Полный текст (5 943 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
وترجف: تهتز. والزهو: الخفة من الطرب، يعني: أن الأرض اهتزت فرحا بهذا الجيش، وفرقا من صولته، أي كادت تهتز، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] أي كادت تبلغ.
والجدل: جمع جديل، وهو الزمام المضفور.
وثني الجدل: ما انثنى على أعناق الإبل، أي انعطف.
وثهلان: اسم جبل معروف. وأهل: رفع صوته. ويذبل: اسم جبل أيضا.
والذبل: الرماح والذوابل وهي التي لم تقطع من منابتها حتى ذبلت أي جفت ويبست.
وتهليلا: أي صياحا، جبنا وفزعا. يعني: لولا ما سبق من تقدير الله تعالى أن الجبال لا تنطق لرفع ثهلان صوته وهلل الله من الطرب، ولذاب يذبل من الجزع والفرق.
الحواشي
(١) لم يتكامل وجوده بعد.
"وترجف تهتز" هز طرب وفرح، "والزهو" في قوله والأرض ترجف من زهو ومن فرق "الخفة من الطرب".
قال الجوهري: الطرب خفة تصيب الإنسان لشدة حزن أو سرور، والمراد هنا الثاني "يعني أن الأرض اهتزت فرحا بهذا الجيش وفرقا" خوفا وفزعا "من صولته" حملته، وليس المراد اهتزت بالفعل، بل قاربت، "أي كادت تهتز" ولا يعد المتكلم بالمجاز مبالغة كاذبا لوروده في أفصح الكلام "قال الله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ أي كادت تبلغ لشدة الخوف إذ لو بلغت الفعل لماتوا.
"والجدل" بضم الجيم، والدال المهملة، "جمع جديل وهو الزمام المضفور" الذي أحكم فتله، والزمام ما كان في الأنف والخطام وغيره، "وثني الجدل، ما انثنى على أعناق الإبل، أي انعطف وثهلان" بمثلثة مفتوحة وهاء ساكنة "اسم جبل معروف وأهل رفع صوته" إذ الإهلال رافع الصوت ومنه الإهلال بالحج واستهلال الصبي.
"ويذبل" بوزن ينصر "اسم جبل أيضا والذبل الرماح الذوابل وهي التي لم تقطع من منابتها حتى ذبلت" بفتحات من باب قعد، "أي جفت ويبست" وإذا قطعت كذلك كانت أجود وأصلب، "وتهليلا أي صياحا جبنا وفزعا يعني لولا ما سبق من تقدير الله تعالى أن الجبال لا تنطق" ولا تعقل، "لرفع ثهلان صوته وهلل الله من الطرب، ولذاب يذبل من الجزع والفرق،стр. 1542
وقوله: شعبت أي جمعت وأصلحت.
وقذفت بهم: أي فرقت بهم مخافة شعوب.
وشعوب: اسم للمنية لأنها تفرق الجماعات، من شعبت أي فرقت، وهو من الأضداد.
والشعاب: الطرق في الجبال.
والسهل: خلاف الجبل.
والقلل: رءوس الجبال. يعني أنه ﷺ أعفا عنهم بعدما تصدعوا، وتفرقوا وهربوا من خوفه إلى كل سهل وجبل.
وقوله: كالأسد تزأر في أنيابها العصل: أي المعوجة.
ولما فتح الله مكة على رسول الله ﷺ قال الأنصار فيما بينهم: أترون أن رسول الله ﷺ إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟
وكان ﵊ يدعو على الصفا رافعا يديه، فلما فرغ من دعائه قال:
الحواشي
(١) وقوله شعبت جمعت وأصلحت وقذفت بهم أي فرقتهم مخافة وشعوب" بوزن رسول "اسم للمنية، لأنها تفرق الجماعات من شعبت أي فرقت، وهو من الأضداد" حيث يستعمل في الجمع والتفريق.
والشعاب" جمع شعب بالكسر فيهما "الطرق في الجبل" وقيل الطريق مطلقا وقدمه المصباح.
"والسهل خلاف الجبل" وهو ما سهل ولان من الأرض.
"والقلل" جمع قلة "رءوس الجبال" أي أعاليها وقلة كل شيء أعلاه "يعني" الناظم بهذا البيت "أنه ﷺ أغضى عنهم" لأن دأب الحليم الإغضاء "بعدما تصدعوا وتفرقوا، وهربوا من خوفه إلى كل سهل وجبل, وقوله كالأسد تزأر في أنيابها العصل أي المعوجة" تفسير للعصل.
"ولما فتح الله مكة على رسول الله ﷺ قال الأنصار" كما ذكر ابن هشام من مرسل يحيى بن سعيد أنه قام على الصفا يدعو الله وقد أحدقت به الأنصار، فقالوا: "فيما بينهم أترون بهمزة الاستفهام وضم التاء، أي تظنون "أن رسول الله ﷺ إذ فتح الله عليه أرضه وبلده" إذ ظرفية أو تعليلة أي لفتحها عليه "يقيم بها" أم يرجع إلينا؟ "وكان ﵊ يدعو" جملة حالية، أي: قالت ذلك في حال دعائه "على الصفا رافعا يديه فلما فرغ من دعائه قالстр. 1543
"ماذا قلتم"؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال ﷺ : "معاذ الله، المحيا محياكم والممات مماتكم".
وهم فضالة بن عمير.
الحواشي
(١) "ماذا قلتم" , وكأنه علم أنهم قالوا: بالوحي. "قالوا: لا شيء" قلنا: يؤذيك "يا رسول الله" فإنا لم نلمك على فعل شيء ولا نقصنا قومك "فلم يزل" يتلطف "بهم حتى أخبروه" بما قالوا, فقال ﷺ : "معاذ الله" " نصب على المصدر حذف فعل وأضيف إلى المفعول أي أعوذ بالله أن أفعل غير ما وعدتكم به من الإقامة عندكم.
"المحيا محياكم"، أي حياتي حياتكم "والممات مماتكم" والإضافة لأدنى ملابسة أي حياتي وموتي لا يكون إلا عندكم، فكلاهما مصدر ميمي، ويجوز جعلهما زمانين أو مكانين، أي مكان حياتي، ومماتي أو زمانهما عندكم، وهذا أوفق بالسياق وهذا المرسل صح بأتم منه في مسلم، وأحمد وغيرهما عن أبي هريرة أنه ﷺ لما فرغ من طوافه، أتى الصفا فعلا منه حتى يرى البيت فرفع يديه وجعل يحمد الله ويذكره ويدعو بما شاء الله أن يدعو والأنصار تحته، فقال بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي وكان إذا جاء لم يخف علينا فليس أحد من الناس يرفع طرفه إليه فلما قضي الوحي قال: "يا معشر الأنصار"، قالوا: لبيك يا رسول الله. قال: "قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته". قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله. قال: "فما اسمي إذًا كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم, المحيا محياكم والممات مماتكم". فأقبلوا إليه يبكون يقولون: والله يا رسول الله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله ورسوله، فقال ﷺ : "فإن الله ورسوله يعذرانكم ويصدقانكم". الضن: بكسر الضاد المعجمة، وشد النون أي البخل والشح به أن يشركنا فيه أحد غيرنا كما ضبطه الشامي.
ولعله الرواية وإلا ففتحها لغة أيضا، وكان ذلك وقع لطائفتين فبادر بإخبار إحداهما لجزمها وتلطف في سؤال الأخرى لكونها لم تجزم، بل قالت: أترى إلخ.
ويعذرانكم بكسر الذال المعجمة يقبلان عذركم "وهم" بالفتح والتشديد، كما رواه ابن هشام عن بعض أهل العلم "فضالة" بفتح الفاء "ابن عمير بن الملوح" بضم الميم وفتح اللام والواو المشددة، ثم حاء مهملة، الليثي، الصحابي.
ذكره ابن عبد البر في كتاب الدرر في السير له بهذه القصة ولم يذكره في الاستيعاب وهو على شرطه.стр. 1544
أن يقتل رسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت، فلما دنا منه قال له رسول الله ﷺ : "أفضالة"، قال: نعم يا رسول الله! قال: "ماذا كنت تحدث به نفسك"؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله، فضحك ﷺ ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه.
وطاف ﷺ بالبيت.
الحواشي
(١) وذكر عياض في الشفاء بنحوه كما في الإصابة "أن يقتل رسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت" عام الفتح، "فلما دنا منه قال له رسول الله ﷺ : "أفضالة" قال: نعم" فضالة "يا رسول الله" هكذا ثبت فضالة بن نعم عند ابن هشام راوي هذا الخبر، وهو يفيد أن الهمز للاستفهام لا النداء هكذا نقله عنه اليعمري. وأما الشامي فنقله عنه بلفظ: يا فضالة وهو الذي قوى الشارح على جعلها للنداء. "قال: "ماذا كنت تحدث به نفسك". قال: لا شيء" أكرهه "كنت أذكر الله فضحك ﷺ ثم قال: "استغفر الله" مما حدثت نفسك به وقولك لا شيء، "ثم وضع يده" المباركة الميمونة "على صدره فسكن قلبه" اطمأن، وثبت فيه الإسلام وحب خير الأنام، "فكان فضالة يقول والله ما رفع يده عن صدري، حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه" هكذا لفظه عند ابن هشام، ونقله عنه كذلك اليعمري، والشامي في نسخة صحيحة يقع في بضع نسخه حتى ما خلق شيء وهو بمعناه إلا أن الكلام في العزو وبقية الخبر عند ابن هشام.
قال فضالة فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت: هلم إلى الحديث، فقلت: لا وانبعث فضالة يقول:
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا ... يأبى على الله والإسلم
لو ما رأيت محمدا وقبيله ... بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بينا ... والشرك يغشى وجهه الأظلام
وأنشده بعضهم كما في الإصابة لو ما شهدت بدل رأيت وجنوده بدل قبيله وساطعا بدل بينا، "وطاف ﷺ بالبيت" بعد أن استقر في خيمته ساعة، واغتسل وعاد للبس السلاح، والمغفر ودعا بالقصواء فأدنيت إلى باب الخيمة، وقد حف به الناس فركبها وسار وأبو بكر معه يحادثه فمر ببنات أبي أحيحة بالبطحاء، وقد نشرن شعورهن يلطمن وجوه الخيب بالخمر، فتبسم إلى أبي بكر واستنشده قول حسان الماضي يلطمهن بالخمر النساء إلى أن انتهى إلى الكعبة ومعه المسلمون، فاستلم الركن بمحجنه، وكبر فكبر المسلمون لتكبيره، ورجعوا التكبير حتى ارتجتстр. 1545
يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان. وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فكلما مر بصنم أشار إليه بقضيب وهو يقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا"، فيقع الصنم لوجهه. رواه البيهقي.
وفي رواية أبي نعيم: قد ألزقها الشياطين بالرصاص والنحاس.
الحواشي
(١) مكة تكبيرا حتى جعل ﷺ يشير إليهم أن اسكتوا، والمشركون فوق الجبال ينظرون، فطاف بالبيت ومحمد بن مسلمة آخذ بزمام الناقة سبعا يستلم الحجر الأسود كل طرف "يوم الجمعة" على المعروف خلافا لما قدمه المصنف في المولد النبوي أنه يوم الاثنين، وإن جزم به بعض المتأخرين هنا فلا عاضد له "لعشر بقين من رمضان، وكان حول البيت" أي في الجهات المحيطة به وحرف من قال وعلى الكعبة لاقتضائه أنها على سطحها ولفظ الصحيحين وغيرهما وحول البيت "ثلاثمائة وستون صنما".
وفي رواية البخاري، نصب قال الحافظ: بضم النون والمهملة، وقد تسكن فموحدة ما نصب للعادة من دون الله، ويطلق ويراد به الحجارة التي كانوا يذبحون عليها للأصنام، وليست مرادة هنا، وعلى أعلام الطريق وليست مرادة هنا ولا في الآية، "فكلما مر بصنم أشار إليه بقضيبه" فعيل بمعنى مفعول وهو الغصن المقضوب أي المقطوع.
وفي البخاري بعود في يده وفي مسلم بسية القوس بكسر المهملة وفتح التحتية المخففة ما عطف من طرفه، وهو يقول: "جاء الحق" الإسلام "وزهق الباطل" بطل الكفر "إن الباطل كان زهوقا" مضمحلا زائلا من زهق روحه إذا خرج وفيه استحباب هذا القول عند إزالة المنكر، كما قال السيوطي "فيقع الصنم لوجهه" أي عليه.
وعند الفاكهي، وصححه ابن حبان، في حديث ابن عمر فيسقط الصنم، ولا يمسه وللفاكهي والطبراني، من حديث ابن عباس لم يبق وثن استقبله إلا سقط على قفاه مع أنها كانت ثابتة بالأرض قد شد لهم إبليس أقدامها بالرصاص.
"رواه البيهقي" عن ابن عمر أنه ﷺ دخل مكة يوم الفتح وحول البيت فذكره، "و" كذا هو "في رواية أبي نعيم" عنه وزاد "قد ألزقها الشيطان بالرصاص" بفتح الراء. "والنحاس" بضم النون أي حملهم على ذلك فنسب إليه لكونه سببا فيه، وإلا فمعلوم أن الشيطان لم يفعل ذلك، كذا قال شيخنا, وحمله على الحقيقة أولى وإنما أبعد المصنف النجعة لقوله فيقع الصنم لوجهه.
ولزيادة أبي نعيم هذه وإلا فقد روى الشيخان عن ابن مسعود، قال: دخل ﷺ يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل، وما يعيد".стр. 1546
وفي تفسير العلامة ابن النقيب المقدسي: إن الله تعالى لما أعلمه ﷺ بأنه قد أنجز له وعده بالنصر على أعدائه، وفتحه مكة وإعلاء كلمة دينه، أمره إذ دخل مكة أن يقول: "وقل جاء الحق وزهق الباطل"، فصار ﷺ يطعن الأصنام التي حول الكعبة بمحجنه ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل"، فيخر الصنم ساقطا، مع أنها كانت مثبتة بالحديد والرصاص، وكانت ثلاثمائة وستين صنما بعدد أيام السنة.
قال: وفي معنى الحق والباطل لعلماء التفسير أقوال:
الحواشي
(١) "وفي تفسير العلامة" الإمام المفسر "ابن النقيب" جمال الدين أبي عبد الله محمد بن سليمان بن حسن البلخي، ثم "المقدسي" الحنفي قدم مصر وأقام مدة بالجامع الأزهر وصنف بها تفسيرا كبيرا إلى الغاية وكان عابدا زاهدًا أمارا بالمعروف ويتبرك بدعائه وبزيارته. مات بالقدس في المحرم سنة ثمان وتسعين وستمائة ذكره في العبر "أن الله تعالى لما أعلمه ﷺ بأنه قد أنجز له وعده بالنصر على أعدائه وفتحه مكة وإعلاء كلمة دينه أمره إذا دخل مكة أن يقول: "وقل جاء الحق" الإسلام أو القرآن "وزهق" اضمحل وتلاشى "الباطل" الكفر، أو الأصنام، أو إبليس "فصار ﷺ يطعن".
قال الحافظ: بضم العين وفتحها، والأول أشهر "الأصنام التي حول الكعبة بمحجنه" بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الجيم، فنون عصا محنية الرأس وهذا موافق لرواية الصحيحين، فجعل يطعنها بعود في يده.
وظاهر قوله في رواية البيهقي، وأبي نعيم السابقة أشار إليه بقضيبه أنه مجرد إشارة بلا طعن حقيقي، فيمكن التجوز في قوله أشار عن الطعن بالعود دون أن يمسها بيده الشريفة بأن سمى الطعن إشارة لخفته حتى كأنه ليس بطعن حقيقي، ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل" , ولم يأت بلفظ وقل مع أنها من جملة ما أمر بقوله على صلة أما، لأن المراد أن يتلو وقل ... إلخ.
بدليل ما سيتلى عليك قريبا أنها نزلت يومئذ، وأما لأنها معطوفة على شيء قبله في كلام جبريل كأن يقال أمره أن يقول كذا وكذا ولم يسمعه، وعطف عليه قوله وقل ففهم أن المأمور به جاء الحق دون لفظ، وقل "فيخر" بكسر الخاء يسقط فقوله "ساقطا" تأكيدا أو لدفع توهم أن يراد غير السقوط، لأن خر يستعل لصوت الماء والنائم والمخنق كما في اللغة، "مع أنها كلها كانت مثبتة بالحديد والرصاص، وكانت ثلاثمائة وستين صنما بعدد أيام السنة".
قال الحافظ وغيره: وفعل النبي ﷺ ذلك لإذلال الأصنام وعابديها ولإظهار أنها لا تنفع ولا تضر ولا تدفع عن نفسها شيئا.
"قال" ابن النقيب: "وفي معنى الحق والباطل لعلماء التفسير أقوال" في المراد بهما فيстр. 1547
قال قتادة: جاء القرآن وذهب الشيطان. وقال ابن جريج: جاء الجهاد وذهب الشرك وقال مقاتل: جاءت عبادة الله وذهبت عبادة الشيطان.
وقال ابن عباس: وجد ﷺ يوم الفتح حول البيت ثلاثمائة وستين صنما، كانت لقبائل العرب يحجون إليها، وينحرون لها، فشكا البيت إلى الله تعالى فقال: أي رب! حتى متى تعبد هذه الأصنام حولي دونك فأوحى الله تعالى إليه إني سأحدث لك نوبة جديدة، يدفون إليك دفيف النسور، ويحنون إليك حنين الطير إلى بيضها، لهم عجيج حولك بالتلبية. قال: ولما نزلت الآية يوم الفتح قال جبريل ﵊ لرسول الله ﷺ : خذ.
الحواشي
(١) الآية، وإلا فالحق كما قال التفتازاني هو الحكم المطابق للواقع يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك، ويقابله الباطل "قال قتادة: جاء" الحق، أي "القرآن" وزهق "ذهب" الباطل "الشيطان" إبليس اللعين؛ لأنه صاحب الباطل أو لأنه هالك، كما قيل له الشيطان من شاط إذا هلك، "وقال ابن جريج" عبد الملك "جاء الجهاد" أي الأمر به، أو حصل من المسلمين امتثالا للأمر به. "وذهب الشرك" الكفر وتسويلات الشيطان.
"وقال مقاتل: جاءت عبادة الله" في البلد الحرم بإسلام غالب أهله في الفتح، ثم لم يبق قرشي بعد حجة الوداع إلا أسلم كما في الإصابة "وذهبت عبادة الشيطان" وقد روى أبو يعلى، وأبو نعيم، عن ابن عباس لما فتح ﷺ مكة رن إبليس رنة فجمعت إليه ذريته، فقال: ايئسوا أن تردوا أمة محمد إلى الشرك بعد يومكم، ولكن افشوا فيها يعني مكة النوح والشعر.
"وقال ابن عباس وجد " ﷺ " يوم الفتح حول البيت ثلاثمائة وستين صنما كانت لقبائل العرب يحجون" يقصدون أي يأتون "إليها وينحرون لها" لتعظيمها.
وعند ابن إسحاق في غير هذا الموضع مع اعترافهم بفضل الكعبة عليها، "فشكا البيت" بلسان القال على المتبادر الظاهر بأن خلقت له قوة النطق بالشكاية، كنطق الجذع وغيره "إلى الله تعالى، فقال: أي رب حتى متى" إلى أي وقت "تعبد هذه الأصنام حولي دونك؟ فأوحى الله تعالى إليه" وحي إلهام، كما أوحى إلى النحل "إني سأحدث لك نوبة جديدة" بالنون جماعة، أي دولة من الناس، "يدفون" بضم الدال، يسرعون "إليك دفيف النسور" أي مثل إسراعها فشبه قدوم الناس له بدفيفها بفاءين وهو تحريك جناحيها للطيران، "ويحنون" بكسر الحاء، يشتاقون "إليك حنين الطير إلى بيضها لهم عجيج" رفع صوت "حولك بالتلبية" الخالصة إلى الله تعالى.
"قال" ابن عباس: "ولما نزلت الآية يوم الفتح، قال جبريل لرسول الله ﷺ : خذстр. 1548
بمخصرتك ثم ألقها، فجعل يأتي لها صنما صنما ويطعن في عينه أو بطنه بمخصرته ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل"، فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعا, وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من قوارير صفر. فقال يا علي: "ارم به". فحمله ﵊ حتى صعد ورمى به وكسره, فجعل أهل مكة يتعجبون. انتهى.
الحواشي
(١) بمخصرتك" بكسر الميم قضيبك، كما عبر به في رواية البيهقي المارة، وهو المراد من المحجن والعود "ثم ألقها" أي الأصنام، ولعله أشار إليها حين قال له ذلك إذ هي غير مذكورة في ذي الرواية، "فجعل يأتي لها صنما صنما" أي بعد صنم "ويطعن في عينه أو بطنه" تنويع لا شك وهو حقيقي.
وأما قوله في حديث ابن عمر فيسقط الصنم ولا يمسه فالضمير للمصطفى بدليل رواية من غير أن يمسه بيده لا للعود إذ لا يدله "بمخصرته، ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل" فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعا".
وفي رواية ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس، فما أشار إلى صنم في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار لقفاه إلا وقع حتى ما بقي منها صنم إلا وقع، فقال تميم بن أسد الخزاعي:
وفي الأصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب أو العقابا
وأفاد في روايته أن ذلك كان وهو طائف، فلما فرغ من طوافه نزل عن راحلته، وعند ابن أبي شيبة عن عمر فما وجدنا مناخا في المسجد حتى أنزل على أيدي الرجال، فأخرج الراحلة فأناخها بالوادي، ثم انتهى ﷺ إلى المقام وهو لاصق بالكعبة، فصلى ركعتين ثم انصرف إلى زمزم، وقال: "لولا أن تغلب بنو عبد المطلب لنزعت منها دلوا". فنزع له العباس دلوا، فشرب منه، وتوضأ والمسلمون يبتدرون وضوءه يصبونه على وجوههم والمشركون ينظرون ويعجبون ويقولون: ما رأينا ملكا قط أبلغ من هذا، ولا سمعنا به وأمر بهبل فكسر وهو واقف عليه، فقال الزبير لأبي سفيان: قد كسر هبل أما إنك قد كنت يوم أحد في غرور حين تزعم أنه أنعم، فقال أبو سفيان: دع عنك هذا يابن العوام فقد أرى لو كان مع إله محمد غيره لكان غير ما كان، ثم جلس ﷺ في ناحية المسجد والناس حوله.
وروى البزار عن أبي هريرة كان ﷺ يوم الفتح قاعد وأبو بكر قائم على رأسه بالسيف "وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من قوارير صفر" بضم الصاد وكسرها لغة نحاس على شكل القوارير جمع بعضها إلى بعض.
وفي حديث علي وكان من نحاس موتدا بأوتاد من حديد إلى الأرض, فقال: "يا علي ارم به"، "فحمله ﵊ حتى صعد ورمى به وكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون. انتهى" كلام ابن النقيب وفي سياقه في هذه القصة الأخيرة اختصار، فقد رواه ابن أبي شيبة، والحاكمстр. 1549
وعن ابن عباس: لما قدم ﷺ أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل ﵉ في أيديهما الأزلام، يعني: الأقداح التي كانوا يستقسمون بها، فقال رسول الله ﷺ : "قاتلهم الله، أما والله
الحواشي
(١) عن علي قال: انطلق ﷺ حتى أتى بي الكعبة، فقال: "اجلس". فجلست إلى جنب الكعبة فصعد على منكبي، ثم قال: "انهض". فنهضت فلما رأى ضعفي تحته قال: "اجلس". فجلست ثم قال: "يا علي اصعد على منكبي". ففعلت، فلما نهض بي خيل لي لو شئت نلت أفق السماء فصعدت فوق الكعبة وتنحى ﷺ ، فقال: "ألق صنمهم الأكبر"، وكان من نحاس موتدا بأوتاد من حديد إلى الأرض فقال ﵇: "عالجه". ويقول لي: "إيه إيه جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا". فلم أزل أعالجه حتى استمكنت منه، وقد أجاد القائل:
يا رب بالقدم التي أوطأتها ... من قاب قوسين المحل الأعظما
وبحرمة القدم التي جعلت لها ... كتف المؤيد بالرسالة سلما
ثبت على متن الصراط تكرما ... قدمي وكن لي منقذا ومسلما
واجعلهما ذخري فمن كانا له ... ذخرا فليس يخاف قط جهنما
"وعن ابن عباس: لما قدم ﷺ " مكة "أبى" امتنع "أن يدخل البيت" الحرام "وفيه الآلهة،" أي الأصنام، وأطلق عليها الآلهة باعتبار ما كانوا يزعمون، وفي جواز إطلاق ذلك وقفة، والذي يظهر كراهته وكانت تماثيل على صور شتى فامتنع من دخول البيت وهي فيه؛ لأنه لا يقر على باطل، ولأنه لا يحب فراق الملائكة، وهي لا تدخل بيتا فيه صورة "فأمر بها فأخرجت".
في حديث جابر عند ابن سعد وأبي داود أنه ﷺ أمر عمر بن الخطاب وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلا حتى محيت الصور، فكان عمر هو الذي أخرجها والذي يظهر أنه محا ما كان من الصور مدهونا مثلا وأخرج ما كان مخروطا ذكره في الفتح، "فأخرجوا صورة إبراهيم، وإسماعيل ﵉ في أيديهما الأزلام" جمع زلم بضم الزاي، ويقال: بفتحها واللام مفتوحة فيهما وهو السهم، "يعني الأقداح" جمع قدح بالكسر سهم صغير لا ريش له ولا نصل "التي كانوا يستقسمون" يطلبون القسم والحكم "بها" في الخير والشر مكتوب عليها افعل لا تفعل، فإذا أراد أحدهم فعل شيء أخرج واحدا منها، فإن خرج الأمر مضى لشأنه وإن خرج النهي كف، فقال رسول الله ﷺ "قاتلهم الله" أي لعنهم، كما في القاموس وغيره. "أما" بفتح الهمزة، وخفة الميم بعدها ألف حرف استفتاح.
قال الحافظ: كذا رواية بعضهم وللأكثر أم "والله" قال المصنف بحذف الألف للتخفيفстр. 1550
لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط". فدخل البيت وكبر في نواحيه ولم يصل. رواه الترمذي.
الحواشي
(١) "لقد علموا أنهما لم يستقسما بهما قط" قال الحافظ: قيل وجه ذلك أنهم كانوا يعلمون أول من أحدث الاستقسام بها وهو عمرو بن لحي، فكانت نسبتهم إلى إبراهيم وولده ذلك افتراء عليهما. انتهى.
قال الزركشي معنى قط هنا أبدا، ورده الدماميني بأن قط مخصوص باستغراق الماضي من الزمان، وأما أبدا، فيستعمل في المستقبل نحو، لا أفعل أبدًا, ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ "فدخل البيت" وظاهر هذا أنها أخرجت قبل دخوله كظاهر قول جابر لم يدخلها حتى محيت الصور.
ووقع عند الواقدي في حديث جابر، وكان عمر قد ترك صورة إبراهيم فلما دخل ﷺ رآها فقال: "يا عمر ألم آمرك أن لا تدع فيها صورة قاتلهم الله جعلوه شيخا يستقسم بالأزلام". ثم رأى صورة مريم، فقال: "امسحوا ما فيها من الصور، قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون".
قال في الفتح وفي حديث أسامة أنه ﷺ دخل الكعبة فرأى صورا فدعا بماء فجعل يمحوها وهو محمول على أنه بقيت بقية خفيت على من محاها أولا.
وقد حكى ابن عائذ عن سعيد بن عبد العزيز أن صورة عيسى وأمه بقيتا حتى رآهما بعض من أسلم من نصارى غسان، فقال: إنكما لبلاد عربية، فلما هدم ابن الزبير البيت ذهبا فلم يبق لهما أثر، وقال عمر بن شبة حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج سأل سليمان بن موسى عطاء أدركت في الكعبة تماثيل؟ قال: نعم أدركت تمثال مريم في حجرها ابنها عيسى مزوقا وكان ذلك في العمود الأوسط الذي يلي الباب، قال: متى ذهب ذلك، قال: في الحريق، وبه عن ابن جريج أخبرني ابن دينار أنه بلغه أن النبي ﷺ أمر بطلس الصورة التي كانت في لبيت، وهذا سند صحيح ومن طريق عبد الرحمن بن مهران عن عمير مولى ابن عباس عن أسامة أنه ﷺ دخل الكعبة، فأمرني فأتيته بماء في دلو، فجعل يبل الثوب ويضرب به على الصورة، ويقول: "قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون". انتهى.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر أن المسلمون تجردوا في الأزر وأخذوا الدلاء، وانجروا على زمزم يغسلون الكعبة ظهرها وبطنها فلم يدعو أثرا من المشركين إلا محوه وغسلوه. انتهى، فلعل صورة مريم كان لا يذهبها الغسل "وكبر في نواحيه ولم يصل" وفي حديث بلال أنه صلى ويأتي قريبا الجمع بوجهين في كلام المصنف.
"رواه الترمذي" كذا في النسخ، وما أظنه إلا سبق قلم أراد أن يكتب البخاري فطغى عليهстр. 1551
وعن ابن عمر قال: أقبل رسول الله ﷺ عام الفتح على ناقته القصواء، وهو مردف أسامة حتى أناخ بفناء الكعبة، ثم دعا عثمان بن طلحة فقال: "ائتني بالمفتاح"، فذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه فقال: والله لتعطينه، أو ليخرجن هذا السيف من صلبي، فأعطته إياه، فجاء به النبي ﷺ فدفعه إليه، ففتح الباب. رواه مسلم.
وروى الفاكهي من طريق ضعيفة، عن ابن عمر أيضا قال: كان بنو أبي طلحة يزعمون أنه لا يستطيع أحد فتح باب الكعبة غيرهم، فأخذ رسول الله ﷺ المفتاح ففتحها بيده.
الحواشي
(١) القلم. فإن البخاري في يد المصنف وقد رواه في مواضع منها وهنا وفي الحج "و" صح "عن ابن عمر قال: أقبل رسول الله ﷺ عام الفتح" وللبخاري في الجهاد يوم الفتح من أعلى مكة "على ناقته القصواء" وهو يقرأ سورة الفتح يرجع صوته بالقراءة كما عند الشيخين، وهو مردف أسامة" بن زيد، وللبخاري في الجهاد والمغازي، ومعه بلال وعثمان بن طلحة، "حتى أناخ بفناء الكعبة ثم" بعدما دخل هو والثلاثة الكعبة وخرجوا كما في رواية الشيخين "دعا عثمان بن طلحة، فقال: "ائتني بالمفتاح". "فذهب إلى أمه" وهي سلافة كما يأتي.
وعند الواقدي أن عثمان أخبر المصطفى أنه عند أمه فبعث إليها فأبت. فقال عثمان: أرسلني أخلصه لك منها فقال: يا أمه ادفعي إليّ المفتاح فإنه ﷺ أمرني أن آتيه به "فأبت أن تعطيه".
وعند الواقدي، قالت: لا واللات والعزى، لا أدفعه إليك أبدا "فقال": لا لات ولا عزى قد جاء أمر غير ما كنا فيه "والله لتعطينه أو ليخرجن هذا السيف من صلبي".
وفي رواية الواقدي: وإنك إن لم تفعلي قتلت أنا وأخي فأنت قتلتينا ووالله لتدفعنه أو ليأتين غيري فيأخذه منك؟ فأدخلته في حجزتها وقالت: أي رجل يدخل يده هنا؟
وروى عبد الرزاق، والطبراني من جهته من مرسل الزهري فأبطأ عثمان ورسول الله ﷺ ينتظره حتى إنه لينحدر منه مثل الجمان من العرق ويقول: "ما يحبسه فيسعى إليه رجل"، أي: أفيسعى, وجعلت تقول: إن أخذه منكم لا يعطيكموه أبدا، فلم يزل بها، "فأعطته إياه، فجاء به إلى النبي ﷺ ، فدفعه إليه ففتح الباب، رواه مسلم" والبخاري، بنحوه لكن قوله فذهب إلى أمه ... إلخ. من زيادة مسلم فلذا لم يعزه لهما.
قال الحافظ: وظهر من رواية البخاري في المغازي بلفظ: وقال لعثمان ائتنا بالمفتاح فجاءه بالمفتاح ففتح له الباب فدخل أن فاعل فتح في رواية في مسلم هو عثمان المذكور.
"و" لكن "روى الفاكهي من طريق ضعيفة عن ابن عمر أيضا، قال: كانت بنو أبي طلحة يزعمون أنه لا يستطيع أحد فتح باب الكعبة غيرهم فأخذ رسول الله ﷺ المفتاح ففتحها بيده"стр. 1552
وعثمان المذكور: هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى، ويقال له: الحجبي، بفتح الحاء المهملة والجيم، ويعرفون الآن بالشيبيين، نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وهو ابن عم عثمان، وعثمان هذا لا ولد له وله صحبة ورواية.
واسم أم عثمان: سلافة -بضم السين المهملة والتخفيف والفاء.
وفي الطبقات لابن سعد:
الحواشي
(١) ويحتمل الجمع بأنه ﷺ لما فتح الضبة بالمفتاح عاونه عثمان، فدفع الباب ففتحه له "وعثمان المذكور هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة" واسمه عبد الله قتل طلحة كافرا يوم أحد.
قاله ابن إسحاق وغيره "ابن عبد العزى" ابن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب العبدري ومن قال كالبيضاوي عثمان بن طلحة ابن عبد الدار نسبه لجده الأعلى للتمييز بين أولاد قصي على عادة أهل النسب فلا يفهم منه أن اسم أبي طلحة عبد الدار كما ظنه من وهم فإنه لم يقله أحد.
وفي التقريب تبعا لغيره واسم جده أي عثمان عبد الله "ويقال له الحجبي بفتح الحاء المهملة والجيم" زاد في الفتح ولآل بيته الحجبة لحجبهم الكعبة. "ويعرفون الآن بالشيبيين نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة" المكي من مسلمة الفتح له صحبة وأحاديث.
روى له البخاري، وأبو داود، وابن ماجه ومات سنة تسع وخمسين "وهو" أي شيبة "ابن عم عثمان، وعثمان هذا لا ولد له وله صحبة" وهجرة.
"ورواية" في مسلم وأبي داود وغيرهما مات سنة اثنتين وأربعين "واسم أم عثمان سلافة بضم السين المهملة والتخفيف" للام "والفاء".
قال في الإصابة: وقال ابن الأثير بالميم، وإنما هي بالفاء بنت سعيد الأنصارية الأوسية، أسلمت بعده ثم هذه العبارة جزم بها المصنف تبعا للفتح في كتاب الحج من أول قوله وعثمان المذكور إلى هنا بلفظه وكأه لم يصح عنده ما حكي أن ولد عثمان لما قدموا من المدينة منعهم ولد شيبة، فشكوا إلى الخليفة المنصور ببغداد فكتب إلى ابن جريج يسأله، فكتب إليه أنه ﵊ دفع المفتاح إلى عثمان فأدفعه إلى ولده فدفعه فمنعوا ولد شيبة عن الحجابة، فركبوا إلى منصور وأعلموه أن ابن جريج يشهد أنه ﵇ قال: "خذوها يا بني طلحة". فكتب إلى عامله أن شهد ابن جريج بذلك فأدخلهم، فشهد عند العامل بذلك فجعلها إليهم كلهم.
"وفي الطبقات لابن سعد" الحافظ محمد المشهور قال الخطيب: كان من أهل العلمстр. 1553
عن عثمان بن طلحة قال: كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين والخميس, فأقبل النبي ﷺ يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس، فأغلظت له ونلت منه، فحلم عني ثم قال: "يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت". فقلت لقد هلكت قريش يومئذ وذلت، قال: "بل عمرت وعزت يومئذ"، ودخل الكعبة، فوقعت كلمته مني موقعا ظننت يومئذ أن الأمر سيصير إلى ما قال, فلما كان يوم الفتح قال: "يا عثمان ائتني بالمفتاح". فأتيته به فأخذه مني، ثم دفعه إليَّ.
الحواشي
(١) والفضل صنف كتابا كبيرا في طبقات الصحابة والتابعين، ومن بعدهم إلى وقته فأجاد فيه وأحسن. مات سنة ثلاثين ومائتين، فروى فيها من طريق إبراهيم بن محمد العبدري عن أبيه "عن عثمان بن طلحة" الصحابي المذكور "قال" زاد في رواية الواقدي: لقيني ﷺ بمكة قبل الهجرة فدعاني إلى الإسلام, فقلت: يا محمد العجب لك حيث تطمع أن أتبعك وقد خالفت دين قومك وجئت بدين محدث، "وكنا نفتح الكعبة في الجاهلية" أراد بها قبل الفتح لأنه أفاد أن ذلك بعد البعثة وقبل الهجرة، كقول ابن عباس في الصحيح سمعت أبي يقول في الجاهلية: اسقنا كأسا دهاقا. وابن عباس إنما ولد في الشعب.
"يوم الاثنين، والخميس فأقبل النبي ﷺ يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس" وذلك بعد بعثته لقوله: "فأغلظت له" عنفته بالكلام.
وفي نقل العيون عن ابن سعد المذكور فغلظت عليه وهو مستعار من التغليظ في اليمين أي شددت عليه القول "ونلت منه فحلم" بضم اللام صفح "عني، ثم قال: "يا عثمان لعل سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت". فقلت: لقد هلكت قريش، يومئذ وذلت" يعني أن هذا محال، فإن قريشا ما دامت لا تقدر عليه، قال: "بل عمرت" بفتح الميم وكسرها، ففي القاموس عمر كفرح ونصر وضرب، عمرا وعمارة بقي زمانا، المعنى أن هذا الأمر يحصل وبه حياة قريش في الدارين الحياة الطيبة، "وعزت يومئذ" بدخولها في دين الله، ومجاهدتها في سبيله الملوك الأكاسرة، وتلقيها كتاب الله وأحاديث رسوله بعد ذلها بمزيد الجهل وعبادة حجارة تنحتها بأيديها إذا خلي المرء وعقله لا يرتضيها وفيه علم من أعلام النبوة باهر.
"ودخل الكعبة فوقعت كلمته مني موقعا ظننت أن الأمر سيصير إلى ما قال"؛ لأنه كان معروفا بينهم بالصدق والأمانة، فإنهم لا يكذبونه, وأسقط من هذا الخبر ما لفظه: فأردت الإسلام فإذا قومي يزبرونني زبرا شديدا "قال فلما كان يوم الفتح"، قال: "يا عثمان ائتني بالمفتاح". فأتيته به من عند أمي بعد امتناعها، على ما مر "فأخذه مني، ثم دفعه إليَّ".стр. 1554
وقال: "خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته فكلوا ما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف". قال: فلما وليت ناداني، فرجعت إليه فقال: "ألم يكن الذي قلت لك"؟ قال: فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة: "لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت". قلت:.
الحواشي
(١) وروى الفاكهي عن جبير بن مطعم أنه ﷺ لما ناول عثمان المفتاح قال له: "غيبه".
قال الزهري: فلذلك يغيب المفتاح وفي هذه الأحاديث كلها أن الذي طلب منه المفتاح، وأتى به عثمان ودفع إليه ووقع عند ابن أبي شيبة بسند جيد عن أبي السفر لما دخل ﷺ مكة دعا شيبة بن عثمان بالمفتاح مفتاح الكعبة فتلكأ، فقال لعمر: "قم فاذهب معه فإن جاء به وإلا فأخله رأسه". فجاء به فوضعه في حجره، ويمكن الجمع بأن أم عثمان لما امتنعت من دفعه حين أرسل يطلبه المصطفى منها فذهب لها ابنها عثمان وأبطأت عليه دعا شيبة فطلبه منه حتى لا يساعد المرأة في المنع فأرسله مع عمرو، قال له هذه المقالة لتذهب عنه حمية الجاهلية فسلمته لعثمان وهو الذي أتى به، ثم دفع إليه ونسب إليه المجيء به في هذه الرواية، لمجيئه مع ابن عمه، وسكوته على ذلك وإلا فما في الصحيح من أن عثمان هو الآتي به أصح، وقال: "خذوها" أي سدنة الكعبة "خالدة تالدة" معنى كل منها مقيمة، كما في القاموس وغيره فالثاني تأكيد للأول حسنه اختلافا للفظ، وقال المحب الطبري لعل تالدة من التالد وهو المال القديم، أي هي لكم من أول الأمر وآخره، واتباعها لخالدة بمعناها "لا ينزعها منكم إلا ظالم".
وفي رواية: "لا يظلمكموها إلا كافر". أي كافر نعمة الفتح العظيم عليه ويحتمل الحقيقة، أي إن استحل. "يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت" , أي: بسبب خدمته على سبيل التبرع والبر "بالمعروف".
قال المحب الطبري: ربما تعلق به الجهال في جواز أخذ الأجر على دخول الكعبة، ولا خلاف في تحريمه وأنه من أشنع البدع، وهذا إن صح احتمل أن معناه ما يأخذونه من بيت المال على خدمته والقيام بمصالحه ولا يحل لهم إلا قدر ما يستحقونه أو ما يقصدون به من البر والصلة، على وجه التبرر فلهم أخذه وذلك أكل بالمعروف, قال الشمس الحطاب المالكي: والمحرم إنما هو نزع المفتاح منهم لا منعهم من انتهاك حرمة البيت وما فيه قلة أدب.
فهذا واجب لا خلاف فيه، لا كما يعتقده الجهلة أنه لا ولاية لأحد عليهم وأنهم يفعلون في البيت ما شاءوا فهذا لا يقوله أحد من المسلمين "قال" عثمان: "فلما وليت نادناني فرجعت إليه، فقال: "ألم يكن الذي قلت لك". فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة: "لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت". قلت: بلى" جواب للنفي أي قد كان ذلك ولم يقل لهстр. 1555
بلى أشهد أنك رسول الله.
وفي التفسير: أن هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي. أمره ﵊ أن يأتيه بمفتاح الكعبة فأبى عليه، وأغلق باب البيت وصعد إلى السطح وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه، فلوى علي يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب، فدخل ﷺ البيت، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له بين السقاية
الحواشي
(١) ذلك ابتداء تأنيسا له وخشية أن يفهم عنه أنه يعنفه، فلما اطمأن بدفعه له وذهابه عاوده فقال: ذلك ليعلمه بالمعجزة الظاهرة ليزداد إيمانا إلى إيمانه، ومن ثم قال: "أشهد أنك رسول الله" فليس ابتداء إيمانه؛ لأنه أسلم وهاجر قبل الفتح كما أسلفه المصنف.
"وفي التفسير" للثعالبي بلا سند "إن هذه الآية" وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ ما ائتمن عليه ﴿إِلَى أَهْلِهَا﴾ خطاب يعم المكلفين، كما قاله ابن عباس عند ابن أبي حاتم وجميع الأمانات، ومن ثم استدل به المالكية على أن الحربي إذا دخل دارنا بأمان فأودع وديعة ثم مات أو قتل وجب رد وديعته وماله إلى أهله. وأن المسلم إذا استدان من الحربي بدار الحرب، ثم خرج يجب وفاؤه وعلى حرمة خيانة أسير ائتمن طائعا, واختار ابن جرير ما رواه عن علي وغيره أنها خطاب لولاة المسلمين أمروا بأداء الأمانة لمن ولوا عليه، فهي عامة وإن "نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي" نسبة إلى الحجابة، وهي سدانة البيت بسين مكسورة ودال مهملتين فألف فنون فتاء تأنيث خدمته وتولي أمره وفتح بابه وإغلاقه.
"أمره ﵊ أن يأتيه بمفتاح الكعبة، فأبى عليه، وأغلق باب البيت، وصعد إلى السطح، وقال لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه،" وهذا وهم كما يأتي، ولعله بفرض صحته
وقع من ابن عمه شيبة؛ لأنه لم يكن أسلم بعد، لكن بعده لا يخفى؛ لأنه لم يمكن من هو أجل منه منع شيء ولا قول شيء يومئذ.
"فلوى علي يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب".
وفي هذا السياق نكارة ومخالفة لما يفهم من حديث الصحيح، أن الذي فتحه عثمان، أو النبي ﷺ على ما رواه الفاكهي وهو ظاهر رواية مسلم كما مر.
"فدخل ﷺ البيت، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح، ويجمع له بين السقاية"стр. 1556
والسدانة، فأنزل الله هذه الآية. فأمر ﷺ عليا أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه، ففعل ذلك علي ﵁، فقال: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق؟ فقال علي: لقد أنزل الله تعالى في شأنك قرآنا، وقرأ عليه الآية. فقال عثمان: أشهد أن محمدا رسول الله. فجاء جبريل ﵊ فقال: ما دام هذا البيت أو لبنة من لبناته قائمة، فإن المفتاح والسدانة في أولاد عثمان.
الحواشي
(١) وهي أحواض من أدم، ويوضع فيها الماء العذب لسقاية الحاج، وقد يطرح فيه التمر والزبيب.
فعل ذلك عبد المطلب لما حفر زمزم، وقام بها بعد العباس، فلما كان يوم الفتح، قال الواقدي عن شيوخه.
قبض الله ﷺ السقاية منه، ومفتاح البيت من عثمان، فسأله العباس أن يجمع له بين السقاية. "والسدانة فأنزل الله هذه الآية".
وهكذا روى عبد الرزاق عن ابن أبي مليكة، أن السائل العباس، وفي رواية ابن إسحاق عن بعض أهل العلم، أنه علي ولفظه: ثم جلس، أي بعد الخطبة، ﷺ في المسجد، فقام إليه علي ومفتاح البيت في يده فقال: اجمع لنا الحجابة مع السقاية، والجمع بينهما أنه سأل لعمه لا لنفسه، "فأمر ﷺ عليا أن يرد المفتاح إلى عثمان، ويعتذر إليه، ففعل ذلك علي ﵁".
واعتذر ﷺ كما روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة، أنه ﵊ قال لعلي: "يومئذ إنما أعطيكم ما ترزءون، ولم أعطكم ما ترزءون" يقول: أعطيكم السقاية لأنكم تغرمون فيها، ولم أعطكم البيت.
قال عبد الرزاق أي أنهم يأخذون من هديته.
"فقال" عثمان لعلي "أكرهت وآذيت، ثم جئت ترفق؟ فقال علي: لقد أنزل اله تعالى في شأنك قرآنا، وقرأ عليه الآية، فقال عثمان: أشهد أن محمدًا رسول الله".
قال في الإصابة كذا وقع في تفسير الثعلبي بلا سند، أنه أسلم يوم الفتح بعد أن دفع له المفتاح، وهو منكر، والمعروف أنه أسلم وهاجر مع عمرو بن العاصي وخالد بن الوليد، وبه جزم غير واحد. انتهى، وفيه نكارة أيضا من جهة أن الذي دفع له المفتاح علي، والذي تظافرت به الآثار أن الذي دفعه له المصطفى، وأصرحها حديث جبير بن مطعم، أنه ﷺ لما ناول عثمان المفتاح قال له: "غيبه". وحديث الواقدي عن شيوخه، أنه أعطاه المفتاح ورسول الله مطبع بثوبه عليه، وقال: "غيبوه، إن الله تعالى رضي لكم بها في الجاهلية والإسلام".
"فجاء جبريل ﵇، فقال ما دام هذا البيت أو لبنة من لبناته قائمة فإن المفتاح والسدانة في أولاد عثمان" بن أبي طلحة: لا عثمان بن طلحة، لما قدمه المصنف قريبا تبعا للفتحстр. 1557
فلما مات دفعه إلى أخيه شيبة، فالمفتاح والسدانة في أولاده إلى يوم القيامة.
قال ابن ظفر في "ينبوع الحياة" قوله: "لو أعلم أنه رسول الله لم أمنعه" هذا وهم؛ لأنه كان ممن أسلم. فلو قال هذا كان مرتدا.
وعن الكلبي: لما طلب ﵊ المفتاح من عثمان مد يده إليه، فقال العباس: يا رسول الله اجعلها مع السقاية، فقبض عثمان يده بالمفتاح، فقال: هاكه بالأمانة، فأعطاه إياه فنزلت الآية.
الحواشي
(١) أن عثمان هذا لا ولد له، "فلما مات دفعه إلى أخيه شيبة،" مر أيضا أنه ابن عمه ويحتمل تصحيحه بما مر أنه قال لأمه: إن لم تدفعي المفتاح قتلت أنا وأخي.
لكن لم يسم، فيكون اسمه شيبة على ما يفيده هذا الخبر ويكون أعطاه له أخوه فمات ولم يعقب أيضا فأخذه ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، "فالمفتاح والسدانة في أولاده إلى يوم القيامة".
ولذا عرفوا بالشيبيين، ويحتمل أنه المراد الأخوة في سدانة البيت، وبالجملة فهذا الحديث منكر من جهات عديدة، ومن ثم "قال" محمد "بن ظفر"، بفتح الظاء المعجمة والفاء وبالراء " في ينبوع الحياة" اسم تفسيره، "قوله لو علمت أنه رسول الله ﷺ لم أمنعه، هذا وهم لأنه كان ممن أسلم" وهاجر قبل الفتح في صفر سنة ثمان، وقيل سنة سبع، وقيل سنة خمس، كما قدم المصنف وقدمت عن الإصابة أن الثالث وهم.
"فلو قال هذا كان مرتدا" إلا أن يقال: هذا وقع من غيره ممن لم يسلم حينئذ من أهله، فنسب إليه مجازا، وبعده لا يخفى.
"وعن الكلبي" محمد بن السائب، فيما رواه ابن مردويه عنه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: "لما طلب ﵊ المفتاح من عثمان، مد يده إليه، فقال العباس: يا رسول الله، اجعلها مع السقاية، فقبض عثمان يده بالمفتاح، فقال له رسول الله ﷺ : "إن كنت يا عثمان تؤمن بالله واليوم الآخر فهاته". بكسر التاء فعل أمر وهذا صريح في أنه كان آمن كما هو المعروف؛ لأنه لو كان لم يؤمن لم يقل له ذلك.
"فقال: هاكه" اسم فعل بمعنى خذه "بالأمانة" أي ملتبسا بها، أي خذه أمانة على أن ترده إليّ، لأن كل شيء اليوم بعدك، وتحت قدمك، ولفظ ابن مردويه فقال: هاكه بأمانة الله، فقام ففتح الكعبة، ثم خرج فطاف بالبيت، ثم نزل عليه جبريل برد المفتاح، فدعا عثمان بن طلحة "فأعطاه إياه فنزلت الآية".стр. 1558
قال بن ظفر: وهذا أولى بالقبول.
الحواشي
(١) ولفظ ابن مردويه ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ، حتى فرغ من الآية.
"قال ابن ظفر: وهذا أولى بالقبول" من الخبر السابق.
وروى الأزرقي وغيره عن مجاهد: نزلت هذه الآية في عثمان بن طلحة، أخذ ﵊ منه مفتاح الكعبة ودخلها يوم الفتح، فخرج وهو يتلوها، فدعا عثمان، فدفعه إليه، وقال: "خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله، لا ينزعها منكم إلا ظالم".
قال: وقال عمر: لما خرج ﷺ من الكعبة، خرج وهو يتلو هذه الآية، ما سمعته يتلوها قبل ذلك، قال السيوطي: ظاهر هذا أنها نزلت في جوف الكعبة. انتهى.
وروى الأزرقي أيضا نحوه من مرسل بن المسيب وقال: في آخره: "خذوها خالدة تالدة، لا يظلمكموها إلا كافر".
وروى ابن عائذ وابن أبي شيبة من مرسل عبد الرحمن بن سابط، أنه ﷺ دفع المفتاح إلى عثمان، فقال: "خذوها خالدة مخلدة، إني لم أدفعها إليكم، ولكن الله دفعها إليكم ولا ينزعها منكم إلا ظالم".
وروى عبد الرزاق والطبراني من طريقه من مرسل الزهري: أنه ﷺ لما خرج من البيت قال علي: إنا أعطينا النبوة والسقاية والحجابة ما قوم بأعظم نصيبا منا، فكره ﷺ مقالته، ثم دعا عثمان بن طلحة، فدفع المفتاح إليه.
وعند ابن إسحاق عن بعض أهل العلم فقال: "هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء". وفي هذه الأخبار كلها دليل على بقاء عقبهم إلى الآن.
قال العلامة الشمس الحطاب المالكي: ولا التفات إلى قول بعض المؤرخين أن عقبهم انقطع في خلافة هشام بن عبد الملك، فإنه غلط لقول مالك: لا يشرك مع الحجبة في الخزانة أحد لأنها ولاية منه ﷺ ومالك ولد بعد هشام بنحو عشرين سنة.
وذكر ابن حزم وابن عبد البر جماعة منهم في زمانهم، وعاشا إلى بعد نصف المائة الخامسة.
وكذا ذكر العلامة القلقشندي، وعاش إلى إحدى وعشرين وثمانمائة، ولا دلالة لزاعم انقراضه، في إخدام معاوية الكعبة عبيدا لأن إخدامها غير ولاية فتحها، كما هو معلوم، وكثيرا ما يقع في كلام المؤرخين كالأزرقي والفاكهي ذكر الحجبة، ثم الخدمة، بما يدل على التغاير بينهم. انتهى ملخصا.стр. 1559
وفي رواية لمسلم: دخل ﵊ هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي فأغلقوا عليهم الباب. قال ابن عمر فلما فتحوا كنت أول من ولج، فلقيت بلالا فسألته: هل صلى فيه رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، بين العمودين اليمانيين، وذهب عني أسأله: كم صلى؟
الحواشي
(١) "وفي رواية لمسلم" وكذا للبخاري، ولا وجه لقصر العز وكلاهما من حديث ابن عمر: "دخل ﵊" الكعبة عام الفتح، "هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي" زاد مسلم من طريق أخرى ولم يدخلها معهم أحد، ووقع عند النسائي وأحمد زيادة، والفضل بن عباس، "فأغلقوا عليهم الباب".
زاد أبو عوانة من داخل، وفي الموطأ فأغلقاها عليه، الضمير لعثمان وبلال ولمسلم، فأجاف عليهم الباب. والجمع أن عثمان هو المباشر لذلك، لأنه من وظيفته، ولعل بلالا ساعده في ذلك، ورواية الجمع يدخل في الآمر بذلك والراضي به، وفي رواية فمكث نهارا طويلا، وأخرى زمانا بدل نهارا، وأخرى فأطال، وكلها في البخاري ولمسلم فمكث فيها مليا، وله أيضا فأجافوا عليهم الباب، وله أيضا فمكث فيها ساعة، "قال ابن عمر" راوي الحديث: "فلما فتحوا كنت أول من ولج".
"دخل" وفي رواية، ثم خرج فابتدر الناس الدخول، فسبقتهم.
وفي أخرى: وكنت رجلا شابا قويا فبادرت الناس، فبدرتهم.
وأخرى: كنت أول الناس ولج على أثره.
وأخرى وأجد بلالا قائما بين البابين. وكلها في البخاري.
"فلقيت بلالا فسألته هل صلى فيه رسول الله ﷺ قال نعم بين العمودين اليمانيين" بخفة الياء، لأنهم جعلوا الألف بدل إحدى ياءي النسب.
وجوز سيبويه التشديد، والمحفوظ أنه سأل بلالا كما رواه الجمهور، ولمسلم في رواية أنه سأل بلالا أو عثمان بالشك، ولأبي عوانة والبزار أنه سأل بلالا وأسامة، ولأحمد والطبراني عن ابن عمر أخبرني أسامة أنه صلى فيه ههنا، ولمسلم والطبراني فقلت: أين صلى؟ فقالوا, فإن كان محفوظا، حمل على أنه ابتدأ بلالا بالسؤال، ثم أراد زيادة الاستثبات في مكان الصلاة، فسأل عثمان وأسامة أيضا.
ويؤيده رواية مسلم أيضا: ونسيت أن أسألهم كم صلى بصيغة الجمع، وهذا أولى من جزم عياض بوهم رواية مسلم.
وكأنه لم يقف على بقية الروايات، "وذهب" غاب "عني أسأله: كم صلى؟ " أي نسيتстр. 1560
وفي إحدى روايات البخاري:
الحواشي
(١) سؤاله عن عدد صلاته.
وللبخاري: فنسيت أن أسأله كم صلى من سجدة أي ركعة، ولذا استشكل الإسماعيلي وغيره ما وقع في الصحيح، من رواية مجاهد عن ابن عمر، فسألت بلالا: أصلى النبي ﷺ ؟ قال: نعم، ركعتين بين الساريتين اللتين عن يسارك إذا دخلت، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين؛ لأن المشهور عن ابن عمر من رواية نافع وغيره: أنه نسي أن يسأل عن كمية الصلاة، والجواب باحتمال أن ابن عمر اعتمد على القدر المحقق؛ لأن بلالا أثبت له الصلاة، ولم ينقل تنفله ﵊ نهارا بأقل من ركعتين، فتحقق فعل الركعتين لما استقرئ من عادته، فعلى هذا قوله ركعتين من كلام ابن عمر لا بلال، وقوله: نسيت أن أسأله كم صلى؟ أي لم يتحقق أزاد على الركعتين أم لا؟ ويؤيد هذا ويستفاد منه جمع آخر ما رواه عمر بن شبة من طريق آخر، عن ابن عمر بلفظ: فاستقبلني بلال، فقلت: ما صنع ﷺ ههنا؟ فأشار بيده أن صلى ركعتين بالسبابة والوسطى، فعلى هذا يحمل على أنه لم يسأله لفظا ولم يجبه لفظا، وإنما استفاد منه صلاة ركعتين بإشارته، لا بنطقه.
ونقل عياض أن قوله: ركعتين غلط من يحيى بن سعيد لقول ابن عمر: نسيت إلى آخره, وإنما دخل الوهم عليه من ذكر الركعتين مردود، والمغلط هو الغالط، فإنه ذكر الركعتين قبل وبعد، فلم يهم من موضع إلى موضع، ولم ينفرد يحيى بذلك حتى يغلط، بل تابعه أربعة من الحفاظ عن شيخه، وتابع شيخه اثنان عن مجاهد، ثم قد ورد ذلك عن عثمان بن طلحة عند أحمد والطبراني، بإسناد قوي، وعن أبي هريرة عند البزار، وعبد الرحمن بن صفوان في الطباني بإسناد صحيح، وعن شيبة بن عثمان عند الطبراني بإسناد جيد، قال: لقد صلى ركعتين عند العمودين.
وفي هذا الحديث من الفوائد رواية الصحابي عن الصحابي وسؤال المفضول مع وجود الأفضل، والاكتفاء، به والحجة بخبر الواحد، ولا يقال هو أيضا خبر واحد، فكيف يحتج للشيء بنفسه، لأنا نقول: هو فرد ينضم إلى نظائر مثله توجب العلم بذلك، وفيه اختصاص السابق بالبقعة الفاضلة، والسؤال عن العلم والحرص فيه، وفضل ابن عمر لشدة حرصه على تتبع آثاره ﷺ ، ليعمل بها، وأن الفاضل من الصحابة قد كان يغيب عنه ﷺ في بعض المشاهد الفاضلة، ويحضره من هو دونه، فيطلع على ما لم يطلع عليه؛ لأن أبا بكر وعمر وغيرهما ممن هو أفضل من بلال ومن ذكر معه لم يشاركوهم في ذلك. انتهى من فتح الباري كله ملخصا.
"وفي إحدى روايات البخاري" في كتاب الصلاة حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر، فذكر الحديث، وفيه فسألت بلالا حين خرج: ما صنع النبي ﷺ ؟стр. 1561
جعل عمودا عن يساره وعمودا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه.
وليس بين الروايتين مخالفة، لكن قوله في الرواية الأخرى: وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة مشكل؛ لأنه يشعر بكون ما عن يمينه أو يساره كان اثنين، ولهذا عقبه البخاري برواية إسماعيل بن أبي أويس التي قال فيها: عمودين عن يمينه.
ويمكن الجمع بين الروايتين بأنه: حيث ثنى أشار إلى ما كان عليه البيت في زمنه ﷺ وحيث أفرد أشار إلى ما صار بعد ذلك، ويرشد إليه قوله: وكان البيت يومئذ. لأن فيه إشعارا بأنه تغير عن هيئته الأولى.
ويحتمل أن يقال: لم تكن الأعمدة الثلاثة على سمت واحد، بل اثنان على سمت والثالث.
الحواشي
(١) قال: "وجعل عمودا عن يساره وعمودا عن يمينه" بإفراد عمود.
فيهما كما هو الثابت في البخاري، "وثلاثة أعمدة وراءه، وليس بين الروايتين" رواية مالك هذه ورواية جويرية عن نافع المروية في البخاري قبلها بلفظ: صلى بين العمودين المقدمين، وبمعناها الرواية التي ساقها المصنف فوقها: بين العمودين اليمانيين، وهي في البخاري من رواية الزهري عن سالم عن أبيه، "مخالفة" فإن معنى البينية جعل واحدا عن يساره وآخر عن يمينه.
"لكن قوله في الرواية الأخرى" التي هي رواية مالك، كان اللائق للمصنف أن يقول في بقية هذه الرواية: "وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة مشكل، لأنه يشعر بكون ما عن يمينه أو يساره، كان اثنين" فينافي قوله: في أولها عمود عن يساره وعمود عن يمينه بإفراد عمود فيهما، "ولهذا عقبه البخاري برواية" شيخه "إسماعيل بن أبي أويس" عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك الأصبحي المدني الصدوق، المتوفى سنة ست وعشرين مائتين، "التي قال فيها" البخاري ما لفظه، وقال لنا إسماعيل: حدثني مالك فقال: "عمودين عن يمينه" وعمودا عن يساره.
"ويمكن الجمع بين الروايتين بأنه حيث ثنى أشار إلى ما كان عليه البيت في زمنه ﷺ وحيث أفرد أشار إلى ما صار إليه بعد ذلك" حيث هدم وبني في زمن ابن الزبير، "ويرشد إليه" أي الجمع المذكور "قوله: وكان البيت يومئذ، لأن فيه إشعارًا بأنه تغير عن هيئته الأولى".
وقال الكرماني لفظ العمود جنس يحتمل الواحد الاثنين، فهو مجمل بينته رواية عمودين، "ويحتمل أن يقال لم تكن الأعمدة الثلاثة على سمت واحد، بل اثنان على سمت والثالثстр. 1562
على غير سمتهما، ولفظ "المقدمين" في إحدى روايات البخاري مشعر به.
وفي رواية لمسلم: جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه، عكس رواية إسماعيل، وكذلك قال الشافعي، وبشر بن عمر في إحدى الروايتين عنهما.
وجمع بعض المتأخرين بين هاتين الروايتين باحتمال تعدد الواقعة، وهو بعيد لاتحاد مخرج الحديث.
الحواشي
(١) على غير سمتهما".
"ولفظ" رواية جويرية عن نافع عن ابن عمر، فسألت بلالا: أين صلى؟ قال: صلى بين العمودين "المقدمين".
وللكشميهني: المتقدمين بتاء قبل القاف، وأيا ما كان فهو مثنى، صفة للعمودين لا جمع صفة للرجال كما توهم، "في إحدى روايات البخاري" التي علمتها "مشعر به", قال الحافظ ويؤيده أيضا رواية مجاهد عن ابن عمر، عند البخاري أيضا بلفظ بين الساريتين اللتين عن يسار الداخل، وهو صريح في أنه كان هناك عمودان على اليسار، وأنه صلى بينهما، فيحتمل أنه ثم عمود آخر على اليمين، لكنه بعيد، أو على غير سمت العمودين، فيصح قول من قال: جعل عن يمينه عمودين.
وقول من قال: جعل عمودا عن يمينه.
وجوز الكرماني احتمالا آخر وهو أن يكون هناك ثلاثة أعمدة مصطفة، فصلى إلى جنب الأوسط، فمن قال جعل عمودا عن يمينه وعمودا عن يساره، لم يعتبر الذي صلى إلى جنبه.
ومن قال عمودين اعتبره "في رواية لمسلم" عن يحيى بن يحيى النيسابوري عن مالك به، وقال "جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه عكس رواية إسماعيل" المذكور.
"وكذلك قال" الإمام "الشافعي" في روايته عن مالك "وبشر بن عمر" بن الحكم الزهراني الأزدي، أبو محمد البصري، الثقة، الصدوق، الحافظ، أحد الرواة عن مالك, مات أول سنة سبع ومائتين "في إحدى الروايتين عنهما" عن مالك "وجمع بعض المتأخرين بين هاتين الروايتين باحتمال تعدد الواقعة، وهو بعيد لاتحاد مخرج" بفتح الميم وسكون المعجمة، أي موضع خروج "الحديث" وهو ابن عمر.стр. 1563
وجزم البيهقي بترجيح روية إسماعيل، ووافقه عليها ابن القاسم والقعنبي وأبو مصعب ومحمد بن الحسن وأبو حذافة وكذلك الشافعي وابن مهدي في إحدى الروايتين عنهما. انتهى ملخصا من فتح الباري.
الحواشي
(١) قال الحافظ: "و" قد ذكر الدارقطني الاختلاف على مالك فيه، فوافق الجمهور عبد الله بن يوسف في قوله: عمودا عن يمينه وعمودا عن يساره، "وجزم البيهقي بترجيح رواية إسماعيل، ووافقه عليها" عبد الرحمن "بن القاسم" بن خالد بن جفادة العتقي، أبو عبد الله المصري، الثقة، الفقيه، المشهور.
"و" عبد الله بن مسلمة، بن قعنب "القعنبي"، بفتح القاف والنون بينهما مهملة ساكنة آخره موحدة، نسبة إلى جده المذكور البصري، المدني الأصل، وسكنها مدة, الثقة, العابد, كان ابن معين وابن المديني لا يقدمان عليه في الموطأ أحدًا، أسمعه مالك نصف الموطأ، وقرأ هو على مالك النصف الباقي، مات بمكة سنة إحدى وعشرين ومائتين، "وأبو مصعب" أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني، الحافظ، الصدوق، الفقيه، شيخ الجماعة، سوى النسائي، مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وقد زاد على التسعين.
"ومحمد بن الحسن" الشيباني، مولاهم الكوفي، صاحب أبي حنيفة أحد رواة الموطأ وكان من بحور العلم والفقه، وسمع الثوري والأوزاعي ومالكا وغيرهم، ومات سنة تسع وثمانين ومائة.
"وأبو حذافة" أحمد بن إسماعيل بن محمد السهمي، سماعه للموطأ صحيح، وخلط في غيره، مات سنة تسع وخمسين ومائتين.
"وكذلك الشافعي" الإمام المعروف، حفظ الموطأ وهو ابن عشر، بمكة في تسع ليال، وقيل: في ثلاث، ثم رحل، فأخذه عن مالك، كما في ديباج ابن فرحون "و" عبد الرحمن "بن مهدي" بن حبان، أبو سعيد البصري، اللؤلؤي، الحافظ, روى عن شعبة ومالك والسفيانين والحمادين وخلق, وعنه خلائق منهم: ابن وهب وابن المبارك وابن المديني، وقال: كان أعلم الناس.
والإمام أحمد قال: إذا حدث ابن مهدي عن رجل، فهو حجة مات بالبصرة سنة ثمان وتسعين ومائة عن ثلاث وستين سنة.
"في إحدى الروايتين عنهما"، عن مالك "انتهى ملخصا من فتح الباري" في باب الصلاة، بين السواري من كتاب الصلاة "و" قال فيه: في كتاب الحج وقع في رواية للبخاري فيстр. 1564
وقد بين موسى بن عقبة في روايته عن نافع أن بين موقفه ﷺ وبين الجدار الذي استقبله قريبا من ثلاثة أذرع، وجزم برفع هذه الزيادة مالك عن نافع فيما أخرجه الدارقطني في الغرائب. ولفظه: وصلى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع.
وفي كتاب مكة للأزرقي، والفاكهي: أن معاوية سأل ابن عمر: أين صلى رسول الله ﷺ ؟ فقال: اجعل بينك وبين الجدار ذراعين أو ثلاثة، فعلى هذا ينبغي لمن أراد الاتباع في ذلك أن يجعل بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، فإنه تقع قدماه في مكان قدميه.
الحواشي
(١) المغازي، وكان البيت على ستة أعمدة سطرين، صلى بين العمودين من السطر المقدم وجعل باب البيت خلف ظهره، وقال: في آخره وعند المكان الذي صلى فيه مرمرة حمراء، وكل هذا إخبار عما كان عليه البيت قبل أن يهدم ويبنى في زمن ابن الزبير، فأما الآن فإنه، "قد بين موسى بن عقبة في روايته عن نافع" عن ابن عمر، عند البخاري "أن بين موقفه، ﷺ ، وبين الجدار الذي استقبله، قريبا من ثلاثة أذرع".
ولفظ البخاري عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا دخل الكعبة، مشى قبل الوجه حين يدخل، ويجعل الباب قبل الظهر يمشي حتى يكون ما بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه، قريبا من ثلاثة أذرع، فيصلي متوخيا المكان الذي أخبره بلال أن رسول الله ﷺ صلى فيه، "وجزم برفع هذه الزيادة" التي وقفها موسى بن عقبة، "مالك عن نافع" عن ابن عمر، "فيما أخرجه الدارقطني في الغرائب" من طريق ابن مهدي، وابن وهب وغيرهما، وأبو داود من طريق ابن مهدي كلهم عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، "ولفظه صلى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع", وكذا أخرجه أبو عوانة من طريق هشام بن سعد، عن نافع، وهذا فيه الجزم بثلاثة أذرع، لكن رواه النسائي من طريق ابن القاسم عن مالك، بلفظ نحو من ثلاثة أذرع وهي موافقة لرواية ابن عقبة، "وفي كتاب" تاريخ "مكة للأزرقي" نسبة إلى جده الأعلى، فهو محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق بن عمرو الغساني أبو الوليد, "والفاكهي" من وجه آخر، "أن معاوية سأل ابن عمر: أين صلى رسول الله ﷺ ؟ فقال: اجعل بينك وبين الجدار ذراعين أو ثلاثة، فعلى هذا ينبغي لمن أراد الاتباع في ذلك" أي: موضع صلاة المصطفى في البيت، "أن يجعل بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، فإنه تقع قدماه في مكان قدميهстр. 1565
صلى الله عليه وسلم إن كانت ثلاثة سواء، أو تقع ركبتاه أو يداه أو وجهه إن كان أقل من ثلاثة أذرع, والله أعلم.
وفي رواية عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة أنه ﵊ لما دخل البيت دعا في نواحيه كله ولم يصل فيه حتى خرج، فلما خرج ركع في قبل البيت ركعتين وقال: "هذه القبلة".
الحواشي
(١) ﷺ ، إن كانت ثلاثة" أذرع، "سواء أو تقع ركبتاه أو يداه أو وجهه، إن كان" المحل "أقل من ثلاثة أذرع, والله أعلم" بحقيقة الموضع الذي صلى فيه، وفيه استحباب الصلاة في الكعبة، وهو ظاهر في النفل وألحق الجمهور به الفرض إذ لا فرق وعن ابن عباس: لا تصح الصلاة داخله مطلقا، وعلله بلزوم واستدبار بعضها، وقد ورد الأمر باستقبالها فيحمل على استقبال جميعها، وقال به بعض المالكية والظاهرية وابن جرير، وقال المازري والمشهور في المذهب منع صلاة الفرض داخلها ووجوب الإعادة.
وعن ابن عبد الحكم الإجزاء، وصححه ابن عبد البر وابن العربي، وأطلق الترمذي عن مالك جواز النقل وقيده بعض أصحابه بغير الرواتب، ومن المشكل ما نقله النووي في زوائد الروضة، أن صلاة الفرض داخل الكعبة، إن لم يرج جماعة أفضل منها خارجها.
ووجه الإشكال أن الصلاة خارجها متفق على صحتها بين العلماء فكيف يكون المختلف في صحته أفضل من المتفق عليه.
انتهى من الفتح جميعه بما ساقه المصنف، فلله در مالك ما أدق نظره حيث استحب النفل داخلها؛ لأنه الواقع منه، ﷺ ، ومنع الفرض لورود الأمر باستقبالها، فخص منه النفل بالسنة فلا يقاس عليه، "وفي رواية عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة، أنه ﵊، لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها" جمع ناحية وهي الجهة "ولم يصل فيه حتى خرج" منه، "فلما خرج ركع في قبل البيت".
قال الحافظ بضم القاف والموحدة وقد تسن أي مقابله أو ما استقبلك منه، وهو وجهه، وهذا موافق لقول ابن عمر عند الشيخين، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة "ركعتين، وقال: هذه القبلة" الإشارة إلى الكعبة، قيل: المراد بذلك تقرير حكم الانتقال عن بيت المقدس، وقيل: المراد أن حكم من شاهد البيت وجوب مواجهة عينه جزما بخلاف الغائب، وقيل: المراد أن الذي أمرتكم باستقباله، ليس هو الحرم كله ولا مكة ولا المسجد الذي حول الكعبة، بل الكعبة نفسها، أو الإشارة إلى وجه الكعبة، أي هذا موقف الإمام ويؤيده ما رواه البزار من حديث عبد الله بن حبشي الخثعمي قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي إلى باب الكعبة وهو يقول: "أيها الناس إنстр. 1566
رواه مسلم.
والجمع بينه وبين حديث ابن عمر، أن أسامة أخبره أن النبي ﷺ صلى في الكعبة كما رواه أحمد والطبراني. بأن أسامة حيث أثبتها اعتمد في ذلك على غيره وحيث نفاها أراد ما في علمه لكونه لم يره حين صلى، ويكون ابن عمر ابتدأ بلالا بالسؤال ثم أراد زيادة الاستثبات في مكان الصلاة، فسأل أسامة أيضا.
قال النووي: وقد أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال لأنه مثبت فمعه زيادة علم، فوجب ترجيحه. وأما نفي أسامة فيشبه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب واشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبي ﷺ يدعو فاشتغل أسامة في ناحية من نواحي البيت والنبي ﷺ في ناحية أخرى، وبلال قريب منه، ثم صلى النبي ﷺ فرآه بلال لقربه منه ولم يره أسامة لبعده واشتغاله بالدعاء.
الحواشي
(١) الباب قبلة البيت، وهو محمول على البيت لقيام الإجماع على جواز استقبال البيت من جميع جهاته" انتهى.
"رواه مسلم" ورواه البخاري عن ابن عباس، لما دخل البيت، ولم يقل: أخبرني أسامة، فلذا عزاه لمسلم، "والجمع بينه" أي بين حديث ابن عباس عن أسامة نفي الصلاة، "وبين حديث ابن عمر أن أسامة أخبره: أن النبي ﷺ صلى في الكعبة، كما رواه أحمد والطبراني", وخبر الجمع قوله: "بأن أسامة حيث أثبتها" كما في رواية ابن عمر عنه، "اعتمد في ذلك على غيره" لا على رؤيته، وحيث نفاها أراد ما في علمه لكونه لم يره حين صلى، و"الجمع بين رواية: أنه سأل بلالا، ورواية: أنه سأل أسامة، "بكون ابن عمر ابتدأ بلالا بالسؤل", فأخبره، "ثم أراد زيادة الاستثبات في مكان الصلاة، فسأل أسامة أيضا", فلا معارضة بين الروايات.
"قال النووي: قد أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال" الصلاة في الكعبة، "لأنه مثبت فمعه زيادة علم" لم يختلف عليه في الإثبات، واختلف على من نفى "فوجب ترجيحه" لهذين الوجهين على القاعدة، "وأما نفي أسامة فيشبه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب واشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبي ﷺ يدعو، فاشتغل أسامة" بالداء "في ناحية من نواحي البيت والنبي ﷺ في ناحية أخرى، وبلال قريب منه، ثم صلى النبي، ﷺ ، فرآه بلال لقربه منه، ولم يره أسامة لبعده واشتغاله بالدعاء".стр. 1567
وكانت صلاته ﵊ خفيفة فلم يرها أسامة لإغلاق الباب مع بعده واشتغاله بالدعاء، وجاز له نفيها عملا بظنه، وأما بلال فتحققها وأخبر بها. انتهى.
وتعقبوه بما يطول ذكره, وأقرب ما قيل في الجمع: أنه ﷺ صلى في الكعبة لما غاب عنه أسامة من الكعبة لأمر ندبه إليه، وهو أن يأتي بماء يمحو به الصور التي كانت في الكعبة، فأثبت الصلاة بلال لرؤيته لها ونفاها أسامة لعدم رؤيته، ويؤيده ما رواه أبو داود الطيالسي عن أسامة بن زيد قال: دخلت على رسول الله ﷺ في الكعبة، فرأى صورا فدعا بدلو من ماء فأتيته به فجعل يمحوها ويقول: "قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون". ورجاله ثقات.
الحواشي
(١) زاد الحافظ، ولأن بإغلاق الباب تكون الظلمة، مع احتمال أن يحجبه بعض الأعمدة، "وكانت صلاته ﵊ خفيفة" جواب عما يقال اشتغاله لا يمنع "فلم يرها أسامة لإغلاق الباب مع بعده واشتغاله بالدعاء، وجاز له نفيها عملا بظنه، وأما بلال فتحققها وأخبر بها. انتهى" كلام النووي.
"وتعقبوه بما يطول ذكره" لكن قد أقره الحافظ وغيره، "وأقرب ما قيل في الجمع" قول المحب الطبري، يحتمل "أنه ﷺ صلى في الكعبة لما غاب عنه أسامة لأمر ندبه" حثه ووجه "إليه، وهو أن يأتي بماء يمحو به الصور التي كانت في الكعبة، فأثبت بلال الصلاة لرؤيته لها، ونفاها أسامة لعدم رؤيته لها، ويؤيده" كما قال الحافظ: "ما رواه أبو داود الطيالسي عن أسامة بن زيد، قال: دخلت على رسول الله، في الكعبة فرأى صورا، فدعا بدلو من ماء فأتيته به", فظاهر هذا أنه حين دخوله، رآه غير مصل، فأرسله ليأتي بالماء فصلى إذ ذاك فلم يره، فجعل يمحوها ويقول: "قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون".
وظاهر هذا أنه محاها بيده، وعند ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس، ثم أمر بثوب فبل ومحا به صورهما، أي إبراهيم وإسماعيل، ثم دعا بزعفران فلطخ تلك التماثيل، وقد مر عن الفتح حمل حديث أسامة هذا ونحوه على أنه بقيت منه بقية، خفيت عمن محاها أولا، فلا ينافي ما رواه أبو داود وغيره أنه، ﷺ أمر عمر وهو بالبطحاء، أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها حتى محيت الصور ومر مزيد حسن لذلك قريبا، "ورجاله ثقات" نحوه، قول الحافظ: هذا إسناد جيد.
قال القرطبي: فلعل أسامة استصحب النفي بسرعة عوده، قال الحافظ: وفي كل ذلك إنما نفى رؤيته، لا ما في نفس الأمر ومنهم من جمع بين الحديثين من غير ترجيح أحدهما علىстр. 1568
وأفاد الأزرقي -في تاريخ مكة- أن خالد بن الوليد كان على باب الكعبة يذب عنه ﷺ الناس.
الحواشي
(١) الآخر، إما بحمل الصلاة المثتبة على اللغوية، والمنفية على الشرعية ويرده أن تعيين قدر الصلاة في بعض طرقه، يعين الشرعية، لا الدعاء، وإما بحمل الإثبات على التطوع، والنفي على الفرض، قال القرطبي على طريقه المشهور من مذهب مالك، أو أنه دخل البيت مرتين، صلى في إحداهما، ولم يصل في الأخرى، قاله المهلب.
وقال ابن حبان الأشبه أنه، لما دخل في الفتح صلى، ولما حج دخلها ولم يصل، ورده النووي بأنه لا خلاف أنه دخل يوم الفتح لا في حجة الوداع، ويشهد له ما رواه الأزرقي عن سفيان، عن غير واحد من أهل العلم، أنه، ﷺ إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح، ثم حج فلم يدخلها، وإذا كان كذلك فلا يمتنع أنه دخلها عام الفتح مرتين، ويكون المراد، بالوحدة التي في خبر ابن عيينة، وحدة السفر لا الدخول، وعند الدارقطني من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع. انتهى ملخصا.
"وأفاد الأزرقي في تاريخ مكة، أن خالد بن الوليد كان على باب الكعبة يذب" بضم المعجمة يمنع "عنه، ﷺ الناس" وهو في داخل الكعبة، قال الحافظ: وكأن خالدا جاء بعدما دخل، ﷺ انتهى.
قال الواقدي: ثم خرج والمفتاح في يده، ثم جعله في كمه، وخالد يذب الناس حتى خرج، فقال على باب البيت، فخطب.
وروى أبو يعلى عن ابن عباس، والبيهقي عن ابن إسحاق، وعروة وابن أبي شيبة عن أبي سلمة، وغيرهم أنه، ﷺ لما حانت الظهر أمر بلالا أن يؤذن فوق الكعبة، ليغيظ المشركين وقريش فوق رؤوس الجبال، وقد فر جماعة من وجوههم وتغيبوا، وأبو سفيان وعتاب وخالد ابنا أسيد، والحارث بن هشام، جلوس بفناء الكعبة، وأسلموا بعد.
فقال عتاب وخالد: لقد كرم الله أسيدا أن لا يسمع هذا فيغيظه، وقال الحرث: أما والله لو أعلم أنه محق، لاتبعته، إن يكن الله يكره هذا، فسيغيره.
وقال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى.
وقال بعض بني سعيد بن العاصي: لقد أكرم الله سعيدا أن قبضه، قبل أن يرى هذا الأسود على ظهر الكعبة.
وقال الحكم بن أبي العاصي: هذا والل الحدث العظيم، أن يصيح عبد بني جمح علىстр. 1569
وفي البخاري: أنه ﷺ أقام خمسة عشرة ليلة، وفي رواية: تسع عشرة. وفي رواية أبي داود: سبع عشرة. وعند الترمذي: ثمان عشرة.
الحواشي
(١) بنية أبي طلحة، فأتى جبريل فأخبره ﷺ خبرهم فخرج عليهم وقال: قد علمت الذي قلتم وأخبرهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله ما اطلع على هذا أحد كان معنا، فنقول: أخبرك.
وروى ابن سعد والحارث بن أبي أسامة وابن عساكر، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم: خرج ﷺ ، وأبو سفيان جالس في المسجد، فقال في نفسه: ما أدري بم يغلبنا محمد؟ فأتاه ﷺ ، فضرب صدره, وقال: "بالله نغلبك". فقال: أشهد أنك رسول الله.
وروى الحاكم وتلميذه البيهقي عن ابن عباس، وابن سعد عن أبي إسحاق السبيعي قالا: رأى أبو سفيان رسول الله ﷺ يمشي والناس يطئون عقبه، فقال في نفسه: لو عاودت هذا الرجل القتال، وجمعت له جمعا، فجاء ﵇ حتى ضرب في صدره فقال: "إذن يخزيك". فقال: أتوب إلى الله وأستغفر الله ما أيقنت أنك نبي إلا الساعة، إني كنت لأحدث نفسي بذلك.
"وفي البخاري: أنه ﷺ أقام خمس عشرة ليلة" هذا غلط فإنما وقع هذا في رواية لأبي داود، وضعفه النووي كما يأتي، فلو كانت في البخاري، ما وسعه تضعيفها والذي في البخاري هنا وقبله في أبواب التقصير من طريق عاصم عن عكرمة، عن ابن عباس: أقام النبي ﷺ بمكة تسعة عشر يوما يصلي ركعتين، قال المصنف: بتقديم الفوقية على السين.
"وفي رواية" له أيضا هنا عن ابن عباس: أقمنا مع النبي ﷺ ، في سفره "تسع عشرة ليلة" نقصر الصلاة فأفادت أن الأيام في الرواية التي فوقها بلياليها، كما قاله في الفتح، "وفي رواية أبي داود" من هذا الوجه وغيره بلفظ "سبع عشرة" بتقديم السين قال أبو داود وقال عباد بن منصور عن عكرمة تسع عشرة كذا عقله وقد وصلها البيهقي.
"وعند الترمذي ثمان عشرة" ورواه أبو داود من حديث عمران بن حصين: غزوت مع رسول الله ﷺ الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، وله من طريق ابن إسحاق عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس: أقام ﷺ بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة، وجمع البيهقي بين هذا الاختلاف بأن من قال: تسع عشرة، عد يومي الدخول والخروج، ومنстр. 1570
وفي الإكليل: أصحها بضع عشرة يقصر الصلاة.
وقال الفاسي.
الحواشي
(١) قال: سبع عشرة، حذفهما ومن قال: ثماني عشرة عد أحدهما، وأما رواية خمس عشرة، فضعفها النووي في الخلاصة وليس بجيد؛ لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك، عن عبيد الله كذلك وإذا ثبت أنها صحيحة، فلتحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبع عشرة، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمس عشرة، واقتضى ذلك أن رواية تسع عشرة أرجح الروايات، ويرجحها أيضا أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة. انتهى من فتح الباري.
"وفي الإكليل" للحاكم "أصحها بضع عشرة" لعله من حيث صدقها بالجميع، وإلا فأصحها إسنادا تسع عشرة، كما علم.
"يقصر الصلاة" بضم الصاد، وضبطه المنذري بضم الياء وشد الصاد من التقصير؛ لأنه ﵇ لم ينو الإقامة، بل قصده متى تهيأ له فراغ حاجته رحل، وروى البخاري هنا في باب مقام النبي ﷺ بمكة زمن الفتح قبل هذا الحديث عن أنس، أقمنا مع النبي ﷺ عشرا نقصر الصلاة، وكذا رواه في أبواب التقصير, قال الحافظ: ولا معارضة بينهما، فحديث ابن عباس في فتح مكة، وحديث أنس في حجة الوداع، وقول ابن رشيد: أراد البخاري أن يبين أن حديث أنس داخل في حديث ابن عباس؛ لأن عشرة داخلة في تسع عشرة، فيه نظر لأنه إنما يجيء على اتحاد القصتين، الحق أنهما مختلفتان.
انتهى باختصار منه في التقصير.
وقال في هذا الباب: ظاهر الحديثين التعارض، والذي أعتقده أن حديث أنس إنما هو في حجة الوداع؛ لأنها السفرة التي أقام فيها بمكة عشرا، لدخوله يوم الرابع وخروجه يوم الرابع عشر، ولعل البخاري أدخله في هذا الباب، إشارة إلى ما ذكرت، ولم يفصح بذلك تشحيذا للأذهان، ويؤيده رواية الإسماعيلي والبخاري في باب قصر الصلاة بلفظ: فأقام بها عشرا يقصر الصلاة حتى رجع إلى المدينة، فإن مدة إقامتهم في سفرة الفتح حتى رجعوا إلى المدينة أكثر من ثمانين يوما. انتهى.
"وقال الفاسي" القاضي تقي الدين محمد بن أحمد بن علي بن عبد الرحمن المكي الشريف، أبو الطيب الحافظ، ولد سنة خمس وسبعين وسبعمائة، ورحل وبرع ودرس وأفتىстр. 1571
في تاريخ مكة: وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان.
الحواشي
(١) وصنف وولي قضاء المالكية بمكة، وأذن له الحافظ العراقي بإقراء الحديث، مات في شوال سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة، قال الحافظ ابن حجر: لم يخلف في الحجاز مثله "في تاريخ مكة" المسمى شفاء الغرام، "كان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان" سنة ثمان، فبعض مدة القصر فيه وبعضها في شوال، وقد أبعد المصنف النجعة، فهذا لفظ ابن إسحاق في السيرة، وروى الإمام أحمد والترمذي، وقال: حسن صحيح عن الحارث بن مالك: سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم فتح مكة: "لا تغزى هذه بعد اليوم إلى يوم القيامة".
قال العلماء: يعني بقوله: "لا تغزى على الكفر" قالوا: ونادى مناديه ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يدع في بيته صنما إلا كسره، والكلام في هذه الغزوة الشريفة يطول، ومرام المصنف، رحمة الله عليه، الاختصار فلنتبعه والله تعالى أعلم.стр. 1572
" هدم العزى ":
ثم سرية خالد بن الوليد عقب فتح مكة إلى العزى بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني.
الحواشي
(١) هدم العزى:
"ثم سرية" خالد بن الوليد" سيف الله الذي صبه الله على الكفار، "عقب فتح مكة" بخمس ليال لا متصلا به، لكن لما قصرت المدة لا سيما مع شغلهم بتعلقات الفتح، أطلق أنه عقبه "إلى العزى" بضم المهملة وفتح الزاي، قال البغوي: اشتقوها من اسم الله تعالى العزيز، وقيل: العزى تأنيث الأعز.
قال مجاهد: هي شجرة.
وقال الضحاك: صنم وضعه سعد بن ظالم الغطفاني لما قدم مكة، ورأى أهلها يطوفون بين الصفا والمروة، فأخذ من كل حجر أو نقلهما إلى نخلة، وسماهم الصفا والمروة، ثم أخذ ثلاثة أحجار فأسندها إلى شجرة فقال: هذا ربكم.
فجعلوا يطوفون بين الحجرين، ويعبدون الحجارة "بنخلةَ" غير مصروف للعلمية والتأنيث.
قال المصنف: وهو موضع على ليلة من مكة، "وكانت" العزى "لقريش وجميع بنيстр. 1573
كنانة، وكانت أعظم أصنامهم. لخمس ليال بقين من رمضان، سنة ثمان، ومعه ثلاثون فارسا لهدمها، فلما انتهوا إليها هدمها ثم رجع إلى رسول الله ﷺ بمكة فأخبره. فقال: "هل رأيت شيئا"؟ قال: لا. قال: "فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها". فرجع فجرد سيفه فخرجت إليه امرأة عجوز عريانة سوداء ثائرة الرأس، فجعل السادن.
الحواشي
(١) كنانة", قال ابن إسحاق وابن سعد: وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم، قال ابن هشام: حلفاء أبي طالب خاصة، "وكانت أعظم أصنامهم" أجلها بزعمهم الفاسد، لا أنها أعظم جسما من غيرها، وذلك أن عمرو بن لحي أخبرهم أن الرب يشتي عند اللات، ويصيف عند العزى، فعظموها وبنوا لها بيتا، وكانوا يهدون إليها كما يهدون للكعبة، ويعظمونها كتعظيمها، ويطوفون وينحرون عندها، وهم يعرفون فضل الكعبة عليها؛ لأنها بيت إبراهيم ومسجده، "لخمس ليال بقين من رمضان سنة ثمان" كما قاله ابن سعد وغيره، وذكر ابن إسحاق: أنها كانت بعد سرية خالد إلى بني جذيمة، ونظر فيه مغلطاي بأنه ﷺ كان قد وجد على خالد في أمر بني جذيمة، ولا يتجه إرساله في بعث، وأجاب الشامي بأنه إن صح فوجهه أنه ﷺ رضي عليه وعذره في اجتهاده. "ومعه ثلاثون فارسا لهدمها".
قال ابن إسحاق: فلما سمع سادنها السلمي بسير خالد إليها، علق سيفه وأسند في الجبل الذي هو فيه، وهو يقول:
يا عز شدي شدة لا سوى لها ... على خالد ألقي القناع وشمري
يا عز إن لم تقتلي المرء خالدا ... فبوئي بإثم عاجل أو تنصري
"فلما انتهوا إليها هدمها", أي: دم البيت التي هي فيه، وكان على ثلاث سمرات كما رواه البيهقي عن أبي الطفيل، بفتح المهملة وضم الميم فقطعها وهدم البيت وكسر الصنم، "ثم رجع إلى رسول الله ﷺ بمكة فأخبره"، فقال: "هل رأيت شيئا" خرج منها حين هدمتها؟ "قال: لا". قال: "فإنك لم تهدمها" الهدم الأبدي المزيل لها حقيقة، فإن الذي فعلته هو إزالة الصورة الظاهرة، وبقي أمر خفي لا تزول إلا بزواله، "فارجع إليها فاهدمها". "فرجع" خالد.
قال ابن سعد وهو متغيظ، "فجرد سيفه فخرجت إليه امرأة عجوز عريانة سوداء ثائرة الرأس" بمثلثة، أي منتشرة الشعر.
زاد في حديث أبي الطفيل تحثو التراب على رأسها ووجهها "فجعل السادن" بفتح السينстр. 1574
يصيح بها، فضربها خالد فجزلها اثنتين، ورجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره فقال: "نعم تلك العزى، وقد يئست أن تعبد ببلادكم أبدا".
الحواشي
(١) وكسر الدال المهملتين وبالنون الخادم "يصيح بها"، وفي نسخة فيها أي في شأنها وبها، أظهر وهو يقول: يا عزى خبليه يا عزى عوريه ولا تموتي برغم، "فضربها خالد" وهو يقول: يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك.
وفي تفسير البغوي عن مجاهد وغيره: فضربها بالفاس فقلعها، واجتث أصلها، فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها، داعية ويلها، واضعة يدها على رأسها "فجزلها" بفتح الجيم وشد الزاي قطعها "اثنتين" قطعتين وفي نسخة باثنتين بباء زائدة للتأكيد، كما قال النووي وغيره في نحوه. واختار الدماميني أنها للمصاحبة وهي ومدخولها ظرف مستقر منصوب المحل على الحال أي فقطعها ملتبسة بقطعتين، ولا مانع من جمع القطع وكونها اثنتين، في حالة واحدة وليس المراد أن انقسامها إلى اثنتين كان ثابتا قبل القطع، وإنما هو معه وبسببه، "ورجع إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره"، فقال: "نعم تلك العزى وقد يئست" بفتح التحتية وكسر الهمزة وسكون السين وضم التاء "أن تعبد ببلادكم أبدا"، وقد علمت من نقل البغوي، أنها كانت شيطانة خرجت من أصل الشجرة، وفيه علم من أعلام النبوة، حيث أعلمه أنه لم يهدمها أولا، لأنه لم يزل ما هو الداعي إلى تجديدها، ولعل تلك الشيطانة كانت تكلمهم، أو تظهر لهم، فربما أمرتهم بتجديدها، أو تخبرهم أنها ولو قطعت شجراتها أو كسرت حجارتها، لم تزل عظمتها، وفي خروجها لخالد ثانيا آية أخرى لأنها لم تكن مشاهدة.стр. 1575
" هدم سواع ":
ثم سرية عمرو بن العاصي إلى سواع
الحواشي
(١) هدم سواع:
"ثم سرية عمرو بن العاصي" ﵁ "إلى سواع" بضم السين وفتحها، كما في القاموس قال ابن جرير: سواع ابن شيث بن آدم، لما مات، صورت صورته وعظمت لموضعه من الدين، ولما عهدوا في دعائه من الإجابة، وأولاده يغوث ويعوق ونسر، فلما مات صورت صورهم، فلما خلفت الخلوف، قالوا ما عظم هؤلاء آباؤنا إلا لأنها ترزق وتنفع وتضر، فاتخذوها آلهة.стр. 1576
صنم هذيل على ثلاثة أميال من مكة في شهر رمضان سنة ثمان.
قال عمرو: فانتهيت إليه وعنده السادن، فقال: ما تريد؟ فقلت أمرني رسول الله ﷺ أن أهدمه، قال: لا تقدر على ذلك. قلت: لم؟ قال: تمنع، فقلت: ويحك، وهل يسمع أو يبصر؟ قال: فدنوت منه فكسرته, ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.
الحواشي
(١) قال السهيلي: وكان بدء عبادتها في عهد مهلائيل بن قينان قبل نوح، وهي الجاهلية الأولى في أحد القولين، وفي البخاري عن ابن عباس: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح، في العرب بعد، وهي أسماء قوم صالحين، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسونها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد حتى هلك أولئك، ونسخ العلم، عبدت. "صنم هذيل" بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وسكون التحتية وباللام ابن مدركة بن إلياس بن مضر، روي عن ابن عباس: أن الطوفان دفنه، فأخرجه إبليس فعبد وصار لهذيل، وحج إليه.
وذكر ابن إسحاق: أنهم أول من اتخذه برهاط بضم الراء قرية جامعة بساحل البحر، "على ثلاثة أميال من مكة في شهر رمضان سنة ثمان" بعد سرية خالد على مفاد التعبير بثم، ولم نر خصوص يوم خروجه، ولا عدة من خرج معه.
"قال عمرو" بن العاصي "فانتهيت إليه وعنده السادن، فقال: ما تريد؟ فقلت: أمرني رسول الله ﷺ أن أهدمه، قال: لا تقدر على ذلك. فقلت: لم؟ قال: تمنع. فقلت" زاد ابن سعد وغيره حتى الآن أنت على الباطل، "ويحك وهل يسمع أو يبصر" حتى يمنعني، "قال: فدنوت منه فكسرته" زاد ابن سعد وغيره وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته، فلم نجد فيه شيئا، "ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله،" فهداه رب العالمين.стр. 1577
" هدم مناة ":
ثم سرية سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة،
الحواشي
(١) هدم مناة:
"ثم سرية" الترتيب ذكرى، لأنها لست بقين من رمضان، وسرية خالد لخمس، وكأنه قدمها للاهتمام، لأنها كانت لقريش "سعد" بسكون العين "ابن زيد الأشهلي إلى مناة" قرأ ابن كثير بالمد والهمزة والعامة بالقصر غير مهموز؛ لأن العرب سمت زيد مناة، وعبد مناة، ولم يسمع فيها المد ووقف عليها بالهاء، وبعضهم بالتاء، وقال بعضهم: ما كتب في المصحف بالتاء، يوقف عليه بالتاء، وما كتب بالهاء، يوقف عليه بالهاء، وأما قوله : ﴿الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ =стр. 1578
صنم للأوس والخزرج بالمشلل، في شهر رمضان، حين فتح مكة، فخرج في عشرين فارسا حتى انتهى إليها، قال السادن: ما تريد؟ قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك.
فأقبل سعد يمشي إليها، فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها، فضربها سعد بن زيد فقتلها، وأقبل إلى الصنم ومعه أصحابه فهدموه وانصرف راجعا إلى النبي ﷺ وكان ذلك لست بقين من رمضان.
الحواشي
(١) فالثالثة نعت لمناة، أي الثالثة للصنمين في الذكر، والأخرى نعت للثالثة، وإن كانت العرب لا تقول للثالثة الأخرى، قال الخليل لو فاق رءوس الآي، كقوله: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ ولم يقل أخر، وقيل: في الآية تقديم وتأخير مجازها: أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة، قاله في معالم التنزيل، "صنم للأوس والخزرج" ومن دان بدينهم من أهل يثرب، قاله ابن إسحاق.
زاد ابن سعد وغسان أي صنمهم قبل الهجرة، وكذا قول عائشة، كان الأنصار يهلون لمناة، وقال قتادة صنم لخزاعة، وقال الضحاك لها ولهذيل، وقال ابن زيد لبني كعب "بالمشلل" جبل على ساحل البحر يهبط منه إلى قديد، وقالت عائشة: كانوا يهلون لمناة وكانت حذو قديد، ومن الغريب ما وقع في معالم التنزيل عن بعضهم، أن اللات والعزى ومناة أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها، ولو كانت كذلك لأزالها في جملة ما أزاله من الأصنام، وما بعث إليها "في شهر رمضان حين فتح مكة، فخرج في عشرين فارسا حتى انتهى إليها، وعليها سادن. "قال السادن: ما تريد؟ قال": أريد, أو مرادي "هدم مناة، قال: أنت وذاك" تهكما لظنه أنه لا يقدر عليها، "فأقبل سعد يمشي إليها، فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس" بمثلثة منتشرة الشعر، "تدعو بالويل وتضرب صدرها", فقال السادن: مناة دونك بعض عصاتك، "فضربها سعد بن زيد فقتلها، وأقبل إلى الصم ومعه أصحابه فهدموه" ولم يجدوا في خزانته شيئا.
"وانصرف راجعا إلى النبي ﷺ ، وكان ذلك لست بقين من رمضان" فكان اللائق تقديمها على العزى، لكنه قدمها عليها تبعا للعيون, وغيرها لتقديمها في الذكر العزيز، وللاهتمام بشأن ذكر هدمها؛ لأنها كانت من أصنام قريش، كما قال أبو سفيان ليلة أسلم: كيف أصنع بالعزى، فقال له عمر: تخرأ عليها كما مر، ثم كون سعد هو المبعوث إليها، هو ما ذكره ابن سعد في طائفة.
وقال ابن إسحاق بعث ﷺ أبا سفيان بن حرب فهدمها، قال ابن هشام: ويقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه وعن بقية الصحابة والتابعين آمين والحمد لله رب العالمينстр. 1579
ثم سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، قبيلة من عبد القيس، أسفل مكة على ليلة بناحية يلملم، في شوال سنة ثمان. وهو يوم الغميصاء.
بعثه ﵊ لما رجع من هدم العزى، وهو ﷺ مقيم بمكة، وبعث معه ثلاثمائة وخمسين رجلا، داعيا إلى الإسلام لا مقاتلا، فلما انتهى إليهم قال: ما أنتم قالوا: مسلمين قد صلينا وصدقنا بمحمد، وبنينا المساجد في ساحاتنا.
الحواشي
(١) = "ثم سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة" قال الحافظ: بفتح الجيم، وكسر المعجمة، وسكون التحتية، ابن عامر بن عبد مناة بن كنانة، ووهم الكرماني، فظن أنهم من بني جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف، "قبيلة من عبد القيس". انتهى، فعجب من المصنف كيف جزم بما حكم شيخ الحافظ أنه وهم. وكذا قال إمام المغازي ابن إسحاق الجويني: جذيمة من كنانة، وتبعه الإمام اليعمري وغيره، وتحرفت في بعض النسخ الشامية من بالواو، وكانوا كما قال ابن سعد: أسفل مكة على ليلة بناحية يلملم" الميقات المعروف "في شوال سنة ثمان".
قال الحافظ: قبل الخروج إلى حنين، عند جميع أهل المغازي "وهو يوم الغميصاء" بضم الغين المعجمة، وفتح الميم، وسكون التحتية، فصاد مهملة ممدودة، قال في الروض: وتعرف بغزوة الغميصاء وهو اسم ماء لبني جذيمة، وفي القاموس الغميصاء موضع أوقع فيه خالد بن الوليد ببني جذيمة "بعثه ﵊ لما رجع من هدم العزى وهو ﷺ مقيم بمكة وبعث معه ثلاثمائة وخمسين رجلا" من المهاجرين والأنصار وبني سليم، قاله ابن سعد، وقال ابن إسحاق: حدثني حكيم بن حكيم بن عباد عن أبي جعفر يعني الباقر، قال: بعث ﷺ خالدا، حين افتتح كة داعيا ولم يبعثه مقاتلا، ومعه قبائل من العرب سليم بن منصور ومدلج بن مرة، فوطئوا بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فلما رأوا القوم أخذو السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا، وفي هذا الحديث رد على من زعم أنهم من عبد القيس، "داعيا إلى الإسلام له مقاتلا فلما انتهى إليهم قال: ما أنتم" قال البرهان الظاهر: أنه سألهم عن صفتهم، أي أمسلمون أنتم أم كفار؟ ولذا أتى بما دون من أو استعمل ما في العاقل، وهو شائع كمن لغيره وإن كان الأكثر أن من للعاقل وما لغيره، "قالوا": نحن "مسلمين" فنصب بتقدير فعل أو بتقدير الجار، أي نحن من قوم مسلمين كذا الرواية، بالياء في ابن سعد، كما في العيون وفي الشامي مسلمون بالواو، وهي ظاهرة "قد صلينا وصدقنا بمحمد" برسالته وبما جاء به، "وبنينا المساجد في ساحاتنا،" زاد ابن سعد: وأذنا فيها، قال: فما بال السلاح عليكم، قالوا: بيننا وبين قوم من العرب عداوة، فخفنا أن تكونوا هم. قال: فضعوا السلاح، فوضعوه.стр. 1580
وفي البخاري: لم يحسنوا أن يقولوا فقالوا: صبأنا.
فقال لهم: استأسروا فاستأسر القوم، فأمر بعضهم فكتف بعضا، وفرقهم في أصحابه، فلما كان السحر، نادى منادي خالد: من كان معه أسير فليقتله، فقتلت بنو سليم من كان بأيديهم، وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا أسراهم.
فبلغ ذلك النبي ﷺ من رجل فقال: "اللهم إني أبرأ إليك من فعل خالد". وبعث عليا فودى لهم قتلاهم.
الحواشي
(١) "وفي البخاري" عن ابن عمر بعث ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، "فلم يحسنوا أن يقولوا ذلك، فقالوا: صبأنا" لفظ البخاري أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا ... الحديث، وعاد المصنف لرواية ابن سعد دون بيان، فيوهم أنها من جملة عزوه للبخاري، وليس كذلك لكنه اتكل على شهرة ذلك، "فقال لهم: استأسروا فاستأسر القوم"، كذا في نسخ العيون برفع القوم فاعل استأسر اللازم، وفي نسخة فاستأسروا بزيادة واو ونصب القوم، وكأنها تحريف إذ يأباها قوله: "فأمر بعضهم فكتف" بفتح التاء مخففة "بعضا" لأنه بيان لقوله استأسروا "وفرقهم في أصحابه"، وفي البخاري: فجعل خالد يقتل منهم، ويأسر ودفع إلى كل رجل منا أسيرا، قال الحافظ: فيجمع بينه وبين كلام ابن سعد هذا، بأنهم أعطوا ما بأيديهم بغير محاربة، "فلما كان السحر، نادى منادي خالد: من كان معه أسير فليقتله،" لفظ الرواية فليذافه، والمذافة الإجهاز "بالسيف، فنقلها بالمعنى لأنه لم يقيد بها، "فقتلت بنو سليم من كان بأيديهم، أما المهاجرون والأنصار فأرسلوا" أطلقوا "أسراهم" ولم يذكر أسرى بني مدلج لأن هذا كلام ابن سعد، ولم يذكروا في روايته فأما أنهم لم يثبتوا عنده، أو أراد ببني سليم ما يشملهم.
وفي البخاري حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، وكان تامة ويوم بالتنوين، أي زمن لرواية ابن سعد، فلما كان السحر. وأصاب ابن عمر: هم المهجارون والأنصار، وفيه الخلف على نفي فعل الغير، إذ أوثق بطواعيته، كما في الفتح والمصنف، "فبلغ ذلك النبي ﷺ من رجل" انفلت منهم، ذكر ابن هشام في زيادته عن بعض أهل العلم، أنه انفلت رجل من القوم، فأتاه ﷺ فأخبره، قال: "هل أنكر عليه أحد"، قال: نعم رجل أبيض ربعة، فنبهه خالد فسكت، وأنكر عليه آخر طويل مضطرب فراجعه، فاشتدت مراجعتهما، فقال عمر: أما الأول فابني عبد الله، وأما الآخر فسالم مولى أبي حذيفة، فقال: "اللهم إني أبرأ إليك من فعل خالد" وبقية حديث ابن عمر عند البخاري، حتى قدمنا على النبي ﷺ ، فذكرناه له، فرفع يديه، فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد". مرتين، "وبعث عليا فودى لهم قتلاهم" ما ذهب منهم وعند ابن إسحاق من مرسلследующие страницы →