Полный текст (5 943 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
وقال القرافي، كما نقله عنه ابن مرزوق، يعتقد كثير أن النبوة مجرد الوحي، وهو باطل، لحصوله لمن ليس بنبي كمريم وليست نبية على الصحيح، مع أن الله تعالى يقول: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ الآية [مريم: ١٧] و ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ [آل عمران: ٤٥] . وفي مسلم: بعث الله ملكا لرجل على مدرجته وكان قد خرج في زيارة أخ له في الله، وقال له: إن الله يعلمك أنه يحبك لحبك لأخيك في الله، وليست بنبوة؛ لأنها عند المحققين، إيحاء الله لبعض بحكم إنساني يخص به كقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فهذا تكليف يختص به في الوقت، فهذه نبوة لا رسالة، فلما نزل: ﴿قُمْ فَأَنْذِر﴾ [المدثر: ٢] كانت رسالة لتعلق هذا التكليف بغيره أيضا،.
الحواشي
(١) بذلك" موهبة منه، وحاصلها يرجع إلى قول الله لمن اصطفاه، أرسلتك، أو بعثتك فبلغ عني، فهي من الصفات الاعتبارية، كالولاية للوالي، والإمامة للسلطان "خلافا للكرامية" إذ القول، لا يوجب لمتعلقه صفة، كما صرح به القاضي عضد الدين.
"قال القرافي" الشهاب العلامة أحمد بن داود "كما نقله عنه ابن مرزوق" محمد يعتقد كثيرا أن النبوة مجرد الوحي دون اطلاع وإعلام أنه نبي، وهو باطل لحصوله لمن ليس بنبي كمريم بنة عمران، وليبست نبية على الصحيح لاشتراط الذكورة وغيرها حتى بالغ صاحب الأنوار، فحكى الإجماع على أنه لم ينبأ أمرأة "مع أن الله تعالى يقول: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ جبريل "الآية" وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ وقبله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ فلو كانت النبوة مجرد الوحي ما توقف أحد من نبوتها، "وفي مسلم" عن أبي هريرة رفعه "بعث الله ملكا لرجل على مدرجته" بفتح الميم، وسكون الدال، وفتح الراء والجيم أي طريقه التي يمر عليها "وكان قد خرج في زياة أخ له في الله، وقال له إن الله يعلمك أنه يحبك لحبك لأخيك في الله" ولفظ مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكا، فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال هل لك عليه من نعمة تربها، قال: لا غير أني أحبه في الله تعالى: قال: فإني رسول الله إليك، إن الله قد أحبك كما أحببته فيه"، وقوله تربها أي تسعى في إصلاحها فهذه المذكورات وحي مجرد وليست بنبوة لأنها عند المحققين إيحاء الله لبعض بحكم إنساني يخص به كقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك﴾ فهذا تكليف يختص به في الوقت، أي وقت الإيحاء، "فهذه نبوة لا رسالة" لأنه لم يؤمر بتبليغ الغير حينئذ "فلما نزل ﴿قُمْ فَأَنْذِر﴾ كانت رسالة لتعلق هذا التلكيف بغيره أيضا" والتمثيل بنبينا صلى الله عليه وسلمстр. 1927
فالنبي١ كلف بما يخصه، والرسول بذلك، وتبليغ غيره، فالرسول أخص مطلقا، انتهى. وهل نبينا ﷺ رسول الآن؟
قال أبو الحسن الأشعري: هو ﷺ في حكم الرسالة، وحكم الشيء يقوم مقام أصل الشيء، ألا ترى أن العدة تدل على ما كان من أحكام النكاح، ويأتي لذلك مزيد بيان إن شاء الله تعالى.
وأما "المذكر" فقال تعالى:
الحواشي
(١) مبني على تأخر رسالته عن نبوته، وهو ما عليه ابن عبد البر وغيره، وقيل هما متقارنان، وصحح، كما مر في الأوائل، "فالنبي كلف بما يخصه، والرسول بذلك، وبتبليغ غيره، فالرسول أخص مطلقا انتهى" كلام القرفي، وعلى هذا اختلف في أن الرسالة أفضل من النبوة، وهو رأي الأكثر لأنها تثمر هداية الأمة، والنبوة قاصرة على النبي، كالعلم، والعبادة، وقال العز بن عبد السلام النبوة أفضل لأنها الوحي بمعرفته تعالى وصفاته، فهي متعلقة به من طرفيها، والرسالة الأمر بالتبليغ، فهي متعلقة به من أحد الطرفين، وأجيب بأنها تستلزم النبوة، فهي مشتملة عليها؛ لأنها كالرسول، وأخص من النبوة التي هي أعم كالنبي "وهل نبينا ﷺ رسول الآن" أي بعد وفاته.
"قال الشيخ أبو الحسن" علي بن إسماعيل بن أبي بشر بن إسحاق بن أبي سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى "الأشعري" صاحب رسول الله ﷺ أمام أهل السنة، وكان مالكي المذهب "هو ﷺ في حكم الرسالة" لأنه اتصف بها وولم تسلب عنه كبقاء وصف الإيمان للمؤمن بعد الموت، وإن لم يكن مأمورا بالبلاغة بعد موته ﵇، "وحكم الشيء يقوم مقام أصل الشيء، ألا ترى أن العدة تدل على ما كان من أحكام النكاح؟ ويأتي لذلك مزيد بيان إن شاء الله تعالى" في المقصد السادس، ومن جملته قول ابن فورك أنه ﷺ حي في قبره، رسول الله أبد الآباد على الحقيقة، لا المجاز، وقول القشيري هو ﷺ رسول قبل أن يوجد، وفي حالة وجوده وإلى الأبد لاستحالة البطلان على الإرسال الذي هو قول الله أرسلتك، أو بلغ عني، "وأما المذكر" المبلغ الواعظ اسم فاعل من التذكرة الموعظة، والتبليغ، كما في الشامي، ولم يقل من التذكير مع أنه المصدر الذي يؤخذ منه الوصف لأنها أظهر في الوعظ من التذكير، فإنه يستعمل للتنبيه، "فقال تعالى" أي فدليله ما،
_________
١ تنبيه وقع خطأ عند كثير من المؤلفين قولهم: إن النبي إنسان أوحي إليه بشرع، وإن لم يؤمر بتبليغه، فإن أمر بتليغه فرسول. والصحيح: أنه يجتمع النبي والرسول في أن كلا منهما أوحي إليه بشرع، ويفترق الرسول عن النبي بأنه أوحي إليه بشرع جديد، والنبي يتبع شرع الرسول الذي قبله وكلاهما مأموران بالتبليغ.стр. 1928
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّر﴾ [الغاشية: ٢١] .
وأما "البشير" و"المبشر" و"النذير" و"المنذر" فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] أي مبشرا لأهل طاعته بالثواب، وقيل بالمغفرة، ونذيرا لأهل معصيته بالعذاب، وقيل: محذرا من الضلالات.
وأما "المبلغ" فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] .
وأما "الحنيف".
الحواشي
(١) قال تعالى، وكذا نظائره رأي الكوفيين من إجازة حذف الموصول الاسمي، ولا يجعل مصدر العدم سابك للفعل، "فذكر" عبادي بآياتي، وعظهم بحجتي، وبلغهم رسالاتي ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّر﴾ [الغاشية: ٢١] . ليس عليهم بمصيطر﴾ ، أي مسلط، وهذا قبل الأمر بالجهاد، كما، قال الجلال، "وأما البشر" اسم فاعل، "والمبشر" اسم فاعل من البشارة الخبر السار، و"النذير" فعيل بمعنى فاعل المخوف، "والمنذر" المبلغ مع التخويف، "فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على من أرسلت إليهم ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ، أحوال مقدرة، فدل مبشرا على اسمين وكذ نذير، واقتصر المصنف المسافة، فاكتفى بهذه الآية لأنها دلت على المادة، وإلا ففي سورة البقرة وفاطر ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر: ٢٤] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ ، "أي مبشرا لأهل طاعته بالثواب" ومنه الجنة ونعيمها، "وقيل" مبشرا "بالمغفرة" وهي عدم المؤاخذة بالذنب، ففارقت الثواب لأنه مقدار من جزاء العمل يعلمه الله، "ونذيرا لأهل معصيته بالعذاب"، ومنه النار، "وقيل محذرا من الضلالات"، جمع ضلالة وهي عدم الاهتداء أي محذرا، لما هو سبب لعدم معرفة الحق من الباطل، ففارق الأول لأنه تخويف بالعذاب المستحق على المعصية، فمعناها مختلف وإن كان مقصودهما واحدا؛ لأن قصد الثاني التباعد عن العصيان الحاصل بسبب الضلال.
"وأما المبلغ" الذي أدى الرسالة كما أمر اسم فاعل، "فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ، ولا تكتم منه شيئا خوفا أن تنال بمكروه، والاستدلال بها من الاكتفاء بصيغة الفعل، واعرض بأن وصفه بأنه مبلغ يستدعي وقوعه لأن اسم الفاعل حقيقة في المتلبس به، والأمر لا يستدعي وقوع المأمور به، وأجيب بأنه لما علم من حال ﷺ امتثال ما أمر به، وقد تحقق تبليغه على أبلغ وجه صح وصفه به، وقد ثبت قوله في آخر عمره: "ألا قد بلغت".
"وأما الحنيف" المائل إلى دين الإسلام الثابت عليه من الحنف محركا، أو المائل عماстр. 1929
فقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠] .
وأما "نبي التوبة" فإن الأمم رجعت بهدايته ﵊ بعدما تفرقت بها الطرق إلى الصراط المستقيم.
وأما "رسول الرحمة" و"نبي الرحمة" و"نبي الرحمة" فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ [الأنبياء: ١٧] .
الحواشي
(١) عليه العامة إلى طريق الحق والاستقامة، أو المستقيم، فقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ مائلا إليه، أي اخلص دينك لله.
ذكر هذه الآية لكونها نصافي المصطفى، بخلاف قم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا، فاختلف في أنه حال من إبراهيم، أو من الضمير العائد عليه ﷺ ، وهو الظاهر، وأظل الحنف مطلق الميل، كما في مقدمة الفتح، ومثله قول القاموس الحنف محركة الميل، ثم يطلق على الأعوجاج في الرجل وعلى غيره بحسب المقام، وفي الحديث: "بعثت بالحنيفية السمحة"، وفي النهاية حديث خلق وأما بادي حنفاء، أي طاهرين من المعاصي، لا أنهم كلهم مسلمون لقوله: فمنكم كافر ومنكم مؤمن، "وأنا نبي التوبة" الوارد في مسلم عن أبي موسى.
قال سمى لنا ﷺ نفسه أسماء منها ما حفظناه، ومنها ما لم نحفظ.
قال: "أنا محمد، وأنا أحمد، والمقفى، والحاشر ونبي التوبة ونبي الملحمة"، "فإن الأمم رجعت بهدايته ﵊ بعد ما تفرقت بها الطرق"، أي طرق الضلال الكثية المتنوعة "إلى الصراط المستقيم" صلة رجعت والتوبة الرجوع، والإنابة، فلكونه سببا في توبتهم أضيف إليها، وقيل لإخباره عن الله لقبول التوبة، أو لأمره بها، أو لأنه كثير التوبة، وقال سهل هي ترك التسويف وإمام الحرمين إذا أضيفت إلى العباد أريد بها الرجوع عن الزلات إلى الندم عليها، وإذا أضيفت إلى الرب أريد بها رجوع نعمه وآلائه انتهى، جمع نعمة بعين مهملة فعطف آلائه للتفسير وتصحف على من قرأه بالقاف، وتكلف توجيهها بأنها، لما لم يؤاخذ بها كأنها رجعت على المتلبس بمقتضيها.
"وأما رسول الرحمة" الوارد عند ابن عدي من حديث عائشة وغيرها، "ونبي الرحمة" المروي عند أحمد وغيره في حديث حذيفة، وأبي نعيم في حديث أبي موسى، "ونبي المرحمة" بالميم المروي في مسلم، وهي الراحة فيما، قال عياض، أي لأن من رحمة الله تعالى، فقد أراحه من العقاب، وإذا علمه بذلك أراحه من القلق والضجر، "فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ دليل للثلاثة لأنه لما وصف بكونه رحمة وجعل عينها وعمم بهاстр. 1930
وقال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيم﴾ [التوبة: ١٢٨] فبعثه الله تعالى رحمة لأمته، ورحمة للعالمين وروى البيهقي مرفوعا: "إنما أنا رحمة مهداة" فرحم الله به الخلق مؤمنهم وكافرهم، وهذا الاسم من أخص أسمائه.
وقد كان حظ آدم من رحمته سجود الملائكة له تعظيما له إذ كان في صلبه، ونوح: خروجه من السفينة سالما، وإبراهيم: كانت النار عليه بردا وسلاما إذ
الحواشي
(١) العالمين صحت إضافته إلى كل من الرحمة والمرحمة سواء وصف برسول، أو نبي، "وقال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيم﴾ . قدم متعلقة للتخصيص، أو للاهتمام، والتشريف مع رعاية الفاصلة، وقدم الرءوف لأنه الشفقة، والتلطف بالمنعم عليه، "فبعثه الله تعالى رحمة لأمته" مفعول له، أو حال من الله، أو من ضمير النبي بمعنى راحما لهم "ورحمة للعالمين" عام على خاص، أي جعله الله عين الرحمة لإرشاده لهم ولطفه بهم، وحمله لهم على ذلك.
"وروى البيهقي" وشيخه الحاكم، وقال على شرطهما، وأقره الذهبي عن أبي هريرة "مرفوعا" بمعنى، قال ﷺ : "إنما أنا رحمة" أي ذو رحمة أو بالغ في الرحمة حتى كأني عينها لأن الرحمة ما يترتب عليه النفع ونحوه وذاته، كذلك فصفاته التابعة لها كذلك "مهداة" بضم الميم وللطبراني بعثت رحمة مهداة، قال ابن دحية معناه أن الله بعثني رحمة للعباد، لا يريد لها عوضا؛ لأن المهدي إذا كانت هديته عن رحمة، لا يريد لها عوضا، وقال غيره: أي ما أنا إلا رحمة أهداها الله للعالمين، فمن قبلها أفلح ونجا، ومن أبي خاب وخسر، ولا يشكل الحصر بوقوع الغضب منه كثيرا لأنه لم يقصد من بعثته، بل المقصود بالذات الرحمة، والغضب بالتبعية، بل في حكم العدم، فالحصر فيها مبالغة، والمعنى أنه رحمة على كل فرد لأن غضبه الله كانتقامه كقوله ولكم في القصاص حياة، أو أنه رحمة في الجملة، فلا ينافي الغضب في الجملة، "فرحم الله به الخلق مؤمنهم" بالهداية، "وكافرهم" بالأمن من الخسف، والمسخ وعذاب الاستئصال، والمنافقين بالأمن من القتل، وتأخير عذابهم، "وهذا الاسم من أخص أسمائه".
قال أبو بكر بن طاهر زين الله تعالى محمدا ﷺ بزينة الرحمة فكان كونه رحمة، وجميع شمائله رحمة وصفاته رحمة على الخلق، وحياته رحمة وموته رحمة، كما قال ﷺ : "حياتي خير لكم ومماتي خير لكم"، وكما قال ﷺ : "إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطا وسلفا"، "وقد كان حظ آدم من رحمته سجود الملائكة له تعظيما له إذا كان في صلبه" وقبول توبته إذ توسل به "و" حظ "نوح خروجه من السفينة سالما" إذ كان في صلب ابنه سام، "وإبراهيم كانت النار عليه بردا وسلاما؛ إذ كان في صلبه" كما أفاده العباس بقوله:стр. 1931
كان في صلبه، فرحمته ﵊ في البدء والختام والدوام لما أبقى الله له من دعوة الشفاعة، ولما كانت نبوته رحمة دائمة مكررة مضاعفة اشتق له من الرحمة اسم الرحمة.
وأما "نبي الملحمة والملاحم" وهي الحروب، فإشارة إلى ما بعث به من القتال والسيف، ولما يجاهد نبي قط وأمته ما جاهد ﷺ وأمته، والملاحم التي وقعت وتقع بين أمته وبين الكفار لم يعهد مثلها قبله، فإن أمته يقاتلون الكفار في أقطار الأرض على تعاقب الأعصار حتى يقاتلون الأعور الدجال.
الحواشي
(١) وردت نار الخليل مكتتما ... في صلبه أنت كيف يحترق
"فرحمته ﵊" لا تخص بوجوده، بل عمت من قبله، فكانت "في البدء والختام والدوام، لما أبقى الله له من دعوة الشفاعة، التي ادخرها لأمته في القيامة، ومن جملة ذلك في الدنيا أن جعل أمته مرحومة، ووصفها بالرحمة، وأمرهم بالتراحم وأثني عليه فقال إن الله يحب من عباده الرحماء، وقال الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، "ولما كانت نبوءته رحمة دائمة مكررة مضاعفة اشتق له من" لفظ "الرحمة اسم الرحمة" أي اسما دالا على معناها الذي هو الرأفة، والانقاذ من الضلال، والشفاعة، نحو بالمؤمنين رءوف رحيم، أما تسميته بنحو نبي الرحمة، فإنما فيه إضافته إليها وليست اشتقاقا، اللهم إلا أن تكفي الإضاة في صحة التسمية، وأطلق الاشتقاق على ما يشملها تسمحا.
"وأما نبي الملحمة" باللام عند مسلم عن أبي موسى، "و" نبي "الملاحم" الجمع للكثرة إشارة إلى أنه اختص بكثرتها الذي في أحمد، وشمائل الترمذي برجال ثقات في حديث حذيفة، وهي الحروب، سميت بذلك لاشتباك الناس فيها واختلاطهم، كاشتباك لحمة الثوب بالسدي، أو لكثرة لحوم القتلى فيها "فإشارة إلى ما بعث به من القتال، والسيف" فالمعنى نبي القتال كقوله في الحديث الآخر بعثت بالسيف، "ولم يجاهد نبي قط، وأمته ما جاهد ﷺ وأمته" ونصر بالرعب، وأحلت له الغنائم، واستشعر نقض هذا النفي بنحو قتال يوشع الجبارين، وقتال داود جالوت وحمل الإسرائيلي السلاح ألف شهر في سبيل الله، فأشار للجواب بقوله "والملاحم التي وقعت وتقع بين أمته وبين الكفار لم يعهد مثلها قبله، فإن أمته يقاتلون الكفار في أقطار الأرض على تعاقب الأعصار حتى يقاتلون الأعور والدجال" فاستمراره منهم ودوامه لم يوجد لغيرهم، فإن قتال من قبلهم، وإن حصل فيه شدة لكنه مضى وانقطع، وفي نسخة بحذف نون يقاتلون، والذي وجه به حتى يقول الرسول بالرفع، والنصب يأتي هنا، فإنстр. 1932
وأما "صاحب القضيب" فهو السيف، كما وقع مفسرا به في الإنجيل قال: معه قضيب من حديد يقاتل به، وأمته كذلك، وقد يحمل على أنه القضيب الممشوق الذي كان يمسكه.
وأما "صاحب الهراوة" فهي في اللغة: العصا، وقد كان ﵊ يمسك في يده القضيب كثيرا،
الحواشي
(١) قتال الدجال مستقبل بالنظر لوقت كلام المصنف بذلك ونفسه الأمر بقتال وقع قبل ذكر المصنف له، وقد انتقد بأن نبي التوبة، والرحمة، والملحمة، والمرحمة في مسلم، فالأولى له ذكره، كما قال زين الحافظ:
وهو المسمى بنبي الرحمة ... في مسلم وبنبي التوبة
وفيه أيضا بنبي الملحمة ... وفي رواية نبي المرحمة
وليس بشيء فإن الدليل إنما يحتاج إليه، فيما يمكن إنكاره، وما صح لا ينكر، فبقي وجه التسمية هو الأولى بالذكر، نعم الجمع بينهما، كما فعل عياض أكثر فائدة.
"وأما صاحب القضيب، فهو" صاحب "السيف" أو التقدير القضيب الذي أضيف إليه صاحب حتى يصح الإخبار، "كما وقع مفسرا به في الإنجيل، قال" الله فيه وكون الفاعل ضمير الإنجيل تجوزا تكلف "معه قضيب من حديد".
قال القاموس القضيب السيف القاطع كالقاضب سمي به من القضب، وهو القطع؛ لأنه اقتطع من الحديد، "يقاتل به" أي كان معه معدا للقتال، فلا يرد أنه لم يقاتل بيده إن سلم، "وأمته كذلك" تقاتل بالسيف الأعداء، وهو كناية عن شجاعته وكثرة جهاده، وغزاوته، وفتوحاته هو وأمته ﷺ ، "وقد يحمل" كما قال عياض "على أنه القضيب الممشوق" الطويل الرقيق من المشق، وهو جذب الشيء ليطول، كما في القاموس "الذي كان يمسكه".
زاد ابن الجوزي وكان يستلم به الركن، فهو بمعنى مفعول؛ لأنه مقطوع من الشجر، فهو عبارة عن كونه من صميم العرب وخطبائهم؛ لأن عادة عظمائه وخطبائهم اتخاذ العصا، وقد للتقليل لقلة تفسيره به بالنسبة، لما قبله؛ لأنه الظاهر من نص الإنجيل وتكلف من فسره بالقضيب الذي أعطاه لبعض الصحابة، فانقلب سيفا.
"وأما صاحب الهراوة" بكسر الهاء، ثم راء، فألف، فواو فتاء تأنيث، "فهي في اللغة العصا" مطلقا، كما أطلقه جماعة، وقال الجوهري: العصا الضخمة، "وقد كان ﵊ يمسك في يده القضيب كثيرا" الغصن المقطوع ووجه الدليل منه على كونه صاحبстр. 1933
وقد كان يمشي بين يديه بالعصا، وتغرز له في الأرض فيصلي إليها، قال القاضي عياض: وأراها العصا المذكورة في حديث الحوض: ذود الناس عنه بعصاي لأهل اليمن. أي لأجلهم ليتقدموا، فلما كان ﷺ راعيا للخلق سائقا لجميعهم إلى مواردهم كان صاحب الهراوة يرعى بها أهل الطواعية، وصاحب السيف يقد به من لا تزيده الحياة إلا شرا.
وأما "الضحاك" بالمعجمة فهو الذي يسيل دماء العدو في الحرب لشجاعته.
الحواشي
(١) العصا أنها العود، كما في القاموس، وهو شامل للقضيب ولغيره، "وقد كان يمشي بين يديه بالعصا وتغرز له في الأرض، فيصلي إليها، وهي العنزة فتحقق وصفه في الكتب الإلهية بأنه صاحب الهراوة.
"قال القاضي عياض، وأراها" والله أعلم بضم الهمزة أظنها، وفتحها أعتقدها "العصا المذكورة في حديث الحوض" الذي رواه مسلم في المناقب.
"ذود" بمعجمة أوله مهملة آخره طرد، وأمنع "الناس عنه بعصاي" بالإضافة إلى ياء المتكلم ولفظها مقصور مؤنث.
قال الفراء: أول لحن سمع بالعراق هذه عصاتي "لأهل اليمن، أي لأجلهم ليتقدموا" لأنهم على بعد شقتهم أجابوا دعوته ﷺ ، بلا تردد، ولا قتال، فأوردهم الحوض قبل غيرهم ليريحهم، كما أراحوه جزاء من جنس العمل.
قال النووي: وهذا الذي قاله القاضي ضعيف؛ لأن المراد تعريفه بصفة يراها الناس معه يستدلون بها على صدقه، وأنه المبشر به المذكور في الكتب السالفة، فلا يصح تفسيره بعصا تكون في الآخرة انتهى، وكأن المصنف لم يرتضه، فأقره وزاد عليه قوله، "فلما كان ﷺ راعيا للخلق، سائقا لجميعهم" في الدنيا، والآخرة "إلى مواردهم" في الدارين.
ولعل استفادة هذا من الحديث أن ذوده مشعر بسوق الكل لكنه يقدم اليمن.
"كان صاحب الهراوة يرعى بها أهل الطواعية وصاحب السيف يقد به" بضم القاف "من لا تزيده الحياة إلا شرا" فلا ينافي كونه صاحبه كونه رحمة للعالمين، فإزالة مثل هذا من جملة الرحمة، "وأما الضحاك بالمعجمة، فهو الذي يسيل دماء العدو في الحرب لشجاعته" لأن شجاعته ﷺ محققة، فقد كان كالمسلمين كلهم نصرة وشجاعة وقتل الكفار في غزواته وإن لم يكن منه لكن نسب إليه؛ لأنه الآمر به، والحامل عليه، ثم تفسيره بهذا من ضحكت المرأة، والأرنب حاضت ومنه، وامرأته قائمة، فضحكت في قول، لا من كثير الضحك؛ إذ لا يأتي هنا،стр. 1934
وأما "صاحب التاج" فالمراد به العمامة، ولم تكن حينئذ إلا للعرب، والعمائم تيجانها.
وأما "صاحب المغفر" فهو بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، كان ﷺ يلبسه في حروبه.
وأما "قدم صدق" فقال قتادة والحسن وزيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] هو محمد ﷺ
الحواشي
(١) وأيضا فضحكه إنما هو التبسم، لكنه فيه مجاز بمرتبتين؛ لأنه استعمل بمعنى ظهور الدم، وهو أثر ناشئ عن الإظهار من تسمية التأثير باسم الأثر، ثم جرد عن بعض معناه، وهو كونه من الفرج وخص بإسالة دم العدو في الحرب.
"وأما صاحب التاج" الموصوف به في الإنجيل، "فالمراد به العمامة" على نهج الاستعارة شبه العمامة بالتاج الذي هو الإكليل في أن العرب تتزين بها كتزين العجم بالتاج، واستعار لها اسمه، وفيه التقدير على نحو ما مر ليصح الحمل، أما في المبتدأ، أي التاج في قولنا صاحب التاج، وأما في الخبر، أي المراد صاحب العمامة، "ولم تكن حينئذ، العمامة "إلا للعرب" دون غيرهم، فكني به عن أنه من صميمهم، وأشرفهم حسبا ونسبا، "والعمائم تيجانها" تتزين بها، كما تتزين العجم بالتيجان، كما روى مرفوعا العمائم تيجان العرب، والاحتباء حيطانها، وجلوس المؤمن في المسجد رباطه. أخرجه الديلمي عن ابن عباس، والقضاعي عن علي، وللديلمي عن بن عباس أيضا العمائم تيجان العرب، فإذا وضعوها وضعوا عزهم، وعنده أيضا العمائم وقار المؤمن وعز العرب، فإذا وضعت العرب عمائمها، فقد قلعت عزها، وأسانيدها ضعيفة.
"وأما صاحب المغفر، فهو" أي المغفر "بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء" آخره راء "زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس" وقيل ما غطى الرأس من السلاح كالبيضة، وقيل رفرف البيضة أضيف إليه؛ لأنه "كان ﷺ يلبسه في حروبه" والأساس لو قال فسمي به، لأنه إلخ، ثم يضبطه، "وأما قدم صدق، فقال قتادة" بن دعامة، "والحسن" البصري، كما نقله عياض عنهما، "وزيد بن أسلم" كما في الصحيح عنه "في" تفسير "قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] أي تقدم ورتبة رفيعة عبر عنها بالقدم؛ لأن السبق بها، قال ذو الرمة:
لكم قدم لا ينكر الناس أنها ... مع الحسب العالي طمت على الفجر
وأضيف إلى صدق لبيان فضله ومزيته، قال أبو عبيد: كان سابق خير قدم "هو محمد صلى الله عليه وسلمстр. 1935
يشفع لهم، وعن أبي سعيد الخدري، هي شفاعة نبيهم محمد ﷺ هو شفيع صدق عند ربهم، قال سهل بن عبد الله: هي سابقة رحمة أودعها في محمد ﷺ .
وأما "نعمة الله" فقال سهل في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] قال: نعمته محمد ﷺ ،.
الحواشي
(١) يشفع" وروى ليشفع، وروى شفيع "لهم"، فسمي قدما لتقدمه، والشفاعة طلب نفع الغير، لا توصف بالصدق، والكذب، فأما أنه تجوز بالصدق عن القبول لمشابهته لتحقق ما شفع فيه، فهو كالخبر المطابق للواقع، وأما أن المراد شفاعة يقدم صاحبها على رجائها، كما في قولهم حمل حملة صادقة، وقيل المراد أن الشفيع صادق في خبره ومن هو كذلك تقبل شفاعته، "وعن أبي سعيد الخدري، وعلي ﵄" كما أخرجه ابن مردويه أنهما قالا في تفسير الآية "هي شفاعة نبيهم محمد ﷺ " جعلت قدما، أي سابقة لتقدمها، أو تقدم صاحبها، أو لقيامها به ﵇، فأطلق عليه اسمها "هو شفيع صدق"، بالإضافة، أي شفاعته قوية تامة مقبولة "عند ربهم" قيل هو إشارة إلى أن صدق صفة مضاف مقدر بمعنى الصاد، أو بمعناه المصدري، وقيل إشارة إلى تفسير القدم به ﷺ باعتبار الشفاعة أيضا، كما مر، أو إلى المسامحة في تفسيره بالشفاعة، فيوافق الأول.
"وقال سهل بن عبد الله" الإمام الورع، الزاهد العالم، الشهير "هي سابقة رحمة"، من إضافة الصفة للموصوف، أي رحمة سابقة، وقيل الإضافة بيانية "أودعها الله في محمد ﷺ " أي جعله متصفا بها لينتفع الناس بها عند الحاجة، أو عهد له بها في الأزل، فلقيامها به صح أن يطلق عليها اسمها للمناسبة، "وأما نعمة الله، فقال سهل" التستري "في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّه﴾ أي تشرعوا في عد أفراد نعمة من نعم الله، ﴿لا تُحْصُوهَا﴾ ، لا تطيقوا عدها، وأتى أن عدم العد مقطوع به نظرا إلى توهم أن يطاق، وأصل معنى الإحصاء العد بالحصى، وكانت العرب تفعله، كما قال الأعشى:
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر
ثم صار حقيقة في العد مطلقا أو المراد أن تريدوا عدها.
"قال" سهل إعادة تأكيدا للأول، وللفصل بين كلام الله وتفسيره "نعمته محمد ﷺ " إذ هو النعمة العظمى لكونه رحمة للعالمين، وفي نسخة نعمته بمحمد بالباء السببية، أو على أن النعمة بمعنى إنعام؛ لأنها تكون بمعناه وبمعنى المنعم به، واعترض هذا التفسير بأن النعمة به من أعرف المعارف المعلومة، والإحصاء إنما يكون في المعدود، كقوله: وأحصى كل شيء عددا، وتعقب بأن فيه ﷺ ، فوائد ومنافع، لا تحصى، فلا منافاة بين عدم الإحصاء وكونه المنعم به، والإضافةстр. 1936
وقال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣] يعني يعرفون أن محمدا نبي ثم يكذبونه، وهذا مروي عن مجاهد والسدي وقال به الزجاج.
وأما "الصراط المستقيم" فقال أبو العالية والحسن البصري في تفسير سورة الفاتحة: هو رسول الله وخيار أهل بيته وأصحابه: وحكى الماوردي ذلك في تفسير: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] عن عبد الرحمن بن زيد.
الحواشي
(١) للعهد، أو الاستغراق؛ لأنها تأتي، لما تأتي له اللام، فعدم الإحصاء لها، أو لما يترتب عليها، "وقال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ يعني يعرفون أن محمدا نبي" بالمعجزات الظاهرات، "ثم يكذبونه" عنادا، وافتراء، "وهذا" التفسير "مروي عن مجاهد" بن جبير، "والسدي" عند ابن جرير، وابن أبي حاتم، "وقال به الزجاج" أبو إسحاق إبراهيم بن السري، الإمام الشهير، المتوفى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وسبقهم إلى التفسير بهذا ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] الآية، قال: هم والله كفار قريش، ومحمد نعمة الله تعالى، أخرجه البخاري وغيره، "وأما الصراط المستقيم فقال أبو العالية" رفيع بن مهران التابعي، فيما أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عنه، "والحسن البصري" فيما نقله في الشفاء، ورواه الحاكم وصححه عن ابن عباس، كلهم "في تفسير سورة الفاتحة" صرح به مع ظهوره، وكونه خلاف عادته في نقل الآيات، لما فيه من تعظيم له، واعتنائه بشأنه، حيث ذكره في أول كتابه، ومبدأ خطابه "هو رسول الله، وخيار أهل بيته، وأصحابه" بالجر عطف على أهل، كما جزم به في المقتفي، والإضافة فيهما بيانية إذ جميعهم خيار، أو لامية لتفاوت مراتبهم في الخيرية، ووجه التسمية أن كلا منهم طريق يهتدى به، فشبههم بالطريق طريقا تسمية للدال باسم المدلول، فهو مجاز مرسل، فلا يرد أنه لا معنى لقولك اهدنا النبي وصحبه إلا بتقدير طريق وركته، لا تخفى.
وحكى البغوي هذا التفسير بلفظ طريق رسول الله، فهو إما رواية، أو إشارة إلى المضاف أورد السهيل أن المراد بالطريق المستقيم ما بعده من قوله صراط الذين إلى آخره، وأجيب بأنه غير متفق عليه، "و" قد "حكى الماوردي ذلك" التفسير المذكور "في تفسير ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فهو بدل مما قبله، أو عطف بيان، فهو عين الأول، "عن عبد الرحمن بن زيد" بن أسلم العدوي مولاهم وفي الشفاء.
وحكى السمرقندي مثله عن أبي العالية في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فبلغстр. 1937
وأما "العروة" الوثقى" فحكى أبو عبد الرحمن السلمي عن بعضهم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] أنه محمد ﷺ .
وأما "ركن المتواضعين" فلأنه عمادهم، وقد ظهر عليه ﵊ من التواضع ما لم يظهر على غيره، فكان يرقع القميص، ويخصف النعل، ويقم البيت.
ووقع فيما ترجموه من كتاب سعياء مما يدل صريحا في البشارة برسول الله ﷺ : ولا يميل إلى الهوى، ولا يدل الصالحين، بل يقوي الصديقين الذين هم كالقصبة الضعيفة، وهو ركن المتواضعين،
الحواشي
(١) ذلك الحسن، فقال صدق والله ونصح، "وأما العروة الوثقى، فحكى أبو عبد الرحمن السلمي عن بعضهم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ، أنه محمد ﷺ " لأنه العقد الوثيق المحكم في الدين، والسبب الموصل لرب العالمين، ففيه استعارة تصريحية تمثيلية؛ لأن من اتبعه، لا يقع في هوة الضلال، كما أن من مسك حبلا متينا صعد به من حضيض المهالك، والاستمساك ترشيح، "وأما ركن المتواضعين فلأنه عمادهم" الذين يعتمدون عليه في أمورهم لرجوع الأمر إليه يوم القيامة، "وقد ظهر عليه، ﵊ من التواضع" إظهار أنه وضيع، وهو أشرف الخلق، "ما لم يظهر على غيره، فكان" كما في الصحيح تعليقا، وهو موصول عند ابن ماجه عن عائشة وأبي سعيد وغيرهما كان ﷺ في بيته في مهنة أهله، يفلي ثوبه ويحلب شاته، و"يرقع القميص" بفتح الياء، وسكون الراء، وفتح القاف مخففة، أي يجعل فيما انخرق منه رقعة من غيره يسده بها، ويجوز الضم، والتشديد إلا أن الأول أنسب بما معه، "ويخصف النعل" أي يخرزها وفي العمدة أنه تطبيق بعض جلود النعل على بعض، ويخصفان عليهما استعارة من هذا، "ويقم" بضم القاف، بكنس "البيت" كل ذلك تواضعا لربه ورأفة على خدمه، لا عن حاجة فقد كان له نساء وخدم بكثرة، "ووقع فيما ترجموه" نقلوه من العبرانية إلى اللغة العربية "من كتاب سعياء" بسين مهملة ومعجمة ابن أمصيا نبي بشر بعيسى، كما في القاموس، أي سفره من التوراة، كما يفيده الشامي وغيره، أضيف إليه لاختصاصه به وتعلمه ما فيه "مما يدل صريحا في البشارة برسول الله ﷺ " بيان، لما ترجموه، وهو قوله: "ولا يميل إلى الهوى" هو النفس، بل إنما يتبع بما يوحى إليه، "ولا يدل الصالحين" المسلمين، والأولياء، "بل يقوي الصديقين" المبالغين في الصدق "الذين هم كالقصبة الضعيفة، وهو ركن المتواضعين" هذا المقصود بذكره، فعلم أنه مما سمي به في الكتبстр. 1938
وهو نور الله الذي لا يطفأ.
وأما "قثم" و"قثوم" -بالقاف والمثلثة- ففسره القاضي عياض بالجامع للخبر، وقال ابن الجوزي مشتق من القثم، وهو الإعطاء، يقال: قثم له من العطاء، يقثم، إذا أعطاه، وقد كان رسول الله ﷺ أعظم الخلق ندى وأسخاهم يدا.
وأما "البارقليط" و"الفارقليط" بالوحدة، وبالفاء بدلها، وفتح الراء والقاف. وبسكون الراء مع فتح القاف. ويفتح الراء مع سكون القاف. وبكسر الراء وسكون القاف فوقع في إنجيل يوحنا،
الحواشي
(١) السابقة، "وهو نور الله الذي، لا يطفأ" بل يظهر وينتشر، وهذا يؤيد من قال في يريدون أن يطفئوا نور الله، إنه محمد ﵇، "وأما قثم" بضم القاف وفتح المثلثة، "وقثوم" المروي عند أبي نعيم، والحربي مرفوعا $"أتاني ملك، فقال: أنت قثم" "بالقاف، والمثلثة، ففسره القاضي عياض" نقلا عن الحربي "بالجامع للخير" كله في ذاته ولغيره، قال: وهذا اسم هو في أهل بيته معلوم.
قال ابن دحية: مشتق من القثم، وهو الجمع يقال للرجل الجموع للخير قثوم وقثم، وكان ﷺ جامعا لخصال الخير والفضائل كلها، "وقال ابن الجوزي مشتق من القثم، وهو الإعطاء يقال قثم له من العطاء، يقثم" بضم المثلثة على مفاد القاموس "إذا أعطاه" منه قطعة جيدة، واسم الفاعل قثم، كعمر على غير قياس، وبه سمي الرجل، فهو معدول على قاثم تقديرا، فلا ينصرف للعدل، والعلمية، كما في المصباح "وقد كان رسول الله ﷺ أعظم الخلق ندى" بالنون جودا وعطاء، "وأسخاهم يدا" بالتحتية، والمراد منهما واحدا، يقال فلان ندى الكف، أي سخي.
"وأما البارقليط، والفارقليط بالموحدة، وبالفاء بدلها، وفتح الراء، والقاف" بعدها لام مكسورة، فتحتية ساكنة، فطاء مهملة، "وبسكون الراء مع فتح القاف" بعدها اللام مكسورة إلخ، "وبفتح الراء مع سكون القاف وبكسر الراء وسكون القاف".
قال في المقتفى: وهو الصحيح وحزم به الشامي، "فوقع" التسمية به "في إنجيل يوحنا" من اتباع عيسى، وليس نبيا إذ ليس بين عيسى ونبينا نبي، كما قال ﷺ ، وهو الصحيح، ويأتي بسطه في محله.
قال صاحب الخميس عن المنتقي إنما قال في إنجيل يوحنا؛ لأن عيسى لم تظهر دعوته في عصره، وإنما أخذ الإنجيل عنه أربعة من الحواريين متى ويوحنا وقيسر ولوقا، فتكلم كل واحد من هؤلاءстр. 1939
ومعناه: روح الحق. وقال ثعلب: الذي يفرق بين الحق والباطل، وفي نهاية ابن الاثير، في صفته ﵊، أن اسمه في الكتب السالفة "بارقليط" أي يفرق بين الحق والباطل، قال: ومنه الحديث: محمد فرق بين الناس، أي يفرق بين المؤمنين والكافرين بتصديقه وتكذيبه.
وأما "حمطايا" بفتح الحاء المهملة وسكون الميم قال الهروي: أي حامي الحرم، وقال ابن الأثير في حديث كعب أنه قال في أسماء النبي ﷺ في الكتب
الحواشي
(١) بعبارة لملاءمة الذين تبعوا دعاءهم، ولذا اختلفت الأناجيل الأربعة اختلافا شديدا، "ومعناه روح الحق"، لأنه ﷺ قائم بالحق كقيام الروح بالحيوان، فإن فارقته مات، "وقال ثعلب" أحمد بن يحيى البغدادي الإمام المشهور: معناه "الذي يفرق بين الحق والباطل"، وقيل الحامل وقيل الحماد، قال التقي الشمني وأكثر أهل الإنجيل على أن معناه المخلص، وقد ذكر المصنف لفظ الإنجيل وبسط الكلام عليه في المقصد السادس، "وفي نهاية ابن الأثير" أبي السعادات، واسمه المبارك "في صفته ﵊ أن اسمه في الكتب السالفة بارقليطا" بباء مشوبة، بفاء وآخره ألف مقصورة، ثم عرب بالباء، أو الفاء، وحذفت الألف من آخره، كما قال الدواني، وهو بمعنى قول أبي عبيد البكري بالباء الموحدة غير صافية، "أي يفرق بين الحق والباطل" ففسره بما قال ثعلب، قيل، وهو بيان لحاصل المعنى.
قال الدواني: والمراد مظهر الولاية التي هي باطن النبوة.
"قال" ابن الأثير "ومنه الحديث محمد فرق بين الناس، أي يفرق بين المؤمنين، والكافرين بتصديقه" من المؤمنين "وتكذيبه" من الكافرين.
"وأما حمطايا، فبفتح الحاء المهملة، وسكون الميم" وطاء مهملة خفيفة، وألفين بينهما تحتية، وضبطه الشمني بفتح الحاء، وفتح الميم المشددة.
"قال الهروي" بعد أن ضبطه بكسر الحاء وسكون الميم وتقديم الياء، وألف بعدها طاء، فهو عنده حمياطا، لا كما أوهمه المصنف، فمراده منه مجرد التفسير بقوله، "أي حامي الحرم" بفتحتين.
قال ابن دحية: ومعناه أنه حمى الحرم مما كان فيه من النصب التي تعبد من دون الله والزنا، والفجور، "وقال ابن الأثير في حديث كعب أنه قال في أسماء النبي ﷺ في الكتبстр. 1940
السالفة: محمد وأحمد وحمياطا. يعني بالحاء المهملة ثم ميم ساكنة فمثناة تحتية فألف فطاء. مهملة فألف. قال أبو عمرو: سألت بعض من أسلم من اليهود عنه فقال: معناه يحمي الحرم من الحرام، ويوطئ الحلال.
وأما "أحيد" وهو بهمزة مضمومة ثم حاء مهملة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة ثم دال مهملة. كذا وجدته في بعض نسخ الشفاء المعتمدة. والمشهور ضبطه بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح المثناة التحتية، وفي نسخة بفتحها وكسر الحاء وسكون المثناة التحتية، فقال النووي في كتابه تهذيب الأسماء واللغات: عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "اسمي في القرآن محمد، وفي الإنجيل أحمد، وفي التوراة أحيد، وإنما سميت
الحواشي
(١) السالفة" وقد رواه أبو نعيم عن ابن عباس، قال: "كان ﷺ يسمى في الكتب القديمة "محمدا، وأحمد وحمياطا" زاد ابن عباس وفارقليطا وماذماذ "يعني بالحاء المهملة" المكسورة كما قال الهروي، "ثم ميم ساكنة، فمثناة تحتية، فألف فطاء مهملة، فألف قال أبو عمرو" بن العلاء؛ لأنه المراد عند الإطلاق اختلف في اسمه على أحد وعشرين قولا أصحها زبان بزاي معجمة ابن العلاء بن عمار، المازني، النحوي، الثقة في الحديث المتوفى سنة أربع وخمسين ومائة، وهو ابن ست وثمانين سنة، وسبب الخلاف فيه أنه كان لجلالته، لا يسأل عن اسمه، "سألت بعض من أسلم من اليهود عنه، فقال: معناه يحمي الحرم" بضم ففتح جمع حرمة، كما جزم به في شرح الشفاء، أي يمنع النساء "من" الأنكحة "الحرام" من سفاح وغيره "ويوطئ الحلال" أي يزوج النكاح الصحيح، فالوطء المترتب عليه حلال، "وأما أحيد، وهو بهمزة مضمومة، ثم حاء مهملة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة، ثم دال مهملة، كذا وجدته في بعض نسخ الشفاء المعتمدة" ي قولها، واسمه في التوراة أحيد، والمشهور عندهم، قال الشمني، وهو المحفوظ: "ضبطه بفتح الهمزة" وسكون الحاء المهملة، وفتح المثناة التحتية" وبه ضبطه البرهان في المقتفى، قال الشمني، وهو غير عربي "وفي نسخة بفتحها" أي الهمزة "وكسر الحاء وسكون المثناة التحتية" من حاد يحيد إذا عدل ومال، فهو عربي إن لم يكن من توافق اللغات وضبطه الماوردي في تفسيره بمد الألف وكسر الحاء "فقال النووي في كتابه تهذيب الأسماء، واللغات عن ابن عباس مما أخرجه ابن عدي، وابن عساكر بسند رواه عنه "قال: قال رسول الله ﷺ : "اسمي في القرآن محمد، وفي الإنجيل أحمد، وفي التوراة أحيد، وإنما سميتстр. 1941
أحيد لأني أحيد عن أمتي نار جهنم".
وأما "المنحمنا" وهو بضم الميم وسكون النون وفتح الحاء المهملة وكسر الميم وتشديد النون الثانية المفتوحة، مقصور، وضبطه بعضهم بفتح الميمين، فمعناه بالسريانية محمد.
وأما "المشفح" وهو بضم الميم وبالشين المعجمة وبالفاء المشددة المفتوحتين ثم حاء مهملة، وروي بالقاف بدل الفاء، ففي كتاب: سعيا في البشارة به ﵊، يفتح العيون العور، والآذان الصم ويحيى القلوب.
الحواشي
(١) أحيد؛ لأني أحيد عن أمتي نار جهنم"، أي أدفعها عنهم بشفاعتي، أو لأنه يحيد أمته عن النار، أو لأنه حاد عن الطريق الباطل، وعدل بأمته إلى سبيل الحق، وهو غير منصرف للعجمة والعلمية، أو وزن الفعل مع العلمية، نقله الشامي عن البلقيني.
"وأما المنحمنا" اسمه في الإنجيل، كما، قال ابن إسحاق، "وهو بضم الميم وسكون النون، وفتح الحاء المهملة، وكسر الميم" الثانية، "وتشديد النون الثانية المفتوحة مقصور" كما ضبطه البرهان في المقتفى، والشمني، "وضبطه بعضهم" هو ابن دحية "بفتح الميمين".
وقال التلمساني الميم الثانية مثلثة "فمعناه" روح القدس، وهو "بالسريانية محمد".
وقال ابن سيد الناس، هو محتمل؛ لأنه اسم له ولكونه بمعناه، "وأما المشفح، فهو بضم الميم وبالشين المعجمة، وبالفاء المشددة المفتوحتين ثم حاء مهملة"، كما ضبطه ابن دحية قائلا بوزن محمد ومعناه، فإن الشفع في اللغة الحمد، "وروي بالقاف بدل الفاء" وبه ضبطه الشمني والدلجي، وزاد أن القاف مفتوحة، أو مكسورة غير منصرف للعلمية، والعجمة انتهى.
قال الحافظ: البرهان لا أعلم صحته، ولا معناه، وكأنه لم ير كلام ابن دحية، أو لم يرتضه، "ففي كتاب سعيا" بالمهملة والمعجمة على ما مر "في البشارة به ﵊" كما نقله ابن ظفر في البشر ونصه عبدي الذي سرت به نفسي أنزل عليه وحي، فيظهر في الأمم عدلي ويوصيهم الوصايا، ولا يضحك، ولا يسمع صوته في الأسواق.
"يفتح العيون العور، والآذان الصم"، بالضم وشد الميم جمع صماء، "ويحيي القلوبстр. 1942
الغلف، وما أعطيه لا أعطي أحدا، مشفح يحمد الله حمدا جديدا وهو بالسريانية الحمد.
وأما "مقيم السنة" ففي كتاب الشفاء: قال داود ﵇: اللهم أبعث لنا محمدا يقيم السنة بعد الفترة.
وأما "المبارك".
الحواشي
(١) الغلف" جمع أغلف المغطاة بما كانت محجوبة به عن الهدى، فأزال حجابها وكشف غطاءها حتى اهتدت. "وما أعطيه، لا أعطي أحدا" مثله "مشفح يحمد الله حمدا جديدا" قال الشامي: راجعت عدة نسح من خير البشر لابن ظفر، فلم أره ضبطه بالفاء، وإنما فوقها نقطتان، وذلك مما يؤيد ضبط الشمني انتهى. ومثل هذا، لا تأييد فيه حتى يرجع على ضبط الحافظ ابن دحية بالفاء، وإليه يومئ قول المصنف، "وهو بالسريانية الحمد" لأنهم يقولون شفحا لها إذا أرادوا أن يقولوا الحمد لله، فإذا كان الحمد شفحا فمشفح محمد، قاله المصنف في المقصد السادس، وكان وجه الملازمة أن الحمد مصدر، واسم المفعول المأخوذ منه محمد، فمحمد مشفح، وبقية ما في الكتاب بعد قوله جديدا يأتي من أقصى المدينة يفرح البرية وسكانها، يهللون الله ويكبرونه على كل رابية، ولا يضعف، ولا يغلب، ولا يميل إلى الهوى ولا يذل الصالحين الذين هم كالقصة الضعيفة بل يقوي الصديقين، وهو ركن المتواضعين، وهو نور الله الذي لا يطفأ أثر سلطانه على كتفه انتهى.
"وأما مقيم السنة" اسمه في الزبور بلفظه، وبمعناه قول التوراة لن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، كما في الحديث الصحيح، فتجوز من قاله: إنه اسمه في الكتاب "ففي كتاب الشفاء" لعياض ما نصه، ووقع في كتب الأنبياء، "قال داود ﵇" أي إن هذا اللفظ بخصوصه نزل في الزبور عليه حكاية لما صدر منه قبل النزول، أو بمعنى الأمر كقراءة قال ربي يعلم القول، قال: رب احكم بالحق كأنه قيل له قل يا داود "اللهم" أي يا الله أتى بالميم إيذانا بأنه يدعوه بأسمائه وصفاته كلها؛ لأنها بمنزلة واو الجمع كأنه يقال: يا الذي اجتمعت له الأسماء الحسنى، والصفات العلي، "ابعث لنا" أي للناس "محمدا يقيم السنة" الطريقة الشرعية، والدين "بعد الفترة" انقطاع الوحي، والرسل، ومعنى إقامتها إظهار الإسلام، "وأما المبارك" عظيم البركة، الجامع لأنواع الخير، النفاع للناس، قال حسان:
صلى الإله ومن يحف بعرشه ... والطيبون على المبارك أحمد
وقال عباس ابن مرداس في قصيدة:стр. 1943
فمبدأ الكون ونماؤه كائن من بركته المستمدة من بركة الله، ومن كمال بركته نبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام القليل ببركته حتى أشبع الجيش الكثير وغير ذلك مما لمسه أو باشره، كما سيأتي ذلك إن شاء الله تعالى في مقصد المعجزات.
وأما "المكين" فهو ﷺ المكين تعلو مكانته عند ربه تعالى، ومن ذلك أن قرن سبحانه ذكره بذكره فما أذن باسم أحد سواه، ولا قرن اسم أحد مع اسمه إلا إياه، فأعلن له في السابقة على ساق العرش وأذن به في اللاحقة على منار الإيمان. وأما "الأمي"
الحواشي
(١) فامنت بالله الذي أنا عبده ... وخالفت من أمسي يريد المهالكا
ووجهت وجهي نحو مكة قاصدا ... وبايعت بين الأخشبين المباركا
نبي أتانا بعد عيسى بناطق ... من الحق فيه الفضل منه كذلكا
"فمبدأ" يعني وجه تسميته به أن مبدأ "الكون وتمامه كائن من بركته المستمدة من بركة الله"، ومن كان مدده فلا يستطاع إحصاء بركته "و" لكن "من كمال بركته نبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام القليل ببركته حتى أشبع"، وأروى "الجيش الكثير، وغير ذلك مما لمسه، أو باشره، كما سيأتي ذلك إن شاء الله تعالى في مقصد المعجزات".
وقال الشامي سمي بذلك لما جعل الله في حاله من البركة، والثواب، وفي أصحابه من فضائل العمال، وفي أمته من زيادة القدر على الأمم.
"وأما المكين" فعيل من المكانة أخذه جماعة من قوله تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ الآية، على أحد القولين إنما المراد ﷺ "فهو" أي فموجه تسميته به أنه " ﷺ المكين تعلموا مكانته" العظيمة "عند ربه تعالى، ومن ذلك أن قرن" ضم وجمع "سبحانه ذكره بذكره فما أذن" بالبناء للمفعول "باسم أحد سواه" لأنه ما شرع ذكر غيره في الأذان، "ولا قرن اسم أحد مع اسمه" تعالى "إلا إياه" كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك﴾ الآية، أي لا أذكر إلا وتذكر معي، كما ورد مفسرا عن جبريل عن الله، "فأعلن له في السابقة على ساق العرش" حيث كتب اسمه على ساقه وعلى نحور الحور وغير ذلك مما مر "وآذن" اعلم "به في اللاحقة على منار الإيمان" حيث أمر المؤذنين بذكر اسمه في كل آذان والمراد بها الآخرة؛ لأنه أعلم به فيها بلواء الحمد، والشفاعة والمقام المحمود وغير لك مما لم يؤذن به لغيره فيها.
"وأما الأمي" الذي، لا يكتب، ولا يقرأ، كما قال ﷺ : "إنا أمية لا نحسب ولا نكتب"،стр. 1944
فهو من أخص أسمائه، وقال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] فهو تعالى يقرئه ما كتبه بيده، وما خطته أقلامه العلمية في ألواح قدسه الأقدسية، فيغنيه بذلك عن أن يقرأ ما تكتب الخلق.
وأما "المكي" فهو ﷺ قد كان بداية ظهوره في الأرض في مكة، التي هي حرم الله، وهي مدد البركة ومنشأ الهدى، فهو ﷺ مكي الإقامة ومبدأ النبوة، ومكي الإعادة، وكان من آية ذلك توجهه لها حيث ما توجه فهو ﵊ المكي الذي لا يبرح وجود أو قصد،
الحواشي
(١) وصفه تعالى به تنبيها على أن كمال علمه معها أحد معجزاته، "فهو من أخص أسمائه" أي الأسماء التي اختصاصها به أظهر من غيرها، فإن الأمية، وإن كثرت في الناس لكنها فيهم معجزة وفيه معجزة، "وقال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي﴾ تعرف قبل الوحي إليك "ما الكتاب" القرآن، ولا الإيمان، أي شرائعه، ومعالمه، والنفي معلق للفعل عن العمل، وما بعده وسد مسد المفعولين "ولكن جعلناه" أي الروح أو الكتاب ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ استدل بها على أميته لاستغنائه عن الكناية، والقراءة بالوحي إذا المطلوب منهما التوصل إلى المعارف، والعلوم، كما أشار له بقوله: "فهو تعالى يقرئه ما كتبه بيده" أي أمر بكتبه، وأضافه إلى ذاته معبرا عنها شعارا بكمال حقيقته حيث أضيف إليه تعالى: "وما خطته أقلامه العلمية في ألواح قدسه الأقدسية فيغنيه بذلك عن أن يقرأ ما تكتب الخلق".
قال القاضي عياض إذ المطلوب من القراءة، والكتابة المعرفة، وإنما هما آلة وواسطة موصلة إليها، فإذا حصلت الثمرة، والمطلوب استغنى عن الواسطة.
قال ومعجزته العظمى القرآن إنما هي متعلقة بطريقة المعارف، والعلوم من ما منح وفضل به من ذلك ﷺ ووجود مثل ذلك ممن لم يقرأ ولم يكتب ولم يدارس، ولا لقن مقتضى العجب، ومنتهى العبر ومعجزة البشر.
"وأما المكي فهو" أي وجه تسميته به "صلى الله عليه وسم قد كان بداية ظهوره في الأرض في مكة التي هي حرم الله، وهي مدد البركة ومنشأ الهدى" لأن أول نزول الوحي عليه في غارها، "فهو ﵊ مكي الإقامة، و" مكي "مبدأ النبوة، ومكي الإعادة" فوصفه لهذه الثلاثة، لا لكون بدئه مطلقا بها؛ لأنه كان قبل خلق السماوات والأرض "وكان من آية ذلك" علامة أنه المكي "توجهه لها" أمره باستقبالها في الصلاة "حيثما توجه" أي في، أي محل كان به وتوجهه إليه "فهو ﵊ المكي الذي لا يبرح وجود أو قصد"، أي إنهما لمكة وإن،стр. 1945
والمرء حيث قصده لا حيث جسمه حتى كان من شرعه أن يوجه الميت إليها، ومن أومأ لشيء فهو لما أومأ ولذلك صحت الصلاة إيماء.
وأما "المدني" فلأن المدينة دار هجرته وإقامته لا رحلة له عنها، وخصت تربتها بأن ضمت أعضاءه المقدسة.
وأما "عبد الكريم" فذكر الحسين بن محمد الدامغاني في كتابه "شوق العروس وأنس النفوس" نقلا عن كعب الأحبار أنه قال: اسم النبي ﷺ عند أهل الجنة عبد الكريم، وعند أهل النار عبد الجبار وعند أهل العرش عبد الحميد،
الحواشي
(١) كان جسده بغيرها، كما أشار إليه بقوله، "والمرء حيث قصده" أي في المكان الذي قصده، "لا حيث جسمه" أي المكان الذي هو به "حتى كان من شرعه أن يوجه الميت إليها ومن أومأ" بفتح أوله والهمز آخره أشار "لشيء" إشارة قلبية، بأن تعلق غرضه به تعلقا تاما، "فهو لما أومأ" أي ففعله، مصروف إلى ما تعلق به قلبه، فحذف المضاف من قوله، فهو فانفصل الضمير، فلم يتحد الشرط والجزاء، "ولذلك صحت الصلاة إيماء" لذي العذر، ومقصوده من هذا تأكيد كونه ما برح عنها وجود، أو للصدا، "وأما المدني، فلأن المدينة دار هجرته" أي الدار التي هاجر إليها في الله بإذنه "وإقامته" حيا، وفي البرزخ حتى يبعث منها، "لا رحلة له عنها" كما قال ﷺ يوم خطب الأنصار "المحيا محياكم، والممات مماتكم"، "وخصت تربتها بأن ضمت أعضاء النبي ﷺ المقدسة" فحازت ما لم تحزه بقعة، فقام الإجماع بفضلها على كل البقاع.
"وأما عبد الكريم فذكر" الإمام "الحسين بن محمد الدامغاني" بفتح الميم، والمعجمة، نسبة إلى دامغان مدينة من بلاد قومس، كما في اللب "في كتابه شوق العروس، وأنس النفوس" وكذا ذكره ابن الجوزي في التبصرة كلاهما "نقلا عن كعب الأحبار، أنه قال" مما تلقاه من الكتب السابقة؛ لأنه حبرها "اسم النبي ﷺ عند أهل الجنة عبد الكريم" لأنه الذي أوصلهم إليها فتكرم الله عليهم فيها بما، لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، هو المصطفى بشفاعته، في فضل القضاء الذي تنصل منه الرؤساء، ولأنه الذي ابتدأ فتح بابها لهم، ولأن تكرم الله عليه فيها لا يضارعه شيء.
"وعند أهل النار عبد الجبار" لأنه جبرهم وقهرهم بالخلود فيها لمخالفته ﷺ ومخالفة من قبله؛ لأن تكذيب واحد تكذيب للجميع كذبت قوم نوح المرسلين: "وعن أهل العرش عبد الحميد" لحمده على إسرائه إليه وحمدهم على رؤيته ﷺ عنده.стр. 1946
وعند سائر الملائكة عبد المجيد، وعند الأنبياء عبد الوهاب، وعند الشياطين عبد القهار، وعند الجن عبد الرحيم، وفي الجبال عبد الخالق، وفي البر عبد القادر وفي البحر عبد المهيمن، وعند الحيتان عبد القدوس، وعند الهوام عبد الغياث، وعند الوحوش عبد الرزاق، وعند السباع عبد السلام، وعند البهائم عبد المؤمن، وعند الطيور عبد الغفار، وفي التوراة موذ موذ، وفي الإنجيل طاب طاب، وفي الصحف عاقب،
الحواشي
(١) "وعند سائر الملائكة عبد المجيد" لأن كلا منهم يمجد الله ويعبده بنوع وجمعها الله كلها له ﷺ .
"وعن الأنبياء عبد الوهاب" لأن الله وهبهم النبوة، والآيات البينات، ثم وهبه ما وهبهم ورفعه عليهم درجات "وعند الشياطين عبد القهار؛ لأنه قهرهم، وأذلهم ببعثته ومنعهم من استراق السمع وغير ذلك.
"وعند الجن عبد الرحيم" لأنه رحمهم برسالته فلم يكلفهم الأعمال الشاقة، كالمحاريب، والتماثيل وعادت بركته على كثير منهم فآمنوا به.
"وفي الجبال عبد الخالق" الذي خلقه بشرا ليس كالأبشار، كما أنه خلقها أرضا، لا كالأرض.
"وفي البرد عبد القادر" الذي من قدرته أن خلق منه سيد الأولين والآخرين.
"وفي البحر عبد المهيمن" لأنه أجل من يؤمن به بأنه لا يحصى قطراته، ولا يحفظه إلا الله، "وعند الحيتان عبد القدوس" لأنها، وإن قدست الله كثيرا حتى قيل ما صيدت سمكة حتى ينقطع تسبيحها، فهو في جنب تقديسه ﷺ لا شيء.
"وعند الهوام عبد الغياث" الذي أغاث الناس من أذاها ببركته ثم أغاثها هي بأن سخر لها رزقها ببركته.
"وعند الوحوش عبد الرزاق" الذي يرزقها ببركة هذا الذي كله رحمة للعالمين، "وعند السباع عبد السلام" الذي سلم الناس من عدائها.
"وعند البهائم عبد المؤمن" لأنه أجل من يؤمن بأن تسخيرها منه تعالى: "وعند الطيور عبد الغفار" الذي يغفر الذنوب ويسترها أقوى من سترها بيضها وفراخها بجناحها "وفي التوراة موذ موذ" بالتكرير، ويوري بألف بدل الواو وبياء كما مر.
"وفي الإنجيل طاب طاب، وفي الصحف"، التي نزلت على موسى قبل التوراة وصحف إبراهيم "عاقب".стр. 1947
وفي الزبور فاروق، وعند الله طه ويس، وعند المؤمنين محمد ﷺ ، قال وكنيته أبو القاسم لأنه يقسم الجنة بين أهلها.
وأما "عبد الله" فسماه الله تعالى به في أشرف مقاماته فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] ، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] ، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١] فذكره بالعبودية في مقام إنزال الكتاب عليه والتحدي بأن يأتوا بمثله. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩] فذكره في مقام الدعوة إليه، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] ، وقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾ [النجم: ١٠] ، ولو كان له اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالات العلية.
الحواشي
(١) "وفي الزبور فاروق، وعند الله طه ويس، وعند المؤمنين محمد ﷺ ".
"قال" كعب "وكنيته أبو القاسم؛ لأنه يقسم الجنة بين أهلها، يوم القيامة، وهو أحمد الأقوال، وخالفه الجمهور، كما مر.
"وأما عبد الله فسماه الله تعالى به في أشرف مقاماته" صريحا في وإنه لمقام عبد الله، أو معنى كبقية الآيات لإضافة عبد إلى ضميره تعالى، فساوى في المعنى عبد الله، فلا يرد أنه لم يسمه به إلا في آية واحدة، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ شك "مما نزلنا على عبدنا" محمد ﷺ من القرآن أنه من عند الله، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ أي المنزل ومن للبيان، أي هي مثله في البلاغة وحسن النظم، والأخبار عن الغيب.
"وقال: ﴿تَبَارَكَ﴾ وتكاثر خيره ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الأنس، والجن، واتفاقا، والملائكة على الصحيح ﴿نَذِيرًا﴾ مخوفا من عذاب الله، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ القرآن، "فذكره بالعبودية في مقام إنزال الكتاب عليه" في آيتي الكهف، والفرقان، "و" في مقام "التحدي بأن يأتوا بمثله وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ﴾ " بالفتح بالكسر استئناف، والضمير للشأن، " ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ ، فذكره في مقام الدعوة إليه بالعبودية، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ﴾ تنزيه ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ " نصب على الظرف، والإسراء سير الليل نكر للإشارة بتنكيره إلى تقليل مدته.
"وقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾ محمد ﷺ على أحد القولين والآخر جبريل، فأفاد أن هذا الاسم أشرف أسمائه "ولو كان له اسم أشرف منه، لسماه به في تلك الحالات العلمية"،стр. 1948
ولما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية، ورقاه إلى أعلى المعالي العلوية، ألزمه -تشريفا له- اسم العبودية، وقد كان ﷺ يجلس للأكل جلوس العبد، وكان يتخلى عن وجوه الترفعات كلها في ملبسه ومأكله ومبيته ومسكنه إظهارا لظاهر العبودية فيما يناله العيان صدقا عما في باطنه من تحقق العبودية لربه تحقيقا لمعنى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] .
ولما خير بين أن يكون نبيا ملكا.
الحواشي
(١) فهذا مبني على المقدمة المقدرة، فلا يرد أنه لم يدع أنه أشرف أسمائه حتى يحتاج لهذا "ولما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية، ورقاه إلى أعلى المعالي العلوية ألزمه تشريفا له اسم العبودية، وقد" جمع بين صفتها ظاهرا وباطنا، لأنه "كان ﷺ يجلس للأكل جلوس العبد" فتسميته بذلك مطابقا لما كان عليه في الوجود الظاهر المدرك بالحواس، "و" لذا "كان يتخلى" بخاء معجمة "عن وجوه الترفعات كلها، في ملبسه ومأكله" فيجلس على الأرض، ولا يأكل على خوان، "ومبيته ومسكنه" كما يأتي تفصيل ذلك كله في شمائله وعلل ذلك بقوله "إظهارا لظاهر العبودية فيما يناله العيان" المشاهدة "صدقا" حال من مفعول يناله، أي دالا وكاشفا "عما في باطنه من تحقق العبودية لربه"، وإنما ظهر ذلك "تحقيقا لمعنى" قوله تعالى: " ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ "، فإن أكثر المفسرين على أنه الذي جاء ﷺ ، قال بعضهم: وهو الذي صدق به، وقيل الذي صدق به المؤمنون وقيل أبو بكر وقيل علي، وقيل غير هذا كما في الشفاء.
قال شارحه، ولا يرد على هذا، ولا على ما قبله أنه يلزمه حذف الموصول بدون الصلة، أو أن يراد بموصول مع الصلة شيء ومنه مع صلة أخرى آخر؛ لأن الموصول هنا واحد لفظا جمع معنى بتقدير موصوف، كذلك كفريق ونحوه، والصلة له على التوزيع، أي جمع بعضه جاء به وبعضه صدقه، فلا محذور فيه، كما ذكر الطيبي، وهذا جار في الوجه الأخير؛ إذ لا مانع منه، فلا وجه لقوله البيضاوي ومن تبعه إذا كان الجائي النبي ﷺ ، المصدق أبو بكر يلزم عليه إضمار الذي وهو غير جائز مع أنه ذكر هذا في الوجه السابق، وليس بينهما فارق والفرق بأنهما فردان مشخصان، لا يجدي، ولا حاجة إلى أن الذي أصله الذين، فخفف بحذف النون لطوله بالصلة، والذي غر هؤلاء أن الذي لا يراد به متعددا إلا إذا كان غير متخصص بمعنى، قال في التسهيل يغني عن الذين في غير تخصيص كثيرا، وفيه للضرورة قليلا انتهى، "ولما خير بين أن يكون نبيا ملكا" بكسر اللام سلطانا تكون شئون كالملوك في اتخاذ الجنود، والخيول،стр. 1949
أو نبيا عبدا، اختار أن يكون عبدا، فاختار ما هو الأتم، فكان ﷺ يقول كما في الصحيح: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى، ولكن قولوا عبد الله ورسوله"، فأثبت ما هو ثابت له، وأسلم لله ما هو له لا لسواه وليس للعبد إلا اسم العبد، ولذلك كان "عبد الله" أحب الأسماء إلى الله تعالى.
الحواشي
(١) والخدم، والقصور، والحجاب، "أو نبيا عبدا اختار أن يكون نبيا عبدا"، تواضعا منه، وزهدا في الدنيا خضوعا لله، مع أن النبوة معطاة في الحالين، ولو كان ملكا ما صره الملك.
وفي الحديث، فقال له إسرافيل عند ذلك، فإن الله، قد أعطاك بما تواضعت له أنك سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، "فاختار ما هو الأتم، فكان ﷺ يقول، كما في الصحيح" من حديث عمر، "لا تطروني" بضم أوله وسكون الطاء، لا تتجاوزوا الحد في مدحي بأن تقولوا ما لا يليق بي، "كما أطرت النصارى عيسى" حيث كذبوا، وقالوا فيه ابن الله، وإله وغيره من إفكهم، "ولكن قولوا عبد الله ورسوله" ولا تقولوا ما قالته النصارى، "فاثبت ما هو ثبت له" من العبودية، والرسالة، "وأسلم لله ما هو له، لا لسواه" فالنهي إنما هو عن ذلك وإلا فمدحه ﷺ مطلوب من كل أحد، وقد سمعه وأجاز عليه مع أن أحدا لا يبلغه كما قال:
لا يبلغ الواصف المطري مدائحه ... وإن يكن محسنا في كل ما وصفا
ويرحم الله الشرف البوصيري حيث، قا:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
ومنه أخذ الصفي الحلى قوله في بديعته.
دع ما تقول النصارى في نبيهم ... من التغالي وقل ما شئت واحتكم
"وليس للعبد إلا اسم العبد، ولذلك كان عبد الله أحب الأسماء إلى الله"، كما قال ﷺ : "أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن".
رواه مسلم وللطبراني بسند ضعيف مرفوعا أحب الأسماء إلى الله ما تعبد له وللطبراني وغيره إذا سميتم، فعبدوا.
قال السخاوي، وأما ما يذكر على الألسنة من خير الأسماء ما حمد وما عبد، فما علمته انتهى ولله الحمد على ما أنعم، والله أعلم.стр. 1950
الفصل الثاني: في ذكر أولاده الكرام عليه وعليهم الصلاة والسلام
اعلم أن جملة ما اتفق عليه منهم ستة: القاسم وإبراهيم، وأربع بنات: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، وكلهن أدركهن الإسلام وهاجرن معه.
واختلف فيما سوى هؤلاء:
فعند ابن إسحاق: الطاهر والطيب أيضا فتكون على هذا ثمانية، أربعة ذكور وأربعة إناث.
وقال الزبير بن بكار:
الحواشي
(١) "الفصل الثاني: في ذكر أولاده الكرام"
صفة لازمة ولم يقل، وأولاد أولاده، وإن ذكر في ترجمة زينب ولديها، وفي فاطمة أولادها؛ لأن ذكرهم وقع تبعا، والمقصود بالترجمة الأولاد، أو استعمل الأولاد في حقيقته ومجازه، فأراد ما يشمل أولادهم، ولكن الأول أولى؛ لأنه لم يذكر ابن رقية، فيلزم أنه نقص عما ترجم له "عليه وعليهم الصلاة والسلام".
ذكرها عليهم تبعا، فلا كراهة؛ لأن محلها حيث أفردت من غير الله وملائكته ورسله عند الجمهور، ويأتي إن شاء الله تفصيل ذلك في مقصدها.
"اعلم أن جملة ما اتفق عليه منهم ستة: القاسم" أولهم "وإبراهيم" آخرهم، "وأربع بنات: زينب" أكبرهن "ورقية، وأم كلثوم وفاطمة" أصغرهن على الأصح، كما قال السهيلي.
قال أبو عمر هو الذي تركن إليه النفس "وكلهن" أي البنات الأربع "أدركن الإسلام، وهاجرن معه" بمعنى أنهن اجتمعن معه في المدينة بعد الهجرة، أو المعية مجازية لقرب زمان هجرتهن من هجرته ﷺ ، فلا يرد أنهن لم يخرجن معه وقت الهجرة، وإن زينب تأخرت هجرتها حتى كانت بدر، وأسر زوجها، وبعثت هي في فدائه، فمن عليه ﷺ وشرط عليه، أو طاع له أن يبعث زينب، ففعل، كما قدمت ذلك.
"واختلف فيما سوى هؤلاء، فعند ابن إسحاق" من أولاده "الطاهر، والطيب أيضا فتكون" أولاده "على هذا ثمانية أربعة ذكور، وأربعة إناث" زيادة إيضاح، لما علم مما قبله، "وقال الزبير بن بكار" بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير الأسدي المدني، قاضيهاстр. 1951
كان له ﵊ سوى إبراهيم القاسم وعبد الله، مات صغيرا بمكة، ويقال له: الطيب والطاهر، ثلاثة أسماء.
وهو قول أكثر أهل النسب قاله أبو عمر، وقال الدارقطني: هو الأثبت.
ويسمى عبد الله بالطيب والطاهر لأنه ولد بعد النبوة، فعلى هذا تكون جملتهم سبعة، ثلاثة ذكور.
وقيل: عبد الله غير الطيب والطاهر، حكاه الدارقطني وغيره. فعلى هذا تكون جملتهم على هذا تسعة، خمسة ذكور.
وقيل: كان له الطيب والمطيب، ولدا في بطن، والطاهر والمطهر، ولدا في بطن، ذكره صاحب الصفوة،
الحواشي
(١) أبو عبد الله بن أبي بكر، ثقة حافظ علامة بالنسب مات سنة ست وخمسين ومائتين. "كان له ﵊ سوى إبراهيم" ولدان "القاسم وعبد الله" حال كونه "مات صغيرا" لم تعلم مدة حياته لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك "بمكة" أو هي مستأنفة، "ويقال له الطيب، والطاهر" فله "ثلاثة أسماء" فهو مبتدأ حذف خبره، "وهو" أي ما، قاله ابن بكار "قول أكثر أهل النسب، قاله أبو عمر"، بضم العين يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، الحافظ العلامة، الإمام، الذي ساد أهل الزمان بالحفظ، والاتقان الشهير بكنيته والنسبة إلى جد أبيه.
"وقال الدارقطني: هو الأثبت"، ولذا اقتصر يزيد بن عياض عن الزهري على القاسم وعبد الله، كما أخرجه الزبير بن بكار قائلا "ويسمى عبد الله بالطيب، والطاهر" هذه أولى من نسخة حذف الواو؛ لأنه سمي بكل منهما، كما علم ولفظ الزبير حدثني عمي عن مصعب، قال ولدت خديجة للنبي ﷺ القاسم والطاهر، وكان يقال له الطيب، واسمه عبد الله، "لأنه ولد بعد النبوة" فصلح له الاسمان، ونقل الزبير أيضا عن جده مصعب أنه كان للزبير بن عبد المطلب ابن يسمى الطاهر، كان من أظرف الفتيان بمكة، وبه سمى رسول الله ابنه، "فعلى هذا تكون جملتهم سبعة ثلاثة ذكور" القاسم وعبد الله وإبراهيم، والأربع بنات "وقيل: عبد الله غير الطيب وغير "الطاهر حكاه الدارقطني وغيره" كأبي بكر بن عثمان وأبي الأسود يتيم عروة قالا ولدت خديجة لرسول الله ﷺ أربعة ذكور القاسم، والطيب، والطاهر، وعبد الله، وأربع بنات وسماهن أخرجه الزبير، "فعلى هذا تكون جملتهم تسعة خمسة ذكور" بإبراهيم، وأربع بنات، "وقيل: كان له الطيب والمطيب"، بضم الميم، وفتح الطاء المهملة، والياء الثقيلة، وموحدة "ولدا في بطن" أي توءمين، "والطاهر والمطهر" بضم الميم اسم مفعول "ولدا في بطن ذكره صاحب الصفوة"стр. 1952
فتكون على أحد عشر.
وقيل: ولد له ﷺ ولد قبل المبعث يقال له عبد مناف، فتكون على هذا اثني عشر، وكلهم سوى هذا ولد في الإسلام بعد البعث. وقال ابن إسحاق: كلهم غير إبراهيم قبل الإسلام. ومات البنون قبل الإسلام وهم يرتضعون، وقد تقدم من قول غيره أن عبد الله ولد بعد النبوة ولذلك.
الحواشي
(١) ابن الجوزي وكذا ابن البر في تاريخه ولما عد ابن ظفر أولاده لله من خديجة ذكر المطهر، قال وبعض الناس يسميه الطاهر، وهو سهو، فإن الطاهر هو ابن أبي هالة من خديجة، قال في الإصابة ولم يذكر مستنده فيما زعم، وما المانع أن خديجة سمت أحد أولادها منه ﷺ باسم ولدها من غيره، وذلك موجود في العرب كثيرا وقد سبقه إلى ذكر المطهر غيره انتهى، "فتكون" الأولاد الكرام "على هذا أحد عشر" سبعة ذكور وأربع بنات، "وقيل ولد له ﷺ ولد قبل المبعث، يقال له عبد مناف".
رواه الهيثم بن عدي عن هشام عن عروة عن أبيه، قال ولدت خديجة للنبي ﷺ عبد العزى، وعبد مناف، والقاسم، قال في الميزان، واللسان هذا من افتراء الهيثم على هشام، والهيثم، كذبه البخاري، وأبو داود وآخرون، وقد قال الطحاوي، والبيهقي وابن الجوزي وغيرهم لم ينقل أحد من الثقات ما نقله الهيثم عن هشام قال ابن الجوزي قال لنا شيخنا ابن ناصر لم يسم ﷺ عبد مناف ولا عبد العزى قط.
وقال الحافظ قطب الدين الحلبي في المورد العذب: لا يجوز لأحد أن يقول هذه التسمية، أي بالاسمين اللذين زعمهما الهيثم وقعت من النبي ﷺ ولئن قيل، أي على فرض الورود أنها وقعت فتكون من بعض أهل خديجة وغيرها النبي ﷺ بعد، أو لم تبلغه لكونه كان مشغولا بعبادة ربه وعدم طول حياة من سمي بذلك، أو اختلق ذلك أحد الشياطين الأنس، أو الجن ليدخل اللبس على ضعيف الإيمان انتهى.
"فتكون على هذا اثني عشر" وعلى تمام ذلك الافتراء ثلاثة عشر وعلى المؤلف مؤاخذة، فإن مثل هذا، لا يذكر مع السكوت عليه، "وكلهم سوى هذا ولد في الإسلام بعد البعث" عند جماعة منهم الزبير بن بكار.
"وقال ابن إسحاق" في السيرة عند ذكر تزوج المصطفى خديجة: "كلهم غير إبراهيم" ولد قبل الإسلام، ومات البنون قبل الإسلام، وهم يرتضعون" ورجح السهيلي قول الجماعة بأن الزبير أعلم بهذا الشأن، "و" يؤيده أنه "قد تقدم من قول غيره أن عبد الله ولد بعد النبوة، ولذلكстр. 1953
سمي بالطيب الطاهر.
فتحصل من جميع الأقوال ثمانية ذكور: اثنان متفق عليها: القاسم وإبراهيم، وستة مختلف فيهم، عبد مناف، وعبد الله، والطيب، والمطيب، والطاهر، والمطهر.
والأصح أنهم ثلاثة ذكور وأربع بنات متفق عليهن وكلهن من خديجة بنت خويلد إلا إبراهيم.
فأما القاسم فهو أول ولد ولد له ﵊ قبل النبوة، وبه كان يكنى.
وعاش حتى مشى، وقيل: عاش سنتين، وقال مجاهد: مكث سبع ليال، وخطأه الغلابي في ذلك وقال: الصواب أنه عاش سبعة عشر شهرا. وقال ابن فارس: بلغ ركوب الدابة.
الحواشي
(١) سمي بالطيب، والطاهر" ويأتي أيضا أن القاسم مات بعد الإسلام في قول غير ابن إسحاق، "فتحصل من جميع الأقوال ثمانية ذكور اثنان متفق عليهما القاسم، وإبراهيم وستة مختلف فيهم عبد مناف وعبد الله، والطيب والمطيب والطاهر والمطهر" وسلك المصنف طريق الإيضاح، فإن هذا علم من كلامه، كما قال: "والأصح أنهم ثلاثة ذكور:" القاسم وعبد الله صاحب اللقبين وإبراهيم، "وأربع بنات متفق عليهن وكلهم" وفي نسخة كلهن تغليبا للإناث لفضلهن أو نظرا إلى أن أولاد جمع كثرة، فلا يضر عوده على الذكور نحو قامت الرجال، بمعنى الطائفة، "من خديجة بنت خويلد إلا إبراهيم" فمن مارية، كما يأتي قريبا، فهذا ذكرهم مجملا، فإن أردت تفصيله فصلناه لك على القول الأصح "فأما القاسم فهو أول ولد ولد له ﵊" على الأصح الذي جزم به الزبير بن بكار وصاحب الإصابة، فقال: هو بكره، وولد "قبل النبوة، وبه كان يكنى" في قول الجمهور "وعاش حتى مشى" كما رواه ابن بكار عن بعض المشيخة قائلا، غير إن رضاعته لم تكن كملت، أي لم يبلغ حولين على ذا القول: "وقيل عاش سنتين" رواه ابن سعد عن محمد بن جبير بن مطعام، وعن قتادة، "وقال مجاهد مكث سبع ليال" بأيامها فعند ابن سعد عنه عاش سبعة أيام، "وخطأه المفضل بن غسان "الغلابي" بغين معجمة، وتخفيف اللام، وموحدة شيخ ابن أبي الدنيا كما في التبصير نسبة إلى جده، "في ذلك، وقال الصواب أنه عاش سبعة عشر شهرا" وفي الإصابة قال المفضل الغلابي عاش سبعة أشهر بعد البعثة انتهى، ولا منافاة لأن عشرة قبلها، "وقال ابن فارس" اللغوي "بلغ ركوب الدابة" ولعلهстр. 1954
ومات قبل المبعث. وفي مسند الفريابي ما يدل على أنه توفي في الإسلام. وهو أول من مات من ولده ﵊.
الحواشي
(١) مراد من قال بلغ سن التمييز، "ومات قبل المبعث"، النبوي، "وفي مسند" العلامة الحافظ أبي بكر جعفر بن محمد "الفريابي" بكسر الفاء وسكون الراء بعدها تحتانية، فألف فموحدة نسبة إلى بلدة بيلخ التركي، قاضي الدينور، صاحب التصانيف، الثقة المأمون قال الخطيب: كان أوعية العلم، وأهل المعرفة، والفهم طوف شرقا وغربا ولد سنة سبع ومائتين، ومات في محرم سنة إحدى وثلاثمائة "ما يدل على أنه توفي في الإسلام" فإنه أخرج هو، والطيالسي والحربي وابن ماجه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها، لما مات القاسم، قالت خديجة: يا رسول الله درت لبينة القاسم فلو كان الله أبقاه حتى يتم رضاعه، قال: "كان تمام رضاعه في الجنة". قالت فلو أعلم ذلك يا رسول الله لهون علي أمره، فقال: "إن شئت دعوت الله، فاسمعك صوته". فقالت: بل أصدق الله ورسوله.
قال الحربي: أراد أنها حزنت عليه حتى در لبناه، قال في الإصابة وهذا ظاهر جدا في أنه مات في الإسلام، ولكن في السند ضعف انتهى, وفي الروض لبينة تصغير لبنة، وهي قطعة من اللبن كالعسيلة تصغير عسلة، قال وهذا من فقهها كرهت أن ترى هذا الأمر، فلا يكون لها أجر الإيمان بالغيب، وإنما أثنى الله على الدين يؤمنون بالغيب انتهى.
وأخرج يونس بن بكير في زيادة المغازي من طريق جابر الجعفي عن محمد بن علي بن الحسين، كان القاسم، قد بلغ أن يركب الدابة ويسير على النجيبة، فلما قبض، قال العاصي بن وائل: لقد أصبح محمد أبتر، فنزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ، عوضا عن مصيبتك بالقاسم.
قال في الإصابة: فهذا أيضا يدل على أنه مات في الإسلام، وأما قول أبي نعيم: لا أعلم أحدا من متقدمينا ذكره في الصحابة، وقد ذكر البخاري في التاريخ الأوسط من طريق سليمان بن بلال عن هشام بن عروة أن القاسم مات قبل الإسلام، فيعارضه حديث ما أعفي أحد من ضغطه القبر إلا فاطمة بنت أسد. قيل: ولا القاسم قال: ولا القاسم، ولا إبراهيم فهذا وحديث الحسين الذين قبله يدل على خلاف رواية هشام بن عروة انتهى.
"وهو أول من مات من ولده ﵊" فإن قلنا بعد البعثة ترجح القول بأن زينب قبله لولادتها قبل البعثة بعشر سنين، كما يأتي، وقد صححه ابن الكلبي، وقال إن غيره تخليط، قال ابن سعد وغيره: وكانت سلمى مولاة صفية بنت عبد المطلب قابلة خديجة في أولادها، وكانت تعق عن كل غلام بشاتين وعن الجارية بشاة، وكان بين كل ولدين لها سنة،стр. 1955
وأما زينب فهي أكبر بناته فلا خلاف إلا ما لا يصح، وإنما الخلاف فيها وفي القاسم أيهما ولد أولا.
وعن ابن إسحاق أنها ولدت في سنة ثلاثين من مولده ﵊. وأدركت الإسلام وهاجرت وماتت سنة ثمان من الهجرة.
الحواشي
(١) وكانت تسترضع لهم، وتعد ذلك قبل ولادتها، "وأما زينب" التي من فضائلها ما خرج الطحاوي، والحاكم بسند جيد، عن عائشة أنه ﷺ ، قال في حق زينب ابنته، لما أوذيت عند خروجها من مكة هي أفضل بناتي أصيبت في، وهو على تقدير ما أفضل، "فهي أكبر بناته، بلا خلافا إلا ما لا يصح" قال في الإصابة: وأول من تزوج منهن "وإنما الخلاف فيها وفي القاسم أيهما ولد أولا" فقال الزبير بن بكار في طائفة ولد القاسم، ثم زينب، ثم عبد اله، وقال ابن الكلبي زينب، ثم القسم، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية، ثم عبد الله وكان، يقال له الطيب، والطاهر.
قال: وهذا هو الصحيح وغيره تخليط، "وعن ابن إسحاق أنها ولدت في سنة ثلاثين من مولده ﵊" قبل البعثة بعشر سنين، "وأدركت الإسلام" وأسلمت ﵂ "وهاجرت" بعد بدر، كما رواه ابن إسحاق، عن عائشة، وعند ابن سعد بسند صحيح من مرسل الشعبي، أنها هاجرت مع أبيها، ويجمع بينهما بأن المعية مجازية، كما مر، "وماتت" أول "سنة ثمان من الهجرة"، كما رواه الواقدي عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، وجزم به في الإصابة والعيون وغيرهما.
وروى مسلم عن أم عطية، قالت: لما ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ قال: قال: "اغسلنها وترا ثلاثا، أو خمسا واجعلن في الآخرة كافورا" الحديث، وهو في الصحيحين بدون تسمية زينب، وروى أن التي غسلتها أم أيمن وسودة بنت زمعة، وأم سلمة.
قال ابن عبد البر: والتي شهدت أم عطية غسلها وتكفينها إنما هي أم كلثوم، ورده الحافظ المحفوظ أن قصة أم عطية إنما هي زينب كما في مسلم ويحتمل أن تكون شهدتهما جميعا انتهى وصلى عليها ﷺ ونزل في قبرها، ومعه أبو العاصي وجعل لها نعش قيل وكانت أول من اتخذ لها ذلك، ولا يعارضه ما يأتي أن فاطمة أول من غطى نعشها كما لا يخفى ذكر ابن إسحاق وغيره: أن أبا العاصي لما من عليه صلى الله عليه وسم حين أسر ببدر ورجع إلى مكة أمرها باللحوق بأبيها، وذلك بعد بدر بشهر أو أكثر، فتجهزت فحملها في هودج على بعير ساقه بها أخوه كنانة بن الربيع، ومعه قوسه وكنانته، فخرج رجال من قريش، فادركوها بذي طوى، فسبق إليها هبار بن الأسود، وأسلم بعد ذلك فراعها بالرمح، وكانت حاملا فوقعت وأسقطت، فقام حموها كنانة ونثر كنانته، والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما فتكركر الناسстр. 1956
عند زواجها -ابن خالتها- أبي العاصي لقيط وقيل مقسم بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس.
الحواشي
(١) عنه وجاء أبو سفيان في جلة قريش كف عنا نبلك حتى نكلمك فكف فقال: قد عرفت مصيبتنا ونكبتنا من محمد فيظن الناس أنك إذا خرجت ببنته علانية أنه عن ذل من مصيبتنا وضعف وما لنا بحبسها عن أبيها حاجة لكن ارجع حتى إذا هدأت الأصوات وتحدث أن قد رددناها سلها سرا وألحقها بأبيها ففعل فأقامت ليالي حتى خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زبد بن حارثة وصاحبه الأنصاري، وكان بعثهما ﷺ فقال كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب، فأصحباها حتى تاتياني بها، فقدما بها عليه، وللطبراني برجال الصحيح عن ابن الزبير أن رجلا أقبل بزينب فلحقه قرشيان فغلباه عليها، فدفعاها فوقعت على صخرة، فاسقطت، واهريقت دما فذهبوا بها إلى أبي سفيان فجاءته نساء بني هاشم فدفعها إليهن، ثم هاجرت فلم تزل وجعة من ذلك الوجع حتى ماتت فكانوا يرون إنها شهيدة وكأنه لما ردها حموها تلطف به أبو سفيان، فأخذها عنده ليشتهر أنه ردها، حتى جاءته نساء بني هاشم فدفعها إليهن؛ لأنه كان يحب الفخر، وقوله، فذهبوا بها إلى أبي سفيان تحديث عن منتهى ما وقع، فلا تعارض رواية ابن إسحاق "عند زوجها ابن خالتها" هالة بنت خويلد، صحابية، استأذنت عليه ﷺ فعرف استئذان خديجة فارتاع وقال اللهم هالة، كما في البخاري عن عائشة "أبي العاصي لقيط" بفتح اللام وكسر القاف وسكون التحتية، وبالطاء اسمه في قول مصعب الزبيري، وعمرو بن علي، والغلابي، وأبي أحمد الحاكم، وآخرين، ورجحه البلاذري، "وقيل مقسم" بكسر الميم وسكون القاف، وفتح السين المهملة.
حكاه السهيلي وابن الأثير وجماعة وفي نسخة مهشم وهو قول في اسمه حكاه في الإصابة وغيرها وضبطوه بكسر الميم، وسكون الهاء وفتح الشين المعجمة، وقيل بضم أوله، وفتح ثانيه، وكسر الشين الثقيلة.
حكاه البغوي والزبير بن بكار وحكى أيضا عن عثمان بن الضحاك أن اسمه الزبير، وقال إنه الثبت في اسمه ويقال هشيم حكاه ابن عبد الله البر، يقال قسم حكاه السهيلي والحافظ في الفتح وغيرهما.
وحكى ابن منده وتبعه أبو نعيم أن اسمه ياسر بتحتية وسين مهملة، قال في الإصابة وأظنها محرفة من قاسم انتهى، وفيه شيء وقد حكى القولين معا في الفتح "ابن الربيع" على الصواب، ورواه يحيى بن بكير ومعن بن عيسى وأبو مصعب وغيرهم عن مالك وروى الجمهور عنه أنه ابن ربيعة وادعى الأصيلي أنه ابن الربيع بن ربيعة فنسبه مالك مرة إلى جده، ورده عياض والقرطبي وغيرهما لاطباق النسابين على خلافة "ابن عبد العزي بن عبد شمس" بن عبد منافстр. 1957
وكانت هاجرت قبله وتركته على شركه، وردها النبي ﷺ إليه بالنكاح الأول بعد سنتين، وقيل بعد ست سنين وقيل بعد انقضاء العدة، فيما ذكره ابن عقبة. وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ردها له بنكاح جديد سنة سبع.
الحواشي
(١) القرشي العبشمي، وكون الربيع بن عبد العزي هو ما أطبق عليه النسابون، ونسبه مالك إلى جده، فأسقط عبد العزى ما في الفتح، "وكانت هاجرت قبله وتركته على شركة" فاسر في سرية تقدمت، فأجارته زينب، فذهب إلى مكة ورد الأمانات إلى أهلها، ثم أسلم وهاجر، وأثنى عليه ﷺ في مصاهرته، وقال: "حدثني فصدقني ووعدني فوفاني"، كما في الصحيحين.
"وردها" زينب "النبي ﷺ له بالنكاح الأول" كما أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن ابن عباس، قال الترمذي: ليس بإسناده بأس ولكن لا يعرف وجهه "بعد سنتين" من إسلامه الواقع في السادسة، أو السابعة، "وقيل بعد ست سنين" من الهجرة، وقد علمت قول الترمذي، لا يعرف وجهه، فكذا هذان القولان المبنيان عليه وإلا، فابتداء السنتين، أو الست مشكل، كما لا يخفى، "وقيل بعد انقضاء العدة فيما ذكره" موسى "بن عقبة" وهو من المشكل أيضا الذي لا يعرف وجهه، ثم هو حاصل القولين قبله غايته أنه لم يعين قدرا، وقد ذكر المصنف هذا القول فيما مر، لكن بدون عزو بلفظ قبل، لا بعد ومر وجهه، "وفي حديث عمرو بن شعيب" بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، الصدوق، "عن أبيه" شعيب بن محمد، صدوق، ثبت سماعه "عن جده" عبد الله بن مرو بن العاص، المروي عن الترمذي، وابن ماجه أنه ﷺ "ردها له بنكاح جديد".
قال الترمذي سمعت عبد بن حميد يقول: سمعت يزيد بن عمرو، وذكر هذين الحديثين. يقول حديث ابن عباس أجود إسنادا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب، قال السهيلي، وإن كان أصح إسنادا لم يقل به أحد من الفقهاء؛ لأن الإسلام فرق بينهما.
قال تعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ، قال: ومن جمع بينهما؟ قال: معنى حديث ابن عباس على مثل النكاح الأول في الصداق، والحباء لم يزد عليه شرطا، ولا غيره "سنة سبع" يفيد انقضاء العدة؛ لأن نزول آية التحريم بعد الحديبية الواقعة في سنة ست وبهذا وبما ذكرته عن ابن إسحاق في قصة هجرتها علمت أن زعم أنها لم تبن بانقضاء العدة لتأخر نزول التحريم، بل عزلت عنه إلى الهجرة، واستمرت كذلك حتى نزلت آية التحريم، فتوقف انفساخ النكاح على انقضاء العدة، فلم يلبث حتى جاء، وأسلم فردها بالنكاح الأول؛ إذ ليس بينهما إلا اليسير كله، تقول: جاءت الروايات بخلافه وليته إذ أبداه جوابا جعله احتمالا، بل جزمстр. 1958
وولدت له عليًّا، مات صغيرا وقد ناهز الحلم، وكان رديف رسول الله ﷺ على ناقته يوم الفتح، وولدت له أيضا أمامه التي حملها ﷺ في صلاة الصبح على عاتقه، وكان إذا ركع وضعها وإذا رفع رأسه من السجود أعادها، وتزوجها علي بن
الحواشي
(١) ونحن في غنية عنه، فقد كفانا الأئمة مئونة ذلك، فقد علمت قول الترمذي وجهه، لا يعرف، ونقله أن العمل على حديث عمرو بن شعيب، ونقل السهيلي التوفيق بما هو محتمل، "وولدت له عليًّا" الصحابي ابن الصحابي، أحد الأسباط النبوية استرضع في بني غاضرة، فافتصله ﷺ منهم، وأبو العاصي مشرك بمكة، وقال: "لئن شاركني في شيء، فأنا أحق به منه".
ذكره في الإصابة. "مات صغيرا، وقد ناهز الحلم" بعد أمه في حياة أبيه، فيما رواه الزبير عن عمر بن أبي بكر الموصلي، وقال ابن عساكر ذكر بعض أهل العلم بالنسب أنه قتل يوم اليرموك، "وكان رديف رسول الله ﷺ على ناقته يوم الفتح" لمكة الشريفة، "وولدت له أيضا أمامه، بضم الهمزة، وتخفيف الميمين "التي حملها ﷺ في صلاة الصبح على عاتقه"، كما في رواية الزبير بن بكار، وعند أبي داود عن أبي قتادة بينا نحن ننتظر رسول الله ﷺ في الظهر، أو العصر إذ خرج إلينا وأمامه على رقبته، فقام في الصلاة، وقمنا خلفه، والحديث في الموطأ، ومن طريقه أخرجه الشيخان عن أبي قتادة أنه ﷺ كان يصلي، وهو حامل أمامه، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. "وكان إذا ركع وضعها" كما عند مسلم، والنسائي من غير طريق مالك، "وإذا رفع رأسه من السجود أعادها" كما لأبي داود من طريق آخر، فهذا صريح في أن فعل الحمل، والوضع كان منه ﷺ ، لا منها بخلاف ما أوله الخطابي في حديث مالك، حيث، قال يشبه أن الصبية كانت ألفته، فإذا سجد تعلقت بأطرافه والتزمته، فينهض من سجوده، فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع، فيرسلها، وبسط هذا يأتي إن شاء الله تعالى في مقصد عباداته، فإن المقصود منه هنا أنه كان يلاطفها ويحبها، وقد روى أحمد عن عائشة أن النجاشي اهدى للنبي ﷺ حلة فيها خاتم من ذهب فصه حبشي، فأعطاه أمامة.
وأخرج ابن سعد، وأحمد، وأبو يعلى بسند حسن عن عائشة أهديت له هدية فيها قلادة، جزع معلمات بالذهب ونساؤه كلهن مجتمعات في بيت، وأمامة تلعب في جانب البيت بالتراب، فقال: "كيف ترين هذه"؟ فنظرنا إليها فقلنا: ما رأينا أحسن منها، ولا أعجب، فقال: "لأدفعنها إلى أحب أهلي إليَّ" فقالت النساء: ذهبت بها ابنة أبي قحافة، فدعا ﷺ أمامة بنت زينب فعقدها بيده في عنقها وكان على عينها عمص، فمسحه بيده، وفي رواية، فأقبل بها حتى وضعها في رقبة أمامة، فسري عنا، ولا تعارض، فقد يكون أقبل بها، ثم دعاها "وتزوجها علي بنстр. 1959
أبي طالب بعد فاطمة.
وأما رقية فولدت سنة ثلاث وثلاثين من مولده ﵊. وذكر الزبير بن بكار وغيره أنها أكبر بناته ﷺ وصححه الجرجاني النسابة. والأصح الذي عليه الأكثرون كما تقدم، أن زينب أكبرهن.
وكانت رقية تحت عتبة بن أبي لهب، وأختها أم كلثوم تحت أخيه عتيبة، فلما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] .
الحواشي
(١) أبي طالب" أمير المؤمنين "بعد فاطمة" خالتها بوصية من فاطمة بذلك، زوجها منه الزبير بن العوام، وكان أبوها قد أوصى بها إلى الزبير، فلما تأيمت من علي، قالت أم الهيثم النخعية:
أشاب ذوائبي وأذل ركني ... أمامة حين فارقت القرينا
تطيف به لحاجتها إليه ... فلما استيأست رفعت رنينا
وكان علي، قد أمر المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أن يتزوجها، فتزوجها بعده فولدت له يحيى وبه كان يكنى، وماتت عند المغيرة، وقيل لم تلد لعلي، ولا للمغيرة.
قال الزبير: ليس لزينب عقب ذكره ابن عبد البر، وقيل الذي تزوجها بعد علي أبو الهياج بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، حكاه الدارقطني، "وأما رقية، فولدت سنة ثلاث وثلاثين من مولده ﵊" فيما قيل. "وذكر الزبير بن بكا وغيره أنها أكبر بناته ﷺ " الذي نسبه اليعمري عن ابن عبد البر للزبير بن بكار أن زينب أكبرهن ورقية أصغرهن، "وصححه" علي بن عبد العزيز "الجرجاني النسابة" الذي في العيون والإصابة عن أبي عمر، صحح الجرجاني أن رقية أصغرهن، "والأصح الذي عليه الأكثرون، كما تقدم أن زينب أكبرهن" بل قال أبو عمر: لا أعلم فيه خلافا، واختلف في رقية، وفاطمة، وأم كلثوم، والأكثر أنهن على هذا الترتيب، وصحح الجرجاني أن رقية أصغرهن، وقيل فاطمة.
هذا ما في الإصابة وإن تكرر ونحوه في العيون، "وكانت رقية تحت عتبة" بالتكبير أسلم في الفتح هو، وأخوه معتب "بن أبي لهب" لأن النبي ﷺ استوهبهما من ربه، فوهبهما له، كما مر في غزوتها، "وأختها أم كلثوم تحت أخيه عتيبة" بالتصغير الميت كافرا، كما يأتي.
قال ابن سعد: وكان تزوجها قبل النبوة، وتبعه ابن عبد البر، ونظر فيه الحافظ، بأن عبد البر نفسه، نقل الاتفاق على أن زينب أكبرهن، وقد ولدت قبل البعثة بعشر سنين، فإذا كانت أكبرهن بهذا السن، فكيف يتزوج من هي أصغر منها؟ نعم إن ثبت يكون عقد نكاح فقط حتى يحصل التأهل فوقع الفراق قبل ذلك انتهى "فلما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ بعدما أنذر صلى الله عليه وسلمстр. 1960
قال لهما أبوهما -أبو لهب- رأسي من رءوسكما حرام إن لم تفارقا ابنتي محمد، ففارقاهما ولم يكونا دخلا بهما.
فتزوج عثمان بن عفان رقية بمكة، وهاجر بها الهجرتين إلى أرض الحبشة، وكانت ذات جمال رائع
الحواشي
(١) عشيرته لما نزل عليه، وأنذر عشيرتك الأقربين، فقال أبو لهب تبا لك ألهذا جمعتنا؟، "قال لهما أبوهما أبو لهب: رأسي" أي قربه "من رءوسكما حرام" ممنوع لأن شأن المتحابين وضع رءوسهما على وسادة واحدة، وعبر بالجمع في موضع التثنية لقلة استعمالها في مثله لكراهتهم اجتماع تثنيتين، وفي نسخة من رأسكما بالإفراد، وهو جائز أيضا كقطعت رأس الكبشين، قال ابن مالك: والجمع أجود نحو، فقد صغت قلوبكما، وقد اجتمعت التثنية، والإفراد في قوله ظهراهما مثل ظهر الترسين، وفي نسخة بالتثنية على القليل، "إن لم تفارقا ابنتي محمد، ففارقاهما ولم يكونا دخلا بهما" تبعا لأمره المشئوم، "فتزوج عثمان بن عفان" أمير المؤمنين "رقية بمكة" وكانت بارعة الجمال، وكذا كان عثمان جميلا، فكان يقال أحسن زوجين، رآهما إنسان رقية وزوجها عثمان، وفيه تقول خالته سعدى بنت كرز الصحابية العبشمية:
هدى الله عثمان الصفي بقوله ... فارشده والله يهدي إلى الحق
فبايع بالرأي السديد محمدا ... وكان ابن أروى لا يصد عن الحق
وأنكحه المبعوث إحدى بناته ... فكان كبدر مازج الشمس في الأفق
فداؤك يابن الهاشميين مهجتي ... فأنت أمين الله أرسلت في الخلق
ذكره أبو سعد في الشرف، "وهاجر بها الهجرتين إلى أرض الحبشة،" واحتبس خبرهما عن النبي ﷺ حتى أتته امرأة، فأخبرته أنها رأتهما، فقال ﷺ : "صحبهما الله إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط".
رواه ابن المبارك وغيره، قال ابن هشام: فولدت له هناك عبد الله، فكان يكنى به وعاش، كما في الفتح ست سنين ومات كما قال ابن سعد سنة أربع من الهجرة نقره ديك، فتوفي بعد أمه قال: ولم تلد له غيره إلا أنها أسقطت قبله سقطا، وقال قتادة: لم تلد له، قال ابن عبد البر: وهو غلط لم يقله غيره.
وذكر البلاذري أنه، لما توفي وضعه النبي ﷺ في حجر، وقال: "إنما يرحم الله من عباده الرحماء"، "وكانت ذات جمال رائع" ذكر ابن قدامة أن نفرا من الحبشة كانوا ينظرون إليها، ويعجبون من جمالها فتأذت من ذلك فدعت عليهم فهلكوا جميعا.стр. 1961
عن الدولابي أن تزويجه بها كان في الجاهلية، وذكر غيره ما يدل على أنه كان بعد إسلامه.
وتوفيت والنبي ﷺ ببدر. وعن ابن عباس: لما عزي ﷺ برقية قال: "الحمد لله، دفن البنات من المكرمات" أخرجه الدولابي.
الحواشي
(١) "عن الدولابي" بفتح الدال، وضمها الحافظ أبي بشر "أن تزويجه بها كان في الجاهلية" أي قبل البعثة، "و" لكن "ذكر غيره ما يدل على أنه كان بعد إسلامه" فأخرج أبو سعد في الشرف عن عثمان كنت بفناء الكعبة، فقيل أنكح محمد عتبة رقية ابنته، فدخلتني حسرة أن لا أكون سبقت إليها، فانصرفت إلى منزلي، فوجدت خالتي، فأخبرتني بأن الله أرسل محمدا، وذكر حثها له على اتباعه، قال: وكان لي مجلس من الصديق، فأصبته فيه وحده فسألني عن تفكري، فأخبرته بما سمعت من خالتي، فذكر حثه له على الإسلام، قال فما كان بأسرع من أن مر ﷺ ومعه علي يحمل له ثوبا، فقال أبو بكر فساره فقعد ﷺ ، ثم أقبل علي، فقال: "أجب الله إلى جنته، فإني رسول الله إليك وإلى جميع خلقه"، فوالله ما تمالكت حين سمعته أن أسلمت، ثم لم ألبث أن تزوجت رقية، "وتوفيت، والنبي ﷺ ببدر" حين وصل زيد بن حارثة بالبشارة يقتل المشركين، وهي ابنة عشرين سنة، كما في الفتح، وروى ابن المبارك عن يونس عن الزهري تخلف عثمان عن بدر على امرأته رقية، وكانت قد أصابها الحصبة فماتت.
وجاء زيد بشيرا وعثمان على قبرها، وفي المستدرك وغيره أنه ﷺ خلف عثمان، وأسامة على رقية في مرضها، لما خرج إلى بدر، وأخرج ابن سعد عن ابن عباس، لما ماتت رقية، قال ﷺ : "الحقي بسلفنا عثمان بن مظعون"، وبكت النساء، فجاء عثمان يضربهن، فقال ﷺ : "مهما يكن من العين، والقلب، فمن الله والرحمة، ومهما يكن من اليد، واللسان، فمن الشيطان "، فقعدت فاطمة على شفير القبر تبكي، فجعل يمسح عينيها بطرف ثوبه الواقدي، هذا وهم ولعلها غيرها من بناته لأن المثبت أن رقية ماتت، وهو ببدر، أو يحمل على أنه أتى قبرها بعد أن جاء من بدر.
"وعن ابن عباس، لما عزي ﷺ برقية، قال: "الحمد لله دفن" ورواية البزار موت "البنات من المكرمات" آبائهن؛ لأنهن عورة ولضعفهن بالأنوثة، وعدم استقلالهن وكثرة مئونتهن، وأثقالهن.
قال بعض العلماء: هذا ورد مورد التسلية عن المصيبة وحاشاه أن يقوله كراهة للبنات، كما يظنه الجهلة. "خرجه الدولابي" الحافظ محمد بن أحمد بن حماد، وقد أبعد المصنف النجعة، فقد رواه الطبراني في الكبير، والأوسط والبزار، وابن عدي، والقضاعي كلهن بسندстр. 1962
وأما أم كلثوم ولا يعرف لها اسم، إنما تعرف بكنيتها، وكانت عند عتيبة بن أبي لهب -كما قدمته- ففارقها قبل الدخول.
ويروى أن عتيبة لما فارق أم كلثوم جاء إلى النبي ﷺ فقال: كفرت بدينك، وفارقت ابنتك، لا تحبني ولا أحبك، ثم سطا عليه وشق قميصه وهو خارج نحو الشام تاجرا، فقال ﷺ : "أما إني أسأل الله أن يسلط عليك كلبه" وفي رواية: "اللهم سلط عليه كلبا من كلابك" وأبو طالب حاضر فوجم لها وقال: ما كان أغناك عن دعوة ابن أخي، فخرج في تجر من قريش حتى نزلوا مكانا من الشام يقال له الزرقاء ليلا، فأطاف بهم الأسد تلك الليلة فجعل عتيبة يقول: يا ويل أمي،
الحواشي
(١) ضعيف، "وأما أم كلثوم، ولا يعرف لها اسم" لعدم وجوده كقوله:
ولا ترى الضب بها ينجحر
فليس المراد أن لها اسما أبهم، فلم يعرف، ففي النور، لا أعلم أحد أسماها، والظاهر أن اسمها كنيتها، ولذا قال: "إنما تعرف بكنيتها، وكانت عند عتيبة" المصغر "ابن أبي لهب" بمعنى أنه عقد عليها لقوله: "كما قدمته، ففارقها قبل الدخول" لأمر أبيه المشئوم، وقول أمهما حمالة الحطب أن رقية، وأم كلثوم صبتا، فطقاهما، "ويروى" عند ابن أبي خيثمة عن قتادة مرسلا "أن عتيبة" بالتصغير على الصواب، وبعضهم بجعله بالتكبير، وأن المصغر صحب، قال ابن سيد الناس وغيره والمشهورالأول، "لما فارق أم كلثوم جاء إلى النبي ﷺ " فقال: كفرت بدينك" أي دام على الكفر به لأنه لم يكن آمن، "وفارقت ابنتك، لا تحبني" لذلك، "ولا أحبك" كفرا وعنادا، "ثم سطا عليه وشق قميصه" أي قميص النبي ﷺ ، كما هو المروي عن قتادة، "وهو خارج نحو الشام تاجرا، فقال ﷺ : "أما إني أسأل الله أن يسلط عليك كلبه" يقتلك".
"وفي رواية" عند الحاكم، وقال: صحيح الإسناد من حديث أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه قال دعا النبي ﷺ على عتيبة بن أبي لهب، فقال: "اللهم سلط عليه كلبا من كلابك" وأضاف فيهما الكلاب إلى الله لأن المقصود منها تحقير المضاف، وتعظيم الرب بأنه لكمال قدرته ينتقم من أعظم الجبابرة بأحقر خلقه، وليس هذا من وصفه بكونه خالقها الممتنع، وإن طابق الواقع؛ لأنه سوء أدب مع إمكان الوصف بغيره من الأوصاف الجليلة، "وأبو طالب حاضر، فوجم" بجيم مفتوحة اشتد حزنه "لها" للدعوة، "وقال: ما كان أغناك" يا عتيبة "عن دعوة ابن أخي" لأنها مستجابة "فخرج في تجر" بفتح فسكون من جموع تاجر "من قريش حتى نزلوا مكانا من الشام يقال له الزرقاء" بفتح الزاي، وسكون الراء، فقاف، فألف تأنيث "ليلا، فأطاف بهم الأسد تلك الليلة فجعل عتيبة يقول يا ويل أمي" من فقدي، وعبر بويل دون ويح؛ لأنها لماстр. 1963
هو والله آكلي، كما دعا علي محمد، أقاتلي، ابن أبي كبشة وهو بمكة وأنا بالشام، فعدا عليه الأسد من بين القوم فأخذ برأسه ففدغه، وفي رواية فجاء الأسد فجعل يتشمم وجوههم، ثم ثنى ذنبه فوثب فضربه ضربة واحدة فخدشه، فقال: قتلني ومات. وفي رواية: أن الأسد أقبل يتخطاهم حتى أخذ برأس عتيبة ففدغه، رواه الدولابي.
ولما توفيت رقية خطب عثمان ابنة عمر حفصة فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "يا عمر، أدلك على خير لك من عثمان، وأدل عثمان على خير له منك"؟ قال: نعم يا نبي الله، قال: "تزوجني ابنتك، وأزوج عثمان ابنتي".
الحواشي
(١) حملته على ذلك، وأمرته به استحقت الوقوع في مهلكة فقده "هو والله آكلي، كما دعا علي محمد" وغلبت عليه الشقوة فلم يؤمن "أقاتلني ابن أبي كبشة، وهو بمكة، وأنا بالشام" استفهام تعجبي لا إنكاري لمنافاته اعتقاده أنه قاتله، ولا بد "فعدا عليه الأسد من بين القوم، فأخذ برأسه ففدغه" بفتح المهملة والغين المعجمة شدخه، أي كسره.
"وفي رواية فجاء الأسد، فجعل" الأسد "يتشمم وجوههم، ثم ثنى ذنبه" رد بعضه على بعض، "فوثب فضربه ضربة واحدة فخدشه فقال قتلني ومات" على كفره.
"وفي رواية أن الأسد أقبل يتخطاهم حتى أخذ برأس عتيبة ففدغه".
"رواه الدولابي" الحافظ أبو بشر وسمي الأسد كلبا لأنه يشبهه في رفع رجله عند البول، قاله الدميري، وروى أبو نعيم عن الأسد بن هبار، قال: تجهز أبو لهب، وابنة عتيبة نحو الشام، فخرجت معهما، فنزلت قريبا من صومعة راهب، فقال الراهب: ما أنزلكم ههنا هنا سباع، فقال أبو لهب: أنتم عرفتم سني وحقي قلنا: أجل، قال: إن محمدا دعا على ابني، فاجمعوا متاعكم على هذه الصومعة، ثم أفرشوا له عليها وناموا حوله، ففعلنا وبات عتيبة فوق المتاع، فجاء الأسد فشم وجوهنا، ثم وثب فإذا هو فوق المتاع، فقطع رأسه فمات لساعته فطلبنا الأسد، فلم نجده "ولما توفيت رقية خطب عثمان ابنة عمر حفصة، فرده" أدبا مع النبي ﷺ حتى لا تكون بنته بدل بنته لما جرت به العادة من كراهة أهل الميتة لمن يأتي بعدها، لكن هذا معارض بما في البخاري، قال عمر: لقيت عثمان، فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر، فلبث ليالي، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا الحديث، "فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: "يا عمر أدلك على خير لك من عثمان، وأدل عثمان على خير له منك"، قال: نعم يا نبي الله قال: "تزوجني ابنتك، وأزوج عثمان ابنتي" وبه استدل على فضل بناته على زوجاته.стр. 1964
أخرجه الخجندي:
وكان تزوج عثمان بأم كلثوم سنة ثلاث من الهجرة. وروي أنه ﵊ قال له: "والذي نفسي بيده لو أن عندي مائة بنت يمتن واحدة بعد واحدة، زوجتك أخرى بعد أخرى" هذا جبريل أخبرني أن الله يأمرني أن أزوجكها. ورواه الفضائلي.
وماتت أم كلثوم سنة تسع من الهجرة، وصلى عليها ﵊ ونزل في حفرتها علي والفضل وأسامة بن زيد. وفي البخاري، جلس رسول الله ﷺ على القبر وعيناه تذوقان فقال: "هل فيكم من أحد لم يفارق الليلة".
الحواشي
(١) "أخرجه الخجندي" بضم الخاء المعجمة، وفتح الجيم، وسكون النون، ومهملة نسبة إلى خجندة مدينة بطرف سيحون، كما في اللب، وأخرجه ابن منده بنحوه ولكن ليس فيه مخالفة، لما في الصحيح، ولفظه في بعض طرقه عرضها عمر على أبي بكر، فسكت فعرضها على عثمان حين ماتت رقية، فقال: ما أريد أن أتزوج اليوم، فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ ، فقال: "فتزوج حفصة من هو خير من عثمان ويتزوج عثمان ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة"، "وكان تزوج عثمان بأم كلثوم سنة ثلاث من الهجرة" في ربيع الأول ولم تلد له.
قاله ابن سعد "وروى أنه ﵊، قال له: والذي نفسي بيده لو أن عندي مائة بنت يمتن واحدة بعد واحدة زوجتك أخرى"، وفيه منقبة جليلة لعثمان، وأكدها بقوله "هذا جبريل أخبرني أن الله يأمرني أن أزوجكها، يعني أم كلثوم "رواه الفضائلي" وعن أم عياش مولاة رقية سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما زوجت عثمان أم كلثوم إلا بوحي من السماء". وعن أبي هريرة رفعه أتاني جبريل، فقال: "إن الله يأمرك أن تزوج عثمان أم كلثوم على مثل صداق رقية وعلى مثل صحبتها" رواهما ابن منده، وقال: إنهما قريبان، "وماتت أم كلثوم"، عند عثمان "سنة تسع من الهجرة"، في شعبان، كما قال ابن سعد، "وصلى عليها ﵊".
روى الواقدي بسند له "ونزل في حفرتها علي، والفضل" بن عباس، "وأسامة بن زيد" ﵃ "وفي البخاري" عن أنس شهدنا بنت رسول الله ﷺ ، "جلس رسول الله ﷺ على القبر، وعيناه تذرفان" بذال معجمة، وراء مكسورة وفاء، أي يجري دمعهما، والذي في البخاري في موضعين من الجنائز فرأيت عينيه تدمعان بفتح الميم "فقال: "هل فيكم من أحد لم يفارق الليلة"؟ بقاف وفاء، أي يجامع وفي البخاري عن فليح بن سليمان أحد رواته أراه يعني الذنب، وبالأول جزم ابن حزم، وقال: معاذ الله أن يتبجح أبو طلحة عند رسول الله صلى الله عليه وسلمстр. 1965
فقال أبو طلحة: أنا، فقال: "انزل قبرها" فنزل.
وقد روي نحو ذلك في رقية، وهو وهم، فإنه ﵊ لم يكن حال دفنها حاضرا، بل كان في غزوة بدر كما قدمته.
وغسلتها أسماء بنت عميس، وصفية بنت عبد المطلب،
الحواشي
(١) بأنه لم يذنب تلك الليلة وقال السهيلي: هو خطأ من فليح لأنه ﷺ كان أولى بهذا.
قال الحافظ: ويقويه أن البخاري في التاريخ، والحاكم روياه بلفظ، "لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة" فتنحى عثمان وزعم الطحاوي أن يقارف تصحيف، والصواب لم يقاول، أي ينازع غيره في الكلام لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء، وتعقب بأنه تغليط للثقة، بلا مستند، وكأنه استبعد أن يقع من عثمان ذلك لحرصه على مراعاة الخاطر الشريف، ويجاب باحتمال أن مرض المرأة طال، واحتاج إلى الوقاع ولم يظن موتها تلك الليلة، وليس في الحديث ما يقتضي أنه واقع بعد موتها، ولا حين احتضارها انتهى، "فقال أبو طلحة" زيد بن سهل الأنصاري "أنا" لم أقارف الليل "فقال" ﷺ "انزل قبرها" فنزل" زاد في رواية، فقبرها، ففيه إيثار البعيد العهد عن الملاد بمواراة الميت ولو امرأة على الزوج، وعلل بأنه حينئذ يأمن أن يذكره الشيطان ما كان منه تلك الليلة.
وحكى ابن حبيب أن عثمان جامع بعض جواريه ليلتئذ فتلطف ﷺ في منعه من قبرها بغير تصريح.
وفي تاريخ البخاري، فلم يدخل عثمان القبر، "وقد روى نحو ذلك في رقية" عند البخاري في التاريخ الأوسط، والحاكم في المستدرك من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس، أنه ﷺ شهد دفن بنته رقية، فذكر الحديث.
قال البخاري: ما أدري ما هذا، فإن رقية ماتت والنبي ببدر لم يشهدها، "وهو وهم".
قال الحافظ: من حماد في تسميتها فقط، "فإنه ﵊ لم يكن حال دفنها حاضرا، بل كان في غزوة بدر كما قدمته" قريبا مجملا وقبله مفصلا في بدر، وقد روى الطبري، والطحاوي، والواقدي، وابن سعد، والدولابي من حديث فليح عن هلال بن علي التصريح بأنها أم كلثوم، أي فوقع في روايتهم النبيين، وأن قول حماد رقية وهم، "وغسلتها" أي أم كلثوم "أسماء بنت عميس" بضم المهملة مصغر وآخره سين مهملة الخثعمية زوج جعفر بن أبي طالب، ثم أبي بكر، ثم علي وولدت لهم "وصفية بنت عبد المطلب" كما رواه ابن سعد عن أسماء المذكورة وعنده من وجه آخر غسلها نسوة منهن أم عطية ولأبي داود عن ليلى بنت قانف بقاف ونون وفاء، قالت كنت فيمن غسلها.следующие страницы →