ... من قبل أن يخلق الخليل
ا. هـ.
"وعند الحارث" بن محمد "بن أبي أسامة" داهر الحافظ المشهور، "من مرسل طاوس" بن كيسان اليماني الفارسي تابعي ثقة، فقيه، كثير الحديث. يقال اسمه ذكوان وطاوس لقب. مات سنة ست ومائة، وقيل بعدها "زيادة في آخر" هذا "الرجز" هي:
والعن عضلا والقاره ... هم كلفونا ننقل الحجاره
قال الحافظ: والأول غير موزون أيضا، ولعله والعن الهي عضلا والقارة.
وفي رواية عبد العزيز عن أنس عند البخاري: وينقلون التراب على متونهم وهم يقولون:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الإسلام ما بقينا أبدا
يقول ﷺ وهو يجيبهم: "اللهم لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجره".
قال الحافظ: ولا أثر للتقديم والتأخير فيه؛ لأنه يحمل على أنه كان يقول إذا قالوا ويقولون إذا قال، يعني يجيبونه تارة ويجيبهم أخرى، قال: وفيه أن في إنشاد الشعر تنشيطا في العمل، وبذلك جرت عادتهم في الحرب، وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز.
"وفي البخاري" من طريقين ذكر المصنف الثانية "من حديث البراء" بن عازب، "قال: لما كان يوم الأحزاب وخندق ﷺ رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى" أخفى، "عني الغبار" لتراكمه، "جلدة بطنه".
وفي الطريق الأولى حتى أغمر أو اغبر بطنه بالشك، وغين معجمة فيهما، فإما بالموحدة فواضح، وإما بالميم.
فقال الخطابي: إن كانت محفوظة فمعناها وارى التراب جلدة بطنه، أي: فبطنه بالنصب، ومنه غمار الناس وهو جمعهم إذا تكاثف، ودخل بعضهم في بعض.
قال: وروي اعفر بمهملة وفاء، والعفر بالتحريك التراب.стр. 1089
وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل التراب ويقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأولى قد رغبوا علينا
الحواشي
(١) قال عياض: وقع للأكثر بمهملة وفاء وبمعجمة وموحدة، فمنهم من ضبطه بنصب بطنه، ومنهم من ضبطه برفعها.
وعند النسفي حتى غبر بطنه، أو أغبر بمعجمة فيهما وموحدة.
ولأبي ذر وأبي زيد: حتى أغمر. قال: ولا وجه لها إلا أن تكون بمعنى ستر، كما في الرواية الأخرى حتى وارى عني التراب جلدة بطنه.
قال: وأوجه هذه الروايات اغبر بمعجمة وموحدة، ورفع بطنه.
"وكان كثير الشعر" بفتحتين، أي: شعر بطنه، وفي حديث أم سلمة عند أحمد بسند صحيح كان ﷺ يعاطيهم اللبن يوم الخندق، وقد أغبر شعر صدره، وظاهره أنه كان كثير شعر الصدر، وليس كذلك فإن في صفته ﷺ أنه كان دقيق المسربة، أي: الشعر، الذي في الصدر إلى البط، فيمكن أن يجمع بأنه كان مع دقته كثيرا، أي: لم يكن منتشرا بل كان مستطيلا، والله أعلم انتهى كله من الفتح. "فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل التراب ويقول: اللهم" وفي الطريق الأولى والله، "لولا أنت ما اهتدينا" وعلى الطريق الأولى وهو موزون، وأما الثانية فقال الزركشي: صوابه في الوزن لا هم، أو تالله لولا أنت، قال الدماميني: هذا عجيب، فإنه ﷺ هو المتمثل بهذا الكلام والوزن لا يجري على لسانه الشريف غالبا. قلت: إنما قال صوابه في الوزن، ولا عجب في ذلك أصلا. "ولا تصدقنا" ولفظ أبي يعلى: اللهم لولا أنت، وقال بدل تصدقنا صمنا كذا في الشامية، ومراده أنه ذكره بإحدى روايتي الصحيح في أوله، وأبدل تصدقنا بصمنا كما هو ظاهر جدا، إلا أنه انفرد عن البخاري بلفظ: اللهم لولا أنت، كما توهم فإنه فاسد لثبوتها في البخاري "ولا صلينا فأنزلن" بنون التوكيد الخفيفة "سكينة" بالتنكير، أي: وقارا، "علينا" هكذا رواية البخاري في المغازي من الطريقين، وله في الجهاد: فأنزل السكينة علينا، وللحموي والمستملي: فأنزل سكينة، وللكشميهني كما هنا، "وثبت" قوّ "الأقدام إن لاقينا" العدو "إن الأولى" هو من الألفاظ الموصولات، لا من أسماء الإشارة جمعا للمذكر، "قد رغبوا" بغين معجمة، العدو "علينا" أي: على قتالنا.
قال الحافظ: كذا للسرخسي، والكشميهني، وأبي الوقت، والأصيلي، وابن عساكر وللباقين قد بغوا كالأولى، لكن الأصيلي ضبطها بالعين المهملة الثقيلة والموحدة، وضبطها فيстр. 1090
إذا أرادوا فتنة أبينا
قال: ويمد بها صوته ... وفي روية له أيضا:
إن الأولى بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
وفي حديث سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي أنه ﷺ ضرب في الخندق قال:
بسم الإله وبه بدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا
حبذا ربا و..............
الحواشي
(١) المطالع بالغين المعجمة، وكذا ضبطت في رواية أبي الوقت لكن بزاي أوله، والمشهور ما في المطالع ا. هـ، وعلى خلاف المشهور، وهو الإهمال فتشديد رعبوا للمبالغة، أي: رعبوا المسلمين بتحزبهم علينا، فلا حاجة إلى أنه ضمنه معنى جمعوا، فعداه بعلي مع أنه يتعدى بنفسه وبالهمزة، "إذا أرادوا فتنة أبينا" بالموحدة، الفرار، كما رجحه عياض وبالفوقية، أي: جئنا وأقدمنا على عدونا، وتتمة حديث البراء من هذا الطريق لفظها "قال:" ثم يمد صوته بآخرها.
قال المصنف كالحافظ، أي: بقوله: أبينا، ولفظه في الطريق الأولى ورفع صوته أبينا أبينا، وكان المصنف ذكر حاصل معنى الروايتين بقوله: "ويمد بها صوته" أي: باللفظة الأخيرة لا بالجميع.
"وفي رواية له" للبخاري "أيضا" في الطريق الأولى: "إن الأولى بغوا علينا، إذا أرادوا فتنة أبينا".
قال الحافظ: ليس بموزون وتحريره إن الذين قد بغوا علينا، فذكر الراوي الأولى بعنى الذين وحذف قد وزعم ابن التين أن المحذوف هم وقد والأصل أن الأولى هم قد بغوا علينا وهو يتزن بما قال لكن لم يتعين، وذكر بعض الرواة في مسلم أبوا بدل بغوا، ومعناه صحيح، أي: أبوا أن يدخلوا في ديننا.
"وفي حديث" الحارث بن أبي أسامة من طريق "سليمان" بن طرخان "التيمي" أبي المعتمر البصري، نزل في التيم فنسب إليهم الثقة العابد، المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائة، وهو ابن سبع وتسعين سنة. روى له الجميع "عن أبي عثمان" عبد الرحمن بن مل، بميم مثلثة ولام ثقيلة "النهدي" بفتح النون وسكون الهاء، ثقة عابد مخضرم، مات سنة خمس وتسعين، وقيل بعدها وعاش مائة وثلاثين سنة، وقيل: أكثر.
روى له الستة وهو مرسل، وقد أخرجه البيهقي موصولا عن سلمان "أنه ﷺ حين ضرب في الخندق قال: بسم الإله وبه بدينا" لا بحولنا وقوتنا، "ولو عبدنا غيره شقينا، حبذا ربا" هوследующие страницы →