Полный текст (5 943 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
قالوا: صدقت وبررت، فقال: "هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه"؟. فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا، كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله ﷺ : "من أهل النار"؟. فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفوننا فيها. فقال لهم رسول الله ﷺ : "اخسؤا فيها, والله لن نخلفكم فيها أبدا". ثم قال لهم: "هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه"؟. فقالوا: نعم. فقال: "هل جعلتم في هذه الشاة سما"؟.
الحواشي
(١) فظاهره أنه حتى فيمن عناه المصطفى وكان مراده عين السبط من أولاد يعقوب الذين هم من ذريته فلا ينافي أنه جزم في الطب من المقدمة والفتح، بأنه يعقوب, والله أعلم.
"قالوا: صدقت وبررت" بكسر الراء الأولى وحكى فتحها قاله المصنف فالرواية بالكسر، واقتصر عليه الكرماني، فقال: "هل أنتم صادقوني". كذا للأربعة أيضا ولغيرهم: صادقي بكسر الدل والقاف وشد التحتية على الأصل "عن شيء إن سألتكم عنه". قالوا: نعم يا أبا القسم وإن كذبناك" بخفة الذال المعجمة "عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا" حين أخبرنا عنه بخلاف الواقع، "فقال لهم رسول الله ﷺ : "من أهل النار". قالوا: نكون فيها" زمانا "يسيرا، ثم تخلفوننا فيها" بسكون الخاء وضم اللام مخففة وفي الجزية لغير أبي ذر تخلفونا بإسقاط النون لغير ناصب ولا جازم وهو لغة، قاله المصنف، فقال لهم رسول الله ﷺ : "اخسؤا فيها". أي: اسكنوا سكون ذلة وهوان وانزجروا انزجار الكلاب عن هذا القول "والله لن نخلفكم فيها أبدا". لا تخرجون منها ولا نقيم فيها بعدكم؛ لأن من دخلها من عصاة المسلمين يخرج منها فلا خلافه قط, وعند الطبري عن عكرمة, قال: خاصمت اليهود رسول الله ﷺ وأصحابه فقالوا: لن ندخل النار إلا أياما معدودة ويستخلف إليها قوم آخرون يعنون محمدا وأصحابه, فقال رسول الله ﷺ بيده على رءوسهم: "بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم فيها أحد". فأنزل الله: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ الآية.
وأخرج عن ابن عباس أنهم قالوا: لن ندخل النار إلا تحلة القسم الأيام التي عبدنا فيها العجل أربعين ليلة فإذا انقضت انقطع عنا العذاب، فنزلت الآية.
وروى الطبراني في الكبير وابن جرير، وابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن عباس قدم ﷺ المدينة ويهود تقول: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما يعذب الناس بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا في النار من أيام الآخرة فإنما هي سبعة أيام، ثم ينقطع العذاب فنزلت الآية. ثم قال لهم: "هل" ولغير أبي ذر: فهل "أنتم صادقوني" كذا للأربعة أيضا ولغيرهم: صادقي "عن شيء إن سألتكم عنه". فقالوا -وفي رواية: قالوا. بحذف الفاء-: نعم، فقال: "هل جعلتم في هذه الشاة سما". نسب لهم الجعل لأنهم لما علموا به حين شاورتهم وأجمعوا لها على سم معين كأنهم جعلوه،стр. 1367
فقالوا: نعم، فقال: "ما حملكم على ذلك"؟. قالوا: أردنا إن كنت كذابا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك.
وفي حديث جابر عند أبي داود: أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ رسول الله ﷺ فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، فقال رسول ﷺ : "ارفعوا أيديكم". وأرسل إلى اليهودية فقال: "سممت هذه الشاة"؟. فقالت: من أخبرك؟ قال: "أخبرتني هذه في يدي". للذراع. قالت: نعم.
الحواشي
(١) ولذا أجابوا "فقالوا": وفي رواية بحذف الفاء "نعم، فقال: "ما حملكم على ذلك"؟. قالوا: أردنا إن كنت كذابا" بشد المعجمة، وفي رواية: كاذبا بألف بعد الكاف "أن تستريح", ولأبي ذر وابن عساكر بحذف أن. "منك وإن كنت نبيا لم يضرك".
وهذا الحديث أخرجه البخاري بطوله في الجزية في باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم؟ وفي الطب بطوله أيضا في باب ما يذكر في سم النبي ﷺ واختصره في غزوة خيبر في باب الشاة التي سمت للنبي ﷺ شاة فيه سم "وفي حديث جابر عند أبي داود" من طريق الزهري عنه.
قال الحافظ: وهو منقطع لأن الزهري لم يسمع من جابر، لكن له شاهد عند أبي داود مرسلا ووصله البيهقي عن أبي هريرة "أن يهودية من أهل خيبر" هي زينب، وفي أبي داود أنها أخت مرحب وبه جزم السهيلي.
وعند البيهقي في الدلائل بنت أخي مرحب "سمت شاة مصلية" بفتح الميم، وسكون المهملة, أي: مشوية "ثم أهدتها إلى النبي ﷺ ".
وعند الدمياطي لما صلى رسول الله صلى عليه وسلم المغرب بالناس انصرف وهي جالسة عند رحله فسأل عنها، فقالت: يا أبا القاسم هدية أهديتها لك. وفي رواية: أنها أهدتها لصفية كما مر، فإن صح فكأنها أهدتها لصفية وجلست عند رحله حتى أخبرته أنها هدية ليأكل منها، فقدمتها له صفية "فأخذ رسول الله ﷺ فأكل منها", أي: مضغ منها مضغة، ثم لفظها على ما عند ابن إسحاق أو ازدردها على ما عند الدمياطي، ويأتي الجمع وأيا ما كان فلا يؤول أكل بأراد, إذ لم يقل أحد: إنه لم يتناول, إنما الخلف في الازدراد، "وأكل رهط من أصحابه معه", وكانوا ثلاثة على ما في الإمتاع للمقريزي, وسمى ابن إسحاق منهم بشر بن البراء, فقال رسول الله ﷺ : "ارفعوا أيديكم".
وفي رواية البيهقي: "أمسكوا فإنها مسمومة". وأرسل إلى اليهودية, فقال: "سممت هذه الشاة". فقالت: من أخبرك؟ قال: "أخبرتني هذه في يدي". مشيرا "للذراع، قالت: نعم" زاد في روايةстр. 1368
قلت إن كان نبيا فلن يضره، وإن لم يكن نبيا استرحنا منه. فعفا عنها ﷺ ولم يعاقبها، وتوفي أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم رسول الله ﷺ على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة.
وفي رواية غيره: جعلت زينب بنت الحارث امرأة ابن مشكم تسأل أي الشاة أحب إلى محمد, فيقولون: الذراع. فعمدت إلى عنز لها فذبحتها وصلتها، ثم عمدت إلى سم لا يطنئ -يعني لا يلبث أن يقتل من ساعته-.
الحواشي
(١) البيهقي: قال لها: "ما حملك على ذلك"؟ قالت: "قلت: إن كان نبيا فلا يضره وإن لم يكن نبيا استرحنا منه".
وفي رواية البيهقي: أردت إن كنت نبيا فيطلعك الله، وإن كنت كاذبا فأريح الناس منك.
ذكره التيمي في مغازيه وقد استبان لي أنك صادق، وأنا أشهدك، ومن حضر أني على دينك وأن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. وعند ابن سعد عن الواقدي بأسانيد متعددة، أنها قالت: قتلت أبي وزوجي وعمي وأخي -وسمى عمها يسار وكان من أجبن الناس, وهو الذي أنزل من الرف، وأخوها زبير- ونلت من قومي, فقلت: إن كان نبيا فسيخبر الذراع وإن كان ملكا استرحنا منه، "فعفا عنها ﷺ ولم يعاقبها" عطف مسبب على سبب، "وتوفي أصحابه الذين أكلوا من الشاة،" أي جنس أصحابه إذ لم يمت منهم غير بشر، ويروى أنهم وضعوا أيديهم، وما ازدردوا شيئا وأنه أمرهم بالاحتجام، وكأنه لمخالطة ريقهم، وقد ابتلعوا، "واحتجم رسول الله ﷺ على كاهله" أي بين كتفيه, حجمه أبو هند أو أبو طيبة بالقرن والشفرة، ويحتمل أنهما معا حجماه، فقد قيل: إنه احتجم بين كتفيه في ثلاثة مواضع "من أجل" الجزء "الذي أكل" بحذف العائد، أي: أكله "من الشاة" العنز المسمومة.
وذكر الواقدي أنه ﵇ أمر بلحم الشاة، فأحرق ووقع عند البراز أنه ﵇ بعد سؤاله لها واعترافها بسط يده إلى الشاة وقال لأصحابه: "كلوا بسم الله". فأكلنا وذكرنا اسم الل فلم يضر أحدا منا.
قال ابن كثير وفيه نكارة وغرابة شديدة. "وفي رواية غيره" أي غير أبي داود "جعلت زينب بنت الحارث" بن سلام "امرأة ابن مشكم تسأل: أي" أجزاء "الشاة أحب إلى محمد؟ فيقولون": أحبها "الذراع فعمدت إلى عنز لها".
ففي هذه الرواية تعيين أن الشاة عنز وتسمية المبهمة في الروايتين قبلها "فذبحتها وصلتها" شوتها، "ثم عمدت إلى سم لا يطنئ" بضم المثناة التحتية وسكون الطاء المهملة ونون بعدها همزة "يعني لا يلبث" بفتح الموحدة "أن يقتل من ساعته" أي سريعا، وهو المعروف عند العامة بسمстр. 1369
وقد شاورت يهود في سموم فاجتمعوا لها على هذا السم بعينه، فسمت الشاة وأكثرت في الذراعين والكتف، فوضعت بين يديه ومن حضر من أصحابه، وفيهم بشر بن البراء، وتناول ﷺ الذراع فانتهس منها، وتناول بشر بن البراء عظما آخر، فلما ازدرد ﷺ لقمته، ازدرد بشر بن البراء ما في يده وأكل القوم، فقال ﷺ : "ارفعوا أيديكم، فإن هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة". وفيه: أن بشر بن البراء مات، وفيه: أنه دفعها ﷺ إلى أولياء بشر بن البراء فقتلوها. رواه الدمياطي.
وقد اختلف: هل عاقبها ﷺ ؟
الحواشي
(١) ساعة، "وقد شاورت يهود في" اختيار سم من جملة "سموم" عينتها بأن سألت: أيها أسرع قتلا؟ "فاجتمعوا لها على هذا السم بعينه، فسمت الشاة، وأكثرت في الذراعين، والكتف".
وعند ابن إسحاق: وقد سألت: أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ فقيل لها: الذراع فأكثرت فيها من السم ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها "فوضعت بين يديه ومن حضر من أصحابه وفيهم بشر بن البراء" بن معرور -بمهملات- الأنصاري الخزرجي، الصحابي ابن الصحابي البدري، وشهد ما بعدها حتى مات. "وتناول ﷺ الذراع فانتهس" بسين مهملة، أي أخذ بمقدم أسنانه "منها وتناول بشر بن البراء عظما آخر، فلما ازدرد ﷺ لقمته" أي: ابتلع ما انفصل منها بريقه دون اللحمة، فلا ينافي رواية ابن إسحاق: أنه ﵇ لم يسغها ولفظها. "ازدرد بشر بن البراء ما في يده وأكل القوم". في الإمتاع: أنهم كانوا ثلاثة وضعوا أيديهم في الطعام ولم يصيبوا منه شيئا، وأنه ﵇ أمرهم بالحجامة، وكان معناه إن صح أنهم لم يبتلعوا لكنهم وضعوه في أفواههم فأثر قليلا، فأمرهم بالحجامة لإزالة ذلك الأثر، فقال ﷺ : "ارفعوا أيديكم فإن هذه الذراع" يذكر ويؤنث، فلذا أنث ضميره "تخبرني أنها مسمومة". وهل بكلام يخلق فيها أصوات وأصوات يحدثها الله فيها وفي الحجر والشجر بلا حياة أو الحياة أولا ثم الكلام بعدها؟ قولان في الشفاء ومر له مزيد.
وعند الواقدي وغيره: أنه ﷺ ما كان بعد أكلة خيبر يأكل من شيء حتى يأكل منه صاحبه الذي يحضره، "وفيه أن بشر بن البراء مات" من أكلته بعد حول كما جزم به السهيلي، وقيل: من ساعته "وفيه أنه دفعها ﷺ إلى أولياء بشر بن البراء فقتلوها".
"رواه الدمياطي" الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف له ألف وثلاثمائة شيخ، فهذا معارض لما فوقه من حديث جابر أنه عفا عنها ولم يعاقبها. لكن عند ابن سعد عن شيخه الواقدي بأسانيد متعددة أنه دفعها إلى ولاة بشر فقتلوها.
قال الواقدي: وهو الثبت "وقد اختلف: هل عاقبها" أي: أمر بعقابها بقتل أو غيره " ﷺ ", أمстр. 1370
فعند البيهقي من حديث أبي هريرة: فأعرض لها، ومن حديث أبي نضرة عن جابر نحوه قال: فلم يعاقبها. وقال الزهري: أسلمت فتركها.
قال البيهقي: يحتمل أن يكون تركها أولا ثم لما مات بشر بن البراء من الأكلة قتلها, وبذلك أجاب السهيلي وزاد: أنه تركها؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ثم قتلها ببشر بن البراء قصاصا.
ويحتمل أن يكون تركها لكونها أسلمت, وإنما أخر قتلها حتى مات بشر؛ لأن بموته يتحقق وجوب القصاص بشرطه.
الحواشي
(١) لا بسبب اختلاف الأخبار، "فعند البيهقي من حديث أبي هريرة فأعرض لها" بفتح الراء مخففة أي ما تعرض لها بسوء. ونحوه عن جابر عند أبي داود كما مر، "و" عند البيهقي أيضا "من حديث أبي نضرة" بنون ومعجمة ساكنة مشهورة بكنيته واسمه المنذر بن مالك البصري الثقة.
روى له مسلم والأربعة مات سنة ثمان أو تسع ومائة "عن جابر نحوه" نحو قول أبي هريرة فما عرض لها حيث "قال" جابر آخر الحديث، "فلم يعاقبها" وليس فاعل قال البيهقي: أخذا مما رواه عن أبي هريرة وجابر كما زعما لأنه خلاف المروي عند البيهقي "وقال الزهري" فيما رواه عبد الرزاق عن معمر عنه "أسلمت فتركها" قال معمر: والناس يقولون: قتلها. انتهى.
قال الحافظ: ولم ينفرد الزهري بدعواه: إنها أسلمت. فقد جزم بذلك سليمان التميمي، في مغازيه وساق عبارته الآتية في المصنف.
"قال البيهقي: يحتمل" في طريق الجمع "أن يكون تركها أولا، ثم لما مات بشر بن البراء من الأكلة" بضم الهمزة، أي اللقمة "قتلها، وبذلك أجاب", أي: جمع "السهيلي" في الروض، "وزاد" حيث قال: وجه الجمع بين الحديثين "أنه" ﷺ "تركها" أولا؛ "لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ثم قتلها ببشر بن البراء قصاصا", وفيه حجة لمذهب مالك في وجوب القصاص بالسم بتقديم الطعام المسموم، وقال الحنفية والشافعية: فيه الدية لا القصاص؛ لأنه مختار باشر ما هلك به بغير الجاء، والدية للتغرير وتسفوا الجواب عن حديث قتلها بأنه لنقض العهد لا القصاص، وفيه: إن هذا إنما هو على أنها لم تسلم أما على إسلامها وهو الحق؛ لأن ناقله مثبت مع مزيد إتقانه وكونه لم ينفرد به فلا يصح الجواب؛ لأن ناقض العهد إذا أسلم عصم نفسه، "ويحتمل" كما قال الحافظ: بعد ذكر هذا الخلاف في قتلها والجمع "أن يكون تركها لكونها أسلمت، وإنما أخر قتلها حتى مات بشر لأن بموته يتحقق وجوب القصاص بشرطه".
قال شيخنا: فيه نظر لأن قصتها إن صحت على هذا الوجه كان فعلها قبل الإسلام وبعدстр. 1371
وفي مغازي سليمان التيمي: أنها قالت: إن كنت كاذبا أرحت الناس منك، وقد استبان لي الآن أنك صادق وأنا أشهدك ومن حضر أني على دينك وأن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، قال: فانصرف عنها حين أسلمت. وفيه: موافقة الزهري على إسلامها، فالله أعلم.
وفي هذه الغزوة أيضا: نام ﷺ عن صلاة الفجر، لما وكل به بلالا كما في حديث أبي هريرة عند مسلم أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر.
الحواشي
(١) الإسلام لا تؤاخذ بما صدر منها، "وفي مغازي سليمان" بن طرخان البصري أبي المعتمر، "التيمي" نزل في التيم فنسب إليهم, ثقة, عابد, عاش سبعا وتسعين سنة, ومات سنة ثلاث وأربعين ومائة.
روى له الستة "أنها قالت" لما قال لها: $"ما حملك على ذلك؟ ". قلت: إن كنت نبيا لم يضرك و"إن كنت كاذبا أرحت الناس منك، وقد استبان لي الآن" لما ظهرت معجزتك بنطق الذراع لك وعدم ضر السم لك "إنك صادق، وأنا أشهدك ومن حضر أني على دينك، وأن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، قال: فانصرف عنها حين أسلمت وفيه" أي حديث التيمي، هذا "موافقة الزهري على إسلامها" وكفى بهما حجة، ومن ثم جزم في الإصابة بأنها صحابية, "والله أعلم".
"وفي هذه الغزوة" أطلق الغزوة مريدا السفر الذي هي فيه مجازا لانقضائها قبل النوم، أي وفي هذه السفرة وقعت غريبة "أيضا" فشاركت ما قبلها في الغرابة فلا يردان أيضا إنما تستعمل بين متشاركين ولا مشاركة بين سم الشاة والنوم.
"نام ﷺ عن صلاة الفجر" أي الصبح اقتصر عليه؛ لأنه المقصود دون ناقلته وإن شاركته في الفوات "لما وكل" بالتشديد على الأكثر لتعديه بالباء في قوله "به" أي الفجر أو الرسول، والأول أقرب لأنه المأمور بمراقبته وبالتخفيف.
قال الحافظ: يقال: وكله بكذا، إذا استكفاه إياه وصرف أمره إليه. "بلالا كما في حديث أبي هريرة عند مسلم" وأبي داود، وابن ماجه، من طريق ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عنه وأخرجه مالك في الموطأ, وابن إسحاق في السيرة عن ابن شهاب عن سعيد فأرسلاه.
لكن رواية الإرسال لا تضر في رواية من وصله لأن يونس من الحفاظ الثقات، حتى قال أحمد بن صالح لا تقدم عليه في الزهري أحدا واحتج به الجماعة "أن رسول الله ﷺ حين قفل" أي رجع والقفول الرجوع من السفر ولا يقال لمن سافر مبتدئا: قفل إلا القافلة تفاؤلا "من غزوة خيبر" بالخاء المعجمة آخره راء قال الباجي، وابن عبد البر وغيرهما: هذا هو الصواب وقالстр. 1372
سار ليلة حتى أدركه الكرا عرس، وقال لبلال: "اكلأ لنا الليل". فصلى بلال ما قدر له، ونام ﷺ , فلما قارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالا عيناه وهو مستند إلى راحلته.
الحواشي
(١) الأصيلي إنما هو من حنين بمهملة ونون قال النووي: وهذا غريب ضعيف والمراد من خيبر وما اتصل بها من فتح وادي القرى، لأن النوم حين قرب من المدينة وعند الشيخين عن عمران كنا في سفر.
وكذا أخرجاه عن أبي قتادة بالإبهام ولمسلم، وأبي داود، والنسائي عن أبي مسعود أقبل من الحديبية ليلا وفي الموطأ من مرسل زيد بن مسلم بطريق مكة ولعبد الرزاق من مرسل عطاء بن يسار، والبيهقي عن عقبة بن عامر بطريق تبوك.
قال الحافظ: فاختلاف المواطن يدل على تعدد القصة وقد اختلف: هل كان نومهم عن الصبح أو أكثر فجزم الأصيلي أن القصة واحدة، ورده عياض بمغايرة قصة أبي قتادة قصة عمران، وهو كما قال: وحاول ابن عبد البر الجمع بأن زمان رجوعهم من خيبر قريب من زمان رجوعهم من الحديبية وطريق مكة يصدق بهما ولا يخفى تكلفه، ورواية غزوة تبوك ترد عليه. انتهى.
قال النووي اختلف: هل كان النوم مرة أو مرتين؟ ورجحه القاضي عياض "سار ليلة" ليست الأولى، وفي الموطأ: أسرى, وفي رواية أبي مصعب عنه: أسرع, ولأحمد من حديث ذي مخبر، وكان يفعل ذلك لقلة الزاد، فقال له قائل: يا نبي الله انقطع الناس وراءك فحبس وحبس الناس معه حتى تكاملوا إليه، فقال: "هل لكم أن نهجع هجعة"؟. فنزل ونزلوا "حتى أدركه الكرا" كعصا أي: النعاس, وقيل: هو أن يكون الإنسان بين النوم واليقظة، وفي الموطأ: حتى إذا كان آخر من الليل.
وي حديث ابن عمر وعند الطبراني حتى إذا كان مع السحر "عرس" بتشديد الراء, قال الخليل والجمهور: التعريس نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة ولا يسمى نزول أول الليل تعريسا, ويقال: لا يختص بزمن بل مطلق نزول المسافر للراحة ثم يرتحل ليلا كان أو نهارا.
وفي حديث عمران: حتى إذا كنا في آخر الليل وقعنا وقعة ولا قعة أحلى عند المسافر منها. وفي حديث أبي قتادة: أنه ﷺ قال: "أخاف أن تناموا عن الصلاة". فقال بلال: أنا أوقظكم. وقال لبلال: "اكلأ" بالهمز. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ أي: يحفظكم. أي: احفظ وارقب "لنا الليل" بحيث إذا طلع الفجر توقظنا، "فصلى بلال ما قدر" بالبناء للمفعول، أي: ما يسره الله "له، ونام ﷺ وأصحابه فلما قارب" أي قرب "الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر" أي مستقبل الجهة التي يطلع منها، "فغلبت بلالا عيناه وهو مستند إلى راحلته،стр. 1373
فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظا، فقال: "أي بلال"!. فقال بلال: إنه أخذ بنفسي الذي أخذ -بأبي أنت وأمي يا رسول الله-.
الحواشي
(١) فلم يستيقظ رسول الله ولا بلال ولا أحد من أصحابه" ﵇ "حتى ضربتهم الشمس" قال عياض: أي أصابهم شعاعها وحرها "فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظا" أسقط من رواية مسلم، وهو في الموطأ: ففزع, قال النووي: أي أنتبه وقام.
وقال الأصيلي: ففزع لأجل عدوهم خوفا أن يكون اتبعهم فيجدهم بتلك الحال من النوم، وقال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون تأسفا على ما فاتهم من وقت الصلاة. قال: وفيه دليل على أن ذلك لم يكن من عادته منذ بعث. قال: ولا معنى لقول الأصيلي؛ لأنه ﷺ لم يتبعه عدو في انصرافه من خيبر ولا من حنين ولا ذكر ذلك أحد من أهل المغازي بل انصرف من كلا الغزوتين ظافرا غانما. انتهى.
ففي حديث أبي هريرة هذا: أن المصطفى أول من استيقظ وأن الذي كلأ الفجر بلال، ومثله في حديث أبي قتادة عند الشيخين ولهما من حديث عمران بن حصين: أن أول من استيقظ أبو بكر ثم فلان، ثم فلان، ثم عمر بن الخطاب الرابع فكبر حتى استيقظ ﷺ . وفي حديث أبي قتادة أن العمرين لم يكونا معه ﷺ لما نام وفي قصة عمران أنهما معه.
وروى الطبراني شبيها بقصة عمران وفيه أن الذي كلأ لهم الفجر ذو مخبر وهو بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة، وفتح الموحدة، وفي صحيح ابن حبان عن ابن مسعود أنه كلأ لهم الفجر.
قال الحافظ: فهذا كله يدل على تعدد القصة، ومع ذلك فالجمع ممكن ولا سيما مع ما وقع عند مسلم وغيره: أن عبد الله بن رباح راوي الحديث عن أبي قتادة ذكر أن عمران سمعه وهو يحدث الحديث بطوله، فقال: انظر كيف تحدث فإني كنت شاهدا القصة، فما أنكر عليه من الحديث شيئا، فهذا يدل على اتحادهما. لكن لمدعي التعدد أن يقول: يحتمل أن عمران حضر القصتين، فحدث بإحداهما وصدق ابن رباح لما حدث عن أبي قتادة بالأخرى, والله أعلم. انتهى.
فيتأمل الجمع بماذا مع هذا التغاير في الذي كلأ وأول من استيقظ، وأن العمرين معه في خبر عمران ولم يكونا في خبر أبي قتادة، وسبق اختلاف أيضا في محل اليوم فالمتجه ما رجحه عياض أن النوم وقع مرتين عن صلاة الصبح وإليه أومأ الحافظ قبلُ كما مر، "فقال: أي: بلال" مناديا, وفي رواية ابن إسحاق: فقال: "ماذا صنعت بنا يا بلال". "فقال بلال: إنه أخذ بنفسي الذي أخذ -بأبي أنت وأمي يا رسول الله-". هكذا ثبت في رواية مسلم وغيره، كما ترى وسقط فيстр. 1374
بنفسك. قال: "اقتادوا".
الحواشي
(١) رواية ابن إسحاق، الواقدي لكنها زيادة ثقة، فتقبل, وعجيب قول القائل: لعله ثبت في رواية غيره، أفلا تنبه لكون المتن عزاه لمسلم "بنفسك" صلة أخذ وما بينهما اعتراض.
قال ابن رشيق: أي أن الله استولى بقدرته عليَّ، كما استولى عليك مع منزلتك قال: ويحتمل أن المراد غلبني النوم كما غلبك، وقال ابن عبد البر: معناه قبض نفسي الذي قبض نفسك، فالباء زائدة أي توفاها متوفي نفسك, قال: وهذا قول من جعل النفس والروح شيئا واحدا؛ لأنه قال في الحديث الآخر: "إن الله قبض أرواحنا". فنص على أن المقبوض هو الروح وفي القرءان: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ الآية. ومن قال: النفس غير الروح تأول: أخذ بنفسي من النوم الذي أخذ بنفسك منه.
زاد في رواية ابن إسحاق قال: "صدقت". وفي الموطأ من وجه آخر: ثم التفت ﷺ إلى أبي بكر، فقال: "إن الشيطان أتى بلالا وهو قائم يصلي فأضجعه، فلم يزل يهديه كما يهدي الصبي حتى نام". ثم دعا بلالا فأخبر بلال رسول الله مثل الذي أخبر رسول الله ﷺ أبا بكر، فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله.
قال ابن عبد البر: أهل الحديث يروون: يهديه بترك الهمز وأصلها عند أهل اللغة الهمز، وقال في المطالع هو بالهمز أي يسكنه وينومه من هدأت الصبي، إذا وضعت يدك عليه لينام، وفي رواية بغير همز على التسهيل, ويقال فيه أيضا: يهدنه بالنون، وروي يتهدهده, هدهدت الأم ولدها لينام أي حركته. انتهى.
وفي هذا اعتذار عن بلال وأنه ليس باختياره وفيه تأنيس له، كما آنسهم لما عرض لهم من الأسف على خروج الصلاة عن وقتها بأنه لا حرج عليهم إذ لم يتعمدوا ذلك، ففي حديث عمران شكوا إليه الذي أصابهم قال: "لا ضير". أو: "لا يضيره". في مستخرج أبي نعيم: "لا يسوء ولا يضير". ولأحمد عن ابن مسعود مرفوعا: "وإن الله أراد أن لا تناموا عنها لم تناموا، ولكن أراد أن تكون لمن بعدكم فهكذا لمن نام أو نسي". وفي الموطأ وأبي داود: "إن الله قبض أرواحنا، ثم ردها إلينا فصلينا ولو شاء ردها إلينا في حين غير هذا".
قال: "اقتادوا" بالقاف، أي ارتحلوا كما قال في حديث عمران زاد مسلم في رواية أبي حازم عن أبي هريرة: "فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان". قال ابن رشيق: قد علله ﷺ بهذا ولا يعلمه إلا هو.
وقال القاضي عياض: هذا أظهر الأقوال في تعليله. قال الحافظ: وقيل لاشتغالهم بأحوال الصلاة، أو تحرزا من العدو، أو ليستيقظ النائم وينشط الكسلان، أو لأن الوقت وقت كراهة, يردهстр. 1375
فاقتادوا رواحلهم شيئا، ثم توضأ رسول الله ﷺ وأمر بلالا فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: "من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ".
الحواشي
(١) قول الحديث: حتى ضربتهم الشمس، وفي حديث عمران: حتى وجدوا حر الشمس، وذلك لا يكون حتى يذهب وقت الكراهة.
وقال القرطبي: أخذ بهذا بعض العلماء فقال: من انتبه من نوم عن فائتة في حضر فليتحول عن موضعه، وإن كان واديا فليخرج عنه. وقيل: إنما يلزم في ذلك الوادي بعينه. وقيل: هو خاص به ﷺ ؛ لأنه لا يعلم ذلك من حال ذلك الوادي ولا غيره إلا هو.
وقال غيره: يؤخذ منه إن من حصلت له غفلة في مكان عن عبادة استحب له التحول منه ومنه أمر الناعس في سماع الخطبة يوم الجمعة بالتحول من مكان إلى مكان آخر، "فاقتادوا رواحلهم شيئا" يسيرا.
وفي حديث عمران: فسار غير بعيد، ثم نزل وهذا يدل على أن هذا الارتحال وقع على خلاف سيرهم المعتاد، "ثم توضأ ﷺ " زاد ابن إسحاق: وتوضأ الناس "وأمر بلالا فأقام الصلاة".
قال عياض: أكثر رواة الموطأ في هذا الحديث على: فأقام, وبعضهم قال: فأذن أو أقام على الشك. ولأحمد من حديث ذي مخبر: فأمر بلالا فأذن، ثم قام ﷺ فصلى الركعتين قبل لصبح وهو غير عجل، ثم أمره فأقام الصلاة "فصلى بهم الصبح" زاد الطبراني من حديث عمران: فقلنا يا رسول الله أنعيدها من الغد لوقتها؟ قال: "نهانا الله عن الربا ويقبله منا"؟. وعند ابن عبد البر: "لا ينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم". فلما قضى الصلاة، قال: "من نسي الصلاة". زاد القعنبي في روايته في الموطأ: "أو نام عنها". "فليصلها إذا ذكرها". وعند أبي يعلى والطبراني، وابن عبد البر من حديث أبي جحيفة: ثم قال ﷺ : "إنكم كنتم أمواتا فرد الله إليكم أرواحكم فمن نام عن الصلاة فليصلها إذا استيقظ، ومن نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها". فعلم أن في الحديث اختصارا من بعض الرواة فزعم أنه أراد بالنسيان مطلق الغفلة عن الصلاة لنوم أو غيره، وأنه لم يذكر النوم أصلا لأنه أظهر في العموم الذي أراده فاسد نشأ من عدم الوقوف على الروايات, "فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ " [طه: ١٤] .
قال القاضي عياض: قال بعضهم فيه تنبيه على ثبوت هذا الحكم وأخذه من الآية التي تضمنت الأمر لموسى ﵇ وأنه مما يلزمنا اتباعه، وقال غيره: استشكال وجه أخذ الحكم من الآية فإن معنى: ﴿لِذِكْرِي﴾ ، إما لذكري فيها وإما لأذكرك عليها على اختلاف القولين في تأويلها وعلى كل فلا يعطى ذلك.стр. 1376
وفيها قدم جعفر ومن معه من الحبشة.
الحواشي
(١) قال ابن جرير: ولو كان المراد حين تذكرها لكان التنزيل لذكرها، وأصح ما أجيب به أن الحديث فيه تغيير من الراوي، وإنما هو للذكرى بلام التعريف وألف القصر كما في سنن أبي داود وفيه وفي مسلم زيادة. وكان ابن شهاب يقرأها: "للذكرى" فبان بهذا أن استدلاله ﷺ إنما كان بهذه القراءة فإن معناها للتذكر أي لوقت التذكر. قال عياض: وذلك هو المناسب لسياق الحديث. قال الجوهري: الذكرى نقيض النسيان. انتهى.
وقد جمع العلماء بين هذا الحديث وبين قوله ﷺ : "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي". بأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك ما يتعلق بالعين لأنها نائمة والقلب يقظان. قال النووي: هذا هو الصحيح المعتمد. قال الحافظ: ولا يقال القلب وإن لم يدرك ما يتعلق بالعين من رؤية الفجر مثلا لكنه يدرك إذا كان يقظانا مرور الوقت الطويل، فإن من ابتداء الفجر إلى أن حميت الشمس مدة لا تخفى على من لم يستغرق، لأنا نقول يحتمل أن قلبه كان مستغرقا بالوحي ولا يلزم وصفه بالنوم، كما كان يستغرق حالة إلقاء الوحي يقظة.
والحكمة في ذلك بيان التشريع بالفعل؛ لأنه أوقع في النفس كما في سهوه في الصلاة، وقريب من هذا جواب ابن المنير بأن القلب قد يحصل له السهو في اليقظة لمصلحة التشريع، ففي النوم أولى أو على السواء وقيل: غير ذلك.
"وفيها قدم جعفر" بن أبي طالب الهاشمي الأمير المستشهد بمؤتة.
روى البيهقي عن جابر أن جعفرا لما قدم عليه ﷺ تلقاه فقبل بهته.
ثم قال: "ما أدري بأيهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر"؟. وعنده أيضا بسند فيه من لا يعرف حاله عن جابر لما قدم جعفر تلقاه ﷺ فلما نظر جعفر إليه حجل.
قال أحد رواته: يعني مشى على رجل واحدة إعظاما منه له فقبل ﷺ بين عينيه "ومن معه" وهم ستة عشر رجلا، جعفر ومعه امرأته أسماء بنت عميس وابنه عبد الله ولدته بالحبشة، وخالد بن سعيد الأموي، مع امرأته أمينة بنت خلف وولداه سعيد وأمية ولدتهما بالحبشة وأخوه عمرو بن سعيد, ومعيقيب بن أبي فاطمة، وأبو موسى الأشعري، والأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد، وجهم بن قيس معه ابنه عمرو وبنته خزيمة, وعامر بن أبي وقاص، وأبو حاطب ابن عمرو، ومالك بن ربيعة معه امرأته, والحارث بن عبد قيس، هكذا سماهم ابن إسحاق "من الحبشة" قال ابن إسحاق: بعث ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي فجعلهم في سفينتين فقدم بهم عليه وهو بخيبر ومعهم نساء من مات هناك من المسلمين.
وفي البخاري، ومسلم عن أبي موسى: بلغنا مخرج النبي ﷺ ونحن باليمن، فخرجناстр. 1377
واختلف في فتح خيبر هل كان عنوة أو صلحا؟
وفي حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس التصريح بأنه كان عنوة، وبه جزم ابن عبد البر، ورد على من قال: فتحت صلحا. قال: وإنما دخلت الشبهة على من قال: فتحت صلحا بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما لتحقن دماؤهما، وهو ضرب من الصلح، لكن لم يقع ذلك إلا بحصار وقتال. انتهى.
الحواشي
(١) مهاجرين أنا وأخوان لي أنا أصغرهم أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم، إما قال: في بضع وإما قال: في ثلاثة أو اثنتين وخمسين رجلا من قومي فركبنا سفينة فألقتنا إلى النجاشي فوافقنا جعفر بن أبي طالب فقال: إن رسول الله ﷺ بعثنا هنا وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر فأسهم لنا ولم يسهم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا إلا لمن شهدها معه إلا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه فإنه قسم لهم معنا.
وعند البيهقي أنه ﷺ قبل أن يقسم لهم كلم المسلمين فأشركوهم. الحديث في الصحيح مطولا وفيه: أن عمر قال لأسماء بنت عميس: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله منكم. فغضبت وذكرته له ﷺ فقال: "ليس بأحق بي منكم له ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان". وفيه أنه ﷺ قال: "إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل". "واختلف في فتح خيبر: هل كان عنوة؟ " كما قال أنس في الصحيح وابن شهاب عند ابن إسحاق وغيره "أو صلحا؟ " أو بعضها صلحا والباقي عنوة؟ كما رواه مالك عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عند أبي داود، "وفي حديث عبد العزيز بن صهيب" بضم المهملة وفتح الهاء مصغرا, البناني بموحدة ونونين البصري, الثقة. المتوفى سنة ثلاثين ومائة. روى له الجميع "عن أنس" عند البخاري، وأبي داود، والنسائي "التصريح بأنه كان عنوة" ولفظه فأصبناها عنوة، "وبه جزم ابن عبد البر ورد على من قال: فتحت صلحا، قال: وإنما دخلت الشبهة على من قال: فتحت صلحا بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما" وهما الوطيح والسلالم "لتحقن دماؤهما وهو ضرب من الصلح لكن لم يقع ذلك إلا بحصار وقتال. انتهى".
قال الحافظ: والذي يظهر أن الشبهة في ذلك قول ابن عمران: النبي ﷺ قاتل أهل خيبر فغلب على النخل وألجأهم إلى القصر، فصالحوه على أن يجلوا منها وله الصفراء والبيضاء، والحلقة، ولهم ما حملت ركابهم على أن لا يكتموا ولا يغيبوا ... الحديث وفي آخره: فسبى ذراريهم ونساءهم وقسم أموالهم للنكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليهم، فقالوا: دعنا في هذه الأرض نصلحها ... الحديث.
أخرجه أبو داود، والبيهقي وغيرهما ما فعل هذا كان قد وقع الصلح ثم حدث النقض منهم فزال أثر الصلح، ثم من عليهم بترك القتل وأبقاهم عمالا بالأرض ليس لهم فيها ملك، لذلك أجلاهم عمر، فلو كانوا صولحوا على أرضهم لم يجلوا منها، وقد احتج الطحاوي على أن بعضها صلحا بما أخرجه هو وأبو داود أن النبي ﷺ لما قسم خيبر عزل نصفها لنوائبه وقسم نصفها بين المسلمين، وهو حديث اختلف في وصله وإرساله وهو ظاهر في أن بعضها فتح صلحا. انتهى.
لكن قال أبو عمر: هذا لو صح لكان معناه أن النصف له من سائر من وقع في ذلك النصف معه لأنها قسمت على ستة وثلاثين سهما، فوقع سهمه ﵇ وطائفة معه في ثمانية عشر وسائر الناس في باقيها، وانتقده اليعمري بأن هذا تأويل ممكن لو احتمل الحديث هذ التفسير, والله أعلم.стр. 1378
" فتح وادي القرى ":
ثم فتح وادي القرى، في جمادى الآخرة.....................................
الحواشي
(١) فتح وادي القرى:
"ثم فتح وادي القرى" بضم القاف وفتح الراء مقصور موضع بقرب المدينة "في جمادى الآخرة" سنة سبع، كما اقتصر عليه اليعمري، ومغلطاي فتبعهما المصنف وكأنه, والله أعلم مبني على ما ذكره الحاكم، وابن سعد عن الواقدي أن خيبر كانت في جمادى الأولى، وقد تعقب ذلك الحافظ كما مر عنه بأن الذي في مغازي الواقدي أنها كانت في صفر، وقيل: في ربيع الأول، والذي قاله ابن إسحاق، والواقدي والبلاذري بأسانيده لما انصرف ﷺ عن خيبر أتى الصهباء، سلك على برمة حتى انتهى إلى وادي القرى يريد من بها من يهود.
وقد روى مالك ومن طريقه البخاري، ومسلم عن أبي هريرة: افتتحنا خيبر ثم انصرفنا مع رسول الله ﷺ إلى وادي القرى، وأخرجه البيهقي من وجه آخر بلفظ: خرجنا مع النبي ﷺ من خيبر إلى وادي القرى وبين هذا وكونها في جمادى تباين ظاهر؛ لأن خيبر كانت في المحرم سنة سبع أو في آخر سنة ست وحاصرها بضع عشرة ليلة حتى فتحها في صفر، ثم خرج إلى الصهباء وأقام حين بنى بصفية ثلاثة أيام بلياليها ومدة الذهاب والإياب ثمانية أيام فغاية المدة نحو شهر، فلا يكون وادي القرى في جمادى الآخرة غاية ما يفيده كلام الجماعة المعتضد بحديث أبي هريرة أنها في آخر صفر أو أول ربيع الأول.
نعم روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس أنه ﷺ أقام بخيبر ستة أشهر يجمع الصلاة،стр. 1379
بعد أن قام أربعا يحاصرهم، ويقال: أكثر من ذلك.
وأصاب "مدعما" مولاه سهم
الحواشي
(١) وهذا لو صح لرفع الإشكال يحمل قوله ستة على التقريب سيما على أنها في آخر سنة ست، أو على أن المراد بها وبما يتعلق بها من وادي القرى لكن سنده ضعيف، وعارضه رواية البيهقي بسند ضعيف عن ابن عباس أنه أقام بها أربعين يوما.
روى ابن إسحاق عن أبي هريرة: لما انصرفنا مع رسول الله ﷺ عن خيبر إلى وادي القرى نزلناها أصيلا مع غروب الشمس "بعد ما أقام بها أربعا" من الأيام "يحاصرهم ويقال: أكثر من ذلك".
قال الواقدي: عبَّى ﷺ أصحابه للقتال وصفهم ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر وراية إلى سهل بن حنيف وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحصنوا دماءهم وحسابهم على الله فبرز رجل منهم فقتله الزبير، ثم آخر فقتله الزبير، ثم آخر فقتله علي، ثم آخر فقتله أبو دجانة، ثم آخر فقتله أبو دجانة، حتى قتل منهم أحد عشر، كلما قتل رجلا دعا من بقي إلى الإسلام ولقد كانت الصلاة تحضر يومئذ فيصلي بأصحابه، ثم يعود فيدعوهم إلى الله ورسوله, فقاتلهم حتى أمسوا وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس حتى أعطوا ما بأيديهم وفتحها ﷺ عنوة، وغنمه الله أموالهم وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا وأقام بها أربعة أيام وقسم ما أصاب على أصحابه بوادي القرى، وترك الأرض والنخيل بأيدي يهود وعاملهم عليها.
قال البلاذري: وولاها ﷺ عمرو بن سعيد بن العاصي وأقطع جمرة بجيم ابن هوذة بفتح الهاء والمعجمة العذري رمية سوط من وادي القرى "وأصاب مدعما" بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين المهملتين آخره ميم عبد أسود، كما في رواية الموطأ صحابي ﵁ "مولاه" ﷺ أهداه له رفاعة بن زيد أحد بني الضبيب كما في مسلم وهو بضم المعجة بصيغة التصغير.
وفي رواية ابن إسحاق رفاعة بن زيد الجذامي، ثم الضبني بضم المعجمة وفتح الموحدة بعدها نون وقيل: بفتح المعجمة، وكسر الموحدة نسبة إلى بطن من جذام.
قال الواقدي: كان رفاعة وفد على النبي ﷺ في ناس من قومه قبل خروجه إلى خيبر فأسلموا وعقد له على قومه جاءه "سهم" فقتله.
روى مالك والشيخان من طريقه عن أبي هريرة: افتتحنا خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إنما غنمنا البقر، والإبل, والمتاع, والحوائط، ثم انصرفنا مع رسول الله ﷺ إلى وادي القرى ومعه عبدстр. 1380
فقال ﷺ : "إن الشملة التي غلها من خيبر تشتعل عليه نارا".
وصالحه أهل تيماء على الجزية، قاله الحافظ مغلطاي.
الحواشي
(١) له أسود يقال له: مدعم أهداه له أحد بني الضباب، فبينما هو يحط رحل رسول الله ﷺ إذ جاءه سهم عائر حتى أصاب ذلك البعد، فقال الناس: هنيئا له الشهادة، فقال ﷺ : "كلا". هكذا في الموطأ، ومسلم, وفي البخاري: "بل". وللكشميهني: "بل" وهو تصحيف، والذي نفسي بيده "إن الشملة" كساء يلتف فيه وقيل إنما تسمى شملة إذا كان لها هدب وتقييد بعض بالغلظ إن ثبت أنه الواقع هنا وإلا فاللغة الإطلاق "التي غلها من خيبر".
وفي رواية التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم "تشتعل عليه نارا" قال الحافظ: يحتمل أن ذلك حقيقة بأن تصير الشملة نفسها نارا فيعذب بها ويحتمل أن المراد أنها سبب لعذاب النار وكذا القول في الشراك، يعني المذكور في بقية الحديث وهو: فجاء رجل حين سمع ذلك بشراك أو شراكين، فقال ﷺ : "شراك -أو شراكان- من نار". وفيه تعظيم أمر الغلول، ونقل النووي الإجماع على حرمته وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر، وقال: كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له: كركرة. فقال ﷺ : "هو في النار في عباءة غلها"، وكلام عياض يشعر باتحاد قصته مع قصة مدعم والذي يظهر من عدة أوجه تغايرهم فإن قصة مدعم كانت بوادي القرى ومات بسهم وغل شملة، والذي أهداه للنبي ﷺ رفاعة بخلاف كركرة، فأهداه هوذة بن علي أي: وغل عباءة ولم يمت بسهم فافترقا.
نعم روى مسلم عن عمر لما كان يوم خيبر.
قالوا: فلان شهيد, فقال ﷺ : "كلا إني رأيته في النار في بردة غلها -أو عباءة-". فهذا يمكن تفسيره بكركرة "وصالحه" ﷺ كما عند البيهقي في حديث أبي هريرة "أهل تيماء" لما بلغهم فتح وادي القرى "على الجزية".
زاد البلاذري فأقاموا ببلادهم وأرضهم في أيديهم وولاها ﷺ يزيد بن أبي سفيان وكان إسلامه يوم فتحها، وروي أن عمر أجلى أهل فدك وخيبر، وتيماء وهو بفتح الفوقية وإسكان التحتية، والمد بلدة معروفة بين الشام والمدينة على نحو سبع مراحل أو ثمان من المدينة، قال: في المطالع من أمهات القرى على البحر من بلاط طيئ ومنها يخرج إلى الشام. "قاله الحافظ مغلطاي" تلخيصا للروايات كما ترى وصالحه أهل فدك حين أوقع بأهل خيبر على أن لهم نصفها وله ﷺ نصفها فأقرهم على ذلك ولم يأتهم.
قال ابن إسحاق: فكانت له خالصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. وقيل: صالحوه على حقن دمائهم والجلاء ويخلو بينه وبين الأموال ففعل.стр. 1381
.........................
الحواشي
(١) قال الواقدي: والأول أثبت القولين، وقول الشارح قصة فدك في شعبان وهم, فالتي في شعبان إنما هي سرية بشير إلى بني مرة بفدك أي بقربها كما يأتي لا لنفس أهل فدك، وقد ذكر الشامي مصالحة أهل فدك عقب فتح خيبر قبل قصة وادي القرى وترجم ابن إسحاق أمر فدك في خيبر، ثم رجع ﷺ إلى المدينة منصورا مؤيدا.
روى الشيخان وأصحاب السنن عن أبي موسى: قال أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فقال ﷺ : "أربعوا على أنفسكم, إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا, إنكم لتدعون سميعا قريبا وهو معكم". وأنا خلف دابته فسمعني أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال: "يا عبد الله بن قيس". قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة". قلت: بلى. قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله". أربعوا بكسر الهمزة وفتح الموحدة أي: أرفقوا وأمسكوا عن الجهر واعطفوا على أنفسكم بالرفق وكفوا عن الشدة, والله تعالى أعلم.стр. 1382
" ذكر خمس سرايا بين خيبر والعمرة ":
"الأولى: سرية عمر بن الخطاب ﵁ إلى تربة":
ثم سرية عمر بن الخطاب ﵁ إلى تربة في شعبان سنة سبع، ومعه ثلاثون رجلا، فخرج معه دليل من بني هلال، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فأتى الخبر إلى هوازن فهربوا، وجاء عمر إلى محالهم فلم يلق منهم أحدًا، فانصرف راجعا إلى المدينة.
الحواشي
(١) ذكر خمس سرايا بين خيبر والعمرة:
"ثم سرية عمر بن الخطاب" الفاروق "﵁ إلى تربة" بضم الفوقية وفتح الراء، وبالموحدة، وتاء التأنيث. قال الحازمي: واد بقرب مكة على يومين منها.
قال ابن سعد: وتربة ناحية العبلاء، أي بفتح المهملة وسكون الموحدة والمد على أربع ليال من مكة طريق صنعاء ونجران، "في شعبان سنة سبع ومعه ثلاثون رجلا، فخرج" الأولى الواو إذ لا يتفرع على ما قبله فمر بهم حال كونه "معهه دليل من بني هلال" لم يسم، "فكان يسير الليل ويكمن" بضم الميم وفتحها يختفي "النهار، فأتى الخبر إلى هوازن،" أي: إلى الطائفة التي كانت منهم بتربة الذين قصدوا بالبعث "فهربوا وجاء عمر إلى محالهم فلم يلق منهم أحدا" بل وجدهم ترفعوا وأخذوا سائر مالهم من نعم وغيرها، "فانصرف راجعا إلى المدينة".
زاد ابن سعد وشيخه فلما كان بذي الجدر بفتح الجيم وسكون الدال، المهملة بالراء مسرح الغنم على ستة أميال من المدينة قال الهلالي لعمر: هل لك في جمع آخر تركته من خثعمстр. 1383
"الثانية: سرية أبي بكر الصديق ﵁ إلى بني كلاب":
ثم سرية أبي بكر الصديق ﵁ إلى بني كلاب بنجد بناحية ضرية، سنة سبع، ويقال: إلى فزارة، فسبى منهم جماعة وقتل آخرين.
وفي صحيح مسلم: إلى فزارة، وهو الصحيح الصواب.
"الثالثة: سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى بني مرة":
ثم سرية بشير بن سعد
الحواشي
(١) سائرين، قد أجدبت بلادهم، فقال عمر: لم يأمرني ﷺ بهم إنما أمرني أعمد لقتال هوازن بتربة.
"الثانية: ثم سرية أبي بكر الصديق" أفضل الصحب بلا نزاع كما قام عليه من أهل السنة الإجماع وغيرهم محجوجون بما صح عن علي كرم الله وجهه أنه خير منه "﵁ إلى بني كلاب" بكسر الكاف وخفة اللام قبيلة "بنجد بناحية ضرية" بفتح الضاد المعجمة وكسر الراء فتحتية مشددة مفتوحة فتاء تأنيث. يقال: إنه اسم امرأة سمي به الموضع.
قال في الصحاح قرية لبني كلاب على طريق البصرة إلى مكة أقرب في شعبان "سنة سبع، ويقال: إلى" بني "فزارة فسبي منهم جماعة وقتل آخرين" هكذا رواه ابن سعد، والواقدي بإسنادين لهما عن سلمة، "وفي صحيح مسلم" عن سلمة بن الأكوع بعث ﷺ أبا بكر "إلى فزارة" وخرجت معه حتى إذا صلينا الصبح أمرنا فشننا الغارة فوردنا الماء فقتل أبو بكر أي جيشه من قتل ورأيت طائفة منهم الذراري فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فأدركتهم ورميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا وفيهم امرأة وهي أم قرفة عليها قشع من أدم معها ابنتها من أحسن العرب. فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر, فنفلني أبو بكر، ابنتها فلم أكشف لها ثوبا فقدمنا المدينة فلقيني ﷺ فقال: "يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك". فقلت: هي لك. فبعث بها إلى كة ففدى بها أسرى من المسلمين كانوا في أيدي المشركين.
ورواه ابن سعد أيضا مسندا ولم يلتفت المصنف إلى زعم من زعم أنه وهم، فقال: "وهو الصحيح الصواب" لصحة إسناده، نعم قيل: تسمية المرأة أم قرفة وهم من بعض الرواة لأن ابن سعد لم يسمها في روايته، بل قال: فإذا امرأة من فزارة لأن أم قرفة إنما كانت في السرية المختلف في أن أميرها الصديق أو زيد بن حارثة كما مر ذلك مبسوطا.
لكن قد تعقبت معارضة المصنف بحديث مسلم لما قبله هنا بأنهما سريتان مختلفتان سرية إلى فزارة بوادي القرى، وهي المختلف في أميرها وسرية إلى ضرية وهذا أميرها الصديق، فجمع بينهما تقليدا لليعمري وشيخه الدمياطي فوهم, والله أعلم.
"الثالثة: ثم سرية بشير" بفتح الموحدة، وكسر المعجمة وتحتية ساكنة "ابن سعد" بن ثعلبةстр. 1384
الأنصاري إلى بني مرة بفدك، سنة سبع، ومعه ثلاثون رجلا، فقتلوا، وقاتل بشير حتى ارتث وضرب كعبه، وقيل: قد مات.
وقدم علبة بن زيد الحارثي بخبرهم على رسول الله ﷺ , ثم قدم بعده بشير بن سعد.
"السرية الرابعة: غالب بن عبد الله إلى الميفعة":
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي.
الحواشي
(١) "الأنصاري" الخزرجي، البدري، والد النعمان له ذكر في مسلم وغيره في قصة الهبة لولده وحديثه في النسائي استشهد بعين التمر مع خالد بن الوليد في خلافة أبي بكر سنة اثنتي عشرة، ويقال: إنه أول من بايع أبا بكر من الأنصار. "إلى بني مرة" بضم الميم وشد الراء "بفدك" بفتح الفاء والدال المهملة، وبالكاف موضع بخيبر بينه وبين المدينة -كما قال ابن سعد- ستة أميال جمع ميل فصحف من قال: ليال. "في شعبان سنة سبع ومعه ثلاثون رجلا، فقتلوا،" أي وقع القتل فيهم وهو لا يستلزم استئصالهم، فلا ينافي ما عند الواقدي وتلميذه ابن سبع لما وصلوا إليهم لقوا رعاء الشاء، فسألوا عن الناس، فقالوا: هم في نواديهم والناس يومئذ شاتون لا يحضرون الماء، فاستاق النعم والشاء وانحدر إلى المدينة فخرج الصريخ فأخبرهم فأدركه العدد الكثير منهم عند الليل، فباتوا يرامونه بالنبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير فأصابوا أصحابه، وولى منهم من ولى "وقاتل بشير حتى ارتث" بضم أوله وسكون الراء وضم الفوقية ومثلثة مشددة أي جرح وصار به رمق، "وضرب كعبه" اختبار الحالة أهو ميت أم حي؟ "وقيل" لما لم يتحرك: "قد مات" ورجعوا بنعمهم وشائهم "وقدم علبة" بضم العين المهملة وإسكان اللام وفتح الموحدة فتاء تأنيث "ابن زيد" بن حارثة الأنصاري "الحارثي" الأوسي أحد البكائين في غزوة تبوك. روي أنه تصدق بعرضه على كل مسلم ناله.
"بخبرهم على رسول الله ﷺ ثم قدم بعده بشير بن سعد" وذلك أنه استمر في القتلى, فلما أمسى تحامل حتى انتهى إلى فدك، فأقام عند يهود بها أياما حتى ارتفع من الجراح، ثم رجع إلى المدينة فعلم من هذا أن بني مرة لم يكونوا بفدك فتسمحوا في قولهم إلى بني مرة بفدك لمجاورتها وكونها من أعمالها.
"السرية الرابعة: ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي" الكناني، الكلبي كان على مقدمة النبي ﷺ يوم الفتح وله ذكر في فتح القادسية.
وهو الذي قتل هرمز ملك الباب وولي خراسان زمن معاوية سنة ثمان وأربعين، واسم جده مسعر بن جعفر، كما عند ابن الكلبي، لا فضالة بن عبد الله، كما في تاريخ الحاكم فابن الكلبيстр. 1385
إلى الميفعة بناحية نجد من المدينة، على ثمانية برد، في شهر رمضان سنة سبع من الهجرة، في مائتين وثلاثين راجلا، فهجموا عليهم في وسط محالهم، فقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا نعما وشاء إلى المدينة.
قالوا: وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد نهيك بن مرداس.
الحواشي
(١) أعرف بالنسب من غيره، كما أن غيره أعرف منه بالأخبار، إنما جاء اللبس من ذكر فضالة في نسبه وليس هو فيه، بل هو صحابي آخر اسمه غالب بن فضالة، كما في الإصابة "إلى" أهل "الميفعة" بكسر الميم وسكون التحتية وفتح الفاء والعين المهملة فتاء تأنيث والقياس فتح الميم، لأنه اسم لموضع أحد اليفاع وهو المرتفع من الأرض، كما في النور، أي لأنها في الأصل اسم موضع اليفع وهو الارتفاع سمي به ذلك الموضع، كما هو مفاد كلامه "بناحية نجد" وراء بطن نخل، كما نقله الفتح والعيون عن أهل المغازي فهي "من" أعمال "المدينة على ثمانية برد" وأهل الميفعة، كما في العيون بنو عول بضم العين وبنو عبد بن ثعلبة "في شهر رمضان سنة سبع من الهجرة" وسببها، كما في بعض الروايات عن ابن إسحاق عن يعقوب بن عقبة أنه ﷺ قال له مولاه يسار: يا نبي الله إني قد علمت غرة من بني عبد ابن ثعلبة فأرسل معي إليهم، فأرسل غالبا في مائة وثلاثين راجلا وكان يسار دليلهم، واستشكل ذلك البرهان بأن يسار قتله العرنيون في شوال سنة ست، فلعل هذا غيره ولم أر له ذكرا في الموالي إلا أن يكون مولى لأحد من أقاربه ﵊ نسب إليه، قلت: كلاهما مولاه والذي قتله العرنيون هو النوبي وهذا حبشي أصابه في غزوة بني ثعلبة، وقد فرق بينهما في الإصابة ورجح أنهما اثنان "في مائتين"، كذا في النسخ والذي عند ابن إسحاق كما ترى، وهو المنقول في العيون وغيرها في مائة بالأفراد "وثلاثين راجلا فهجموا عليهم" جميعا "في وسط محالهم" بشد اللام جمع محلة بفتح الحاء وهي المكان ينزله القوم، "فقتلوا مَن" بفتح الميم "أشرف لهم" بصيغة الماضي، كما هو المحفوظ ووقع في العيون من أشراف ورده البرهان "واستاقوا نعما وشاء إلى المدينة قالوا" أي أهل المغازي كابن إسحاق، والواقدي وابن سعد وتبرأ منه لأنه خلاف ظاهر حديث البخاري وما جزم به في الإكليل كما يأتي.
"وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد" الحب ابن الحب "نهيك" بفتح النون وكسر الهاء وسكون التحتية وبالكاف "ابن مرداس", كذا وقع عند الواقدي فاستدركه ابن فتحون على أبي عمر.
قال في الإصابة: وهو خطأ فإنه مقلوب قلبه بعض الرواة.
وإنما هو مرداس بن نهيك الضمري وقيل: ابن عمرو، وقيل: إنه أسلمي، وقيل: غطفانيстр. 1386
بعد أن قال: لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ : "ألا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب"؟. فقال أسامة: لا أقاتل أحدًا يشهد أن لا إله إلا الله.
وفي الإكليل: فعل أسامة ذلك في سرية كان هو أميرا عليها سنة ثمان.
وفي البخاري.
الحواشي
(١) والأول أرجح ذكره ابن عبد البر وغيره في حرف الميم، "بعد أن قال لا إله إلا الله" زاد في رواية الثعلبي: محمد رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : "يا أسامة من لك بلا إله إلا الله". فقال: يا رسول الله إنما قالها تعوذا من القتل. قال: "ألا". وللواقدي: هلا. "شققت عن قلبه" زاد السدي فنظرت إليه "فتعلم أصادق هو أم كاذب". "فقال أسامة: لا أقاتل أحدا" فضلا عن قتله "يشهد أن لا إله إلا الله" قال في الاستيعاب في تفسير السدي وابن جريج عن عكرمة وتفسير سعيد بن أبي عروبة عن أبي قتادة. وقاله غيرهم أيضا لم يختلفوا في أن المقتول الذي ألقى السلم. وقال: إنه مؤمن إنه مرداس واختلفوا في قاتله وفي أمير تلك السرية اختلافا كثيرا. انتهى.
ومراده لم يختلف من عزى لهم وإلا فعند أحمد، والطبراني وغيرهما عن عبد الله بن أبي حدرد وابن جرير عن ابن عمران، المقتول عامر بن الأضبط، الأشجعي والقاتل محلم بن جثامة وأن الآية نزلت في ذلك وعند الدارقطني، والبزار والطبراني، وصححه الضياء عن ابن عباس أن القاتل المقداد بن الأسود وأبهم اسم المقتول وأن فيه نزلت الآية.
وروى الثعلبي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن المقتول مرداس والقاتل أسامة، وأمير السرية غالب كما هنا، وأن قوم مرداس لما انهزموا بقي هو وحده وكان ألجأ غنمه لجبل فلما لحقوه. قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم. فقتله أسامة بن زيد لما رجعوا نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ الآية، وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر، وأبو نعيم عن أبي سعيد، نحوه. قال في الإصابة: فإن ثبت الاختلاف في تسمية القاتل مع الاختلاف في المقتول احتمل تعدد القصة. انتهى.
أي واحتمل أيضا تكرر نزول الآية تذكيرا بما سبق. "وفي الإكليل" للحاكم أبي عبد الله "فعل أسامة ذلك" المذكور من قتل الرجل "في سرية كان هو أميرا عليها في سنة ثمان" لا في هذه السرية التي في سنة سبع، كما قال أهل المغازي.
"وفي البخاري" ما يوافقه فإنه قال: بعد غزوة مؤتة باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات.
قال الحافظ: بضم الحاء المهملة وفتح الراء بعدها قاف نسبة إلى الحرقة وهو جهش بن عامر بن جهينة سمي الحرقة لأنه أحرق قوما بالقتل فبالغ في ذلك ذكره ابن الكلبي, ثم روى فيстр. 1387
عن أبي ظبيان قال: سمعت أسامة بن زيد يقول: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري عنه، وطعنته.
الحواشي
(١) الباب وفي كتاب الديات ومسلم في الإيمان، وأبو داود في الجهاد، والنسائي في السير "عن أبي ظبيان" بفتح الظاء المعجمة وكسرها وسكون الموحدة فتحتية فألف فنون حصين بمهملتين مصغر بن جندب بن الحارث الجنبي بفتح الجيم وسكون النون، ثم موحدة نسبة إلى الجنب بلفظ شق الإنسان قبيلة من اليمن الكوفي الثقة التابعي الكبير روى له الستة وتوفي سنة تسعين وقيل: غير ذلك.
قال النووي: أهل العربية يفتحون الظاء من ظبيان وأهل الحديث يكسرونها، وكان منشأ الخلاف أن أهل العربية بنوا على مقتضى الاشتقاق في مثل هذه الصيغة، وأهل الحديث على أن ما ثبت وضعه وضع الأعلام لا يجب جريه على اللغة، "قال سمعت أسامة بن زيد" ﵄ "يقول: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة" بضم الحاء المهملة وفتح الراء وبالقاف، وتاء تأنيث زاد في الديات من جهينة، قال المصنف: والجمع في الترجمة باعتبار بطون تلك القبيلة. انتهى.
قال في الفتح ليس في هذا الحديث ما يدل على أنه كان أمير الجيش كما هو ظاهر الترجمة، وقد ذكر أهل المغازي سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة في رمضان سنة سبع وقالا: إن أسامة قتل الرجل فيها، فإن ثبت أن أسامة كان أميرها فما صنعه البخاري هو الصواب لأنه ما أمر إلا بعد قتل أبيه بغزوة مؤتة، وذلك في رجب سنة ثمان وإن لم يثبت أنه كان أميرها رجح ما قال أهل المغازي. انتهى.
وذكر بعض شراح البخاري أن ما ذكره أهل المغازي مخالف لظاهر تجمة البخاري، ولعل المصير إلى ما في البخاري هو الراجح بل الصواب. انتهى.
وليس الترجي، من وجوه الترجيح نعم روى ابن جرير عن السدي: بعث ﷺ سرية عليها أسامة بن زيد فذكر القصة.
وروى ابن سعد عن جعفر بن برقان قال: حدثني الحضرمي، قال: بلغني أنه ﷺ بعث أسامة بن زيد على جيش فذكر القصة، فإن ثبتا ترجح صنيع البخاري "فصبحنا القوم" أتيناهم صباحا بغتة قبل أن يشعروا بنا فقاتلناهم "فهزمناهم ولحقت" بالواو ولأبي ذر الفاء "أنا ورجل من الأنصار" قال الحافظ: في مقدمة الفتح لم أعرف اسم الأنصاري ويحتمل أنه أبو الدرداء، ففي تفسير عبد الرحمن بن زيد ما يرشد إليه "رجلا منهم" هو مرداس كما مر "فلما غشيناه" بفتح الغين وكسر الشين المعجمتين "قال لا إله إلا الله فكف الأنصاري عنه وطعنته" وفي رواية بالفاءстр. 1388
برمحي حتى قتلته. فلما قدمنا بلغ النبي ﷺ فقال: "يا أسامة أقتلته بعد ما قال: لا إلا إلا الله"؟. قلت: كان متعوذا. فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.
"الخامسة: سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجبار":
ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري أيضا إلى يمن وجبار -بفتح الجيم- وهي أرض لغطفان، ويقال لفزارة وعذرة، في شوال سنة سبع من الهجرة، وبعث معه ثلاثمائة
الحواشي
(١) بدل الواو "برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا" المدينة، "بلغ النبي ﷺ " قتلي له بعد كلمة التوحيد، فقال: "يا أسامة! أقتلته" بهمزة الاستفهام الإنكاري "بعد ما" وفي رواية: "بعد أن". "قال: لا إله إلا الله"، وقد علمت قولي: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله". "قلت" زاد في الديات: يا رسول الله! إنما "كان متعوذا" بكسر الواو المشددة بعدها معجمة، أي لم يكن قاصدا للإيمان بل كان غرضه التعوذ من القتل "فما زال يكررها" أي: قوله: "أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله"؟. زاد في الديات: على شد الياء، وفي مسلم من حديث جندب: أنه ﷺ قال له: "كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة". "حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم" لآمن جريرة هذه الفعلة، ولم يتمن أن لا يكون مسلما قبل ذلك وإنما تمنى أن يكون إسلامه ذلك اليوم، لأن الإسلام يجب ما قبله.
قال القرطبي: وفيه إشعار بأنه استصغر ما سبق له قبل ذلك من عمل صالح في مقابلة هذه الفعلة لما سمعه من الإنكار الشديد وإنما قال أسامة ذلك على سبيل المبالغة لا الحقيقة قال الكرماني: أو عني إسلاما لا ذنب فيه.
وقال الخطابي: يشبه أنه تأول قوله، ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ ولم ينقل أنه ﷺ ألزم أسامة دية ولا غيرها وفيه نظر فقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أمر ﷺ لأهل مرداس بديته ورد ماله إليهم وقيل: قال له: "أعتق رقبة". والله أعلم.
"الخامسة: ثم سرية بشير" كأمير "ابن سعد الأنصاري أيضا إلى يمن" قال اليعمري: بفتح الياء آخر الحروف وقيل: بضمها وقيل: بالهمزة، مفتوحة ساكنة الميم أي مع فتح أوله وضمه كما في الشامي، ووقع في بعض نسخه الفوقية وهو تحريف، والذي في نسخه الصحيحة التحتية "وجبار بفتح الجيم" وبموحدة مخففة وبعدها ألف وراء "وهي أرض لغطفان" كما عند ابن سعد، "ويقال لفزارة" كما قال الحازمي: "وعذرة في شوال سنة سبع من الهجرة وبعث مع ثلاثمائةстр. 1389
رجل لجمع تجمعوا للإغارة على المدينة، فساروا الليل وكمنوا النهار، فلما بلغهم مسير بشير هربوا.
وأصاب لهم نعما فغنمها، وأسر رجلين وقدم بهما المدينة على رسول الله ﷺ فأسلما.
الحواشي
(١) رجل", وعقد له لواء "لجمع" من غطفان "تجمعوا" بالجناب بكسر الجيم من أرض غطفان، قد واعدهم عيينة بن حصن الفزاري "للإغارة على المدينة فساروا الليل وكمنوا" بفتح الميم، وكسرها "النهار، فلما بلغهم مسير بشير هربوا" فجاء الصحابة بمن وحبار، وهو نحو الجناب، والجناب معارض سلاح بسين وحاء مهملتين وخيبر ووادي القرى فنزلوا بسلاح, "وأصاب لهم نعما كثيرة فغنمها" ونفروا الرعاء فحذروا، وتفرقوا ونجعوا به عليا بلادهم بضم المهملة وسكون اللام والقصر نقيض السفلى.
وخرج بشير بن سعد في أصحابه حتى أتى محالهم، فلم يجد فيها أحدًا فلقوا عينا لعيينة فقتلوه، ثم لقوا جمع عيينة وهو لا يشعر بهم فناوشوهم ثم انكشف جمع عيينة وتبعهم المسلمون، "وأسر" منهم "رجلين وقدم بهما المدينة على رسول الله ﷺ فأسلما", فأرسلهما ولم يسميا ﵄، والمناوشة تداني الفريقين وأخذ بعضهم بعضا.стр. 1390
" باب عمرة القضاء ":
ثم عمرة القضية، وتسمى عمرة القضاء
الحواشي
(١) باب عمرة القضاء:
كذا ترجم به البخاري عند الأكثر وللمستملي وحده غزوة القضاء، والأول أولى ووجهوا كونها غزوة بأن موسى بن عقبة ذكر في المغازي عن ابن شهاب أنه ﷺ خرج مستعدا بالسلاح والمقاتلة خشية أن يقع من قريش غدر، فبلغهم ذلك ففزعوا فلقيه مكرز، فأخبره أنه باق على شرطه وأن لا يدخل مكة بسلاح إلا السيوف في أغمادها، وإنما خرج في تلك الهيئة احتياطا فتوثق بذلك وأخر ﷺ السلاح مع طائفة من أصحابه خارج الحرم حتى رجع ولا يلزم من إطلاق الغزوة وقوع المقاتلة.
وقال ابن الأثير أدخل البخاري عمرة القضاء في المغازي لكونها مسببة عن غزوة الحديبية. انتهى من الفتح. ولذا ترجمها المصنف بقوله: "ثم عمرة القضية، وتسمى" أيضا "عمرة القضاء", وتسمى أيضا عمرة القصاص ذكره ابن إسحاق, وعمرة الصلح ذكره الحاكم, فهي أربعة كما قال الحافظ. وقدم المصنف الأول؛ لأنه أبعد من إيهام كونه قضاء حقيقيا لا لأنه أشهر كما زعم. كيف وقد ترجم البخاري, وابن إسحاق، واليعمري, ومن لا يحصى بعمرة القضاء واختلف في سببстр. 1391
لأنه قاضى فيها قريشا؛ لا لأنها قضاء عن العمرة التي صد عنها؛ لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها, بل كانت عمرة تامة، لذا عدوا عمر النبي ﷺ أربعا، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقال آخرون: بل كانت قضاء عن العمرة الأولى. وعدوا عمرة الحديبية في العمر لثبوت الأجر فيها، لا لأنها كملت.
وهذا الخلاف مبني على الاختلاف في وجوب القضاء على من اعتمر فصد عن البيت.
الحواشي
(١) تسميتها بهما، فقال السهيلي: "لأنه قاضى" أي عاهد "فيها" أي: عليها أو بسببها أو في شأنها "قريشا" سنة الحديبية، فالمراد بالقضاء الفصل الذي وقع عليه الصلح، ولذا يقال لها: عمرة القضية.
قال أهل اللغة: قاضى فلانا عاهده وقاضاه عاوضه فيحتمل تسميتها بذلك للأمرين قاله عياض.
قال الحافظ: ويرجح الثاني تسميتها قصاصا قال الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ .
قال السهيلي: تسميتها عمرة القصاص أولى بها لأن هذه الآية نزلت فيها. قال الحافظ: كذا رواه عبد بن حميد وابن جرير بإسناد صحيح عن مجاهد، وبه جزم سليمان التيمي في مغازيه، وقال ابن إسحاق: بلغنا عن ابن عباس، فذكره ووصله الحاكم في الإكليل عن ابن عباس، فذكره لكن في إسناده الواقدي "لا لأنها قضاء عن العمرة التي صد عنها؛ لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها" عند مالك والشافعي، وإن كانت نفلا لوجوب قضاء فاسد الحج والعمرة، ولو نفلا حتى عند الشافعي وإن لم يقل بوجوب قضاء النفل، "بل كانت عمرة تامة" أي في حكمها لثبوت الأجر فيها، وكونها لم يجب قضاؤها وإلا فلم يأتوا فيها بشيء من أعمالها سوى الإحرام، "لذا عدوا" أي الصحابة كأنس، وابن عمر في الصحيح "عمر النبي ﷺ أربعا" عمرة الحديبية وعمرة القضاء وعمرة من الجعرانة وكلهن في ذي القعدة وعمرة مع حجته، "كما سيأتي إن شاء الله تعالى" في مقصد عبادته.
"وقال آخرون: بل كانت هذه "قضاء عن العمرة الأولى" التي صد عنها, ولذا سميت عمرة القضاء "و" إنما "عدوا عمرة الحديبية في العمر لثبوت الأجر فيها" وقبولها "لا لأنها كملت".
"وهذا الخلاف" في سبب التسمية "مبني على الاختلاف في وجوب القضاء على من اعتمر فصد عن البيت" سواء كان الصد عاما أو خاصا، وسواء عمرة الإسلام أو غيرها،стр. 1392
فقال الجمهور: يجب عليه الهدي ولا قضاء عليه.
عن أبي حنيفة: عكسه.
وعن أحمد رواية: أنه لا يلزمه هدي ولا قضاء. وأخرى: يلزمه الهدي والقضاء.
فحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
وحجة أبي حنيفة: أن العمرة تلزم بالشروع، فإذا أحصر جاز له تأخيرها، فإذا زال الحصر أتى بها، ولا يلزم من التحلل بين الإحرامين سقوط القضاء.
وحجة من أوجبهما: ما وقع للصحابة، فإنهم نحروا الهدي حيث صدوا واعتمروا من قابل وساقوا الهدي.
وحجة من لم يوجبهما: أن تحللهم بالحصر لم يتوقف على نحر الهدي، بل أمر من معه هدي أن ينحر، ومن ليس معه هدي أن يحلق. انتهى.
الحواشي
(١) "فقال الجمهور" من العلماء: "يجب عليه الهدي ولا قضاء عليه. وعن أبي حنيفة عكسه" القضاء ولا هدي، "وعن أحمد رواية أنه لا يلزمه هدي ولا قضاء وأخرى يلزمه الهدي والقضاء, فحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ منعتم من إتمام الحج أو العمرة ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ تيسر ﴿مِنَ الْهَدْيِ﴾ عليكم شاة فأعلى, ففيه دليل على جواز التحلل بالإحصار، وأن فيه دما ولا قضاء لعدم ذكره في جواب الشرط. "وحجة أبي حنيفة: أن العمرة تلزم بالشروع، فإذا أحصر جاز له تأخيرها، فإذا زال الحصر أتى بها ولا يلزم من التحلل بين الإحرامين سقوط القضاء", وهو دليل عقلي "وحجة من أوجبهما" التثنية أي الهدي، والقضاء "ما وقع للصحابة فإنهم نحروا الهدي حيث صدوا واعتمروا، من قابل وساقوا الهدي".
وقد روى أبو داود عن أبي حاضر بحاء مهملة وضاد معجمة الأزدي، قال: اعتمرت، فأحصرت، فنحرت الهدي، وتحللت، ثم رجعت العام المقبل، فقال لي ابن عباس: أبدل الهدي، فإن النبي ﷺ أمر أصحابه بذلك. "وحجة من لم يوجبهما" بالتنثية "أن تحللهم بالحصر لم يتوقف على نحر الهدي، بل أمر من معه هدي أن ينحره ومن ليس معه هدي أن يحلق" زاد الحافظ: وأسعد الكل بظاهر الأحاديث من أوجبهما. انتهى.
ويقع في نسخ: حجة من أوجبها، ثم حجة من لم يوجبها بالإفراد فيهما، ويمكن توجيهها بأن الضمير للخصلة المروية عن أحمد وهي وجوبهما أو عدمه. "انتهى".стр. 1393
قال الحاكم في الإكليل: تواترت الأخبار أنه ﷺ لما أهلّ ذو القعدة -يعني سنة سبع- أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء لعمرتهم التي صدهم المشركون عنها بالحديبية، وأن لا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف منهم إلا رجال استشهدوا بخيبر ورجال ماتوا.
وخرج مع رسول الله ﷺ من المسلمين ألفان، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري، وساق ﵊ ستين بدنة
الحواشي
(١) هذا المبحث وهو في فتح الباري "قال الحاكم في الإكليل: تواترت الأخبار أنه ﷺ لما أهل ذو القعدة يعني سنة سبع".
روى يعقوب ابن سفيان، في تاريخه بإسناد حسن عن ابن عمر قال: كانت عمرة القضية في ذي القعدة سنة سبع "أمر أصحابه أن يعتمروا لعمرتهم التي صدهم المشركون عنها بالحديبية" هذا ظاهر فيما قاله أبو حنيفة، ويجيب الجمهور عنه بأن معنى قضاء عوض عنها لا قضاء واجب "و" أمر "أن لا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية فلم يتخلف منهم" أحد "إلا رجال استشهدوا بخيبر ورجال ماتوا".
وعند الواقدي: فقال رجال من حاضري المدينة من العرب: يا رسول الله! والله ما لنا من زاد وما لنا من يطعمنا, فأمر ﷺ المسلمين أن ينفقوا في سبيل الله وأن يتصدقوا وأن يكفوا أيديهم فلا يهلكوا فقالوا: يا رسول الله بم نتصدق وأحدنا لا يجد شيئا، فقال ﷺ : "ما كان ولو بشق تمرة".
وروى البخاري والبيهقي وغيرهما عن حذيفة ووكيع، والبيهقي عن ابن عباس، وابن جرير عن عكرمة ووكيع عن مجاهد، قالوا في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ . إن التهلكة ترك النفقة في سبيل الله وليس التهلكة أن يقتل ارجل في سبيل الله، ولكن الإمساك في سبيل الله أنفق ولو شقصا.
"وخرج مع رسول الله ﷺ من المسلمين ألفان" سوى النساء والصبيان "واستخلف على المدينة" فيما قال الواقدي، وابن سعد "أبا رهم" بضم الراء، وسكون الهاء كلثوم بن الحصين "الغفاري" الصحابي المشهور، وقال ابن هشام: عويف بن الأضبط الديلمي بضاد معجمة وطاء مهملة.
وقال البلاذري: أبا ذر، ويقال: عويفا وهو مصغر عوف، ويقال فيه: عويث بمثلثة بدل الفاء "وساق ﵊ ستين بدنة" كما للواقدي عن محمد بن إبراهيم التيمي وعن ابن عباس أنه ﵊ قلد هديه بيده وعن عبد الله بن دينار أنه جعل عليها ناجية بن جندب الأسلمي يسير بها أمامه يطلب الرعي في الشجر معه أربعة فتيان من أسلم رواهما الواقدي.стр. 1394
وحمل السلاح والبيض والدروع والرماح، وقاد مائة فرس، فلما انتهى إلى ذي الحليفة قدم الخيل أمامه، عليها محمد بن مسلمة، وقدم السلاح واستعمل عليه بشير بن سعد.
وأحرم النبي ﷺ ولبى، والمسلمون يلبون معه، ومضى محمد بن مسلمة في الخيل إلى مر الظهران، فوجد بها نفرا من قريش، فسألوه فقال: هذا رسول الله ﷺ يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله تعالى. فأتوا قريشا فأخبروهم ففزعوا.
الحواشي
(١) "و" عند الواقدي عن عاصم بن عمر أنه ﵇ "حمل السلاح والبيض" بكسر الموحدة جمع بيضة وهي الواحدة من الحديد "والدروع" جمع درع، وفي نسخة الدرع بالأفراد على إرادة الجنس وضبطه بضمتين خلاف قول القاموس جمعه أدرع ودروع وأدراع "والرماح" وعطف الثلاثة على السلاح مباين إن أريد ما عداه كالسيوف، وخاص على عام إن أريد به ما ينفع في الحرب بمنع أو دفع، "وقاد مائة فرس" من الخيل يقع على الذكر والأنثى، والظاهر أنها كانت منهما، "فلما انتهى إلى ذي الحليفة قدم الخيل أمامه عليها محمد بن مسلمة" الأنصاري "وقدم السلاح" المذكور "واستعمل عليه بشير" كأمير "ابن سعد" والد النعمان، وبقية رواية عاصم فقيل: يا رسول الله حملت السلاح، وقد شرطوا أن لا تدخلها إلا بسلاح المسافر السيوف في القرب، فقال ﵇: "إنا لا ندخله عليهم الحرم ولكن يكون قريبا منا فإن هاجنا هيج من القوم كان السلاح قريبا منا". "وأحرم النبي ﷺ " من باب المسجد؛ لأنه سلك طريق الفرع ولولا ذلك لأهل من البيداء.
رواه الواقدي عن جابر وذكره المحب الطبري عن جابر ولم يعزه لكتاب ومر أن الفرع بضم الفاء وسكون الراء أو ضمهما، "ولبى والمسلمون يلبون معه ومضى محمد بن مسلمة في الخيل إلى مر الظهران" واد قرب مكة يضاف إليه مر كما في القاموس، فظاهره أنه اسم لنفس الوادي.
وفي المصباح الظهران بلفظ التثنية واد قرب مكة نسب إليه قرية هناك فقيل: مر الظهران ويوافقه تأنيث الضمير العائد عليها من قوله "فوجد بها نفرا من قيش فسألوه" عن سبب مجيئه بالخيل، "فقال: هذا رسول الله ﷺ يصبح" بفتح الصاد وكسر الموحدة مشددة، أي يأتي "هذا المنزل غدا إن شاء الله تعالى"، وأما يصبح بسكون الصاد وخفة الموحدة فمعناه يدخل في الصباح، كما في اللغة وليس مرادا "فأتوا قريشا فأخبروهم ففزعوا" وقالوا: والله ما أحدثنا حدثاстр. 1395
ونزل رسول الله ﷺ بمر الظهران وقدم السلاح إلى بطن يأجج -كيسمع وينصر ويضرب- موضع بمكة، حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وخلف عليه أوس بن خولى الأنصاري في مائتي رجل.
وخرجت قريش من مكة إلى رءوس الجبال.
وقدم رسول الله ﷺ الهدي أمامه، فحبس بذي طوى، وخرج رسول الله ﷺ على راحلته القصواء، والمسلمون متوشحون السيوف
الحواشي
(١) وإنا على كتابنا ومدتنا ففيم يغزونا محمد في أصحابه وبعثوا مكرزا في نفر من قريش حتى لقوه ببطن يأجج وهو في أصحابه والهدي والسلاح قد تلاحق، فقالوا: والله ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر تدخل بالسلاح في الحرم على قومك وقد شرطت لهم أن لا تدخل إلا بسلاح المسافر، فقال: "إني لا أدخل عليهم بسلاح". فقال مكرز: هو الذي تعرف به البر والوفاء، ثم رجع بأصحابه إلى مكة، فقال: إن محمدًا على الشرط الذي شرط لكم.
رواه الواقدي "ونزل رسول الله ﷺ بمر الظهران وقدم السلاح إلى بطن يأجج" بتحتية فهمزة ساكنة فجيمين بتثليث الجيم "كيسمع وينصر ويضرب" هذا لفظ القاموس في فصل الهمزة من باب الجيم، وهو الذي سمعه شيخنا واقتصر في فصل الياء على أنه كيمنع. وهو الذي رآه صاحب النور، وقد ذكره المجد أيضا في كتاب المثلث له.
واقتصر ابن الأثير على كسر الجيم "موضع" بالجر بدل والرفع خبر محذوف، "بمكة" أي قربها أو نواحيها فلا ينافي قول ابن الأثير على ثمانية أميال من مكة، وأفاده قوله: "حيث" ظرف مكان "ينظر" من به "إلى أنصاب الحرم" أي أعلام حدوده "وخلف" بشد اللام أي أخر "عليه" حافظا له "أوس بن خولى" بفتح المعجمة وفتح الواو ضبطه العسكري في كتاب التصحيف.
واقتصر عليه في التبصير "الأنصاري" الخرجي البدري المتوفى في أواخر خلافة عثمان "في مائتي رجل،" قال ابن سعد، ثم خلفهم مثلهم حتى قضى الكل مناسك عمرتهم ﵃، "وخرجت قريش" أي أكابرهم وأشرافهم، كما في العيون وغيرها "من مكة إلى رءوس الجبال" عداوة الله ولرسوله، ولم يقدروا على الصبر على رؤيته يطوف البيت هو وأصحابه.
وفي رواية خرجوا استنكافا أن ينظروا إليه ﷺ وحنقا بفتح المهملة والنون وقاف أي: غيظا, فهو مساو, ونفاسة أي: حسدا يقال: نفس بالشيء بالكسر حسده عليه ولم يره أهلا له. "وقدم رسول الله ﷺ الهدي أمامه، فحبس" أي ترك "بذي طوى" بتثليث الطاء واد بقرب مكة يصرف ولا يصرف إليه، كما في الشامية حتى يفرغ من عمرته ويحضره للنحر. "وخرج رسول الله ﷺ " راكبا "على راحلته" ناقته "القصواء" كحمراء "والمسلمون متوشحون السيوف".стр. 1396
محدقون برسول الله ﷺ يلبون، فدخل من الثنية التي تطلعه على الحجون، وابن رواحة آخذ بزمام راحلته.
وفي رواية الترمذي في الشمائل، من حديث أنس أنه ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ... .........................
الحواشي
(١) قال الشامي: توشح السيف ألقى طرف علاقته على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى ويأخذ طرفه الذي ألقاه على منكبه الأيسر تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره "محدقون" محيطون "برسول الله ﷺ يلبون".
وفي الصحيح عن ابن أبي أوفى لما اعتمر ﷺ سترناه من غلمان المشركين ومنهم مخافة أن يؤذوه "فدخل من الثنية" وهي كل عقبة مسلوكة "التي تطلعه على الحجون" بفتح المهملة وضم الجيم وبالواو، والنون جبل بمكة.
"وابن رواحة آخذ" بمد الهمزة وكسر الخاء المعجمة "بزمام راحلته" كما في رواية ابن إسحاق وغيره.
وفي رواية بغرزه أي ركابه فيحتمل أخذه تارة بالزمام وأخرى بالركاب وتارة يمشي بين يديه كما في الرواية الآتية.
"وفي رواية الترمذي في الشمائل" النبوية ولا داعي للتقييد، وكذا في سننه والنسائي, والبزار كلهم "من حديث" عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن "أنس أنه ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة" الخزرجي "يمشي" بالميم من المشي وفي نسخ ينشئ بالنون من الإنشاء أي يحدث نظم الشعر "بين يديه وهو يقول: خلوا" تنحوا يا "بني الكفار عن سبيله" طريقه، واغتر بعضهم بقوله السابق خرجت قريش من مكة إلى رءوس الجبال فأول قوله: خلوا باثبتوا على التخلية ولا حاجة إليه فلم يخرجوا كلهم، بل أشرافهم كما مر. "اليوم نضربكم" بسكون الباء للتخفيف كقراءة أبي عمر: "وأن الله يأمركم". وقوله: اليوم أشرب غير مستحقب. "على تنزيله" أي النبي مكة إن عارضتم، ولا نرجع كما رجعنا عام الحديبية أو على تنزيل القرآن، وإن لم يتقدم ذكره نحو: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ .
وأبعد من قال على تنزيل النبي أي إرسال الله له إليكم فهو كالأمر النازل من السماء. "ضربا يزيل الهام" جمع هامة بالتخفيف وهي الرأس. "عن مقيله" أي: محل نومه نصف النهار مستعار من موضع القائلة، فهو كناية عن محل الراحة إذ النوم أعظم راحة أو شبه به العنق بجمعстр. 1397
..................... ... ويذهل الخليل عن خليله
فقال عمر: يابن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ تقول شعرا؟ فقال ﷺ : "خل عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضج النبل".
ورواه عبد الرزاق من حديث أنس أيضا من وجهين بلفظ.
خلوا بني الكفار عن سبيله ... قد أنزل الرحمن في تنزيله
بأن خير القتل في سبيله ... نحن قتلناكم على تأويله
كما قتلناكم على تنزيله
الحواشي
(١) أنه محل الاستراحة، أي يزيل الرأس عند العنق، وذكر الضمير نظر إلى أن الهام اسم جمع يفرق بينه وبين واحده بالتاء ولا ينافيه إطلاق النور وغيره أنه جمع لجواز أن المراد اللغوي "ويذهل الخليل عن خليله" لكونه يهلك أحد الخليلين فيذهل الهالك عن الحي والحي عن الهالك.
"فقال عمر: يابن رواحة بين" استفهام محذوف الأداة، وفي رواية بإثباتها: أبين "يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله تقول شعرا".
وفي رواية: الشعر وذلك قد يحرك غضب الأعداء فيلتحم القتال في الحرم أو وهو مناف لما اعتدناه من رعاية كمال الأدب خصوصا في حال العبادة التي منها ما نحن فيه من العمرة بالحرم.
"فقال له ﷺ " تسلية وإخبارا بأن الله عصمه ومن معه وأن ذلك لا يخل بالأدب: "خل عنه يا عمر" أي: لا محل بينه وبين ما سلكه من قول الشعر حينئذ "فلهى" أي: هذه الجملة أو الأبيات أو الكلمات واللام جواب قسم مقدر، أي لتأثيرها "فيهم" أي: في إيذائهم ونكايتهم وقهرهم "أسرع" وصولا وأبلغ نكاية "من" تأثير "نضح النبل" رمي السهام إليهم، فكما يبعدون منها يبعدون من سماع هذا، ومحال لهم أن يقربونا بعون الله وإلقاء الرعب، ثم هو من إضافة الصفة للموصوف أي النبل الذي يرمى به.
قال البزار: لم يروه عن ثابت إلا جعفر بن سليمان، وقال الترمذي: حديث صحيح غريب. "ورواه عبد الرزاق من حديث أنس من وجهين" أي طريقين أحدهما روايته عن جعفر عن ثابت عنه وهي المتقدمة، والثاني روايته عن معمر عن الزهري عن أنس "بلفظ" أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة ينشد بين يديه "خلوا" يا "بني الكفار عن سبيله". "قد نزل الرحمن في تنزيله" القرآن "بأن" الباء زائدة "خير القتل في سبيله" أي جهاد أعدائه وفي السياق بمعنى الطريق المحسوس، فلا إبطاء "نحن قتلناكم على تأويله، أي على إنكاركم ما أول به، كما فهمنا منه، والمعنى نحن نقاتلكم على إنكار تأويله "كما قتلناكم على" إنكار "تنزيله".стр. 1398
وأخرجه الطبراني والبيهقي في الدلائل وفيه:
اليوم نضربكم على تنزيله ... ضربا يزيل الهام عن مقيله
ويذهل الخليل عن خليله ... يا رب إني مؤمن بقيله
وعند بن عقبة في المغازي بعد قوله:
قد أنزل الرحمن في تنزيله ... في صحف تتلى على رسوله
لكنه لم يذكر أنسا، وزاد ابن إسحاق بعد قوله:
يا رب إني مؤمن بقيله ... إني رأيت الحق في قبوله
وقال ابن هشام: إن قوله:
نحن ضربناكم على تأويله
إلى آخر الشعر من قول عمار بن ياسر قاله
الحواشي
(١) مصدر بمعنى اسم المفعول، أي ما نزل عليه الدال على رسالته وصدقه في كل ما جاء به، أخرجه أبو يعلى من طريق عبد الرزاق، "وأخرجه الطبراني" عن عبد الله بن أحمد عن أبيه عن عبد الرزاق. قال الحافظ: وما وجدته في مسند أحمد. قال: وقد أخرجه الطبراني أيضا عاليا عن إبراهيم بن أبي سويد عن عبد الرزاق. "و" من هذا الوجه أخرجه "البيهقي في الدلائل" النبوية.
قال الحافظ: وأخرجه البيهقي أيضا من طريق أبي الأزهر فذكر القسم الأول من الرز "وفيه" بعده "اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله" مستعار من موضع القائلة لموضع الرأس في الجسد استعارة تصريحية لذكره فيه الشبه به "ويذهل الخليل عن خليله. يا رب إني مؤمن بقيله" أي بقوله بمعنى مقوله تعالى ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ [الزخرف: ٨٨] .
قال الدارقطني تفرد به معمر عن الزهري، وتفرد به عبد الرزاق عن معمر "و" رده الحافظ، بأنه "عند ابن عقبة في المغازي" عن شيخه الزهري. وفيه "بعد قوله قد أنزل الرحمن في تنزيله في صحف تتلى على رسوله لكنه لم يذكر أنسا" أي فيكون عبد الرزاق تفرد بوصله.
قال الحافظ: وقد صححه ابن حبان من الوجهين، وعجبت من الحاكم كيف لم يستدركه فإنه من الوجه الأول على شرط مسلم لأجل جعفر ومن الوجه الثاني على شرط الشيخين.
"وزاد ابن إسحاق" في روايته عن شيخه عبد الله بن أبي بكر بن حزم، قال: بلغني فذكره وزاد "بعد قوله: يا رب إني مؤمن بقيله، إني رأيت الحق في قوله" أي قبول قوله ﷺ .
"وقال ابن هشام" عبد الملك: "أن قوله: نحن ضربناكم على تأويله إلى آخر الشعر من قول عمار بن ياسر قاله" في غير هذا اليوم.стр. 1399
يوم صفين.
قالوا: ولم يزل رسول الله ﷺ يلبي حتى استلم الركن بمحجنه.
الحواشي
(١) قال السهيلي يعني "يوم صفين" فتسمح المصنف في العز، وقال ابن هشام والدليل على ذلك أن المشركين لم يقروا بالتنزيل وإنما يقاتل على التأويل من أقر بالتنزيل.
قال ابن كثير وفيه نظر فلم ينفرد به ابن إسحاق بل تابعه ابن عقبة وغيره وجاء من غير وجه عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس، وقال الحافظ في الفتح: إذا ثبتت الرواية فلا مانع من إطلاق ذلك، فإن التقدير على رأي ابن هشام: نحن ضربناكم على تأويله أي حتى تذعنوا إلى ذلك التأويل، ويجوز أن التقدير نحن ضربناكم على تأويل ما فهمنا منه حتى تدخلوا فيما دخلنا فيه وإذا كان ذلك محتملا وثبتت الرواية سقط الاعتراض, نعم الرواية التي جاء فيها، فاليوم نضربكم على تأويله يظهر أنها قول عمار، ويبعد أن تكون قول ابن رواحة؛ لأنه لم يقع في عمرة القضاء ضرب ولا قتال، وصحيح الرواية نحن ضربناكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله، يشير بكل منهما إلى ما مضى، ولا مانع أن يتمثل عمار بهذا الرجز ويقول هذه اللفظة ومعنى قوله: نحن ضربناكم على تنزيله أي في عهد الرسول فيما مضى واليوم نضربكم على تأويله أي الآن.
هذا وقد وقع للترمذي أنه قال: وفي غير هذا الحديث إن هذه القصة لكعب بن مالك وهو أصح لأن عبد الله بن رواحة قتل بمؤنة وكانت عمرة القضاء بعد ذلك.
قال الحافظ وهو ذهول شديد وغلط مردود وما أدري كيف وقع الترمذي في ذلك مع وفور معرفته، ومع أن في قصة عمرة القضاء اختصام جعفر, وأخيه علي، وزيد بن حارثة في بنت حمزة كما يأتي، وجعفر وزيد وابن رواحة قتلوا في موطن واحد. فكيف يخفى على الترمذي مثل هذا؟ ثم وجدت عن بعضهم أن الذي عند الترمذي من حديث أنس أن ذلك كان في فتح مكة، فإن كان كذلك اتجه إعراضه لكن الموجود بخط الكروخي، راوي الترمذي هو ما تقدم, والله أعلم. انتهى.
وفيه جواز بل ندب إنشاد واستماع الشعر الذي فيه مدح الإسلام، والحث على صدق اللقاء ومبايعة النفس لله سبحانه، وعدم المبالاة بالعدو، وفي رواية أنه ﷺ قال لما أنكر عمر، على ابن رواحة: "يا عمر إني أسمع". فسكت عمر.
وقال ﵇: "يابن رواحة قل: لا إله إلا الله وحده نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده ". فقالها ابن رواحة, فقالها الناس، كما قالها وفي أمره بذلك زيادة إغاظة الكفار لتأذيهم بها أكثر من الشعر المذكور، لا سيما وقد قالوها كلهم معلنين بها "قالوا" ابن سعد وغيره: "ولم يزل رسول الله ﷺ يلبي حتى استلم الركن" الحجر الأسود "بمحجنه" بكسرстр. 1400
مضطبعا بثوبه وطاف على راحلته، والمسلمون يطوفون معه وقد اضطبعوا بثيابهم.
وفي البخاري، عن ابن عباس: قال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد
الحواشي
(١) الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم، عصا معوجة الرأس يلتقط بها الراكب ما سقط منه "مضطبعا بثوبه" أي جعل وسطه تحت الإبط اليمين وطرفه على الكتف اليسرى "وطاف على راحلته", كما ذكر ابن سعد، والواقدي وغيرهما وزادوا من غير علة.
وروى يونس بن بكير عن زيد بن أسلم أنه ﷺ طاف على ناقته وعند ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس أنه طاف ماشيا وهرول ثلاثة أشواط ومشى سائرها "والمسلمون يطوفون معه" مكة طاف، فطفنا معه وأتى الصفا والمروة وأتيناهما معه، قال: وكنا نستره من أهل مكة أن يرميه أحد. وفي رواية سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يؤذوه.
رواهما البخاري وفي رواية الإسماعيلي لما قدم ﷺ مكة وطاف بالبيت في عمرة القضية كنا نستره من السفهاء والصبيان مخافة أن يؤذوه.
وروى البخاري عن إسماعيل بن أبي خالد أن رجلا سأل ابن أبي أوفى أدخل ﷺ عام القضية الكعبة قال: لا.
وروى الواقدي عن داود بن الحصين، قال: لم يدخل ﷺ الكعبة في القضية وقد أرسل إليهم، فأبوا وقالوا: لم يكن في شرطك.
ووقع للبيهقي من طريق الواقدي عن ابن المسيب أنه ﵇ لما قضى طوافه في عمرة القضاء دخل البيت، فلم يزل فيه حتى أذن بلال الظهر فوق ظهر الكعبة بأمره ﷺ ... الحديث وفيه: أن عكرمة وصفوان وخالد بن أسيد, كأمير, حمدوا الله على موت آبائهم ولم يروا هذا العبد ينهق فوق الكعبة وهو وهم، فالذي رواه أبو يعلى، وابن أبي شيبة، وابن هشام، والبيهقي نفسه من وجه آخر. وغيرهم من عدة طرق: أن دخول المصطفى الكعبة وأذان بلال على ظهرها إنما كان في فتح مكة كما يأتي. وصرح بعضهم بأنه المشهور والواقدي لا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف لا سيما ما في البخاري؟ وقد صرح الواقدي نفسه بأن القول بأنه لم يدخلها هو الثبت، والشامي ﵀ أار إلى الترجيح بالعزو والتبري بقوله: كذا في هذه الرواية أنه دخل البيت وعقبه برواية البخاري أنه لم يدخله، وهذا مع ظهوره لم يتنبه له من زعم أنه لم يرجح شيئا.
"في البخاري" ومسلم "عن ابن عباس" قدم ﷺ ، وأصحابه "فقال المشركون: إنه" أي: الشأن "يقدم عليكم وفد" أي قوم وزنا ومعنى.стр. 1401
وهنتهم حمى يثرب. فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم.
الحواشي
(١) وفي رواية ابن السكن، بفتح القاف، وسكون الدال، وهو خطأ قاله الحافظ وصدر المصنف بأنه بالفاء الساكنة والرفع فاعل يقدم أي جماعة وعز الثانية لأبي الوقت، وتكلف توجيهها بأن ضمير أنه للنبي ﷺ أي: يقدم والحال أنه قد "وهنتهم" أي الصحابة.
قال الحافظ: بتخفيف الهاء وتشديدها، أي: أضعفتهم قال المصنف: ولابن عساكر وهنهم بحذف الفوقية "حمى" فعلى غير منصرف لألف التأنيث كما في المصباح "يثرب" اسم المدينة النبوية في الجاهلية، ونهى ﷺ عن تسميتها بذلك وإنما ذكر ابن عباس ذلك حكاية لكلام المشركين.
وروى أحمد عن ابن عباس لما نزل ﷺ مر الظهران في عمرته بلغ أصحابه أن قريشا يصفونهم بالضعف، فقالوا: لو انتحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحمه وحسونا من مرقه أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامة وهو بفتح الجيم أي راحة، فقال ﷺ : "لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم". فجمعوا وبسطوا الأنطاع فأكلوا حتى تركوا وحشا كل واحد منهم في جرابه.
وفي رواية الإسماعيلي فأطلعه الله على ما قالوا "فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا" بضم الميم مضارع رمل بفتح الراء، والميم وهو الإسراع، وقال ابن دريد: هو شبيه بالهرولة وأصله أن يحرك الماشي منكبيه في مشيته.
قال الحافظ: وهو في موضع مفعول أمرهم تقول: أمرته كذا، وبكذا. "الأشواط" بفتح الهمزة بعدها معجمة، جمع شوط بفتح الشين وهو الجري إلى الغاية. والمراد الطواف حول الكعبة وفيه جواز تسمية الطوافة شوطا، ونقل عن مجاهد والشافعي كراهته. انتهى.
"الثلاثة" ليرى المشركون قوتهم بهذا الفعل؛ لأنه أقطع في تكذيبهم وأبلغ في نكايتهم، ولذا قالوا كما في مسلم: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى وهنتهم لهؤلاء أجلد من كذا، وكذا. قال الحافظ: وفيه جواز المعاريض بالفعل، كما تجوز بالقول وربما كانت بالفعل أقوى، ولا يعد ذلك من الرياء المذموم. وأمرهم "أن يمشوا ما بين الركنين" اليمانيين حيث لا تراهم قريش إذ كانوا من قبل قعيقعان وهو لا يشرف عليهما إنما شرف على الركنين الشاميين.
وعند أبي داود فكانوا إذا تواروا عن قريش بين الركنين مشوا وإذا اطلعوا عليهم رملوا "ولم يمنعه" بالإفراد، وفي نسخ ولم يمنعهم بالجمع والأولى هي الصحيحة للعز، وللبخاري فإن روايته بالإفراد وأما بالجمع فرواية مسلم "أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم" بكسر الهمزة وسكون الموحدة، بعدها قاف.стр. 1402
وفي رواية، قال: "ارملوا" ليرى المشركون قوتهم, والمشركون من قبل قعيقعان.
ومعنى قوله: "إلا الإبقاء عليهم" أي لم يمنعه من أمرهم بالرمل في جميع الطوفات إلا الرفق بهم، والإشفاق عليهم.
ثم طاف رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة على راحلته، فلما كان الطواف السابع عند فراغه -وقد وقف الهدي عن المروة- قال: "هذا المنحر، وكل فجاج
الحواشي
(١) قال: القرطبي رويناه بالرفع على أنه فاعل يمنعهم وبالنصب على أنه مفعول من أجله. وفي يمنعهم ضمير عائد على رسول الله وهو فاعله ذكره الحافظ واقتصر المصنف هنا على الرفع.
وقال: في كتاب الحج أن العيني تبع ابن حجر وسبقهما الزركشي، وتعقبه الدماميني، بأن تجويز النصب مبني على أن لفظ البخاري لم يمنعهم وليس كذلك إنما فيه لم يمنعه فرفع الإبقاء متعين لأنه الفاعل، وكلام القرطبي إنما هو ظاهر في حديث مسلم لم يمنعهم فنقله إلى ما في البخاري غير متأت.
"وفي رواية" للبخاري أيضا عن ابن عباس لما قدم النبي ﷺ لعامه الذي استأمن "قال" لأصحابه: "ارملوا". "ليرى المشركون قوتهم" وفي رواية ابن إسحاق: أنه ﵊ قال: "رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة". "والمشركون من قبل" بكسر ففتح جهة "قعيقعان" بضم القاف الأولى وكسر الثانية فعين في هذه الرواية مكانهم.
وزاد الإسماعيلي فلما رملوا قال المشركون: ما وهنتهم. "ومعنى قوله: إلا الإبقاء عليهم أي لم يمنعه" ﵊ "من أمرهم بالرمل في جميع الطوافات إلا الرفق بهم والإشفاق" الخوف "عليهم" من النصب هكذا قاله الحافظ، والمحوج لهذا التأويل أن الإبقاء لا يناسب أن يكون هو الذي منعه من ذلك إذ الإبقاء معناه الرفق كما في الصحاح فلا بد من تأويله بالإرادة ونحوها.
قاله المصنف في الحج: "ثم" كما روى الواقدي عن ابن عباس "طاف" سعى "رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة على راحلته" وسماه: طوافا اقتداء بقوله تعالى: ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ وفيه الإشعار بأن السعي وإن لم يكن صورة عبادة لكنها مقصودة منه فليس الغرض منه مجرد الذهاب والعود وإن وقع مثله في سعي الناس، ثم إلى حوائجهم، "فلما كان الطواف السابع عند فراغه وقد وقف الهدي عند المروة" بعد أمره ﵊ بإحضاره كما مر، أنه حبس بذي طوى. قال: "هذا المنحر" المستحب، "وكل فجاج" بكسر الفاء جمع فج بفتحهاстр. 1403
مكة منحر".
فنحر عند المروة. وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون.
وأمر رسول الله ﷺ ناسا منهم أن يذهبوا إلى أصحابه ببطن يأجج، فيقيمون على السلاح، ويأتي الآخرون يقضوا نسكهم ففعلوا.
وأقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاثا.
وفي البخاري من حديث البراء. فلما دخلها -يعني مكة- ومضى الأجل، أتوا عليا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل.
الحواشي
(١) وهو في الأصل الطريق الواسع فتجوز به عن بقاع "مكة منحر" كما تجوز بها عن جميع الحرم، "فنحر عند المروة وحلق هناك" ذكر صاحب الامتاع أنه حلقه معمر بن عبد الله العدوي "وكذلك فعل المسلمون".
قال الواقدي وكان قد اعتمر معه قوم لم يشهدوا الحديبية فلم ينحروا فأما من شهدها وخرج في القضية فاشتركوا في الهدي، وقال: "وأمر رسول الله ﷺ ناسا منهم،" أي: مائتين من أصحابه حين طافوا بالبيت وسعوا كما قال الواقدي: "أن يذهبوا إلى أصحابه ببطن يأجج فيقيمون على السلاح ويأتي الآخرون يقضوا نسكهم،" أي يفعلوه وإن لم يكن قضاه. يقال: قضى الدين أداه لصاحبه. "ففعلوا وأقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاثا" كما اشترطه مع قريش في الهدنة، ولا ينافي هذا ما رواه الواقدي من مرسل عمر بن علي بن أبي طالب, وأبو الأسود عن عروة لما كان اليوم الرابع. لفظ عروة: وقال عمر لما كان عند الظهر يوم الرابع جاءه سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، فقالا: ننشدك الله والعهد إلا ما خرجت من أرضنا فرد عليه سعد بن عبادة فأسكته ﷺ وأذن بالرحيل لقول الحافظ في الفتح: كأنه دخل في أوائل النهار فلم يكمل الثلاث إلا في مثل ذلك الوقت من النهار الرابع الذي دخل فيه بالتلفيق وكان مجيئهما قرب مجيء ذلك الوقت. انتهى. وكأنه لم يصح عنده مرسل الواقدي، فلم يذكره ولم يعول عليه في جمعه.
"وفي البخاري من حديث البراء" بن عازب الذي قدم المصنف صدره في الحديبية "فلما دخلها يعني مكة ومضى الأجل" أي الأيام الثلاثة، قال الكرماني: أي قرب مضيه ويتعين الحمل عليه لئلا يلزم الخلف. "أتوا" كفار قريش "عليا فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا فقد مضى الأجل".
وفي رواية للبخاري، أيضا فقالوا: قل لصاحبك فليرتح فذكر ذلك علي له، فقال: نعمстр. 1404
فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم, فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك، فحملتها.
الحواشي
(١) فارتحل "فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة", أمامة أو عمارة، أو سلمى، أو فاطمة، أو أمة الله، أو عائشة، أو يعلى؛ أقوال سبعة. قال الحافظ: وأمامة هو المشهور وترجم به في الإصابة وعزاه لأبي جعفر بن حبيب وابن الكلبي، والخطيب في المبهمات. قال: وصرح به في شعر لحسان، وسماها الواقدي: عمارة، وابن السكن: فاطمة فهذا كله صريح في أن المشهور أمامة كما في الفتح ومقدمته، وقول المصنف: عمارة أشهر فيه نظر.
وقد قال الخطيب: انفرد الواقدي بهذا القول وإنما عمارة ابن حمزة لابنته، وكذا القول بأن اسمها: يعلى وهم فإنه ابنه ولم يعقب حمزة إلا منه أعقب خمس بنين ثم ماتوا بلا عقب كما ذكره الزبير بن بكار، ولابن عساكر، بنت حمزة "تنادي: يا عم يا عم" مرتين، قال الحافظ: كأنها خاطبته بذلك إجلالا له، وإلا فهو ابن عمها، أو بالنسبة إلى أن حمزة وإن كان عمه من النسب فهو أخوه من الرضاعة "فتناولها علي فأخذ بيدها، وقال لفاطمة" زوجه: "دونك" أي خذي.
قال الحافظ: دون من أسماء الأفعال تدل على الأمر بأخذ الشيء المشار إليه "ابنة" ولابن عساكر بنت "عمك". وعند الحاكم من مرسل الحسن: فقال علي لفاطمة وهي في هودجها: أمسكيها عندك، وعند ابن سعد من مرسل محمد الباقر بإسناد صحيح بينما بنت حمزة تطوف في الرجال إذ أخذ علي بيدها فألقاها إلى فاطمة في هودجها.
وفي رواية أبي سعيد السكري أن فاطمة قالت لعلي: إنه ﷺ شرط أن لا يصيب منهم أحدا إلا رده عليهم. فقال لها علي: إنها ليست منهم إنما هي منا "فحملتها" كذا في نسخ المصنف، والذي في البخاري: حملتها.
قال الحافظ: كذا للأكثر بصيغة الفعل الماضي، وكأن الفاء سقطت وقد ثبتت في رواية النسائي من الوجه الذي أخرجه منه البخاري، وكذا لأبي داود من طريق آخر، وكذا لأحمد من حديث علي ولأبي ذر عن السرخسي، والكشميهني: حمِّليها بتشديد الميم المكسورة، وبالتحتانية بصيغة الأمر، وللكشميهني في الصلح: احمليها بألف بدل التشديد. انتهى.
ونسبها المصنف للأصيلي هنا، ثم ظاهر حديث الصحيح أنها خرجت بنفسها، وفي مغازي سليمان التيمي أنه ﷺ لما رجع إلى رحله وجد بنت حمزة، فقال لها: ما أخرجك؟ قالت: رجل من أهلك ولم يكن ﷺ أمر بإخراجها، وفي حديث علي عند أبي داود أن زيد بن حارثة أخرجها من مكة، وفي حديث ابن عباس عند الواقدي أن بنت حمزة وأمها سلمى بنت عميس كانت بمكة، فلما قدمها ﷺ كلمه علي، فقال: علام تترك ابنة عمنا يتيمة بين ظهرانيстр. 1405
فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، قال علي: أنا أخذتها وهي ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: "الخالة بمنزلة الأم". الحديث.
الحواشي
(١) المشركين، فلم ينهه فخرج بها فيحتمل في طريق الجمع, والله أعلم, أنه ﷺ لما لم ينهه خرج بها من البيت الذي كانت فيه بمكة، ثم دفعها إلى زيد، خوفا من أذى الكفار لمزيد قربه من المصطفى ومنها أو منهم ولذا جاءوه في طلب خروج النبي عنهم، فأتى بها زيد من مكة إلى الرحال فطافت فيها فأبصرت النبي ﷺ فنادته: يا عم يا عم! فألقاها علي في هودج فاطمة، وهذا لم أره لغيري لكنه مقتضى الأحاديث "فاختصم فيها" بنت حمزة "علي، وزيد، وجعفر" ﵃ أي في أيهم تكون عنده، وكان ذلك بعد أن قدموا المدينة كما في حديث علي عند أحمد، والحاكم وفي مغازي أبي الأسود عن عروة فلما دنوا من المدينة كلمه فيها زيد وكان وصي حمزة وأخاه، وهذا لا ينفي أن المخاصمة وقعت بالمدينة فلعل زيدا سأله ﷺ في ذلك ووقفت المنازعة بعد.
ولأبي سعيد السكري في ديوان حسان أن مخاصمتهم إلى النبي ﷺ كانت بعد أن وصلوا مر الظهران ذكره الحافظ، فإن صح فلعلهم اختصموا عنده مرتين وفي رواية أبي سعيد السكري اختصموا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فأيقظوا النبي ﷺ من نومه "قال" ولابن عساكر: فقال "علي: أنا أخذتها" وفي رواية: أنا أخرجتها من بين أظهر المشركين "وهي ابنة عمي" زاد أبو داود: وعندي ابنة رسول الله ﷺ وهي أحق به، "وقال جعفر": هي "ابنة" ولأبي ذر: بنت "عمي وخالتها" أسماء بنت عميس كما في حديث علي عند أحمد "تحتي" أي زوجتي.
وفي رواية الحاكم: عندي "وقال" بالواو ولأبي ذر: فقال "زيد: ابنة" ولأبي ذر، وابن عساكر: بنت "أخي" وكان ﷺ آخى بينه وبين حمزة حين آخى بين المهاجرين، كما ذكره الحاكم في الإكليل وأبو سعد في شرف المصطفى.
وزاد في حديث علي عند أبي داود: أنا خرجت إليها. قال الحافظ: وكان لهؤلاء الثلاثة فيها شبهة أما زيد فللأخوة التي ذكرها ولكونه بدأ بإخراجها من مكة، وأما علي فلأنه ابن عمها وحملها مع زوجته، وأما جعفر فلكونه ابن عمها وخالتها عنده فترجح جانبه باجتماع قرابة الرجل والمرأة منها دونهما، "فقضى بها النبي ﷺ لخالتها".
وفي حديث ابن عباس: فقال: "جعفر أولى بها". ولأبي داود، وأحمد: "أما الجارية فأقضي بها لجعفر". ولأبي سعيد السكري: "ادفعاها إلى جعفر فإنه أوسعكم". قال الحافظ: وهذا سبب ثالث، وقال: "الخالة بمنزلة الأم". أي: تقرب منها في الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولدследующие страницы →