Полный текст (5 943 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
.... لاقى الحمام بنفسه ... لما مسه في الله لا يتوجع
وقد قال الطبراني: الانهزام المنهي عنه هو ما وقع على غير نية العود، وأما الاستطراد للكثرة فهو كالتحيز إلى فئة.
الحواشي
(١) يعني أيمن بن عبيد، كما في الاستيعاب وغيره "لاقى الحمام" الموت "بنفسه، لما مسه في الله لا يتوجع" حال من مفعول مسه، يعني أنه أصيب في الحرب، ولم يظهر جزعا، ولا تألما، ومحصل ما ذكره المصنف فيمن ثبت أربعة أقوال أربعة دون مائة: اثنا عشر, عشرة، ومر خامس وهو ثمانون, وسادس وهو مائة.
رواه البيهقي، وغيره عن حارثة بن النعمان إلا أنه يمكن ترجيع دون مائة إلى الثمانين، كما أشار له الحافظ فلا يعد قولا، فهي خمسة فقط، وجمع شيخنا بحمل الأربعة على ما بقي معه آخذا بركابه، والاثني عشر، والعشرة على المتلاحقين بسرعة، فمن قال: اثنا عشر عد من كان معه أولا فيهم، ومن قال: عشرة أراد الأربعة، وستة ممن أسرع وحمل الثمانين على الذين نكصوا على أعقابهم، ولم يولوا الدبر، والمائة عليهم وعلى من انضم إليهم حين تقدموا إليه ﵇، هذا وقد تقدم الاعتذار عمن تولى من غير المؤلفة، بأن العدو كانوا ضعفهم في العدد وأكثر من ذلك، كما جزم به في الفتح، وكذا حزم في النور بأنهم كانوا أضعاف المسلمين، ولذا تبرأ الشامي في تفسيره للآية مما جزم به غير واحد أنهم كانوا أربعة آلاف، وسبق الاعتذار عنهم باحتمال أن الأربعة آلاف من نفس هوازن، والزائد ممن انضم إليهم من غيرهم، لأنهم أقاموا حولا يجمعون الناس.
"وقد قال الطبري" الإمام ابن جرير في الاعتذار عنهم، "الانهزام المنهي عنه هو ما وقع على غير نية العود" بلا عذر، "وأما الاستطراد" أي الفرار في الحرب، "للكثرة فهو كالمتحيز إلى فئة" أي جماعة من المسلمين يستنجد بها فليس انهزاما منهيا عنه، واستعمل الاستطراد بمعنى الفرار مجاز؛ لأنه كما في المصباح الفرار كيدا، ثم يكر عليه وتقدير بلا عذر المدلول عليه بمقابلته بعذر الكثرة ليظهر وجه مقابلته لما قبله، وإلا فلا يخفى أنه من أفراده لشموله، لما إذا نوى أن يعود أو لا نية له والفرار للكثرة، لا يخرج عنهما، وفي العيون فرارهم يوم حنين، قد أعقبه رجوعهم إليه بسرعة وقتالهم معه حتى كان الفتح، ففي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: ٢٥] إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] كما قال فيمن تولى يوم أحد: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] وإن اختلف الحال في الوقعتين، وفي الروض لم يجمع العلماء على أنه الكبائر إلا في يوم بدر، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] ، ثم أنزل التخفيف في الفارين يوم أحد، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ وكذا أنزل: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْстр. 1612
انتهى.
وأما قوله ﵊: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب". فقد قال العلماء: إنه ليس بشعر؛ لأن الشاعر إنما سمي شاعر الوجوه، منها: أنه شعر القول وقصده واهتدى إليه، وأتى به كلاما موزونا على طريقة العرب مقفى، فإن خلا من هذه الأوصاف أو بعضها لم يكن شعرا، ولا يكون قائله شاعرا, والنبي ﷺ لم يقصد بكلامه ذلك الشعر، ولا أراده، فلا يعد شعرا، وإن كان موزونا.
وأما قوله ﵊: "أنا ابن عبد المطلب". ولم يقل: أنا ابن عبد الله، فأجيب: بأن شهرته كانت بجده أكثر من شهرته بأبيه، لأن أباه توفي في حياة أبيه عبد المطلب قبل مولده ﵊.
الحواشي
(١) أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] وفي تفسير ابن سلام كان الفرار يوم بدر من الكبائر، وكذا يكون في ملحمة الروم الكبرى وعند الدجال، وأيضا فقد رجعوا لجيشهم وقاتلوا معه حتى فتح الله عليهم. "انتهى".
وأما قوله ﵊: "أنا النبي" حقا، "لا كذب" في ذلك، أو: والنبي لا يكذب، فلست بكاذب حتى أنهزم، "أنا ابن عبد المطلب" مع قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] "فقد قال العلماء" في الجواب عنه: "إنه ليس بشعر؛ لأن الشعر إنما سمي شاعر الوجوه منها أنه شعر القول، وقصده، واهتدى إليه، وأتى به كلاما موزونا على طريقة العرب مقفى، فإن خلا من هذه الأوصاف" الستة، "أو" من "بعضها لم يكن شعرا، ولا يكون قائله شاعرا والنبي ﷺ لم يقصد بكلامه ذلك الشعر، ولا أراده فلا يعد شعرا، وإن كان موزونا" الوا للحال؛ لأن هذا موزون، واقتصر على هذا القول الحافظ، لأنه أعدل الأجوبة، ومنها أن لا يكون شعرا حتى تتم قطعة، وهذه كلمات يسيرة لا تسمى شعرا، وقيل: إنه نظم غيره وكان أنت النبي لا كذب، أنت ابن عبد المطلب، فذكره بلفظ أنا في الموضعين، والممتنع عليه إنشاء الشعر، لا إنشاده، وقيل: هو رجز، وليس من أقسام الشعر، وهذا مردود لأن الجمهور على أن الرجز شعر: "وأما قوله ﵊ أنا ابن عبد المطلب، ولم يقل: أنا ابن عبد لله" فانتسب إلى جده دون أبيه، "فأجيب بأن شهرته كانت بجده أكثر من شهرته بأبيه، لأن أباه توفي" شابا، "في حياة أبيه عبد المطلب قبل مولده ﵊" على أصح الأقوال.стр. 1613
وكان عبد المطلب مشهورا شهرة ظاهرة شائعة وكان سيد قريش وكان كثير من الناس يدعو النبي ﷺ ابن عبد المطلب ينسبونه إلى جده لشهرته، ومنه حديث ضمام بن ثعلبة في قوله: أيكم ابن عبد المطلب، وقيل: غير هذا.
وأمر النبي ﷺ أن يقتل من قدر عليه، وأفضى الناس في القتل إلى الذرية، فنهاهم ﵊ عن ذلك.
الحواشي
(١) "وكان عبد المطلب مشهورا شهرة ظاهرة شائعة", ورزقه الله طول العمر، ونباهة الذكر "وكان سيد قريش، وكان كثير من الناس يدعو النبي ﷺ ابن عبد المطلب، ينسبونه إلى جده لشهرته به، ومنه حديث ضمام" بكسر الضاد المعجمة وخفة الميم، "ابن ثعلبة" الصحابي، في قوله" لما قدم المدينة، وأناخ بعيره في المسجد قال: "أيكم ابن عبد المطلب", ولم يقل: ابن عبد الله لشهرته به، وتأتي القصة في الوفود.
"وقيل غير هذا" في حكمة انتسابه له دون أبيه، فقيل: لأنه كان اشتهر بين الناس أنه يخرج من ذرية عبد المطلب رجل يدعو إلى الله، ويهدي الله الخلق على يديه، ويكون خاتم الأنبياء، فانتسب إليه ليتذكر ذلك من كان يعرفه، وقد اشتهر ذلك بينهم، وذكر سيف بن ذي يزن قديما لعبد المطلب قبل أن يتزوج عبد الله آمنة، فأراد ﷺ تنبيه أصحابه، لأنه لا بد من ظهوره، وأن العاقبة لهم لتقوى نفوسهم، إذا عرفوا أنه ثابت غير منهزم.
ذكره في الفتح، وفي الروض قال الخطابي: خص عبد المطلب بالذكر في هذا المقام تثتبيتا لنبوته، وإزالة للشك لما اشتهر وعرف من رؤيا عبد المطلب المبشرة به ﷺ ، وقد تقدمت، ولما انبأت به الأحبار والكها، فكأنه يقول: أنا ذاك، فلا بد مما وعدت به لئلا ينهزموا عنه، ويظنوا أنه مغلوب، أو مقتول، فالله أعلم، أراد ذلك رسوله أم لا انتهى، فليس من الافتخار بالآباء في شيء وبفرق تسليمه، فهو جائز في الحرب لإرهاب العدو.
وقد روى الطبراني: أنه ﷺ قال يوم حنين: "أنا ابن العواتك"، ثم لما أقبل المسلمون سيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، وأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنودا، قتل الله من قتل من الكفار، وانهزم الأعداء من كل ناحية، وأفاء الله تعالى على رسوله أموالهم، ونساءهم وأبناءهم، وفر مالك بن عوف في ناس من أشراف قومه حتى بلغ حصن الطائف، وأسلم عند ذلك ناس كثير من مكة حين رأوا نصر الله لرسوله، وإعزاز دينه، "وأمر النبي ﷺ أن يقتل من قدر عليه" من الكفار المنهزمين، فقال: "اجزروهم جزرا" وأومأ بيده إلى الحلق.
أخرجه البزار برجال ثقات عن أنس، فامتثلوا أمره، فتبعوهم يقتلونهم، "وأفضى الناس على القتل إلى الذرية، فنهاهم ﵊ عن ذلك".стр. 1614
وقال: من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه. واستلب أبو طلحة.
الحواشي
(١) روى الواقدي: أن سعد بن عبادة جعل يصيح يومئذ بالخزرج ثلاثا، وأسيد بن حضير بالأوس ثلاثا، فثابوا من كل ناحية كأنهم النحل تأوي إلى يعسوبها.
قال أهل المغازي: فحنق المسلمون على المشركين، فقتلوهم حتى أسرع القتل في ذراري المشركين، فبلغه ذلك ﷺ ، فقال: "ما بال أقوام بلغ بهم القتل حتى بلغ الذرية لا لا تقتل الذرية". ثلاثا, فقال أسيد: يا رسول الله! أليس إنما هم أولاد المشركين، فقال ﷺ : "أوليس خياركم أولاد المشركين، كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها".
وروى أحمد، وأبو داود عن رباح بن ربيع: أنه مر هو والصحابة على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون إليها، ويعجبون من خلقها حتى لحقهم ﷺ على راحلته فانفرجوا عنها، فوقف عليها، فقال: "ما كانت هذه لتقاتل"، فقال لأحدهم: "الحق خالدا فقل له: لا تقتل ذرية ولا عسيفا"، وعند ابن إسحاق: "فقل له: إن رسول الله ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا" والعسيف الأجير لفظا ومعنى، وذكر الواقدي عن شيوخ ثقيف: ما زال ﷺ في طلبنا ونحن مولون، حتى أن الرجل منا ليدخل حصن الطائف، وأنه ليظن أنه على أثره من رعب الهزيمة.
وروى البيهقي وغيره عن يزيد بن عامر السوائي، وكان حضر يومئذ فسئل عن الرعب، فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطست فتطن، فيقول: إن كنا نجد في أجوافنا مثل هذا.
وروى الواقدي عن مالك بن أوس: حدثني عدة من قومي شهدوا ذلك اليوم يقولون: لقد رمى رسول الله ﷺ تلك الرمية من الحصى فما منا أحد إلا يشكو القذى في عينيه ولقد كنا نجد في صدورنا خفقانا كوقع الحصى في الطساس، ما يهدأ ذلك الخفقان "وقال" ﷺ يومئذ بعد انقضاء القتال، كما في الصحيحين وغيرهما عن أبي قتادة: "من قتل قتيلا" أوقع القتل على المقتول، باعتبار ما له كقوله تعالى: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] ، "له عليه بينة فله سلبه".
قال الحافظ: بفتح المهملة، واللام بعدها موحدة، ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره عند الجمهور، وعن أحمد لا تدخل الدابة، وعن الشافعي تختص بأداة الحرب، واتفق الجمهور على أنه لا يقبل قول مدعيه إلا ببينة تشهد له أنه قتله، لمفهوم قوله: "له عليه بينة"، وعن الأوزاعي يقبل بلا بينة، ونقل ابن عطية عن أكثر الفقهاء أن البينة هنا شاهد واحد يكتفى به. انتهى.
"واستلب أبو طلحة" زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري، الخزرجي من كبارстр. 1615
وحده ذلك اليوم عشرين رجلا.
وقال ابن القيم في الهدى النبوي: كان الله تعالى وعد رسوله إذا فتح مكة دخل الناس في دين الله أفواجا، ودانت له العرب بأسرها، فلما تم له الفتح المبين اقتضت حكمته تعالى أن أمسك قلوب هوازن ومن تبعها عن الإسلام، وأن يجمعوا ويتأهبوا لحربه ﵊، ليظهر أمره تعالى، وتمام إعزازه لرسوله ونصره لدينه، ولتكون غنائمهم شكرانا لأهل الفتح، وليظهر الله تعالى رسوله وعباده المؤمنين، وقهره لهذه الشوكة العظيمة التي لم يلق المسلمون قبلها مثلها، ولا يقاومهم بعد أحد من العرب، فاقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أولا مرارة الهزيمة والكسرة.
الحواشي
(١) الصحابة، شهد بدرا وما بعدها، مات سنة أربع وثلاثين، وقال أبو زرعة الدمشقي: عاش بعد النبي ﷺ أربعين سنة "وحده ذلك اليوم" كما رواه أحمد وابن حبان عن أنس: قتل أبو طلحة يومئذ "عشرين رجلا" وأخذ أسلابهم "وقال ابن القيم في الهدي النبوي" في بيان حكمة ما جرى يومئذ: "كان الله قد وعد رسوله" وهو الصادق الوعد "إذا فتح مكة، دخل الناس في دين الله أفواجا، ودانت" طاعت وانقادت "له العرب بأسرها، فلما تم له الفتح المبين اقتضت حكمته تعالى أن أمسك قلوب هوازن ومن تبعها عن الإسلام" مديدة "وأن يجمعوا" من قدروا على جمعه، "ويتأهبوا" يجتمعوا بعد ذلك، فهو مغاير "لحربه ﵊، ليظهر أمره تعالى وإتمام إعزازه لرسوله، ونصره لدينه، ولتكون غنائمهم شكرانا" مصدر شكر ككفر، أي اعترافا بنعمه "لأهل الفتح، وليظهر الله تعالى رسوله وعباده المؤمنين، وقهره لهذه الشوكة" شدة البأس، والقوة "العظيمة التي لم يلق المسلمون قبلها مثلها" في الكثرة وشدة البأس.
وغاية ما لقوا في أحد ثلاثة آلاف، وكان لهم الظفر ابتداء، لكن لما خالف الرماة موقفهم الذي أمرهم ﵇ بعدم مفارقته استشه من استشهد إظهارا لأنه لا ينبغي مخالفته في أمر ما، وغاية ما لقوا في الخندق عشرة آلاف، ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا.
وأما هؤلاء فكانوا أضعاف المسلمين، كما قال البرهان وغيره، وفي كلام ابن القيم: هذا رد على من زعم أنهم كانوا أربعة آلاف، "ولا يقاومهم بعد أحد من العرب" قيد بهم؛ لأنه قاومهم من فارس والروم بعد العهد النبوي أضعاف ونصرهم الله ببركته ﷺ .
قال في الهدى، ولغير ذلك من الحكم الباهرة التي تلوح للمتأملين "فاقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أولا مرارة الهزيمة والكسرة" بسين مهملة، عطف مرادف، سوغهстр. 1616
مع كثرة عَددهم وعُددهم وقوة شوكتهم، ليطأ رءوسا رفعت بالفتح ولم تدخل بلده وحرمه كما دخل ﵊ واضعا رأسه منحنيا على مركوبه تواضعا لربه، وخضوعا لعظمته أن أحل له بلده، ولم يحله لأحد قبله ولا لأحد بعده، وليبين سبحانه لمن قال: لن نغلب اليوم من قلة، أن النصر إنما هو من عند الله تعالى، وأنه من ينصره فلا غالب له ومن يخذله فلا ناصر له، وأنه سبحانه هو الذي تولى نصر رسوله ودينه، لا كثرتكم التي أعجبتم بها، فإنه لم تغن عنكم شيئا فوليتم مدبرين، فلما انكسرت قلوبهم أرسلت خلع الجبر مع بريد أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها. وقد اقتضت حكمته تعالى: أن خلع النصر وجوائزه إنما تفاض على أهل الانكسار، قال الله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥] .
الحواشي
(١) اختلاف اللفظ "مع كثرة عَددهم" بفتح العين، "وعُددهم" بضمها، "وقوة شوكتهم ليطأ رءوسا رفعت بالفتح" لمكة، والنصر على أهلها، "ولم تدخل بلده وحرمه، كما دخل ﵊" فابتلوا بقصة حنين منعا لهم من إظهار الترفع وتنبيها لهم على أن المطلوب منهم التواضع وإظهار الشكر، كما فعل ﷺ في دخوله "واضعا رأسه منحنيا على مركوبه،" حتى أن ذقنه يكاد يمس سرجه "تواضعا لربه، وخضوعا لعظمته أن أحل له بلده، ولم يحله لأحد قبله، ولا لأحد بعده", كما قال: "ولو قدر أن يغلبوا الكفار ابتداء لرجع من رجع منهم شامخ الرأس متعاظما" وليبين سبحانه لمن قال لن نغلب اليوم من قلة" بناء عى أن قائلها غيره ﷺ ، كما هو الصحيح وغير الصديق ﵁، "أن النصر إنما هو من عند الله تعالى، وأن من ينصره" يعينه على عدوه، "فلا غالب له، ومن يخذله" بترك نصره، "فلا ناصر له" بعد خذلانه، كما أنزل الله قبل ذلك في الكتاب العزيز: "وأنه سبحانه هو الذي تولى نصر رسوله ودينه، لا كثرتكم التي أعجبتم بها، فإنها لم تغن عنكم شيئا فوليتم مدبرين، فلما انكسرت قلوبهم أرسلت خلع الجبر", أي بينت لهم علامات النصر الشبيهة بالخلع في إدخال السرور والعز لمن قامت به "مع بريد" أي: رسوله وعلى المؤمنين" فردوا إلى النبي ﷺ لما ناداهم العباس بإذنه، ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا﴾ ملائكة ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾ ، وقد اقتضت حكمته تعالى أن خلع النصر وجوائزه", أي عطاياه جمع جائزة, والمراد ما يترتب على النصر من الفوائد، "إنما تفاض على أهل الانكسار، قال الله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةًстр. 1617
قال: وبهاتين الغزاتين, أعني: حنينا وبدرا, وقاتلت الملائكة بأنفسها مع المسلمين، ورمى رسول الله ﷺ وجوه المشركين بالحصى فيهما. وبهاتين الغزاتين طفئت جمرة العرب لغزو رسول الله ﷺ .
الحواشي
(١) وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥] .
قال أعني ابن القيم عقب هذا: وافتتح الله تعالى غزو العرب بغزوة بدر، وختم غزوهم بغزاة حنين، ولهذا يجمع بين هاتين الغزاتين بالذكر: بدر وحنين وإن كان بينهما سبع سنين، "قال" بعد هذا "وبهاتين الغزاتين" قال المصنف: أعني حنينا وبدرا", وكان اللائق أن يقول: يعني لأن قصده بيان مراد ابن القيم، لحذفه من كلامه ما يرجع اسم الإشارة له، وهو ما ذكرته، ولم يقع في كلامه أعني "قاتلت الملائكة بأنفسها مع المسلمين،" كما هو ظاهر الأحاديث السالفة، والجمهور على أنها لم تقاتل يوم حنين، كما قدمه المصنف في بدر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٢٦] ولا دلالة فيه على قتال.
وفي تفسير ابن كثير المعروف من قتال الملائكة: إنما كان يوم بدر، وقال ابن مرزوق وهو المختار من الأقوال. اتهى، وثالث الأقوال: أنها لم تقاتل في بدر، ولا في غيرها، وإنما كانوا يكثرون السواد، ويثبتون المؤمنين، وإلا فملك واحد يكفي في إهلاك أهل الدنيا، وهذه شبهة دفعها الكفار بريشة من جناحه، سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة معه ﷺ مع قدرة جبريل على دفع الكفار بريشة من جناحه، فقلت: ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي ﷺ وتكون الملائكة مددا على عادة الجيوش، رعاية لصورة الأسباب، وسننها التي أجراها الله في عباده، والله فاعل الجميع. انتهى، وقول أبو الحسن الهروي في أرجوزته:
كذا لجنس الأنس فضل بادي ... بالعلم والفطنة والجهاد
على كرام الملا العباد ... من ساكني السبع العلي الفراد
لا يعارضه، لأن قتالهم ليس كقتال الإنس لأن الحاصل منهم القتل لا القتال.
وقدم المصنف في بدر أنهم كانوا يعرفون قتل الملائكة بآثار سود في الأعناق والبنان، "ورمى رسول الله ﷺ وجوه المشركين بالحصى فيهما،" فانكشفوا ورماهم بالحصى أيضا يوم أحد، لما ولي الناس عنه، فرجعوا القهقري حتى أتوا الجبل، رواه الحاكم بإسناد صحيح عن سعد، وبعد هذا في كلام ابن القيم، "وبهاتين الغزاتين طفئت جمرة العرب لغزو رسول الله ﷺ " والمسلمين، فالأولى خوفتهم وكسرت من حرهم، والثانية استفرغت قواهم، واستنفدت سهامهم وأذلت جمعهم حتى لم يجدوا بدا من الدخول في دين الله، وجبر الله أهل مكة بهذه الغزوة، وفرحهم بما نالوا من النصر والمغنم، فكانت كالدواء لما نالهم من كسرهم، وإن كان عين جبرهمстр. 1618
انتهى.
وأمر رسوله الله ﷺ بطلب العدو، فانتهى بعضهم إلى الطائف، وبعضهم نحو نخلة، وقوم منم إلى أوطاس.
واستشهد من المسلمين أربعة: منهم أيمن ابن أم أيمن.
الحواشي
(١) وتمام نعمته تعالى عليهم بما صرفه عنهم من شر من كان مجاورهم من أشرار العرب من هوازن وثقيف بما أوقع بهم من الكسرة، وبما قبض لهم من دخولهم في الإسلام. ولولا ذلك ما كان أهل مكة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدتها. "انتهى".
كلام ابن القيم "وأمر رسول الله ﷺ بطلب العدو" بعد انهزامهم "فانتهى بعضهم إلى الطائف" كمالك بن عوف في جماعة من أشراف قومه، فإنهم لما انهزموا، وقف على ثنية في شبان أصحابه، فقال: قفوا حتى يمضي ضعفاؤكم وينتام آخركم، فبصر بهم الزبير، فحمل عليهم حتى أهبطهم من الثنية، وهرب مالك إلى الطائف، ويقال: تحصن في قصر بلية، بلام مكسورة وتحتية خفيفة, على أميال من الطائف، فغزاهم ﷺ بنفسه، كما يأتي وهدم القصر، "وبعضهم نحو نخلة" فتبعهم خيل المسلمين، ولم تتبع من سلك في الثنايا، فأدرك ربيعة بن رفيع بفاء مصغرا دريد بن الصمة في ستمائة نفس، فقتله فيما جزم به ابن إسحاق، وقال ابن هشام: يقال: إن قاتله عبد الله بن قبيع.
وروى البزار بإسناد حسن ما يشعر بأن قاتل دريد هو الزبير، ولفظه عن أنس لما انهزم المشركون انحاز دريد بن الصمة في ستمائة نفس على أكمة، فرأوا كتيبة، فقال: خلوهم لي فخلوهم، فقال: هذه قضاعة ولا بأس عليكم منهم، ثم رأوا كتيبة مثل ذلك، فقال: هذه سليم، ثم رأوا فارسا وحده، فقال: خلوه لي، فقالوا: هذا الزبير بن العوام، وهو قاتلكم، ومخرجكم عن مكانكم هذا، فالتفت الزبير، فرآهم، فقال: علام هؤلاء هنا، فمضى إليهم وتبعه جماعة، فقتلوا ثلاثمائة، وخر رأس دريد بن الصمة، فجفلوا بين يديه، ويحتمل أن ربيعة أو عبد الله كان في جماعة الزبير، فباشر قتله، فنسب إلى الزبير مجازا، وكان دريد من الشعراء المشهورين في الجاهلية، ويقال: إنه كان لما قتل ابن عشرين ومائة سنة، ويقال: ابن ستين ومائة. انتهى من الفتح ملخصا.
"وقوم منهم إلى أوطاس" فبعث إليهم أبا عامر، كما يأتي، "واستشهد من المسلمين أربعة منهم أيمن" بن عبيد بن زيد بن عمرو بن خلال الخزرجي، كذا نسبه ابن سعد وابن منده، وأما أبو عمر، فقال الحبشي: وقد فرق ابن أبي خيثمة بين الحبشي وبين ابن أم أيمن وهو الصواب، فإن أيمن الحبشي أحد من جاء مع جعفر بن أبي طالب، قاله في الإصابة، والخزرجي أحد الثابتين، كما مر، وقول ابن إسحاق الهاشمي: يريد بالولاء، وهو المعروف بأنه "ابن أم أيمن" بركةстр. 1619
وقتل من المشركين أكثر من سبعين قتيلا.
الحواشي
(١) الحبشية، وكانت تزوجت في الجاهلية بمكة عبيد المذكور لما قدمها، وأقام بها، ثم نقلها إلى المدينة، فولدت له أيمن، ثم مات عنها، فرجعت إلى مكة فتزوجها زيد بن حارثة، قاله البلاذري وغيره، والثاني يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، جمح به فرس له يقال له: الجناح بلفظ جناح الطائر، فقتل، وسراقة بن الحارث الأنصاري وأبو عامر الأشعري، كما عند ابن إسحاق وعند ابن سعد، بدل يزيد بن زمعة رقيم بضم الراء وفتح القاف ابن ثعلبة بن زيد بن لوذان بضم اللام، وسكون الواو وذال معجمة.
لكن ابن إسحاق ذكره فيمن استشهد في الطائف، وذكر الواقدي أنه ذكر له ﷺ : أن رجلا كان بحنين قاتل قتالا شديدا حتى اشتدت به الجراح، فقال: إنه من أهل النار، فارتاب بعض الناس من ذلك، فلما آذته الجراح نحر نفسه بسهم, فأمر ﷺ بلالا ينادي: "ألا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر". والثابت في الصحيح أن ذلك يوم خيبر، كما مر في غزوتها، والواقدي لا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف خصوصا ما في الصحيح، فإن كان محفوظا فيمكن أنه وقع ذلك في كلتا الغزاتين لرجلين، وقد تقدم نقل كلام العلماء في قوله: "إنه من أهل النار". بأنه لنفاقه، أو إن لم يغفر الله له، أو إنه استحل قتل نفسه، أو شك في الإيمان لما جرح. فلا يلزم منه أن كل من قتل نفسه يقضى عليه بالنار، أو أنه يدخلها للتطهير، ولا يرد بقوله: "لا يدخل الجنة إلا مؤمن" لأن المراد لا يدخلها مع السابقين، أو بلا عذاب إلا من كمل إيمانه، ولا بالرجل الفاجر، لأنه يكفي في فجوره عصيانه، "وقتل من المشركين أكثر من سبعين قتيلا" وقت الحرب، فلا ينافيه حديث أنس عند البزار السابق قريبا: أن الزبير ومن معه قتلوا ثلاثمائة لأنه بعد انهزام الكفار ولا يخالف قوله أكثر قول ابن إسحاق وغيره: "واستحر"١ القتل وهو "بحاء" وراء من الحر، أي: اشتدت الحرب، وكثر من بني مالك من ثقيف، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم.
وما رواه البيهقي عن عبد الله بن الحارث عن أبيه: قال: قتل من أهل الطائف يوم حنين مثل من قتل يوم بدر، لأن الزائد على السبعين ممن اجتمع معهم من الأخلاط.
قال ابن إسحاق: وكان راية ثقيف مع ذي الخمار، فقتل فأخذها عثمان بن عبد الله، فقاتل حتى قتل، فقال ﷺ : "أبعده الله، فإنه كان يبغض قريشا" , وأسند ابن إسحاق أحمد، وصححه ابن حبان عن جابر قال: ورجل من هوازن أمامهم على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل، إذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه، فاتبعوه فأهوى له علي، ورجل من الأنصار، فضرب علي عرقوبي الجمل، فوقع على عجزه، فضرب الأنصاري الرجل
_________
١ في الأصل: استجر القتل وهو بجيم. وما أثبتناه فيما بين الحاصرتين هو الصواب كما في النهاية ١/ ٣٦٤.
ضربة أطن قدمه بنصف ساقه، فوقع عن رحله، وفيه جواز عقر مركوب العدو إذا كان عونا على قتله.стр. 1620
" غزاة أوطاس ":
ثم سرية أبي عامر الأشعري، وهو عم أبي موسى الأشعري، وقال ابن إسحاق: ابن عمه والأول أشهر.
بعثه ﷺ حين فرغ من حنين في طلب الفارين من هوازن يوم حنين إلى أوطاس -وهو واد في ديار هوازن- وكان معه سلمة بن الأكوع، فانتهى إليهم، فإذا هم مجتمعون فقتل منهم أبو عامر تسع إخوة.
الحواشي
(١) غزوة أوطاس:
"ثم سرية أبي عامر" عبيد بن سليم، بتصغيرهما ابن حضار، بفتح المهملة وشد المعجمة فألف فراء, "الأشعري" ذكر ابن قتيبة أنه عمي، ثم أبصر وأنه هاجر إلى الحبشة, قال في الإصابة: فكأنه قدم قديما فأسلم "وهو عم أبي موسى" عبد بن قيس بن سليم "الأشعري" الصحابي المشهور، "وقال ابن إسحاق": هو "ابن عمه، والأول أشهر" كما قاله في الفتح، وقال في النور: هو غلط إنما أبو موسى ابن أخيه. انتهى.
لكن في الفتح قول أبي عامر في الصحيح: ابن أخي يرد قول ابن إسحاق، ويحتمل إن كان ضبطه أنه قال له ذلك لكونه أسن منه. انتهى.
"بعثه ﷺ حين فرغ من حنين في طلب الفارين من هوازن يوم حنين إلى أوطاس" صلة الفارين، أي بعثه إلى من فر إلى أوطاس بفتح الهمزة، وسكون الواو، وطاء وسين مهملتين، "وهو" كما قال أبو عبيد البكري: "واد في ديار هوازن" قال: وهناك عسكروا هم وثقيف، ثم التقوا بحنين، وقال عياض: هو موضع حرب حنين، قال الحافظ: هذا الذي قاله، ذهب إليه بعض أهل السير، والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين، ويوضحه ما ذكره ابن إسحاق: أن الوقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لما انصرفوا صارت طائفة إلى الطائف, وطائفة إلى نخلة، وطائفة إلى أوطاس.
هكذا في الفتح عن عياض: حرب بالحاء المهملة، وكذا يأتي اعتراضه عليه، وتصحف على من قرأه قرب بقاف، وأجاب أنه لا يخالف الراجح؛ لأن غاية ما فيه أنه مع مغايرته لحنين قريب منها، "وكان معه سلمة بن الأكوع" الفارس المشهور "فانتهى إليهم، فإذا هم مجتمعون".
قال ابن إسحاق: فأدرك بعض من انهزم، فناوشوه القتال، "فقتل منهم أبو عامر تسعة إخوةстр. 1621
مبارزة بعد أن يدعو كل واحد منهم إلى الإسلام، ويقول: اللهم اشهد عليه، ثم برز له العاشر فدعاه إلى الإسلام وقال اللهم اشهد عليه، فقال اللهم لا تشهد عليّ فكف عنه أبو عامر ظنا منه أنه أسلم فأفلت, ثم أسلم بعد فحسن إسلامه فكان رسول الله ﷺ إذا رآه قال: "هذا شريد أبي عامر".
ورمى أبا عامر ابنا الحارث: العلاء وأوفى, فقتلاه.
الحواشي
(١) مبارزة بعد أن يدعو كل واحد منهم إلى الإسلام، ويقول: اللهم اشهد عليه" بأني دعوته إلى الإسلام، فلم يجب، كأنه أراد إظهار العذر في قتله، "ثم برز له العاشر".
قال ابن سعد: معمما بعمامة صفراء، "فدعاه إلى الإسلام وقال: اللهم اشهد عليه، فقال: اللهم لا تشهد عليّ، فكف عنه أبو عامر ظنا منه أنه أسلم فأفلت، ثم أسلم بعد، فحسن إسلامه, فكان رسول الله ﷺ إذا رآه قال: "هذا شريد" بالراء، ووقع في خط الحافظ بالهاء بدلها، وهو سبق قلم، فالذي في سيرة ابن إسحاق التي هو ناقل عنها بالراء، وهو الوجيه، وبالهاء لا وجه له، "أبي عامر".
هكذا ذكره ابن هشام عمن يثق به، وجزم الواقدي وابن سعد، بأن العاشر المذكور لم يسلم، وأنه قتل أبا عامر، "و" اختلف في قاتل أبي عامر، فقال ابن هشام: حدثني من أثق به، قال: "رمى أبا عامر ابنا الحارث" بن جشم بن معاوية، وهما "العلاء" بفتح العين، "وأوفى" قال الحافظ: وفي نسخة ووافى بدل أوفى، فأصاب أحدهما قلبه، والآخر ركبته، "فقتلاه" فقتلهما أبو موسى، فرثاهما بعضهم بأبيات منها:
هما القاتلان أبا عامر
وقال ابن إسحاق: زعموا أن سلمة بن دريد بن الصمة هو الذي رمى أبا عامر بسهم، فأصاب ركبته، فقتله قل الحافظ ويؤيده ما روه الطبراني، وابن عائذ بإسناد حسن عن أبي موسى: لما هزم الله المشركين يوم حنين بعث ﷺ على خيل الطلب أبا عامر وأنا معه، فقتل ابن دريد أبا عامر، فعدلت إليه فقتلته وأخذت اللواء.
وعند ابن إسحاق أيضا أنه قتله عاشر الإخوة الذي أسلم بعد، وهذا يخالف الحديث الصحيح في أن أبا موسى قتل قاتل أبي عامر، وهو أولى بالقبول، ولعل الذي ذكره ابن إسحاق شارك في قتله. انتهى، وانتقده الشامي: بأن ما نسبه لابن إسحاق ليس في رواية البكائي، وإنما زاده ابن هشام عن بعض من يثق به، ولم يذكر أن العاشر قتل أبا عامر أصلا، بل قال: رماه أخوان، والحافظ قلد القطب الحلبي دون مراجعة السير، كذا قال: وفيه أن اتفاق مثل هذين الحافظينстр. 1622
فخلفه أبو موسى الأشعري فقاتلهم حتى فتح الله عليه.
وكان في السبي الشيماء أخته ﵊ من الرضاعة.
الحواشي
(١) على نقله لا يتجه رده بما قال، فإن رواة سيرة ابن هشام متعددون، فهو قطعا في رواية يونس الشيباني وإبراهيم بن سعد أو غيرهما عنه، "فخلفه أبو موسى الأشعري" باستخلافه، كما في الصحيح، وبه جزم ابن سعد، فقول ابن هشام: وولى الناس أبا موسى، أي أقروه على استخلاف عمه، "فقاتلهم حتى فتح الله عليه" بأن هزم المشركين، وظفر المسلمون بالغنائم والسبايا.
"وكان في السبي الشيماء" بفتح المعجمة وسكون التحتية، ويقال فيها: الشماء بلا ياء ابنة الحارث بن عبد العزى السعدية، ذكرها أبو نعيم وغيره في الصحابة، وقدمت الخلاف في أن اسمها جدامة بضم الجيم ودال مهملة وميم, أو حذافة بحاء مهملة مضمومة وذال معجمة مفتوحة وفاء, أو خذامة بخاء مكسورة وذال معجمتين, "أخته ﵊ من الرضاعة" من جهة أنه ﵊ رضع أمها بلبان أبيها.
ذكر ابن إسحاق والواقدي وغيره أنه ﷺ قال يوم حنين: "إن قدرتم على بجاد". رجل من بني سعد "فلا يفلتنكم" وكان أحدث حدثا عظيما: أتاه مسلم فقطعه عضوا عضوا، ثم أحرقه بالنار، فظفروا به، فساقوه وأهله، وساقوا معه الشيماء، وأتعبوها في السير، فقالت: تعلموا والله إني أخت صاحبكم من الرضاعة، فلم يصدقوها، فلما انتهوا بها إليه ﷺ ، قالت: يا رسول الله إني أختك، قال: "وما علامة ذلك" قالت: عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك، فعرف العلامة فبسط لها رداءه، فأجلسها عليه، ورحب بها، ودمعت عيناه، وقال لها: "إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك، وترجعي إلى قومك فعلت". فقالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي، فأسلمت, قال ابن إسحاق: فأعطاها جارية، وغلاما اسمه مكحول، فزوجته بها، فلم يزل فيهم من نسلهما بقية، ومكحول صحابي، كما في الإصابة, وعند الواقدي فأعطاها ثلاثة أعبد، وجارية، وأمر لها ببعير أو بعيرين، وقال لها: "ارجعي إلى الجعرانة تكونين مع قومك، فإني أمضي إلى الطائف"، فرجعت إليها ووافاها بها، فأعطاها نعما وشاء ولمن بقي من أهل بيتها، وكلمته في بجاد أن يهبه لها، ويعفو عنه، ففعل ﷺ .
هذا وما وقع عند الواقدي أنه ﷺ سألها عن أبويها، فأخبرته أنهما ماتا لا يصح, فقد روى أبو داود، وأبو يعلى وغيرهما، عن أبي الطفيل أنه ﷺ كان بالجعرانة يقسم لحما، فأقبلت امرأة بدوية، فلما دنت منه بسط لها رداءه، فجلست عليه، فقلت: من هذه؟ قالوا: أمه التي أرضعته، وذكر ابن إسحاق أن زوجها الحارث عاش بعده ﵇، والواقدي لا يحتج به إذا انفرد، فكيفстр. 1623
وقتل قاتل أبي عامر, فقال ﷺ : "اللهم اغفر لأبي عامر واجعله من أعلى أمتي في الجنة".
وفي البخاري قال -يعني: أبا عامر لأبي موسى الأشعري، لما رمي بالسهم: يابن أخي! أقرئ النبي ﷺ السلام، وقل له: يستغفر لي, ثم مات، فرجعت فدخلت على النبي ﷺ .
الحواشي
(١) إذا خالف، "وقتل" بالبناء للفاعل عطفا على خلف، أي أبو موسى "قاتل أبي عامر، فقال ﷺ " لما بلغه: "اللهم اغفر لأبي عامر واجعله من أعلى أمتي في الجنة".
ذكره ابن سعد "وفي البخاري" عن أبي موسى الأشعري: لما فرغ ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد، وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرمي أبو عامر في ركبته، رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته، قال أبو موسى: فانتهيت إليه، فقلت: يا عم من رماك؟ فأشار إليّ, فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فلحقته، فلما رآني ولى، فأتبعته، وجعلت أقول له: ألا تستحيي؟ ألا تثبت؟ فكف، فاختلفنا ضربتين بالسيف، فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قتل الله قاتلك، قال: فانزع مني السهم، فنزعته فنزا منه الماء "قال: يعني أبا عامر لأبي موسى الأشعري لما رمي بالسهم" هذا كله من المصنف بيان للقائل والمقول له، لحذفه صدر الحديث المذكور "يابن أخي أقرئ النبي ﷺ السلام" عني، "وقل له: يستغفر لي".
قال المصنف كذا بالياء مصححا عليه: وفي الفرع، فليستغفر بلفظ الطلب والمعنى أن أبا عامر سأل أبا موسى أن يسأل له النبي ﷺ أن يستغفر له، وأسقط المصنف هنا من البخاري ما لفظه: واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرا، "ثم مات، فرجعت فدخلت على النبي ﷺ ".
زاد في رواية ابن عائذ: فلما رآني ﷺ معي اللواء قال: "يا أبا موسى قتل أبو عامر" , وحذف المصنف من البخاري ما لفظه في بيته على سرير مرمل، وعليه فراش قد أثر، ورمال السرير بظهره وجنبه.
قال المصنف: مرمل بضم الميم الأولى وكسر الثانية بينهما راء ساكنة، ولأبي ذر: بفتح الراء والميم الثانية مشددة منسوج بحبل ونحوه. انتهى.
وجزم الحافظ بضبط أبي ذر، فقال: مرمل براء مهملة، ثم ميم ثقيلة، أي معمول بالرمال، وهي حبال الحصر التي يضفر بها الأسرة قال ابن التين: أنكره الشيخ أبو الحسن، وقال: الصواب ما عليه فراش، فسقطت ما. انتهى، وهو إنكار عجيب، فلا يلزم من كونه رقد على غير فراش فيстр. 1624
فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قل له: استغفر لي، فدعا بماء فتوضأ، ثم رفع يديه وقال: "اللهم اغفر لعبيد أبي عامر". ورأيت بياض إبطيه, ثم قال: "اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك". فقلت: ولي فاستغفر. قال: "اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما". قال أبو بردة: إحداهما لأبي عامر والأخرى لأبي موسى.
الحواشي
(١) قصة عمر أنه لا يكون على سريره دائما فراش. انتهى.
من الفتح لكن قال الشامي يؤيد أبا الحسن: وأظنه ابن بطال أو القابسي قول أبي موسى: قد أثر رمال السرير بظهره وجنبه. انتهى، وقد لا يؤيده لرقة الفراش، فلا يمنع تأثير الرمال، فالحاصل على هذا دفع دعوى الخطأ عن الرواية، "فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وأنه قال: قل له استغفر لي، فدعا بماء فتوضأ، ثم رفع يديه" فيه استحباب الوضوء لإرادة الدعاء، ورفع اليدين فيه خلافا لمن خصه بالاستسقاء، وقال: "اللهم اغفر لعبيد أبي عامر". بدل من عبيد، جمع بين اسمه وكنيته، وفي نسخ لعبيدك بزيادة كاف من تحريف الجهال، فالثابت في البخاري بدون كاف وهو اسمه كما مر، "ورأيت بياض إبطيه", ثم قال: "اللهم اجعله يوم القيامة في الجنة فوق كثير". في المرتبة "من خلقك" من الناس حذفها البخاري، وقال في شرحها بيان للسابقة؛ لأن الخلق أعم، ولأبي ذر: ومن الناس, قال أبو موسى: "فقلت: ولي فاستغفر" يا رسول الله! قال: "اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا" بضم الميم، ويجوز فتحها وكلاهما بمعنى المكان والمصدر "كريما" حسنا "قال أب بردة" عامر أو الحارث بن أبي موسى راوي الحديث المذكور عن أبيه ثقة مات سنة أربع ومائة، وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين: "إحداهما" أي الدعوتين "لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى" أي الأخيرة وهذا ظاهر جدا.
وسيذكر المصنف قريبا بعد الطائف قسم غنائم حنين بعد استثنائه ﵇ رجاء قدوم هوازن، ثم يذكر في الوفود قدومهم عليه ﷺ مسلمين في شوال بعد انصرافه من الطائف، وقسم غنائمهم، وأنه خيرهم بين رد المال، وبين السبايا، فاختاروا السبايا، فشفع لهم ﷺ عند أصحابه في ذلك، فطابت نفوسهم، وقالوا كلهم: ما كان لنا فهو لله ولرسوله، فرد عليهم سباياهم، ويأتي ذكر قصيدة خطيبهم زهير بن صرد:
امتن علينا رسول الله في كرم
بتمامها فلم يستوف المصنف هنا تعلقات الغزوة، وللناس فيما يعشقون مذاهب.стр. 1625
فهرس الجزء الثالث من المواهب اللدنية:
الفهرس:
٣ غزوة المريسيع
١٧ غزوة الخندق وهي الأحزاب
٦٥ غزوة بني قريظة
١٠١ سرية القرطاء وحديث ثمامة
١٠٦ غزوة بني لحيان
١٠٩ غزوة ذي قرد, غزوة الغابة
١١٩ سرية الغمر
١٢٠ سرية ابن مسلمة إلى ذي القصة
١٢٣ سرية زيد إلى الجموم
١٢٤ سرية زيد إلى العيص
١٢٨ سريته للطرف
١٢٩ سريته إلى حسمى
١٣٣ سرية زيد أيضا إلى وادي القرى
١٣٣ سرية دومة الجندل
١٣٦ سرية علي إلى بني سعد
١٣٧ سرية زيد إلى أم قرفة
١٤١ قتل أبي رافع
١٥٢ سرية ابن رواحة
١٥٥ قصة عكل وعرينة
١٦٦ بعث الضمري ليغتال أبا سفيان
١٦٩ أمر الحديبية
٢٤٣ غزوة خيبر
٣٠١ فتح وادي القرى
٣٠٤ ذكر خمس سرايا بني خيبر والعمرة
стр. 1626
المجلد الرابع
تابع كتاب المغازي
حرق ذي الكفين
...
تابع كتاب المغازي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[حرق ذي الكفين] :
ثم سرية الطفيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكفين، صنم من خشب، كان لعمر بن حممة في شوال -لما أراد ﵊ السير إلى الطائف- ليهدمه ويوافيه بالطائف.
فخرج سريعا فهدمه وجعل يحش النار في وجهه ويحرقه يقول:
يا ذا الكفين.
الحواشي
(١) حرق ذي الكفين
"ثم سرية الطفيل"، بضم الطاء المهملة، وفتح الفاء وسكون التحتية، "ابن عمرو" بن طريف بن العاصي بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس، "الدوسي،" وقيل: هو ابن عبد عمرو بن عبد الله بن ملك بن عمرو بن فهم المذكور، وقيل: هو الطفيل بن عمرو بن حممة.
قال ابن سعد وابن حبان: أسلم بمكة، ورجع إلى بلاد ثم وافاه ﷺ في عمرة القضية، وشهد فتح مكة، وقال ابن أبي حاتم: قدم عليه مع أبي هريرة بخيبر، لقبه ذو النور، براء في آخره؛ لأنه لما وفد ودعا ﷺ لقومه، فقال له: ابعثني إليهم، واجعل لي آية، فقال: "اللهم نور له"، فسطع نور بين عينيه، فقال: يا رب أخاف أن يقولوا مثله، فتحول إلى طرف سوطه، فكان يضيء له في الليلة المظلمة.
ذكره هشام بن الكلبي في قصة طويلة فيها أنه: دعا قومه إلى الإسلام، فأسلم أبوه، ولم تسلم أمه، وأجابه أبو هريرة وحده.
قال الحافظ: وهذا يدل على قدم إسلامه، وجزم ابن أبي حاتم، بأنه قدم مع أبي هريرة بخيبر وكأنها قدمته الثانية، وقال ابن سعد وابن الكلبي: استشهد باليمامة، وقال ابن حبان: باليرموك، وقيل: بأجنادين في خلافة أبي بكر، ذكره ابن عقبة عن الزهري وأبو الأسود، عن عروة "إلى ذي الكفين" بلفظ تثنية كف، "صنم من خشب كان لعمر بن حممة،" بضم المهملة وفتح الميمين، كان حاكما على دوس ثلثمائة سنة، فيما ذكر ابن الكلبي "في شوال لما" حين "أراد ﵊ السير إلى الطائف ليهدمه،" وعند ابن إسحاق أنه قال: يا رسول الله ابعثني إلى ذي الكفين حتى أحرقه، وعند ابن سعد وأمره أن يستمد قومه، "ويوافيه بالطائف، فخرج سريعا، فهدمه، وجعل يحش" بفتح الياء وضم المهملة، وشد المعجمة "النار في وجهه،" أي يلقيها عليه، "ويحرقه،" أي يوصل النار إلى بقيته، "ويقول: "يا ذا الكفين" ".
قال السهيلي: بالتشديد، فخفف للضرورة، وقيل: هو مخفف، فإن صح فهو محذوفстр. 1627
لست من عبادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادكا
وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعا، فوافوا النبي ﷺ بعد مقدمه بأربعة أيام، وعند مغلطاي: وقدم معه أربعة مسلمون.
الحواشي
(١) اللام، كأنه تثنية كفء، من كفأت الإناء أو كف بمعنى كفء، ثم سهلت الهمزة، وألقيت حركتها على الفاء، كما يقال: الخب والخبء انتهى.
"لست من عبادكا" بألف الإطلاق فيه، وفيما بعده "ميلادنا" زمان ولادتنا أيها النوع الإنساني "أقدم من ميلادكا" زمان ولادتك، فكيف تصلح لعبادتنا إياك مع أن وجودك بفعلنا "إني حشوت النار في فؤادكا" جوفك تشبيها له بقلب الحيوان، وإن كان جمادا لا قلب له لكونه مصورا، "وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعا" وكان الطفيل مطاعا في قومه، شريفا شاعرا لبيبا، كما عند ابن إسحاق، "فوافوا النبي ﷺ بعد مقدمه" الطائف "بأربعة أيام".
هكذا ذكر ابن سعد "وعند مغلطاي، وقدم معه أربعة مسلمون"، فهذا تباين زائد إلا أن يقال: أن الباقي أسلموا بعد القدوم، وذكر ابن سعد أنه قدم بدبابة، ومنجنيق، وقال: يا معشر الأزد من يحمل رايتكم، فقال الطفيل: من كان يحملها في الجاهلية، النعمان بن الرازية اللهبي، قال: أصبتم دبابة بمهملة مفتوحة، فموحدة مشددة، فألف، فموحدة، فتاء تأنيث، آلة يدخل فيها الرجال، فيدبون فيها النقب الأسوار الرازية، براء، فألف، فزاي مكسورة، فتحتية، وتأتي قصة دوس في الوفود، والله تعالى أعلم.стр. 1628
[غزوة الطائف] :
ثم غزوة الطائف، وهي بلد كبير، على ثلاث مراحل أو اثنتين من مكة، من جهة المشرق، كثيرة الأعناب والفواكه.
الحواشي
(١) غزوة الطائف:
"ثم غزوة الطائف، وهي" كذا في النسخ بالتأنيث، والذي في الفتح، وهو "بلد كبير على ثلاث مراحل، أو اثنتين من مكة من جهة المشرق،" متعلق بكل من ثلاث، أو اثنتين ولك الجمع بأن الثلاث من عمران مكة والاثنتين من آخر ما ينتهي إليها من توابعها المنسوبة إليها، وكأنه تقريب على كلا القولين، "كثيرة الأعناب" جمع عنب واحدة عنبة، "والفواكة،" وهي ما يتفكه، أي يتنعم بأكله رطبا كان أو يابسا، كتين وعنب وبطيخ وزبيب ورطب ورمان، فهو عطف عامстр. 1629
وقيل: إن أصلها أن جبريل ﵇ اقتلع الجنة التي كانت لأصحاب الصريم، فسار بها إلى مكة، فطاف بها حول البيت ثم أنزلها حيث الطائف، فسمي الموضع، وكانت أولا بنواحي صنعاء.
الحواشي
(١) على خاص، غير أن الذي في الفتح، وتبعه الشامي كثير الأعناب والنخيل.
قال في القاموس: سمي بذلك؛ لأنه طاف على الماء في الطوفان، أو؛ لأن جبريل طاف بها على البيت، أو؛ لأنها كانت بالشام، فنقلها الله إلى الحجاز بدعوة إبراهيم، أو؛ لأن رجلا من الصدف أصاب دما بحضرموت، ففر إلى وج، وحالف مسعود بن معتب، وكان له مال عظيم، فقال: هل لكم أن أبني لكم طوفا عليكم يكون لكم ردأ من العرب، فقالوا: نعم، فبناه وهو الحائط المطيف به. ا. هـ.
فهذه أربعة أقوال في سبب التسمية، "وقيل" خامس هو: "إن أصلها، أي تسمية البلدة بذلك "أن جبريل ﵇ اقتلع الجنة التي كانت،" أي البستان الذي كان بصوران على فرسخ من صنعاء، كما في الروض وفي الأنوار أنها دون صنعاء بفرسخين "لأصحاب الصريم" البستان المقطوع ثمره سماه صريما؛ لأنه لما حل به البلاء صار لا ثمر له، والإضافة لأدنى ملابسة لشبه جنتهم به، فجعلوا أصحابه تجوزا، وإلا فهم ليسوا أصحابا له، بل هو مشبه به، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، وَلَا يَسْتَثْنُونَ، فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ، فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ , [القلم: ١٧] قال البيضاوي: البستان الذي صرم ثماره بحيث لم يبق فيه شيء، فعيل بمعنى مفعول، أو كالليل باحتراقها وإسودادها، أو كالنهار بابيضاضها من فرط اليبس سميا بالصريم؛ لأن كلا منهما ينصرف عن صاحبه أو كالرماد. ا. هـ.
وفي النهر قال ابن عباس: كالرماد الأسود والصريم الرماد الأسود بلغة خزيمة. ا. هـ. "فسار بها إلى مكة فطاف بها حول البيت، ثم أنزلها حيث الطائف" أي في المكان الذي فيه هذا البلد، لا يقال: على أنها احترقت وصدر به ابن عطية، واقتصر عليه الجلال كيف نقلها جبريل؛ لأنه يحتمل أنه لما أراد اقتلاعها، وطاف بها، عادت كما كانت أو أعظم، أو أنه لما اقتلعها حرق موضعها، وقد يدل له تسفير الصريم بالرماد الأسود، والعلم عند الله، "فسمي الموضع" الذي هو البلد الكبير، وما تبعه من القرى، وبهذا وافق قول القاموس الطائف بلاد ثقيف في واد أول قراها لقيم وآخرها الوهط، "وكانت أولا" قبل النقل "بنواحي صنعاء" على فراسخ منها بصوران، ومن ثم كان الشجر والماء بالطائف دون ما حولها، وكانت قصة أصحاب الجنة بعد عيسى ابن مريم بيسير، ذكر هذا الخبر كله النقاش وغيره، كما في الأرض، فلا يعترض بأن القاموس لم يذكره، وذكر أبو عبيدة البكري: أن أصل أعنابها أن قيس بن منبه، وهو ثقيف أصاب دما في قومه إيادстр. 1630
واسم الأرض: وج، بتشديد النجم المضمومة.
سار إليها النبي ﷺ في شوال سنة ثمان، حين خرج من حنين.
وحبس الغنائم بالجعرانة.
وقدم خالد بن الوليد على مقدمته، وكانت ثقيف لما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم.
الحواشي
(١) ففر إلى الحجاز، فمر بيهودية، فآوته واقام عندها زمانا، ثم انتقل، فأعطته قصبا من الحبلة وأمرته بغرسها، فأتى بلاد عدوان، وهم سكان الطائف حينئذ، فمر بسخيلة جارية عامر بن الظرب، وهي ترعى غنما، فأراد سباءها، وأخذ الغنم، فقالت: ألا أدلك على خير من ذلك، أقصد سيدي وجاوره، فإنه أكرم الناس، فأتاه، فزوجه ابنته زينب، فلما جلت عدوان عن الطائف بالحروب التي كانت بينها أقام ثقيف، فتناسل أهل الطائف منه، وسمى قيسا لقساوة قلبه حين قتل أخاه، أو ابن عمه، وسمي ثقيفا لقولهم فيه: "ما أثقفه حين ثقف عامرا حتى آمنه وزوجه بنته، "واسم الأرض وج بتشديد الجيم" قبلها واو مفتوحة، سميت برجل، وهو ابن عبد الحي من العمالقة، وهو أول من نزلها، قاله في فتح اللباب، كجميع ما ذكره المصنف، من أوله، وفي الروض قيل: وج هو الطائف، وقيل: اسم لواد بها، ويشهد له قول أمية بن الأشكر حيث قال:
إذا يبكي الحمام ببطن وج ... على بيضاته بكيا كلانا
وقول الآخر:
أتهدي لي الوعيد ببطن وج ... كأني لا أراك ولا تراني
ويقال: بتخفيف الجيم والصواب تشديدها، ويقال: وج وأج بالهمزة بدل الواو، قاله يعقوب في كتاب الأبدال. ا. هـ.
"سار إليها النبي ﷺ في شوال سنة ثمان،" قاله موسى بن عقبة، وجمهور أهل المغازي، وقيل: بل وصل ليها في أول ذي القعدة، كما في الفتح "حين خرج من حنين، وحبس الغنائم بالجعرانة" بكسر الجيم، وسكون العين المهملة، وقد تكسر، وتشديد الراء، قاله ابن إسحاق: وجعل ﷺ على الغنائم مسعود بن عمرو الغفاري، وقال البلاذري: بديل بن ورقاء الخزاعي.
وروى عبد الرزاق من مرسل بن المسيب: جعل عليها أبا سفيان بن حرب وفيه نظر، فإنه شهد الطائف، كما يأتي فإن صح، فكأنه جعله عليها أولا، ثم بدا له فجعل غيره وسار هو معه.
"وقدم خالد بن الوليد على مقدمته" في ألف من أصحابه، وقيل: مائة من بني سليم، فإنه صح، فباقي الألف من غيرهم، "وكانت ثقيف لما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم بالطائف،стр. 1631
ورموه بالطائف، وأغلقوه عليهم بعد أن أدخلوا فيه ما يصلحهم لسنة، وتهيئوا للقتال.
وسار ﷺ فمر في طريقة بقبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف -فيما يقال- فاستخرج منه غصنا من ذهب.
الحواشي
(١) ورموه "بشد الميم، "وأغلقوه عليهم بعد أن أدخلوا فيه ما يصلحهم من القوت لسنة، وتهيئوا للقتال" فأعدوا سككا من حديد، وجمعوا حجارة كبيرة، وأدخلوا معهم عقيلا وغيرهم من العرب، وأمروا سرحهم أن يرتع في موضع يأمنون فيه، وقاموا على حصنهم بالسلاح والرجال فدنا خالد، فدار بالصحن، ونظر إلى نواحيه، ثم وقف في ناحية، فنادى بأعلى صوته، ينزل إلى أحدكم أكلمه، وهو آمن حتى يرجع أو اجعلوا لي مثل ذلك، وأدخل عليكم أعلمكم، فقالوا: لا ينزل إليك رجل منا ولا تصل إلينا يا خالد، إن صاحبكم لم يلق قوما يحسنون قتاله غيرنا.
قال خالد فاسمعوا من قولي: نزل ﷺ بأهل الحصون والقوة بيثرب وخيبر، وبعث رجلا واحدا إلى فدك، فنزلوا على حكمه، وأنا أحذركم مثل يوم قريظة حصرهم أيامًا، ثم نزلوا على حكمه فقتل مقاتلهم في صعيد واحد، وسبى الذرية، ثم فتح مكة، وأوطا هوازن في جمعها وإنما أنتم في حصن في ناحية من الأرض لو ترككم لقتلكم من حولكم ممن أسلم، قالوا: لا نفارق ديننا فرجع خالد إلى المقدمة، كذا ذكر الواقدي ومن تبعه "وسار ﷺ فمر في طريقه بقبر أبي رغال،" بكسر الراء وغين معجمة، ولام "وهو أبو ثقيف فيما يقال" في تمريضه شيء، فقد ثبت مرفوعا.
أخرج ابن إسحاق وأبو داود البيهقي عن ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول حين خرجنا معه إلى الطائف، فمررنا بقبر فقال: "هذا قبر أبي رغال"، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود كان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه "وآية ذلك أن دف معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه" فابتدره الناس، فاستخرجوا منه الغصن، وأخطأ من قال: أن أبا رغال هذا هو دليل أبرهة حين مر على الطائف إلى مكة، فإن بين مولده ﷺ وبين هلاك ثمود ألوفا من السنين، وإنما دليل أبرهة شاركه في الاسم، "فاستخرج منه غصنا،" بضم المعجمة، وأحد الأغصان، وهي أطراف الشجر، والمراد به هنا قضيب "من ذهب" كان يتوكأ عليه، وكان نحو نيف وعشرين رطلا فيما قيل، ونسب الاستخراج إليه؛ لأنه الذي نبه عليه، وخيرهم في إخراجه لا أنه أخرجه بنفسه ولا بأمره، ومر في طريقه بحصن ملك النصري قائد هوازن، وكان يليه بكسر اللام، وخفة التحتية على أميال من الطائف، فأمر بهدمه،стр. 1632
ونزل قريبا من الحصن وعسكر هناك، فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا، كأنه رجل جراد، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة وقتل منهم اثنا عشر رجلا منهم: عبد الله بن أبي أمية.
الحواشي
(١) فهدم، ثم سار حتى نزل تحت سدرة قريبا من مال رجل من ثقيف قد تمنع، فأرسل إليه إما أن تخرج، وإما أن يحرق عليك حائطك، فأبى أن يخرج، فأمر بإحراقه ذكره ابن إسحاق.
قال: "و" سار بعد ذلك حتى "نزل قريبا من الحصن"، ولا مثل له في حصون العرب، "وعسكر هناك"، وأشرفت ثقيف، وأقاموا رماتهم، وهم مائة، "فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا، كأنه رجل" بكسر الراء وسكون الجيم "جراد" يعني أن السهام لكثرتها صارت كجماعة الجراد المنتشر، والإضافة بيانية، أي رجل هو الجراد وجرد رجل عن معناه، فأضيف إذ هو الجماعة الكثيرة من الجراد خاصة.
وذكر أهل المغازي أنهم رموا بالنبل والمقاليع من بعده من الحصن، ومن دخل تحته دلوا عليه سكك الحديد محماة بالنار يطير منها الشرر، وقال عمرو بن أمية الثقفي وأسلم بعد ذلك، ولم يكن عند العرب أدهى منه: لا يخرج إلى محمد أحد إذا دعا أحد من أصحابه إلى البراز، ودعوه يقيم ما أقام، فنادى خالد من يبارز مرتين، فلم يجب، ونادى عبد يا ليل لا ينزل إليك أحد، ولكنا نقيم في حصننا، خبأنا فيه ما يصلحنا لسنين، فإن أقمت حتى يذهب ذلك الطعام خرجنا إليك جميعا بأسيافنا حتى نموت من آخرنا، فقاتلهم ﷺ بالرمي عليهم، وهم يقاتلونه بالرمي من وراء الحصن، ولم يخرج إليه أحد، وكثرت الجراحات "حتى أصيب قوم من المسلمين بجراحة، وقتل منهم اثنا عشر رجلا منهم" كما قال ابن إسحاق، والبخاري وغيرهما "عبد الله بن أبي أمية" المخزومي أخو أم سلمة لأبيها المسلم في الفتح، وهو ابن عمته عاتكة. وحكمة النص عليه بيان ما أراد الله به من الخير بحيث صحب، وصار في زمرة الشهداء بعدما كان منه ما كان من شدة الأذى للمصطفى ﷺ والمسلمين، فسبقت له السعادة، وتمت له السيادة، وسعيد بن سعيد بن العاصي الأموي، وعرفطة، بضم المهملة، وسكون الراء، وضم الفاء، وطاء مهملة، ابن حباب بضم المهملة، وخفة الموحدة عند موسى بن عقبة وابن هشام.
وقال ابن إسحاق: ابن جناب بجيم ونون الأزدي، وعبد الله بن عامر بن ربيعة حليف بني مخزوم، والسائب وعبد الله ابنا الحارث بن قيس السهمي، وجليحة بضم الجيم، وفتح اللام، وسكون التحتية، وحاء مهملة ابن عبد الله، ومن الأنصار ثابت بن الجزع، بفتح الجيم، والمعجمة، وبالمهملة، واسمه ثعلبة السلمي والحارث بن سهل، والمنذر بن عبد الله، ورقيم بن ثابت.стр. 1633
ورمي عبد الله بن أبي بكر الصديق يومئذ بجرح فاندمل، ثم نقض بعد ذلك فمات منه في خلافة أبيه.
وارتفع ﷺ إلى موضع مسجد الطائف اليوم، وكان معه من نسائه أم سلمة وزينب، فضرب لهما قبتين، وكان يصلي بين القبتين حصار الطائف كله.
فحاصرهم ثمانية عشر يوما،
الحواشي
(١) ذكره ابن إسحاق هنا، وتبعه اليعمري مع من ذكره في شهداء حنين تبعا لابن سعد لما جرت به عادة العلماء، أنهم إذا مشوا في محل على قول، وفي محل على آخر لا يعد تناقضا، وقول الشامي تبع هناك ابن إسحاق، وهنا ابن سعد سبق قلم، فإن ابن إسحاق إنما ذكر رقيما هنا، لا هناك، ويزيد بن زمعة بفتح الزاي وسكون الميم ابن الأسود جمح به فرسه إلى حصن الطائف فقتله، ذكره ابن سعد وأما ابن إسحاق فعده في شهداء حنين وعبد الله بن أبي بكر عده ابن إسحاق وأتباعه في الاثني عشر، لكنه ليس بشهيد عند جماعة كالشافعية والمالكية لبقائه بعد الحرب مدة طويلة، ومن ثم غير المصنف الأسلوب، فلم يقل ومنهم بل أخبر بما جرى له فقال: "ورمى عبد الله بن أبي بكر الصديق يومئذ" بسهم "فجرح فاندمل" جرحه، "ثم نقض بعض ذلك فمات منه في خلافة أبيه" ﵃ أجمعين فهؤلاء ثلاثة عشر لكن في واحد خلاف فابن إسحاق يعد رقيما هنا، ويسقط يزيد وابن سعد بعده ويسقط رقيما، واتفقا على عد ابن الصديق.
"وارتفع ﷺ " بعد قتل هؤلاء "إلى موضع مسجد الطائف اليوم" الذي بناه عمرو بن أمية بن وهب بن متعب بن مالك لما أسلمت ثقيف، وكان فيه سارية فيما يزعمون لا تطلع عليها الشمس يوما من الدهر إلا سمع لها نقيض أكثر من عشر مرات، وكانوا يرون أن ذلك نبيح ذكره ابن إسحاق، وغيره نقيض بنون، وقاف وتحتية، ومعجمة صوت، "وكان معه من نسأله أم سلمة وزينب" اللتان خرج بهما من المدينة لما سار للفتح، "فضرب لهما قبتين خيمتين، ونص عليهما هنا لئلا يتوهم أنه تركهما بمكة حين فتحت، "وكان يصلي بين القبتين حصار، أي مدة حصار "الطائف كله" فبنت ثقيف لما أسلمت ذلك المسجد في موضع مصلاه، كما عنده ابن إسحاق، فحاصرهم ثمانية عشر يوما، ويقال: خمسة عشر يوما" حكاهما ابن سعد، وقال ابن إسحاق في رواية زياد: بضعا وعشرين ليلة، وقال في رواية يونس: حدثني عبد الله بن أبي بكر وعبد الله بن المكرم عمن أدركوا من العلماء أنه حاصرهم ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك قال ابن هشام: ويقال: سبع عشرة ليلة، وقيل: عشرين يوما، وقيل: بضع عشرة ليلة.
قال ابن حزم: وهو الصحيح بلا شك، وروى أحمد ومسلم في حديث أنس: أنهمстр. 1634
ويقال: خمسة عشر يوما، ونصب عليهم المنجنيق وهو أول منجنيق رمي به في الإسلام، وكان قدم به الطفيل الدوسي معه لما رجع من سرية ذي الكفين، فرمتهم ثقيف بالنبل فقتل منهم رجال، فأمر رسول الله ﷺ بقطع أعنابهم وتحريقها، فقطع المسلمون قطعا ذريعا، ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم، فقال ﵊
الحواشي
(١) حاصروا الطائف أربعين ليلة، ورواه ابن مسعود عن مكحول: أنه ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يوما، قال ابن كثير: وهذا غريب. ا. هـ.
"ونصب عليهم المنجنيق" بفتح الميم، وتكسر مؤثر عند الأكثر، ويذكر معرب، والميم أصلية عند سيبويه، والنون زائدة، ولذا سقطت في الجمع قال كراع: كل كلمة فيها جيم، وقاف، أو جيم وقاف، أو جيم وكاف مثل كيلجة فهي أعجمية.
ذكره في الروض "وهو" كما ذكره ابن هشام عمن يثق به "أول منجنيق رمي به في الإسلام"، وأما أول منجنيق رمي به فإبراهيم الخليل عمله إبليس لما أرادوا رميه ﷺ على نبينا وعليه.
وأما في الجاهلية فيذكر أن جذيمة بضم الجيم، وفتح المعجمة مصغرا ابن مالك المعروف بالأبرش أول من رمى به، وهو من ملوك الطوائف، "وكان قدم به الطفيل الدوسي معه لما رجع من سرية ذي الكفين"، ويقال: يزيد بن زمعة حكاهما ابن سعد بناء على قوله: أن يزيد لم يستشهد بحنين.
وقال الواقدي: قالوا: شاور ﷺ أصحابه فقال له سليمان: يا رسول الله أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم، فإنا كنا بأرضنا ننصب المنجنيقات على الحصون، وتنصب علينا فنصيب من عدونا، ويصيب منا، وإن لم يكن منجنيق طال الثواء بفتح المثلثة، أي الإقامة، فأمره ﷺ فعمل منجنيقا بيده، فنصبه على حصنهم، "فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتل منهم رجال" هم الإثنا عشر السابقة.
ذكر ابن إسحاق والواقدي: أن المسلمين دخلوا تحت دبابة، وهي من جلود البقر يوم الشدخة لما شدح فيه من الناس، ثم زحفوا بها إلى جدار الحصن ليحفروه، فأرسلت ثقيف سكك الحديد المحماة بالنار، فأحرقن الدبابة، فخرج المسلمون من تحتها، وقد أصيب منهم من أصيب، "فأمر رسول الله ﷺ بقطع أعنابهم" ونخيلهم "وتحريقها".
قال عروة: أمر كل مسلم أن يقطع خمس نخلات، وخمس حبلات، "فقطع المسلمون قطعا ذريعا" بمعجمة، أي سريعا، "ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم"، فقالوا: لم تقطع أموالنا، إما أن تأخذها إن ظفرتم علينا، وإما أن تدعها لله وللرحم، "فقال ﵊:стр. 1635
إني أدعها لله وللرحم.
ثم نادى مناديه ﵊: أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر.
قال الدمياطي: فخرج منهم بضعة عشر رجلا فيهم أبو بكرة، وعند مغلطاي: ثلاثة وعشرون عبدا.
وفي البخاري.
الحواشي
(١) "إني أدعها" أتركها "لله وللرحم" التي بيني وبينهم؛ لأن أمه آمنة، أمها برة بنت عبد العزى بن قصي، وأم برة هذه أم حبيب بنت أسعد، وأمها برة بنت عوف، وأمها قلابة بنت الحارث وأم قلابة بنت الحارث، وأم قلابة هند، بنت يربوع من ثقيف، كما قاله ابن قتيبة، "ثم نادى مناديه ﵊".
قال في النور: لا أعرف اسمه، "أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر".
رواه ابن إسحاق في رواية يونس من مرسل شيخه عبد الله بن المكرم الثقفي، والواقدي عن شيوخه "قال الدمياطي: فخرج منهم بضعة عشر رجلا"، كما رواه ابن إسحاق عن شيخه المذكور الواقدي عن شيوخه المنبعث واسمه المضطجع، فسماه ﵇ لما أسلم المنبعث عبد عثمان بن عامر والأزرق عبد كلدة بفتح فسكون.
وورد أنه كان عبد الله بن ربيعة ويحنس، بضم التحتية، وفتح المهملة، والنون المشددة، وسين مهملة النبال عبد يسار بن مالك وأسلم سيده بعد فرد ﷺ إليه ولاءه وإبراهيم بن جابر عبد خرشة بفتح المعجمتين، والراء بينهما، ويسار عبد عثمان بن عبد الله، ونافع أبو السائب عبد غيلان بن سلمة، فلما أسلم غيلان رد ﵊ إليه ولاءه ونافع بن مسروح ومرزوق غلام لعثمان بن عبد الله والأزرق أبو عتبة وأبو بكرة عبد الحارث بن كلدة بفتحتين.
قال في الفتح: ويقال كان معهم زياد ابن سمية والصحيح أنه لم يخرج حينئذ لصغره "فيهم أبو بكرة" نفيع بضم النون، وفتح الفاء، وسكون التحتية ابن الحارث، ويقال: مسروح، وبه جزم ابن سعد، وأخرج أبو أحمد والحاكم عنه أنه قال: أنا مولى رسول الله ﷺ ، فإن أبى الناس إلا أن يسموني فأنا نفيع بن مسروح، وقيل: اسمه هو مسروح، وبه جزم ابن إسحاق، كان من فضلاء الصحابة، وسكن البصرة، وأنجب أولادا لهم شهرة، تدلى من حصن الطائف ببكرة، فكي لذلك أبا بكرة، أخرجه الطبراني من حديث بإسناد لا بأس به، "وعند مغلطاي ثلاثة وعشرون عبدا" كما هو نص حديث الصحيح الذي بعده قال الحافظ: بعد عد هؤلاء ولم أعرف أسماء الباقين.
"وفي البخاري" من طريق شعبة عن عاصم سمعت أبا عثمان سمعت سعدا، وهو أول منстр. 1636
عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت سعدا وأبا بكرة عن النبي ﷺ .... قال عاصم: قلت لقد شهد عندك رجلان حسبك بهما قال: أجل.... أما أحدهما فأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأما الآخر فنزل إلى النبي ﷺ ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف الحديث.
وأعتق ﷺ من نزل منهم، ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين
الحواشي
(١) رمى بسهم في سبيل الله، وأبا بكرة، وكان تسور حصن الطائف في أناس، فجاء إلى النبي ﷺ قالا: سمعنا النبي ﷺ يقول: "من ادعى إلى غير أبيه، وهو يعلم فالجنة عليه حرام".
وقال هشام: أخبرنا معمر عن عاصم عن أبي العالية، أو"عن أبي عثمان" وعبد الرحمن بن مل "النهدي" هكذا فيه بالشك، لكن عن أبي عثمان وحده عن أبي بكرة وحده، كما أفاده في الفتح فتسمح المصنف في عزوه للبخاري "قال: سمعت سعدا" وهو ابن أبي وقاص أحد العشرة، "وأبا بكرة" يرويان "عن النبي ﷺ " الحديث المذكور، من ادعى إلى غير أبيه إلخ "قال عاصم" بن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن البصري الثقة مات سنة أربعين ومائة.
وروى له الجميع "قلت": لأبي عثمان، أو لأبي العالية "لقد شهد عندك" بكاف الخطاب، كما في رواية البخاري لأبي عثمان أو لأبي العالية، ونسخة عندي تصحيف "رجلان حسبك بهما قال: أجل" بالجيم واللام.
"أما أحدهما فأول من رمى" بفتح الراء والميم "بسهم في سبيل الله" حين كان في سرية عبيدة المطلبي، إلى رابغ، كما مر في أوائل المغازي.
"وأما الآخر، فنزل إلى النبي ﷺ ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف" بنصب ثالث.
قال الحافظ: ولم يقع لي هذا التعليق موصولا إلى هشام وهو ابن يوسف الصنعاني، وغرض البخاري منه ما فيه بيان عدد من أبهم في الرواية الأولى التي قام فيها في أناس، وقوله: تسور، إلى صعد إلى أعلاه، وهذا لا يخالف قوله: تدلى؛ لأنه تسور من أسفله إلى أعلاه، ثم تدلى منه، وفيه رد على ن زعم أنه لم ينزل من سور الطائف غير أبي بكرة، وممن قاله موسى بن عقبة، وتبعه الحاكم، وجمع بعضهم بأن أبا بكرة نزل وحده أولا، ونزل الباقون بعده وهو جمع حسن. ا. هـ.
"الحديث " كذا في النسخ وهو وهم، فإن آخر هذا الحديث في البخاري ليس بعده شيء، "وأعتق ﷺ من نزل منهم،" كما رواه ابن أبي شيبة، وأحمد عن ابن عباس قال: أعتق ﷺ يوم الطائف كل من خرج إليه من رقيق المشركين، "ودفع كل رجل منهم إلى رجل منстр. 1637
يمونه، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة.
ولم يؤذن له ﷺ في فتح الطائف، وأمر عمر بن الخطاب فأذن في الناس بالرحيل، فضج الناس من ذلك، فقالوا: نرحل ولم يفتح علينا الطائف؟ فقال ﵊: "فاغدوا على القتال"
الحواشي
(١) المسلمين يمونه"، فكان أبو بكرة إلى عمرو بن سعيد والأزرق إلى خالد بن سعيد، وورد أن إلى أبان بن سعيد والنبال إلى عثمان بن عفان، ويسار إلى سعد بن عبادة وإبراهيم إلى أسيد بن حضير، وأمرهم ﷺ أن يقرؤهم القرآن، ويعلموهم السنين، كذا عند الواقدي، ولم يعين البقية لمن، "فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة"، ولما أسلمت ثقيف، تكلمت أشرافهم في أولئك العبيد أن يردوهم إلى الرق منهم الحارث بن كلدة، فقال ﷺ لأولئك: "عتقاء الله لا سبيل إليهم".
رواه ابن إسحاق والواقدي وزاد، لكنه رد ولاء بعضهم إلى ساداتهم، قال ابن إسحاق: وبلغني أنه ﷺ قال لأبي بكر الصديق: "إني رأيت أني أهديت لي قعبة مملوءة زبدا، فنقرها ديك فهراق ما فيها"، فقال أبو بكر: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد، فقال ﷺ : "وأنا لا أرى ذلك "، ولم يؤذن له ﷺ في فتح الطائف" ذلك العام لئلا يستأصلوا أهله قتلا؛ لأنه لما خرج إليهم بعد موت أبي طالب دعاهم إلى الله، وأن يؤوه حتى يبلغ رسالة ربه، فردوا عليه ردا عنيفا، وكذبوه ورموه بالحجارة حتى أدموا رجليه، فرجع مهموما فلم يفق إلا عند قرن الثعالب، فناداه ملك الجبال: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت، فقال: "بل استأني لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله، فناسب قوله، بل استأني أن لا يفتح حصنهم لئلا يقتلوا عن آخرهم، وأن يؤخر الفتح ليقدموا مسلمين في العام المقبل، كما سيأتي في الوفود قاله الشامي، "وأمر عمر بن الخطاب، فأذن في الناس بالرحيل".
روى الواقدي عن أبي هريرة: لما مضت خمس عشرة من حصار الطائف استشار النبي ﷺ نوفل بن معاوية الديلمي، فقال: "يا نوفل ما ترى في المقام عليهم" قال: يا رسول الله ثعلب في حجر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك.
قال ابن إسحاق: ثم إن خولة بنت حكيم السلمية قالت: يا رسول الله أعطنى إن فتح الله عليك الطائف حلى بادية بنت غيلان، أو حلى القارعة بنت عقيل، وكانتا من أحلى نساء ثقيف، فقال ﷺ : "وإن كان يؤذن لنا في ثقيف يا خولة"، فذكرته لعمر، فقال: يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خولة زعمت أنك قلته، قال: "قلته" قال: أو ما أذنت فيهم فقال: "لا": أفلا أؤذن الناس بالرحيل؟ فقال: "بلى" فأذن عمر بالرحيل، "فضج الناس من ذلك، فقالوا: نرحل، ولم يفتح علينا الطائف، فقال ﵊: "فاغدوا على القتال"، أي سيروا أول النهارстр. 1638
فغدوا فأصاب المسلمين جراحات، فقال ﷺ : "إنا قافلون إن شاء الله تعالى" فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون، ورسول الله ﷺ يضحك.
قال النووي: قصد ﷺ الشفقة عليهم والرفق بهم بالرحيل عن الطائف لصعوبة أمره، وشدة الكفار الذين هم فيه، وتقويهم بحصنهم، مع أنه ﷺ أولا علم، أو رجا أنه سيفتحه بعد هذا بلا مشقة، فلما حرص الصحابة على المقام والجهاد أقام، وجد في القتال فلما أصابتهم الجراح رجع إلى ما كان قصده أولا من الرفق بهم ففرحوا بذلك لما رأوا من المشقة الظاهرة، ووافقوا على الرحيل، فضحك ﷺ تعجبا من تغير رأيهم.
وفقئت عين أبي سفيان صخر بن حرب يومئذ،
الحواشي
(١) لأجله "فغدوا فأصاب المسلمين جراحات" ولم يفتح لهم.
وروى الترمذي وحسنه عن جابر قال: قالوا: يا رسول الله أخرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم، فقال: "اللهم اهد ثقيف وائت بهم"، فقال ﷺ : "إنا قافلون" راجعون إلى المدينة "إن شاء الله تعالى" فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون ورسول الله ﷺ يضحك" تعجبا من تغير رأيهم.
قال عروة: وأمر ﷺ الناس أن لا يسرحوا ظهورهم، فلما أصبحوا ارتحل هو وأصحابه، ودعا حين ركب قافلا، فقال: "اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم".
رواه البيهقي وما ساقه المصنف لفظ ابن سعد، وقد رواه الشيخان عن ابن عمر وعمرو لما حاصر ﷺ الطائف فلم ينل منهم شيئا قال: "إنا قافلون إن شاء الله تعالى"، فثقل عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه، فقال: "اغدوا على القتال" فغدوا فأصابهم جراح، فقال: "إنا قافلون غدا إن شاء الله تعالى"، فأعجبهم فضحك، وفي لفظ فتبسم ﷺ : "قال النووي: قصد ﷺ الشفقة عليهم والرفق بهم بالرحيل عن الطائف لصعوبة أمره، وشدة الكفار الذين هم فيه وتقويهم بحصنهم"، مع أن عدم فتحه لا يضر، "مع أنه ﷺ أولا علم" بالوحي، "أو رجا" ورجاؤه محقق الوقوع، كما قال العلماء "أنه سيفتحه بعد هذا بلا مشقة، فلما حرص الصحابة على المقام والجهاد، أقام وجد في القتال، فلما أصابتهم الجراح رجع إلى ما كان قصده أولا من الرفق بهم، ففرحوا بذلك لما رأوا من المشقة".
وفي نسخة الشقة "الظاهرة ووافقوا على الرحيل، فضحك ﷺ تعجبا من تغير رأيهم وفقئت عين أبي سفيان صخر بن حرب" بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، "يومئذ" روىстр. 1639
فذكر ابن سعد أن النبي ﷺ قال له وهي في يده: "أيما أحب إليك عين في الجنة، أو أدعوا الله أن يردها عليك" قال: بل عين في الجنة ورمى بها.
وشهد اليرموك فقاتل وفقئت عينه الأخرى يومئذ ذكره الحافظ زين الدين العراقي في شرح التقريب.
وقال ﷺ لأصحابه: قولوا: "لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".
الحواشي
(١) الزبير بن بكار عن سعيد بن عبيد الثقفي، قال: رميت أبا سفيان يوم الطائف فأصيبت عينه، "فذكر ابن سعد أن النبي ﷺ قال له وهي في يده:" وفي رواية الزبير عن سعيد المذكور، فأتى النبي ﷺ ، فقال: هذه عيني أصيبت في سبيل الله، فقال: "أيما أحب إليك عين في الجنة"، أي عين ماء لا الباصرة؛ لأنه لا يختص بها في الجنة، "أو أدعو الله أن يردها عليك"، قال: بل عين في الجنة ورمى بها" وفي هذا قوة إيمانه وثبات يقينه بعدما كان من المؤلفة.
روى القزويني في تاريخ قزوين عن ابن عباس قال: لطم أبو جهل فاطمة، فشكت إلى أبيها ﷺ فقال: "ائت أبا سفيان" فأتته فأخبرته فأخذ بيدها حتى وقف على أبي جهل، وقال: إلطميه كما لطمك، ففعلت، فجاءت إلى النبي ﷺ ، فأخبرته، فرفع يده وقال: "اللهم لا تنسها لأبي سفيان".
قال ابن عباس: ما شككت أن إسلامه إلا لدعوة النبي ﷺ .
ذكره السيوطي في تحفة الأدب، "وشهد اليرموك" عند مقاتلة الروم في آخر خلافة الصديق تحت راية ابنه يزيد، وهو يقول: الله الله عباد الله انصروا الله ينصركم، اللهم هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك، "فقاتل" الروم، وكان أمير الجيش خالد بن الوليد، "وقفئت عينه الأخرى يومئذ، ذكره الحافظ زين الدين العراقي في شرح التقريب".
وروى يعقوب بن سفيان وابن سعد بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب عن أبيه، فقال: فقدت الأصوات يوم اليرموك إلا صوت علي يقول: يا نصر الله أقرب، فنظرت، فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد.
وروى البغوي بإسناد صحيح عن أنس أن أبا سفيان دخل على عثمان بعدما عمي وغلامه يقوده، "و" ذكر الواقدي وابن سعد أنه "قال ﷺ لأصحابه:" حين أرادوا أن يرتحلوا "قولوا: "لا إله إلا الله، وحده صدق وعده" "، الذي وعد به من إظهار دينه، "ونصر عبده" محمدا ﷺ ، "وهزم الأحزاب" الذين تحزبوا في غزوة الخندق، فاللام عهدية، أو المراد كل من تحزب من الكفار لحربه، فتكون جنسية "وحده" فهزيمتهم والنصر عليهم إنما هو مضاف إليه وهو خير الناصرين،стр. 1640
فلما ارتحلوا قال: قولوا: آبيون، تائبون عابدون، لربنا حامدون.
فانظر كيف كان ﷺ إذا خرج للجهاد يعتد لذلك بجمع أصحابه، واتخاذ الخيل والسلاح، وما يحتاج إليه من آلات الجهاد والسفر، ثم إذا رجع ﵊ يتعرى من ذلك، ويرد الأمر كله لمولاه لا لغيره بقوله: "آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده".
وانظر إلى قوله ﵊: "وهزم الأحزاب وحده"، فنفى ﷺ ما تقدم ذكره، وهذا هو معنى الحقيقة؛ لأن الإنسان وفعله خلق لربه ، فهو لله الذي خلق ودبر، وأعان وأجرى الأمور على يد من شاء، ومن
الحواشي
(١) "فلما ارتحلوا قال: "قولوا: آيبون" بمد الهمزة، أي نحن راجعون إلى الله، نحن "تائبون" إليه تعالى، إشارة إلى التقصير في عبادته والتوبة من توليهم يوم حنين، نحن "عابدون" الذي استحقت ذته العبادة "لربنا" نحن "حامدون" على ما أولانا من الفتح المبين، والنصر المتين، والجار والمجرور متعلق بالأربعة على طريق التنازع، "فانظر" تأمل بعين البصيرة، وأجل فكرك "كيف كان ﷺ إذا خرج للجهاد يعتد لذلك بجمع أصحابه، واتخاذ الخيل والسلاح وما يحتاج لذلك من آلات الجهاد والسفر، ثم إذا رجع ﵊ يتعرى" يتباعد "من ذلك ويرد" يفوض "الأمر كله لمولاه لا لغيره"، ويبين لصحبه أن النصر من عنده إلا بقوة ولا بعدد "بقوله" كما في البخاري وغيره: إذا رجع من الغزو بعد التكبير ثلاثا: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"، "آيبون تائبون عابدون"، زاد البخاري "ساجدون"، "لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".
وكلام المصنف هذا وارد في ارتحاله عن الطائف، بل وعن غيرها، فإنه أخبر عن حالتيه في كل غزواته أنه في الخروج يعتد، وفي الرجوع يرد الأمر لله، كما هو ظاهر جدالًا في ارتحاله إلى الطائف، كما ظن، فاعترض بأنه قصد غزوهم، فلا يحسن قوله، ثم إذا رجع وتعسف الجواب، بأنه سماه رجوعا لفراغه من حنين وارتحاله، إلى الطائف بعد نصره، فعده رجوعا وإن اشتغل بغيره، فإن هذا الشيء
أمر عجاب ولا وجه له، "وانظر إلى قوله ﵊: "وهزم الأحزاب وحده"، فنفى ﷺ ما تقدم ذكره" في قوله بجمع أصحابه إلى آخره، ونسب كل ذلك لله "وهذا" أي نفي الأمور عن غيره، ونسبتها إليه "هو معنى الحقيقة" أي ما يكون الشيء عليه في نفس الأمر، وقال أرباب السلوك الحقيقة، العلوم المدركة بتصفية الباطن: "لأن الإنسان وفعله خلق لربه : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ، "فهو لله الذي خلق ودبر، وأعان وأجرى الأمور على يد من شاء ومنстр. 1641
اختار من خلقه، فكل منه، ولو شاء أن يبيد أهل الكفر من غير قتال لفعل، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ ، فيثيب الصابرين ويجزل الثواب للشاكرين، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] .
فعلى المكلف الامتثال في الحالتين، أي: امتثال تعاطي الأسباب، والرجوع إلى المولى والسكون إليه بساحة كرمه، كما كان ﷺ يأتي الأسباب أولا تأدبا مع الربوبية وتشريعا لأمته، ثم يظهر الله تعالى على يديه ما يشاء من قدرته الغامضة التي ادخرها له ﵊.
قال ابن الحاج في المدخل:.
الحواشي
(١) اختار من خلقه، فكل منه وإليه، ولو شاء الله أن يبيد"، بضم الياء يهلك، "أهل الكفر من غير قتال لفعل" كما "قال تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ خبر مبتدأ، أي الأمر فيهم، أو افعلوا بهم ذلك، ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ﴾ انتقم "منهم" باستئصال بغير قتال، ﴿وَلَكِنْ﴾ أمركم به ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْض﴾ ، فيصير من قتل منكم إلى الجنة ومنهم إلى النار "فيثيب الصابرين ويجزل" بضم الياء، يوسع "الثواب للشاكرين"، واعتبر في الصابرين أصل الثواب وفي الشاكرين أجزاء له، كأنه لحظ قوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] ، وفي حق الصابرين من محبته لهم ونصرهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين﴾ [البقرة: ١٥٣] .
قال البيضاوي: بالنصر وإجابة الدعوة، والله يحب الصابرين، فينصرهم ويعظهم قدرهم "قال تعالى: ﴿ولنبلونكم﴾ " [محمد: ٣١] نختبرنكم بالجهاد وغيره: ﴿حتى
نعلم﴾ علم ظهور: ﴿الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] الآية في الجهاد وغيره، ﴿وَنَبْلُوَ﴾ نظهر ﴿أَخْبَارَكُمْ﴾ من طاعتكم، وعصيانكم في الجهاد وغيره، "فعلى المكلف الامتثال في" تحصيل "الحالتين"، كما يعلم من قوله: "أي امتثال تعاطي الأسباب والرجوع إلى المولى، والسكون إليه بساحة كرمه، كما كان ﷺ يأتي الأسباب أولا تأدبا مع الربوبية" بامتثال أمرها ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ، "وتشريعا لأمته"، وإن علم أن النصر إنما هو من عند الله، "ثم يظهر الله تعالى على يديه ما يشاء من قدرته الغامضة التي ادخرها له ﵊، قاله" محمد بن محمد أبو عبد الله "ابن الحجاج" العبدري الفارسي، الفقيه الورع، الزاهد، صحب جماعة من أرباب القلوب، وتخلق بأخلاقهم، مات سنة سبع وثلاثين وسبعمائة "في" كتاب "المدخل" إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات، والتنبيه علىстр. 1642
ولما قيل له: يا رسول الله، ادع على ثقيف، قال: اللهم اهد ثقيفا وائت بهم مسلمين.
الحواشي
(١) كثير من البدع المحدثة والفوائد المنتحلة، كتاب حفل، جمع فيه علما غزيرا يتعين الوقوف عليه، "ولما قيل له: يا رسول الله ادع على ثقيف قال: "اللهم اهد ثقيفا وائت بهم مسلمين" ذكره ابن سعد ومر أنه قاله: لما قالوا له: أحرقتنا نبال ثقيف، وتحرفت ائت من الإتيان بلفظ اهد بهم على من قال لعله قاله في وقت آخر، والذي قاله في الشامية كغيرها ائت، وهو الذي في الترمذي، وتقدم أنه دعا حين ركب: "اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم"، وقد استجاب له ربه، فأتى بهم مسلمين في رمضان سنة تسع، كما يأتي في الوفود إن شاء الله تعالى.стр. 1643
[نبذة من قسم الغنائم وعتب الأنصار] :
وكان ﷺ قد أمر أن يجمع السبي، والغنائم مما أفاء الله على رسوله يوم حنين، فجمع ذلك كله إلى الجعرانة،
الحواشي
(١) نبذة من قسم الغنائم وعتب الأنصار:
"وكان ﷺ قد أمر" وهو بحنين "أن يجمع السبي والغنائم مما أفاء الله على رسوله،" قال الحافظ: "أي أعطاه غنائم الذين قاتلهم "يوم حنين" وأصل الفيء الرد والرجوع، ومنه سمي الظل بعد الزوال فيأ؛ لأنه رجع من جانب إلى جانب، فكأن أموال الكفار سميت فيأً؛ لأنها كانت في الأصل للمؤمنين إذ الإيمان هو الأصل والكفر طار عليه، فإذا غلب الكفار على شيء من مال فهو بطريق التعدي، فإذا غنمه المسلمون منهم، فكأن رجع إليهم بعدما كان لهم انتهى، "فجمع ذلك كله" وأحضر "إلى الجعرانة"، ونادى مناديه: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يغل.
وروى أحمد، وابن ماجه والحاكم بسند صحيح عن عبادة، وابن إسحاق عن ابن عمر: أخذ ﷺ يوم حنين وبرة من سنام بعير من الغنائم، فجعلها بين أصبعه، ثم قال: "يا أيها الناس إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط، وإياكم والغلول، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله في الدنيا والآخرة"، فجاء أنصاري بكبة خيط من خيوط شعر، فقال: يا رسول الله أخذت هذه الوبرة لأخيط بها برذعة بعير لي دبر، فقال ﷺ : "أما حقي منها".
وفي رواية: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك"، فقال الرجل: أما إذا بلغ الأمر فيها ذلك، فلا حاجة لي بها، فرمى بها من يده، وروى عبد الرزاق، عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عقيل بن أبي طالب دخل على امرأته فاطمة بنت شيبة يوم حنين، وسيفه ملطخ دما، فقال:стр. 1644
فكان بها إلى أن انصرف ﵊ من الطائف.
وكان السبي ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، الغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة ألاف أوقية فضة.
واستأنى ﷺ -أي انتظر وتربص- بهوازن أن يقدموا عليه مسلمين بضع عشرة، ثم بدأ يقسم الأموال، فقسمها.
الحواشي
(١) دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك، فدفعها إليها، فسمع المنادي يقول: من أخذ شيئا فليرده حتى الخياط والمخيط، فرجع عقيل، فأخذها، فألقاها في الغنائم "فكان بها إلى أن انصرف" بها "﵊ من الطائف"، وعليها مسعود بن عمر والغفاري عند ابن إسحاق، أو بديل بن ورقاء الخزاعي عند البلاذري، كما مر.
وروى الطبراني عن بديل: أمر ﷺ أن نحبس السبايا والأموال بالجعرانة حتى يقدم، فحبست "وكان" كما قال ابن سعد وتبعه اليعمري، السبي ستة آلاف رأس" من النساء والأطفال.
روى عبد الرزاق عن ابن المسيب: سبى ﷺ يومئذ ستة آلاف بين امرأة وغلام "والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، الغنم أكثر من أربعين ألف شاة وأربعة آلاف أوقية فضة"، وإطلاق السبي على الإبل والغنم، والفضة تغليب، ولم يذكر عدة البقر والحمير مع أنهما كانت معهم أيضا، كما ذكره ابن إسحاق وغيره أن دريد بن الصمة قال لمالك بن عوف: ما لي أسمع بكاء الصغير، ورغاء البعير، ونهاق الحمير، ونعار الشاء وخوار البقر، إما لقلتهما بالنسبة لما ذكر، أو؛ لأنه لم يتحرر عدتهما لابن سعد، "واستأنى" بفوقية مفتوحة فهمزة، ساكنة " ﷺ " أي انتظر،" أي أخر قسم الغنيمة، "وتربص بهوازن أن يقدموا عليه هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد عليهم سبيهم وأموالهم، فقال ﷺ : "معي من ترون، وقد استأنينا بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون، وقد قسمت السبي فاختاروا إما السبي وإما المال"، فاختاروا السبي، فكلم ﷺ في رد سبيهم عليهم، فردوه كلهم إلا عيينة بن حصن، فإنه أبى أن يرد عجوزا كبيرة.
قال: هذه أم الحي لعلهم أن يغلوا فداءها، ثم ردها بست قلائص، فيما ذكره ابن إسحاق.
وذكر الواقدي ورواه البيهقي عن الإمام الشافعي: أنه ردها بلا شيء فالله أعلم، أي ذلك كان وذكر الواقدي وابن سعد: أنه ﷺ كسا كل واحد من السبي قبطية، وقال ابن عقبة: كساهم ثياب المعقد، بضم الميم، وفتح العين، وشد القاف ضرب من برود هجر، وتأتي أنстр. 1645
وفي البخاري: وطفق ﷺ يعطي رجالا المائة من الإبل
الحواشي
(١) شاء الله تعالى قصتهم في الوفود.
قال ابن القيم ما ملخصه: لما منع الله تعالى الجيش غنائم مكة، وكانوا كثيرا، وفيهم حاجة حرك الله تعالى قلوب هوازن لحربهم، وقذف في قلب قائدهم مالك بن عوف إخراج أموالهم، ونسائهم وذراريهم معهم نزلا وكرامة، وضيافة لحزب الله وجنده، وتمم تقديره بأن أطعمهم في الظفر وألاح لهم مبادئ النصر ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ولو لم يقذف الله ذلك في قلبه لكان الرأي ما أشار به دريد، فخالفه فكان سببا لتصييرهم غنيمة للمسلمين، فلما أنزل الله نصره على رسوله وأوليائه ردت الغنائم لأهلها، وجرت فيها سهام الله ورسوله، وقيل: لا حاجة لنا في دمائكم ولا نسائكم ولا ذراريكم، فأوحى الله إلى قلوبهم التوبة، فجاءوا مسلمين فقيل: من شكر إسلامكم، أي يرد عليكم سبيكم، ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] .
"وفي البخاري" ومسلم عن أنس قال ناس من الأنصار: حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن "وطفق ﷺ " يعطي رجالا" نحو العشرين ستعلمهم "المائة من الإبل"، زاد في رواية ولم يعط الأنصار شيئا، وفي أخرى قسم في الناس على المؤلفة قلوبهم، قال الحافظ: والمراد بهم ناس من قريش أسلموا يوم الفتح إسلاما ضعيفا ليتمكن الإسلام في قلوبهم، وكان فيهم من لم يسلم بعد كصفوان. ا. هـ.
وقد سردهم ابن الجوزي في التلقيح، وابن طاهر في مبهماته، والحافظ في الفتح، والبرهان في النور وهو أحسنهم سياقا، وأكثرهم عددا، فزادوا على الخمسين، وعند كل ما ليس عند الآخر وهم أبي بضم الهمزة، وشد التحتية، وهو الأخنس بن شريق أحيحة بمهملتين مصغرا ابن أمية أسيد بفتح فكسر ابن جارية بجيم وتحتية الثقفي أعطاه مائة، الأقرع بن حابس التميمي أعطاه مائة، جبير بن مطعم الجد بن قيس السهمي أورده في التلقيح الحارث بن الحارث أعطاه مائة، ثم سأله مائة أخرى فأعطاه إياها، ثم وعظه فأخذ المائة الأولى فقط، حكيم بن طليق حويطب بن عبد العزى أعطاه مائة، خالد بن أسيد بفتح فكسر خالد بن هوزة العامري خلف بن هشام، قال الصغاني، قال في النور: ولا أعرفه في الصحابةن ولم يذكره في التجريد قلت: لا في الإصابة وعد في العيون رقيم بن ثابت، وكأنه وهم؛ لأنه استشهد إما بحنين أو الطائف وكلاهما قبل القسم، زهير بن أسيد زيد الخيل عزاه الحافظ لتلقيح ابن الجوزيстр. 1646
..................................................
الحواشي
(١) قال الشامي: ولم أجده في نسختين قلت: سقط من النسختين معا، والحافظ ثقة لا يجازف في النقل السائب بن أبي السائب صيفي بن عائذ سعيد بن يربوع أعطاه خمسين، سفيان بن عبد الأسد المخزومي سهيل بن عمرو أعطاه مائة، أخوه سهل شيبة بن عثمان صخر بن حرب أبو سفيان أعطاه مائة من الإبل وأربعين أوقية فضة صفوان بن أمية أعطاه مائة، وفي البخاري ومسلم عنه: ما زال ﷺ يعطيني من غنائم حنين، وهو أبغض الخلق إلي حتى ما خلق الله تعالى شيئا أحب إلي منه، وفي مسلم أعطاه مائة من النعم ثم مائة.
قال الواقدي: يقال: إن صفوان طاف معه ﷺ يتصفح الغنائم إذا مر بشعب مملوءا إبلا وغنما، فأعجبه وجعل ينظر إليه فقال ﷺ : "أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب"، قال: نعم، قال: "هو لك بما فيه" فقال صفوان: أشهد أنك رسول الله ﷺ ما طابت بهذا نفس أحد قط إلا نبي طليق بن سفيان العباس بن مرداس أعطاه دون مائة، فقال:
أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع
وقد كنت في الحرب ذا تدرا ... فلم أعط شيئا ولم أمنع
وما كنت دون امرئ منهم ... ومن تضع اليو لا يرفع
فأتم له المائة.
رواه مسلم وغيره عبد الرحمن بن يعقوب الثقفي عثمان بن وهب المخزومي أعطاه خمسين، عدي بن قيس السهمي أعطاه خمسين، عكرمة بن عامر العبدري عكرمة بن أبي جهل، قال ابن التيم علقمة بن علاثة بضم المهملة وخفة اللام، ومثلثة عمرو بن الأهتم بفوقية عمرو بن بعكك بموحدة، فمهملة، فكافين وزن جعفر، وهو أبو السنابل جمع سنبلة.
عمرو بن مرداس أخو عباس عمير بالتصغير ابن ودقة، بفتح الواو والدال المهملة عمير بن وهب أعطاه خمسين، العلاء بن جارية، بجيم وتحتية الثقفي أعطاه خمسين عند الواقدي، وقال ابن إسحاق: مائة عيينة بن حصن الفزاري، مائة قيس بن عدي السهمي، مائة ذكره ابن إسحاق والواقدي وقال بعضهم: صوابه عدي بن قيس، وقال الحافظ: لا أدري أهما وأحد أم اثنان.
قال الشامي: والظاهر اثنان لاتفاق ابن إسحاق والواقدي على ذلك.
قيس بن مخرمة كعب بن الأخنس نقله البرهان عن بعض شيوخه، وقال: لا أعرفه أنا، ولا ذكرته في كتاب التجريد قلت: ولا الإصابة لبيد بن ربيعة العامري مالك بن عوف النصري رئيس هوازن أعطاه مائة، مخرمة بن نوفل الزهري أعطاه خمسين، مطيع بن الأسود القرشي معاوية بنстр. 1647
فقال ناس من الأنصار: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم؟!
الحواشي
(١) أبي سفيان أعطاه مائة من الإبل وأربعين أوقية فضة، أبو سفيان بن الحارث الهاشمي النضير، بمعجمة مصغرا ابن الحارث أعطاه مائة، نوفل بن معاوية الكناني هشام بن عمرو العامري خمسين، هشام بن الوليد المخزومي يزيد بن أبي سفيان الأموي أعطاه مائة بعير وأربعين أوقية، أبو الجهم بن حذيفة بن غنم العدوي فهؤلاء سبع وخمسون نفسا.
قال الحافظ: وفي عد العلاء بن جارية ومالك بن عوف نظر، وقد قيل أنهما أتيا طائعين من الطائف إلى الجعرانة، "فقال ناس من الأنصار: يغفر الله لرسول ﷺ " قالوه توطئة وتمهيدا لما بعده من العتاب، كقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ ، وفي رواية: والله إن هذا لهو العجب "يعطي قريشا، ويتركنا وسيفونا تقطر من دمائهم،" حال مقررة لجهة الأشكال، أي ودماؤهم تقطر من سيوفنا فهو من القلب كقوله:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
هكذا مشاه غير واحد، قال البدر العيني: ويجوز أنه على الأصل والمعنى أن سيوفنا من كثرة ما أصابها من دمائهم تقطر. ا. هـ.
وفي رواية وغنائمها ترد علينا والله إن هذا لهو العجب إذا كانت شديدة، فنحن ندعى وتعطي الغنيمة لغيرنا، ووددنا أن نعلم ممن كان هذا، فإن كان من الله صبرنا، وإن كان من رأيه ﷺ استعتبناه.
وفي حديث أبي سعيد عند أحمد بن إسحاق، فقال رجل من الأنصار: لقد كنت أحدثكم أنه لو استقامت الأمور لقد آثر عليكم غيركم، فردوا عليه ردا عنيفا، وقال حسان يعاتبه في ذلك:
زاد الهموم فماء العين منحدر ... سحا إذا حفلته عبرة درر
وجدا بشماء إذ شاء بهكنة ... هيفاء لا نتن فيها ولا خور
دع عنك شماء إذ كانت مودتها ... نزرا وشر وصال الواصل النزر
وائت الرسول وقل: يا خير مؤتمن ... للمؤمنين إذا ما عدد البشر
علام تدعى سليم وهي ما برحت ... تأت قدام هم آووا وهم نصروا
سماهم الله أنصارا لنصرتهم ... دين الهدى وجحيم الحرب تستعر
وسارعوا في سبيل الله واعترضوا ... للنائبات وما خاروا وما ضجروا
والناس ألب علينا فيك ليس لنا ... إلا السيوف وأطراف القناوزر
نجالد الناس لا نبقي على أحد ... ولا نضيع ما توحي به السورстр. 1648
قال أنس: فحدث رسول الله ﷺ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم، ثم قال لهم: "أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال
الحواشي
(١) ولا تهر جنات الحرب نادينا ... ونحن حين تلظى نارها سعر
كما وردنا ببدر دون ما طلبوا ... أهل النفاق ففينا ينزل الظفر
ونحن جندك يوم النصف من أحد ... إذ حزبت بطرا أحزابها مضر
فما ونينا وما خبنا وما خبروا ... منا عثارا وكل الناس قد عثروا
أورده ابن إسحاق وغيره، "قال أنس: فحدث رسول الله ﷺ بمقالتهم".
روى الإمام أحمد وابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري: أن الذي حدثه سعد بن عبادة، ولفظه لما أطى ﷺ من تلك العطايا في قريش، وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت المقالة، فدخل عليه سعد بن عبادة، فذكر له ذلك، فقال: "فأين أنت من ذلك يا سعد" قال: ما أنا إلا من قومي، قال الحافظ: وهذا يعكر عليه رواية الصحيح، ففيها أما رؤساؤنا فلم يقولوا شيئا فإن سعدا من رؤسائهم بلا ريب، إلا أن يحمل على الأغلب الأكثر، وإن المخاطب سعد، ولم يرد إدخال نفسه في النفي، أو أنه لم يقل ذلك في اللفظ، وإن رضي بالقول المذكور، فقال: ما أنا إلا من قومي وهذا أوجه.
وفي مغازي التيمي أن سبب حزنهم، أنهم خافوا أن يكون ﷺ يريد الإقامة بمكة، وما في الصحيح أصح على أنه لا يمنع الجمع وهو أولى، واختلف في أن العطاء من الغنيمة وهو المعتمد، وظاهر الروايات الماضية، وهو المخصوص بهذه الواقعة، وقد ذكر السبب في رواية البخاري حيث قال: "إن قريشا حديثو عهد بجاهلية ومصيبة وإني أردت أن أخبرهم، وأتألفهم أو من الخمس"، ورجحه القرطبي في المفهم، واختاره أبو عبيدة، وجزم له الواقدي، لكنه ليس بحجة إذا انفرد فكيف إذا خالف، وقيل: إنما تصرف في الغنيمة؛ لأن الأنصار كانوا انهزموا، فلم يراجعوا حتى هزم الكفار، فرد الله أمر الغنيمة لنبيه، وهذا معنى القول الأول أنه خاص بهذه الوقعة، ا. هـ ملخصا "فأرسل إلى الأنصار" سعد بن عبادة، ففي حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق وأحمد قال ﷺ : "فاجمع لي قومك" فخرج "فجمعهم في قبة" خيمة "من آدم"، بفتح الهمزة المقصورة، والدال جلد مدبوغ، قال في رواية البخاري: ولم يدع معهم، غيرهم فلما اجتمعوا قام ﷺ ، فقال: "ما حديث بلغني عنكم" فقال فقهاء الأنصار: أما فقهاؤنا، فلم يقولوا شيئا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم، فقالوا: يغفر الله لرسوله، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال النبي ﷺ : "فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم"، ثم قال لهم: "تلو هذا "أما" بخفة الميم "ترضون أن يذهب الناس بالأموال"، وفي رواية: "ألا ترضون أنстр. 1649
وتذهبون بالنبي إلى رجالكم؟! لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، قالوأ: يا رسول الله قد رضينا".
الحواشي
(١) "يذهب الناس بالشاة والبعير " وتذهبون بالنبي إلى رحالكم " " بالمهملة، أي بيوتكم، وفي رواية: "أولا ترضون أن يذهب الناس بالغنائم إلى بلدانهم، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم"؟، "فوالله لما" بفتح لام التأكيد، أي للذي "تنقلبون" ترجعون "به خير مما ينقلبون به" فنبههم على ما غفلوا عنه من عظيم ما اختصوا به منه بالنسبة إلى ما حصل عليه غيرهم من عرض الدنيا الفانية، ومن ثم "قالوا: يا رسول الله قد رضينا".
وذكر الواقدي أنه حين دعاهم ليكتب لهم بالبحرين تكون لهم خاصة بعده دون الناس، وهي يومئذ أفضل ما فتح الله عليه من الأرض، فأبوا وقالوا: لا حاجة لنا بالدنيا وبقية حديث الصحيح، فقال لهم ﷺ : "ستجدون إثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض".
وفي حديث أنس عند الشيخين: أنه ﷺ خطبهم، فقال: "يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا، فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وكنتم عالة فأغناكم الله بي" كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن، قال: "ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله ﷺ لو ئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا".
وفي حديث أبي سعيد عند أبن إسحاق وأحمد من طريقه: "أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتهم وصدقتهم أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك وطريدا فآويناك، وعائلا فواسيناك".
وأخرجه أحمد من وجه آخر عن أنس بلفظ آخر، فلا تقولون: جئتنا خائفا فآمناك، وطريدا فآويناك ومخذولا فنصرناك، قالوا: بل المن علينا لله ورسوله، وإنما قال ذلك ﷺ تواضعا منه وإنصافا، وإلا فالحجة البالغة والمنة الطاهرة في جميع ذلك له عليهم، فلولا هجرته إليهم وسكناه عندهم لما كان بينهم وبين غيرهم فرق، وفي هذا إقامة الحجة على الخصم، وإفحامه بالحق عند الحاجة، وتنبيه الكبير الصغير على ما غفل عنه، وإيضاح وجه شبهته ليرجع إلى الحق وحسن أدب الأنصار، ومناقب عظيمة لهم لثناء الرسول البالغ عليهم، والمعاتبة واستعطاف المعاتب وإغنائه عن عتبه إقامة حجة من عتب عليه، والاعتذار بالاعتراف.
قال ابن القيم ما حاصله: اقتضت حكمة الله أن الغنائم لما حصلت قسمت على من لم يتمكن الإيمان من قلبه، لما بقي فيه من طبع البشر من حب المال فقسم فيهم لتجتمع قلوبهم على محبته؛ لأنها جبلت على حب من أحسن إليها، ومنع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين ورؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها؛ لأنه لو قسم فيهم لقصر عليهم بخلاف قسمه.стр. 1650
وعن جبير بن مطعم قال: بينما أنا مع النبي ﷺ ، ومعه الناس مقفلة من حنين، علقت برسول الله ﷺ الأعراب حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه.
الحواشي
(١) على المؤلفة؛ لأنه فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسيهم، فيكون سببا لإسلامهم، ولتقوية قلب من دخل فيه قبل، فتبعهم من دونهم في الدخول، فكان فيه مصلحة عظيمة، ولذا لم يقسم من أموال مكة عند فتحها شيء مع احتياج الجيوش إلى المال الذي يعينهم على ما هم فيه انتهى، ووكل أولئك إلى قوة إيمانهم، كما قال ﷺ ، لمن قال له: أعطيت عيينة والأقرع، وتركت جعيل بن سراقة، فقال: "أما والذي نفس محمد بيده لجعيل خير من طلاع الأرض كلها مثل عيينة والأقرع، ولكني أتألفها ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة لإسلامه".
أخرجه ابن إسحاق رواية يونس، وقد روى البخاري عن سعد مرفوعا: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار على وجهه" وروي أيضا عن عمرو بن ثعلب مرفوعا: "إني لأعطى أقواما أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى، منهم عمرو بن ثعلب"، قال عمرو: فما أحب أن لي بها حمر النعم، "و" في البخاري، أيضا في الجهاد وفرض الخمس "عن جبير بن مطعم" بن عدي القرشي النوفلي": "بينما" بالميم أنا مع النبي ﷺ ومعه" أي والحال أن معه "الناس مقفله".
قال الحافظ: بفتح الميم وسكون القاف، وفتح الفاء واللام: يعني زمان رجوعه "من حنين" وتبعه المصنف، فالهاء للضمير في مقفله عائد على المصطفى لا تاء تأنيث، كما ظنه من ضبطه، بضم الميم وسكون القاف، وكسر الفاء؛ لأنه خلاف الرواية.
وفي رواية الخمس بدل مقفلة مقفلان، بالنصب على الحال، "علقت" بفتح العين، وكسر الخفيفة، بعدها قاف لزمت "برسول الله ﷺ " الأعرب" رواية أبي ذر ولغيره، فعلق الناس ولأبي ذر عن الكشميهني فطفقت الناس الأعراب يسألونه أن يعطيهم من الغنيمة، وعند ابن إسحاق رواية يونس من حديث ابن عمر يقولون: يا رسول الله أقسم علينا فيأنا "حتى اضطروه" ألجأوه "إلى سمرة".
قال الحافظ: بفتح المهملة وضم الميم: شجرة طويلة متفرقة الرأس قليلة الظل، صغيرة الورق والشوك صلبة الخشب، قاله ابن التين، وقال الداودي هي العضاه، وقال الخطابي: ورق السمرة أثبت وظلها أكنف، ويقال: هي شجر الطلح، "فخطفت" بكسر الطاء الشجرة "رداءة"، أي علق شوكها به فجبذه، فهو مجاز أو المراد خطفته الأعراب.
قاله المصنف: وفي مرسل عمرو بن سعيد عند عمرو بن شيبة حتى عدلوا ناحية عنследующие страницы →