Полный текст (5 943 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
المهملة وسكون الموحَّدة: الزنابير -فلم يقدروا منه على شيء.
وكان عاصم بن ثابت قد أعطى الله عهدًا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا, وكان عمر لما بلغه خبره يقول: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته، كما حفظه في حياته.
وإنما استجاب الله تعالى له في حماية لحمه من المشركين، ولم يمنعهم من قتله لما أراد من إكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه.
الحواشي
(١) وسكون الموحدة الزنابير:
قال الحافظ: وقيل: ذكور النحل ولا واحد له من لفظه، وللبخاري: فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر, فحمته من رسلهم، "فلم يقدروا منه على شيء".
وفي رواية البخاري في الجهاد: فلم يقدروا أن يقطعوا من لحمه شيئًا، ولأبي الأسود عن عروة: فبعث الله عليهم الدبر، تطير في وجوههم وتلدغهم، فحالت بينهم وبين أن يقطعوا. ولابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، فلمَّا حالت بينهم وبينه قالوا: دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه، فبعث الله الوادي فاحتمل عاصمًا، فذهب به.
وفي معالم التنزيل: فاحتمله السيل، فذهب به إلى الجنة, وحمل خمسين من المشركين إلى النار، وفي حياة الحيوان أنهم لما قتلوه أرادوا أن يمثلوا به, فحماه الله بالدبر حتى أخذه المسلمون فدفنوه.
"و" في رواية ابن إسحاق، عن شيخه عاصم بن عمر، "كان عاصم بن ثابت قد أعطى الله عهدًا أن لا يمسَّه مشرك،" قوي رجاؤه في الله فعاهده بذلك، أو عاهده أن لا يمكِّن مشركًا من مَسِّه، أو المراد: سأله ذلك، "ولا يمس مشركًا" بمصافحة ونحوها مما يشعر بتعظيمه، أو الميل له, فلا ينافي أنه يقتلهم بالسيف والرمح.
"وكان عمر" بن الخطاب، "لما بلغه خبره يقول: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته، كما حفظه في حياته" ففيه استجابة دعاء المسلم وإكرامه حيًّا وميتًا، "وإنما استجاب الله له في حماية لحمه من المشركين"؛ لقوله: اللهمَّ إني حميت لك دينك صدر النهار فاحم لحمي آخره. "ولم يمنعهم من قتله لما أراد الله من إكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه" كما طلب، ولا يستلزم ذلك كونه أفضل من حمزة ونحوه كما هو ظاهر، والله أعلم.стр. 1017
بئر معونة:
سرية المنذر بن عمرو -بفتح العين المهملة- إلى بئر معونة -بفتح الميم وضم المهملة وسكون الواو بعدها نون: موضع ببلاد هذيل بين مكة وعسفان. في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة، على رأس أربعة أشهر من أُحد.
بعث معه المطلب السلمي ليدلهم على الطريق.
وكانت مع رعل -بكسر الراء وسكون العين المهملة: بطن من بني سليم، ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك، وذكوان بطن من بني سليم أيضًا, ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة. فنسبت الغزوة إليها.
الحواشي
(١) بئر معونة:
"سرية المنذر" بضم فسكون، وكسر الذال المعجمة وراء "ابن عمرو -بفتح العين المهملة" الخزرجي العقبي، البدري، النقيب، من أكابر الصحابة، له حديث رواه عنه سهل بن سعد أن النبي ﷺ سجد سجدتي السهو قبل التسليم. أخرجه الدارقطني وغيره. "إلى" أهل "بئر معونة" ليدعوهم إلى الإسلام، أو مددًا لهم على عدو لهم، ويجيء بسطه "بفتح الميم، وضم المهملة، وسكون الواو بعدها نون: موضع ببلاد هذيل بين مكة وعسفان" هذا لفظ الفتح تبعًا للمطالع، وفي ابن إسحاق، وتبعه اليعمري، وهي بين أرض بني عامر، وحرة بني سليم, كلا البلدين منها قريب، وهي إلى حرة بني سليم أقرب.
قال شيخنا: والظاهر أنه لا تنافي؛ لجواز أن يكون ذلك الموضع المنسوب لهذيل بين مكة وعسفان, وبجواره أرض بني عامرة وحرة بني سليم. "في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة, على رأس أربعة أشهر من أُحد" عند ابن إسحاق، وجعلها بعضهم في المحرّم، وقدمها على بعث الرجيع، "وبعث" ﷺ "معه" أي: المنذر, خصَّ بالذكر لأنه الأمير، وفي نسخة معهم، أي: السرية "المطلب السلمي" بضم السين وفتح اللام، نسبة لبني سليم, صحابي له ذكر في هذه الغزوة، "ليدلهم على الطريق, وكانت مع رعل -بكسر الراء وسكون المهملة: بطن من بني سليم" بلفظ التصغير "ينسبو إلى رعل بن عوف" بالفاء "بن مالك" بن امرئ القيس بن نهية بن سليم، "و" مع "ذكوان" بفتح المعجمة وسكو الكاف، وواو وألف ونون "بطن من بني سليم" أيضًا ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة" بن نهية بن سليم "فنُسِبَت الغزوة إليها،" أي: بئر معونة لنزولهم بها.стр. 1018
وهذه الوقعة تعرف بسرية القراء، وكان من أمرها -كما قاله ابن إسحاق: أنه قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر, المعروف بملاعب الأسنّة على رسول الله ﷺ
الحواشي
(١) "وهذه الوقعة" كما تعرف بسرية المنذر وبئر معونة "تعرف بسرية القرّاء" جمع قارئ؛ لكثرة قراءة السبعين الذين ذهبوا فيها، "وكان من أمرها كما قاله ابن إسحاق" عن شيوخه: "أنه قدم أبو براء" بفتح الموحدة وبالراء والمد "عامر بن مالك بن جعفر" العامري. اختُلِفَ في إسلامه، فذكره جماعة في الصحابة.
وقال الذهبي: الصحيح أنه لم يسلم.
وقال في الإصابة: ليس في شيء من الأخبار ما يدل على إسلامه، وعمدة من ذكره في الصحابة ما عند ابن الأعرابي وغير عنه، أنه قال: بعثت إلى النبي ﷺ ألتمس منه دواء، فبعث إليّ بعكة عسل، وليس ذلك بصريح في إسلامه، بل ذكر أبو حاتم السجستاني عن هشام الكلبي، أن عامر بن الطفيل، لما أخفر ذمّة عمه عامر بن مالك، عمد إلى الخمر فشربها صرفًا حتى مات.
نعم، ذكر عمرو بن شبة، عن مشيخة من بني عامر، قالوا: قدم على رسول الله ﷺ خمسة وعشرون رجلًا من بني جعفر، ومن بني بكر, فيهم عامر بن مالك، فنظر ﷺ إليهم، فقال: "قد استعملت عليكم هذا" , وأشار إلى الضحاك بن سفيان الكلابي، وقال لعامر بن مالك: "أنت على بني جعفر"، وقال للضحاك: "استوص به خيرًا", فهذا يدل على أنه وفد بعد ذلك مسلمًا، انتهى. "المعروف بملاعب الأسنة،" جمع سنان، وهو نصل الرمح، كما في القاموس, عبَّر به لكونه المقصود من الرمح.
قال في الرض: سمي بذلك في يوم سوبان، وهو يوم كان بين قيس وتميم, وجبلة اسم لهضبة عالية؛ لأن أخاه طفيلًا الذي يقال له فارس قرزل، أسلمه ذلك اليوم وفرّ، فقال الشاعر:
فررت وأسلمت ابن أمك عامرًا ... يلاعب أطراف الوشيج المزعزع
فسمِّي ملاعب الرماح، وملاعب الأسنة، وهم عم لبيد بن ربيعة. انتهى. "على رسول الله ﷺ ".
وفي رواية: أنه أهدى إليه فرسين وراحتلين، فقال ﷺ : "لا أقبل هدية مشرك".
وفي رواية: "إني نهيت عن زبد المشركين" بفتح الزاي، وسكون الموحدة وبالدال المهملة: الرفد والعطاء.
قال السهيلي في غزوة تبوك: ولم يقل من هديتهم؛ لأنه إنما كره ملاينتهم ومداهنتهم إذا كانوا حراب له؛ لأن الزبد مشتق من الزبد، كما أن المداهنة مشتقة من الدهن، فعاد المعنى إلى معنى اللين ووجود الجد في حربهم والمخاشنة، وقد ردَّ هدية أبي براء، وكان أهدى إليه فرسًا،стр. 1019
فعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد, وقال: يا محمد, لو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوتهم إلى أمرك لرجوت أن يستجيبوا لك, فقال ﵊: "إني أخشى أهل نجد عليهم". قال أبو براء: أنا لهم جاء فابعثهم.
فبعث ﵊ المنذر بن عمرو، ومعه القراء وهم سبعون -وقيل: أربعون, وقيل: ثلاثون.
وقد بَيِّنَ قتادة في روايته أنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل
الحواشي
(١) وأرسل إليه أنني قد أصابني وجع، أحسبه قال: يقال له الدبلة، فابعث إلي شيء أتداوى به، فأرسل إليه بعكة عسل، وأمره أن يستشفي به, وردَّ عليه هديته، وقال: "إني نهيت عن زبد المشركين" انتهى. وهذا قبل ما تقدَّم بلا ريب لا بعده؛ لموته أسفًا على ما صنع عامر سريعًا. "فعرض عليه الإسلام فلم يسلم، ولم يبعد" بفتح أوله وضم العين, بل قال: يا محمد, إني أرى أمرك هذا حسنًا شريفًا، وقومي خلفي، فلو أنك بعث معي نفرًا من أصحابك؛ لرجوت أن يتبعوا أمرك، فإنهم إن اتبعوك فما أعز أمرك، "وقال: يا محمد, لو بعثت رجال من أصحابك إلى أهل نجد فدعوتهم" بفتح التاء خطابًا، أي: بواسطة من ترسله إليهم، "إلى أمرك لرجوت" بضم التاء على التكلم "أن يستجيبوا لك، فقال ﵊: "إني أخشى أهل نجد عليهم" هو في الأصل ما أشرف من الأرض.
"قال أبو براء: أنا لهم جار" أي: هم في ذمامي وعهدي وجواري، "فابعثهم، فعث ﵊ المنذر بن عمرو، ومعه القراء" وانفصل المصنف عن رواية ابن إسحاق التي هو فيها دون بيان، فقال: "وهم سبعون" كما في البخاري ومسلم من طرق عن أنس.
قال السهيلي: وهو الصحيح، "وقيل: أربعون،" كما في رواية ابن إسحاق وموسى بن عقبة.
قال الحافظ: ويمكن الجمع بأنّ الأربعين كانوا رؤساء، وبقية العدة أتباعًا "وقيل: ثلاثون".
قال الحافظ: هو وهم، لكن قال في الغرر: إن رواية القليل لا تنافي رواية الكثير، وهو من باب مفهوم العدد، وكذا قول من قال ثلاثين، انتهى.
"وقد بَيِّنَ قتادة" بن دعامة "في روايته", عن أنس في الصحيح "أنهم كانوا يحتطبون،" يجمعون الحطب "بالنهار، ويصلون بالليل", ولفظه: استمدوا رسول الله ﷺ , فأمدَّهم بسبعين من الأنصار, كنَّا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل, وادَّعى الدمياطي أن هذه الرواية وهم، فإنهم لم يستمدوه ﷺ , وإنما الذي استمدَّهم عامر بن الطفيل على الصحابة.
قال الحافظ: ولامانع أن يستمدوه ﷺ في الظاهر, وقصدهم الغدر بهم، ويحتمل أنстр. 1020
وفي رواية ثابت: ويشترون به الطعام لأهل الصفة، ويتدارسون القرآن بالليل.
فساروا حتى وصلوا إلى بئر معونة، بعثوا حرام بن ملحان بكتابه ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل العامري، ومات كافرًا -وليس هو عامر بن
الحواشي
(١) الذي استمدوه غير الذين استمدهم عامر، والكل من بني سليم.
وفي رواية عاصم عن أنس عند البخاري أنه ﷺ بعث أقوامًا إلى ناس من المشركين بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، ويحتمل أنه لم يكن استمدادهم لهم لقتال عدو، وإنما هو للدعاء للإسلام، وقد أوضح ذلك ابن إسحاق، فذكر ما نقله المصنف عنه، وقيل في تأويله أيضًا، أي: طلبوا منه مدة يمهلهم فيها، أي: للتروي في الإسلام؛ لأنهم لم يسلموا ولم يظهروا إسلامًا.
"وفي رواية ثابت" البناني، عن أنس في الصحيح: "ويشترون به،" أي: الحطب, "الطعام لأهل الصفة" وللفقراء.
وفي رواية: ويأتون به إلى حجر أزواجه ﷺ ، "ويتدارسون القرآن بالليل"، ويصلون كما هو بقية رواية ثابت، والجمع بين هذه الروايات سهل, بأنهم كانوا يصلون بعض الليل، ويدرسون بعضه، ويحتطبون ويبيعون بعضه، يشترون به طعامًا لأهل الصُّفَّة والفقراء، وبعضه يأتون به الحجر الشريفة, أو بعضهم يفعل كذا، والآخر كذا، أو يفعلون ذا مرة وذا مرة، وقوله: لأهل الصفة, لا يفهم أنهم ليسوا من أهلها.
وقد نصَّ المصنف في بناء المسجد على أنهم من أهل الصفة، فبعض أهل المحل يشتري لبعض، كما هو مشاهد في كثير من الزوايا والربط, فلا حاجة لحمله على النفي والإثبات وتعسف الجمع، بأن من عدهم من أهلها نظر إلى إعراضهم عن نحو: التجارة والزراعة ومخالطة أهلها إلّا وقت الحاجة, ومن لم يعد بناه على أن أهلها هم الملازمون للمسجد الذين لم يتعلقوا بشيء غير العبادة، أو أمر ضروري يخرجون له ويعودون سريعًا.
"فساروا حتى وصلوا إلى بئر معونة، بعثوا حرام" بمهملة وراء "ابن ملحان" بكسر الميم أشهر من فتحها، أخو أم سليم, خال أنس بن مالك "بكتابه ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل" ابن مالك بن جعفر الكلابي "العامري", وهو ابن أخي أبي براء، "ومات كافرًا" بإجماع أهل النقل، وعدَّه المستغفري صحابيًّا غلط، قاله البرهان.
وقال الحافظ: هو خطأ صريح، فإن عامرًا مات كافرًا، وقصته معروفة -يريد في الصحيح وغيره, من قدومه على النبي ﷺ ، وقوله: لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بألف أشقر وألف شقراء، فقال ﷺ : "اللهم اكفني عامرًا"، فطعن في بيت امرأة فقال: غدة كغدة البكر في بيت امرأة، ائتوني بفرسي، فمات على ظهر فرسه، "وليس هو عامر بنстр. 1021
الطفيل الأسلمي الصحابي -فلمَّا أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر فلم يجبيبوه، وقالوا: لن نخفر أبا براء، وقد عقد لهم عقدًا وجوارًا، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم: عصية
الحواشي
(١) الطفيل الأسلمي الصحابي.
قال الحافظ: وسبب وهم المستغفري: أنه أخرج عن أبي أمامة عن عامر بن الطفيل، أنه قال: يا رسول الله, زودني كلمات، قال: "يا عامر, أفش السلام، وأطعم الطعام، واستحي من الله، وإذا أسأت فأحسن" في ترجمة العامري، والحديث إنما هو للأسلمي, كما أخرجه البغوي عن عبد الله بن بريدة الأسلمي قال: حدثني عمّي عامر بن الطفيل فذكره.
وفي رواية الطبري: فخرج حرام، فقال: يا أهل بئر معونة, إني رسولُ رسولِ الله إليكم, فآمنوا بالله ورسوله، فخرج رجل برمح، فضربه في جنبه حتى خرج من الشق الآخر.
وفي الصحيح: فجعل يحدثهم فأومئوا إلى رجل، فأتاه من خلفه فطعنه بالرمح، قال: الله أكبر فزت ورب الكعبة، قال الحافظ: لم أعرف اسم الرجل الذي طعنه.
وفي سيرة ابن إسحاق ما ظاهره، أنه عامر بن الطفيل؛ لأنه قال: "فلما أتاه لم ينظر في كتابه،" بل أعرض عنه، واستمرّ في طغيانه، "حتى عدا على الرجل فقتله".
لكن في الطبراني من طريق ثابت عن أنس, قاتل حرام بن ملحان أسلم، وعامر بن الطفيل مات كافرًا كما تقدَّم، انتهى من الفتح. فكان نسبة ذلك إليه على سبيل التجوّز؛ لكونه رأس القوم، كما قاله نفس الحافظ بعد في ابن فهيرة.
وفي الصحيحين، عن أنس: لما طُعِنَ حرام بن ملحان قال: فزت ورب الكعبة.
واتفق أهل المغازي على أنه استشهد يوم بئر معونة المذكور.
وحكى أبو عمر عن بعض أهل الأخبار أنه ارتثّ يومئذ.
فقال الضحاك ابن سفيان الكلابي، وكان مسلمًا يكتم إسلامه، لامرأة من قومه: هل لك من رجل إن صح كان نعم الراعي، فضمته إليها, فعاجته, فسمعته يقول:
أيا عامر ترجو المودة بيننا ... وهل عامر إلا عدو مداهن
إذا ما رجعنا لم يك وقعة ... بأسيافنا في عامر أو تطاعن
فوثبوا عليه فقتلوه. "ثم استصرخ" استغاث "عليهم من بني عامر" قومه، "فلم يجيبوه، وقالوا: لن نخفر" بضم أوله وكسر الفاء، "أبا براء" أي: لن ننقض عهده وذمامه. "و" الحال أنه "قد عقد لهم عقدًا وجوارًا" بكسر الجيم وضمها، فالأجانب راعوه, وابن أخيه نقض عقده، "فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم عصية،" بدل من قبائل بضم العين، وفتح الصادстр. 1022
ورعلًا, فأجابوه إلى ذلك، ثم خرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم، فلمّا رأوهم أخذوا سيوفهم وقاتلوهم حتى قتلوا إلى آخرهم، إلّا كعب بن زيد, فإنهم تركوه وبه رمق، فعاش حتى قُتِلَ يوم الخندق شهيدًا.
وأسرَّ عمرو بن أمية الضميري، فلما أخبرهم أنه من مضر أخذه عامر بن الطفيل
الحواشي
(١) المهملتين، وشد التحتية وتأنيث, "ورعلًا" بكسر فسكون، وذكوان هكذا هو ثابت في سيرة ابن إسحاق، وكأنه سقط من قلم المصنف كابن سيد الناس، وبه يستقيم ضمير الجمع في قوله، "فأجابوه إلى ذلك", ولا حاجة إلى أنه نظرًا لإفراد القبيلتين، أو الضمير للقبائل "ثم خرجوا" وساروا "حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم" حين أتوهم "في رحالهم،" أي: في منازلهم التي نزلوا بها، "فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، وقاتلوهم حتى قتلوا،" مبتدئًا القتل من أولهم، منتهيًا "إلى آخرهم" يعني استأصلوهم.
ولفظ ابن إسحاق: من عند آخرهم "إلّا كعب بن زيد" بن قيس بن مالك بن كعب بن حارثة ابن دينار بن النجاري الأنصاري البدري، "فإنهم تركوه" لظنّهم موته، "وبه رمق" بفتح الراء والميم وبالقاف: بقية الحياة، فارتثّ من بين القتلى، "فعاش حتى قُتِلَ يوم الخندق" قتله ضرار بن الخطاب، قاله الواقدي.
وقال ابن إسحاق: أصابه سهم غرب، فقتله "شهيدًا" ﵃، ناس اتخذ الله منهم شهداء بكثرة.
قال قتادة: ما نعلم حيًّا من أحياء العرب أكثر شهيدًا، أعز يوم القيامة من الأنصار، قال: وحدثنا أنس أنه قتل منهم يوم أُحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة على عهد أبي بكر سبعون يوم قتال مسيلمة الكذاب. رواه البخاري.
"وأسرَّ عمرو" استثناء في المعنى، كأنه قال: قتلوا إلّا كعبًا وعمرو "بن أمية الضميري" بفتح فسكون.
قال ابن إسحاق: كان في سرح القوم هو ورجل من الأنصار.
قال ابن هشام: هو المنذر بن محمد بن عقبة، فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلّا الطير تحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذه الطير لشأنًا، فاقبلا لينظرا, فإذا القوم في دمائهم والخيل التي أصابتهم واقفة. فقال الأنصاري لعمرو: ما ترى، قال: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: لكني ماكنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، ثم قاتل حتى قُتِلَ وأخذ عمرو أسيرًا، "فلمَّا أخبرهم أنه من مضر أخذه عامر بن الطفيل".стр. 1023
وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه.
فلمَّا بلغ النبي ﷺ خبرهم، قال: هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارهًا متخوفًا، فبلغ ذلك أبا براء, فمات أسفًا على ما صنع عامر بن الطفيل.
وقُتِل عامر بن فهيرة يومئذ, فلم يوجد جسده ﵁، دفنته الملائكة.
الحواشي
(١) قال ابن إسحاق: وجزّ ناصيته، أي: الشعر المجاور لها مجازًا، "وأعتقه عن رقبة، زعم أنها كانت على أمه، فلمَّا بلغ النبي ﷺ خبرهم" قال الحافظ: قد ظهر من حديث أنس أن الله أخبره بذلك على لسان جبريل.
وفي رواية عروة: فجاء خبرهم إلى رسول الله ﷺ في تلك الليلة، "قال: هذا" سببه "عمل أبي براء"؛ حيث أخذهم في جواره، "قد كنت لهذا كارهًا متخوفًا، فبلغ أبا براء فمات" عقب ذلك كما في الفتح، "أسفًا على ما صنع" ابن أخيه "عامر بن الطفيل", ومات عامر بعد ذلك كافرًا بدعائه ﵇ كما مَرَّ، وذكر أبو سعيد السكريّ في ديوان حسان, روايته عن أبي جعفر بن حبيب.
قال حسان لربيعة بن عامر: ملاعب الأسنة يحرضه بعامر بن الطفيل بإخفاء ذمة أبي براء:
ألا من مبلغ عني ربيعًا ... فما أحدثت في الحدثان بعدي
أبوك أبو الفعال أبو براء ... وخالك ماجد حكم بن سعد
بني أم البنين ألم يرعكم ... وأنتم من ذوائب أهل نجد
تحكم عامر بأبي براء ... ليخفره وما خطا كعمد
فلما بلغ ربيعة هذا الشعر، جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله, أيغسل عن أبي هذه الغدرة أن أضرب عامًا ضربة أو طعنة، قال: نعم، فرجع, فضرب عامرًا ضربة أشواه بها، فوثب عليه قومه، فقالوا لعامر: اقتصّ، فقال: قد عفوت.
قال في الإصابة: لم أر من ذكر ربيعة في الصحابة إلّا ما تفيده هذه القصة، ورأيت له رواية عن أبي الدرداء، فكأنه عمَّر في الإسلام.
"وقتل عامر بن فهيرة" بضم الفاء وفتح الهاء، وسكون التحتية، وراء وتاء تأنيث- أحد السابقين, مولى أبي بكر "يومئذ", وهو ابن أربعين سنة, "فلم يوجد جسده ﵁، دفنته الملائكة، كما رواه ابن المبارك عن عروة.
وفي الصحيح عنه: لما قتلوا وأُسر عمر، وقال له عامر بن الطفيل: من هذا؟ فقال: هذا عامر بن فهيرة، فقال: لقد رأيته بعدما قتل رفع إلى السماء، حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ثم وضع, وفي هذا تعظيم لعامر، وترهيب للكفّار وتخويف، ومن ثَمَّ تكرَّرَ سؤالстр. 1024
قال ابن سعد عن أنس بن مالك ما رأيت رسول الله ﷺ وَجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة.
وفي صحيح مسلم عن أنس أيضًا: دعا ﷺ على الذين قتلوا أصحب بئر معونة ثلاثين صباحًا،
الحواشي
(١) ابن الطفيل عن ذلك.
روى يونس عن ابن إسحاق عن هشام، عن أبيه، لما قدم عامر بن الطفيل عليه ﷺ قال له: من الرجل الذي لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض، حتى رأيت السماء دونه ثم وضع، فقال: هو عامر بن فهيرة.
وفي رواية ابن المبارك عن عروة: وكان الذي قتله رجلًا من بني كلاب جبار بن سلمى، ذكر أنه لما طعنه، قال: فزت والله، قال: فقلت في نفسي: ما قوله فزت، فأتيت الضحاك بن سفيان، فسألته فقال، بالجنة، قال: فأسلمت, ودعاني إلى ذلك ما رأيت من عامر بن فهيرة من رفعه إلى السماء علوًّا.
قال البيهقي: يحتمل أنه رفع، ثم وضع، ثم فقد بعد ذلك، ثم روي عن عائشة موصولًا بلفظ: لقد رأيته بعدما قتل رفع إلى السماء, حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ولم يذكر فيها ثم وضع، ورواه بنحوه ابن سعد وعنده مرفوعًا: أن الملائكة وارت جثته، وأنزل في عليين.
قال السيوطي: فقويت الطرق وتعدّدت بمواراته في السماء، وجبار -بالجيم والموحدة: مثقل بن سلمى بضم المهملة، وقيل: بفتحها وسكون اللام والقصر، صحابي كما في الإصابة. ووقع في الاستيعاب أن عامر بن الطفيل قتل عامر بن فهيرة.
قال الحافظ: وكأنّ نسبة ذلك له على سبيل التجوّز لكونه كان رأس القوم.
"قال" أي: روى "ابن سعد" بسند صحيح "عن أنس بن مالك: ما رأيت رسول الله ﷺ وجد" بجيم، أي: حزن، "على أحدٍ ما وجد على أهل بئر معونة"؛ لعل حكمته أنه لم يرسلهم لقتال, إنما هم مبلغون رسالته، وقد جرت عادة العرب قديمًا بأن الرسل لا تقتل.
"وفي صحيح مسلم" لا وجه لقصر عزوه له، كابن سيد الناس، فإنه في صحيح البخاري أيضًا كلاهما، "عن أنس أيضًا, دعا رسول الله ﷺ على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحًا.
وفي البخاري أيضًا: فدعا ﷺ شهرًا في صلاة الغداة بعد القراءة، وذلك بدء القنوت وما كنا نقنت.стр. 1025
يدعو على رعل ولحيان وعصية عصت الله ورسوله، قال أنس: أنزل الله في الذين قتلوا يوم بئر معونة قرآنًا قرأناه ثم نسخ بعد -أي: نسخت تلاوته- بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه.
الحواشي
(١) وفي البخاري في الجهاد: فدعا عليهم أربعين صباحًا, والأخبار بالأقل لا ينفي الزائد.
"يدعو على رعل، ولحيان وعصية" بيان لتعيين المدعو عليهم، فلا يتكرر مع قوله أولًا دعا، "عصت الله ورسوله" ليس حكمة التسمية, بل بيان لما هم عليه من الفعل القبيح.
"قال أنس: أنزل الله في الذين قتلوا يوم بئر معونة قرآنًا ثم نسخ بعد،" بالبناء على الضم.
وفي رواية: ثم رفع، ذلك ولا حمد.
ثم نسخ ذلك، "أي: نسخت تلاوته" وبقي معناه.
قال في الروض: فإن قيل هو خبر، والخبر لا ينسخ، قلنا: لم ينسخ منه الخبر، وإنما نسخ الحكم، فإن حكم القرآن أن يتلى في الصلاة، ولا يمسّه إلا طاهر، ويكتب بين اللوحين, وتعلمه فرض كفاية، فما نسخ رفعت منه هذه الأحكام، وإن بقي محفوظًا فهو منسوخ, فإن تضمن حكمًا جاز أن يبقى ذلك الحكم معمولًا به، وإن تضمَّن خبرًا بقي ذلك الخبر مصدقًا به، وأحكام التلاوة منسخوة عنه، كما نزل: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثًا، ولا يملأ جوف بن آدم إلّا التراب، ويتوب الله على من تاب. ويروى: ولا يملأ عيني ابن آدم وفم ابن آدم، وكلها في الصحاح.
وكذا روي من مال, فهذا خبر حق، والخبر لا ينسخ، وإنما نسخت أحكام تلاوته، قال: وكانت هذه الآية في سورة يونس بعد قوله: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤] الآية. كما قال ابن سلام، انتهى.
وفي رواية البخاري في الجهاد: فأخبر جبريل النبي ﷺ أنهم قد لقوا ربهم, فرضي عنهم وأرضاهم، فكنا نقرأ: "بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا, فرضي عنا ورضينا عنه".
وفي رواية: فرضي عنا وأرضانا.
وسبب نزوله أنهم قالوا: اللهمَّ بلغ عنا نبينا، وفي لفظ: إخواننا، أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا، فأخبره جبريل، فحمد الله وأثنى عليه فقال: "إن إخوانكم" إلخ.
قال الإمام السهيلي: ثبت هذا في الصحيح وليس عليه رونق الإعجاز، فيقال: إنه لم ينزل بهذا النظم، ولكن بنظم معجم كنظم القرآن، انتهى.стр. 1026
كذا وقع في هذه الرواية، وهو يوهم أن بني لحيان ممن أصاب القراء يوم بئر معونة، وليس كذلك. وإنما أصاب هؤلاء رعل وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم، وأمَّا بنو لحيان فهم الذي أصابوا بعث الرجيع. وإنما أتى الخبر إلى رسول الله ﷺ عنهم كلهم في وقت واحد، فدعا على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاءً واحدًا. والله أعلم. خاتمة.
الحواشي
(١) قال الحافظ اليعمري في العيون تبعًا لشيخه الدمياطي: "كذا وقع في هذه الرواية" يدعو على رعل، ولحيان وعصية، "وهو يوهم أن بني لحيان ممن أصاب القراء يوم بئر معونة وليس كذلك، وإنما أصاب هؤلاء" القراء "رعل، وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم،" كزعب بكسر الزاي، وسكون العين المهملة والموحدة, "وأما بنو لحيان فهم الذين أصابوا بعث الرجيع" كما مَرَّ، "وإنما أتى الخبر إلى رسول الله ﷺ عنهم كلهم في وقت واحد"، أي: في ليلة واحدة، كما قاله الواقدي، "فدعا على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاء واحدًا", فيحمل على ذلك الحديث، ويندفع الإيهام "والله أعلم".
"خاتمة" ذكر صاحب شرف المصطفى، أنه ﷺ لما أصيب أهل بئر معونة جاءت الحمَّى إليه فقال لها: "اذهبي إلى رعل وذكوان وعصية الله ورسوله"، فأتتهم، فقتلت منهم سبعمائة رجل بكل رجل من المسلمين عشرة.
قال شيخنا: وإنما لم يخبره بما ترتَّب على ذهاب القراء، وأهل الرجيع قبل خروجهم، كما أخبره بنظير ذلك في كثير من الأشياء؛ لأنه سبق في علمه تعالى إكرامهم بالشهادة، وأراد حصول ذلك بمجيء أبي براء، ومن جاء في طلب أصحاب الرجيع.стр. 1027
حديث بني النضير:
ثم غزوة بني النضير -بفتح النون وكسر الضاد المعجمة- قبيلة كبيرة من اليهود، في ربيع الأول سنة أربعة. وذكرها ابن إسحاق هنا.
الحواشي
(١) حديث بني النضير:
"ثم غزوة بني النضير -بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة فتحتية فراء- قبيلة كبيرة من اليهود, دخلوا في العرب وهم على نسبتهم إلى هارون ﵇, "في ربيع الأول سنة أربعة، وذكرها" محمد "بن إسحاق" بن يسار, إمام أهل المغازي "هنا"، أي: بعد أُحد وبئر معونة مجزومًا به في مغازيه, وعنه حكاه البخاري, ووقع في رواية القابسي للصحيح إسحاق.
قال عياض: وهو وهم، يعني: إن الصواب ابن إسحاق، ووقع في شرح الكرماني محمد بنстр. 1028
قال السهيلي: وكان ينبغي أن يذكرها بعد بدر، لما روى عقيل بن خالد وغيره عن الزهري قال: كانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أُحد.
ورجَّح الداودي ما قاله ابن إسحاق، من أن غزوة بني النضير بعد بئر معونة، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦] .
قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وهو استدلال واهٍ، فإن الآية نزلت في شأن بني
الحواشي
(١) إسحاق بن نصر.
قال الحافظ: وهو غلط، إنما اسم جده يسار.
"قال السهيلي: وكان ينبغي أن يذكرها بعد بدر، لما روى عقيل" بضم العين وفتح القاف "ابن خالد" الإيلي, "وغيره" كمعمر "عن الزهري", وصدَّر به البخاري تعليقًا جزمًا عنه عن عروة، "قال: كانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أُحد".
قال الحافظ: وصله عبد الرزاق في مصنَّفه عن معمر، عن الزهري, أتمّ من هذا، وهو في حديثه عن عروة، ثم كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود, على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة, فحاصرهم ﷺ حتى نزلوا على الجلاء, وعلى أن لهم ما أقلّت الإبل من الأمتعة والأموال إلّا الحلقة، يعني السلاح, فأنزل الله فيهم: ﴿سَبَّحَ لِلَّه﴾ [الحديد: ١] الآية، إلى قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْر﴾ [الحشر: ٢] الآية، وقاتلهم حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسباء، فكان جلاؤهم أول حشر حشر في الدنيا إلى الشام، انتهى. وهذا مرسل، وقد وصله الحاكم عن عائشة، وصحَّحه وقال في آخره: فأنزل الله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ سورة الحشر. الآية.
"ورجَّح الداودي" أحمد بن نصر الطرابلسي في شرح البخاري "ما قاله ابن إسحاق, من أنَّ غزوة بني النضير بعد بئر معونة، مستدلًا بقوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم﴾ [الأحزاب: ٢٦] الآية، أي: عاونوا الأحزاب، ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب﴾ [الأحزاب: ٢٦] الآية، وهم قريظة، ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦] الآية. حصونهم.
"قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وهو استدلال واهٍ، فإن الآية نزلت في شأن بنيстр. 1029
قريظة، فإنهم هم الذين ظاهروا الأحزاب، وأمَّا بنو النضير فلم يكن لهم في الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب في جمع الأحزاب ما وقع من إجلائهم، فإنه كان من رءوسهم حيي بن أخطب، وهو الذي حسن لبني قريظة الغدر، وموافقة الأحزاب حتى كان من هلاكهم ما كان, فكيف يصير السابق لاحقًا. انتهى.
وقد تقدَّم قريبًا أنَّ عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لما قتل أهل بئر معونة عن رقبة على أمه، فخرج عمرو إلى المدينة, فصادف رجلين من بني عامر معهما عقد وعهد من
الحواشي
(١) قريظة، فإنهم هم الذين ظاهروا الأحزاب" وهي بعد بني النضير بلا ريب.
"وأمَّا بنو النضير فلم يكن لهم في الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب في جمع الأحزاب ما وقع" بلا واو على الصواب المذكور في الفتحِ؛ لأنه اسم كان, ولا تدخل عليه الواو، فنسخة الواو تحريف "من إجلائهم، فإنه كان من رءوسهم حيي" بلفظ تصغير "حي ابن أخطب" بفتح الهمزة وبالخاء المعجمة، "وهو الذي حسَّن لبني قريظة الغدر وموافقة الأحزاب, حتى كان من هلاكهم ما كان, فكيف يصير السابق لاحقًا، انتهى" كلامه في الفتح, ومنازعته إنما هي في الدليل فقط؛ لقوله بعد نحو ورقة، وإذا ثبت أن سبب إجلاء بني النضير همهم بالفتك به، وهو إنما وقع عندما جاء إليهم يستعين في دية قتيلي عمر، وتعين ما قاله ابن إسحاق؛ لأن بئر معونة كانت بعد أحد بالاتفاق، وأغرب السهيلي، فرجَّح ما قاله الزهري، انتهى. لكن يقويه السبب الآتي صحيحًا مسندًا، وقد قدم البخاري قول الزهري عن عروة، وجرى عليه وضعًا، فذكر بني النضير عقب بدر فلم يغرب السهيلي في ترجيحه، لا سيما وقد ثبت عن عائشة عند الحاكم وصحَّحه، وأما كون سببها ما ذكره ابن إسحاق فهو مرسل كما يجيء، "وقد تقدَّم قريبًا".
وذكره ابن إسحاق عبد الله بن أبي بكر بن حزم، وغيره من أهل العلم، "أنَّ عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لما قتل أهل بئر معونة عن رقبة كانت على أمه، فخرج عمرو إلى المدينة فصادف" بالقرقرة من صدر قتادة، كما في ابن إسحاق بفتح القاف، والنون "رجلين من بني عامر" ثم من بني كلاب.
قال ابن هشام: وذكر أبو عمرو المدني أنها من بني سليم.
قال ابن إسحاق: حتى نزلا معه في ظل هو فيه، وكان "معهما عقد وعهد من رسول الله ﷺ لم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو: من أنتما؟ فذكرا له أنهما من بني عامر،стр. 1030
رسول الله ﷺ لم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو: من أنتما؟ فذكرا له أنهما من بني عامر، فتركهما حتى ناما فقتلهما عمرو، وظنَّ أنه ظفر ببعض ثأر أصحابه، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك, فقال: "لقد قتلت قتيلين لأدينهما".
قال ابن إسحاق وغيره: ثم خرج ﵊ إلى بني النضير؛ ليستعين بهم في دية ذينك القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية؛ للجوار الذي كان ﷺ عقده لهما، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف.
فلمَّا أتاهم ﵊ يستعينهم في ديتهما قالوا: يا أبا القاسم, نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذا الحال. وكان ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم.
قالوا: من رجل يعلو على هذا البيت
الحواشي
(١) فتركهما حتى ناما، فقتلهما عمرو، وظنَّ أنه ظفر بثأر" بالهمز، وتركه "بعض أصحابه، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك" لما قدم عليه" فقال: "لقد قتلت قتيلين لأدينهما"، أي: لأعطين ديتهما لما بيننا وبينهما من العهد.
"قال ابن إسحاق وغيره" الواقدي، وابن سعد، وعائذ: وجل أهل المغازي في سبب هذه الغزوة، "ثم خرج ﵊" إلى بني النضير؛ ليستعين بهم في دية ذينك القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية؛ للجوار الذي كان ﷺ عقده لهما" كما حدثني يزيد بن رومان، "وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف" بكسر الحاء وسكون اللام.
قال شيخنا: ولعل سؤالهم لسهولة الإعطاء عليهم لكون المدفوع لهم من حلفائهم؛ إذ لو كانوا أعداءهم لشق عليهم الإعطاء لهم، فاندفع ما قيل هذا يقتضي أن الحليف يلزمه دية من قتل من محالفيه، "فلما أتاه ﵊ يستعينهم في ديتهما، قالوا:" نعم "يا أبا القاسم, نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه" يحتمل أنهم قالوا ذلك ليتمكنوا من تدبير ما أرادوه، ويحتمل أنه إنما طرأ لهم الغدر بعد, حين رأوه جنب الجدار.
وفي رواية: إنهم قالوا: نفعل ما أحببت، قد آن لك أن تزورنا، وأن تأتينا، اجلس حتى تطعم وترجع بحاجتك، ونقوم فنتشاور ونصلح أمرنا فيما جئنتنا به. "ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذا الحال" منفردًا ليس معه من أصحابه إلّا نحو العشرة، "وكان ﷺ " قاعدًا "إلى جنب جدار من بيوتهم، قالوا: من" بفتح الميم "رجل يعلو على هذا البيت, فيلقي هذا الصخرة عليه" هكذا في نقل المصنّف كالفتح عن ابن إسحاق، وظاهره أنه معينة.стр. 1031
فيلقي هذه الصخرة عليه فيقتله ويريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب, فقال: أنا لذلك، فصعد ليقي عليه الصخرة, ورسول الله ﷺ في نفرٍ من أصحابه, فيهم أبو بكر وعمر وعلي.
قال ابن سعد: فقال سلام بن مشكم لليهود: لا تفعلوا، والله ليخبرنّ بما هممتم، وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه.
قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام ﵊ مظهرًا أنه يقضي حاجته، وترك أصحابه في مجلسهم، ورجع مسرعًا إلى المدينة.
واستبطأ النبي ﷺ أصحابه، فقاموا في طلبه
الحواشي
(١) وفي سيرة ابن هشام عنه: وجرى عليه اليعمري فيلقي عليه صخرة، وظاهره أن المراد، أي: صخرة "فيقتله ويريحنا منه, فانتدب لذلك عمرو بن جحاش" بفتح الجيم وشد الحاء المهملة آخره شين معجمة "بن كعب, فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه الصخرة".
وفي رواية: فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه, "ورسول الله ﷺ في نفرٍ من أصحابه, فيهم أبو بكر وعمر وعلي" زاد عكرمة وغيره: وعثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف. رواه ابن جرير، وزاد غيره: والزبير وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة.
"قال ابن سعد: فقال سلّام" بالتشديد عند ابن الصلاح وغيره، ورجَّح الحافظ التخفيف مستندًا لوقوعه في أشعار العرب كقول أبي سفيان:
سقاني فرواني كميتًا مدامة ... على ظمأ مني سلام بن مشكم
"ابن مشكم" بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة وفتح الكاف "لليهود: لا تفعلوا، والله ليخبرنّ" بفتح اللام جوابًا للقسم والبناء للمفعول, مؤكَّد بالنون الثقيلة، أي: ليخبره ربه "بما هممتم به، ونه لنقض العهد الذي بيننا وبينه".
وفي رواية قال لهم: يا قوم أطيعوني في هذه المرة، وخالفوني الدهر، والله لئن فعلتم ليخبرنّ بأنّا قد غدرنا به, وإن هذا نقض للعهد الذي بيننا وبينه.
"قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء" مع جبريل، "بما أراد القوم, فقام ﵊ مظهرًا،" أي: موهمًا، "أنه يقضي حاجته" ويرجع, مخافة أن يفطنوا فيجتمعوا عليهم وهم قليل, فقد يؤذون أصحابه, "و" لذا "ترك أصحابه في مجلسهم، ورجع مسرعًا إلى المدينة، واستبطأ النبي أصحابه فقاموا في طلبه." فقال لهم حيي: لقد عجل أبو القاسم, كنا نريد أن نقضي حاجته ونقريه، وندمت اليهود على ما صنعوا، فقال لهم كنانة بن صويراء -بضم الصادстр. 1032
حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما أردت يهود من الغدر به.
قال ابن عقبة: ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١] .
الحواشي
(١) المهملة، وفتح الواو، وسكون التحتية وبألف التأنيث الممدودة: هل تدرون لم قام محمد؟ قالوا: والله ما ندري وما تدري أنت؟ فقال: والله أُخْبِرَ بما هممتم به من الغدر، فلا تخدعوا أنفسكم، والله إنه لرسول الله "حتى انتهوا إليه" فقالوا: قمت ولم نشعر، "فأخبرهم الخبر بما أرادت يهود من الغدر به".
"قال" موسى بن عقبة: ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١] الآية. وهكذا قاله عكرمة ويزيد بن أبي زياد ومجاهد وعاصم بن عمر وغيرهم في سبب النزول، كما أخرج عنهم ابن جرير، وكله مرسل أو معضل، وقيل: نزلت لما أراد بنو ثعلبة وبنو محارب الفتك به ﷺ , فعصمه الله.
وقال ابن عقبة في سبب الغزوة: وكانوا قد دسوا إلى قريش في قتاله ﷺ , فحضوهم على القتال, ودلوهم على العروة.
وروى ابن مرديه بسند صحيح, وعبد بن حميد عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري, أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أُبَيّ وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر، يهددونهم بإيوائهم النبي ﷺ وأصحابه، ويتوعدونهم أن يغزوهم بجمع العرب، فهمَّ ابن أُبَيّ ومن معه بقتال المسلمين، فأتاهم النبي ﷺ فقال: "ماكادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش، يريدون أن يلقوا بأسكم بينكم"، فلما سمعوا ذلك عرفوا الحق فتفرّقوا، فلما كانت وقعة بدر كتب كفار قريش بعدها إلى اليهود أنكم أهل الحلقة والحصون يتهددونهم، فاجتمع بنو النضير على الغدر، فأرسلوا إليه ﷺ أخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك، ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك، فاشتمل اليهود الثالثة على الخناجر، فأرسلت امرأة من بني النصير إلى أخٍ لها من الأنصار مسلم, تخبره بأمرهم، فأخبر أخوها النبي ﷺ قبل أن يصدر إليهم، فرجع وصبَّحهم بالكتائب فحصرهم يومه، ثم غدا على بني قريظة فحصرهم فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أنَّ لهم ما أقلَّت الإبل إلّا السلاح، فاحتملوا حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم فيهدمونها, ويحملون ما يوافقهم من خشبه، وكان جلاؤهم ذلك أوّل حشر الناس إلى الشام.
قال في الفتح: وفي هذا ردّ على زعم ابن التين، أنه ليس في هذه القصة حديث بإسناد،стр. 1033
قال ابن إسحق: فأمر ﷺ بالتيهؤ لحربهم والسير إليهم.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
ثم سار بالناس حتى نزل بهم, فحاصرهم ست ليال. قال ابن إسحاق: فتحصَّنوا منه في الحصون, فقطع النخل وحرقها
الحواشي
(١) فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق أن سبب غزوة بني النضير طلبه ﷺ أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافقه جلّ أهل المغازي.
"قال ابن إسحاق: فأمر ﷺ بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم".
"قال ابن هشام: واستعمل على المدينة، ابن أمّ مكتوم" إمامًا على الصلاة، ولم يستعمل على أمرها أحدًا لقربها؛ لأن بينها وبين المدينة ميلين، كما قال البيضاوي، "ثم سار بالناس حتى نزل بهم، فحاصرهم ست ليال".
وقال ابن سعد والواقدي وأبو معشر والبلاذري وابن حبان: خمسة عشر يومًا.
وقال التيمي: قريبًا من عشرين.
وقال ابن الطلاع: ثلاثًا وعشرين ليلة.
وعن عائشة: خمسًا وعشرين.
وفي تفسير مقاتل: إحدى وعشرين ليلة.
وجمع شيخنا بأن حصار الستة كان وهم مصرون على الحرب طمعًا فيما منَّاهم به المنافقون، وما زاد إلى الخمسة عشر كانوا آخذين في أسباب الخروج، وفيما بعد خرجوا في أوقات مختلفة، فكان آخر خروجهم خمسًا وعشرين، وقد يؤيده ما في الشامية، أنه لما ولّى إخراجهم محمد بن مسلمة، قالوا: إن لنا ديونًا على الناس، فقال ﷺ : "تعجلوا وضعوا" , فكان لأبي رافع سلام بن أبي الحقيق على أسيد بن حضير عشرون ومائة دينار إلى سنة، فصالحه على أخذ رأس ماله ثمانين دينارًا، وأبطل ما فضل. انتهى.
"قال ابن إسحاق: فتحصَّنوا منه في الحصون, فقطع النخل،" أي: أمر بقطعها أبا ليلى المازني وعبد الله بن سلام، فكان أبو ليلى يقطع العجوة, وابن سلام يقطع اللين، فقيل لهما في ذلك، فقال أبو ليلى: كانت العجوة أحرق لهم.
وقال ابن سلام: قد عرفت أن الله سيغنمه أموالهم، وكانت العجوة خير أموالهم، فلمّا قطعت العجوة شقّ النساء الجيوب وضربن الخدود ودعون بالويل، "وحرَّقها" بشد الراء كما ضبط به المصنف قول ابن عمر: حرَّق رسول الله ﷺ نخل بني النضير وقطع. ويجوزстр. 1034
وخرب. فنادوا: يا محمد, قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها.
قال السهيلي: قال أهل التأويل: وقع في نفوس بعض المسلمين من هذا الكلام شيء, حتى أنزل الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] واللينة: ألوان التمر ما عدا العجوة والبرني
الحواشي
(١) التخفيف, وهو بمعناه كما في القاموس.
وذكر المصباح أن حرَّق إذا أكثر الإحراق.
قال شيخنا: وعليه فالأنسب التخفيف لقول البغوي، قيل: قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة، وقيل: جملة ما قطع وحرق ست نخلات، وكتبنا عنه في التقرير أن المناسب هنا التشديد، كأنه بولغ في التحريق والقطع حتى أنكاهم، ونادوه: يا محمد، وشق النساء الجيوب إلخ، ولا ينافي ذلك قول البغوي بفرض صحته؛ لأنهم ظنوا أنه ﵇ يديم ذلك. "وخرب" أماكنهم، أي: تسبَّب في خرابها بقطع نخيلهم التي هي قوام أمرهم، وهذا لم يقع في ابن إسحاق، ولا في نقل الفتح والعيون عنه، ولا يحمل على يخربون بيوتهم؛ لأنه إنما وقع بعد موافقتهم على الجلاء، "فنادوه: يا محمد, قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه"، أي: تعده عيبًا "على من صنعه, فما بال" أي: حال "قطع النخل وتحريقها" أهو فساد أم صلاح؟ توبيخ على قطعه.
"قال السهيلي: قال أهل التأويل: وقع في نفوس بعض المسلمين من هذا الكلام شيء" فخافوا أن يكون فعلهم فسادًا، وبعض المسلمين قال: بل نقطع لنغيظهم بذلك، وكان أولئك لم يسمعوا أمر النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى بالقطع والتحريق، فاعتقدوا أنه باجتهاد من القاطعين، أو زيادة المباشر على أمره، أو أنه للتهديد، فلا يلزم القطع بالفعل، أو ذلك ممن قرب عهده بالإسلام.
وفي تفسير السبكي: إنَّ من كان يقطع الأجود يقصد إغاظة الكفار، ومن كان يبقيه يقصد إبقاءه للنبي ﷺ . انتهى واستمر ما في نفوسهم، "حتى أنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: ٥] الآية. بيان لما المنصوب محلًّا بقطعتم، "كأنه قيل: أي شيء قطتعتم "الآية إلى قوله -يريد: ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، فبإذن الله قطعها وتركها ومشيئته ﴿وَلِيُخْزِيَ﴾ [الحشر: ٥] الآية بالإذن في القطع ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] الآية. اليهود في اعتراضهم، بأن قطع شجر الثمر فساد، وفيه جواز قطع الشجر الكفار وإحراقه، وبه قال الجمهور؛ كمالك والثوري والشافعي وأحمد. "واللينة" بالياء المنقلبة عن الواو لكسر اللام، وجمعها ليان، مثل كتاب، "ألوان" أي: أنواع "التمر" كلها "ما عدا العجوة والبرني،" هكذا قاله في الروض تبعًا لابنстр. 1035
ففي هذه الآية أنه ﷺ لم يحرق من نخلهم إلّا ما ليس بقوت الناس، وكانوا يقتاتون، العجوة، وفي الحديث: "العجوة من الجنة
الحواشي
(١) هشام، عمَّا حدثه أبو عبيدة به. قال ذو الرمة:
كان فؤادي فوقها عش طائر ... على لينة سوقاء تهفو جنوبها
وصدَّر به المصنف في شرح البخاري، وقابله بقوله: وقيل: كرام النخل، وقيل: كل الأشجار للينها, وأنواع نخل المدينة مائة وعشرون نوعًا. انتهى.
وفي الجامع والمصباح والأنوار: اللينة: النخلة، وقيل: الدقل -بفتحتين- أردأ التمر.
وعن الفراء: كل شيء من النخل سوى العجوة، فعلى كلام هؤلاء في تفسيره تسمح؛ لأن اللينة النخلة لا ثمرها.
"ففي هذ الآية: أنه ﷺ لم يحرق من نخلهم إلّا ما ليس بقوت الناس" ولا يشكل بما روي أنه لما قطع العجوة شقّ النساء الجيوب، وضربن الخدود ودعون بالويل، إما لقلة ما قطع من العجوة، فلم يعتدّ به, أو لأنَّ الحاصل الهم لا القطع بالفعل، "وكانوا يقتاتون العجوة" عطف علة على معلول، ووجه دلالة الآية أن اللينة اسم لما عداها.
وعند البرني: وإنما كانوا يقتاتونها، وكان موضع نخل بني النضير يقال له البويرة -بضم الموحدة وسكون التحتية وفتح الراء بعده هاء تأنيث. قاله المصنف.
وفي الصحيح عن ابن عمر: حرق رسول الله ﷺ نخل بني النضير وقطع, وهي البويرة، فنزل: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية.
وفي الفتح: البويرة -بضم الموحدة- مصغَّر بورة وهي الحفرة، وهي هنا مكان معروف بين المدينة وبين تيما من جهة الغرب، ويقال لها أيضًا: البويلة بالام، بدل الراء، انتهى.
فجميع نخلهم بهذا الموضع، فلا يقال القطع في جميع بساتينهم, بل في موضع يقال له البويرة كما زعم؛ لأن البويرة اسم لموضع البساتين التي فيها النخل لا لبستان منها يسمَّى بذلك.
"وفي الحديث" الذي رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة وأحمد والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد وجابر عنه ﷺ : "العجوة من الجنة" , ولأبي نعيم في الطب عن بريدة: من فاكهة الجنة.
قال الحليمي وغيره: أي في الاسم والشبه الصوري، لا اللذة والطعم؛ لأن طعام الجنة لا يشبه طعام الدنيا، غير أن ذلك الشبه يكسبها فخرًا وفضلًا، ولذا قال في بقية الحديث: وفيها شفاء من السمّ، وذلك لأنه قاتل, وثمر الجنة خالٍ من المضار، فإذا اجتمعا في جوف عدلстр. 1036
وتمرها يغذوا أحسن غذاء", والبرني أيضًا كذلك. ففي قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة﴾ ولم يقل من نخلة على العموم، تنبيه على كراهة قطع ما يقتات ويغذو من شجر العدو إذا رجي أن يصل إلى المسلمين.
قال ابن إسحاق: وقد كان رهط من بني عوف بن
الحواشي
(١) السليم الفاسد فدفع الضرر.
وقال البيضاوي: يريد المبالغة في الاختصاص بالمنفعة والبركة، فكأنها من طعامها؛ لأن طعامها يزيل الأذى، أو المراد أنَّ أصلها نزل به آدم من الجنة.
روى الثعلبي عن ابن عباس: هبط آدم من الجنة بثلاثة أشياء: بالآسة وهي سيدة ريحان الدنيا، والسنبلة وهي سيدة طعام الدنيا، والعجوة وهي سيدة ثمار الدنيا، وهي ظاهر ما رواه أحمد، وابن ماجه وصححه الحاكم مرفوعًا: "العجوة والصخرة والشجرة من الجنة"، "وتمرها يغذو أحسن غذاء".
قال السمهوري: لم يزل أطباق الناس على التبرك بالعجوة، وهو النوع المعروف الذي يأثره الخلف عن السلف بالمدينة, ولا يرتابون في تسميته بذلك.
وقال ابن الأثير: ضرب من التمر أكبر من الصيحاني، عمَّا غرسه المصطفى بيده بالمدينة.
"والبرني أيضًا كذلك" كانوا يقتاتونه؛ لأنه يغذو أحسن غذاء، فليس تشبيهًا في كل ما سبق حتى يشمل أنه من الجنة كالعجوة؛ لعدم وروده.
وفي الفتح: والبرني دون اللينة، وأسقط المصنف من كلام الروض عقب قوله كذلك ما لفظه.
وقال أبو حنيفة: معناه بالفارسية: حمل مبارك، فإن بر معناه: حمل وني، ومعناه: جيد أو مبارك, فعربته العرب وأدخلته في كلامها.
وفي حديث وفد عبد القيس أن رسول الله ﷺ قال لهم، وذكر البرني أنه من خير تمركم، وإنه دواء وليس بداء، "ففي قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة﴾ [الحشر: ٥] الآية، ولم يقل من نخلة على العموم، تنبيهًا على كراهة قطع ما يقتات، ويغذو من شجر العدو إذا رجي أن يصل إلى المسلمين", وقد كان أبو بكر يوصي الجيوش أن لا يقطعوا شجرًا مثمرًا، وأخذ بذلك الأوزاعي، فأمّا تأولوا حديث بني النضير، وإما رأوه خاصًّا برسول الله ﷺ , إلى هنا كلام الروض.
"قال ابن إسحاق": عقب ما مَرَّ عنه قبل كلام السهيلي: "وقد كان رهط من بني عوف بنстр. 1037
الخزرج منهم عبد الله بن أُبَيّ بن سلول, بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا وتمنَّعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. فتربصوا, فقذف في قلوبهم الرعب، فلم ينصروهم. فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم عن أرضهم ويكفّ عن دمائهم.
وعند ابن سعد: أنهم حين هموا بغدره ﷺ , وأعلمه الله بذلك، بعث إليهم محمد بن مسلمة: "أن اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بها، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجَّلتكم عشرًا، فمن رؤي منكم بعد ذلك ضربت عنقه".
فمكثوا على ذلك أيامًا يتجهزون، وتكاروا من أناس من أشجع إبلًا، فأرسل
الحواشي
(١) الخزرج،" منافقون "منهم: عبد الله بن أُبَيّ بن سلول" رأسهم, وديعة بن مالك بن أبي قوقل، وسويد وداعس "بعثوا" سويدًا وداعسًا "إلى بني النضير" حين هموا بالخروج، كما عند ابن سعد، ولذا عقب بها المصنف رواية ابن إسحاق هذه تبعًا لما في العيون قصدًا إلى الإحاطة بالروايتين: "أن اثبتوا وتمنّعوا".
قال البرهان: بتشديد النون المفتوحة، "فإنّا لن نسلمكم, إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم فتربصوا" أي: انتظروا ذلك، "فقذف الله في قلوبهم الرعب" بقتل سيدهم كعب بن الأشرف.
روى عبد بن حميد: إن غزوة بني النضير كانت صبيحة قتل كعب بن الأشرف، "فلم ينصروهم،" وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ الآية. إلى قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾ الآية. قاله ابن إسحاق. "فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم" يخرجهم، "عن أرضهم،" وكان لهم الجلاء نقمة من الله، "ويكف عن دمائهم", أي: بد سؤالهم في أنه يخرجهم مع بقاء أموالهم، كما أمرهم أولًا، فقال: "لا أقبله اليوم" كما ذكر ابن سعد.
"وعند ابن سعد أنهم حين هموا بغدره ﷺ , وأعلمه الله بذلك" نهض سريعًا إلى المدينة، "بعث إليهم محمد بن مسلمة" الأنصاري "أن أخرجوا من بلدي" المدينة؛ لأن مساكنهم من أعماله، فكأنها منها، "فلا تساكنوني بها، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر" جملة حالية، "وقد أجَّلتكم عشرًا فمن رؤي منكم بعد ذلك ضربت" بالبناء للمفعول "عنقه" يذكر ويؤنث، وهو لغة الحجاز بمعنى: أنه يأذن إذنًا عامًّا يقتل كل يهودي، "فمكثوا على ذلك أيامًا".
روى البيهقي في الدلائل عن محمد بن مسلمة أنه ﷺ بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام، "يتجهزون وتكاروا،" أي: اكتروا، "من أناس من أشجع إبلًا،стр. 1038
إليهم عبد الله بن أُبَيّ: لا تخرجوا من دياركم، وأقيموا في حصونكم، فإن معي ألفين من قومي من العرب يدخلون حصونكم, وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، فطمع حيي فيما قاله ابن أُبَيّ، فأرسل إلى رسول الله ﷺ : إنا لن نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك.
فأظهر ﷺ التكبير، وكبَّر المسلمون بتكبيره، وسار إليهم ﵊ في أصحابه، فصلَّى العصر بفناء بني النضير، وعلي يحمل رايته، فلمَّا رأوا رسول الله ﷺ قاموا على حصونهم، ومعهم النبل والحجارة، واعتزلهم ابن أُبَيّ ولم يمنعهم، وكذا حلفاؤهم من غطفان،
الحواشي
(١) فأرسل إليهم عبد الله بن أُبَيّ" سويداء "وداعسًا: "لا تخرجوا من دياركم، وأقيمو في حصونكم، فإن معي ألفين من قومي من العرب يدخلون حصونكم, وتمدكم قريظة" بالظاء المعجمة المشالة، "وحلفاؤكم من غطفان، فطمع حيي فيما قاله ابن أُبَيّ، فأرسل إلى رسول الله ﷺ " مع أخيه جُدَيّ -بضم الجيم، وفتح الدال المهملة وشد التحتية: "إنا لن نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك، فأظهر ﷺ التكبير، وكبَّر المسلمون بتكبيره،" وقال: حاربت يهود، "وسار إليهم ﵊ في أصحابه", قيل: مشى المسلمون إليهم على أرجلهم؛ لأنهم كانوا على ميلين، وركب ﵇ على حمار فحسب، "فصلَّى العصر بفناء بني النضير, وعليّ ﵁ يحمل رايته، فلمَّا رأوا رسول الله ﷺ قاموا على حصونهم ومعهم البل والحجارة" واعتزلتهم قريظة فلم تعنهم، "واعتزلهم ابن أُبَيّ ولم يمنعهم، كذا حلفاؤهم من غطفان", فقال ابن مشكم وكنانة لحيي: أين الذي زعمت؟ قال: ما أصنع, هي ملحمة كتبت علينا, وحلمت معه ﷺ حين سار قبَّة من خشب عليها مسوح، أرسل بها إليه سعد بن عبادة، فلمَّا صلى العشاء رجع إلى بيته في عشرة من أصحابه، واستعمل على العسكر عليًّا، ويقال: أبا بكر، وبات المسلمون يحاصرونهم حتى أصبحوا، ثم أذَّن بلال الفجر, فغدا ﷺ في أصحابه الذين كانوا معه, فصلى بالناس في فضاء بني خطمة, وأمر بلالًا فضرب القبة في موضع المسجد الصغير الذي بفناء بني خطمة، ودخلها ﷺ , وكان عزوك اليهودي أعسر راميًا، فتباعدت من النبل، فيرمي فيبلغ القبة, فحولت إلى مسجد الفضيخ -بفاء مفتوحة, فضاد وخاء معجمتين بينهما تحتية, فتباعدت من النبل, ففقد علي في ليلة قرب العشاء، فقال الناس: يا رسول الله, ما نرى عليًّا، فقال: "دعوه, فإنه في بعض شأنكم" , فعن قليل جاء برأس عزوك، وقد كمن له حين خرج يطلب غرة من المسلمين، وكان شجاعًا راميًا فشد عليه، فقتله وفَرَّ من كان معه، وبعث ﷺ خلفهمстр. 1039
فيئسوا من نصرهم، فحاصرهم ﷺ , وقطع نخلهم، وقال لهم ﵊: "اخرجوا منها، ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة" -بإسكان اللام, قال في القاموس: الدرع, فنزلت يهود على ذلك, فحاصرهم خمسة عشر يومًا، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم.
ثم أجلاهم عن المدينة, وولي إخراجهم محمد بن مسلمة. وحملوا النساء والصبيان، وتحمَّلوا أمتعتهم على ستمائة بعير
الحواشي
(١) أبا دجانة وسهل بن حنيف في عشرة، فأدركوا اليهود الذين فروا من علي، فقتلوهم وطرحوا رؤسهم في بعض الآبار، انتهى من السبل. "فيئسوا من نصرهم, فحاصرهم ﷺ , وقطع نخلهم".
زاد ابن سعد، فقالوا: نحن نخرج من بلادك، فقال: لا أقبله اليوم، "وقال لهم ﵊: "اخرجوا منها ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة -بإسكان اللام".
"قال في القاموس: الدرع"، وقيل: السلاح كله، حكاه في النور، واقتصر عليه المصباح، وهو المراد هنا لقوله بعد، ووجد من الحلقة إلخ. "فنزلت يهود على ذلك, وكان حاصرهم خمسة عشر يومًا", وقيل: أكثر وأقل كما مَرَّ بالجمع. "فكانوا" كما قال الله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ﴾ بالتشديد والتخفيف، من أخرب، ﴿بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾ لينقلوا ما استحسنوه منها من خشب وغيره, ﴿وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ يخربون باقيها.
وفي الروض: يخربونها من داخل, والمؤمنون من خارج، وقيل: معنى بأيديهم: بما كسبت أيديهم من نقض العهد, وأيدي المؤمنين، أي: بجهادهم, انتهى. "ثم أجلاهم عن المدينة"؛ لأنه كتب عليهم كما في التنزيل ﴿وَلَوْلا﴾ ، أي: ﴿أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ ، أي: بالقتل والسباء, ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ مع ذلك، فلذا لم يستأصلهم بالقتل، أو لأنه رآه مصلحة, وإن حربهم قد يؤدي إلى سفك دماء المسلمين، وقد يرجع حلفاؤهم ويعينونهم، "وولي إخراجهم محمد بن مسلمة" الأنصاري، "وحملوا النساء والصبيان" على الهوادج، وعليهنّ الديباج والحرير والخز الأخضر والأحمر وحلي الذهب والفضة والمعصفر، وأظهروا تجلدًا عظيمًا.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، أنه حدث أنهم خرجوا بالنساء والأبناء والأموال، معهم الدفوف والمزامير والقينات، يعزفن خلفهم بزهاء وفخر لم ير مثله، قال: ولم يسلم منهم إلا يامين بن عمير وأبو سعد بن وهب، فأحرزوا أموالهما.
قال: وحدثني بعض آل يامين، أنه ﷺ قال له: "ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأني" , فجعل يامين لرجل من قيس عشرة دنانير، ويقال: خمسة أوسق من تمر على أن يقتل عمرو بن جحاش, فقتله غيلة، "وتحمَّلوا" بمعنى احتملوا، أي: حملوا "أمتعتهم على ستمائة بعيرстр. 1040
فلحقوا بخيبر. وحزن المنافقون عليهم حزنًا شديدًا.
وقبض ﷺ الأموال، ووجد من الحلقة خمسين درعًا وخمسين بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفًا.
وكانت بنو النضير صفيًا لرسول الله ﷺ , حبسًا لنوائبه، ولم يسهم منها
الحواشي
(١) فلحقوا بخيبر،" أي: أكثرهم, منهم حيي وسلام بن أبي الحقيق, وكنانة بن صويرا, فدان لهم أهلها، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، كما في الشامية، ولا ينافيه قول البيضاوي: لحق أكثرهم بالشام، لجواز أن الأكثر نزلوا أولًا بخيبر، ثم خرج منهم جماعة إلى الشام، فكان جملة من لحق به بآخرة الأمر أكثرهم.
لكن في ابن إسحاق: فخرجوا إلى خيبر, ومنهم من سار إلى الشام، فكان أشرافهم من سار إلى خيبر سلام وكنانة وحيي.
وفي الخميس: ذهب بعضهم إلى الشام إلى أذرعات وأريحاء، ولحق أهل بيتين وهم آل أبي الحقيق وآل حيي بخيبر, انتهى.
وفي الروض: روى موسى بن عقبة أنهم قالوا: إلى أين نخرج يا محمد؟ قال: "إلى الحشر"، يعني: أرض المحشر، وهي الشام، وقيل: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء، فلذا قال لأوَّل الحشر، والحشر الجلاء، وقيل: الحشر الثاني، هو حشر النار التي تخرج من قعر عدن، فتحشر الناس إلى الموقف، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل من تخلف، والآية متضمَّنة لهذه الأقوال كلها، ولزائد عليها لإيذانها أن ثَمَّ حشرًا آخر، فكان هذا الحشر والجلاء إلى خيبر، ثم أجلاهم عمر منها إلى تيماء وأريحاء حين بلغه خبر: "لا يبقين دينان بأرض العرب"، انتهى.
"وحزن المنافقون عليهم حزنًا شديدًا، لكونهم إخوانهم "وقبض ﷺ الأموال، ووجد من الحلقة" السلاح كله "خمسين درعًا وخمسين بيضة"، أي: خودة, "وثلاثمائة وأربعين سيفًا، وكانت بنو النضير صفيًّا" بالتشديد، أي: مختارة "لرسول الله ﷺ ".
قال في الروض: لم يختلفوا أنَّ أموالهم كانت خاصَّة به ﷺ , وأن المسلمين لم يوجفوا عليهم بخيل ولا ركاب, ونه لم يقع قتال أصلًا، "حبسًا" بضم الحاء، وإسكان الموحدة وبالسين المهملة، أي: وقفًا كما في النور, ولعله الرواية، "وإلا ففي المصباح الحبس -بضمتين وإسكان الثاني للتخفيف- لغة "لنوائبه" أي: ما يعرض له من النوازل جمع نائبة, فكان ينفق منها على أهله، ويزرع تحت النخل ويدخر قوت أهله سنة من الشعير والتمر لأزواجه, وبني عبد المطلب، وماстр. 1041
لأحد؛ لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، وإنما قدف في قلوبهم الرعب، وأجلوا عن منازلهم إلى خيبر، ولم يكن ذلك من المسلمين لهم، فقسمها ﵊ بين المهاجرين؛ ليرفع بذلك مؤنتهم عن الأنصار؛ إذ كانوا قد قاسموهم في الأموال والديار،
الحواشي
(١) فضل جعله في السلاح والكراع -بضم الكاف وخفة الراء، أي: جماعة الخيل، "ولم يسهم منها لأحد؛ لأن المسلمين لم يوجفوا عليها" أي: يحركوا ويتعبوا في السير.
قال عبد الملك بن هشام: أوجفتم: حركتم وأتعبتم في السير. قال الشاعر:
مذاويد بالبيض الحديث صقالها ... عن الركب أحيانًا إذا القوم أوجفوا
والوجيف وجيف القلب والكبد، وهو الضربان، "بخيل ولا ركاب وإنما قذف في قلوبهم الرعب وأجلوا عن منازلهم إلى خيبر, ولم يكن ذلك عن قتال من المسلمين لهم", فكانت له ﷺ خاصَّة, يضعها حيث شاء, كما حكى عليه السهيلي الاتفاق وأقرَّه الحافظ، وفي الخميس: أكثر الروايات على أنَّ أموال بني النضير وعقارهم كان فيئًا له ﷺ خاصة له, خصها الله حبسًا لنوائبه، لم يخمسها، ولم يسهم منها لأحد، كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة. وورد في بعض الروايات أنه خمَّسَها.
وذهب إليه الإمام الشافعي "فقسمها ﵊ بين المهاجرين؛ ليرفع بذلك مؤنتهم" أي: مشقتهم "عن الأنصار" باعتبار ما في نفس الأمر، وإن رأى الأنصار ذلك من أَجَلِّ النعم، كما في التنزيل: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة﴾ [الحشر: ٩] الآية، "إذ كانوا قد قاسموهم في الأموال والديار" لما هاجروا, وآخى بينهم ﷺ , فذهب كل أنصاريّ بالمهاجري الذي واخى بينه وبينه ﷺ إلى منزله, وكفاه المؤنة، ثم تنافسوا حتى آل أمرهم إلى القرعة، فأي أنصاري تخرج القرعة باسمه يذهب بالمهاجري، فبلغت مواساتهم الغاية القصوى حتى ورد في الصحيح: أن سعد بن الربيع الأنصاري قال لأخيه عبد الرحمن بن عوف: هلمَّ أقسم مالي بيني وبينك نصفين, ولي امرأتان, انظر أعجبهما إليك أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك.
روى الحاكم في الإكليل من طريق الواقدي بسنده عن أم العلاء قالت: طار لنا عثمان بن مظعون في القرعة، فكان في منزلي حتى توفي: قالت: فكان المهاجرون في دورهم وأموالهم، فلما غنم ﷺ بني النضير, دعا ثابت بن قيس بن شماس، فقال: "ادع لي قومك". قال ثابت: الخزرج، فقال ﷺ : "الأنصار كلها" فدعا له الأوس والخزرج, فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم ذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين، وإنزالهم إياهم في منازلهم وأموالهم، وأثرتهم علىстр. 1042
غير أنه أعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف لحاجتهما. وفي الإكليل: وأعطى سعد بن معاذ سيف بن أبي الحقيق، وكان سيفًا له ذكر عندهم.
الحواشي
(١) أنفسهم، "ثم قال: "إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله علي من بني النضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم"، فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: يا رسول الله, بل تقسم بين المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا، وقالت الأنصار: رضينا وسلّمنا يا رسول الله، فقال ﷺ : "اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار" وقسم ما أفاء الله، وأعطى المهاجرين ولم يعط أحدًا من الأنصار شيئًا. "غير أنه أعطى أبا دانة وسهل بن حنيف لحاجتهما".
وعند ابن إسحاق، أنهما ذكرا فقرًا فأعطاهما.
قال السهيلي: وقال غير ابن إسحاق: أعطى ثلاثة، فذكر الحارث بن الصمّة, انتهى. ونظر فيه بأنه قتل في بئر معونة، ولذا تركه المصنف، والنظر إنما يأتي على أنها بعدها، أما على قول عروة أنها قبلها بمدة فلا نظر.
"وفي الإكليل" لأبي عبد الله الحاكم بقية حديثه الذي سقته، "وأعطى سعد بن معاذ سيف" سلام "بن أبي الحقيق" بحاء مضمومة فقاف مفتوحة فتحتية ساكنة ثم قاف أخرى، "وكان سيفًا له ذكر عندهم".
وذكر البلاذري أنه ﷺ قال للأنصار: "ليست لإخوانكم من المهاجرين أموال، فإن شئتم قسمت هذه وأموالكم بينكم وبينهم جميعًا، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وقسمت هذه خاصة"، فقالوا: بل اقسم هذه فيهم، واقسم لهم من أموالنا ما شئت، فنزلت ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٥] الآية.
قال أبو بكر الصديق: جزاكم الله خيرًا يا معشر الأنصار، فوالله ما مثلنا ومثلكم إلّا كما قال الغنوي: وهو بالمعجمة والنون:
جزى الله عنا جعفرًا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي يلقون منا لملت
قال: وكان يزرع تحت النخيل في أرضهم، فيدَّخر من ذلك قوت أهله وأزواجه سنة، وما فضل جعله في الكراع والسلاح. انتهى، فهذا صريح في أنه لم يقسم الأرض والنخيل بين المهاجرين, بل الدور والأموال.
قال ابن إسحاق: ونزل في أمر بني النضير سورة الحشر بأسرها.
قال السهيلي: اتفاقًا، انتهى.
فقول البيضاوي: فأنزل الله: ﴿سَبَّحَ لِلَّه﴾ الآية. إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ الآية. لعلَّ المراد منه نزول هذا القدر في أخبار خروجهم حتى جلوا، وبقيتها فيما ترتَّب عليه من قسم الأموال، ومدح الأنصار، وذمّ المنافقين وغير ذلك, فهي كلها فيهم.
وفي البخاري عن سعيد بن جبير, قلت لابن عباس: سورة الحشر، قال: قل: سورة النضير.
قال الداودي: كأنه كره تسميتها بذلك لئلَّا يظن أنه يوم القيامة، أو لإجماله فكرة النسبة إلى غير معلوم، كذا قال.
وعند ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس، قال: نزلت سورة الحشر في بني النضير، وذكر الله فيها الذي أصابهم من النقمة. ذكره في الفتح، والله أعلم.стр. 1043
" غزوة ذات الرقاع ":
واختلف فيها متى كانت:
فعند ابن إسحاق: بعد بني النضير سنة أربع، في شهر ربيع الآخر، وبعض جمادى.
وعند ابن سعد وابن حبان: في المحرم سنة خمس. وجزم أبو معشر........
الحواشي
(١) غزوة ذات الرقاع:
بكسر الراء بعدها قاف فألف فعين مهملة جمع رقعة بضمها، وهي غزوة محارب، وغزوة بني ثعلبة، وغزوة بني أنمار، وغزوة صلاة الخوف لوقوعها فيها، وغزوة الأعاجيب لما وقع فيها من الأمور العجيبة، وقول البخاري: وهي غزوة محارب بن حصفة من بني ثعلبة بن غطفان، وهم لاقتضائه أن ثعلبة جَدٌّ لمحارب, وليس كذلك، فصوابه كما عند ابن إسحاق وغيره: وبني ثعلبة بواو العطف، فإن غطفان هو ابن سعد بن قيس عيلان، ومحارب بن خصفة بن قيس عيلان, فمحارب وغطفان ابنا عم، فكيف يكون الأعلى منسوبًا إلى الأدنى، وقد ذكر في الباب حديث جابر بلفظ: محارب وثعلبة بواو العطف على الصواب، وفي قوله: ابن غطفان بموحدة ونون, نظر أيضًا، والأولى ما وقع عند ابن إسحاق, وبني ثعلبة من غطفان بميم ونون، فإنه ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان, على أنَّ لقوله ابن غطفان وجهًا بأن يكون نسبه إلى جدِّه الأعلى, قاله الحافظ. وكذا نبَّه على ذلك أبو علي الجيالي في أوهام الصحيح.
"واختلف فيها متى كانت", وفي سبب تسميتها بذلك.
"فعند ابن إسحاق" كانت "بعد بني النضير سنة أربع, في شهر ربيع الآخر وبعض جمادى" لفظ ابن إسحاق، ثم أقام ﷺ بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهر ربيع الآخر وبعض جمادى.
"وعند ابن سعد وابن حبان" أنها كانت "في المحرم سنة خمس، وجزم أبو معشر"стр. 1044
بأنها بعد بني قريظة في ذي القعدة سنة خمس، فتكون ذات الرقاع في آخر السنة الخامسة وأول التي تليها.
قال في فتح الباري: قد جنح البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر، واستدلّ لذلك بأمور، ومع ذلك فذكرها قبل خيبر، فلا أدري: هل تعمّد ذلك تسليمًا لأصحاب المغازي أنها كانت قبلها، أو أن ذلك من الرواة عنه، أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسمًا لغزوتين مختلفتين -كما أشار إليها البيهقي. على أن أصحاب المغازي مع جزمهم بأنها كانت قبل خيبر مختلفون في زمنها. انتهى.
والذي جزم به ابن عقبة تقدمها، لكن تردَّد في وقتها فقال: لا ندري كانت قبل بدر أو بعدها؟ أو قبل أُحد أو بعدها؟
قال الحافظ ابن حجر: وهذا التردد لا حاصل له، بل الذي ينبغي الجزم به
الحواشي
(١) نجيح بن عبد الرحمن السندي "بأنها بعد بني قريظة".
قال الحافظ، وهو موافق لصنيع البخاري وقريظة: كانت "في ذي القعدة" أي: لسبع بقين منها -كما يأتي, "في سنة خمس" فليس قوله في ذي القعدة من مقول أبي معشر، كما أوهمه المصنف, فيعرب حالًا من بني قريظة, بدليل قوله: "فتكون ذات الرقاع في آخر السنة الخامسة، وأول التي تليها"؛ لأن الانصراف من قريظة كان في أواخر الحجة.
"قال في فتح الباري: قد جنح" مال "البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر" صريحًا، فقال: وهي بعد خيبر؛ لأن أبا موسى جاء بعد خيبر، أي: وخيبر كانت في المحرم سنة سبع، "واستدلَّ لذلك بأمور، ومع ذلك فذكرها قبل خيبر" عقب بني قريظة، "فلا أدري هل تعمَّد ذلك تسليمًا لأصحاب المغازي أنها كانت قبلها، أو أن ذلك من الرواة عنه، أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسم لغزوتين مختلفتين" واحدة بعد خيبر، وأخرى قبلها، "كما أشار إليه البيهقي، على أن أصحاب المغازي مع جزمهم بأنها كانت قبل خيبر مختلفون في زمنها".
فعند ابن إسحق أنها سنة أربع.
وعند ابن سعد وابن حبان سنة خمس.. إلخ ما مرَّ كما في الفتح، وأسقطه المصنف لكونه قدَّمه, "انتهى" كلام الفتح، والذي بعده له أيضًا, فلو أسقط انتهى هذه واكتفى بالآتية.
"والذي جزم به ابن عقبة تقدُّمها, لكن تردد في وقتها فقال: لا ندري أكانت قبل بدر" الكبرى، كما هو المراد عند الإطلاق، وفي كلام مغلطاي أنها بعد بدر الصغرى، لن لم ينقله عن ابن عقبة "أو بعدها، أو قبل أُحد أو بعدها".стр. 1045
أنها بعد غزوة بني قريظة؛ لأن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شُرِعَت، وقد ثبت وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع. فدلَّ على تأخرها بعد الخندق.
ثم قال عند قول البخاري: "وهي بعد خيبر"؛ لأن أبا موسى جاء بعد خيبر، وإذ كان كذلك وثبت أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع لزم أنها كانت بعد خيبر.
قال: وعجبت من ابن سيد الناس كيف قال: جعل البخاري حديث أبي موسى هذا حجة في أن غزوة ذات الرقاع متأخرة عن خيبر. قال: وليس في حديث
الحواشي
(١) "قال الحافظ ابن حجر" في الفتح: "وهذا التردد لا حاصل له، بل الذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوة بني قريظة" كما صنع البخاري، وبه جزم أبو معشر.
قال مغلطاي: وهو من المعتمدين في السِّيَر، وقوله موافق لما ذكره أبو موسى، "لأن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شُرِعَت، وقد ثبت" في الصحيح عن جابر وغيره "وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، فدلَّ على تأخرها بعد الخندق".
وروى أحمد وأصحاب السنن وصحَّحه ابن حبان عن أبي عيَّاش الزرقي قال: كنا مع النبي ﷺ بعسفان, فصلى بنا الظهر, وعلى المشركين يومئذ خالد بن الوليد، فقالوا: لقد أصبنا منهم غفلة، ثم قالوا: إن لهم صلاة بعد هذه هي أحب إليهم من أموالهم وأبنائهم، فنزلت صلاة الخوف بين الظهر والعصر، فصلَّى بنا العصر. الحديث. وهو ظاهر في أنَّ صلاة الخوف بعسفان غير صلاة الخوف بذات الرقاع، وإذا تقرَّر أن أوَّل ما صليت صلاة الخوف بعسفان، وكانت في عمرة الحديبية, وهي بعد الخندق وقريظة, تعيِّنَ تأخرها عنهما وعن الحديبية أيضًا، فيقوى القول بأنها بعد خيبر؛ لأن خيبر كانت عقب الرجوع من الحديبية. قاله في الفتح.
"ثم قال" الحافظ ابن حجر "عند قول البخاري: وهي بعد خيبر؛ لأن أبا موسى" الأشعري "جاء بعد خيبر" من الحبشة سنة سبع، هكذا استدلَّ به, وقد ساق حديث أبي موسى بعد قليل، وهو استدلال صحيح, وسيأتي أنَّ أبا موسى إنما قَدِمَ من الحبشة بعد فتح خيبر في باب غزوتها, ففيه في حديث طويل.
قال أبو موسى: فوافينا النبي ﷺ حين افتتح خيبر "وإذا كان كذلك، وثبت أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع، لزم أنها كانت بعد خيبر، قال: وعجبت من" شيخ شيوخنا "ابن سيد الناس كيف قال: جعل البخاري حديث أبي موسى هذا حجة في أنَّ غزوة ذات الرقاع متأخرةстр. 1046
أبي موسى ما يدل على شيء من ذلك، انتهى كلام ابن سيد الناس.
قال: وهذا النفي مردود، والدلالة على ذلك واضحة كما قررته.
قال: وأما الدمياطي فادَّعى غلط الحديث الصحيح، وأن جميع أهل السِّيَر على خلافه, وقد تقدَّم أنهم مختلفون في زمانها. فالأولى الاعتماد على ما ثبت في الصحيح.
وأمَّا قول الغزالي: إنها آخر الغزوات, فهو غلط واضح، وقد بالغ ابن الصلاح في إنكاره.
الحواشي
(١) عن خيبر، قال: وليس في حديث أبي موسى ما يدل على شيء من ذلك, انتهى كلام ابن سيد الناس".
"قال" الحافظ: "وهذا النفي مردود, والدلالة من ذلك واضحة، كما قررته" بقوله: وإذا كان كذلك وثبت إلخ.
"قال" ابن حجر: "وأمَّا" شيخه "الدمياطي" مَرَّ مرارًا أنه -بكسر الدال المهملة، وبعضهم أعجمها، "فادَّعى غلط الحديث الصحيح" يعني: حديث أبي موسى، "وأن جميع أهل السير على خلافه، وقد تقدَّم أنهم مختلفون في زمانها، فالأَوْلَى الاعتماد على ما ثبت في الصحيح".
وقد ازداد قوّة بحديث أبي هريرة، وبحديث ابن عمر: فإن أبا هريرة في ذلك نظير أبي موسى؛ لأنه إنما جاء والنبي ﷺ بخيبر, فأسلم، وقد ذكر في حديثه أنه صلى معه صلاة الخوف في غزوة نجد، وكذلك ابن عمر ذكر أنه صلى مع النبي ﷺ صلاة الخوف بنجد، وقد تقدَّم أن أوّل مشاهده الخندق، فتكون ذات الرقاع بعد الخندق، وقد قيل: الغزوة التي شهدها أبو موسى وسميت ذات الرقاع, غير غزوة ذات الرقاع التي وقعت فيها صلاة الخوف؛ لأن أبا موسى قال: إنهم كانوا ستة أنفس، والغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف كان المسلمون فيها أضعاف ذلك، والجواب عن ذلك أنَّ العدد الذي ذكره أبو موسى محمول على من كان مرافقًا له, ولم يرد جميع من كان مع النبي ﷺ . قال في الفتح.
ثم قال فيه: بعد أوراق في شرح حديث جابر لا عند قول البخاري, وهي بعد خيبر كما أوهمه المصنف ما نصه.
"وأما قول الغزالي: إنها" أي: غزوة ذات الرقاع، "آخر الغزوات, فهو غلط واضح، وقد بالغ ابن الصلاح في إنكاره" على الغزالي ذلك القول.стр. 1047
وقال بعض من انتصر للغزالي: لعله أراد آخر غزوة صليت فيها صلاة الخوف.
وهو انتصار مردود بما أخرجه أبو داود والنسائي وصحَّحه ابن حبان من حديث أبي بكرة: أنه صلى مع النبي ﷺ صلاة الخوف. وإنَّما أسلم أبو بكرة بعد غزوة الطائف بالاتفاق. انتهى.
وأما تسميتها بذات الرقاع:
فلأنهم رقَّعوا فيها راياتهم، قاله ابن هشام.
وقيل: لشجرة في ذلك الموضع يقال لها ذات الرقاع.
وقيل: الأرض التي نزلوا بها فيها بقع سود وبقع بيض، كأنها مرقعة برقاع مختلفة، فسميت ذات الرقاع لذلك.
وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض. قاله ابن حبان.
الحواشي
(١) "وقال بعض من انتصر للغزالي: لعله أراد آخر غزوة صُلّيَت فيها صلاة الخوف, وهو انتصار مردود بما أخرجه أبو داود والنسائي، وصحَّحه ابن حبان من حديث أبي بكرة" نفيع بن الحارث "أنه صلى مع النبي ﷺ صلاة الخوف، وإنما أسلم أبو بكرة بعد" لفظ الفتح في "غزوة الطائف بالاتفاق", وذلك بعد ذات الرقاع قطعًا، هذا أسقطه من كلام الفتح، أي: فيلزم من صلاة أبي بكر صلاة الخوف مع النبي ﷺ أن لا تكون ذات الرقاع آخر صلاة الخوف. قال -أعني الحافظ: وإنما ذكرت هذا استطرادًا لتكميل الفائدة. "انتهى" كلام الحافظ.
"وأما تسميتها بذات الرقاع، فلأنهم رقعوا" بالتخفيف، ويشدد مبالغة على مفاد اللغة، أي: جعلوا مكان القطع رقعة, ويجمع على رقاع, كبرمة وبرام، "فيها راياتهم. قاله" عبد الملك "بن هشام".
قال أيضًا: "وقيل لشجرة في ذلك الموضع يقال لها ذات الرقاع", قيل: لأن هذه الشجرة كانت العرب تعبدها، وكل من كان له حاجة منهم يربط فيها خرقة، كذا بهامش وهو غريب.
وقال غير هشام: "وقيل الأرض التي نزلوا بها فيها بقع سود وبقع بيض كأنها مرقعة برقاع مختلفة، فسميت" الغزوة "ذات الرقاع لذلك", وصحَّحه صاحب تهذيب المطالع، "وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض، قاله ابن حبان" وأبو حاتم البستي.стр. 1048
وقال الواقدي: سميت بحبل هناك فيه بقع. قال الحافظ ابن حجر: وهذا لعله مستند ابن حبان، ويكون قد تصحّف عليه بخيل.
قال: وأغرب الداودي فقال: سميت ذات الرقاع لوقوع صلاة الخوف فيها، فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها.
قال السهيلي: وأصحّ من هذه الأقوال كلها، ما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة, ونحن ستة نفر، بيننا بعير نعتقبه،
الحواشي
(١) "وقال الواقدي: سميت بجبل هناك فيه بقع".
"قال الحافظ ابن حجر: وهذا" أي: قول الواقدي، "لعله مستند ابن حبان، ويكون قد تصحف عليه" جبل -بجيم وموحدة، الواقع عند الواقدي "بخيل" بخاء معجمة وتحتية.
"قال: وأغرب الداودي فقال: سميت ذات الرقاع لوقوع صلاة الخوف فيها، فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها"؛ لأنهم لما فعلوا بعضها منفردين عن المصطفى أشبه ذلك إصلاح خلل الثوب برقعة, فكأنه جعل انفراد الفرقة الأولى بمنزلة رقعة، وقيام الثانية وإتمامها في جلوسه بمنزلة رقعة أخرى.
قال في الفتح: وبهذ الخلاف استدلَّ على تعدد ذات الرقاع، فإنهم اتفقوا في تسميتها على غير السبب الذي ذكره أبو موسى، لكن ليس ذلك مانعًا من اتحاد الوقعة ولازمًا للتعدد، وقد رجَّح السهيلي السبب الذي ذكره أبو موسى، وكذا النووي، ثم قال: ويحتمل أن تكون سميت بالمجموع.
"قال السهيلي" في الروض بعد ذكر الأقوال الثلاثة الأول: "وأصح من هذه الأقوال كلها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى" عبد الله بن قيس "الأشعري قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة", وفي رواية: في غزاة "ونحن ستة نفر".
قال الحافظ: لم أقف على أسمائهم وأظنّهم من الأشعريين. "بيننا بعير نعتقبه" أي: نركبه عقبة، وهو أن يركب هذا قليلًا، ثم ينزل فيركب الآخر بالنوبة حتى يأتي على سائرهم، وفيه جواز مثل هذا إذا لم يضر المركوب. هذا ما قاله النووي والحافظ والمصنف وغيرهم من شراح الحديث، فعلى من زعم أن المراد بين كل ستة منا بعير، لا أنَّ الجميع كانوا ستة، بيان الرواية التي صرَّحت بأنَّ الجميع فعلوا فعل أبي موسى ورفقته وأنَّى بها، وإنما أراد أبو موسى كما مَرَّ عن الحافظ من كان مرافقًا مزاملًا له لا جميع الجيش، فإن إخباره عن نفسه ورفقته لا يستلزم أنстр. 1049
فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع، لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا.
وكان من خبر هذه الغزوة، كما قاله ابن إسحاق: أنه ﷺ غزا نجدًا يريد بني محارب وبني ثعلبة -بالمثلثة- من غطفان -بفتح الغين المعجمة والمهملة؛ لأنه ﵊ بلغه أنهم جمعوا المجموع. فخرج في
الحواشي
(١) الجيش كله كذلك. "فنقبت" قال الحافظ: بفتح النون وكسر القاف بعدها موحدة، أي: رقت "أقدامنا" يقال: نقب البعير، إذا رقَّ خفه. انتهى.
وقال النووي: أي: قرحت من الحفاء، وجمع بينهما المصنّف فقال: أي: رقَّت وتقرَّحت وقطعت الأرض جلودها من الحفاء، "ونقبت قدماي" عطف خاص على عام؛ ليعطف عليه قوله: "وسقطت أظفاري" لذلك "فكنَّا نلف" بضم اللام "على أرجلنا الخرق, فسميت غزوة ذات الرقاع لما" أي: لأجل ما "كنا نعصب".
قال الحافظ: بفتح أوله وكسر الصاد المهملة، زاد المصنف ولأبي ذر: نعصب -بضم النون وفتح العين وتشديد الصاد "من الخرق على أرجلنا", وبقية خبر الصحيح هذا، وحدث أبو موسى بهذا، ثم كره ذلك قال: ماكنت أصنع بأن أذكره كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه. "وكان من خبر هذه الغزوة كما قاله ابن إسحاق أنه ﷺ غزا" أي: قصد "نجدًا، يريد بني محارب" بضم الميم وحاء مهملة وموحدة، ابن خصفة -بفتح المعجمة والصاد المهملة والفاء، ابن في عيلان، "وبني ثعلبة بالمثلثة" وعين مهملة "من غطفان"؛ لأن ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض -بفتح الموحدة وكسر المعجمة وإسكان التحتية فضاد معجمة، ابن ريث -بفتح الراء وسكون التحتية ومثلثة، ابن غطفان -بفتح الغين المعجمة والظاء المهملة والفاء, ابن سعد بن قيس عيلان -بفتح العين المهملة وسكون التحتية، فمحارب وغطفان ابنا عم، وهذا هو الصواب الثابت في الصحيح وغيره عن جابر.
ووقع في ترجمة البخاري وَهْمٌ مَرَّ التنبيه عليه.
قال في الفتح جمهور أهل المغازي: على أن غزوة ذات الرقاع هي غزوة محارب.
وعند الواقدي: أنهما اثنتان، وتبعه القطب الحلبي في شرح السيرة، والله أعلم بالصواب، انتهى، "لأنه ﵊" تعليل, أي: سبب لغزوهم، "بلغه أنهم جمعوا الجموع".
قال ابن سعد قالوا: قدم قادم المدينة بجلب له، فأخبر الصحابة أن أنمارًا وثعلبة قد جمعوا إليهم الجموع, "فخرج" ليلة السبت لعشر خَلَوْنَ من المحرم على قول ابن سعد ومن وافقه "فيстр. 1050
أربعمائة من أصحابه -وقيل: سبعمائة, واستعمل على المدينة عثمان بن عفان، وقيل: أبا ذر الغفاري. حتى نزل نخلًا -بالخاء المعجمة- موضع من نجد من أراضي غطفان.
قال ابن سعد: فلم يجد في مجالسهم إلّا نسوة فأخذهنَّ.
وقال ابن إسحاق: فلقي جمعًا منهم فتقارب الناس، ولم يكن بينهم حرب، وقد أخاف الناس بعضهم بعضًا، حتى صلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة الخوف، ثم انصرف الناس.
الحواشي
(١) أربعمائة من أصحابه، وقيل: سبعمائة" قاله ابن سعد، وقيل: ثمانمائة كما في السبل، "واستعمل على المدينة عثمان بن عفان" ذا النورين أمير المؤمنين "﵁" فيما قال الواقدي وابن سعد وابن هشام، "وقيل: أبا ذر الغفاري" قاله ابن إسحاق، وتعقَّبه ابن عبد البر، بأنه خلاف ما عليه الأكثر, وبأنَّ أبا ذر لما أسلم بمكة رجع إلى بلاده، فلم يجئ إلّا بعد الخندق, انتهى.
وعلى مختار البخاري أنها بعد خيبر, وأبي معشر أنها بعد قريظة لا تعقب، وسار ﷺ إلى أن وصل إلى وادي الشقرة -بضم الشين المعجمة وسكون القاف، فأقام فيها يومًا وبت السرايا، فرجعوا إليه من الليل وخبَّروه أنهم لم يروا أحدًا، فسار "حتى نزل نخلًا -بالخاء المعجمة- موضع من نجد من أراضي غطفان".
وفي الفتح: هو مكان من المدينة على يومين, وهو بواد يقال له: شدخ -بشين معجمة بعدها مهملة ساكنة ثم خاء معجمة، وبذلك الوادي طوائف من قيس من بني فزارة، وإنما ذكره أبي عبيد البكري انتهى. وادَّعى البكري أنه غير مصروف.
قال الدماميني: فإن أراد تحتمه فليس كذلك ضرورة أنه ثلاثي ساكن، وغفل من قال: المراد نخل المدينة.
"قال ابن سعد: فلم يجد في مجالسهم إلّا نسوة فأخذهنَّ", وفيهنَّ جارية وضيئة, وهربوا في رءوس الجبال.
"وقال ابن إسحاق: فلقي جمعًا منهم" والجمع بينهما واضح، بأن يكون لقي الجمع في غير مجالسهم، "فتقارب الناس" دنا بعضهم من بعض, "ولم يكن بينهم حرب, وقد أخاف الناس" بالألف، وفي نسخة بدونها وكلاهما صحيح، "بعضهم" بدل من الناس "بعضًا" مفعوله، أي: أوقع بعض الناس في قلوب بعضهم الرعب، "حتى صلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة الخوف", وكان ذلك في صلاة العصر، كما رواه البيهقي عن جابر، "ثم انصرف الناس".стр. 1051
قال ابن سعد: وكان ذلك أوّل ما صلاها.
وقد رويت صلاة الخوف من طرق كثيرة, ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ما تيسَّر منها في مقصد عباداته ﷺ .
وكانت غيبته ﷺ في هذه الغزوة خمس عشرة ليلة.
وفي البخاري عن جابر قال: كنا مع النبي ﷺ بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي ﷺ , فجاء رجل من المشركين وسيف النبي ﷺ معلق بالشجرة, فاخترطه -يعني سله من غمده, فقال: تخافني, قال: "لا"، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: "الله".
الحواشي
(١) "قال ابن سعد: وكان ذلك أوّل ما صلاها" بناءً على قوله -أعني: ابن سعد: أن هذه الغزوة سنة خمس، أمَّا على أنه صلاها بعسفان، وأنها أوّل صلاته, كما رواه أحمد وأصحاب السنن كما مَرَّ، فتكون هي أول, ويكون نزول جبريل في الأولى معلمًا والثانية مذكرًا.
"وقد رويت صلاة الخوف من طرق كثيرة، ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ما تيسَّر منها في مقصد عباداته ﷺ " وهو التاسع, "وكانت غيبته ﷺ في هذه الغزوة خمس عشرة ليلة". قاله ابن سعد, قال: وبعث جعال بن سراقة بشيرًا بسلامته وسلامة المسلمين.
"وفي البخاري" تعليقًا, ووصله مسلم، فلو عزاه المصنف لهما كان أَوْلَى "عن جابر قال: كنا مع النبي ﷺ بذات الرقاع، فإذا أتينا" ظرفية لا شرطية، أي: ففي وقت إتياننا "على شجرة ظليلة" ذات ظل، وفي نسخة: إذ وهي ظاهرة، لكنها ليست في البخاري "تركناها للنبي ﷺ " لينزل تحتها فيستظل بها.
وفي البخاري أيضًا قبل هذا بلصقه بمسندًا عن جابر، أنه غزا مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فلمَّا قفل قفل معه, فأدركتهم القافلة في واد كثير العضاء، فنزل النبي ﷺ وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل ﷺ تحت شجرة, فعلق بها سيفه,
قال جابر: فنمنا نومة، "فجاء رجل من المشركين وسيف النبي ﷺ معلق بالشجرة" وهو نائم "فاخترطه، يعني: سله من غمده، فقال: له "تخافني، قال: "لا"، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: "الله" يمنعني منك، وبقية هذا الحديث، فتهدده أصحاب النبي ﷺ ، وأقيمت الصلاة, فصلَّى بطائفة ركعتين، ثم تأخَّروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، وكان للنبي ﷺ أربع، وللقوم ركعتان، وبقية الحديث الآخر الذي سقت أوله: فنمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا فجئناه، فإذا عنده أعرابي جالس، فقال ﷺ : "إن هذا الأعرابي اخترط سيفي وأنا نائم, فاستيقظت وهو فيстр. 1052
وعند أبي عوانة: فسقط السيف من يده, فأخذه ﵊ فقال: "من يمنعك مني"؟ قال: كن خير آخذ. قال: "تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله"؟ قال الأعرابي: أعاهدك أني لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. قال: فخلى سبيله. فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس.
وفي رواية عند البخاري: ولم يعاقبه.
وإنما لم يؤاخذه ﵊ بما صنع، وعفا عنه، لشدة رغبته ﵊ في استئلاف الكفَّار.
وفي رواية أبي اليمان عند البخاري -في الجهاد- قال: من يمنعك مني ثلاث مرات. وهو استفهام......
الحواشي
(١) يده صلتًا، فقال لي: من يمنعك مني، قلت: "الله"، فها هو ذا جالس"، ثم لم يعاقبه النبي ﷺ .
قال الحافظ: وظاهر قوله فتهدده يشعر بأنهم حضروا القصة، وأنه إنما رجع عمَّا كان عزم عليه بالتهديد، وليس كذلك، بل في رواية البخاري في الجهاد بعد قوله قلت: الله فشام السيف، أي: بفاء وشين معجمة، أي: أغمده, وهي من الأضداد, شمه استله وأغمده، قاله الخطابي وغيره. وكأن الأعرابي لما شاهد ذلك الثبات العظيم، وعرف أنه حيل بينه وبينه تحقق صدقه، وعلم أنه لا يصل إليه فألقى السلاح وأمكن من نفسه.
"وعند أبي عوانة" في حديث جابر: "فسقط السيف من يده", وكأنه لما شامه سقط من يده زيادة في المعجزة، "فأخذه ﵊، فقال: "من يمنعك مني"، قال: كن خير آخذ"، "قال: "تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" , قال الأعرابي: أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك" أجابه بغير ما سأله، فلم يثبت؛ لأنه لم يهتد حينئذ، ولم ينف كراهة لمواجهته بعد هذه الآية الباهرة والحلم الذي لا يباري بخلاف ما أمره، ونسخة: بل لا أعاهدك يأباها الطبع. "قال: فخلى سبيله، فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس".
"وفي رواية عند البخاري ولم يعاقبه", فيجمع مع قوله في رواية ابن إسحاق: "قم فاذهب لشأنك"، بأن قوله فاذهب كان بعد أن أخبر الصحابة بقصته, فمَنَّ عليه, قاله الحافظ. قال: وإنما لم يؤاخذه ﵊ بما صنع وعفا عنه؛ لشدة رغبته ﵊ في استئلاف الكفار".
"وفي رواية أبي اليمان" الحكم ابن نافع، شيخ البخاري، أخبرنا شعيب عن الزهري، فذكر الحديث. "عند البخاري في الجهاد" في باب من علَّق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة "قال: من يمنعك مني ثلاث مرات، وهو" كما في الفتح هنا في المغازي "استفهامстр. 1053
إنكاري، أي: لا يمنعك مني أحد.
وكان الأعرابي قائمًا على رأسه والسيف في يده, والنبي ﷺ جالس لا سيف معه.
ويؤخذ من مراجعة الأعرابي له في الكلام أن الله سبحانه منع نبيه، وإلّا فما الذي أحوجه إلى مراجعته مع احتياجه إلى الحظوة عند قومه بقتله. وفي قوله ﷺ في جوابه: الله، أي: يمنعني منك، إشارة إلى ذلك، ولذلك لما أعادها الأعرابي فلم يزده على ذلك الجواب، وفي ذلك غاية التهكم وعدم المبالاة به.
وذكر الواقدي في نحو هذه القصة أنه أسلم، ورجع إلى قومه فاهتدى به خلق كثير. وقال فيه: إنه رمي بالزلخة حين همَّ بقتله ﷺ , فندر السيف من يده وسقط إلى الأرض. والزلخة -بضم الزاي وتشديد اللام- وجع يأخذ في الصلب.
الحواشي
(١) إنكاري، أي: لا يمنعك مني أحد، وكان الأعرابي قائمًا على رأسه والسيف في يده, والنبي ﷺ جالس لا سيف معه، ويؤخذ من مراجعة الأعرابي له في الكلام أن الله سبحانه منع نبيه" منه "وإلّا فما الذي أحوجه إلى مراجعته مع احتياجه" استفهام يفيد استبعاد كون ذلك من غير مانع من الله تعالى "إلى الحظوة" بضم الحاء المهملة وكسرها، كما في القاموس, وبالظاء المعجمة المكانة، أي: المنزلة الرفيعة "عند قومه بقتله" كما قاله لهم.
فعند ابن إسحاق أنه قال: ألا أقتل لكم محمدًا، قالوا: بلى، وكيف تقتله، قال: أفتك به.
"وفي قوله ﷺ في جوابه: "لله"، أي: يمنعني منك إشارة إلى ذلك، ولذلك لما أعادها الأعرابي لم يزده على ذلك الجواب, وفي ذلك التهكم وعدم المبالاة به" أصلًا عطف تفسير.
"وذكر الواقدي في نحو هذه القصة أنه" أي: الأعرابي الذي هو دعثور المذكور عند الواقدي "أسلم ورجع إلى قومه، فاهتدى به خلق كثير".
وفي رواية ابن إسحاق ثم أسلم بعد، "وقال فيه: إنه رمي الزلخة حين همَّ بقتله ﷺ , فندر" بنون ودال وراء مهملتين: سقط أو خرج "السيف من يده وسقط" هو، أي: الأعرابي "إلى الأرض" لشدة وجع صلبه, فلم يستطع القيام، ولا يظهر جعل ضمير سقط للسيف، وأنه عطف مسبب على سبب؛ لأن خروجه من يده سبب لسقوطه؛ لأن هذا ليس فيه كبير فائدة، لأنه مستفاد من ندر، فإنما أراد أنه حين رمي بالزلخة أصابه شيئان: سقوط سيفه وقامة نفسه لشدة الوجع، "والزلخة بضم الزاي وتشديد اللام" بعدها خاء معجمة فتاء تأنيث "وجع يأخذ في الصلب".стр. 1054
وقال البخاري: قال مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر: اسم الرجل غورث بن الحارث، أي: على وزن جعفر.
وحكى الخطابي فيه: غويرث -بالتصغير. وقد تقدَّم في غزوة غطفان, وهي غزوة ذي أمر بناحية نجد, مثل هذه القصة لرجل اسمه دعثور، وأنه قام على رأسه ﷺ بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ فقال ﷺ : "الله"، ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده وأنه أسلم.
قال في عيون الأثر: والظاهر أن الخبرين واحد.
الحواشي
(١) "وقال البخاري" في الصحيح. "قال مسدد" بن مسرهد شيخه، "عن أبي عوانة" الوضاح اليشكري البصري، "عن أبي بشر" بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بن إياس.
قال الحافظ: اختصر البخاري إسناده وتمامه، كما أخرجه مسدد في مسنده, رواية معاذ بن المثنى عنه، وكذا أخرجه إبراهيم الحربي في غريب الحديث عن مسدد، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر قال: غزا رسول الله ﷺ خصفة بنخل, فرأوا من المسلمين غرة فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث، حتى قام على رسول الله ﷺ بالسيف فذكره، فاختصر البخاري متنه أيضًا، فقال: "اسم الرجل غورث بن الحارث" بفتح الغين المعجمة، وسكون الواو، وفتح الراء فمثلثة، "أي: على وزن جعفر" وقيل: بضم أوله مأخوذ من الغرث وهو الجوع، ووقع عند الخطيب بالكاف بدل المثلثة.
"وحكى الخطابي فيه غويرث بالتصغير".
وحكى عياض أن بعض المغاربة قاله في البخاري بالعين المهملة، قال: "وصوابه بالمعجمة، "وقد تقدَّم في غزوة غطفان وهي غزوة ذي أمر" بفتح الهمزة والميم وشد الراء، "بناحية نجد مثل هذه القصة لرجل اسمه دعثور" بضم الدال وسكون العين المهملتين وضم المثلثة وسكون الواو وراء، وتقدَّم للمصنف أيضًا أن الخطيب سماه غورث، وغيره غورك. "وأنه قام على رأسه ﷺ بالسيف فقال: من يمنعك مني اليوم؟ ".
وفي رواية الآن, "فقال ﵊: "الله"، فدفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده، وأنه أسلم".
"قال" الحافظ فتح الدين اليعمري "في عيون الأثر: والظاهر أن الخبرين واحد" اختلف الرواة في اسمه، فبعضهم سماه غورث، وبعضهم دعثور، وقد استدرك الذهبي في التجريد غورث ابن الحارث على من تقدمه، وعزاه للبخاري وتعقبه في الإصابة، بأنه ليس في البخاري تعرضстр. 1055
وقال غيره من المحققين: الصواب أنهما قصتان في غزوتين.
وفي هذه القصة: فرط شجاعته، وقوة يقينه وصبره على الأذى، وحلمه على الجهال ﷺ .
وفي انصرافه ﷺ من هذه الغزوة، أبطأ جمل جابر بن عبد الله فنخسه ﷺ فانطلق متقدمًا بين يدي الركاب،
الحواشي
(١) لإسلامه, وبأنه يلزم عليه الجزم بكون القصتين واحدة مع احتمال كونهما واقعتين، وأطال في بيان ذلك، وقال: قد يتمسّك لإسلمه بقوله: جئتكم من عند خير الناس، انتهى. وجزم صاحب النور بإسلام غورث بعد رجوعه إلى قومه، إنما تبع فيه الذهبي على عادته, وقد علم التوقف فيه.
"وقال غيره من المحققين" كابن كثير: "الصواب أنهما قصتان في غزوتين" قصة لرجل اسمه دعثور بغزوة ذي أمر، وفيها التصريح بأنه أسلم، ورجع إلى قومه، فاهتدى به خلق كثير، وقصة بذات الرقاع لرجل اسمه غورث، وليس في قصته تصريح بإسلامه.
وفي فتح الباري: وقع عند الواقدي في شبيه هذه القصة أن اسم الأعرابي دعثور وأنه أسلم، لكن ظاهر كلامه أنهما قصتان في غزوتين، فالله أعلم.
وفي الإصابة قصة تشبه قصة غورث المخرَّجة في الصحيح، فيحتمل التعدد, أو أحد الاسمين لقب إن ثبت الاتحاد.
"وفي هذه القصة" كما قال في الفتح: "فرط شجاعته وقوة يقينه و" قوة "صبره على الأذى و" قوة "حلمه على الجهّال ﷺ " قال: وفيه جواز تفرّق العسكر في النزول ونومهم، وهذا محله إذا لم يكن هناك ما يخافون منه، انتهى.
"وفي انصرافه ﷺ من هذه الغزوة" كما رواه ابن إسحاق عن وهب بن كيسان، عن جابر مطولًا، ومثله في طبقات ابن سعد.
وفي البخاري: أن ذلك كان في غزوة تبوك. وفي مسلم أنه في غزوة الفتح "أبطأ جمل جابر بن عبد الله" فلا يكاد يسير, "فنخسه" النبي " ﷺ " بعد أن أناخه جابر بأمره نخسات بعصا من يد جابر، أو قطعها من شجرة، كما في رواية ابن إسحاق، ولمسلم وأحمد: فضربه برجله ودعا له،"فانطلق متقدمًا بين يدي الركاب" وللإسماعيلي: فضربه ودعا, فمشى مشية ما مشى مثل ذلك قبله. ولأبي نعيم: أنه نفث في ماء ثم مج من الماء في نحره ثم ضربه بالعصا، فوثب فقال: "اركب"، قلت: إني أرضى أن يساق معنا، قال: "اركب"، فركبت، فوالذي نفسي بيده لقد رأيتني وأنا أكفه عنه ﷺ , إرادة أن لا يسبقه, وليس هذا اختلافًا، بل يحمل على أنه ﵇ فعل بهследующие страницы →