Полный текст (5 943 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
والخميس: الجيش: سمي به لأنه مقسوم بخمسة أقسام: المقدمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب.
ومحمد: خبر مبتدأ، أي هذا محمد.
قال السهيلي: يؤخذ من هذا الحديث التفاؤل؛ لأنه ﵊ لما رأى آلة الهدم تفاءل أن مدينتهم ستخرب. انتهى.
ويحتمل -كما قاله في فتح الباري- أن يكون قال: "خربت خيبر" بطريق الوحي، ويؤيده قوله بعد ذلك: "إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين".
وفي رواية: أنه ﷺ صلى الصبح قريبا من خيبر بغلس ثم قال: "الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين".
الحواشي
(١) التنزيل إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا والثلاثة مبدأ الكثرة "والخميس" بلفظ اليوم "الجيش" كما فسره عبد العزيز بن صهيب، أو من دونه عند البخاري في صلاة الخوف، بدليل روايته في أوائل كتاب الصلاة بلفظ يعني الجيش "سمي به، لأنه مقسوم بخمسة أقسام، المقدمة" وسماها في حديث الحراسة، "والساقة" مؤخر الجيش، "والميمنة والميسرة" ويقال لهما: الجناحان "والقلب" وقيل من تخميس الغنيمة، وتعقبه الأزهري بأن التخميس إنما ثبت بالشرع، وقد كان أهل الجاهلية يسمون الجيش خميسا فبان أن القول الأول أولى "ومحمد خبر مبتدأ أي هذا محمد" كما عليه معظم الشراح، وأعربه المصنف أيضا فاعلا بفعل فقدر جاء محمد.
"قال السهيلي" في الروض: "يؤخذ من هذا الحديث التفاؤل لأنه ﵊ لما رأى آلة الهدم" وهي المساحي والمكاتل مع أن لفظ المسحاة من سحوت إذا قشرت "تفاءل أن مدينتهم ستخرب. انتهى".
ويحتمل كما قاله في فتح الباري أن يكون قال: "خربت خيبر" بطريق الوحي ويؤيده قوله بعد ذلك: "إن إذا نزلنا بساحة قوم فساء" بئس "صباح المنذرين" صباحهم فهو إخبار بالغيب أو على جهة الدعاء عليهم، ويجوز أن يكون أخذه من اسمها كما قال البرهان.
"وفي رواية" للبخاري في هذه الغزوة من طريق ثابت وقبلها في صلاة الخوف من طريق عبد العزيز وثابت عن أنس "أنه ﷺ صلى الصبح قريبا من خيبر بغلس" في أول وقتها، "ثم قال" لما أشرف على خيبر: "الله أكبر" في رواية الطبراني ثلاثا "خربت خيبر" أخبار بالغيب عن الوحي، أو تفاؤلا باسمها أو بآلات الهدم، أو دعاء "إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين".стр. 1332
وقال مغلطاي وغيره: وفرق ﵊ الرايات، ولم تكن الرايات إلا بخيبر، وإنما كانت الألوية.
قال الدمياطي: وكانت راية النبي ﷺ السوداء من برد لعائشة ﵂.
وفي البخاري: وكان علي بن أبي طالب تخلف عن النبي ﷺ وكان رمدا, فقال: أنا أتخلف عن النبي ﷺ فلحق فلما بتنا الليلة التي فتحت قال: "لأعطين الراية غدا -أو: ليأخذن
الحواشي
(١) المخصوص بالذم محذوف أي صباحهم واللام للجنس والصباح مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول العذاب، ولما كثرت فيهم الهجوم والغارة في الصباح سموا الغارة صباحا، وإن وقعت في وقت آخر قاله البيضاوي.
"وقال مغلطاي وغيره: وفرق ﵊ الرايات" فدفع رايته العقاب إلى الحباب بن المنذر، وراية لسعد بن عبادة، ولواءه وهو أبيض إلى علي، "ولم تكن الرايات إلا بخيبر وإنما كانت الألوية" كما ذكره ابن إسحاق، وكذا أبو الأسود عن عروة وقد صرح جماعة من اللغويين بترادف الراية واللواء وهو العلم الذي يحمل في الحرب.
لكن روى أحمد، والترمذي عن ابن عباس، والطبراني عن بريدة، وابن عدي عن أبي هريرة، قالوا: كانت راية رسول الله ﷺ سوداء ولواؤه أبيض زاد أبو هريرة مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله وهو ظاهر في التغاير، فلعل التفرقة بينهما عرفية قاله الحافظ وفي المصباح لواء الجيش علمه وهو دون الراية.
"قال الدمياطي: وكانت" مستأنف في جواب سؤال نشأ من ذكر الرايات هو مم كانت رايته؟ فقال: كانت "راية النبي ﷺ السوداء من برد لعائشة ﵂" والأولى سوداء بالتنكير، كما قاله الصحابة الثلاثة لأنه لم يتقدم ذكرها وكانت تسمى العقاب، "وفي البخاري" عن سلمة "وكان علي بن أبي طالب ﵁ تخلف عن النبي ﷺ " في خيبر، "وكان رمدا" بكسر الميم ولابن أبي شيبة عن علي أرمد والطبراني عن جابر أرمد شديد الرمد وأبي نعيم عن ابن عمر أرمد لا يبصر، "فقال: أنا أتخلف عن النبي ﷺ " قال الحافظ: كأنه أنكر على نفسه تأخره عنه فقل ذلك، "فلحق"، زاد الكشميهني به يحتمل قبل وصوله إلى خيبر ويحتمل بعد وصوله إليها. انتهى.
"فلما بتنا الليلة التي فتحت" خيبر في صبحتها "قال: لأعطين الراية غدا أو" قال:стр. 1333
الراية غدا- رجل يحبه الله ورسوله". وفي رواية أنه ﷺ قال: "لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه".
الحواشي
(١) "ليأخذن الراية غدا رجل" قال الحافظ شك من الراوي، وفي حديث سهل بعده: "لأعطين الراية غدا". بغير شك "يحبه الله ورسوله" زاد في حديث سهل بعده: "ويحب الله ورسوله". وفي رواية ابن إسحاق: "ليس بفرار". وفي حديث بريدة: "لا يرجع حتى يفتح الله له".
وروى أبو نعيم والبيهقي عن بريدة كان ﷺ تأخذه الشقيقة فلم يخرج إلى الناس، فأرسل أبا بكر فأخذ راية رسول الله ثم نهض فقاتل قتالا شديدا ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد، ثم أرسل عمر فأخذ الراية فقاتل أشد من الأول، ثم رجع ولم يكن فتح.
وقال الحافظ: وقع في رواية البخاري اختصار وهو عند أحمد والنسائي وابن حبان، والحاكم عن بريدة. قال: لما كان يوم خيبر أخذ أبو بكر اللواء فرجع ولم يفتح له فلما كان من الغد أخذه عمر فرجع ولم يفتح له وقتل محمود بن مسلمة، فقال ﷺ : "لأدفعن لوائي غدا" ... الحديث. وعند ابن إسحاق نحوه من وجه آخر أي عن سلمة وزاد.
قال سلمة: فخرج علي والله يهرول وإنا لخلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن فاطلع عليه يهودي من رأس الحصن، فقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب. قال: علوتم وما أنزل على موسى، وفي الباب عن أكثر من عشرة من الصحابة سردهم الحاكم في الإكليل وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل. انتهى.
وفي هذا رد على زعم ابن كثير ضعف حديث ذهاب الشيخين ولم يفتح لهما وبقية حديث سلمة هذا عند البخاري يفتح عليه فنحن نرجوها فقيل: هذا علي فأعطاه ففتح، "وفي رواية" للبخاري في مواضع عن سهل بن سعد "أنه ﷺ قال: لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله" خيبر "على يديه" بالتثنية زاد البخاري في المغازي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.
قال الحافظ: في المناقب أراد وجود حقيقة المحبة وإلا فكل مسلم يشترك مع علي في مطلق هذه الصفة وفيه تلميح بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ، فكأنه أشار إلى أن عليا تام الاتباع له ﷺ حتى وصفه بصفة محبة الله، ولذا كانت محبته علامة الإيمان وبغضه علامة النفاق، ففي مسلم عن علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي ﷺ أن لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق، وله شاهد من حديث أم سلمة عند أحمد قال: أي سهل فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها. يدوكون بضم الدال المهملة أي باتوا في اختلاط واختلاف.стр. 1334
فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجون أن يعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب"؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: "فأرسلوا إليه"، فأتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية.
الحواشي
(١) والدوكة بالكاف الاختلاط "فلما أصبح الناس غدوا" بمعجمة أتوا صباحا "على رسول الله ﷺ كلهم يرجون" بالنون رواية أبي ذر ولغيره يحذفها. قال المصنف: حذف النون بغير ناصب ولا جازم لغة. انتهى.
"أن يعطاها" أي الراية وفي مسلم عن أبي هريرة أن عمر قال: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، وفي حديث بريدة فما منا رجل له منزلة عند رسول الله ﷺ إلا وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل حتى تطاولت أنالها، "فقال: أين علي بن أبي طالب، فقالوا: "رواية أبي ذر ولغيره، فقيل: "يا رسول الله هو يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه" قال المصنف: بكسر السين أمر من الإرسال وفتحها، أي: قال سهل: فأرسلوا أي الصحابة إلى علي وهو بخيبر لم يقدر على مباشرة القتال لرمده "فأتي به" ولمسلم عن سلمة فأرسلني إلى علي فجئت به أقوده أردم قال الحافظ: فظهر منه أنه الذي أحضره، ولعل عليا حضر إليهم ولم يقدر على مباشرة القتال لرمده، فأرسل إليه ﷺ فحضر من المكان الذي نزل به أو بعث إليه إلى المدينة، فصادف حضوره "فبصق ﷺ في عينيه" وعند الحاكم عن علي نفسه فوضع رأسي في حجره ثم بزق في ألية راحته فدلك بها عيني، والألية اللحمة التي تحت الإبهام أو باطن الكف، "ودعا له" فقال: "اللهم أذهب عنه الحر، والقر".
رواه الطبراني بالقاف أي البرد "فبرأ" قال الحافظ بفتح الراء والهمزة بوزن ضرب، ويجوز كسر الراء بوزن علم. انتى.
فالراية بالفتح فتسمح المصنف في قوله بفتح الراء وكسرها "حتى كأن لم يكن به وجع" زاد بريدة فما وجعهما علي حتى مضى لسبيله أي مات.
رواه البيهقي وللطبراني عن علي: فما رمدت ولا صدعت مذ دفع إلي النبي ﷺ الراية يوم خيبر، وله من وجه آخر فما اشتكيتهما حتى الساعة، قال: ودعا لي فقال: "اللهم أذهب عنه الحر، والبرد". فما اشتكيتهما حتى يومي هذا.
وفي رواية يونس عن ابن إسحاق وكان علي يلبس القباء المحشو الثخين في شدة الحر فلا يبالي الحر ويلبس الثوب الخفيف في شدة البرد فلا يبالي البرد فسئل، فأجاب بأن ذلك بدعائه ﵊ يوم خيبر "فأعطاه الراية". وفي حديث أبي سعيد عند أحمد فانطلقстр. 1335
فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: "انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدًا خير من أن يكون لك حمر النعم". الحديث.
الحواشي
(١) حتى فتح الله عليه خيبر وفدك وجاء بعجوتها، "فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم" بحذف همزة الاستفهام "حتى يكونوا مثلنا" مسلمين، فقال: "انفذ" بضم الفاء بعدها معجمة أي: امض "على رسلك" بكسر الراء هينتك "حتى تنزل بساحتهم" بفنائهم "ثم ادعهم" بهمزة الوصل "إلى الإسلام".
وفي حديث أبي هريرة: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، واستدل بقوله: ادعهم إن الدعوة شرط في جواز القتال والخلاف فيه شهير فقيل: شرط مطلقا وهو عن مالك سواء من بلغتهم الدعوة أم لا قال: إلا أن يعجلوا المسلمين وقيل: لا مطلقا، وعن الشافعي مثله وعنه لا يقاتل من لم تبلغه الدعوة حتى يدعوهم، وأما من بلغته فتجوز الإغارة عليهم بغير دعاء وهو مقتضى الأحاديث، ويحمل حديث سهل على الاستحباب بدليل أن في حديث أنس أنه ﷺ أغار على أهل خيبر لما لم يسمع النداء، وكان ذلك أول ما طرقهم، وقصة علي بعد ذلك.
وعن الحنفية تجوز الإغارة مطلقا وتستحب الدعوة، "وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه" أي في الإسلام فإن لم يطيعوا لك بذلك فقاتلهم، "فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك حمر" بضم المهملة وسكون الميم "النعم" بفتح النون، والعين المهملة وهو من ألوان الإبل المحمودة، قيل: المراد خير من أن تكون لك فتتصدق بها وقيل: تقتنيها وتملكها، وكانت مما يتفاخر العرب بها, قال النووي: وتشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا للتقريب إلى الإفهام، وإلا فذرة من الآخرة خير من الدنيا وما فيها بأسرها ومثلها معها، وزاد مسلم من حديث إياس ابن سلمة عن أبيه، وخرج مرحب فقال:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فبرز له علي وهو يقول:
أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره
أكيلهم بالسيف كيل السندره
وضرب مرحبا، ففلق رأسه وقتله وكان الفتح.
قال الحافظ: وخالف في ذلك أهل السير حزم ابن إسحاق وابن عقبة والواقدي بأن الذي قتل مرحبا هو محمد بن مسلمة وكذا.стр. 1336
ولما تصاف القوم، كان سيف عامر قصيرا، فتناول ساق يهودي ليضربه فرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر فمت منه. فلما قفلوا، قال سلمة:
الحواشي
(١) روى أحمد بإسناد حسن عن جابر وقيل: أن ابن مسلمة كان بارزه فقطع رجليه فأجهز علي عليه، وقيل: إن الذي قتله هو الحارث أخو مرحب فاشتبه على بعض الرواة، فإن يكن كذلك وإلا فما في الصحيح مقدم على ما سواه ولا سيما قد جاء عن بريدة أيضا عند أحمد، والنسائي، وابن حبان، والحاكم. انتهى.
وقد قال ابن عبد البر: إنه الصحيح، وابن الأثير الصحيح الذي عليه أهل السير و"الحديث" أن عليا قاتله، وقال الشامي: ما في مسلم مقدم عليه من وجهين: أحدهما: أنه أصح إسنادا, الثاني: أن جابرا لم يشهد خيبر، كما ذكر ابن إسحاق، والواقدي, وغيرهما، وقد شهدها سلمة وبريدة وأبو رافع فهم أعلم ممن لم يشهدها، وما قيل: إن ابن مسلمة قطع ساقي مرحب ولم يجهز عليه ومر به علي فأجهز عليه يأباه حديث سلمة وأبي رافع. انتهى.
وذكر قاسم بن ثابت في الدلائل أن اسمه في الكتب القديمة أسد وهو حيدرة, وقيل: سمته أمه أسد باسم أبيها فلما قدم أبوه سماه عليا وقيل: لقب به في صغره، لأن الحيدرة الممتلئ لحما مع عظم بطن وكان كذلك. انتهى.
ويقال: إن عليا كاشفه بذلك لأن مرحبا رأى تلك الليلة مناما أن أسدا افترسه، فأشار بقوله حيدرة إلى أنه الأسد الذي يفترسه، فلما سمع ذلك ارتعد وضعفت نفسه.
"و" في حديث سلمة بن الأكوع السابق أوله "لما تصاف" بتشديد الفاء " القوم" للقتال "كان سيف عامر" بن الأكوع "قصيرا، فتناول" أي قصد ساق يهودية ليضربه" به، ولأحمد عن إياس بن سلمة عن أبيه، فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فبرز إليه عامر فقال:
قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مقامر
فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسفل له بفتح التحتية وسكون المهملة وضم الفاء أي يضربه من أسفل، فرجع ذباب" بضم المعجمة، وبالموحدة "سيفه".
قال الحافظ: أي طرفه الأعلى, وقيل: حده "فأصاب عين ركبة عامر" أي طرف ركبته الأعلى، وفي رواية يحيى القطان فأصيب عامر بسيف نفسه ولمسلم فقطع أكحله فكانت فيها نفسه، ولابن إسحاق فكلمه كلما شديدا "فمات منه فلما قفلوا" رجعوا من خيبر "قال سلمة"стр. 1337
قلت يا رسول الله، فداك أبي وأمي، زعموا أن عامرا حبط عمله، فقال النبي ﷺ : "كذب من قال، وإن له أجرين -وجمع بين إصبعيه- إنه لجاهد مجاهد". رواه البخاري أيضا.
وعن يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة بساق سلمة، فقلت: ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتها يوم خيبر, فأتيت النبي ﷺ فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة.
الحواشي
(١) رآني رسول الله ﷺ وهو آخذ بيدي، وللبخاري في الأدب رآني شاحبا بمعجمة ثم مهملة وموحدة أي: متغير اللون. وفي رواية إياس فأتيته وأنا أبكي.
قال: "ما لك"؟ "قلت: يا رسول الله فداك أبي وأمي زعموا أن عامرا أحبط عمله".
وفي رواية إياس: بطل عمل عامر قتل نفسه وسمي في الأدب من القاتلين أسيد من حضير وعند ابن إسحاق ونحوه لمسلم فكان المسلمين شكوا فيه، وقالوا: إنما قتله سلاحه "فقال النبي ﷺ : "كذب" أي أخطأ "من قاله وأن له أجرين"، وفي رواية لأجرين باللام للتأكيد أجر الجهاد في الطاعة وأجر الجهاد في سبيل الله, وجمع بين إصبعيه: "إنه لجاهد مجاهد" قال الحافظ: كذا للأكثر باسم الفاعل فيهما وكسر الهاء والتنوين والأول مرفوع والثاني اتباع للتأكيد، كما قالوا: جاد مجد ولأبي ذر عن الحموي، والمستملي لجاهد بفتح الهاء والدال وكذا ضبطه الباجي، قال ابن دريد: رجل جاهد أي: جاهد في أموره، وقال ابن التين: الجاهد من يرتكب المشقة ومجاهد أي لأعداء الله تعالى. انتهى.
وقال الزركشي: وتبعه الدماميني بفتح الهاء في الأول ماض وكسر الهاء في الثاني اسما منصوبا بذلك الفعل جمعا المجهد "رواه البخاري أيضا" وبقية الحديث فيه قل عربي مشى بها مثله بالميم والقصر من المشي والضمير للأرض أو المدينة أو الحرب أو الخصلة، "وعن يزيد" من الزيادة "ابن أبي عبيد" بضم العين الأسلمي مولى سلمة, ثقة.
روى له الجميع مات سنة بضع وأربعين ومائة. "قال: رأيت أثر ضربة بساق سلمة" بن الأكوع. "فقلت": يا أبا مسلم "ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتها" أي ساقه. وفي رواية أصابتنا وأخرى أصابتني "يوم خيبر" نصب على الظرفية، فقال الناس: أصيب سلمة "فأتيت النبي ﷺ فنفث فيه", قال الحافظ وغيره: أي موضع الضربة "ثلاث نفثات" بمثلثة بعد الفاء المفتوحة فيهم جمع نفثة وهي فوق النفخ ودون التفل، وقد تكون بغير ريق بخلاف التفل وقد تكون بريق خفيف بخلاف النفخ "فما اشتكيتها حتى الساعة" قال المصنف: بالجر على أن حتى جارة. انتهى.стр. 1338
أخرجه البخاري.
وعند أيضا عن أبي هريرة: شهدنا خيبر فقال رسول الله ﷺ لرجل ممن معه يدعي الإسلام: "هذا من أهل النار"، فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال، حتى كثرت به الجراحة، فكاد بعض الناس يرتاب،
الحواشي
(١) فهو الرواية وإن جاز النصب وفيه معجزة باهرة "أخرجه البخاري" ثلاثيا، فقال: حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد. قال: رأيت. فذكره, "وعنده أيضا عن أبي هريرة" قال: "شهدنا خيبر" مجاز عن جنسه من المسلمين، فالثابت أنه إنما جاء بعد فتحها وعند الواقدي أنه قدم بعد فتح معظمها فحضر فتح آخرها لكن البخاري في الجهاد عن أبي هريرة أتيت رسول الله ﷺ وهو بخيبر بعدما افتتحها أو هو مجاز عن شهود الغنيمة؛ لأنه شهد قسم النبي ﷺ لغنائم خيبر بها اتفاقا، "فقال رسول الله ﷺ لرجل" -اللام بمعنى عن, كقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ أو بمعنى أي في شأنه وسببه, ومنه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ - ممن معه يدعي الإسلام" نفاقا.
قال الحافظ: وقع لجماعة ممن تكلم على البخاري أنه قزمان بضم القاف وسكون الزاي، الظفري بفتح المعجمة والفاء نسبة إلى بني ظفر بطن من الأنصار المكنى أبا الغيداق بمعجمة مفتوحة وتحتية ساكنة آخره قاف، ويعكر عليه ما جزم به ابن الجوزي تبعا للواقدي أن قزمان قتل بأحد وكان يتخلف عن المسلمين عيره النساء فخرج حتى صار في الصف الأول فكان أول من رمى بسهم ثم فعل العجائب، فلما انكسر المسلمون كسر جفن سيفه وجعل يقول الموت أحسن من الفرار، فمر به قتادة بن النعمان فقال: هنيئا لك الشهادة. قال: إني والله ما قاتلت على حسب قومي، ثم أقلقته الجراحة فقتل نفسه.
لكن الواقدي لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف نعم عند أبي يعلى تعيين يوم أحد، لكن لم يسمل قاتل نفسه وفيه راو مختلف فيه "هذا من أهل النار" لنفاقه، أو أنه سيرتد ويستحل قتل نفسه، "فلما حضر القتال" بالرفع على الفاعلية، ويجوز النصب أي فلما حضر الرجل القتال "قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراح فكاد بعض الناس يرتاب".
وفي رواية بزيادة أن في خبر كاد وهو جائز على قلة أي شك في قوله ﷺ هذا من أهل النار، وفيه إشعار بأنهم ما ارتابوا، وإنما هو استفهام خوف على أنفسهم، ففي حديث سهل عند البخاري. فقالوا: أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟ وفي حديث أكثم بن أبي الجون الخزاعي عند الطبراني، قلنا: يا رسول الله إذا كان فلان في عبادته واجتهاده ولين جانبه في النار فأين نحن؟ قال: ذاك أخبأت النفاق فكنا نتحفظ عليه في القتال، وفي حديث سهل فيстр. 1339
فوجد الرجل ألم الجراحة فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها سهما فنحر نفسه، فاشتد رجل من المسلمين فقال: يا رسول الله، صدق الله حديثك، انتحر فلان فقتل نفسه. فقال: "قم يا فلان فأذن: إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر".
الحواشي
(١) البخاري، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه أي: أصحبه وألازمه لأنظر السبب الذي به يصير من أهل النار، فإن فعله في الظاهر جميل وقد أخبر الصادق المصدوق أنه من أهل النار فلا بد له من سبب عجيب، قال فخرج معه كلما وقف وقف معه "فوجد الرجل ألم الجراحة، فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها سهما" بالإفراد للكشميهني ولغيره أسهما بفتح أوله وضم الهاء بلفظ الجمع، "فنحر نفسه فاشتد" أي أسرع في المشي "رجل" بالإفراد "من المسلمين" قال الحافظ: هو أكثم الخزاعي، ففي حديثه عند الطبراني، فأتيت النبي ﷺ فقلت: أشهد أنك رسول الله. انتهى.
ويقع في نسخ رجال بالجمع وهو من تحريف النساخ، فالذي في البخاري بالأفراد وفسره شارحه بما ترى "فقال" بالإفراد، كما هو في البخاري، ونسخة، فقالوا: خطأ "يا رسول الله صدق الله حديثك انتحر فلان فقتل نفسه".
قال المهلب هذا الرجل ممن أعلمنا ﷺ أنه نفذ عليه الوعيد، من النفاق ولا يلزم منه أن كل من قتل نفسه يقضى عليه بالنار، وقال ابن التين: يحتمل أن قوله من أهل النار أي إن لم يغفر الله له، ويحتمل أنه حين أصابته الجراحة ارتاب وشك في الإيمان أو استحل قتل نفسه فمات كافرا ويؤيده قوله ﷺ لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وبذلك جزم ابن المنير "فقال" ﵇: "قم يا فلان" هو بلال، كما عند البخاري في كتاب القدر بلفظ: "يا بلال قم". ولمسلم: "قم يابن الخطاب". وللبيهقي أن المنادي عبد الرحمن بن عوف ويجمع بأنهم نادوا جميعا في جهات مختلفة قاله في الفتح وقال في مقدمته: روى الطبراني والبيهقي عن العرباض أن عبد الرحمن أذن أن الجنة لا تحل إلا لمؤمن، وكان هذا في قصة أخرى أو المؤذن أكثر من واحد. انتهى.
"فأذن" بشد المعجمة المكسورة أي أعلم الناس "إنه" ولأبي ذر: أن "لا يدخل الجنة إلا مؤمن" فيه إشعار بسلب الإيمان عن هذا الرجل. "إن الله يؤيد" وللكشميهني: ليؤيد التأكيد. قال النووي: يجوز في أن فتح الهمزة وكسرها "هذا الدين بالرجل الفاجر" الذي قتل نفسه، أو أل للجنس لا للعهد فيعم كل فاجر أيد الدين وساعده بوجه من الوجوه. انتهى.
وليس فيه على أنها عهدية ما يقضي بكفره لأن عصيانه كاف في فجوره، وقال الحافظ:стр. 1340
وفي رواية: فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة". الحديث.
الحواشي
(١) الذي يظهر أن المراد بالفاجر أعم من أن يكون كافرا أو فاسقا ولا يعارضه قوله ﷺ إنا لا نستعين بمشرك لأنه محمول على من كان يظهر الكفر أو هو منسوخ.
وفي الحديث أخبار ﷺ بالمغيبات وذلك من معجزاته الظاهرة وفيه جواز إعلام الرجل الصالح بفضيلة تكون فيه والجهر بها، "و" عنده أي البخاري أيضا " في رواية" هنا وفي مواضع من طرق عن سهل بن سعد أنه ﷺ التقى هو والمشركون فاقتتلوا فمال إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحابه رجل لا يدع لهم شاذة ولا فادة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقيل: ما أجزى منا أحد اليوم كما أجزى فلان، فقال ﷺ : "أما إنه من أهل النار"، فقال رجل من القوم أنا صاحبه فخرج معه كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه فجرح الرجل جرحا شديدا فاستعجل الموت فوضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه فخرج الرجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: "وما ذاك"؟ قال: الرجل الذي ذكرت آنفا أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك. فقلت: أنا لكم به فخرجت في طلبه, ثم جرح جرحا شديدا فاستعجل المو فوضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه. فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة" من الطاعات "فيما يبدو" يظهر "للناس وهو من أهل النار" فيدخلها "وأن الرجل ليعمل بعمل" الباء فيهما زائدة للتأكيد أو ضمن يعمل معنى يتلبس بعمل "أهل النار" من المعاصي "فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة".
زاد الطبراني في حديث أكثم تدركه الشقاوة والسعادة عند خروج نفسه فيختم له بها، وذكر في ذا الحديث أهل الخير والشر صرفا إلى الموت لا الذين خلطوا وماتوا مسلمين، فلم يقصد تعميم أحوال المكلفين، بل أورده لبيان أن الاعتبار بالخاتمة، ختم الله أعمالنا بالصالحات بمنه وكرمه أنه على ذلك قدير.
قال النووي: فيه التحذير من الاغترار بالأعمال وأنه ينبغي للعبد أن لا يتكل عليها ولا يركن إليها مخافة من انقلاب الحل للقدر السابق، وكذا ينبغي للعاصي أن لا يقنط ولغيره أن لا يقنطه من رحمة الله "الحديث" تتمته: "وإنما الأعمال بالخواتيم".
هكذا رواه البخاري في كتاب القدر من صحيحه وبوب عليه العمل بالخواتيم.
ورواه في الجهاد والمغازي بطرق بإسقاط تتمته هذه، وقد صرح في حديث أبي هريرةстр. 1341
وقاتل النبي ﷺ أهل خيبر، وقاتلوه أشد القتال، واستشهد من المسلمين خمسة عشر، وقتل من اليهود ثلاثة وتسعون.
وفتحها الله عليه حصنا حصنا، وهي: النطاة، وحصن أصعب وحصن ناعم،
الحواشي
(١) السابق بما أبهمه في حديث سهل هذا من أن هذه القصة كانت بخيبر وهو ظاهر سياق المصنف كظاهر سياق البخاري فإنه أورد في المغازي حديث سهل ثم عقبه بحديث أبي هريرة، ثم أورد بعده حديث سهل بطريق آخر، وكذا في القدر فإنه روى حديث أبي هريرة، ثم حديث سهل لكن بين السياقين اختلاف فسياق أبي هريرة أن الرجل استخرج أسهما من كنانته فنحر بها نفسه وأنه ﵇ قال: لما أخبروه بقصته قم ... إلخ.
وسياق سهل أنه اتكأ على سيفه حتى خرج من ظهره وأن المصطفى قال: حين أخبرته أن الرجل ... إلخ، ولذا جنح ابن التين إلى التعدد وأنهما قصتان متغايرتان في موطنين لرجلين.
قال الحافظ: ويمكن الجمع وأنها قصة واحدة بأنه ﵇ قال: إن الرجل ... إلخ، وأمر بالنداء بذلك وأنه نحر نفسه بأسهمه فلم تزهق روحه وأشرف على الموت فاتكأ على سيفه استعجالا له. والله أعلم.
"وقاتل النبي ﷺ أهل خيبر" نسب إليه القتال لأمره به وصدوره عن رأيه وتصرفه، "قاتلوه أشد القتال واستشهد من المسلمين خمسة عشر" رجلا من ابن سعد، وزاد عليه غيره، وسردهم الشامي أربعا وثلاثين. فالله أعلم.
قال ابن إسحاق: أخبرني عبد الله بن نجيح أنه ذكر له: إن الشهيد إذا أصيب نزلت زوجتاه من الحور العين عليه تنقصان التراب عن وجهه وتقولان ترب الله وجه من تربك وقتل من قتلك، "وقتل من اليهود ثلاثة وتسعون" بفوقية قبل السين لعنهم الله "وفتحها الله عليه حصنا" نصب على الحال "حصنا" نصب تأكيدا عند الزجاج، وصفة للأول عند ابن جني وبالأول عند الفارسي؛ لأنه لما وقع موقع الحال جاز عليه.
قال المرادي والمختار أنهما منصوبان بالعامل الأول لأن مجموعهما هو الحال ونظيره في الخبر، هذا حلو حامض، "وهي النطاة" بنون فطاء مهملة بوزن حصاة "وحصن أصعب" بفتح الصاد وإسكان العين المهملتين وبالموحدة ابن معاذ.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر عمن حدثه عن بعض أسلم، والواقدي عن معتب بشد الفوقية المكسورة الأسلمي أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء فلم نجد عنده شيئا، فقال: "اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست بهم قوة وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه فافتح عليهم أعظم حصونها غنى وأكثرهاстр. 1342
وحصن قلعة الزبير، والشق، وحصن البريء، والقموص, والوطيح, والسلالم.
الحواشي
(١) طعاما وودكا"، فعدل الناس ففتح الله عليهم حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه "وحصن ناعم" بنون فألف فمهملة فميم.
قال ابن إسحاق وهو أول حصونهم افتتح وعنده قتل محمود بن مسلمة ألقيت عليه رحى منه. ثم ذكر بعد قليل أنه ﵇ دفع كنانة بن ربيع بن أبي الحقيق إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود، ففيه أن كنانة قتل محمودا وذكر أبو عمر أن مرحبا ألقى على محمود رحى، فأصابت رأسه فهشمت البيضة رأسه وسقطت جلدة جبينه على وجهه، فأتى به رسول الله ﷺ فرد الجلدة، فعادت كما كانت وعصبها بثوبه فمكن ثلاثة أيام ومات، فلعل كنانة ومرحبا دلياها عليه فنسب إلى هذا مرة وإلى الآخر أخرى، "وحصن قلعة الزبير" بن العوام الذي صار في سهمه بعد، وكان اسمه حصن قلة لكونه على رأس جبل، ثم مفاد عطف المصنف ما ذكر عن النطاة تبعا لمغلطاي أن النطاة اسم لحصن مغاير لما بعده، والشامي جعل النطاة اسمها لحصن ناعم، والصعب والزبير فإن وفقت بينهما فقدر بعد وهي النطاة وحصونها ثلاثة، "والشق" بفتح الشين المعجمة وكسرها.
قال البكري: والفتح أعرف عند أهل اللغة وبالقاف المشددة، ووقع بخط مغلطاي بزيادة نون قبل القاف وفيه نظر وما أخاله إلا تصحيفا.
قاله البرهان في موضعين "و" يشتمل أيضا على حصون كثيرة منها "حصن أبي".
قال الواقدي: وهو أول ما بدأ به من حصون الشق فتقاتلوا قتالا شديدا، ثم تحامل المسلمون على الحصن فدخلوه يقدمهم أبو دجانة، فوجدوا فيه أثاثا ومتاعا وغنما وطعاما هرب من فيه من المقاتلة إلى حصن النزال بالشق فغلقوه وامتنعوا به أشد الامتناع، وزحف ﷺ إليهم في أصحابه فقاتلهم فكانوا أشد أهل الشق رميا بالنبل والحجارة، فأخذ ﷺ كفا من حصى فحصب به حصنهم فرف بهم، ثم ساخ في الأرض حتى جاء المسلمون فأخذوا أهله باليد. "وحصن البريء" بفتح الموحدة وكسر الراء المخففة وبالمد. "والقموص" بفتح القاف وضم الميم وسكون الواو، فصاد مهملة، وقيل: بغين فضاد معجمتين وهو الذي فتحه علي، وهو أعظم حصون الكتيبة بكاف مفتوحة ففوقية وقيل: مثلثة مكسورة فتحتية ساكنة فموحدة، ويقال: بضم الكاف ومنه سبيت صفية. "والوطيح" بفتح وكسر الطاء فتحتية ساكنة فحاء مهملتين، كما ضبطه ابن الأثير وغيره.
قال البرهان وسمعت من قرأه بإعجام الخاء وهو تصحيف قال البكري سمي بالوطيح بنстр. 1343
وهو حصن بني أبي الحقيق.
وأخذ كنز آل أبي الحقيق الذي كان في مسك الحمار، وكانوا قد غيبوه في خربة، فدل الله رسوله عليه فاستخرجه.
وقلع
الحواشي
(١) مازن رجل من ثمود.
قال السهيلي: مأخوذ من الوطح وهو ما بالإظلال ومخالب الطير، من الطين "والسلالم" بضم السين المهملة وقيل: بفتحها وكسر اللام قبل الميم، ويقال: فيه السلاليم على ما تقدم أي من ضم السين وفتحها قاله ابن الأثير: قال ابن إسحاق وكانا آخر حصونها افتتاحا، "وهو حصن بني أبي الحقيق" بحاء مهملة وقافين مصغر، "وأخذ كنز آل أبي الحقيق" المشتمل على حلي وآنية وغيرهما، أي مالهم الذي غيبوه أضيف لهم لكونه في أيدي أكابرهم، وكانوا يعيرونه العرب وإلا فهو مال بني النضير الذي حمله حيي بن أخطب لما أجلي عن المدينة "الذي كان في مسك" بفتح الميم، وسكون السين المهملة جلد "الحمار" أولا، فلما كثر جعلوه في مسك ثور، ثم في مسك جمل كما قال الواقدي, ويحتمل أنهم ردوه إلى مسك الحمار لنفاد بعضه وغيبوه به قيل وخص جلد الحمار لأن الأرض لا تأكله، "وكانوا قد غيبوه في خربة فدل الله رسوله عليه" فأخبره بموضعه كما عند البيهقي عن عروة. وروى ابن سعد، والبيهقي عن ابن عمر أن أهل خيبر شرطوا له ﷺ أن لا يكتموه شيئا فإن فعلوا فلا ذمة لهم فأتى بكنانة والربيع، فقال: "ما فعل مسك حيي الذي جاء به من بني النضير". قالا: أذهبته الحروب والنفقات، فقال: "العهد قريب والمال أكثر من ذلك". وروى البيهقي، وابن سعد عن ابن عباس أنه ﷺ دعا بكنانة وأخيه الربيع، وابن عمهما، فقال: "أين آنيتكما التي كنتم تعيرونها أهل مكة". قالا: هربنا، فلم نزل تضعنا أرض وترفعنا أخرى فذهب فأنفقنا كل شيء، فقال: "إن كتمتماني شيئا فاطلعت عليه استحللت به دماءكما وذراريكما". فقالا: نعم فدعا رجلا من الأنصار فقال: "اذهب إلى نخل كذا وكذا, فانظر نخلة مرفوعة فائتني بما فيها". فجاءه بالآنية والأموال فقومت بعشرة آلاف دينار فضرب عنقهما وسبى أهليهما بالنكث الذي نكثاه "فاستخرجه".
وعند ابن إسحاق أن كنانة جحد أن يكون يعلم مكانه وعند البلاذري فدفع ﷺ شعبة بن عمرو إلى الزبير فمسه بعذاب، فقال: رأيت حييا يطوف في خربة ففتشوها فوجدوا المسك فقتل ابني أبي الحقيق، وعند ابن إسحاق أنه أخرج من الخربة بعض كنزهم وسأل كنانة عما بقي فأبى فأمر رسول الله ﷺ الزبير، فقال له: عذبه حتى تستأصل ما عنده فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه المصطفى إلى محمد بن مسيلمة فقتله بأخيه "وقلعстр. 1344
علي باب خيبر، ولم يحركه سبعون رجلا إلا بعد جهد.
وفي رواية ابن إسحاق: سبعة، وأخرجه من طريق البيهقي في الدلائل، ورواه الحاكم، وعنه البيهقي من جهة ليث بن أبي سليم، عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين عن جابر: أن عليا حمل الباب يوم خيبر، وأنه جرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا, وليث ضعيف.
الحواشي
(١) علي باب خيبر" الذي كان منصوبا كما هو المتبادر منه.
ويوافقه الرواية الآتية اجتذب أحد أبواب الحصن وفي رواية ابن إسحاق فتناول علي بابا عند الحصن فتترس به فهذا يشعر أنه لم يكن منصوبا فيحتمل أنه لما وصل قلع الباب وألقاه بالأرض فخرجوا إليه فتقاتلوا، فتناول ذلك الباب الذي اقتلعه وجعله ترسا وقاتل والعلم عند الله "ولم يحركه سبعون رجلا إلا بعد جهد" ففيه فرط قوته وكمال شجاعته ﵁.
"وفي رواية ابن إسحاق" حدثني عبد الله بن حسن عن بعض أهله عن أبي رافع قال: خرجنا مع علي حين بعثه ﷺ برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من يده، فتناول علي بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ فلقد رأيتني في "سبعة" معي أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فلم نقلبه.
"وأخرجه من طريقه البيهقي في الدلائل" للنبوة إشارة إلى أن هذه القوة والشجاعة إنما هي علامة لنبوة من أرسله ﷺ .
"ورواه" الحديث من وجه آخر "الحاكم" محمد بن عبد الله المشهور "وعنه" أخرجه "البيهقي" فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ويقع في بعض النسخ الحاكم عن البيهقي من تحريف الجهال جعلوا الشيخ تلميذا مع أنه خلاف الواقع " من جهة" أي طريق "ليث بن أبي سليم" أيمن، وقيل: أنس وقيل: غير ذلك ابن زنيم بزاي ونون مصغر صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه. مات سنة ثمان وأربعين ومائة "عن أبي جعفر" الباقر "محمد بن علي بن الحسين" بن علي بن أبي طالب الهاشمي، الثقة الفاضل، المتوفى سنة بضع عشرة ومائة، "عن جابر، أن عليا حمل الباب يوم خيبر" حتى صعد عليه المسلمون فافتتحوها. هذا أسقطه المصنف من الرواية المذكورة قبل قوله: "وأنه جرب" بضم الجيم وشد الراء وفتح الموحدة، أي أريد اختباره ليستدل به على كمال شجاعته. "بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا", قال الحافظ: والجمع بينهما أن السبعة عالجوا قلبه والأربعين عالجوا حمله والفرق بين الأمرين ظاهر، ولو لم يكن إلا باختلاف حال الأبطال. "وليث ضعيف" والراوي عنه شيعي، وكذا من دونه لكن لمن دونه متابع ذكره البيهقي.стр. 1345
وفي رواية البيهقي: أن عليا لما انتهى إلى الحصن اجتذب أحد أبوابه فألقاه بالأرض، فاجتمع عليه بعده منا سبعون رجلا فكان جهدهم أن أعادوا الباب مكانه.
قال شيخنا: وكلها واهية، ولذا أنكره بعض العلماء. انتهى.
وفي البخاري: وتزوج ﵊ بصفية بنت حيي بن أخطب، وكان قد قتل زوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وكانت عروسا،
الحواشي
(١) "وفي رواية البيهقي" أيضا من جهة حرام بن عثمان عن أبي عتيق وأبي الزبير عن جابر "أن عليا لما انتهى إلى الحصن" المسمى القموص، وكان من أعظم حصونهم كما في الفتح وهو المعبر عنه بخيبر في الحديث، الذي فوقه لكونه من أعظمهما "اجتذب أحد أبوابه، فألقاه بالأرض، فاجتمع عليه بعده منا سبعون رجلا" لا يعارض رواية أربعين؛ لأنهم عالجوا حمله فما قدروا فتكاملوا سبعين، "فكان جهدهم" بالنصب خبر كان أي غاية وسعهم وطاقتهم واسمها "أن أعادوا الباب" أي إعادة الباب "مكانه".
"قال شيخنا": زاد في نسخة السخاوي أي في المقاصد الحسنة "وكلها" أي الأحاديث الثلاثة المذكورة "واهية" أي شديدة الضعف، "ولذا أنكره بعض العلماء" كالحافظ الذهبي فإنه بعد أن ذكر رواية الأربعين. قال: هذا منكر "انتهى".
والمنكر من قسم الضعيف، "وفي البخاري" عن أنس "وتزوج ﵊ بصفية بنت حيي بن أخطب" بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة، وفتح الطاء المهملة، آخره موحدة ابن سعية بفتح المهملة وسكون العين المهملة فتحتية مفتوحة ابن عامر بن عبيد بن كعب من سبط لاوي بن يعقوب، ثم من ذرية هارون أخي موسى ﵉, وأمها ضرة بفتح الضاد المعجمة بنت سموال بني قريظة وكانت تحت سلام بن شكم القرظي، ثم فارقها فتزوجها كنانة النضيري فقتل عنها يوم خيبر.
ذكره ابن سعد وأسند بعضه من وجه مرسل، "وكان قد قتل زوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق" من بني النضير، وكان سبب قتله ما أخرجه البيهقي برجال ثقات.
عن ابن عمر أن النبي ﷺ لما نزل من نزل من أهل خيبر على أن لا يكتموه شيئا من أموالهم فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، قال: فغيبوا مسكا فيه مال حلى لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر فسئلوا عنه، فقالوا: أذهبته النفقات، فقال: "العهد قريب والمال أكثر من ذلك". قال: فوجد بعد ذلك في خربة فقتل ﷺ ابني أبي الحقيق وأحدهما زوج صفية "وكانت عروسا".стр. 1346
فذكر له جمالها، فاصطفاها لنفسه فخرج بها حتى بلغت سد الصهباء حلت له, يعني طهرت من الحيض, فبنى بها ﵊ فصنع حيسا في نطع
الحواشي
(١) قال الخليل رجل عروس في جرال عرس وامرأة عروس في نساء عرائس، قال: والعروس نعت يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في تعريسهما أياما.
قال العيني: وما اشتهر على ألسنة العوام أن الذكر عريس والأنثى عروسة لا أصل له لغة "فذكر له جمالها" وفي رواية للبخاري أيضا، فجاء رجل فقال: يا نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير؟ لا تصلح إلا لك.
قال الحافظ: لم أقف على اسم الرجل "فاصطفاها" اختارها "لنفسه".
روى أبو داود وأحمد، وصححه ابن حبان، والحاكم عن عائشة، قالت: كانت صفية من الصفي وهو بفتح المهملة وكسر الفاء وشد التحتية فسره ابن سيرين عند أبي داود بسند صحيح عنه، قال: كان يضرب للنبي ﷺ بسهم مع المسلمين والصفي يؤخذ له رأس من الخمس، قبل كل شيء، وعنده عن الشعبي كان له ﷺ سهم يدعى الصفي إن شاء عبدا وإن شاء أمة وإن شاء فرسا يختاره من الخمس، وعنده عن قتادة كان ﷺ إذا غزا كان له سهم صاف يأخذه من حيث شاء وكانت صفية من ذلك السهم، وقيل: كان اسمها قبل السبي زينب فلما صارت من الصفي سميت صفية، "فخرج بها حتى بلغت". رواية أبي ذر: أي وصلت صفية, ولغيره: حتى بلغ "سد" بفتح المهملة وضمها "الصهباء" بفتح الصاد المهملة وسكون الهاء وبالموحدة والمد موضع أسفل خيبر، وفي رواية سد الروحاء. قال الحافظ: والأول أصوب والروحاء بالمهملة مكان قرب المينة بينهما نيف وثلاثون ميلا من جهة مكة وقيل: بقرب المدينة مكان آخر يقال له: الروحاء وعلى التقديرين فليست قرب خيبر، فالصواب ما اتفق عليه الجماعة أنها الصهباء وهي على بريد من خيبر. قاله ابن سعد وغيره.
"حلت له" قال المصنف: "يعني طهرت من الحيض" فصارت بذلك حلاله وعند ابن سعد وأصله في مسلم قال أنس: ودفعها إلى أمي أم سليم حتى تهيئها وتصنعها وتعتد عندها. قال الحافظ: وإطلاق العدة عليها مجاز عن الاستبراء "فبنى بها" دخل عليها "﵊ فصنع" وفي رواية: ثم صنع "حيسا" بحاء مهملة مفتوحة فتحتية ساكنة فسين مهملة، أي تمرا مخلوطا بسمن وأقط قال الشاعر:
التمر والسمن جميعا والأقط ... الحيس إلا أنه لم يختلط
"في نطع" بكسر النون وفتح الطاء المهملة، وعليها اقتصر ثعلب في فصيحه، وكذا في الفرع وغيره من الأصول، ويجوز فتح النون وسكون الطاء وفتحهما وكسر النون وسكون الطاء، وقال الزركشي: فيه سبع لغات وجمعه أنطاع ونطوع قاله المصنف في الصلاة ولكون الروايةстр. 1347
صغير، ثم قال لأنس: "آذن من حولك". فكانت تلك وليمته على صفية. قال أنس: ثم خرجنا إلى المدينة فرأيت النبي ﷺ يحوي لها وراءه بعباءة. ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب.
وفي رواية له: فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟ قالوا إن حجبها فهي إحدى أمهات.
الحواشي
(١) بالأول اقتصر عليه المصنف هنا "صغير، ثم قال: لأنس آذن" بمد الهمزة وكسر المعجمة أعلم "من حولك".
وفي رواية للبخاري فدعوت المسلمين إلى وليمته وما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن أمر بلالا بالأنطاع، فبسطت فألقى عليها التمر والأقط، والسمن. وفي رواية له أيضا فأصبح ﷺ عروسا. فقال: "من كان عنده شيء فليجئ به". وبسط نطعا، فجعل الرجل يجيء بالتمر والرجل يجيء بالسمن والرجل بالسويق، فحاسوا حيسا "فكانت تلك" الحيسة، وقال الكرماني: فكانت أي الثلاثة المصنوعة أو أنث باعتبار الخبر، كما ذكر في قوله تعالى، قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ ، "وليمته" وفي روية وليمة "على صفية" ورواية الأنطاع بالجمع لا تعارض رواية الأفراد لأنه بسط أولا فلما كثر الطعام من الجائين به بسطت الأنطاع وفيه مشروعية الوليمة، وأنها بعد البناء وحصولها بغير لحم ومساعدة الأصحاب بطعام من عندهم.
وروى ابن سعد عنها أنها قالت ما بلغت سبع عشرة سنة يوم دخلت على رسول الله ﷺ "قال أنس: ثم خرجنا إلى المدينة فرأيت النبي ﷺ يحوي" ضم أوله وفتح المهملة وشد الواو المكسورة: أي: يجعل "لها" حوية وهي كساء محشوة تدار حول الراكب "وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب".
وفي مغازي أبي الأسود عن عروة فوضع ﷺ لها فخذه لتركب فأجلته أن تضع رجلها على فخذه فوضعت ركبتها على فخذه، وركبت وفيه مزيد تواضعه وحسن خلقه ومزيد عقلها وكمال فضلها، وروي أنها قالت ما رأيت أحدا قط أحسن خلقا من النبي ﷺ لقد رأيته ركب بي من خيبر على عجز ناقته ليلا فجعلت أنعس فيضرب رأسي مؤخر الرحل فيمسني بيده، ويقول: "يا هذه مهلا". حتى إذا جاء الصهباء, قال: "أما إني أعتذر إليك مما صنعت بقومك أنهم قالوا لي: كذا، وكذا". ذكره في الروض.
"وفي رواية له" أي للبخاري أيضا: عن أنس "فقال المسلمون" هل هي "إحدى أمهات المؤمنين" الحرائر، "أو ما ملكت يمينه" فليست إحدى أمهاتهم، ففيه أن سراريه لا يتصفن بذلك وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ، "قالوا". ولأبي ذر: فقالوا. "إن حجبها فهي إحدى أمهاتстр. 1348
المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطأ لها ومد الحجاب.
وفي رواية أنه ﷺ قتل المقاتلة وسبى الذرية، وكان في السبي صفية فصارت إلى دحية الكلبي ثم صارت إلى النبي ﷺ فجعل عتقها صداقها.
الحواشي
(١) المؤمنين وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه"؛ لأن ضرب الحجاب إنما هو على الحرائر لا على ملك اليمين، "فلما ارتحل" أي أراد الرحيل بعدما أقام ثلاثة أيام حتى أعرس بها، كما قاله أنس في البخاري.
قال الحافظ المرد أنه أقام في المنزل الذي أعرس بها فيه ثلاثة أيام لا أنه سار ثلاثة أيام ثم أعرس؛ لأن بين الصهباء الذي بنى بها فيه وبين خيبر ستة أميال، ثم لا معارضة بين قوله ثلاثة أيام، وقوله في الرواية التي بعدها أقام ثلاثة ليال يبني عليه بصفية؛ لأنه بين أنها ثلاثة أيام بلياليها "وطأ" أي أصلح "لها" ما تحتها للركوب "ومد الحجاب"، فعلموا أنها من أمهات المؤمنين.
"وفي رواية" للبخاري أيضا عن أنس: "أنه ﷺ قتل المقاتلة" بكسر التاء أي الرجال "وسبى الذرية وكان في السبي صفية" الأكثر أنه اسمها الأصلي، وقيل: زينب وسميت بعد السبي والاصطفاء صفية "فصارت إلى دحية الكلبي،" وللبخاري أيضا عن أنس فجاء دحية، فقال: أعطني يا رسول الله جارية من السبي، قال: اذهب فخذ جارية فأخذ صفية فجاء رجل، فقال: يا رسول الله أعطيت دحية صفية سيدة قريظة والنضير لا تصلح إلا لك قال: "ادعوه بها". فجاء بها فلما نظر إليها ﷺ ، قال: "خذ جارية من السبي غيرها"، "ثم صارت إلى النبي ﷺ " فتزوجها "فجعل عتقها صداقها" أي جعل نفس العتق صداقا، ففي الصحيح أن ثابتا قال لأنس ما أمهرها قال: أمهرها نفسها.
وروى أبو الشيخ والطبراني عن صفية أعتقني ﷺ وجعل عتقي صداقي، أو أعتقها بلا عوض وتزوجها بلا مهر، لا حالا ولا مآلا، فحل العتق محل الصداق وإن لم يكن صداقا. كقولهم: الجوع زاد من لا زاد له، وصححه ابن الصلاح، وتبعه النووي في الروضة أو أعتقها بشرط أن ينكحها بلا مهر، فلزمها الوفاء أو أعتقها بلا عوض ولا شرط، ثم تزوجها برضاها من غير صداق.
وعزاه النووي في شرح مسلم للمحققين وصححه والكل من خصائصه عند الجمهور، وذهب أحمد في طائفة إلى جوازه حتى لو طلقها قبل البناء رجع عليها بنصف قيمتها، ويأتي إن شاء الله تعالى بسط هذا في الخصائص.стр. 1349
وفي رواية: فأعتقها وتزوجها.
وفي رواية: قال ﷺ لدحية: خذ جارية من السبي غيرها.
وفي رواية لمسلم: أنه ﷺ اشترى صفية منه بسبعة أرؤس.
وإطلاق الشراء على ذلك، على سبيل المجاز، وليس في قوله سبعة أرؤس ما ينافي قوله في رواية البخاري: خذ جارية من السبي غيرها، إذ ليس هنا دلالة على نفي الزيادة والله أعلم.
وإنما أخذ ﷺ صفية لأنها بنت ملك من ملوكهم
الحواشي
(١) "وفي الرواية" للبخاري أيضا "فأعتقها وتزوجها، وفي رواية" له أيضا: قال ﷺ لدحية: "خذ جارية من السبي غيرها". وعند ابن إسحاق أنها سبيت وسبي معها بنت عم لها وعند غيره بنت عم زوجها، فلما استرجع ﷺ صفية من دحية أعطاه بنت عمها.
قال السهيلي: لا معارضة بين هذه الأخبار فإنه أخذها منه قبل القسم والذي عوضه عنها ليس على سبيل البيع بل على سبيل النفل والهبة، غير أن بعض رواة الحديث في الصحيح، يقولون أنه اشتراها منه وكلهم يزيد في ذلك بعد القسم. انتهى.
"و" تعقبه الحافظ بأن "في رواية لمسلم" عن أنس أن صفية وقعت في سهم دحية، و"أنه ﷺ اشترى صفية منه بسبعة أرؤس" وعند ابن سعد وأصله في مسلم صارت صفية لدحية، فجعلوا يمدحونها فبعث ﷺ فأعطى بها دحية ما رضي، قال: فالأولى في طريق الجمع أن المراد بسهمه نصيبه الذي اختاره لنفسه لما أذنه في أخذ جارية، "وإطلاق الشراء على ذلك" العوض "على سبيل المجاز" لأنه لم يملكها إذ أذنه في أخذ مطلق جارية لم يرد به مثل هذه، "وليس في قوله سبعة أرؤس ما ينافي قوله في رواية البخاري خذ جارية من السبي غيرها إذ ليس هنا دلالة على نفس الزيادة".
قال الحافظ ولعله لما عوضه عنها بنت عمها أو بنت عم زوجها لم تطلب نفسه فأعطاه من جملة السبي زيادة على ذلك، وذكر الشافعي في الأم عن سير الواقدي أنه ﷺ طيب خاطره لما استرجع منه صفية فأعطاه أخت زوجها وفي الروض أعطاه ابنتي عمها "والله أعلم" بالواقع، "وإنما أخذ ﷺ صفية، لأنها بنت ملك من ملوكهم" فقد كان أبوها سيد بني النضير والملك يطلق على ذي السيادة والعظمة، كما في قوله وجعلكم ملوكا أي أصحاب حشم وخدم.
قال الحافظ: ولد صفية مائة نبي ومائة ملك، ثم صيرها الله لنبيه. انتهى، يعني أن في أصولها ذلك. والظاهر أنه من جهة الآباء والأمهات، كما قيل به في قول ابن الكلبي كتبتстр. 1350
وليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه، وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها، فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه، واختصاصه ﵊ بها، فإن في ذلك رضا الجميع، وليس ذلك من الرجوع في الهبة في شيء. انتهى.
قال مغلطاي وغيره: وكانت صفية قبل رأت أن القمر سقط في حجرها، فتؤول بذلك.
الحواشي
(١) للنبي ﷺ خمسمائة أم فما وجدت فيهن سفاحا، "وليس ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها" نسبا وجمالا، فقد قالت أم سنان الأسلمية: كانت صفية من أضوأ ما يكون من النساء. رواه ابن سعد، "فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه واختصاصه ﵊ بها، فإن في ذلك رضا الجميع" ﵃، "وليس ذلك من الرجوع في الهبة في شيء" بناء على أنه قبل القسم فلم يوجد فيها ملك حتى تنبني عليه الهبة. "انتهى".
هذا المبحث وأخذه من الفتح بتقديم وتأخير، وقال مغلطاي وغيره وكانت صفية قبل رأت أن القمر سقط في حجرها فتؤول بذلك". قال ابن إسحاق في رواية يونس: حدثني أبي إسحاق بن يسار، قال: لما افتتح ﷺ القموص حصن بني أبي الحقيق أتى بلال بصفية وابنة عمها، فمر بهما على قتلى يهود فصكت المرأة التي مع صفية وجهها وصاحت وحثت التراب على رأسها، فقال ﷺ : "أغربوا هذه الشيطانة عني". وجعل صفية خلفه، وغطى عليها ثوبه فعرف الناس أنه اصطفاها لنفسه، وقال لبلال: "أنزعت الرحمة من قلبك حين تمر بالمرأتين على قتلاهما"؟. وكانت صفية رأت قبل ذلك أن القمر وقع في حجرها، فذكرت ذلك لأبيها فلطم وجهها وقال: إنك لتمدين عنقك إلى أن تكوني عند ملك العرب فلم يزل الأثر في وجهها حتى أتى بها ﷺ فسألها عنه، فأخبرته.
وأخرج ابن أبي عاصم عن أبي برزة لما نزل ﷺ خيبر كانت صفية عروسا فرأت في المنام أن الشمس نزلت حتى وقعت في صدرها فقصت ذلك على زوجها، فقال: ما تمنين إلا هذا الملك الذي نزل بنا.
وأخرج أبو حاتم، وابن حبان, والطبراني عن ابن عمر رأى ﷺ بعين صفية خضرة، فقال: "ما هذه"؟. فقالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق، وأنا نائمة فرأيت قمرا وقع في حجري، فأخبرته بذلك, فلطمني، وقال: تمنين ملك يثرب. ولا يتوهم تعارض بين هذه الأخبار فالأثر الذي وليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه، وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها، فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه، واختصاصه ﵊ بها، فإن في ذلك رضا الجميع، وليس ذلك من الرجوع في الهبة في شيء. انتهى.
قال مغلطاي وغيره: وكانت صفية قبل رأت أن القمر سقط في حجرها، فتؤول بذلك.
_________
للنبي ﷺ خمسمائة أم فما وجدت فيهن سفاحا، "وليس ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها" نسبا وجمالا، فقد قالت أم سنان الأسلمية: كانت صفية من أضوأ ما يكون من النساء. رواه ابن سعد، "فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه واختصاصه ﵊ بها، فإن في ذلك رضا الجميع" ﵃، "وليس ذلك من الرجوع في الهبة في شيء" بناء على أنه قبل القسم فلم يوجد فيها ملك حتى تنبني عليه الهبة. "انتهى".
هذا المبحث وأخذه من الفتح بتقديم وتأخير، وقال مغلطاي وغيره وكانت صفية قبل رأت أن القمر سقط في حجرها فتؤول بذلك". قال ابن إسحاق في رواية يونس: حدثني أبي إسحاق بن يسار، قال: لما افتتح ﷺ القموص حصن بني أبي الحقيق أتى بلال بصفية وابنة عمها، فمر بهما على قتلى يهود فصكت المرأة التي مع صفية وجهها وصاحت وحثت التراب على رأسها، فقال ﷺ : $"أغروا هذه الشيطانة عني". وجعل صفية خلفه، وغطى عليها ثوبه فعرف الناس أنه اصطفاها لنفسه، وقال لبلال: $"أنزعت الرحمة من قلبك حين تمر بالمرأتين على قتلاهما؟ ". وكانت صفية رأت قبل ذلك أن القمر وقع في حجرها، فذكرت ذلك لأبيها فلطم وجهها وقال: إنك لتمدين عنقك إلى أن تكوني عند ملك العرب فلم يزل الأثر في وجهها حتى أتى بها ﷺ فسألها عنه، فأخبرته.
وأخرج ابن أبي عاصم عن أبي برزة لما نزل ﷺ خيبر كانت صفية عروسا فرأت في المنام أن الشمس نزلت حتى وقعت في صدرها فقصت ذلك على زوجها، فقال: ما تمنين إلا هذا الملك الذي نزل بنا.
وأخرج أبو حاتم، وابن حبان, والطبراني عن ابن عمر رأى ﷺ بعين صفية خضرة، فقال: $"ما هذه؟ ". فقالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق، وأنا نائمة فرأيت قمرا وقع في حجري، فأخبرته بذلك, فلطمني، وقال: تمنين ملك يثرب. ولا يتوهم تعارض بين هذه الأخبار فالأثر الذيстр. 1351
قال الحاكم: وكذا جرى لجويرية.
وفي هذ الغزوة حرم النبي ﷺ لحوم الحمر الأهلية, كما في البخاري ولفظه: فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم -يعني خيبر- أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال النبي ﷺ : "ما هذه النيران، على أي شيء توقدون"؟. قالوا: على لحم. قال: "على أي لحم"؟. قالوا: لحم.
الحواشي
(١) في وجهها من أبيها غير الخضرة التي بعينها من لطم ابن أبي الحقيق، ورأت الشمس وقعت في صدرها والقمر في حجرها فقصتهما معا عليه قال أبو عمر: كانت صفية عاقلة جليلة فاضلة روينا أن جارية لها قالت لعمر: إن صفية تحب السبت وتصل اليهود فبعث فسألها فقالت: أما السبت فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحما فأنا أصلهم، ثم قالت للجارية: ما حملك على هذا؟ قالت: الشيطان. قالت: اذهبي فأنت حرة.
وروى الترمذي عنها أنه بلغها عن عائشة وحفصة أنهما قالتا: نحن أكرم على رسول الله ﷺ من صفية نحن أزواجه وبنات عمه فدخل عليها ﷺ فأخبرته، فقال: "ألا قلت: وكيف تكونان خيرا مني وزجي محمد وأبي هارون وعمي موسى". وأخرج ابن سعد بسند حسن عن زيد بن أسلم قال: اجتمع نساؤه ﷺ في مرضه الذي توفي فيه، فقالت صفية: إني والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي فغمز بها أزواجه فأبصرهن، فقال: "مضمضن". فقلن: من أي شيء؟ فقال: "من تغامزكن بها, والله إنها الصادقة". ويأتي مزيد لذلك في الزوجات إن شاء الله تعالى.
"قال الحاكم: وكذا جرى لجويرية" بنت الحارث أم المؤمنين المصطلقية، أنها قالت: رأيت قبل قدومه ﷺ بثلاث ليال كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري، فكرهت أن أخبر أحدًا من الناس، فلما سبينا رجوت الرؤيا، كما تقدم في تلك الغزوة، "وفي هذه الغزوة حرم النبي ﷺ لحوم الحمر" بضمتين جمع حمار "الأهلية" أي أظهر تحريمها ونسب إليه لظهوره على يديه، وإلا فالمحرم حقيقة هو الله "كما في البخاري، ولفظه" في حديث سلمة بن الأكوع الذي قدم المصنف أوله عقب قوله: لولا أمتعتنا، فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة، ثم إن الله تعالى فتحها عليهم "فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم" قال المصنف "يعني خيبر" أي غالبها، لأن ذلك قبل فتح الوطيح والسلالم, أوقدوا نيرانا كثيرة فقال النبي ﷺ : "ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون"؟. قالوا: على لحم. قال: "على أي لحم"؟ أي: على أي أنواع اللحم توقدونها، "قالوا: لحم" بالجر في الفرع ولأبي ذر بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هو ويجوز النصب بنزع الخافض، أي: على قاله المصنف ففاده أنстр. 1352
الحمر الإنسية، فقال النبي ﷺ : "أهريقوها واكسروها". فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها ونغسلها، قال: "أو ذاك".
والمشهور في الإنسية: كسر الهمزة منسوبة إلى الإنس، وهم بنو آدم. وحكي: ضم الهمزة ضد الوحشة، ويجوز فتحها والنون أيضا, مصدر أنست به، آنس أنسا وأنسة.
وفي رواية: نهى يوم خيبر عن أكل الثوم، وعن لحوم الحمر الأهلية.
وفي رواية: نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية.
الحواشي
(١) الرواية بالجر والرفع والثالث مجرد تجويز فتسمع من قال جوز المصنف الأوجه الثلاثة "الحمر الإنسية" صفة حمر وكانت الحمر التي ذبحوها عشرين أو ثلاثين, كذا رواه الواقدي بالشك، فقال النبي ﷺ : "أهريقوها". بهمزة مفتوحة وسكون الهاء ولأبي ذر وابن عساكر: هريقوها والهاء زائدة "واكسروها" أي القدور، "فقال رجل": قال الحافظ في المقدمة لم يسم، ويحتمل أن يكون هو عمر "يا رسول الله أو" بسكون الواو "نهريقها" بضم النون، كما ضبطه المصنف وزعم أن القياس فتحه رده شيخنا، "ونغسلها قال: أو" بسكون الواو "ذاك" أي الإراقة والغسل وبقية حديث سلمة، فلما تصاف القوم إلى آخر ما قدمه المصنف "والمشهور في الإنسية كسر الهمزة منسوبة إلى الإنس وهم بنو آدم، وحكى ضم الهمزة ضد الوحشية" لتأنسها ببني آدم "ويجوز فتحها و" فتح "النون أيضا".
وفي المقدمة قاله ابن أبي أويس بفتحتين ولأنس بالفتح الناس "مصدر أنست به" مثلث النون كما في القاموس.
واقتصر الجوهري على كسرها "آنس أنسا" بفتحتين من باب طرب، كما في المختار وقول المصباح من باب علم مراده الفعل لا المصدر "وأنسة" بفتحتين.
"وفي رواية" للبخاري عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ "نهى يوم خيبر عن أكل الثوم" نهي تنزيه لنتن ريحه وتحريمه من الخصائص النبوية، "وعن لحوم الحمر" ولأبي ذر حمر " الأهلية" نهي تحريم، وفيه استعمال اللفظ في حقيقته، ومجازه لأن أكل الثوم مكروه والحمر حرام، وقد جمع بينهما بلفظ النهي فاستعمله في حقيقته وهو التحريم ومجازه وهو الكراهة.
"وفي رواية" للبخاري، ومسلم, وغيرهما عن جابر: "نهى" ﷺ "يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية". وفي البخاري عن أنس أنه ﷺ جاءه فقال: أكلت الحمر. فسكت, ثم أتاه الثانية، فقال: أكلت الحمر. فسكت، ثم أتاه الثالثة، فقال: أفنيت الحمر. فأمر مناديا فنادى في الناس أنстр. 1353
ورخص في الخيل.
قال ابن أبي أوفى: فتحدثنا أنه إنما نهى عنها لأنها لم تخمس، وقال بعضهم: نهى عنها ألبتة لأنها كانت تأكل العذرة.
قال العلماء: وإنما أمر بإراقتها لأنها نجسة محرمة، وقيل: إنما نهى عنها للحاجة إليها، وقيل: لأخذها قبل القسمة، وهذان التأويلان للقائلين بإباحة لحومها. والصواب.
الحواشي
(١) الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فأكفئت القدور وإنها لتفور.
قال الحافظ: والجائي لم أعرف اسمه والمنادي أبو طلحة "ورخص في" أكل لحوم "الخيل"، وروى البخاري أيضا عن ابن أبي أوفى أصابتنا مجاعة يوم خيبر فإن القدور لتغلي وبعضها نضجت فجاء منادي النبي ﷺ : لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا وأهريقوها. "قال ابن أبي أوفى" عبد الله راوي الحديث، "فتحدثنا" معشر الصحابة "أنه" ﵇ "إنما نهى عنها لأنها لا تخمس" أي لم يؤخذ منها الخمس، واستبعده شيخنا بالأمر بغسل القدور فإن عدم التخميس إنما يقتضي المنع لحق الغير لا لنجاستها، "وقال بعضهم" أي الصحابة كما صرح به في رواية أخرى "نهى عنها البتة" أي تحريما لا لذلك السبب بل قصد تحريمها خمست أم لا كسائر الأعيان النجسة.
قال الحافظ: معناه القطع وألفها ألف وصل، وجزم الكرماني بأنها ألف قطع على غير قياس، ولم أر ما قاله في كلام أحد من أهل اللغة قال الجوهري: الانبتات الانقطاع ورجل منبت منقطع به ولا أفعله بتة ولا أفعله البتة لكل أمر لا رجعة فيه ونصبه على المصدر ورأيته في النسخ المعتمدة بألف وصل. انتهى، "لأنها كانت تأكل العذرة" قال المصنف الذال معجمة أي النجاسة، لأن التبسط قبل القسمة في المأكولات بقدر الكفاية حلال، وأكل العذرة موجب للكراهة لا للتحريم.
قال الحافظ: والحاصل أن الصحابة اختلفوا في علة النهي عن لحم الحمر هل هو لذاتها أو لعارض، وقد "قال العلماء" أي جمهورهم "وإنما أمر بإراقتها لأنها نجسة محرمة وقيل: إنما نهى عنها للحاجة إليها" أي كثرة احتياج الناس إليها مع قلتها بالنسبة للإبل ونحوها، "وقيل: لأخذها قبل القسمة" وكان هذا حكاية قول بعض أصحاب المذاهب فلا يتكرر مع قوله أولا عن الصحابة، لأنها لم تخمس "وهذان التأويان للقائلين بإباحة لحومها" وهم قليل جدا، حتى قيل: إنما رأيت الرخصة فيه عن ابن عباس، وحكى ابن عبد البر الإجماع الآن على تحريمها "والصوابстр. 1354
ما قدمناه.
وأما قوله ﷺ : "اكسروها" فقال رجل: أو نهريقها ونغسلها قال: "أو ذاك".
فهذا محمول على أنه ﷺ اجتهد في ذلك فرأى كسرها ثم تغير اجتهاده، أو أوحي إليه بغسلها.
وأما لحوم الخيل فاختلف العلماء في إباحتها:
فذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف: إلى أنه مباح لا كراهة فيه، وبه قال عبد الله بن الزبير وأنس بن مالك وأسماء بنت أبي بكر، وفي صحيح مسلم عنها قالت: نحرنا فرسا.
الحواشي
(١) ما قدمناه" من قوله؛ لأنها نجسة محرمة.
قال المصنف: ولا امتناع في تعدد العلل الشرعية على المرجع عند الأصوليين نعم التعليل بكونها لم تخمس فيه نظر؛ لأن أكل الطعام والعلف من الغنيمة قبل القسمة جائز لا سيما في المجاعة. انتهى.
"وأما قوله ﷺ : "اكسروها". فقال رجل: أو نهريقها ونغسلها؟ قال: "أو ذاك". فهذا محمول على أنه ﷺ اجتهد في ذلك فرأى كسرها، ثم تغير اجتهاده" فظهر له من حيث الدليل، أنه لا يتعين الكسر بل يمنع، لأنه إضاعة مال، "أو أوحى إليه بغسلها" تقريرا لاجتهاده الثاني، فلم يتعين كون الواو بمعنى أو وليست في قوله: "أو ذاك". للتخيير حتى يشكل على المقرر في الفروع من حرمة الكسر للإضاعة بل للإضراب، كقوله أو يزيدون "وأما لحوم الخيل فاختلف العلماء في إباحتها" وحرمتها وكراهتها، "فذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف إلى أنه مباح لا كراهة فيه" صفة لازمة إن أريد بالمباح المستوي الطرفين.
ذكرت تصريحا بخلاف قائل الحرمة والكراهة ومخصصة إن أريد به مقابل الحرام، "وبه قال عبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك وأسماء بنت أبي بكر" ذكرهم تقوية للقول بالإباحة وإن شملهم قوله من السلف والخلف، "وفي صحيح مسلم" لا وجه للقصر عليه، فقد رواه البخاري أيضا "عنها" أي أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين، "قالت: نحرنا" ضمير الفاعل عائد على مباشر النحر منهم وإنما أتى بضمير الجمع لكونه عن رضاهم، وللبخاري في رواية ذبحنا "فرسا" والاختلاف على هشام فلعله كان يرويه تارة نحرنا وتارة ذبحنا، وهو يشعر باستواء اللفظين في المعنى وإطلاق كل منهما على الآخر مجازا، وبعضهم حمله على التعدد لتغاير النحر والذبحстр. 1355
على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه ونحن بالمدينة، وفي رواية الدارقطني: فأكلناه نحن وآل بيت النبي ﷺ .
قال في فتح الباري: ويستفاد من قولها: "ونحن بالمدينة" أن ذلك بعد فرض الجهاد، فيرد على من استند إلى منع أكلها لعلة أنها من آلات الجهاد.
ومن قولها: "وأهل بيت النبي ﷺ " الرد على من زعم أنه ليس فيه أن النبي ﷺ اطلع على ذلك، مع أن ذلك لو لم يرد لم يظن بآل أبي بكر أنهم يقدمون على فعل شيء في زمنه صلى اله عليه وسلم إلا وعندهم العلم بجوازه لشده اختلاطهم به ﷺ وعدم مفارقتهم له، هذا مع توفر داعية الصحابة إلى سؤال ﵇ عن الأحكام.
ومن ثم كان الراجح أن الصحابي إذا قال: كنا نفعل كذا على عهده ﷺ كان له حكم الرفع، لأن الظاهر اطلاعه ﷺ على ذلك وتقريره، وإذا كان ذلك في مطلق الصحابي فكيف بآل أبي بكر.
الحواشي
(١) "على عهد رسول الله ﷺ ", أي في زمنه المعهود "فأكلناه" أي الفرس يذكر ويؤنث "ونحن بالمدينة".
"وفي رواية الدارقطني فأكلناه نحن وآل بيت النبي ﷺ قال: في فتح الباري" في كتاب الذبائح، "ويستفاد من قولها ونحن بالمدينة أن ذلك وقع بعد فرض الجهاد، فيرد على من استند إلى منع" تحريم "أكلها لعلة أنها من آلات الجهاد".
"ومن قولها: نحن وأهل بيت النبي ﷺ الرد على من زعم أنه ليس فيه" أي الحديث "أن النبي ﷺ اطلع على ذلك، مع أن ذلك لو لم يرد" بفتح فكسر مبني للفاعل من الورود "لم يظن بآل أبي بكر أنهم يقدمون على فعل شيء في زمنه ﷺ إلا وعندهم العلم بجوازه لشدة اختلاطهم به ﷺ وعدم مفارقتهم له،" وليت شعري ما المانع أنهم قدموا على ذلك هم وآل بيت باجتهاد على الراجح من جواز الاجتهاد في العصر النبوي، فليس بصريح في رد من قال: إنه لم يطلع عليه المصطفى "هذا" المذكور من أنهم لا يفعلون إلا ما علموا جوازه "مع توفر داعية الصحابة إلى سؤاله ﵇ عن الأحكام, ومن ثم كان الراجح أن الصحابي إذا قال: كنا نفعل كذا على عهده ﵊ كان له حكم الرفع، لأن الظاهر اطلاعه ﷺ على ذلك وتقريره، وإذا كان ذلك في مطلق الصحابي فكيف بآل أبي بكر".
لكن ذلك كله لا يمنع كونه باجتهادهم خصوصا وليس فيه تصريح باطلاع المصطفى على ذلك إنما هو ظاهره فقط ولو سلم فهي قضية عين محتملة.стр. 1356
وقال الطحاوي: ذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل، وخالفه صاحباه وغيرهما, واحتجوا بالأخبار المتواترة في حلها. انتهى.
وقد نقل بعض التابعين: الحل عن الصحابة مطلقا من غير استثناء أحد، فأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عطاء بن يسار قال: لم يزل سلفك يأكلونه. قال ابن جريج: قلت له أصحاب رسول الله ﷺ قال: نعم.
وأما ما نقل في ذلك عن ابن عباس من كراهتها: فأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بسندين ضعيفين.
وقال أبو حنيفة في الجامع الصغير: أكره لحوم الخيل، فحمله أبو بكر الرازي على التنزيه، وقال: لم يطلق أبو حنيفة فيه التحريم، وليس هو عنده كالحمار الأهلي.
الحواشي
(١) "وقال الطحاوي ذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل وخالفه صاحباه" محمد بن الحسن وأبو يوسف يعقوب "وغيرهما، واحتجوا بالأخبار المتواترة في حلها. انتهى" قول الطحاوي.
وقد حاد للحمية عن سواء السبيل في دعوى التواتر فلم يرد حديث بذلك ينقله جمع عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب في جميع الطبقات، ولا يصح الاعتذار عنه بأنه أراد التواتر المعنوي لكثرة طرقه، فإن مدار حديث أسماء من جميع طرقه على هشام عن زوجته فاطمة بنت المنذر عن أسماء فلم يخرج عن كونه خبر آحاده وإن كان صحيحا، "وقد نقل بعض التابعين الحل عن الصحابة مطلقا من غير استثناء أحد" منهم، "فأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عطاء بن يسار، قال: لم يزل سلفك يأكلونه قال ابن جريج" رواية عن عطاء، "قلت له": تريد "أصحاب رسول الله ﷺ قال: نعم" وعطاء من الطبقة الوسطى من التابعين فلم يدرك جميعهم، فإنما أخبر عمن أدركه منهم ولا حجة فيه فالمسألة ذات خلاف، "وأما ما نقل عن ابن عباس من كراهتها، فأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بسندين ضعيفين"، فلا يرد على نقل عطاء عن الصحابة مطلقا الضعف المسندين إليه، فهذا جواب سؤال نشأ من هذا كما هو ظاهر، فلا يعترض بأن لم يتقدم له ذكر، ويعتذر بأنه لعل المراد في الخارج.
"وقال أبو حنيفة في" كتاب "الجامع الصغير لمحمد بن الحسن تلميذه "أكره لحوم الخيل" ذكره وإن علم مما قدمه عن الطحاوي لبيان الكتاب الذي صرح فيه بالكراهة وتوطئة لقوله "فحمله أبو بكر الرازي على التنزيه" فخلاف ما هو عادة الإمام من أنه إذا أطلق الكراهة انصرفت للتحريم، "وقال: لم يطلق أبو حنيفة فيه التحريم وليس هو عنده كالحمار الأهلي،стр. 1357
وصحح أصحاب المحيط والهداية والذخيرة عنه التحريم، وهو قول أكثرهم.
وقال القرطبي في شرح مسلم: مذهب مالك الكراهة، وقال الفاكهاني: المشهور عند المالكية الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم التحريم.
وقال أبن أبي جمرة: الدليل على الجواز مطلقا واضح، لكن سبب كراهة مالك لأكلها لكونها تستعمل غالبا في الجهاد، فلو انتفت الكراهة لكثر استعماله، ولو كثر لأفضى إلى فنائها، فيؤول إلى النقص من إرهاب العدو الذي وقع الأمر به في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] فعلى هذا فالكراهة لسبب خارج، وليس البحث فيه، فإن الحيوان المتفق على إباحته لو حدث أمر يقتضي أن لو ذبح لأفضى إلى ارتكابه محظور لامتنع، ولا يلزم من ذلك القول بتحريمه. انتهى.
وأما قول بعض المانعين: لو كانت حلال لجازت الأضحية بها. فمنتقض بحيوان البر، فإنه مأكول ولم تشرع الأضحية.
الحواشي
(١) "و" لكن "صحح أصحاب المحيط والهداية والذخيرة عنه" أي أبي حنيفة.
"التحريم وهو قول أكثرهم" أي الحنفية، "وقال القرطبي" أبو العباس شيخ صاحب التفسير والتذكرة "في شرع مسلم مذهب مالك الكراهة" هذا ضعيف إلا أن تحمل على التحريم، "وقال الفاكهاني المشهور عند المالكية الكراهة والصحيح عند المحققين منهم التحريم" وهو المعتمد المشهور "وقال ابن أبي جمرة" بجيم وراء من المالكية "الدليل على الجواز مطلقا" اضطر إلى أكلها أم لا، "واضح" الصحة حديث أسماء وحديث رخص في الخيل، "لكن سبب كراهة مالك لأكلها لكونها تستعمل غالبا في الجهاد، فلو انتفت الكراهة لكثر استعماله،" أي لحم الخيل "ولو كثر لأفضى إلى فنائها فيؤول إلى النقص من إرهاب العدو الذي وقع الأمر به في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الكفار، "فعل هذا فالكراهة لسبب خارج وليس البحث فيه، فإن الحيوان المتفق على إباحته", كالإبل "لو حدث أمر يقتضي أن لو ذبح لأفضى إلى ارتكابه محظور لامتنع، ولا يلزم من ذلك القول بتحريمه. انتهى" كلام ابن أبي جمرة وهو اختيار له ضعيف في المذهب، "وأما قول بعض المانعين لو كانت حلالا لحازت الأضحية بها، فمنتقض بحيوان البر، فإنه مأكول اللحم، ولم تشرع الأضحية به"стр. 1358
به, وأما حديث خالد بن الوليد عند أبي داود والنسائي: نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الخيل والبغال والحمير، فضعيف، ولو سلم ثبوته، لا ينهض معارضا لحديث جابر الدال على الجواز، وقد وافقه حديث أسماء. وقد ضعف حديث خالد بن الوليد أحمد والبخاري والدارقطني والخطابي وابن عبد البر وعبد الحق وآخرون.
وزعم بعضهم: أن حديث جابر دال على التحريم لقوله "رخص" لأن الرخصة استباحة المحظور مع قيام المانع، فدل على أنه رخص لهم بسبب المخمصة التي أصابتهم بخيبر، فلا يدل ذلك على الحل المطلق.
وأجيب: بأن أكثر الروايات جاء بلفظ الإذن، كما رواه مسلم، وفي رواية له: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا النبي ﷺ عن الحمار الأهلي, وعند الدارقطني من حديث ابن عباس: نهانا ﷺ عن الحمر الأهلية وأمر بلحوم الخيل.
الحواشي
(١) فالملازمة ممنوعة، "وأما حديث خالد بن الوليد" المروي "عند أبي داود والنسائي: نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الخيل، والبغال, والحمير"، وتقديري المروي خير من تقدير الثابت لمنافاته لقوله: "فضعيف ولو سلم ثبوته لا ينهض معارضا لحديث جابر" السابق عند الشيخين وغيرهما: نهى ﷺ عن لحوم الحمر ورخص في الخيل، "الدال على الجواز" لأنه ظاهر فيه بخلاف نهى فمحتمل للتحريم والكراهة، "وقد وافقه حديث أسماء" المروي عند الشيخين، "وقد ضعف حديث خالد بن الوليد" المذكور "أحمد، والبخاري، والدارقطني، والخطابي، وابن عبد البر، وعبد الحق، وآخرون، وزعم بعضهم أن حديث جابر دال على التحريم لقوله: رخص" في الخيل، "لأن الرخصة استباحة المحظور" الممنوع لعذر "مع قيام المانع" للحكم الأصلي.
"فدل على أنه رخص لهم بسبب المخمصة،" بمعجمة ثم مهملة المجاعة الشديدة "التي أصابتهم بخيبر فلا يدل ذلك على الحل المطلق" الذي هو محل النزاع. "وأجيب أن أكثر الروايات جاء بلفظ الإذن كما رواه مسلم".
"وفي رواية له أكلنا زمن خيبر الخيل، وحمر الوحش ونهانا النبي ﷺ عن الحمار الأهلي", ولم يذكر الخيل فدل على إباحتها، وفيه ن عدم الذكر ليس دليلا، "وعند الدارقطني من حديث ابن عباس نهانا ﷺ عن الحمر الأهلية وأمر بلحوم الخيل".
"فدل على أن المراد بقوله رخص أذن" وهذا لا يصلح جوابا، بل في تقوية للاحتجاج علىстр. 1359
فدل على أن المراد بقوله: "رخص" أذن. ونوقض أيضا بالإذن في أكل الخيل، ولو كان رخصة لأجل المخمصة لكانت الحمر الأهلية أولى بذلك لكثرتها وعزة الخيل حينئذ، فدل على أن الإذن في أكل الخيل إنما كان للإباحة العامة لا لخصوص الضرورة.
وقد نقل عن مالك وغيره من القائلين بالتحريم: أنهم احتجوا للمنع بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وقرروا ذلك بأوجه:
أحدها: أن اللام للتعليل، فدل على أنها لم تخلق لغير ذلك؛ لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر. فإباحة أكلها تقتضي خلاف ظاهر الآية.
ثانيها: عطف البغال والحمير، فدل على اشتراكها معهما في حكم التحريم، فيحتاج من أفرد حكم ما عطف عليه إلى دليل.
الحواشي
(١) التحريم؛ لأن لفظ أذن دون أباح وأحل دال على ذلك, وأما قوله: وأمر بلحوم الخيل فلا يصلح دليلا للجواز المطلق، لجواز أنه في هذا الوقت للمخمصة.
"ونوقض أيضا" الاحتجاج بحديث جابر على التحريم "بالإذن في أكل الخيل ولو كان رخصة لأجل المخمصة لكانت الحمر الأهلية أولى بذلك" الإذن في أكلها "لكثرتها وعزة" قلة "الخيل حينئذ، فدل على أن الإذن في أكل الخيل إنما كان للإباحة العامة لا لخصوص الضرورة".
وهذا مدفوع والملازمة ممنوعة، فإن سبب المناداة بتحريم الحمر قول الصحابي أفنيت الحمر كما مر عن الصحيح، فكأنه رخص لهم حين نهاهم عنها في الخيل لضرورة المخمصة لعلمه بعزتها عندهم، فلا يعودون إليها بعدها، فلا يدل قوله أمر على الإباحة العامة؛ لأنه يحمل على أنه أمر به زمن المخمصة، بدليل رواية رخص والأحاديث يفسر بعضها بعضا.
"وقد نقل عن مالك وغيره من القائلين بالتحريم، أنهم احتجوا للمنع بقوله تعالى: "و" خلق ﴿الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ مفعول له، "وقرروا ذلك بأوجه أحدها أن اللام للتعليل، فدل على أنها لم تخلق لغير ذلك؛ لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر، فإباحة أكلها تقتضي خلاف ظاهر الآية" الذي هو أولى في الحجية من خبر الآحاد.
ولو صح "ثانيها عطف البغال والحمير" عليها، "فدل على اشتراكها" أي: الخيل "معهما في حك التحريم، فيحتاج من أفرد حكم ما عطف عليه إلى دليل", وحديث أسماء بعدстр. 1360
ثالثها: أن الآية سيقت مساق الامتنان، فلو كان ينتفع بها في الأكل لكان الامتنان به أعظم، والحكيم لا يمتن بأدنى النعم ويترك أعلاها، ولا سيما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها.
رابعها: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع به الامتنان من الركوب للزينة.
وأجيب: بأن آية النحل مكية اتفاقا، والإذن في أكل الخيل كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين، فلو فهم النبي ﷺ من الآية المنع لما أذن في الأكل.
وأيضا: فإن آية النحل ليست نصا في منع الأكل والحديث صريح في جوازه.
وأيضا: فلو سلمنا أن اللام للتعليل، لم نسلم إفادة الحصر في الركوب والزينة،
الحواشي
(١) تسليم اطلاع المصطفى عليه، وأنه ليس باجتهادهم قضية عين، وحديث جابر رخص أن سلم أنه لا يدل على التحريم، فلا يدل على التحليل لتقابل الاحتمالين.
"ثالثها أن الآية سيقت مساق الامتنان، فلو كان ينتفع بها في الأكل لكان الامتنان به" بالأكل "أعظم والحكيم لا يمتن بأدنى" أقل "النعم" وهو هنا الركوب والزينة، "ويترك أعلاها ولا سيما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها" في قوله في الأنعام ومنها تأكلون.
"رابعها لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع الامتنان به من الركوب و" كونها "للزينة".
"وأجيب بأن آية النحل مكية اتفاقا والإذن في أكل الخيل كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين", لأنه سنة خيبر وهي في السابعة. "فلو فهم النبي ﷺ من الآية المنع لما أذن في الأكل" وفيه أن محمل الإذن فيه للمخمصة، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ في الممنوع منه نصا فإذنه في الأكل لا ينافي فهمه منها المنع، "وأيضا فإن آية النحل ليست نصا في منع الأكل" لكنه المتبادر منها، ويكفي ذلك في الاستدلال على ما علم في الأصول.
"والحديث" عن أسماء "صريح في جوازه" فيقدم الصريح على المحتمل وجوابه أنه ليس صريحا في اطلاع المصطفى بل فيه احتمال أنه عن اجتهادهم والمجتهد لا يقلد مجتهدا، ولا يرد أن من أصول مالك قول الصحابي لأن محله عند عدم التعارض.
"وأيضا فلو سلمنا أن اللام للتعليل لم نسلم إفادة الحصر في الركوب والزينة، فإنهстр. 1361
فإنه ينتفع بالخيل في غيرهما، وفي غير الأكل اتفاقا، وإنما ذكر الركوب والزينة لكونهما أغلب ما يطلب له الخيل, ونظيره حديث البقرة المذكورة في الصحيحين حين خاطبت راكبها فقالت: لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث، فإنه مع كونه أصرح في الحصر، ما يقصد به إلا الأغلب، وإلا فهي تؤكل وينتفع بها في أشياء غير الحرث اتفاقا.
وقال البيضاوي: واستدل بها -أي بآية النحل- على حرمة لحومها، ولا دليل فيها، إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالبا أن لا يقصد منه غيره أصلا. انتهى.
وأيضا: فلو سلم الاستدلال للزم منه حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير ولا قائل به.
الحواشي
(١) ينتفع بالخيل في غيرهما وفي غير الأكل اتفاقا" كالحمل للأمتعة والاستقاء والطحن "وإنما ذكر الركوب، والزينة لكونهما أغلب ما يطلب له الخيل،" وجوابه أن معنى الحصر فيهما دون الأكل الممتن به في غير الخيل فهو إضافي فلا ينافي جواز الانتفاع بها فيما ذكر، "ونظيره حديث البقرة بالإضافة لأدنى ملابسة، كقولهم حديث الشفاعة وحديث هرقل وإلا فالحديث إنما يضاف للصحابي ونحوه أو لمن أخرجه في كتاب. "المذكورة في الصحيحين حين خاطبت راكبها، فقالت: لم أخلق لهذا" أي الركوب "وإنما خلقت للحرث".
روى الشيخان عن أبي هريرة رفعه: "بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها إذ ركبها فضربها فالتفتت إليه فكلمته فقالت: لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث". فقال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم. فقال ﷺ : "فإني أؤمن بذلك وأبو بكر، وعمر". "فإنه مع كونه أصرح في الحصر ما يقصد به إلا الأغلب، وإلا فهي تؤكل وينتفع بها في أشياء غير الحرث اتفاقا" فالحصر فيه غير مراد لقيام الإجماع على خلافه وأصله النص القرءاني، ثم المصنف لم يقصد بها الاستدلال، كما توهم بل التنظير بأن الحصر قد يقصد به أغلب الأحوال.
"وقال البيضاوي: واستدل بها أي آية النحل على حرمة لحومها ولا دليل فيها إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالا أن لا يقصده منه غيره أصلا. انتهى".
ذكره مجرد تأكيد وإلا فقدم معناه ومر جوابه ولو سلمنا ذلك لم نسلم أن الأكل منه الذي هو محل النزاع، "وأيضا فلو سلم الاستدلال للزم منه حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير ولا قائل به" هذا على فهمه أن الحصر حقيقي وإلا فهو إضافي، والدليل عليه الإجماع فلا يلزم ما قاله، وهذا تقدم قريبا بمعناه في قوله سلمنا أن اللام ... إلخ.стр. 1362
وأما عطف البغال والحمير، فدلالة العطف إنما هي دلالة اقتران وهي ضعيفة.
وأما أنها سيقت مساق الامتنان، فالامتنان إنما قصد به غالب ما كان يقع به انتفاعهم، فخوطبوا بما ألفوا وعرفوا، ولم يكونوا يعرفون أكل الخيل لعزتها في بلادهم، بخلاف الأنعام، فإن أكثر انتفاعهم بها كن لحمل الأثقال وللأكل، فاقتصر في كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به، فلو لزم من ذلك الحصر في هذا الشق لأضر.
وأما قولهم: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها ... إلخ.
فأجيب عنه: بأنه لو لزم من الإذن في أكلها أن تفنى، للزم مثله في البقر وغيرها مما أبيح أكله ووقع الامتنان به.
وإنما أطلت في ذلك.
الحواشي
(١) وإعادة تكثير للسواد فحاصله أنه أجاب عن الوجه الأول من تقرير دليل المنع من الآية بأوجه ثلاثة، وعن الثاني بقوله "وأما عطف البغال والحمير فدلالة العطف إنما هي دلالة اقتران وهي ضعيفة" عند الأصوليين.
وجوابه: إنا لم نستدل بها فقط بل مع الأخبار بأنه خلقها للركوب والزينة وامتنانه بالأكل من الأنعام دونها، "وأما" الوجه الثالث "إنها سيقت مساق الامتنان" فلو كان بالأكل لكان أعظم ... إلخ.
"فالامتنان إنما يقصد به غالب ما كان يقع به انتفاعهم" سواء كان خيلا أو أنعاما، "فخوطبوا بما ألفوا وعرفوا، ولم يكونوا يعرفون أكل الخيل لعزتها في بلادهم بخلاف الأنعام، فإن أكثر انتفاعهم بها كان لحمل الأثقال وللأكل، فاقتصر في كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به، فلو لزم من ذلك الحصر في هذا الشق لأضر", إذ الحصر في الركوب والزينة، فيه نوع مشقة وهذا ممنوع، وسنده أنه لا دليل على كون المقصود بالامتنان غالب ما ينتفع به ولا مشقة في الحصر في الركوب والزينة، فإنهما من أجل النعم الممتن بها، "وأما قولهم: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها ... إلخ، فأجيب عنه بأنه لو لزم من الإذن في أكلها أن تفنى للزم مثله في البقر وغيرها" من الإبل، والغنم "مما أبيح أكلها ووقع الامتنان به", وجوابه أن الفرق موجود؛ لأن ما وقع التصريح بالامتنان بأكله لا يقاس عليه ما وقع فيه الامتنان بأنه للركوب والزينة فاللازم ممنوع.
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يكره لحوم الخيل، ويقرأ: ﴿وَالْأَنْعَامَстр. 1363
لأمر اقتضاه، والله أعلم.
وفي هذه الغزوة أيضا نهى ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن بيع المغانم حتى تقسم، وأن لا توطأ جارية حتى تستبرأ.
الحواشي
(١) خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ الآية، ويقول: هذا للأكل, والخيل والبغال والحمير يقول: هذه للركوب، "وإنما أطلت في ذلك لأمر اقتضاه, والله أعلم" بحكمه فيها فإن هذه الأمور إنما هي تشحيذ للأذهان واطلاع على مدارك الأئمة ﵏, وإلا فبعد تقرر المذاهب لا يبطلها شيء من ذلك.
"وفي هذه الغزوة أيضا" كما رواه إسحاق حدثني عبد الله بن أبي نجيع عن مكحول "نهى ﷺ " يومئذ أي يوم خيبر عن أربع: عن أكل الحمار الأهلي، و"عن أكل كل ذي ناب من السباع" يتقوى به ويصول على غيره ويصطاد ويعدو بطبعه غالبا والنهي للتحريم عند قوم والكراهة عند آخرين, وهذا الحديث وإن أرسله ابن إسحاق فهو صحيح فقد أخرجه مالك في الموطأ والبخاري عن عبد الله بن يوسف عنه عن الزهري عن أبي إدريس، عن أبي ثعلبة أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع.
زاد مسلم من حديث ابن عباس وكل ذي مخلب من الطير، لكن لم يبين فيه وقت النهي المبين في مرسل مكحول، وقول شيخنا: لم يبين المصنف وقت النهي كان مراده خصوص اليوم الذي وقع فيه النهي، فلا ينافي أنه بينه بقوله: وفي هذه الغزوة. والمخلب بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح اللام آخره موحدة للطبراني كالظفر لغيره لكنه أشد منه وأغلظ وأحد فهو كالناب للسبع.
"و" نهى يومئذ أيضا كما في مرسل مكحول "عن بيع المغانم" جمع مغنم وهو الغنيمة بمعنى، كما في المختار "حتى تقسم"، وأطلق البيع وأراد لازمه وهو التصرف فيها بغير المحتاج إليه كما روى الشيخان وغيرهما واللفظ لمجموعهم عن عبد الله بن مغفل أصبت جرابا من شحم يوم خيبر فالتزمته وقلت: لا أعطي أحدا منه شيئا، فالتفت فإذا رسول الله ﷺ فاستحييت منه فاحتملته على عنقي إلى رحلي وأصحابي، فلقيني صاحب المغانم الذي جعل عليها فأخذ بناحيته، وقال: هلم حتى نقسمه بين المسلمين، قلت: لا والله لا أعطيكه، فجعل يجاذبني الجراب فرآنا ﷺ فتبسم ضاحكا، ثم قال لصاحب المغانم: "لا أبا لك خل بينه وبينه". فانطلقت به إلى رحلي وأصحابي فأكلناه.
قال الحافظ: في الفتح وصاحب المغانم الذي نازعه هو كعب بن عمرو بن زيد الأنصاري، كما أخرجه ابن وهب بسند معضل. انتهى.
"وأن لا توطأ جارية حتى تستبرأ" وهذا مجمل فصله ما رواه ابن إسحاق عن رويفع بن ثابت: قام فينا ﷺ يوم خيبر، فقال: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرعстр. 1364
وفي هذه الغزوة أيضا سمت النبي ﷺ زينب بنت الحارث، امرأة سلام بن مشكم، كما في البخاري من حديث أبي هريرة ولفظه: لما فتحت خيبر أهديت للنبي ﷺ شاة فيها سم، فقال رسول الله ﷺ : "اجمعوا لي من كان ههنا من اليهود". فجمعوا له، فقال لهم رسول الله ﷺ :
الحواشي
(١) غيره -يعني إتيان الحبالى من السبايا- ولا أن يصيب امرأة من السبي حتى يستبرئها، ولا أن يبيع مغنما حتى يقسم، ولا أن يركب دابة حتى إذا أعجفها ردها، ولا أن يلبس ثوبا حتى إذا أخلقه رده". فكرر ذلك يوم أوطاس للتأكيد حيث قال: "ألا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض". دفعا لتوهم اختصاص النهي بيوم خيبر لقرب المحل والغيبة بخلاف يوم أوطاس، فطالت غيبتهم وبعدوا عن ديارهم, قيل: وفي غزوة خيبر أيضا نهى عن متعة النساء تمسكا بما رواه البخاري، ومسلم عن علي أنه ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحم الحمر الأنسية، وأجيب بأن فيه تقديما وتأخيرا وأصله نهى يوم خيبر عن لحوم حمر الأنسية وعن متعة النساء، وليس يوم خيبر ظرفا لمتعة النساء، فالمعنى ونه عن المتعة بعد ذلك أو في غير هذا اليوم، وإنما جمع علي بينهما لأن ابن عباس كان يبيحهما فروى له تحريمهما عن النبي ﷺ ، وإلا فقد قال الإمام السهيلي هذا شيء لا يعرفه أحد من أهل السير ورواة الأثر، وقال أبو عمر: إنه غلط فلم يقع في غزوة خيبر تمتع النساء، "وفي هذه الغزوة أيضا سمت النبي ﷺ " أطلق المسبب وأراد السبب إذ لم توصل السم لشيء من جسده، لكنها لما جعلته في الشاة فكان وسيلة إلى أكله منها نسب إليها تجوزا "زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم" كما سماها ابن إسحاق، وموسى بن عقبة. "كما في البخاري" خبر السم لا بقيد تسمية السامة لأنه ليس فيه كما ترى، فالاستدلال على أغلب مشمول الترجمة "من حديث أبي هريرة ولفظه" في الجزية والطب من طريق الليث عن سعيد عن أبي هريرة أنه قال: "لما" بشد الميم "فتحت خيبر" واطمأن ﷺ بعد فتحها، كما عند ابن إسحاق "أهديت" بضم الهمزة مبني للمفعول "للنبي ﷺ شاة" بالرفع نائب الفاعل "فيها سم" مثلث السين، ولا ترد رواية أنها أهدتها لصفية على هذا لأن إهداءها لها بعد بنائه بها، كما أفاده قول ابن إسحاق اطمأن بعد فتح خيبر؛ لأنه أقام بعد بنائها ثلاثة أيام كما مر، "فقال رسول الله ﷺ " بعد أن لاك منها مضغة ثم لفظها حين أخبره العظم أنها مسمومة وازدراد بشر لقمته، وقوله لأصحابه: "ارفعوا أيديكم". كما عند ابن إسحاق وغيره: "اجمعوا لي" بلام رواية أبي ذر وابن عساكر ولغيرهما: "إليَّ".
قال الحافظ: لم أقف على تعيين المأمورين بذلك "من كان ههنا من اليهود" بالتعريف في الطب وفي الجزية من يهود بالتنكير، "فجمعوا له" بضم الجيم "فقال لهم رسول الله ﷺ ":стр. 1365
"إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقوني عنه"؟. فقالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال رسول الله ﷺ : "من أبوكم"؟. قالوا: أبونا فلان. فقال رسول الله ﷺ : "كذبتم، بل أبوكم فلان".
الحواشي
(١) لما اجتمعوا عنده "أني سائلكم" أي مريد سؤالكم "عن شيء فهل أنتم صادقوني عنه"؟ بضم القاف وسكون الواو فكسر نون الوقاية، هكذا في رواية أبي ذر والوقت والأصيلي، وابن عساكر في المواضع الثلاثة, قال ابن التين: وفي نسخ: "صادقي" بشد الياء وهو الصواب عربية؛ لأن أصله: صادقون, فحذفت النون للإضافة, فاجتمع حرفا علة سبق الأول بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت، ومثله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ . وحديث بدء الوحي: "أومخرجيَّ هم". قال الحافظ: وإنكاره الرواية من جهة العربية ليس بجيد فقد وجهها غيره, قال ابن مالك: مقتضى الدليل أن تصحب نون الوقاية اسم الفاعل وأفعل التفضيل والأسماء المعربة المضافة إلى ياء المتكلم لتقيهم خفاء الإعراب، فلما منعت ذلك كانت كأصل متروك، فنبهوا عليه في بعض الأسماء المعربة المشابهة للفعل كقول الشاعر:
وليس الموافيني ليرتد خائبا ... فإن له أضعاف ماكان أملا
ومنه: "فهل أنتم صادقوني". والحديث الآخر: "غير الدجال أخوفني عليكم". والأصل فيه أخوف مخوفاتي عليكم, فحذف المضاف إلى الياء وأقيمت هي مقامه فاتصل أخوف بها مقرونة بالنون وذلك أن أفعل التفضيل شبيه بفعل التعجب.
وحاصل كلامه: أن النون الباقية هي نون الوقاية ونون الجمع حذفت، كما تدل عليه الرواية الأخرى بلفظ صادقي، قال: ويمكن تخريجه أيضا على أن النون الباقية هي نون الجمع فإن بعض النحاة أجاز في جمع المذكر السالم أن يعرب بالحركات على النون مع الواو ويحتمل أن الياء في محل نصب بناء على أن مفعول اسم الفاعل إذا كان ضميرا بارزا متصلا به كان في محل نصب وتكون النون على هذا أيضا نون الجمع. انتهى.
"فقالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال رسول الله ﷺ : "من أبوكم"؟ قالوا: أبونا فلان" قال الحافظ لم أعرفه، انتهى.
فما في بعض الطرر إسماعيل، وقلدها الشارح إنما هو حدس وتخمين، فقال رسول الله ﷺ : "كذبتم بل أبوكم فلان". أي: إسرائيل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، كما جزم به المصنف كالحافظ ولا ينافيه قوله فيمن أبهمه اليهود لم أعرفه كما لا يخفى؛ لأنه ﷺ لا يقول إلا الحق، وأما اليهود فكاذبون نعم وقع في المقدمة في الجزية: "من أبوكم"؟. قالوا: فلان، قال: "كذبتم بل أبوكم فلان". ما أدري من عنى بذلك، انتهى.стр. 1366
قالوا: صدقت وبررت، فقال: "هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه"؟. فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا، كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله ﷺ : "من أهل النار"؟. فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفوننا فيها. فقال لهم رسول الله ﷺ : "اخسؤا فيها, والله لن نخلفكم فيها أبدا". ثم قال لهم: "هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه"؟. فقالوا: نعم. فقال: "هل جعلتم في هذه الشاة سما"؟.
الحواشي
(١) فظاهره أنه حتى فيمن عناه المصطفى وكان مراده عين السبط من أولاد يعقوب الذين هم من ذريته فلا ينافي أنه جزم في الطب من المقدمة والفتح، بأنه يعقوب, والله أعلم.
"قالوا: صدقت وبررت" بكسر الراء الأولى وحكى فتحها قاله المصنف فالرواية بالكسر، واقتصر عليه الكرماني، فقال: "هل أنتم صادقوني". كذا للأربعة أيضا ولغيرهم: صادقي بكسر الدل والقاف وشد التحتية على الأصل "عن شيء إن سألتكم عنه". قالوا: نعم يا أبا القسم وإن كذبناك" بخفة الذال المعجمة "عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا" حين أخبرنا عنه بخلاف الواقع، "فقال لهم رسول الله ﷺ : "من أهل النار". قالوا: نكون فيها" زمانا "يسيرا، ثم تخلفوننا فيها" بسكون الخاء وضم اللام مخففة وفي الجزية لغير أبي ذر تخلفونا بإسقاط النون لغير ناصب ولا جازم وهو لغة، قاله المصنف، فقال لهم رسول الله ﷺ : "اخسؤا فيها". أي: اسكنوا سكون ذلة وهوان وانزجروا انزجار الكلاب عن هذا القول "والله لن نخلفكم فيها أبدا". لا تخرجون منها ولا نقيم فيها بعدكم؛ لأن من دخلها من عصاة المسلمين يخرج منها فلا خلافه قط, وعند الطبري عن عكرمة, قال: خاصمت اليهود رسول الله ﷺ وأصحابه فقالوا: لن ندخل النار إلا أياما معدودة ويستخلف إليها قوم آخرون يعنون محمدا وأصحابه, فقال رسول الله ﷺ بيده على رءوسهم: "بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم فيها أحد". فأنزل الله: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ الآية.
وأخرج عن ابن عباس أنهم قالوا: لن ندخل النار إلا تحلة القسم الأيام التي عبدنا فيها العجل أربعين ليلة فإذا انقضت انقطع عنا العذاب، فنزلت الآية.
وروى الطبراني في الكبير وابن جرير، وابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن عباس قدم ﷺ المدينة ويهود تقول: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما يعذب الناس بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا في النار من أيام الآخرة فإنما هي سبعة أيام، ثم ينقطع العذاب فنزلت الآية. ثم قال لهم: "هل" ولغير أبي ذر: فهل "أنتم صادقوني" كذا للأربعة أيضا ولغيرهم: صادقي "عن شيء إن سألتكم عنه". فقالوا -وفي رواية: قالوا. بحذف الفاء-: نعم، فقال: "هل جعلتم في هذه الشاة سما". نسب لهم الجعل لأنهم لما علموا به حين شاورتهم وأجمعوا لها على سم معين كأنهم جعلوه،стр. 1367
فقالوا: نعم، فقال: "ما حملكم على ذلك"؟. قالوا: أردنا إن كنت كذابا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك.
وفي حديث جابر عند أبي داود: أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ رسول الله ﷺ فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، فقال رسول ﷺ : "ارفعوا أيديكم". وأرسل إلى اليهودية فقال: "سممت هذه الشاة"؟. فقالت: من أخبرك؟ قال: "أخبرتني هذه في يدي". للذراع. قالت: نعم.
الحواشي
(١) ولذا أجابوا "فقالوا": وفي رواية بحذف الفاء "نعم، فقال: "ما حملكم على ذلك"؟. قالوا: أردنا إن كنت كذابا" بشد المعجمة، وفي رواية: كاذبا بألف بعد الكاف "أن تستريح", ولأبي ذر وابن عساكر بحذف أن. "منك وإن كنت نبيا لم يضرك".
وهذا الحديث أخرجه البخاري بطوله في الجزية في باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم؟ وفي الطب بطوله أيضا في باب ما يذكر في سم النبي ﷺ واختصره في غزوة خيبر في باب الشاة التي سمت للنبي ﷺ شاة فيه سم "وفي حديث جابر عند أبي داود" من طريق الزهري عنه.
قال الحافظ: وهو منقطع لأن الزهري لم يسمع من جابر، لكن له شاهد عند أبي داود مرسلا ووصله البيهقي عن أبي هريرة "أن يهودية من أهل خيبر" هي زينب، وفي أبي داود أنها أخت مرحب وبه جزم السهيلي.
وعند البيهقي في الدلائل بنت أخي مرحب "سمت شاة مصلية" بفتح الميم، وسكون المهملة, أي: مشوية "ثم أهدتها إلى النبي ﷺ ".
وعند الدمياطي لما صلى رسول الله صلى عليه وسلم المغرب بالناس انصرف وهي جالسة عند رحله فسأل عنها، فقالت: يا أبا القاسم هدية أهديتها لك. وفي رواية: أنها أهدتها لصفية كما مر، فإن صح فكأنها أهدتها لصفية وجلست عند رحله حتى أخبرته أنها هدية ليأكل منها، فقدمتها له صفية "فأخذ رسول الله ﷺ فأكل منها", أي: مضغ منها مضغة، ثم لفظها على ما عند ابن إسحاق أو ازدردها على ما عند الدمياطي، ويأتي الجمع وأيا ما كان فلا يؤول أكل بأراد, إذ لم يقل أحد: إنه لم يتناول, إنما الخلف في الازدراد، "وأكل رهط من أصحابه معه", وكانوا ثلاثة على ما في الإمتاع للمقريزي, وسمى ابن إسحاق منهم بشر بن البراء, فقال رسول الله ﷺ : "ارفعوا أيديكم".
وفي رواية البيهقي: "أمسكوا فإنها مسمومة". وأرسل إلى اليهودية, فقال: "سممت هذه الشاة". فقالت: من أخبرك؟ قال: "أخبرتني هذه في يدي". مشيرا "للذراع، قالت: نعم" زاد في روايةстр. 1368
قلت إن كان نبيا فلن يضره، وإن لم يكن نبيا استرحنا منه. فعفا عنها ﷺ ولم يعاقبها، وتوفي أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم رسول الله ﷺ على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة.
وفي رواية غيره: جعلت زينب بنت الحارث امرأة ابن مشكم تسأل أي الشاة أحب إلى محمد, فيقولون: الذراع. فعمدت إلى عنز لها فذبحتها وصلتها، ثم عمدت إلى سم لا يطنئ -يعني لا يلبث أن يقتل من ساعته-.
الحواشي
(١) البيهقي: قال لها: "ما حملك على ذلك"؟ قالت: "قلت: إن كان نبيا فلا يضره وإن لم يكن نبيا استرحنا منه".
وفي رواية البيهقي: أردت إن كنت نبيا فيطلعك الله، وإن كنت كاذبا فأريح الناس منك.
ذكره التيمي في مغازيه وقد استبان لي أنك صادق، وأنا أشهدك، ومن حضر أني على دينك وأن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. وعند ابن سعد عن الواقدي بأسانيد متعددة، أنها قالت: قتلت أبي وزوجي وعمي وأخي -وسمى عمها يسار وكان من أجبن الناس, وهو الذي أنزل من الرف، وأخوها زبير- ونلت من قومي, فقلت: إن كان نبيا فسيخبر الذراع وإن كان ملكا استرحنا منه، "فعفا عنها ﷺ ولم يعاقبها" عطف مسبب على سبب، "وتوفي أصحابه الذين أكلوا من الشاة،" أي جنس أصحابه إذ لم يمت منهم غير بشر، ويروى أنهم وضعوا أيديهم، وما ازدردوا شيئا وأنه أمرهم بالاحتجام، وكأنه لمخالطة ريقهم، وقد ابتلعوا، "واحتجم رسول الله ﷺ على كاهله" أي بين كتفيه, حجمه أبو هند أو أبو طيبة بالقرن والشفرة، ويحتمل أنهما معا حجماه، فقد قيل: إنه احتجم بين كتفيه في ثلاثة مواضع "من أجل" الجزء "الذي أكل" بحذف العائد، أي: أكله "من الشاة" العنز المسمومة.
وذكر الواقدي أنه ﵇ أمر بلحم الشاة، فأحرق ووقع عند البراز أنه ﵇ بعد سؤاله لها واعترافها بسط يده إلى الشاة وقال لأصحابه: "كلوا بسم الله". فأكلنا وذكرنا اسم الل فلم يضر أحدا منا.
قال ابن كثير وفيه نكارة وغرابة شديدة. "وفي رواية غيره" أي غير أبي داود "جعلت زينب بنت الحارث" بن سلام "امرأة ابن مشكم تسأل: أي" أجزاء "الشاة أحب إلى محمد؟ فيقولون": أحبها "الذراع فعمدت إلى عنز لها".
ففي هذه الرواية تعيين أن الشاة عنز وتسمية المبهمة في الروايتين قبلها "فذبحتها وصلتها" شوتها، "ثم عمدت إلى سم لا يطنئ" بضم المثناة التحتية وسكون الطاء المهملة ونون بعدها همزة "يعني لا يلبث" بفتح الموحدة "أن يقتل من ساعته" أي سريعا، وهو المعروف عند العامة بسمстр. 1369
وقد شاورت يهود في سموم فاجتمعوا لها على هذا السم بعينه، فسمت الشاة وأكثرت في الذراعين والكتف، فوضعت بين يديه ومن حضر من أصحابه، وفيهم بشر بن البراء، وتناول ﷺ الذراع فانتهس منها، وتناول بشر بن البراء عظما آخر، فلما ازدرد ﷺ لقمته، ازدرد بشر بن البراء ما في يده وأكل القوم، فقال ﷺ : "ارفعوا أيديكم، فإن هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة". وفيه: أن بشر بن البراء مات، وفيه: أنه دفعها ﷺ إلى أولياء بشر بن البراء فقتلوها. رواه الدمياطي.
وقد اختلف: هل عاقبها ﷺ ؟
الحواشي
(١) ساعة، "وقد شاورت يهود في" اختيار سم من جملة "سموم" عينتها بأن سألت: أيها أسرع قتلا؟ "فاجتمعوا لها على هذا السم بعينه، فسمت الشاة، وأكثرت في الذراعين، والكتف".
وعند ابن إسحاق: وقد سألت: أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ فقيل لها: الذراع فأكثرت فيها من السم ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها "فوضعت بين يديه ومن حضر من أصحابه وفيهم بشر بن البراء" بن معرور -بمهملات- الأنصاري الخزرجي، الصحابي ابن الصحابي البدري، وشهد ما بعدها حتى مات. "وتناول ﷺ الذراع فانتهس" بسين مهملة، أي أخذ بمقدم أسنانه "منها وتناول بشر بن البراء عظما آخر، فلما ازدرد ﷺ لقمته" أي: ابتلع ما انفصل منها بريقه دون اللحمة، فلا ينافي رواية ابن إسحاق: أنه ﵇ لم يسغها ولفظها. "ازدرد بشر بن البراء ما في يده وأكل القوم". في الإمتاع: أنهم كانوا ثلاثة وضعوا أيديهم في الطعام ولم يصيبوا منه شيئا، وأنه ﵇ أمرهم بالحجامة، وكان معناه إن صح أنهم لم يبتلعوا لكنهم وضعوه في أفواههم فأثر قليلا، فأمرهم بالحجامة لإزالة ذلك الأثر، فقال ﷺ : "ارفعوا أيديكم فإن هذه الذراع" يذكر ويؤنث، فلذا أنث ضميره "تخبرني أنها مسمومة". وهل بكلام يخلق فيها أصوات وأصوات يحدثها الله فيها وفي الحجر والشجر بلا حياة أو الحياة أولا ثم الكلام بعدها؟ قولان في الشفاء ومر له مزيد.
وعند الواقدي وغيره: أنه ﷺ ما كان بعد أكلة خيبر يأكل من شيء حتى يأكل منه صاحبه الذي يحضره، "وفيه أن بشر بن البراء مات" من أكلته بعد حول كما جزم به السهيلي، وقيل: من ساعته "وفيه أنه دفعها ﷺ إلى أولياء بشر بن البراء فقتلوها".
"رواه الدمياطي" الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف له ألف وثلاثمائة شيخ، فهذا معارض لما فوقه من حديث جابر أنه عفا عنها ولم يعاقبها. لكن عند ابن سعد عن شيخه الواقدي بأسانيد متعددة أنه دفعها إلى ولاة بشر فقتلوها.
قال الواقدي: وهو الثبت "وقد اختلف: هل عاقبها" أي: أمر بعقابها بقتل أو غيره " ﷺ ", أمстр. 1370
فعند البيهقي من حديث أبي هريرة: فأعرض لها، ومن حديث أبي نضرة عن جابر نحوه قال: فلم يعاقبها. وقال الزهري: أسلمت فتركها.
قال البيهقي: يحتمل أن يكون تركها أولا ثم لما مات بشر بن البراء من الأكلة قتلها, وبذلك أجاب السهيلي وزاد: أنه تركها؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ثم قتلها ببشر بن البراء قصاصا.
ويحتمل أن يكون تركها لكونها أسلمت, وإنما أخر قتلها حتى مات بشر؛ لأن بموته يتحقق وجوب القصاص بشرطه.
الحواشي
(١) لا بسبب اختلاف الأخبار، "فعند البيهقي من حديث أبي هريرة فأعرض لها" بفتح الراء مخففة أي ما تعرض لها بسوء. ونحوه عن جابر عند أبي داود كما مر، "و" عند البيهقي أيضا "من حديث أبي نضرة" بنون ومعجمة ساكنة مشهورة بكنيته واسمه المنذر بن مالك البصري الثقة.
روى له مسلم والأربعة مات سنة ثمان أو تسع ومائة "عن جابر نحوه" نحو قول أبي هريرة فما عرض لها حيث "قال" جابر آخر الحديث، "فلم يعاقبها" وليس فاعل قال البيهقي: أخذا مما رواه عن أبي هريرة وجابر كما زعما لأنه خلاف المروي عند البيهقي "وقال الزهري" فيما رواه عبد الرزاق عن معمر عنه "أسلمت فتركها" قال معمر: والناس يقولون: قتلها. انتهى.
قال الحافظ: ولم ينفرد الزهري بدعواه: إنها أسلمت. فقد جزم بذلك سليمان التميمي، في مغازيه وساق عبارته الآتية في المصنف.
"قال البيهقي: يحتمل" في طريق الجمع "أن يكون تركها أولا، ثم لما مات بشر بن البراء من الأكلة" بضم الهمزة، أي اللقمة "قتلها، وبذلك أجاب", أي: جمع "السهيلي" في الروض، "وزاد" حيث قال: وجه الجمع بين الحديثين "أنه" ﷺ "تركها" أولا؛ "لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ثم قتلها ببشر بن البراء قصاصا", وفيه حجة لمذهب مالك في وجوب القصاص بالسم بتقديم الطعام المسموم، وقال الحنفية والشافعية: فيه الدية لا القصاص؛ لأنه مختار باشر ما هلك به بغير الجاء، والدية للتغرير وتسفوا الجواب عن حديث قتلها بأنه لنقض العهد لا القصاص، وفيه: إن هذا إنما هو على أنها لم تسلم أما على إسلامها وهو الحق؛ لأن ناقله مثبت مع مزيد إتقانه وكونه لم ينفرد به فلا يصح الجواب؛ لأن ناقض العهد إذا أسلم عصم نفسه، "ويحتمل" كما قال الحافظ: بعد ذكر هذا الخلاف في قتلها والجمع "أن يكون تركها لكونها أسلمت، وإنما أخر قتلها حتى مات بشر لأن بموته يتحقق وجوب القصاص بشرطه".
قال شيخنا: فيه نظر لأن قصتها إن صحت على هذا الوجه كان فعلها قبل الإسلام وبعدследующие страницы →