Полный текст (5 943 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
وأمر رسول الله ﷺ فنادى مناديه: من دخل المسجد فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن إلا المستثنين.
وهم كما قال مغلطاي وغيره:
عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
الحواشي
(١) كما أورده ابن إسحاق وغيره مفصلا فلخصه المصنف بقوله: "وأمر رسول الله فنادى مناديه" هو أبو سفيان كما علم: "من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن, ومن أغلق عليه بابه فهو آمن", فليس المراد أنه أمر المنادي بذلك حين سأله العباس والصديق كما قد يوهمه السياق، والحميت بفتح المهملة وكسر الميم وسكون التحتية وبالفوقية، قال: في الروض الزق نسبته إلى الضخم والسمن والدسم، بدال فسين مكسورة مهملتين الكثير الودك، والأحمس بحاء وسين مهملتين، قال في الروض: أي الذي لا خير عنده من قولهم عام أحمس إذا لم يكن فيه مطر. انتهى.
وفي النهاية الدسم الأحمس أي الأسود الدنيء، وفي حديث عبد بن حميد، أنها قالت: يا آل غالب اقتلوا الأحمس فقال لها أبو سفيان: والله لتسلمن أو لأضربن عنقك "إلا المستثنين" بوزن المصطفين فاصله متثنيين بياءين تحركت الأولى وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، "وهم كما قاله مغلطاي وغيره" كالحافظ قال في الفتح: قد جمعت أسماءهم من متفرقات الأخبار "عبد الله بن سعد بن أبي سرح" بفتح السين وسكون الراء، وبالحاء المهملات. ابن الحارث القرشي العامري، أول من كتب بمكة له ﷺ روى أبو داود، والحاكم عن ابن عباس، قال: كان عبد الله بن سعد يكتب للنبي ﷺ فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر ﷺ بقتله يعني يوم الفتح فاستجار له عثمان فأجاره أخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ، إنها أنزلت فيها، كان يكتب للنبي فيملي عليه عزيز حكيم فيكتب غفور رحيم، ثم يقرأ عليه فيقول نعم سواء فرجع عن الإسلام ولحق بقريش.
ورواه عن السدي بزيادة، وقال: إن كان محمد يوحى إليه فقد أوحي إليّ وإن كان الله ينزله فقد أنزلت مثل ما أنزل الله قال محمد: سميعا عليما فقلت أنا: عليما حكيما.
وروى الحاكم عن سعد بن أبي وقاص أنه اختبأ عند عثمان فجاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ وهو يبايع الناس، فقال: يا رسول الله بايع عبد الله فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه، فقال: "أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين كففت يدي عن مبايعته فيقتله"؟، فقال رجل: هلا أومأت إليّ، فقال: "إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين"، وأفاد سبطстр. 1507
أسلم.
وابن خطل قتله أبو برزة, وقينتاه وهما: فرتنى بالفاء المفتوحة والراء الساكنة والتاء المثناة الفوقية والنون. وقريبة بالقاف والراء والموحدة مصغرا, أسلمت إحداهما وقتلت الأخرى. وذكر غير ابن إسحاق أن التي أسلمت فرتنى وأن قريبة قتلت.
وسارة مولاة لبني المطلب.
الحواشي
(١) ابن الجوزي في مرآة الزمان أن الرجل عباد بن بشر الأنصاري وقيل: عمر. انتهى.
ثم أدركته العناية الأزلية وأتته السعادة الأبدية حتى "أسلم" وحسن إسلامه وعرف فضله وجهاده، وكان على ميمنة عمرو بن العاصي في فتح مصر، وكان له المواقف المحمودة في الفتوح، وهو الذي افتتح إفريقية زمن عثمان سنة ثمان أو سبع وعشرين وكان من أعظم الفتوح، بلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار، وغزا الأساود من النوبة سنة إحدى وثلاثين وهادن باقي النوبة الهدنة الباقية بعد وغزا ذات الصواري سنة أربع وثلاثين وولاه عمر صعيد مصر ثم ضم إليه عثمان مصر كلها، وكان محمودا في ولايته واعتزل الفتنة حتى مات سنة سبع أو تسع وخمسين.
روى البغوي بإسناد صحيح عن يزيد بن أبي حبيب، قال: لما كان عند الصبح، قال ابن أبي سرح: اللهم اجعل آخر عملي الصبح فتوضأ، ثم صلى فسلم عن يمينه، ثم ذهب يسلم عن يساره، فقبض الله روحه ﵁.
"وابن خطل" بفتح المعجمة والمهملة كما يأتي قريبا, ثم بعد قليل يأتي الخلاف في اسمه وقاتله، وأن الأرجح أنه "قتله أبو برزة" بفتح الموحدة وسكون الراء وفتح الزاي، آخره هاء، اسمه نضلة بن عبيد على الأصح بنون مفتوحة ومعجمة ساكنة. الأسلمي أسلم قبل الفتح وغزا سبع غزوات ثم نزل البصرة وغزا خراسان وبها مات سنة خمس وستين على الصحيح "وقينتاه" بفتح القاف وسكون التحتية فنون ففوقية تثنية قينة الأمة غنت أم لم تغن كثيرا ما يطلق على المغنية، وقد كانتا تغنيانه بهجوه ﷺ ، "وهما فرتنى بالفاء المفتوحة والراء الساكنة والتاء المثناة الفوقية" وتليها "النون" والقصر "وقريبة بالقاف والراء والموحدة، مصغرا" وضبطه الصغاني بفت القاف وكسر الراء، وأيده البرهان بقول الذهبي في المشتبه لم أجد أحدا بالضم لكن، قال في التقصير فيه نظر "أسلمت إحداهما" بعد أن هربت حتى استؤمن لها ﷺ . "وقتلت الأخرى" كذا وقع مبهما عند ابن إسحاق "وذكر غير ابن إسحاق أن التي أسلمت فرتنى" فلم تقتل "وأن قريبة قتلت وسارة مولاة لبعض بني المطلب" بن هاشم بن عبد مناف كذاстр. 1508
أسلمت، ويقال: كانت مولاة عمرو بن صيفي بن هاشم.
وأرنب -علم امرأة- وقريبة قتلت, وعكرمة بن أبي جهل: أسلم.
الحواشي
(١) وقع بإبهام البعض عند ابن إسحاق، "ويقال" في تعيين هذا البعض "كانت مولاة عمرو بن صيفي بن هاشم" بن المطلب بن عبد مناف وهي التي وجد معها كتاب حاطب ومر عند الفتح قيل: كانت مولاة العباس.
وفي السبل كانت نواحة مغنية بمكة فقدمت قبل الفتح وطلبت الصلة وشكت الحاجة، فقال ﷺ لها $"ما كان في غنائك ما يغنيك"، فقالت: إن قريشا منذ قتل من قتل منهم ببدر تركوا الغناء فوصلها وأوقر لها بعيرا طعاما فرجعت إلى قريش وكان ابن خطل يلقي عليها هجاء رسول الله فتغني به، فأسلمت قال ابن إسحاق، ثم تعبت حتى أوطأها رجل فرسا بالأبطح فقتلها في زمن عمر "وأرنب علم امرأة" ذكرها الحاكم، وأنها مولاة ابن خطل أيضا، قتلت، وأم سعد قتلت فيما ذكره ابن إسحاق ويحتمل أن تكون أرنب وأم سعد هما القينتان، اختلف في اسمهما باعتبار الكنية واللقب، قاله في الفتح. "وقريبة قتلت" كما تراه قريبا.
وتكلف شيخنا دفع التكرار فترجى أنه ذكره لضرورة أنه في ضمن من نقل عنه بقوله ويقال: وفيه وقفة "وعكرمة بن أبي جهل" بن هشام المخزومي، "أسلم" وحسن إسلامه واستشهد بالشام في خلافة أبي بكر على الصحيح.
روى الواقدي: أنه هرب ليلقي نفسه في البحر أو يموت تائها في البلاد وكانت امرأته أم حكيم، بنت عمه الحارث أسلمت قبله، فاستأمنت له رسول الله ﷺ .
وروى أبو داود، والنسائي، أنه ركب البحر فأصابتهم ريح عاصف فنادى عكرمة: اللات، والعزى، فقال أهل السفينة، أخلصوا فآلهتكم لا تغني عنكم شيئا ههنا، فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره اللهم لك عهد إن أنت عافيتي مما أنا فيه أن أتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا غفورا كريما فجاء فأسلم.
وروى البيهقي، عن الزهري، والواقدي، عن شيوخه أن امرأته، قالت: يا رسول الله قد ذهب عكرمة عنك إلى اليمن وخاف أن تقتله فأمنه فقال: هو آمن فخرجت في طلبه فأدركته وقد ركب سفينة ونؤتى بقول له أخلص أخلص قال: ما أقول؟ قال: قل: لا إله إلا الله قال: ما هربت إلا من هذا وإن هذا أمر تعرفه العرب والعجم حتى النواتي ما الدين إلا ما جاء به محمد، وغير الله قلبي وجاءت أم حكيم تقول ابن عم جئتك من عند أبر الناس وأوصل الناس وخير الناس لا تهلك نفسك إني قد استأمنت لك رسول الله فرجع وجعل يطلب جماعها فتأبى وتقول أنت كافر وأنا مسلمة، فقال: إن أمرًا منعك مني لأمر كبير فلما وافى مكة، قال ﷺ لأصحابه:стр. 1509
والحويرث بن نقيد: قتله علي.
ومقيس بن صبابة -بمهملة وموحدتين الأولى خفيفة- قتله نميلة الليثي.
وهبار بن الأسود وهو الذي عرض لزينب بنت رسول الله ﷺ حين هاجرت فنخس بها حتى سقطت على صخرة وأسقطت جنينها.
الحواشي
(١) "يأتيكم عكرمة مؤمنا، فلا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي". قال الزهري: وابن عقبة فلما رآه ﷺ وثب إليه فرحا به فوقف بين يديه ومعه زوجته متنقبة فقال: إن هذه أخبرتني إنك أمنتني فقال ﷺ : "صدقت فأنت آمن"، قال: إلام تدعو قال: "أدعو إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة"، وكذا حتى عد خصال الإسلام، قال: ما دعوت إلا إلى خير وأمر حسن جميل, قد كنت فينا يا رسول الله قبل أن تدعونا، وأنت أصدقنا حديثا وأبرنا. ثم قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم قال: يا رسول الله علمني خير شيء أقول. قال: "تقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله"، قال: ثم ماذا؟ قال: "تقول أشهد الله وأشهد من حضرني أني مسلم مجاهد مهاجر"، فقال عكرمة ذلك.
رواه البيهقي "والحويرث" بالتصغير "ابن نقيد" بنون وقاف مصغر بن وهب بن عبد بن قصي، قال البلاذري: كان يعظم القول فيه ﷺ وينشد الهجاء فيه ويكثر أذاه وهو بمكة، وقال ابن هشام وكان العباس حمل فاطمة وأم كلثوم، بنتي رسول الله ﷺ من مكة يريد بهما المدينة، فنخس الحويرث بهما الجمل فرمى بهما الأرض, وشارك هبارا في نخس جمل زينب لما هاجرت فأهدر دمه "قتله علي" وذلك أنه سأل عنه، وهو في بيته، قد أغلق عليه بابه فقيل: هو في البادية فتنحى علي عن بابه فخرج يريد أن يهرب من بيت إلى آخر فتلقاه علي فضرب عنقه، "ومقيس" بميم فقاف فسين مهملة "ابن صبابة بمهملة مضمومة وموحدتين الأولى خفيفة" كان أسلم، ثم أتى على أنصاري فقتله، وكان الأنصاري قتل أخاه هشاما خطأ في غزوة ذي قرد ظنه من العدو, فجاء مقيس فأخذ الدية، ثم قتل الأنصاري، ثم ارتد ورجع إلى قريش فأهدر دمه "قتله نميلة" تصغير نملة ابن عبد الله "الليثي" ويقال له: الكلبي نسبة لجده الأعلى كلب بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث وحيث يطلق الكلبي فإنما يراد به من كان من بني كلب بن وبرة كما في الإصابة. "وهبار" بفتح الهاء وشد الموحدة "ابن الأسود" بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي، الأسدي "أسلم" ﵁ بالجعرانة بعد الفتح وكان شديد الأذى للمسلمين، "وهو الذي عرض لزينب بنت رسول الله ﷺ حين هاجرت، فنخس بها حتى سقطت على صخرة، وأسقطت جنينها", ولم تزل مريضة حتى ماتت فأهدر دمه.стр. 1510
وكعب بن زهير أسلم, وهند بنت عتبة أسلمت, ووحشي بن حرب, أسلم
الحواشي
(١) أخرج الواقدي عن جبير بن مطعم، قال: كنت جالسا مع رسول الله ﷺ منصرفه من الجعرانة فطلع هبار, فقالوا: يا رسول الله هبار بن الأسود، قال: قد رأيته فأراد رجل القيام إليه فأشار إليه أن اجلس فوقف هبار، وقال: السلام عليك يا نبي الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله, وقد هربت منك في البلاد، وأردت اللحاق بالأعاجم، ثم ذكرت عائدتك وصلتك وصفحك عمن جهل عليك وكنا يا رسول الله أهل شرك، فهدانا الله بك وأنقذنا من الهلكة فاصفح عن جهلي، وعما كان يبلغك عني فإني مقر بسوء فعلي معترف بذنبي، فقال ﷺ : "قد عفوت عنك وقد أحسن الله إليك حيث هداك إلى الإسلام، والإسلام يجب ما قبله".
وروى ابن شاهين من مرسل الزهري، أن هبارا لما قدم المدينة جعلوا يسبونه فشكا ذلك له ﷺ فقال: "سب من سبك". فكفوا عنه.
"وكعب بن زهير" ذكره الحاكم "أسلم" بعد ذلك ومدح وتأتي قصته، "وهند بنت عتبة" بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية زوجة أبي سفيان، ذكره الحاكم فيمن أهدر دمه. "أسلمت" فأتته ﷺ بالأبطح، وقالت: الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه لتمسني رحمتك يا محمد. إني امرأة مؤمنة بالله مصدقة به ثم كشفت نقابها، فقالت: أنا هند بنت عتبة، فقال ﷺ : مرحبا بك ثم أرسلت إليه بهدية جديين مشويين، وقديد مع جارية لها فقالت: إنها تعتذر إليك وتقول لك: إن غنمنا اليوم قليلة الوالدة، فقال ﷺ : "بارك الله لكم في غنمكم وأكثر والدته". فلقد رأينا من كثرتها ما لم نره قبل ولا قريبا فتقول هند: هذا بدعائه ﷺ ثم تقول: لقد كنت أرى في النوم أني في الشمس أبدا قائمة، والظل قريب مني لا أقدر عليه، فلما دنا ﷺ رأيت كأني دخلت الظل. أورده الواقدي بأسانيده.
وروى الشيخان عن عائشة: قالت هند بن عتبة: يا رسول الله ما كان لي على ظهر الأرض من أهل خباء أريد أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على وجه الأرض أحب إليّ من أن يعزوا من أهل خبائك.
"ووحشي بن حرب أسلم" قاتل حمزة ﵄ صح عنه أنه لما قتله بأحد قال: أقمت بمكة حتى فتحت فهربت إلى الطائف، فكنت به فلما خرج وفد الطائف ليسلموا، ضاقت عليّ المذاهب فقلت: ألحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد, فوالله إني لفي ذلك من همي، إذ قال لي رجل: ويحك والله إنه ما يقتل أحدا دخل في دينه، فخرجت حتى قدمت عليه فلم يرعه إلا بي قائما على رأسه أشهد شهادة الحق. فلما رآني قال: "وحشي". قلت: نعم يا رسول الله. قال: "اقعد فحدثني كيف حمزة". فحدثته فلما فرغت, قال: "ويحك غيب وجهك عني"، فكنتстр. 1511
انتهى. وابن خطل بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة. وابن نقيد بضم النون وفتح القاف وسكون المثناة التحتية آخره دال مهملة مصغرا.
ومقيس: بكسر الميم وسكون القاف وفتح المثناة التحتية آخره مهملة.
وقد جمع الواقدي عن شيوخه أسماء من لم يؤمن يوم الفتح وأمر بقتله عشرة أنفس، ستة رجال، وأربع نسوة.
الحواشي
(١) أتنكب رسول الله ﷺ حيث كان لئلا يراني حتى قبضه الله "انتهى" ما قاله مغلطاي وغيره.
وقال الحافظ في الفتح قد جمعت أسماءهم من مفرقات الأخبار فذكر هؤلاء وزاد وذكر أبو معشر فيمن أهدر دمه الحارث بن طلاطل الخزاعي قتله علي وأم سعد قتلت، ثم قال: فكملت العدة تسعة رجال، وست نسوة، ويحتمل أن أرنب، وأم سعد هما القينتان، اختلف في اسمهما باعتبار الكنية واللقب أي فيكون النساء أربعا "وابن خطل بفتح الخاء المعجمة" وفتح "الطاء المهملة" وباللام، واسم خطل عبد مناف من بني تيم بن فهر بن غالب "وابن نقيد بضم النون وفتح القاف وسكون المثناة التحتية آخره دال مهملة مصغرا ومقيس بكسر الميم، وسكون القاف، وفتح المثناة التحتية آخره مهملة".
"وقد جمع الواقدي" محمد بن عمر بن واقد الأسلمي أبو عبد الله المدني "عن شيوخه أسماء من لم يؤمن" بضم الياء وشد الميم مبني للمفعول أي الذين لم يؤمنهم ﷺ "وأمر بقتله عشرة أنفس ستة رجال" هم: ابن سعد، وابن خطل, وعكرمة، والحويرث، ومقيس, وهبار "وأربع نسوة" قينتا ابن خطل، وسارة، وأرنب. وعد صاحب إنسان العيون ممن لم يؤمن: الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية، وصفوان أسلموا، وزهير بن أبي سلمى، فأما الأخير فغلط قطعا لأنه والد كعب بن زهير ولم يدرك الإسلام، كما أخرجه ابن إسحاق وغيره، ويأتي في قصة ابنه كعب.
وأما الثلاثة قبله فيتوقف على رواية، أنه ﷺ أهدر دماءهم، فإن كانت شبهته في الأولين أن أم هانئ أجارتهما، وقد كان شقيقها علي أراد قتلهما، فقال ﷺ قد أجرنا من أجرت، فهذا ليس فيه أنه كان أهدر دمهما, وإرادة علي قتلهما، لكونهما كانا ممن قاتل خالدا، ولم يقبلا الأمان وفي صفوان خوفه وهروبه من النبي ﷺ حين استأمنه له ابن عمه عمير بن وهب، فهذا ليس فيه ذلك أيضا فهروبه لعلمه بشدة ما فعل، ومن جملته أنه ممن جمع، وقاتل خالدا وبغضا في الإسلام حتى هداهم الله.
وقد هرب ابن الزبعرى وطائفة لم تهدر دماؤهم خوفا وبغضا، وبالجملة فزيادة لم يوجد في كلام الحفاظ النص عليها مع قول خاتمتهم جمعها من مفرقات الأخبار، مع تكلمه علىстр. 1512
وروى أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: أقبل رسول الله ﷺ وقد بعث على أحد المجنبتين خالد بن الوليد، وبعث الزبير على الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر -بضم المهملة وتشديد السين المهملة، أي الذي بغير سلاح- فقال لي: "يا أبا هريرة اهتف بالأنصار"، فهتف بهم فجاءوا فطافوا به، فقال: "أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم"، ثم قال بإحدى يديه على الأخرى: "احصدوهم حصدا، حتى توافوني بالصفا". قال أبو هريرة: فانطلقنا، فما نشاء أن نقتل أحدا منهم
الحواشي
(١) حديث أم هانئ في شرح الصحيح غير مرة لا تقبل إلا بثبت والله أعلم.
"وروى أحمد والنسائي عن أبي هريرة قال: أقبل رسول الله ﷺ " فدخل مكة "وقد بعث على إحدى المجنبتين" بضم الميم، وفتح الجيم، وكسر النون المشددة، قال في النهاية، مجنبة الجيش هي التي في الميمنة والميسرة، وقيل الكتيبة، تأخذ إحدى ناحيتي الطريق، والأول أصح "خالد بن الوليد".
وفي رواية ابن إسحاق من مرسل ابن أبي نجيح أن خالدا كان على المجنبة اليمنى، "وبعث الزبير على الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر بضم الحاء المهملة وتشديد السين المهملة" فراء "أي الذين بغير سلاح", كما قاله في الفتح، وقال في النور: وهم الذين لا دروع لهم. انتهى.
فيحتمل أنها المراد بالسلاح المنفي لا مطلقا إذ الذاهب للقتال لا يخرج بلا سلاح البتة. وفي مسلم أيضا أن أبا عبيدة كان على البياذقة بتفح الموحدة وخفة التحتية فألف فذال معجمة، فقاف فتاء تأنيث أي: الرجالة فارسية معربة وكلاهما في العيون، خلافا لما أوهمه الشارح وفي مسلم وغيره أن قريشا وبشت أوباشها وأتباعها، فقالوا: تقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا فرآني ﷺ , فقال لي: "يا أبا هريرة" قلت: لبيك قال: "اهتف" صح "بالأنصار" ولا يأتيني إلا أنصاري، "فهتف بهم، فجاءوا، فطافوا به" داروا حوله وحكمة تخصيصهم عدم قرابتهم لقريش، فلا تأخذهم بهم رأفة، فقال: "أترون إلى أوباش قريش" بفتح الهمزة، وسكون الواو، وبموحدة، فألف فمعجمة الجموع من قبائل شتى "وأتباعهم"، ثم قال: بإحدى يديه على الأخرى: "احصدوهم" بهمزة وصل فإن ابتدأت ضممت وبالحاء والصاد، المهملتين "حصدا" أي اقتلوهم وبالغوا في استئصالهم "حتى توافوني الصفا" قال الحافظ: والجمع بين هذا وبين ما مر من تأمينه لهم أن التأمين علق بشرط وهو ترك قريش المجاهرة بالقتال، فلما جاهروا به واستعدوا للحرب انتفى التأمين "قال أبو هريرة، فانطلقنا فما نشاء أن نقتل أحدًا منهمстр. 1513
إلا قتلناه، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله! أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم. فقال ﷺ : "من أغلق بابه فهو آمن".
قال في فتح الباري: وقد تمسك بهذه القصة من قال: إن مكة فتحت عنوة، وهو قول الأكثر.
وعن الشافعي، وهو رواية عن أحمد: أنها فتحت صلحا، لما وقع في هذا من التأمين، ولإضافة الدور إلى أهلها؛ لأنها لم تقسم؛ ولأن الغانمين لم يملكوا دورها. وإلا لجاز إخراج أهل الدور منها.
وحجة الأولين: ما وقع التصريح به من الأمر بالقتال، ووقوعه من خالد بن الوليد، وبتصريحه ﵊ بأنها أحلت له ساعة، من نهار، ونهيه عن التأسي به في ذلك.
وأجابوا عن ترك القسمة: بأنها لا تستلزم عدم العنوة، فقد تفتح البلد عنوة ويمن
الحواشي
(١) إلا قتلناه, فجاء أبو سفيان، فقال: يا رسول الله أبيحت" بالبناء، للمفعول أي انتهبت وتم هلاكها.
وفي رواية لمسلم أيضا أبيدت ببنائه للمفعول أي أهلكت "خضراء قريش" بخاء مفتوحة وضاد ساكنة معجمتين وبالمد جماعتهم وأشخاصهم والعرب تكنى بالسواد عن الخضرة وبها عن السواد "لا قريش بعد اليوم" وهذا صريح في أنهم أثخنوا فيهم القتل بكثرة فهو مؤيد لرواية الطبراني، أن خالدا قتل منهم سبعين, فقال ﷺ : "من أغلق بابه فهو آمن" زاد في رواية: "ومن ألقى سلاحه فهو آمن". فألقى الناس سلاحهم، وغلقوا أبوابهم، "قال في فتح الباري: وقد تمسك بهذه القصة من قال: إن مكة فتحت عنوة" أي بالقهر والغلبة "وهو قول الأكثر" من العلماء.
"وعن الشافعي: وهو رواية عن أحمد أنها فتحت صلحا لما وقع في هذا من التأمين" ويأتي الجواب عنه، بأنه إنما يكون صلحا إذا كف المؤمن عن القتال وقريش لم تلتزم ذلك، بل استعدوا للحرب وقاتلوا "ولإضافة الدور إلى أهلها ولأنها لم تقسم ولأن الغانمين لم يملكوا دورها وإلا لجاز إخراج أهل الدور منها".
"وحجة الأولين ما وقع التصريح به" في الأحاديث الصحيحة "من الأمر بالقتال ووقوعه من خالد بن الوليد، وتصريحه ﵊ بأنها حلت له ساعة من نهار ونهيه عن التأسي به في ذلك"؛ لأنه من خصائصه، فهذه أرع حجج قوية كل منها بانفراده كاف في الحجية, "وأجابوا عن ترك القسمة بأنها لا تستلزم عدم العنوة فقد تفتح البلد عنوة ويمنстр. 1514
عن أهلها، ويترك لهم دورهم.
الحواشي
(١) عن أهلها ويترك لهم دورهم" وغنائمهم، ولأن قسمة الأرض المغنومة ليست متفقا عليها، بل الخلاف ثابت عن الصحابة، فمن بعدهم وقد فتحت أكثر البلاد عنوة، فلم تقسم وذلك في زمن عمر وعثمان مع وجود الصحابة.
وقد زادت مكة، بأمر يمكن أن يدعى اختصاصها به دون بقية البلاد، وهي دار النسك ومتعبد الخلق وقد جعلها الله تعالى حرما سواء العاكف فيه والبادي، هذا أسقطه المصنف من كلام الفتح، وسلم له تلامذته وغيرهم.
هذه الأدلة والأجوبة لأنها كالشمس في رابعة النهار، حتى جاء سميه الشهاب الهيثمي، فأجاب عن احتجاج الجمهور الأول بأن قوله حتى توافوني بالصفا إنما كان لخالد ومن معه الداخلين من أسفلها، فقوله احصدوهم أي إن قاتلوكم، وهذا الحصر منه عجيب.
فالحديث الصحيح بعين الأنصار فحصر في غيرهم نظرا لمذهبه يعين الانتصار مع أن خالد لم يكن معه من الأنصار أحد إنما كان في قبائل قضاعة وسليم، ومزينة، وجهينة، وغيرهم من قبائل العرب كما قاله ابن إسحاق وغيره من أئمة السير، وقوله أي إن قاتلوكم برده قول أبي هريرة، في صحيح مسلم وغيره، فانطلقنا فما نشاء أن نقتل أحدا منهم إلا قتلناه وما أحد يوجه إلينا منهم شيئا فصرح بخلاف تأويله على أن كون المراد إن قاتلوكم ينتج المدعي، وأن قريشا لم تلتزم التأمين فقاتلوهم حتى دخلوه عنوة وبهذا بطل جوابه عن الثاني بأن قتال خالد إنما كان لمن قاتله، كما أمره ﵊, قال: وبفرض، أنه باجتهاده فلا عبرة به مع رأيه صلى الله علي وسلم وفيه نظر فإنه بفرض ذلك قد أقره عليه سيد الخلق ولم يعنفه بل قال: "قضاء الله خير"، وأجاب عن الثالث، بأن حلها لا يستلزم وقوع القتال لمن لم يقاتله، وكم أحل له أشياء لم يفعلها وليس بشيء فهو عقلي مدفوع بالنقل كيف، وفي حديث مسلم كما نرى: أن الأنصار قاتلوا من لم يقاتلهم بأمره ﵊ وقواه: "احصدوهم حصدا". وفي الصحيحين، والترمذي، والنسائي، قوله ﷺ : "فإن أحد ترخص لقتال رسول الله فيها، فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم". فقد صرح الدليل الصحيح بأن هذا من الأشياء التي أحلت له وفعلها، وأجاب عن الرابع بأن عدم القسمة ليس دليلا مستقلا بل مقويا يقال عليه لا تلازم فلا تقوية فيه وزعمه إمكان أنه دليل لأنه الأصل في عدم القسمة مدفوع بقيام الدليل على خلافه وهو أمره بالقتال وأنه من خصائصه فتعين حمله على أنه منّ عليهم بالأرض والأنفس، كما قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء". زعمه أن معناه الذين أطلقوا واسطة تركهم للقتال من أن يؤسروا أو يسترقوا فهو دليل الصلح لا العنوة، تعسف, إذ الطليق كما قاله في النهاية وتبعه في الفتح وغيره الأسير إذا أطلق، فتفسيرهстр. 1515
قال: وأما قول النووي: واحتج الشافعي بالأحاديث المشهورة أن النبي ﷺ صالحهم بمر الظهران قبل دخول مكة ففيه نظر؛ لأن الذي أشار إليه، إن كان مراده ما وقع من قوله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن". كما تقدم وكذا: "من دخل المسجد". كما عند ابن إسحاق, فإن ذلك لا يسمى صلحا إلا إذا التزم من أشير إليه بذلك الكف عن القتال.
الحواشي
(١) بما زعمه خلاف مدلوله بل يأباه الحديث، فإن قوله ﷺ : "ماذا تقولون, ماذا تظنون ". قالوا: نقول خيرا ونظن خيرا أخ كريم، وابن أخ كريم، وقد قدرت، فقال ﷺ : "فإني أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ اذهبوا، فأنتم الطلقاء".
رواه البخاري، وأحمد وغيرهما، يدل على العنوة إذ لو كان ثم صلح ما كان لقوله ذلك لهم معنى ولا لقولهم له: قد قدرت؛ لأنه لو وقع ذلك لم يكن عندهم خوف أصلا، وقد قال في الحديث بعد قوله: "فأنتم الطلقاء". فخرجوا كأنما نشروا من لقبور فدخلوا في الإسلام.
"قال" في فتح الباري عقب ما قدمت أن المصنف أسقطه من كلامه.
"وأما قول النووي: واحتج الشافعي، بالأحاديث المشهورة، أن النبي ﷺ صالحهم بمر الظهران قبل دخول مكة، ففيه نظر لأن الذي أشار له إن كان مراده ما وقع من قوله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن". "كما تقدم" والأمان في معنى الصلح "وكذا": "من دخل المسجد فهو آمن". "كما عند ابن إسحاق فإن ذلك لا يسمى صلحا إلا إذا التزم من أشير به بذلك الكف عن القتال".
"والذي ورد في الأحاديث الصحيحة ظاهر في أن قريشا لم يلتزموا ذلك لأنهم استعدوا للحرب" أجاب سميه بأن أكابرهم كفوا عن القتال، ولم يقع إلا من أخلاطهم في غير الجهة التي دخل منها ﷺ ولا عبرة بها ولا بمن بها لأنهم كانوا أخلاطا لا يعبأ بهم، كما أطبق عليه أئمة السير، كذا قال. وليت شعري من أئمة السير الذين زعمهم وأئمتهم ابن إسحاق، والواقدي، وابن سعد، وغيرهم يقولون: إن صفوان بن أمية, وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو دعوا إلى قتاله ﷺ وجمعوا ناسا من قريش وغيرهم بالخندمة، وقاتلوا حتى هزمم الله أفما هؤلاء من أكابر قريش؟ أما سهيل كان صاحب الهدنة يوم الحديبية، ألم يأب من كتب البسملة ورسول الله ألم يمتنع من إجازة ابنه المسلم للمصطفى مع قوله: "أجزه لي". غير مرة.
أما عكرمة وصفوان من أجلاء يوم أحد والأحزاب، وقتال جيشه ﷺ ، وأن في غير الجهة التي دخل منها هو قتال له، ألم تر أن سبب الفتح هو نقضهم عهد الحديبية بقتال حلفائه خزاعة، وإنما دخل عليه من قوله: "انظروا إلى أوباش قريش وأتباعهم"، فظن أنه لم يكن فيهم أحدстр. 1516
والذي ورد في الأحاديث الصحيحة ظاهر في أن قريشا لم يلتزموا ذلك لأنهم استعدوا للحرب. وإن كان مراده بالصلح وقوع عقده فهذا لم ينقل، ولا أظنه عني إلا لاحتمال الأول وفيه ما ذكرته. انتهى.
ثم دخل ﷺ مكة في كتيبته الخضراء.
الحواشي
(١) من أكابرهم، "وإن كان مراده" أي النووي ﵀ "بالصلح، وقوع عقده فهذا لم ينقل", فلا ينبغي أن يكون مراد مثل النووي، "ولا أظنه عني إلا الاحتمال الأول وفيه ما ذكرته" من أنهم لم يلتزموا الأمان واستعدوا للحرب، وقد علمت أنه المنقول عند أصحاب السير وغيرهم وزعم سميه أنه بفرض تأهبهم للقتال فلا يقتضي رد الصلح؛ لأنه الخوف بادرة تقع من شواذ ذلك الجيش الحافل لا سيما قد سمعوا قول سعد: اليوم يوم الملحمة، كذا قال وإنه لعجيب قوله بفرض مع قول الأئمة، دعوا إلى القتال، ونفيه اقتضاءه لعلته الباردة مردود بما صرحوا به من أن الذين اجتمعوا بالخندمة أقسموا بالله لا يدخلها محمد عليهم عنوة أبدا، فقاتلوا حتى هزموا "انتهى" كلام فتح الباري، ثم قال بعد كلام طويل وجنحت طائفة منهم الماوردي إلى أن بعضها فتح عنوة، وقد رد ذلك الحاكم في الإكليل، والحق أن صورة فتحها عنوة، وعومل أهلها معاملة من دخلت بأمان، ومنع جمع منهم السهيلي، ترتب عدم قسمتها، وجواز بيع دورها وإجارتها على أنها فتحت صلحا.
أما الأول فالإمام مخير في قسمة الأرض بين الغانمين إذا انتزعت من الكفار وبين إبقائها وقفا على المسلمين، ولا يلزم من ذلك منع بيع الدور وإجارتها.
وأما ثانيا فقال بعضهم: لا تدخل الأرض في حكم الأموال؛ لأن من مضى كانوا إذا غلبوا على الكفار، لم يغنموا الأموال، وتنزل النار فتأكلها وتصير الأرض لهم عموما كما قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةً﴾ الآية، وقال: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ الآية. انتهى.
"ثم" كما قال ابن إسحاق وغيره لما ذهب أبو سفيان إلى مكة بعدما عاين جنود الله, وانتهى المسلمون إلى ذي طوى، فوقفوا ينتظرونه ﷺ حتى تلاحق الناس، فأقبل معتجرا بشقة برد حبرة حمراء "دخل ﷺ " بهم "مكة" وهو يقرأ سورة الفتح يرجع صوته بالقراءة، كما أخرجه الشيخان "في كتيبته الخضراء" قال ابن هشاك: إنما قيل الخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها قال حسان:
لما رأى بدرا تسير جلاهه ... بكتيبة خضراء من بالخزرج
والعرب تكني بالخضرة عن السواد، وبه عنها كما مر، ولعله إيثار للون المحبوب لنفرة النفس من السواد, ولا يرد قول جابر أنه ﷺ دخل مكة، وعليه عمامة سوداء بغير إحرام, وقول عمرو بن حريث: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء حرقانية، قدстр. 1517
وهو على ناقته القصواء بين أبي بكر وأسيد بن حضير، فرأى أبو سفيان ما لا قبل له به، فقال العباس: يا أبا الفضل! لقد أصبح ملك ابن أخيك ملكا عظيما. فقال العباس: ويحك، إنه ليس بملك ولكنها نبوة. قال: نعم.
الحواشي
(١) أرخى طرفها بين كتفيه.
رواهما مسلم لأن ذلك إشارة إلى أن هذا الدين لا يغير، كما أن السواد لا يقبل التغير بل جميع الألوان ترجع إليه ولا يرجع هو إلى لون منها، "وهو على ناقته القصواء" مردفا أسامة "بين أبي بكر" الصديق، "وأسيد بن حضير" بتصغيرهما، وفي كتيبته المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد.
قاله ابن إسحاق، والواقدي وغيرهما، وتبعهم ابن سيد الناس، والشامي، الذين في يد الشارح فعجيب قوله: ذكر أبي بكر هنا لا ينافي أن كتيبته ﷺ كانت من الأنصار؛ لأن المراد: أن معظمها كان من الأنصار، وكان ذلك دخل عليه من العبارة الثانية التي في ابن سيد الناس، وهي: فأقبل ﷺ في كتيبة الأنصار، وغفل عن الأولى فوهم.
وأما ما رواه الطبراني، عن علي أنه ﷺ دخل يوم الفتح بين عتبة ومعتب ابني أبي لهب، يقول للناس: "هذان أخواي، وابنا عمي". فرحا بإسلامهما، "استوهبتهما من الله فوهبهما لي". فهذا لما دخل المسجد بعد ذلك في أيام إقامته بعد أن أسلما.
وقد روى ابن سعد عن العباس لما قدم ﷺ مكة في الفتح قال لي: "يا عباس أين ابنا أخيك عتبة ومعتب لا أراهما"؟. قلت: تنحيا فيمن تنحى من مشركي قريش. قال: "اذهب فائتني بهما". فركبت إلى عرفة فأتيتهما، فقلت: إن رسول الله ﷺ يدعوكما فركبا معي مسرعين، فدعاهما فأسلما، وبايعا، فقال ﷺ : "إني استوهبت ابني عمي هذين من ربي فوهبهما لي".
قال في الإصابة: ويجمع بينه وبين حديث علي بأنه دخل المسجد بينهما بعد أن أحضرهما العباس "فرأى أبو سفيان ما لا قبل" بكسر ففتح: طاقة "له به، فقال للعباس: يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك ملكا" لفظ ابن إسحاق الغداة بدل ملكا "عظيما، فقال العباس: ويحك" نصب وجوبا لإضافته، فإن لم يضف كويح لزيد جاز رفعه على الابتداء ونصبه بإضمار فعل.
وحكى ابن عصفور أنه استعمل من ويح فعل واح ويحا. "إنه ليس بملك ولكنه نبوة. قال: نعم".
قال السهيلي: قال شيخنا أبو بكر يعني ابن العربي إنما أنكر ذكر الملك مجردا عن النبوة، مع أنه كان أول دخوله في الإسلام، وإلا فجائز أن يسمى مثل هذا ملكا وإن كان لنبي، فقد قال الله تعالى لداود: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ، وقال سليمان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ غير أن الكراهةстр. 1518
وروي أنه ﷺ وضع رأسه تواضعا لله لما رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن رأسه لتكاد تمس رحله شكرا وخضوعا لعظمته أن أحل له بلده، ولم يحله لأحد قبله ولا لأحد بعده.
الحواشي
(١) أظهر في تسمية حاله ﷺ ملكا لأنه خير بين أن يكون نبيا عبدا أو نبيا ملكا، فالتفت إلى جبريل فأشار إليه، أن تواضع، فقال: "بل نبيا عبدا أشبع يوما وأجوع يوما". وإنكار العباس يقوي هذا المعنى، وأمر الخلفاء الأربعة بعده يكره أيضا أن يسمى ملكا لقوله ﷺ : "تكون بعدي خلفاء، ثم تكون أمراء, ثم تكون ملوك، ثم جبابرة"، ويروى: "ثم تكون بزيزيا" وهو تصحيف. قال الخطابي: إنما هو فريرا أي: قتل وسلب. انتهى.
وروى الحافظ محمد بن يحيى الدهلي، بالذال واللام من مرسل سعيد بن المسيب، لما دخل ﷺ مكة ليلة الفتح لم يزالوا في تكبير وتهليل وطواف بالبيت حتى أصبحوا، فقال أبو سفيان: قلت لهند: أترين هذا من الله؟ ثم أصبح فقال له ﵇: "قلت لهند أترين هذا من الله؟ ". قال: "نعم هذا من الله". فقال أبو سفيان: أشهد أنك عبد الله ورسوله والذي يحلف به ما سمع قولي هذا إلا الله وهند.
"وروي" عن ابن إسحاق من مرسل شيخه عبد الله بن أبي بكر "أنه ﷺ " وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة أحمر، "وضع رأس تواضعا لله لما رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى أن رأسه" لفظ ابن إسحاق عثنونه، وهو بضم المهملة والنون بينهما مثلثة ساكنة، أي لحيته "لتكاد تمس رحله" لفظه أيضا واسطة الرحل فكان المصنف عبر بالرأس، لأنه الظاهر للرائي غالبا عند الخفض وهو الذي يرفعه المتكبرون عادة دون بقية الأجزاء، وقد روى الحاكم، بسند جيد قوي عن أنس قال: لما دخل ﷺ مكة يوم الفتح استشرفه الناس فوضع رأسه على رحله متخشعا.
وروى الواقدي عن أبي هريرة دخل ﷺ يومئذ حتى وقف بذي طوى وتوسط الناس، وأن عثنونه ليمس واسطة رحله أو يقرب منها تواضعا لله حين رأى ما رأى من فتح الله وكثرة المسلمين، ثم قال: "اللهم إن العيش عيش الآخرة"، وجعلت الخيل تجمع بذي طوى في كل وجه، ثم ثابت وسكنت، حتى توسطهم ﷺ فأفاد أن ابتداء فعله ذلك من ذي طوى واستمر حتى دخل مكة "شكرا وخضوعا لعظمته" أي لذاته المتصفة بالعظمة.
فالعظمة هي المجموع من الذات والصفات، فلا يرد أن الخضوع إنما هو للذات "أن أحل له بلده" أي القتال فيه ومع ذلك، فلا خلاف أنه لم يجر فيها قسمة غنيمة، ولا سبى من أهلها أحدا بل منّ عليهم بأموالهم وأنفسهم، كما في الروض وغيره وعند أبي داود، بإسناد حسن عن جابر، أنه سئل هل غنمتم يوم الفتح شيئا؟ قال: لا "ولا يحله لأحد قبله ولا لأحد بعده", كماстр. 1519
وفي البخاري من حديث أنس أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر -وهو بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، وفي الحكم: هو ما يجعل من فضل درع الحديد الرأس مثل القلنسوة- فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه".
وفي حديث سعيد بن يربوع.
الحواشي
(١) أخبر ﵇.
وروى الطبراني عن أبي سعيد الخدري، قال ﷺ يوم الفتح: "هذا ما وعدني ربي"، ثم قرأ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ .
"وفي البخاري" في الحج، والجهاد والمغازي، واللباس، ومسلم، والسنن الأربعة كلهم. "من حديث" مالك عن ابن شهاب عن "أنس أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح، وعلى رأسه المغفر" وفي رواية عن مالك خارج الموطأ: مغفر من حديد.
رواه الدارقطني من رواية عشرة عن مالك كذلك، وفي بعضها أنه قال: "من رأى منكم ابن خطل فليقتله". وفي بعضها: كان يهجوه بالشعر "وهو بكسر الميم وسكون الغين المعجمة" وفتح الفاء بعدها "راء "زرد ينسج من" زرد "الدروع" المتصل بها جمع درع وهو ما يلبس من الحديد، كالثوب "على قدر الرأس وفي الحكم" لابن سيده "وهو ما يجعل من فضل" زيادة "درع الحديد" المتصل به "على الرأس مثل القلنسوة" والعبارتان بمعنى وإنما أتى بعبارة المحكم لزيادته فيها على الرأس لأن قوله في الأولى على قدر لا يلزم منه كونها عليه وأما مثل القلنسوة، فمفاد قول الأولى على قدره زاد المصنف في الحج أو رفرف البيضة، أو ما غطى الرأس من السلاح، كالبيضة "فلما نزعه جاء رجل" قال الحافظ: لم يسم، وتبعه المصنف في المغازي، وقال في الحج: هو أبو برزة الأسلمي كما جزم به الفاكهاني في شرح العمدة، والكرماني.
قال البراوي: وكذا ذكره ابن طاهر، وغيره وقيل: سعيد بن حريث. انتهى.
"فقال ابن خطل متعلق بأستار الكعبة" وذلك أنه خرج، كما ذكر الواقدي إلى الخندمة ليقاتل على فرس وبيده قناة، فلما رأى خيل الله والقتال دخله رعب حتى ما يستمسك من الرعدة فرجع حتى انتهى إلى الكعبة، فنزل عن فرسه وطرح سلاحه، ودخل تحت أستار الببيت فأخذ رجل من بني كعب سلاحه وفرسه فاستوى عليه وأخبر المصطفى. فقال: "اقتلوه ".
زاد الوليد بن مسلم عن مالك فقتل، أخرجه ابن عائذ، وصححه ابن حبان "وفي حديث سعيد بن يربوع" القرشي، المخزومي، صحابي كان اسمه الصرم، ويقال: أصرم فغيره ﵇.стр. 1520
عند الدارقطني والحاكم: أن رسول الله ﷺ قال: "أربعة لا أؤمنهم في حل ولا حرم: الحويرث وهلال بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن أبي سرح". قال: فأما هلال بن خطل قتله الزبير. الحديث.
وفي حديث سعد بن أبي وقاص عند البزاز والحاكم والبيهقي في الدلائل نحوه، لكن قال: أربعة نفر وامرأتان وقال: "اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة". فذكره. لكن قال: عبد الله بن خطل بدل هلال، وقال عكرمة بدل الحويرث، ولم يسم المرأتين. وقال: فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا، وكان أشب الرجلين فقتله. الحديث.
وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي عثمان.
الحواشي
(١) مات سنة أربع وخمسين وله مائة وعشرون سنة أو أزيد.
"عند الدارقطني والحاكم أن رسول الله ﷺ قال: "أربعة لا أؤمنهم في حل، ولا" في "حرم" إن استمروا على كفرهم فلا ينافي أنه أمن ابن أبي سرح، لإسلامه أو هو من سلب العموم لا عموم السلب أي لا أؤمن جملتهم والأول أظهر هنا "الحويرث وهلال بن خطل، ومقيس بن صبابة وعبد الله بن أبي سرح" وكأنه خصهم بالذكر لشدة ما وقع منهم، من أذى الإسلام وأهله فلا ينافي أنه أهدر دم غيرهم وهي نكتة للتخصيص وإلا فمعلوم أن مفهوم العدد لا يفيد الحصر ولا يصح أن معناه حتم قتلهم لعفوه عن ابن أبي سرح "قال: فأما هلال بن خطل فقتله الزبير. الحديث" والغرض منه تسمية ابن خطل وقاتله.
"وفي حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار، والحاكم، والبيهقي في الدلائل نحوه لكن" فيه مخالفات بينها بقوله "قال أربعة نفر" إضافة بيانية أي: هم نفر أي رجال "وامرأتان"، وقال: "اقتلوهم، وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة" بدل قوله: "لا أؤمنهم في حل ولا حرم"، "فذكره لكن قال" سعد: في حديثه لي بيان الأربعة عن المصطفى "عبد الله بن خطل بدل هلال، وقال عكرمة" بن أبي جهل "بدل الحويرث، ولم يسم المرأتين" وهما من الست أو الأربع السابقات.
"وقال" سعد "فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث" ابن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي، المخزومي، الصحابي، "وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشب الرجلين فقتله. الحديث".
"وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي عثمان" عبد الرحمن بن مل بميم مثلثة، ولام ثقيلةстр. 1521
النهدي: أن أبا برزة الأسلمي قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة وإسناده صحيح مع إرساله.
ورواه أحمد من وجه آخر، وهو أصح ما ورد في تعيين قاتله، وبه جزم البلاذري وغيره من أهل الأخبار.
وتحمل بقية الروايات على أنهم ابتدروا قتله فكان المباشر له منهم أبو برزة، ويحتمل أن يكون غيره شاركه فيه، فقد جزم ابن هشام في السيرة: بأن سعيد بن حريث وأبا برزة الأسلمي اشتركا في قتله.
وإنما أمر بقتل ابن خطل، لأنه كان مسلما فبعثه ﷺ مصدقا، وبعث معه رجلا من الأنصار.
الحواشي
(١) "النهدي" بفتح النون، وسكون الهاء، المخضرم الثقة، الثبت العابد، "أن أبا برزة" بفتح الباء، والزاي بينهما راء ساكنة، نضلة بن عبيد "الأسلمي قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة وإسناده صحيح مع إرساله" وله شاهد عند ابن المبارك في كتاب البر والصلة من حديث أبي برزة نفسه.
"ورواه أحمد من وجه آخر وهو أصح ما ورد في تعيين قاتله" وقد رجحه الواقدي "وبه جزم" أحمد بن يحيى الحافظ الأخباري، العلامة "البلاذري" صاحب التاريخ "وغيره من أهل" العلم بـ"الأخبار وتحمل بقية الروايات" المخالفة له "على أنهم ابتدروا قتله فكان المباشر" بالنصب خبر كان "له منهم" واسمهما "أبو برزة ويحتمل أن يكون غيره شاركه فيه فقد جزم ابن هشام في" تهذيب "السيرة" لابن إسحاق عنه "بأن سعيد بن حريث، وأبا برزة الأسلمي اشتركا في قتله" هكذا في الفتح هنا وزاد في المقدمة.
وروى الحاكم: أن قاتله سعيد بن زيد, وروى البزار: أنه سعد بن أبي وقاص, وقيل: عمار بن ياسر، قال: ويجمع بينه بأنهم ابتدروا, أي: قتله, والذي باشر قتله منهم هو سعيد بن حريث. انتهى. وما جمع به في الفتح أحسن, وقيل: قتله شريك بن عبدة العجلاني، حكاه الواقدي، وأخرج عمر بن شبة في كتاب مكة عن السائب بن يزيد، قال: رأيت رسول الله ﷺ استخرج من تحت أستار الكعبة ابن خطل فضربت عنقه صبرا بين زمزم ومقام إبراهيم، وقال: "لا يقتل قرشي، بعد هذا صبرا". قال الحافظ: رجال ثقات، إلا أن في أبي معشر مقالا "وإنما أمر بقتل ابن خطل" كما قاله ابن إسحاق وغيره "لأنه كان مسلما فبعثه ﷺ مصدقا" بضم الميم وفتح الصاد، وكسر الدال مشددة, ويجوز إسكان الصاد، وتخفيف الدال المكسورة كما قاله البرهان، وتبعه الشامي، أي: آخذا لصدقات النعم "وبعث معه رجلا من الأنصار" كذا في رواية ابن إسحاق ونقله اليعمري،стр. 1522
وكان معه مولى يخدمه -وكان مسلما- فنزل منزلا فأمر المولى أن يذبح تيسا ويصنع له طعاما ونام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئا، فعدى عليه فقتله، ثم ارتد مشركا، وكانت له فتاتان تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ .
وأما الجمع بين ما اختلف فيه من اسمه، فإنه كان يسمى عبد العزى، فلما أسلم سمي عبد الله، وأما من قال: هلال، فالتبس عليه بأخ له اسمه هلال.
وفي أبي داود من حديث مصعب: لما كان يوم الفتح أمن رسول الله ﷺ
الحواشي
(١) وغيره. قال البرهان: ولا أعرف اسمه.
ووقع عند الواقدي، وتبعه الشامي، من خزاعة، ولا شك في تقديم ابن إسحاق على الواقدي، فلا يتم لنا تجويز العقل أنه أطلق عليه أنصاريا لكونه حليفا لهم "وكان معه مولى يخدمه" قال البرهان هذا المولى لا أعرف اسمه أيضا "وكان مسلما" فرواية ابن إسحاق هذه ظاهرها أنهما اثنان، وعليه جرى كما ترى البرهان.
وأما الواقدي فلم يذكر إلا الرجل الخزاعي وتبعه الشامي واعتمده الشارح فجعل ضمير كان للأنصاري أي: وكان الأنصاري مع ابن خطل خادما له فسمي مولى تجوزا، ومن ثم عبر الكلاعي بأنه كان معه رجل مسلم يخدمه. انتهى.
وهو واضح لو كان الذي اقتصر على واحد نفي الثاني وأيضا، فالذي ذكر الاثنين أوثق ممن ذكر الواحد بل هو متروك فلا يرد له كلام الثقة، فإن زيادة الثقة مقبولة وابن إسحاق صدوق، وقد أقر كلامه اليعمري والعسقلاني وغيرهما غير معرجين على غيره "فنزل منزلا فأمر المولى أن يذبح تيسا ويصنع له طعاما ونام" نصف النهار، "فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا" بعين مهملة من العدوان "عليه فقتله ثم ارتد مشركا" أتى به؛ لأن الردة تكون بغير الشرك الذي هو عبادة الأوثان كالتهود، "و" لأنه "كانت له فتاتان" أمتان "تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ " فهذا سبب إهدار دمه، واختلاف الروايات في قتله فأما الجمع بينه فهو ما علمته "وأما الجمع بين ما اختلف فيه من اسمه" فهو عطف على مقدر وما موصولة، صفة لمحذوف أي الروايات التي اختلفت، في تعيين اسمه "فإنه" بالفاء جواب أما وفي نسخة بحذفها على تقدير فأقول: إنه "كان يسمى عبد العزى، فلما أسلم سمي عبد الله" المسمي له النبي ﷺ كما في المقدمة وغيرها.
"وأما من قال هلال فالتبس عليه بأخ له اسمه هلال وفي أبي داود" والحاكم "من حديث مصعب" بن سعد بن أبي وقاص، الزهري المدني الثقة، أي عن أبيه لأنه الواقع في أبي داود، لا أنه من مرسل مصعب كما أوهمه المصنف "لما كان يوم الفتح أمن رسول الله صلى الله عليه وسلمстр. 1523
الناس إلا أربعة نفر فذكرهم ثم قال: وأما ابن أبي سرح فاختبأ عند عثمان بن عفان ﵁ فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، جاء به حتى أوقفه على رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه مليا ثلاثا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: "أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت عن بيعته فيقتله"؟. فقالوا: يا رسول الله ما ندري ما في نفسك، ألا أومأت إلينا؟ فقال: "إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين". الحديث.
الحواشي
(١) الناس إلا أربعة نفر فذكرهم" فقال: عكرمة وابن خطل ومقيس وابن أبي سرح، "ثم قال وأما ابن أبي سرح فاختبأ عند عثمان بن عفان ﵁" وكان أخاه من الرضاعة كما عند ابن إسحاق.
"فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به" عثمان "حتى أوقفه" لغة قليلة والكثير وقفه "على رسول الله ﷺ ، فقال" عثمان: "يا نبي الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه مليا" طويلا "ثلاثا كل ذلك يأبى" أن يبايعه، "فبايعه بعد ثلاث ثم" لما انصرف عثمان به كما عند ابن إسحاق "أقبل على أصحابه"، فقال: "أما" فهمزة الاستفهام مقدرة "كان فيكم رجل رشيد" يفهم مرادي "يقوم إلى هذا حين كففت عن بيعته فيقتله" فالاستفهام للوم على عدم قتله وعند ابن إسحاق لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه "قالوا": وعند ابن إسحاق: ورواه الدراقطني عن أنس وعن سعيد بن يربوع، وابن عساكر عن عثمان فقال رجل من الأنصار. قال في الإصابة وأفاد سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان: أنه عباد بن بشر الأنصاري وقيل: عمر. انتهى.
وتسمي عمر أنصاريا بالمعنى الأعم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ﴾ "يا رسول الله ما ندري ما في نفسك ألا أومأت إلينا" أشرت بحاجب أو بيد أو غيرهما، فقال: "إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين" هي الإيماء إلى مباح من نحو ضرب أو قتل على خلاف ما يظهر.
سمي بذلك لشبهه بالخيانة لإخفائه كما لو أومأ لقتله حين طلب عثمان مبايعته فإنه خلاف الظاهر من سكوته وتجوز لغيره إلا في محظور، وعليه قوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ، فإن فيه ذم النظر إلى ما لا يجوز كما فسره به ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وفسره السدي والضحاك، بالرمز بالعين "الحديث" وعند ابن إسحاق، قال: فهلا أومأت إليّ، قال: إنстр. 1524
قال مالك -كما رواية البخاري: ولم يكن رسول الله ﷺ فيما نرى يومئذ محرما. انتهى.
وقول مالك هذا رواه عبد الرحمن بن مهدي عن مالك جازما به. أخرجه الدارقطني في الغرائب.
ويشهد له ما رواه مسلم من حديث جابر: دخل ﷺ يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام.
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن طاوس قال: لم يدخل النبي ﷺ مكة إلا محرما إلا يوم فتح مكة.
وقد اختلف العلماء: هل يجب على من دخل مكة الإحرام أم لا؟
الحواشي
(١) النبي لا يقتل بالإشارة وكان عبد الله بعد ذلك ممن حسن إسلامه ولم يظهر منه شيء ينكر عليه، وكانت له المواقف المحمودة في الفتوح، والولاية المحمودة، وهو أحد النجباء العقلاء الكرماء من قريش، وكان فارس بني عامر بن لؤي المقدم فيهم. وولاه عمر ثم عثمان وتقدم مزيد لذلك "قال مالك" الإمام الأعظم "كما في رواية البخاري، ولم يكن رسول الله ﷺ فيما نرى" بضم النون، وفتح الراء أي: نظن, والله أعلم.
"يومئذ محرما" أي لم يرو أحد أنه تحلل يومئذ من إحرامه "انتهى، وقول مالك هذا رواه عبد الرحمن بن مهدي" بن حسان العنبري، مولاهم البصري الثقة الثبت الحافظ العارف بالرجال والحديث.
روى له الستة "عن مالك جازما به" فأسقط قوله فيما نرى, والله أعلم.
"أخرجه الدارقطني في الغرائب" أي غرائب الرواة، عن مالك "ويشهد له ما رواه مسلم" والإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربعة "من حديث جابر: دخل ﷺ يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام" فصرح بما جزم به مالك أو ظنه، "و" ما "روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن طاوس" بن كيسان اليماني الثقة الفقيه، المتوفى سنة ستين ومائة أو بعدها، روى له الجماعة "قال: لم يدخل النبي ﷺ مكة إلا محرما إلا يوم فتح مكة" وستر الرأس بالمغفر يدل على ذلك أيضا.
وقول ابن دقيق العيد يحتمل أنه محرم وغطاه لعذر تعقب بتصريح جابر وغيره بأنه لم يكن محرما.
"وقد اختلف العلماء، هل يجب على من دخل مكة" ولم يقصد النسك "الإحرام أم لا؟стр. 1525
فالمشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقا. وفي قول: يجب مطلقا، وفيمن يتكرر دخوله خلاف مرتب، وهو أولى بعدم الوجوب.
والمشهور عند الأئمة الثلاثة: الوجوب. وفي رواية عن كل منهم: لا يجب، وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكررة، واستثنى الحنفية من كان داخل الميقات, والله أعلم.
وقد زعم الحاكم في الإكليل: أن بين حديث أنس في المغفر وبين حديث جابر في العمامة السوداء معارضة.
وتعقبوه باحتمال أن يكون أول دخوله كان على رأسه المغفر ثم أزاله ولبس العمامة بعد ذلك، فحكى كل منهما ما رآه.
ويؤيده: أن في حديث عمرو بن حريث أنه خطب الناس وعليه عمامة سوداء. أخرج مسلم أيضا: وكانت الخطبة عند باب الكعبة وذلك بعد تمام الدخول. وهذا الجمع للقاضي عياض.
الحواشي
(١) فالمشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقا" سواء تكرر دخوله أم لا، "وفي قول" للشافعي: "يجب مطلقا وفيمن يتكرر دخوله خلاف مرتب" مفرع على القولين "وهو أولى بعدم الوجوب، والمشهور عند الأئمة الثلاثة الوجوب" ودخوله بلا إحرام من خصائصه.
"وفي رواية عن كل منهم لا يجب وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكررة" كحطاب وصياد "واستثنى الحنفية من كان داخل الميقات, والله أعلم" بحكمه.
"وقد زعم الحاكم في الإكليل أن بين حديث أنس في المغفر وبين حديث جابر في العمامة السوداء، معارضة وتعقبوه" بأن التعارض إنما يتحقق إذا لم يمكن الجمع، وهنا يمكن "باحتمال أن يكون دخوله كان على رأسه المغفر، ثم أزاله ولبس العمامة، بعد ذلك، فحكى كل منهما، ما رآه ويؤيده" أي: التعقب "أن في حديث عمرو بن حريث أنه خطب الناس وعليه عمامة سوداء".
"أخرجه مسلم أيضا وكانت الخطبة عند باب الكعبة وذلك بعد تمام الدخول وهذا الجمع للقاضي عياض" ولا يرد عليه ما ذكره ابن إسحاق والواقدي، أنه لما وصل لذي طوى كان معتجرا بشقة برد حبرة حمراء، وعند الثاني وعليه عمامة سوداء لأنه بفرض صحته يحتمل أنه لما وصل لذي طوى نزعها ولبس المغفر، ثم دخل به مكة ثم بعد أن استقر نزع المغفر ولبسстр. 1526
وقال غيره: يجمع بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر، أو كانت تحت المغفر وقاية لرأسه من صدإ الحديد، فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متأهبا للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم.
وفي البخاري عن أسامة بن زيد أنه قال زمن الفتح: يا رسول الله! أين تنزل غدا؟
الحواشي
(١) العمامة السوداء، "وقال غيره يجمع بأن العمامة السوداء، كانت ملفوفة فوق المغفر" إشارة للسؤدد وثبات دينه وأنه لا يغير، "أو كانت تحت المغفر وقاية لرأسه من صدإ الحديد" بالهمز، فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متأهبا للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم،" وهذا أوفق بما مر من أنه وصل إلى ذي طوى وعلى رأسه العمامة وقد زعم ابن الصلاح وغيره، تفرد مالك عن الزهري بذكر المغفر وتعقبه الحافظ العراقي بأنه ورد من عدة طرق عن ابن شهاب غير طريق مالك، فذكر أربعة تابعوا مالكا، ثم قال: وروى ابن مسدي، أن أبا بكر بن العربي، قال لأبي جعفر بن المرخي حين ذكر أن مالكا تفرد به قد رويته من ثلاثة عشر طريقا غير طريق مالك، فقالوا له: أفدنا هذه الفوائد فوعدهم ولم يخرج لهم شيئا، وقال الحافظ بن حجر في نكته: استبعد أهل إشبيلية قول ابن العرجي حتى قال قائلهم:
يا أهل حمص ومن بها أوصيكم ... بالبر والتقوى وصية مشفق
فخذوا عن العربي أسمار الدجى ... وخذوا الرواية عن إمام متقي
إن الفتى ذرب اللسان مهذب ... إن ل يجد خبرا صحيحا يخلق
وأراد بأهل حمص أهل إشبيلية، قال الحافظ: وقد تتبعت طرقه فوجدته، كما قال ابن العربي، بل أزيد فعد ستة عشر نفسا غير مالك رووه عن الزهري، وعزاها لمخرجيها، قال: ولم ينفرد الزهري به بل تابعه سعد بن أبي وقاص، وأبو برزة الأسلمي في سنن الدارقطني وعلي بن أبي طالب في المشيخة الكبرى لأبي محمد الجوهري، وسعيد بن يربوع، والسائب بن يزيد في مستدرك الحاكم. قال: فهذه طرق كثيرة غير طريق مالك عن الزهري، عن أنس فكيف يحل لأحد أن يتهم إماما من أئمة المسلمين بغير علم ولا اطلاع. انتهى.
ونحوه في الفتح وزاد لكن ليس في شيء من طرقه على شرط الصحيح إلا طريق مالك، وأقربها طريق ابن أخي الزهري عند البزار ويليها رواية أبي أويس عند ابن سعد، وابن عدي فيحمل قول من قال تفرد به مالك أي بشرط الصحة وقول من قال توبع أي في الجملة.
"وفي البخاري" في الحج والجهاد، والمغازي ومسلم في الحج "عن أسامة بن زيد" الحب بن الحب، "أنه قال زمن الفتح" قبل أن يدخلها بيوم "يا رسول الله أين تنزل غدا؟ " زاد فيстр. 1527
فقال النبي ﷺ : "وهل ترك لنا عقيل من منزل"؟. وفي رواية: "وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور"؟.
وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب، ولم يرث جعفر ولا علي شيئا لأنهما كانا مسلمين، فكان.
الحواشي
(١) الحج: في دارك بمكة.
قال الحافظ: حذفت أداة الاستفهام من قوله في دارك بدليل رواية ابن خزيمة والطحاوي، والجوزي بلفظ: أتنزل في دارك؟ فكأنه استفهمه أولا عن مكان نزوله ثم ظن أنه ينزل في داره فاستفهم عن ذلك "فقال النبي ﷺ : "وهل ترك لنا عقيل" بفتح العين وكسر القاف "من منزل" هذا لفظ رواية المغازي.
"وفي رواية" للبخاري في الحج، عن أسامة: "وهل ترك لنا عقيل من رباع" جمع ربع بفتح الراء، وسكون الموحدة، وهو المنزل المشتمل على أبيات وقيل: الدار فعليه قوله: "أو دور" إما للتأكيد أو من شك الراوي، قاله الحافظ, وجمع النكرة، وإن كانت في سياق الاستفهام الإنكاري تفيد العموم، للإشعار بأنه لم يترك من الرباع المتعددة، شيئا ومن للتبعيض قاله الكرماني.
قال الحافظ: وأخرج هذا الحديث الفاكهي، وقال في آخره: ويقال: إن الدار التي أشار إليها كانت دار هاشم، ثم صارت لابنه عبد المطلب، فقسمها بين ولده حين عمي، ثم صار للنبي ﷺ حظ أبيه, قال المصنف: وظاهره أنها كانت ملكه، فأضافها إلى نفسه، فيحتمل أن عقيلا تصرف فيها كما فعل أبو سفيان بدور المهاجرين، ويحتمل غير ذلك، وقد فسر الراوي ولعله أسامة، المراد بما أدرجه هنا حيث قال: "وكان عقيل، ورث أبا طالب هو و" أخوه "طالب" المكنى به "ولم يرث جعفر ولا علي شيئا لأنهما كانا مسلمين".
قال الحافظ: هذا يدل على تقدم هذا الحكم من أوائل الإسلام لموت أبي طالب قبل الهجرة، فلما هجر استولى عقيل وطالب على الدار كلها باعتبار ما ورثاه، وباعتبار تركه ﷺ لحقه منها بالهجرة، وفقد طالب ببدر، فباع عقيل الدار كلها، واختلف في تقريره ﵊ عقيلا على ما يخصه، فقيل: ترك له ذلك تفضلا عليه وقيل: استمالة وتأليفا وقيل: تصحيحا لتصرفات الجاهلية كما تصحح أنكحتهم قال الخطابي: إنما لم ينزل فيها لأنها دور هجروها لله فلم يرجعوا فيما تركوه, وتعقب بأن سياق الحديث يقتضي أن عقيلا باعها ومفهومه أنه لو تكرها بغير بيع لنزلها. وحكى الفاكهي: أن الدار لم تزل بيد أولاد عقيل حتى باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار وكان علي بن الحسين يقول من أجل ذلك تركنا نصيبنا من الشعب، أي: حصة جدهم علي من أبيه أبي طالب "فكان".стр. 1528
عمر بن الخطاب يقول: لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر.
وفي رواية أخرى قال ﵊: "منزلنا إن شاء الله تعالى -إذا فتح الله- الخيف حيث تقاسموا على الكفر". يعني به المحصب، وذلك أن قريشا وكنانة.
الحواشي
(١) وعند الإسماعيلي فمن أجل ذلك كان "عمر بن الخطاب، يقول: لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر", قال الحافظ: هذا القدر الموقوف على عمر قد ثبت مرفوعا بهذا الإسناد عند البخاري في المغازي، من طريق ابن جريج عنه، ويختلج في خاطري أن قائل: فكان عمر ... إلخ، هو ابن شهاب، فيكون منقطعا عن عمر. انتهى.
وقد رفعه البخاري، هنا في نفس حديث أسامة، هذا ولفظه فقال ﷺ : "وهل ترك لنا عقيل من منزل" ثم قال: "لا يرث المؤمن الكافر، ولا يرث الكافر المؤمن".
وروى الواقدي عن أبي رافع قيل للنبي ﷺ ألا تنزل منزلك من الشعب فقال: "وهل ترك لنا عقيل منزلا"؟، وكان عقيل قد باع منزله ﷺ ومنزل إخوته من الرجال والنساء بمكة، فقيل له: فانزل في بعض بيوت مكة غير منازلك فأبى، وقال: "لا أدخل البيوت". ولم يزل بالحجون لم يدخل بيتا، وكان يأتي المسجد لكل صلاة من الحجون وكان أبو رافع ضرب له به قبة من أدم ومعه أم سلمة، وميمونة.
"وفي رواية أخرى" للبخاري، في مواضع من حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة, قال ﵊: "منزلنا إن شاء الله تعالى". أتى بها تبركا وامتثالا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ، ولعلامات الفتح الظاهرة عبر بقوله: "إذا فتح الله" مكة "الخيف" بفتح المعجمة وسكون التحتية وبالفاء.
قال الحافظ: والرفع مبتدأ خبره منزلنا، وليس هو مفعول فتح، والخيف ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء. انتهى.
واقتصر على هذا الإعراب لأنه المشهور، في المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين فإن المعلوم للمخاطب، هو المبتدأ، وهو هنا الخيف ومنزلنا خبر لأنه المجهول فما صدر به المصنف من أن منزلنا والخيف خبره خلاف المشهور وهو جواز الابتداء منهما.
وفي رواية للبخاري: "بخيف بني كنانة". "حيث تقاسموا" تحالفوا "على الكفر" حال من فاعل تقاسموا أي في حال كفرهم أن لا يبايعوا بني هاشم، ولا يناكحوهم وحصروهم في الشعب "يعني به المحصب" بضم الميم وفتح الحاء والصاد المشددة المهملتين, "وذلك" أي تقاسمهم على الكفر "أن قريشا وكنانة".стр. 1529
تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب: أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ ، كما تقدم.
وفي رواية أخرى له: أنه ﷺ يوم فتح مكة اغتسل في بيت أم هانئ.....
الحواشي
(١) قال الحافظ: فيه إشعار بأن في كنانة من ليس قرشيا إذ العطف يقتضي المغايرة فيترجح القول بأن قريشا من ولد فهر بن مالك على القول بأنهم من ولد كنانة نعم، لم يعقب النضر غير مالك، ولا مالك غير فهر فقريش ولد النضر بن كنانة، وأما كنانة فأعقب من غير النضر فلذا وقعت المغايرة "تحالفت" بحاء مهملة والقياس تحالفوا لكن أتى بصيغة المفرد المؤنث باعتبار الجماعة "على بني هاشم، وبني المطلب أن لا يناكحوهم" فلا تتزوج قريش وكنانة امرأة من بني هاشم، "ولا يبايعوهم" لا يبيعوا لهم ولا يشتروا منهم, ولأحمد: ولا يخالطوهم.
وللإسماعيلي: ولا يكون بينهم وبينهم شيء وهي أعم "حتى يسلموا" بضم أوله وإسكان المهملة وكسر اللام الخفيفة "إليهم النبي ﷺ ".
قال الحافظ: يختلج في خاطري، أن من قوله يغني المحصب إلى هنا من قول الزهري، أدرجه في الخبر، فقد رواه البخاري في الحج أيضا وفي السيرة والتوحيد، مقتصرا على الموصول منه إلى قوله: على الكفر. ومن ثم لم يذكر مسلم في روايته شيئا من ذلك، قيل: إنما اختار ﷺ النزول في ذلك الموضع ليتذكر ما كانوا فيه فيشكر الله تعالى على ما أنعم به عليه من الفتح العظيم وتمكنه من دخول مكة ظاهرا على رغم من سعى في إخراجه منها، ومبالغة في الصفح عن الذين أساءوا، ومقابلتهم بالمن والإحسان ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء "كما تقدم" زيادة من المصنف على ما في البخاري لإفادة أنه ذكر القصة أول الكتاب "وفي رواية أخرى له" أي للبخاري، في مواضع عن أم هانئ، "أنه ﷺ يوم فتح مكة اغتسل في بت أم هانئ" بنت أبي طالب الهاشمية، فاختة وقيل: هند، وقيل: فاطمة، أسلمت عام الفتح، وصحبت ولها أحاديث. ماتت في خلافة معاوية.
روى لها الستة وفي حديثها عند مسلم: أنها ذهبت إليه ﷺ وهو بأعلى مكة فوجدته يغتسل وفاطمة تستره، وجمع بأن ذلك تكرر منه بدليل أن في رواية ابن خزيمة عنها أن أبا ذر ستره لما اغتسل ويحتمل أن يكون نزل في بيتها بأعلى مكة، وكانت هي في بيت آخر بها فجاءت إليه فوجدته يغتسل فيصح القولان، وأما الستر فيحتمل أن يكون أحدهما، ستره في ابتداء الغسل والآخر في أثنائه.
وروى الحاكم في الإكليل عنها أنه ﷺ كان نازلا عليها يوم الفتح ولا يغاير حديثстр. 1530
ثم صلى الضحى ثمان ركعات، قالت: لم أره صلى صلاة أخف منها، غير أنه يتم الركوع والسجود.
وأجارت أم هانئ حموين لها، فقال النبي ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ"، والرجلان: الحارث بن هشام، وزهير بن أمية بن المغيرة.
الحواشي
(١) نزوله بالخيف لأنه لم يقم في بيتها، وإنما نزل به حتى اغتسل، "ثم صلى الضحى ثمان ركعات" ثم رجع إلى حيث ضربت خيمته. "قالت" أم هانئ: "لم أره ﷺ صلى صلاة أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود" وصريح الحديث، أن الصلاة هي صلاة الضحى المشروعة المعهودة، وقال السهيلي: هذه الصلاة تعرف عند العلماء بصلاة الفتح، وكان الأمراء يصلونها إذا فتحوا بلدا.
قال ابن جرير الطبري: صلاها سعد بن أبي وقاص حين افتتح المدائن ثمان ركعات في إيوان كسرى، قال وهي ثمان ركعات لا يفصل بينها ولا تصلى بإمام.
قال السهيلي: ومن سنتها أيضا أن لا يجهر فيها بالقراءة والأصل فيها صلاته ﷺ يوم الفتح. انتهى.
وروى الطبراني عن ابن عباس، أنه ﷺ قال لأم هانئ يوم الفتح: "هل عندك من طعام نأكله"؟. قالت: ليس عندي إلا كسر يابسة وإني لأستحي أن أقدمها إليك. فقال: "هلمي بهن". فكسرهن في ماء وجاءت بملح، فقال: "هل من أدم"؟. قالت: ما عندي يا رسول الله إلا شيء من خل، فقال: "هلميه". فصبه على الطعام وأكل منه، ثم حمد الله تعالى، ثم قال: "نعم الأدم الخل، يا أم هانئ لا يقفر بيت فيه خل". "وأجارت أم هانئ" بهمزة منونة "حموين لها" أي رجلين من أقارب زوجها، كما رواه أحمد، ومسلم، وابن إسحاق ويرهم.
عن أم هانئ قالت: لما كان يوم الفتح فر إلي رجلان من أحمائي من بني مخزوم، وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي، قالت: فدخل عليَّ عليٌّ فقال: والله لأقتلنهما، فأغلقت عليهما بيتي، ثم جئت رسول الله ﷺ بأعلى مكة، فلما رآني، قال: "مرحبا وأهلا بأم هانئ ما جاء بك"؟. فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي، فقال النبي ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" زاد في رواية ابن إسحاق: "وأمنا من أمنت فلا يقتلهما"، "والرجلان الحارث بن هشام" بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي، أبو عبد الرحمن المكي، شقيق أبي جهل من مسلمة الفتح استشهد في خلافة عمر.
روى له ابن ماجه وله ذكر في الصحيحين أنه سأل عن كيفية الوحي، "وزهير بن أبي أمية بن المغيرة" بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي، أخو أم سلمة، أم المؤمنين ذكره هشام الكلبي في المؤلفة.стр. 1531
كما قاله ابن هشام، وقد كان أخوها علي بن أبي طالب أراد أن يقتلهما فأغلقت عليهما باب بيتها وذهبت إلى النبي ﷺ .
ولما كان الغد من يوم الفتح قام النبي ﷺ خطيبا في الناس، فحمد الله وأثنى عليه ومجده بما هو أهله ثم قال: "أيها الناس! إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض
الحواشي
(١) قال ابن إسحاق: كان ممن قام في نقض الصحيفة وأسلم وحسن إسلامه ﵁ "كما قاله ابن هشام" عبد الملك، وقيل: الثاني عبد الله بن أبي ربيعة.
روى الأزرقي، بسند فيه الواقدي في حديث أم هانئ هذا أنهما الحارث وهبيرة بن أبي وهب.
قال الحافظ: وليس بشيء لأن هبيرة هرب عند الفتح إلى نحران فلم يزل بها مشركا حتى مات كما جزم به ابن إسحاق وغيره، فلا يصح ذكره فيمن أجارته أم هانئ، وقيل: إن الثاني جعدة بن هبيرة وفيه أنه كان صغير السن، فلا يكون مقاتلا عام الفتح حتى يحتاج إلى الأمان، ولا يهم علي بقتله, وجوز ابن عبد البر أن جعدة ابن لهبيرة من غير أم هانئ مع نقله عن أهل النسب أنهم لم يذكروا له ولدا من غيرها، "وقد كان أخوها علي بن أبي طالب" شقيقها "أراد أن يقتلهما".
قال الحافظ: لأنهما كانا فيمن قاتل خالد بن الوليد، ولم يقبلا الأمان فأجارتهما أم هانئ. انتهى.
فليس لكونهما ممن أهدر دمه كما ظنه من وهم وقد تقدم، "فأغلقت عليهما باب بيتها وذهبت إلى النبي ﷺ " فرحب بها وأمضى جوارها. قال السهيلي: وتأمين المرأة جائز عند جماعة الفقهاء إلا سحنونا وابن الماجشون، فقالا: موقوف على إجازة الإمام. انتهى.
"ولما كان الغد من يوم الفتح" أي ثاني يوم فتح مكة في العشرين من رمضان "قام النبي ﷺ " على باب البيت، بعدما خرج منه "خطيبا في الناس،" بخطبة طويلة مشتملة على أحكام وحكم ومواعظ "فحمد الله" تعالى فقال كما في رواية أحمد والواقدي: "الحمد لله الذي صدق وعده". "وأثنى عليه ومجده" عطف عام على خاص لأن الثناء والتمجيد أعم من لفظ الحمد لله "بما هو أهله".
وفي رواية: أنه قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". ثم قال: "أيها الناس إن الله حرم مكة" ابتدأ تحريمها بأن أظهره للملائكة "يوم خلق السموات والأرض" وذاتها وإن لم توجد حينئذ لكن أرضها موجودة إذ هي أول ماстр. 1532
فهي حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص فيها لقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها الآن كحرمتها بالأمس
الحواشي
(١) وجد من الأرض.
ودحيت الأرض من تحتها كما مر أول الكتاب "فهي حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة" يعني أن تحريمها أمر قديم وشريعة سالفة مستمرة ليس مما أحدثه أو اختص بشرعه، ولا ينافيه قوله في حديث جابر عند مسلم أن إبراهيم حرم مكة لأن إسناد التحريم إليه حيث أنه بلغه، فإن الحاكم بالشرائع والأحكام كلها هو الله تعالى والأنبياء يبلغونها، فكما تضاف إليه تعالى من حيث إنه الحاكم بها تضاف إلى رسوله لأنها تسمع منهم وتظهر على لسانهم والحاصل أنه أظهر تحريمها بعد أن كان مهجورا، لا أنه ابتدأه أو أنه حرمها بإذن الله يعني أن الله كتب في اللوح المحفوظ يومئذ أن إبراهيم سيحرم مكة بإذنه تعالى.
وفي رواية للشيخين، أن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، "فلا يحل لامرئ" بكسر الهمزة والراء "يؤمن بالله واليوم الآخر" القيامة إشارة للمبدأ والمعاد، وقيد به لأنه الذي ينقاد للأحكام وينزجر فلا ينافي خطاب الكافر أيضا بفروع الشريعة "أن يسفك بها دما" بكسر الفاء وقد تضم، وهما لغتان حكاهما الصغاني وغيره.
والسفك صب الدم، وأن مصدرية أي: فلا يحل سفك دم بها "أو يعضد" بفتح التحتية، وسكون المهملة، وكسر المعجمة فدال مهملة، أي قطع بالمعضد وهو آلة كالفأس "بها شجرة" ذات ساق، "فإن أحد ترخص فيها" برفع أحد بفعل مقدر يفسره ما بعده لا بالابتداء، لأن إن من عوامل الفعل وحذف الفعل وجوبا لئلا يجتمع المفسر والمفسر والمعنى إن قال أحد ترك القتال عزيمة والقتال رخصة يتعاطى عند الحاجة "لقتال" أي: لأجل قتال "رسول الله ﷺ " فيها مستدلا بذلك "فقولوا" له: ليس الأمر كما ذكرت.
"إن الله قد أذن لرسوله" تخصيصا له "ولم يأذن لكم" ففيه إثبات خصائص لرسول الله ﷺ واستواء المسلمين معه في الحكم إلا ما ثبت تخصيصه به، "وإنما أحلت لي ساعة من نهار" فكانت في حقه تلك الساعة، بمنزلة الحل، قال الحافظ: والمأذون له فيه القتال لا قطع الشجر.
وفي رواية ابن إسحاق ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضبا على أهلها "وقد عادت حرمتها الآن".
وفي رواية اليوم أي: الذي هو ثاني يوم الفتح "كحرمتها بالأمس" الذي قبل يوم الفتح.стр. 1533
فليبلغ الشاهد الغائب".
ثم قال: "يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم"؟.
قالوا: خيرا, أخ كريم وابن أخ كريم.
قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
أي: الذي أطلقوا، فلم يسترقوا ولم يؤسروا. والطليق: الأسير إذا أطلق. والمراد بالساعة التي أحلت له ﵊ ما بين أول النهار ودخول وقت العصر، كذا قاله في فتح الباري.
وقد أجاد العلامة أبو محمد الشقراطسي حيث يقول في قصيدته المشهورة:
الحواشي
(١) كما قاله المصنف، تبعا لغيره فلا حاجة للتعسف "فليبلغ" بكسر اللام وسكونها "الشاهد" الحاضر "الغائب" بالنصب مفعول فالتبليغ عنه ﷺ فرض كفاية، ثم قال: "يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم"؟، وعند ابن إسحاق وغيره ماذا تقولون ماذا تظنون؟ "قالوا: خيرا أخ كريم، وابن أخ كريم" وقد قدرت، "قال" ﷺ : "فإني أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ , اذهبوا فأنتم الطلقاء"، بضم الطاء المهملة وفتح اللام وقاف جمع طليق، "أي الذين أطلقوا" منا عليهم "لم يسترقوا ولم يؤسروا والطليق الأسير إذا أطلق، والمراد بالساعة التي أحلت له ﵊ ما بين أول النهار", أي من طلوع الشمس "ودخول وقت العصر، كذا قاله في فتح الباري" بمعناه ولفظه في كتاب العلم وفي مسند أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ذلك كان من طلوع الشمس إلى العصر ونحوه قوله هنا عند أحمد من حديث عمرو، عن أبيه عن جده إنها استمرت من صبيحة يوم الفتح إلى العصر. انتهى.
وحديث الخطبة رواه الشيخان، وغيرهما، وعند كل ما ليس عند الآخر وهي طويلة اقتصر المصنف على ما ذكره فتبعته قال الزهري، ثم نزل ﷺ ومعه المفتاح فجلس عند السقاية، وذكر الواقدي عن شيوخه أنه كان قد قبض مفتاح السقاية من العباس ومفتاح البيت عن عثمان.
وروى ابن أبي شيبة أنه أتى بدلو من زمزم فغسل منها وجهه ما تقع منه قطرة إلا في يد إنسان إن كانت قدر ما يحسوها حساها وإلا مسح جلده، والمشركون ينظرون، فقالوا: ما رأينا ملكا قط أعظم من اليوم ولا قوما أحمق من القوم، "وقد أجاد العلامة أبو محمد" عبد الله بن أبي زكريا يحيى بن علي "الشقراطسي" نسبة إلى شقراطسة ذكر لي أنها بلدة من بلاد الجريد بإفريقية، قاله أبو شامة "حيث يقول في قصيدته المشهورة" بعدما ساق قصة بدر أتبعها بثمانيةстр. 1534
ويوم مكة إذ أشرفت في أمم ... تضيق عنها فجاج الوعث والسهل
خوافق ضاق ذراع الخافقين بها ... في...........................
الحواشي
(١) وعشرين بيتا في قصة الفتح، لأنهما كانتا عظيمتين فبدر أول مشهد نصر الله رسوله فيه وهذه يوم استيلائه على مكة التي هي من أشرف البقاع وعزه في بلاده التي أوذي فيها، ودخل الناس في دين الله أفواجا "ويوم مكة" مبتدأ حذف خبره أي كان عظيما والنصب مفعول به ذكرا أمرا أو مضارعا أو ظرف لهما أو لنصرت، أو قوله الآتي خشعت والخفض عطفا على لفظ بدر السابق "إذ" ظرف زمان بدل بعض من كل من يوم "أشرفت" علوت عليها، وظهرت على أخذها "في أمم" طوائف وجماعات كثيرة "تضيق عنها" بالتاء والياء؛ لأن تأنيث "فجاج" غير حقيقي جمع فج طريق واسع بين جبلين "الوعث" بفتح الواو، وسكون المهملة، ومثلثة، المكان الواسع الدهش بمهملة فهاء، مفتوحتين فمهملة، تغيب فيه الأقدام ويشق المشي فيه كما في القاموس وغيره.
وفي المصباح الطريق الشاق المسلك ويقال: رمل رقيق تغيب فيه الأقدام ثم استعير لكل أمر شاق من تعب وإثم غير ذلك منه وعثاء السفر وكآبة المنقلب أي شدة النصب والتعب، وسوء الانقلاب.
"والسهل" بسكون الهاء، وفتحها ضرورة وفي بعض النسخ، بضمتين جمع سهل ما لأن من الأرض ولم يبلغ، أن يكون وعثا.
والمعنى أن جميع الطرق تضيق عن ذلك الجيش، فالإضافة بيانية وخصا بالذكر لأنهما الغالب في الطرق المسلوكة لا للاحتراز "خوافق" بالجر بدل من أمم بدل بعض من كل بتقدير الضمير، أي منها وصرف للضرورة، أو هو لغة حكاها الخفش قائلا كأنها لغة الشعراء، لأنهم اضطروا إليه في الشعر فجرى، على ألسنتهم في غيره جمع خافق أو خافقة من خفقت الراية تحقق بكسر الفاء وضمها أو صفة لأمم بالمفرد يعد الجملة من خفق الأرض بنعله وهو صوت النعل وخفق في البلاد ذهب، والبرق لمع والريح جرى، والطائر طار فوصفها بسرعة السير ولمعان الحديد، وصوت وقع حوافر الخيل ونحوه.
وبالرع مبتدأ قال الشامي: على تقدير لها خوافق، أي رايات أو خبر أي: هي خوافق، يعني الأمم، ويجوز أن التقدير على جر خوافق ذوي خوافق فمهما قدرنا حذف مضاف أو قلنا هي مبتدأ أو جررنا على البدل فالمراد الرايات، وإن خفضنا صفة لأمم أو قلنا هي خوافق فالخوافق الأمم لا الرايات. انتهى.
وفي نسخ حوافر بالراء قال أبو شامة، وهو تصحيف "ضاق" ضعف "ذراع" أي وسع "الخافقين" المشرق، والمغرب؛ لأن الليل والنهار يخفقان فيهما "بها" الرايات أو الأمم "فيстр. 1535
........................ ... ... قاتم من عجاج الخيل والإبل
وجحفل قذف الأرجاء ذي لجب ... عرمرم كزهاء الليل منسحل
وأنت صلى عليك الله تقدمهم ... في بهو إشراق نور منك مكتمل
ينير فوق أغر الوجه منتجب ... متوج بعزيز النصر مقتبل
يسمو أمام جنود الله مرتديا ... ثوب الوقار لأمر الله ممتثل
خشعت تحت بهاء العز حين سمت ... بك المهابة فعل الخاضع الوجل
الحواشي
(١) قاتم" مغبر "من عجاج" بمهملة وجيمين غبار "الخيل والإبل" لكثرتهما في ذلك الجيش، "وجعفل" بالجر على أمم أو خوافق أو قاتم "قذف" بفتح القاف والذال المعجمة، وبضمهما أي متباعد "الأرجاء" بالفتح النواحي والأطراف.
"ذي لجب" صوت "عرمرم" كثير "كزهاء" بضم الزاي "السيل" أي قدره وعلى صفته كثرة وسرعة، وفي نسخة كزهاء الليل وأخرى كجناح الليل شبهه بالليل، في سده الأفق وتطبيقه الأرض واسوداده بكثرة السلاح "منسحل" بضم الميم وسكون النون وفتح السين وكسر الحاء المهملتين اسم فاعل أي ماض في سيره ومسرع فيه، كأنه جار "وأنت" مبتدأ "صلى عليك الله" جملة معترضة للاهتمام والخبر "تقدمهم" التقدم المعنوي أي المتقدم عليهم الآمر المطاع فيهم لا الحسنى لأنه قدم الكتائب إمامة ولا يصح ولا باعتبار كتيبته ﷺ لأن الأنصار، كانوا في مقدمة كتيبته، كما مر "في بهو" حال من فاعل تقدمهم "إشراق نور منك مكتمل" بضم الميم الأولى وكسر الثانية، أي تام "ينير" بضم التحتية أي يضيء النور المذكور "فوق أغر الوجه" أبيضه "منتجب" مختار من أصل نجيب كريم.
"متوج" لابس التاج، وهو الإكليل الذي تلبسه الملوك شبه عصابة تزين بالجوهر، والمعنى أنه مجمل "بعزيز النصر" أي النصر العزيز الذي وعده به ربه. "مقتبل" بكسر الموحدة أي مستأنف للخير مستقبل له وفتحها أي مقابل بذلك "يسمو" بتحتية يعلو "أمام" قدام "جنود الله" جمع جند "مرتديا" حال من ضمير يسمو "ثوب الوقار" العظمة مفعول بإسقاط الخافض، والإضافة بيانية أي تجمل بالوقار بحيث أحاط به كما يشمل الثوب لابسه أو من إضافة المشبه به للمشبه أي مرتديا بالوقار الذي هو كالثوب في ستر ما تحته والإحاطة به "لأمر الله" متعلق بقوله "متمثل" أي عامل به جار في فعله، "على مثاله "خشعت" خضعت حسا ومعنى "تحت بهاء" حسن "العز حين سمت" ارتفعت "بك المهابة" الهيبة أي الإجلال والمخافة، "فعل الخاضع" نصب يخشع على أنه مفعول مطلق، والعامل فيه من معناه "الوجل" الخائف تواضعا لربك وشكرا لنعمائه، فقابلت تلك المهابة بما يفعل الخاشع الخائف.стр. 1536
وقد تباشر أملاك السماء بما ... ملكت إذ نلت منه غاية الأمل
والأرض ترجف من زهو ومن فرق ... والجو يزهو إشراقا من الجذل
والخيل تختال زهوا في أعنتها ... والعيس تنثال رهوا في ثنى الجدل
لولا الذي خطت الأقلام من قدر ... وسابق من قضاء غير ذي حول
أهل ثهلان بالتهليل من طرب ... ..........................
الحواشي
(١) وفي نسخة الخائف الوجل جمع بينهما لاختلاف اللفظ تأكيدا للمعنى قال أبو شامة: وهي أحسن، أي: فعلت في زمان نهاية عزك ما يفعله الخائف الوجل، وأما الخضوع فبمعنى الخشوع فالمعنى عليه خشعت خشوعا كخشوع الخاشع ولا يخفى ما فيه "وقد تباشر أملاك السماء" جمع ملك بشر بعضهم بعضا "بما ملكت" بضم الميم، وكسر اللام مشددة، وبفتحهما وخفة اللام "إذا نلت" حيت أعطيت "منه" العز أو الفتح أو الله "غاية الأمل" نهاية المطلوب.
"والأرض ترجف" بضم الجيم تهتز "من زهو" سرور بهذا الجيش، لإزالته ما كان بها من الفساد، "ومن فرق" فزع من صولته ""والجو" ما تحت السماء من الهواء "يزهر" بفتح الهاء يضيء "إشراقا" مصدر، مؤكد من معنى يزهر أو حال من ضميره فمعناه ذا إشراق "من الجذل" بفتح الجيم، والذال المعجمة السرور والفرح متعلق بإشراقا أو بيزهر.
"والخيل تختال" تتبختر في مشيها "زهوا" كبرا وإعجابا فهو غير معنى الزهو في سابقه، فلا تكرار "في أعنتها" جمع عنان بالكسر سير اللجام.
"والعيس" بكسر فسكون الإبل البيض يخالط بياضها شقرة "تنثال" بفتح الفوقية وسكون النون فمثلثة، فلام تنصب من كل جهة "رهوا" بالراء، كما قال أبو شامة والشامي، في النسخ الصحيحة، أي ذات رهو وهو السير السهل كما فسراه، وقال الطرابلسي أي ساكنة أو متتابعة أو سريعة. انتهى.
وكان المراد بسكونها أنها انصبرت مطمئنة بلا فزع وهو بمعنى السير السهل "في ثنى" بكسر المثلثة وفتح النون كأنه جمع ثني بكسر المثلثة وسكون النون، لأن كل جديل له ثني، إلا أنه جمع لم يسمع فكأنه أجرى المذكر مجرى المؤنث.
وفي بعض النسخ بضم المثلثة وكسرها كحلية وحلي "الجدل" بضمتين جمع جديل وهو الزمام المجدول أي المغفور.
ثني الجدل ما انثنى منها على أعناق الإبل أي انعطف والتوى "لولا الذي خطت" أي خطته "الأقلام" فالعائد محذوف كخبر المبتدأ "من قدر" بيان لها "و" من "ساق من قضاء" بيان لسابق "غير ذي حول" بكسر ففتح انتقال، وتغير لقضاء "أهل" بفتحات واللام ثقيلة أي رفع صوته "ثهلان" بمثلثة "بالتهليل" مصدر هلل إذا قال لا إله إلا الله "من طرب" خفة لشدة سروره.стр. 1537
........................ ... وذاب يذبل تهليلا من الذبل
الملك لله هذا عز من عقدت ... له النبوة فوق العرش في الأزل
شعبت صدع قريش بعد ما قذفت ... بهم شعوب شعاب السهل والقلل
قالوا محمد قد زادت كتائبه ... كالأسد تزأر في أنيابها العصل
فويل...................... ... ..........................
الحواشي
(١) "وذاب" سال "يذبل" بفتح التحتية وسكون المعجمة وضم الموحدة واللام "تهليلا" جبنا "من الذبل" بضم المعجمة والموحدة الرماح والمعنى لولا ما سبق من قضاء الله وقدره أن الجماد لا ينطق إلا خرقا للعادة، كتسبيح الحصى في يد المصطفى لرفع ثهلان صوته فهلل الله من الطرب، ولذاب يذبل جزعا وفرقا من الذوابل "الملك لله" ابتداء كلام من الناظم أو منصوب بقول مقدر، حال من ثهلان "أي قائلا الملك لله "هذا" النصر" المبين.
"عز من عقدت" بالبناء للمفعول أي أظهرت "له النبوة" وأفرغت عليه بالفعل "فوق العرش في الأزل" بفتحتين. القدم متعلق بعقدت وفوق العرش حال منه والمراد به مجرد التعظيم لحديث البخاري عن أبي هريرة مرفوعا: "لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي". لا أن النبوة موجودة حقيقة فوقه فلا يرد أن الجمع بين وجودها في الأزل الذي هو القدم قبل وجود الأشياء فلا عرش، ثم وبين كونها فوقه تناقض "شعبت" بفتح المعجمة والمهملة وسكون الموحدة، جمعت وأصلحت "صدع" شق "قريش بعدما قذفت" رمت "بهم شعوب" بفتح المعجمة وضم المهملة علم للمنية لا ينصرف من شعب إذا تفرق، لأنها تفرق الجماعات فشعب من الأضداد بمعنى جمع وفرق "شعاب" بالنصب جمع شعب بالكسر الطريق في الجبل ظرف لقذفت، على أن الباء في بهم زائدة أي قذفهم خوف المنية في الشعاب أو مفعول به على معنى أن شعوب قذفت الشعاب بهم كأنهم في يدها كالحجارة في يد القاذف، فرمت بهم شعاب "السهل والقلل،" أي رءوس الجبال جمع قلة، وهي من كل شيء أعلاه إشارة إلى ما حصل لهم بمنه ﷺ عليهم وعفوه عنهم من الأمن والاجتماع بعدما تفرق بعضهم من بعض، وانهزموا إلى رءوس الجبال وبطون الدور وكثر القتل فيهم بحيث قال أبو سفيان أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم "قالوا" أهل مكة وغيرهم. "محمد" بترك التنوين للضرورة "قد زادت" كثرت كتائبه".
"كالأسد تزأر" بالهمز تصوت "في أنيابها" حال من فاعل تزأر "العصل" بضم العين والصاد المهملتين جمع أعصل كحمر وأحمر فحركت الصاد اتباعا أو ضرورة وهو الناب الشديد المعوج، فشبه الصحابة في الشدة والصولة بالأسد في حال تصويتها "فويل" يعبر بها عن المكروهстр. 1538
..... مكة من آثار وطأته ... وويل أم قريش من جوى الهبل
فجدت عفو بفضل العفو منك ولم ... تلمم ولا بأليم اللوم والعذل
أضربت بالصفح صفحا عن طوائلهم ... طولا أطال مقيل النوم في المقل
رحمت واشج أرحام أتيح لها ... تحت الوشيج نشيج الروع والوجل
الحواشي
(١) ويدعي بها فيه "مكة" أي فيا ويل أهلها "من آثار وطأته" أرضهم ونكايته فيهم بالقتل والإثخان.
"وويل أم قريش من جوى" بفتح الجيم والواو حرقة وحزن "الهبل" بفتح الهاء، والموحدة، الثكل، أي فقدهم "فجدت عفوا" أي سهلا من غير عناء ولا كد في السؤال "بفضل العفو" أي ترك العقوبة والتجاوز عن الذنب مع قدرتك عليها تركا تاما صدر "منك" بسهولة من غير إكراه ولا مشير به، فمعنى العفو فيهما مختلف "ولم تلمم" من ألممت بالشيء إذا دنوت منه أو نلت منه يسيرا، "ولا بأليم" موجع "اللوم والعذل" بفتح المعجمة وسكونها متقاربان فلما اختلف اللفظ حسم التكرير.
يعني أنه ﷺ لم يقابل أهل مكة ولا باللوم بل عفا عنهم وصفح.
"أضربت" أعرضت. وتركت "بالصفح" هو ترك المؤاخذة بالذنب مع القدرة عليها، فهو بمعنى العفو "صفحا" مصدر مؤكد لأعرضت معناه أي إعراضا أو حال من فاعل أعرضت بمعنى صافحا "عن" نتائج "طوائلهم" جمع طائلة أي عداوة، ونتائجها الجايات الصادرة منهم "طولا" بفتح الطاء منا وإنعاما وتفضلا. "أطال" هو أي الطول أو الصفح أو الإضراب الدال عليه أضربت "مقيل النوم في المقل" جمع مقلة وهي شحمة العين التي تجمع السواد والبياض استعار المقيل وهو النوم أو الاستراحة في الظهيرة للنوم، فشبه حصوله في أعينهم واستقراره بالمقيل بمعنى الاستراحة، وكنى بذلك عن لبثه واستقراره بسبب الصفح والعفو عنهم، وكان قبل ذلك نافرا عنهم بسبب الخوف من القتل والغم من الطرد. "رحمت واشج" بمعجمة وجيم مختلط "أرحام" من أضافة الصفة للموصوف أي: أرحاما مختلطة ومتصلا بعضها ببعض.
"أتيح" بضم أوله وكسر الفوقية وسكون التحتية وبالمهملة قدر وقيض "لها تحت الوشيج" بفتح الواو وكسر المعجمة وبالجيم، ما نبت من القنا والقصب ملتفا. قيل: سميت بذلك؛ لأن عروقها تنبت تحت الأرض وقيل: هي عامة الرماح.
"نشيج" بفتح النون وكسر المعجمة وسكون التحتية وبالجيم بكاء يخالطه شهيق "الروع" الفزع "والوجل" الخوف وهما متقاربان، أو مترادفان، فعطف لاختلاف اللفظ والمعنى أن الذين رحمتهم فأمنتهم قرابتهم شديدة الاتصال بك فراعيت القرابة وأزلت عنهم البكاء والحزن لخوفهم من سطوة جيشك الذي نزل بهم فاشتد روعهم ووجلهم.стр. 1539
عاذوا بظل كريم العفو ذي لطف ... مبارك الوجه بالتوفيق مشتمل
أزكى الخليقة أخلاقا وأطهرها ... وأكرم الناس صفحا عن ذوي الزلل
وطفت بالبيت محبورا وطاف به ... من كان عنه قبيل الفتح في شغل
والجحفل: الجيش العظيم.
وقذف الأرجاء: أي متباعدها.
واللجب: بالجيم المفتوحة: الضجة من كثرة الأصوات.
الحواشي
(١) "عاذوا" بمعجمة لجئوا "بظل" ستر نبي "كريم العفو ذي لطف" بفتح اللام، والطاء المهملة، وبالفاء اسم لما يبر به "مبارك الوجه" الذات "بالتوفيق مشتمل" أي حاصل له من جميع جوانبه أي حركاته كلها موفقة.
"أزكى" أكثر وأوسع، وأطهر "الخليقة" الخلائق "أخلاقا" جمع خلق السجية "وأطهرها" عطف مساو وسوغه اختلاف اللفظ، أو هو من زكا الزرع نما أو الرجل تنعم فالعطف مغاير "وأكرم الناس صفحا عن ذوي الزلل" بفتحتين التنحي عن الحق، وفي هذا الوصف زيادة على ما فهم من قوله قبل كريم العفو، لأن هذا اسم تفضيل وبعد هذا البيت في القصيد.
زان الخشوع وقار منه في خفر ... أرق من خفر العذراء في الكلل
زان من الزينة، والخفر بفتح المعجمة والفاء شدة الحياء والكلل بكسر الكاف جمع كلة بالكسر هي ستر رقيق يخاط كالبيت يتوقى فيه من البق "وطفت بالبيت" عطف على شعبت "محبورا" مسرورا منعما، "وطاف به من كان عنه قبيل الفتح في شغل" بضم المعجمتين ممنوع من الوصول إليه, وبعد هذا البيت مما يتعلق بالفتح في القصيدة:
والكفر في ظلمات الرجس مرتكس ... ثاو بمنزلة البهموت من زحل
حجزت بالأمن أقطار الحجاز معا ... وملت بالخوف عن خيف وعن ملل
وحل أمن ويمن منك في يمن ... لما أجابت إلى الإيمان عن عجل
وأصبح الدين قد حفت جوانبه ... بعزة النصر واستولى على الملل
قد طاع منحرف منهم لمعترف ... وانقاد منعدل منهم لمعتدل
أحبب بخلة أهل الحق في الخلل ... وعز دولته الغراء في الدول
"والجحفل الجيش العظيم" الزائد على أربعة آلاف قال في المحكم إن كان فيه خيل، "وقذف الأرجاء أي متباعدها" جمع رجا بالقصر كسبب وأسباب "واللجب بالجيم المفتوحة", كما في القاموس وغيره فما في نسخة المضمومة خطأ "الضجة من كثرة الأصوات".стр. 1540
والعرمرم: الضخم الكثير العدد.
وقوله: كزهاء الليل: شبهه بالليل في سده الأفق، واسوداده بالسلاح.
والمنسحل: بالحاء المهملة الماضي في سيره يتبع بعضه بعضا.
وقوله: في بهو إشراق: شبه النور الذي يغشاه ﵊ ببهو أحاط به.
والبهو: البناء العالي كالإيوان ونحوه.
والمنتجب: المتخير من أصل نجيب، أي كريم.
والمقتبل: المستقبل الخير.
الحواشي
(١) ولفظ القاموس اللجب محركة الجلبة والصياح "والعرمرم" بفتح العين، والراء المهملتين، وسكون الميم الأولى، والراء المفتوحة "الضخم الكثير العدد، وقوله كزهاء الليل شبهه بالليل في سده الأفق واسوداده بالسلاح" الكثير، "والمنسحل بالحاء المهملة" المكسورة اسم فاعل "الماضي في سيره يتبع بعضه بعضا" يقال انسحلت الناقة انسحالا، أسرعت في سيرها وفي نسخة بدله منسدل ومنسحل أجود في المعنى قاله أبو شامة، "وقوله في بهو إشراق" نور منك مكتمل "شبه النور الذي يغشاه ﵊ ببهو أحاط به، والبهو البناء العالي كالإيوان ونحوه" فيه أن النور أضيف إليه الإشراق، وللإشراق البهو والمضاف إليه لا يصح أن يشبه بالمضاف مرادا به معناه.
فالمناسب أن يقل شبه جسده الشريف بالبناء المرتفع واستعار له اسمه وأضافه إلى إشراق النور المحيط به ويمكن أنه شبه المحيط به ببناء مرتفع واستعار له اسمه، وأضافه إلى إشراق نور أصحابه الذين حوله، فنوره كالقمر، ونور أصحابه كالنجوم المشرقة مع القمر ويجوز أنه استعار البهو للجيش، وأراد بالنون ما علا ما علاه من البهاء، وإضافة الإشراق إليه من إضافة الصفة للموصوف، والمعنى على هذا وأنت تقدمهم في جيش عظيم كالبناء المرتفع في عدم الوصول إليه وذلك البناء ذو نور مشرق، قاله شيخنا: "والمنتخب المتخير من أصل نجيب أي كريم" والنجيب الكريم ذو الحسب إذا خرج كأبيه في الكرم، ونسبه ﷺ أزكى الأنساب وأشرفها وفاق هو صلوات الله وسلامه عليه أصوله وغيرهم فوصل إلى ما لا يدانيه غيره فيه.
"والمقتبل المستقبل الخير" على كسر الباء من اقتبل أمره استأنفه واستقبله وبفتحها المقابل بالخير من قولهم رجل قبل الشباب، أي مستأنفه لم ير فيه أثر أكبر لأنه مقابل بالتوجه إليهстр. 1541
وترجف: تهتز. والزهو: الخفة من الطرب، يعني: أن الأرض اهتزت فرحا بهذا الجيش، وفرقا من صولته، أي كادت تهتز، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] أي كادت تبلغ.
والجدل: جمع جديل، وهو الزمام المضفور.
وثني الجدل: ما انثنى على أعناق الإبل، أي انعطف.
وثهلان: اسم جبل معروف. وأهل: رفع صوته. ويذبل: اسم جبل أيضا.
والذبل: الرماح والذوابل وهي التي لم تقطع من منابتها حتى ذبلت أي جفت ويبست.
وتهليلا: أي صياحا، جبنا وفزعا. يعني: لولا ما سبق من تقدير الله تعالى أن الجبال لا تنطق لرفع ثهلان صوته وهلل الله من الطرب، ولذاب يذبل من الجزع والفرق.
الحواشي
(١) لم يتكامل وجوده بعد.
"وترجف تهتز" هز طرب وفرح، "والزهو" في قوله والأرض ترجف من زهو ومن فرق "الخفة من الطرب".
قال الجوهري: الطرب خفة تصيب الإنسان لشدة حزن أو سرور، والمراد هنا الثاني "يعني أن الأرض اهتزت فرحا بهذا الجيش وفرقا" خوفا وفزعا "من صولته" حملته، وليس المراد اهتزت بالفعل، بل قاربت، "أي كادت تهتز" ولا يعد المتكلم بالمجاز مبالغة كاذبا لوروده في أفصح الكلام "قال الله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ أي كادت تبلغ لشدة الخوف إذ لو بلغت الفعل لماتوا.
"والجدل" بضم الجيم، والدال المهملة، "جمع جديل وهو الزمام المضفور" الذي أحكم فتله، والزمام ما كان في الأنف والخطام وغيره، "وثني الجدل، ما انثنى على أعناق الإبل، أي انعطف وثهلان" بمثلثة مفتوحة وهاء ساكنة "اسم جبل معروف وأهل رفع صوته" إذ الإهلال رافع الصوت ومنه الإهلال بالحج واستهلال الصبي.
"ويذبل" بوزن ينصر "اسم جبل أيضا والذبل الرماح الذوابل وهي التي لم تقطع من منابتها حتى ذبلت" بفتحات من باب قعد، "أي جفت ويبست" وإذا قطعت كذلك كانت أجود وأصلب، "وتهليلا أي صياحا جبنا وفزعا يعني لولا ما سبق من تقدير الله تعالى أن الجبال لا تنطق" ولا تعقل، "لرفع ثهلان صوته وهلل الله من الطرب، ولذاب يذبل من الجزع والفرق،стр. 1542
وقوله: شعبت أي جمعت وأصلحت.
وقذفت بهم: أي فرقت بهم مخافة شعوب.
وشعوب: اسم للمنية لأنها تفرق الجماعات، من شعبت أي فرقت، وهو من الأضداد.
والشعاب: الطرق في الجبال.
والسهل: خلاف الجبل.
والقلل: رءوس الجبال. يعني أنه ﷺ أعفا عنهم بعدما تصدعوا، وتفرقوا وهربوا من خوفه إلى كل سهل وجبل.
وقوله: كالأسد تزأر في أنيابها العصل: أي المعوجة.
ولما فتح الله مكة على رسول الله ﷺ قال الأنصار فيما بينهم: أترون أن رسول الله ﷺ إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟
وكان ﵊ يدعو على الصفا رافعا يديه، فلما فرغ من دعائه قال:
الحواشي
(١) وقوله شعبت جمعت وأصلحت وقذفت بهم أي فرقتهم مخافة وشعوب" بوزن رسول "اسم للمنية، لأنها تفرق الجماعات من شعبت أي فرقت، وهو من الأضداد" حيث يستعمل في الجمع والتفريق.
والشعاب" جمع شعب بالكسر فيهما "الطرق في الجبل" وقيل الطريق مطلقا وقدمه المصباح.
"والسهل خلاف الجبل" وهو ما سهل ولان من الأرض.
"والقلل" جمع قلة "رءوس الجبال" أي أعاليها وقلة كل شيء أعلاه "يعني" الناظم بهذا البيت "أنه ﷺ أغضى عنهم" لأن دأب الحليم الإغضاء "بعدما تصدعوا وتفرقوا، وهربوا من خوفه إلى كل سهل وجبل, وقوله كالأسد تزأر في أنيابها العصل أي المعوجة" تفسير للعصل.
"ولما فتح الله مكة على رسول الله ﷺ قال الأنصار" كما ذكر ابن هشام من مرسل يحيى بن سعيد أنه قام على الصفا يدعو الله وقد أحدقت به الأنصار، فقالوا: "فيما بينهم أترون بهمزة الاستفهام وضم التاء، أي تظنون "أن رسول الله ﷺ إذ فتح الله عليه أرضه وبلده" إذ ظرفية أو تعليلة أي لفتحها عليه "يقيم بها" أم يرجع إلينا؟ "وكان ﵊ يدعو" جملة حالية، أي: قالت ذلك في حال دعائه "على الصفا رافعا يديه فلما فرغ من دعائه قالстр. 1543
"ماذا قلتم"؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال ﷺ : "معاذ الله، المحيا محياكم والممات مماتكم".
وهم فضالة بن عمير.
الحواشي
(١) "ماذا قلتم" , وكأنه علم أنهم قالوا: بالوحي. "قالوا: لا شيء" قلنا: يؤذيك "يا رسول الله" فإنا لم نلمك على فعل شيء ولا نقصنا قومك "فلم يزل" يتلطف "بهم حتى أخبروه" بما قالوا, فقال ﷺ : "معاذ الله" " نصب على المصدر حذف فعل وأضيف إلى المفعول أي أعوذ بالله أن أفعل غير ما وعدتكم به من الإقامة عندكم.
"المحيا محياكم"، أي حياتي حياتكم "والممات مماتكم" والإضافة لأدنى ملابسة أي حياتي وموتي لا يكون إلا عندكم، فكلاهما مصدر ميمي، ويجوز جعلهما زمانين أو مكانين، أي مكان حياتي، ومماتي أو زمانهما عندكم، وهذا أوفق بالسياق وهذا المرسل صح بأتم منه في مسلم، وأحمد وغيرهما عن أبي هريرة أنه ﷺ لما فرغ من طوافه، أتى الصفا فعلا منه حتى يرى البيت فرفع يديه وجعل يحمد الله ويذكره ويدعو بما شاء الله أن يدعو والأنصار تحته، فقال بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي وكان إذا جاء لم يخف علينا فليس أحد من الناس يرفع طرفه إليه فلما قضي الوحي قال: "يا معشر الأنصار"، قالوا: لبيك يا رسول الله. قال: "قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته". قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله. قال: "فما اسمي إذًا كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم, المحيا محياكم والممات مماتكم". فأقبلوا إليه يبكون يقولون: والله يا رسول الله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله ورسوله، فقال ﷺ : "فإن الله ورسوله يعذرانكم ويصدقانكم". الضن: بكسر الضاد المعجمة، وشد النون أي البخل والشح به أن يشركنا فيه أحد غيرنا كما ضبطه الشامي.
ولعله الرواية وإلا ففتحها لغة أيضا، وكان ذلك وقع لطائفتين فبادر بإخبار إحداهما لجزمها وتلطف في سؤال الأخرى لكونها لم تجزم، بل قالت: أترى إلخ.
ويعذرانكم بكسر الذال المعجمة يقبلان عذركم "وهم" بالفتح والتشديد، كما رواه ابن هشام عن بعض أهل العلم "فضالة" بفتح الفاء "ابن عمير بن الملوح" بضم الميم وفتح اللام والواو المشددة، ثم حاء مهملة، الليثي، الصحابي.
ذكره ابن عبد البر في كتاب الدرر في السير له بهذه القصة ولم يذكره في الاستيعاب وهو على شرطه.стр. 1544
أن يقتل رسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت، فلما دنا منه قال له رسول الله ﷺ : "أفضالة"، قال: نعم يا رسول الله! قال: "ماذا كنت تحدث به نفسك"؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله، فضحك ﷺ ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه.
وطاف ﷺ بالبيت.
الحواشي
(١) وذكر عياض في الشفاء بنحوه كما في الإصابة "أن يقتل رسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت" عام الفتح، "فلما دنا منه قال له رسول الله ﷺ : "أفضالة" قال: نعم" فضالة "يا رسول الله" هكذا ثبت فضالة بن نعم عند ابن هشام راوي هذا الخبر، وهو يفيد أن الهمز للاستفهام لا النداء هكذا نقله عنه اليعمري. وأما الشامي فنقله عنه بلفظ: يا فضالة وهو الذي قوى الشارح على جعلها للنداء. "قال: "ماذا كنت تحدث به نفسك". قال: لا شيء" أكرهه "كنت أذكر الله فضحك ﷺ ثم قال: "استغفر الله" مما حدثت نفسك به وقولك لا شيء، "ثم وضع يده" المباركة الميمونة "على صدره فسكن قلبه" اطمأن، وثبت فيه الإسلام وحب خير الأنام، "فكان فضالة يقول والله ما رفع يده عن صدري، حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه" هكذا لفظه عند ابن هشام، ونقله عنه كذلك اليعمري، والشامي في نسخة صحيحة يقع في بضع نسخه حتى ما خلق شيء وهو بمعناه إلا أن الكلام في العزو وبقية الخبر عند ابن هشام.
قال فضالة فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت: هلم إلى الحديث، فقلت: لا وانبعث فضالة يقول:
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا ... يأبى على الله والإسلم
لو ما رأيت محمدا وقبيله ... بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بينا ... والشرك يغشى وجهه الأظلام
وأنشده بعضهم كما في الإصابة لو ما شهدت بدل رأيت وجنوده بدل قبيله وساطعا بدل بينا، "وطاف ﷺ بالبيت" بعد أن استقر في خيمته ساعة، واغتسل وعاد للبس السلاح، والمغفر ودعا بالقصواء فأدنيت إلى باب الخيمة، وقد حف به الناس فركبها وسار وأبو بكر معه يحادثه فمر ببنات أبي أحيحة بالبطحاء، وقد نشرن شعورهن يلطمن وجوه الخيب بالخمر، فتبسم إلى أبي بكر واستنشده قول حسان الماضي يلطمهن بالخمر النساء إلى أن انتهى إلى الكعبة ومعه المسلمون، فاستلم الركن بمحجنه، وكبر فكبر المسلمون لتكبيره، ورجعوا التكبير حتى ارتجتстр. 1545
يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان. وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فكلما مر بصنم أشار إليه بقضيب وهو يقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا"، فيقع الصنم لوجهه. رواه البيهقي.
وفي رواية أبي نعيم: قد ألزقها الشياطين بالرصاص والنحاس.
الحواشي
(١) مكة تكبيرا حتى جعل ﷺ يشير إليهم أن اسكتوا، والمشركون فوق الجبال ينظرون، فطاف بالبيت ومحمد بن مسلمة آخذ بزمام الناقة سبعا يستلم الحجر الأسود كل طرف "يوم الجمعة" على المعروف خلافا لما قدمه المصنف في المولد النبوي أنه يوم الاثنين، وإن جزم به بعض المتأخرين هنا فلا عاضد له "لعشر بقين من رمضان، وكان حول البيت" أي في الجهات المحيطة به وحرف من قال وعلى الكعبة لاقتضائه أنها على سطحها ولفظ الصحيحين وغيرهما وحول البيت "ثلاثمائة وستون صنما".
وفي رواية البخاري، نصب قال الحافظ: بضم النون والمهملة، وقد تسكن فموحدة ما نصب للعادة من دون الله، ويطلق ويراد به الحجارة التي كانوا يذبحون عليها للأصنام، وليست مرادة هنا، وعلى أعلام الطريق وليست مرادة هنا ولا في الآية، "فكلما مر بصنم أشار إليه بقضيبه" فعيل بمعنى مفعول وهو الغصن المقضوب أي المقطوع.
وفي البخاري بعود في يده وفي مسلم بسية القوس بكسر المهملة وفتح التحتية المخففة ما عطف من طرفه، وهو يقول: "جاء الحق" الإسلام "وزهق الباطل" بطل الكفر "إن الباطل كان زهوقا" مضمحلا زائلا من زهق روحه إذا خرج وفيه استحباب هذا القول عند إزالة المنكر، كما قال السيوطي "فيقع الصنم لوجهه" أي عليه.
وعند الفاكهي، وصححه ابن حبان، في حديث ابن عمر فيسقط الصنم، ولا يمسه وللفاكهي والطبراني، من حديث ابن عباس لم يبق وثن استقبله إلا سقط على قفاه مع أنها كانت ثابتة بالأرض قد شد لهم إبليس أقدامها بالرصاص.
"رواه البيهقي" عن ابن عمر أنه ﷺ دخل مكة يوم الفتح وحول البيت فذكره، "و" كذا هو "في رواية أبي نعيم" عنه وزاد "قد ألزقها الشيطان بالرصاص" بفتح الراء. "والنحاس" بضم النون أي حملهم على ذلك فنسب إليه لكونه سببا فيه، وإلا فمعلوم أن الشيطان لم يفعل ذلك، كذا قال شيخنا, وحمله على الحقيقة أولى وإنما أبعد المصنف النجعة لقوله فيقع الصنم لوجهه.
ولزيادة أبي نعيم هذه وإلا فقد روى الشيخان عن ابن مسعود، قال: دخل ﷺ يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل، وما يعيد".следующие страницы →