Полный текст (5 943 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
كان في أول البدء في عالم الذر أول مجيب، إذ هو أول من قال: بلى، إذ أخذ ربه الميثاق على الذرية الآدمية، فأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم. فهو ﷺ الأول في ذلك كله على الإطلاق.
وأما "الآخر" فلأنه آخر الأنبياء في البعث كما في الحديث.
وأما "الظاهر" فلأنه ظهر على جميع الظاهرات ظهوره، وظهر على الأديان دينه، فهو الظاهر في وجود الظهور كلها.
أما "الباطن" فهو المطلع على بواطن الأمور بواسطة ما يوحيه الله تعالى إليه.
الحواشي
(١) كان في أول البدء في عالم الذر أول مجيب إذ هو أول من، قال: بلى" أنت ربنا "إذ أخذ ربه الميثاق على الذرية الآدمية" كما هو نص الآية، لا الملائكة وغيرهم من الحيوانات؛ لأنهم ليسوا محلا للمخالفة، ولا الجن، "فاشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، فهو ﷺ الأول" السابق "في ذلك كله على الإطلاق" لم يتقدمه أحد في شيء منه، "وأما "الآخر" فلأنه آخر الأنبياء في البعث، كما في الحديث، عند ابن أبي حاتم وغيره عن أبي هريرة كتب أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا. وروى ابن سعد من مرسل قتادة كنت أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث، وهذان الاسمان مما سماه الله به من أسمائه الحسنى، وإن كان معنى الأول في حقه تعالى السابق للأشياء قبل وجودها بلا بداية، والآخر للأشياء بعد فنائها، بلا نهاية.
قال عياض وتحقيقه أنه ليس له أول، ولا آخر، وقد غفل وجمد من اعتراض على عياض بأنه لا مناسبة بينهما، فإنهما في حقه تعالى غيرهما في حقه ﷺ ، فكفاه شرفا تسميته بأسماء ربه ومشاركته في اللفظ وإن اختلف المعنى، ومثل هذا لا يخفى حتى يعترض له، "وأما "الظاهر" فلأنه ظهر" غلب "على جميع الظاهرات ظهوره" فاعل ظهر "وظهر على الأديان دينه فهو الظاهر في وجوه الظهور كلها"، والظهور العلو والغلبة وقيل معناه الجلي الواضح الذي لا يخفى على عاقل ظهوره، "وأما الباطن، فهو المطلع على بواطن الأمور بواسطة ما يوحيه الله تعالى إليه" وقال الشامي كأن معناه في حقه ﷺ الذي لا تدرك غاية مقامه وعظم شأنه الذي خصه الله به لقصور العقول عن ذلك وهما أيضا مما سماه الله به من أسمائه ومعنى الظاهر في حقه المجلي الوجود بالآيات والقدرة والباطن المنزة عن الابصار، فلا تراه، أو المطلع على بواطن الأمور، فلا يعتريه فيها اشتباه أو الباطن بذاته الظاهر بآياته، وقيل الذي لا تدرك كنهه العقول، ولا تدركه الحواس.стр. 1892
وأما "الفاتح الخاتم" ففي حديث الإسراء عن أبي هريرة من طريق الربيع بن أنس قول الله تعالى له: "وجعلتك فاتحا وخاتما، وفي حديث أبي هريرة أيضا في الإسراء: قوله ﷺ : "وجعلني فاتحا وخاتما"، فهو الذي فتح الله به باب الهدى بعد أن كان مرتجا، وفتح أمصار الكفر، وفتح به أبواب الجنة، وفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، وفتح به طرق العلم النافع والعمل الصالح والدنيا
الحواشي
(١) "وأما "الفاتح الخاتم" بفتح التاء، وكسرها ذكرهما ابن دحية عن ضبط ثعلب وابن عساكر، فأما بفتحها فمعناه أحسن الأنبياء خَلقا وخُلقا؛ لأنه ﷺ جمال الأنبياء كالخاتم الذي يتجمل به، وأما بالكسر، فهو اسم فاعل من ختمت الشيء أتممته وبلغت آخره، فمعناه آخر الأنبياء، وهو الذي شرح عليه المصنف واستدل بقوله. "ففي حديث الإسراء عن أبي هريرة" مرفوعا "من طريق الربيع بن أنس" البكري البصري نزيل خراسان صدوق له أوهام، ورمي بالتشيع مات سنة أربعين ومائة، أو قبلها روى له أصحاب السنن الأربعة "قول الله تعالى له" فيما خاطبه به ليلة المعراج "وجعلتك فاتحا وخاتما" أي أول الأنبياء وآخرهم، "وفي حديث أبي هريرة أيضا في الإسراء قوله ﷺ " حيث أثنى على ربه "وجعلني فاتحا وخاتما"، فهو الذي فتح الله به باب الهدى بعد أن كان مرتجا" بضم الميم، وسكون الراء، وفتح الفوقية، وجيم خفيفة، ولا تشدد عند الجوهري وغيره، وحكى بعضهم تشديدها أي مقفلا، "وفتح أمصار الكفر" مكة وخيبر والمدينة والبحرين وسائر جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام وهاداه هرقل والمقوقس وملوك عمان والنجاشي الذي ملك بعد أصحمة، ثم فتح أيام الصديق بصري ودمشق بلاد حوران وما والاها، ثم في أيام عمر فتح البلاد الشامية كلها ومصر، وأكثر إقليم فارس وكسر كسرى، وفر إلى أقصى مملكته. وفر هرقل إلى القسطنطينية ثم في زمن عثمان فتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز وبلاد المغرب بتمامها ومن المشرق إلى اقصى بلاد الصين، وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية، ثم امتدت الفتوحات بعده إلى الروم وغيرها ولم تزل الفتوحات تتجدد إلى الآن. "وفتح به أبواب الجنة" مجازا في الدنيا وحقيقة يوم القيامة، "وفتح به أعينا عميا" الكفر عن طريق الهدى، فلا تراه حتى رأت آيات الله الباهرة، و"آذانا صما" عن سماع الحق، فلا تسمعه سماع قول فسمعته وانقادت له، "وقلوبا غلفا" جمع أغلف أي مغشاة بأغطية، فلا تعي الحق حتى استنارت لقبوله ووعته، "وفتح به طرق العلم النافع و" طرق "العمل الصالح" فسلكها المؤمنون بعد أن غلقا، كما قال علي ﵁ الفاتح، لما استغلق "و" فتح به "الدنيا"، فحكمه فيها، وحمل أهلها على المحجة البيضاء،стр. 1893
والآخرة، والقلوب والأسماع والأبصار والإبصار.
وقد يكون المراد: المبدأ المقدم في الأنبياء، والخاتم لهم، كما قال ﵊: كنت أول النبيين في الخق وآخرهم في البعث.
وأما "الرءوف الرحيم" ففي القرءان ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] .
الحواشي
(١) ومنعهم من التعدي والظلم "والآخرة" فإنه فتح به البعث وباب الجنة والشفاعة والجواز على الصراط، "والقلوب والأسماع والأبصار" بفتح الهمزة جمع بصر نور العيون، "والإبصار" بكسرها مفرد بصائر نور القلوب، أي النظر في الأمور بالمعرفة التامة والمقام مقام خطابه، فلا يعاب فيها الإطناب، أو أراد بفتح الأعين والآذان أولا ما يمنع المشاهدة، ووصول الصوت، وبفتح القلوب إزالة الغلاف عنها، وكني بذلك عن زوال الكفر، وأراد بفتح الثلاثة ثانيا خلق قوة فيها بعد زوال الكفر بحيث صاروا يشاهدون المعقولات، كأنها صور محسوسة، ثم هذا كله بيان للفاتح، "وقد يكون المراد" به "المبدأ" بضم الميم وفتح الموحدة، وشد الدال المهملة، وهمزة، كما ضبطه البرهان في المقتفى، فيكون "المقدم" تفسيرا له.
وقال غيره إن كان رواية وإلا فيجوز فتح الميم وسكون الموحدة وخفة الدار بمعنى أول "في الأنبياء والخاتم لهم كما، قال ﵊" فيما رواه ابن سعد وغيره "كنت أول النبيين في الخلق" لخلق نوره قبلهم، "وآخرهم في البعث" باعتبار الزمان، ثم لا يشكل عليه أنه لا اختصاص لما ذكره غير الأخير به؛ لأن وقوعه منه على أتم وجه، لا يشاركون فيه غيره على أنه لم يقل، لا بد في أسمائه من اختصاص معانيها به وذكر عياض أن الفاتح هنا الحاكم، أو لأبواب الرحمة على أمته، أو لبصائرهم لمعرفة الحق والإيمان، أو المبتدئ بهداية الأمة، أو المبدأ المقدم في الأنبياء.
قال السيوطي، أو لأنه فتح الرسل؛ لأنه أولهم خلقا، أو فاتح الشفعاء بقرينة اقترانه باسم الخاتم انتهى، وهذه المعاني كلها مجتمعة فيه ﷺ ولذا ساق غالبها المصنف بالواو والمشركة، "وأما الرءوف الرحيم ففي القرآن" العظيم "لقد جاءكم رسول من أنفسكم" أي منك، وروى ابن مردويه عن أنس أنه ﷺ قرأها بفتح الفاء، وقال: "أنا أنفسكم نسبا وصهرا وحسبا"، "عزيز" شديد "عليه ما عنتم" عنتكم، أي مشقتكم ولقاؤكم المكروه "حريص عليكم" أن تهتدوا "بالمؤمنين رءوف" شديد الرحمة "رحيم" يريد لهم الخير، وهو "فعول من الرأفة، وهي" لغة "أرق من الرحمة" إذ هي رقة القلب والرأفة شدة الرحمة، وأبلغها، "قاله أبو عبيدة" معمر بن المثنىстр. 1894
والرحيم فعيل من الرحمة وقيل رءوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين.
وأما "الحق المبين" فقال الله تعالى: ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩] ، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِين﴾ [الحجر: ٨٩] .
وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ١٠٨] ، وقال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [الأنعام: ٥] ، قيل المراد: محمد ﵊، وقيل القرآن، ومعناه هنا ضد الباطل، والمتحقق صدقه وأمره،
الحواشي
(١) الإمام اللغوي.
قال ابن دحية وخاصتها أنها لدفع المكاره والشدائد والرحمة لطلب المحاب، ولهذا قدمت الرأفة عليها، وقال غيره الفرق بينهما أن الرأفة إحسان مبدأه شفقة المحسن، والرحمة إحسان مبدأه فاقه المحسن إليه "والرحيم فعيل من الرحمة" وهي في الكلام العرب العطف والإشفاق، وهو ﷺ أرحم الخلق، وأعطفهم وأشفقهم وأرقهم قلبا، "وقيل" في معنى الآية "رءوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين" يستغفر لهم ويتجاوز عن سيئاتهم إلا في الحدود ومع إقامتها عليهم يمنع من أذاهم، ثم هو في قبره تعرض عليه أعمال أمته ويستغفر لهم، ثم هو يوم القيامة همه كله أمته فيشفع فيهم حتى لا يبقى منهم أحد في النار، وهذان مما سماه الله به من أسمائه الحسنى، لكنها بهذا المعنى محال عليه فيؤول باللازم، وهو إرادة الخير لأهله وإعطاء ما لا يستحقه العبد من الثواب ودفع ما يستوجبه من العقاب، "وأما الحق المبين فقال الله تعالى: ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ مظهر لهم الأحكام الشرعية، وهو محمد ﷺ ، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِير﴾ ، المحذر من عذاب الله أن ينزل عليكم ﴿الْمُبِين﴾ لكم أمور دينكم أو البين الإنذار، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ من الله.
"قيل المراد" بالحق في الآيات "محمد ﵊" كما قال تعالى ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ وفي حديث الشفاعة ومحمد حق وتكذيبه بتكذيب رسالته وما جاءته "وقيل" المراد به القرآن بدليل التكذيب، "ومعناه هنا ضد الباطل"، من حق بمعنى ثبت "والمتحقق" بفتح القاف وكسرها كما في النسيم أي الثابت "صدقه، وأمره" شأنه وما يجب ثبوته له وما يستحيل عليه مما هو معلوم في صفات النبوة تفسير، لما قبله أو معنى آخر.
وفي البيضاوي الحق الثابت الذي لا يسوغ إنكاره فعم الأعيان والأفعال الصائبة والأقوال الصادقة من قولهم حق الأمر إذا ثبت ومنه ثوب محقق محكم النسج.стр. 1895
والمبين البين أمره ورسالته، أو المبين عن الله ما بعثه به، كما قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .
وأما "المؤمن" فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] ، أي يصدق، وقال ﵊: "أنا أمنة لأصحابي" فهذا بمعنى المؤمن.
وأما "المهيمن"
الحواشي
(١) "والمبين" بكسر الموحدة، وسكون التحتية، "البين" الظاهر الذي لا يخفى "أمره ورسالته" من بان اللازم والوصف به على هذا مجاز، "أو" هو "المبين" بشد التحتية مكسورة "عن الله ما بعثه به" للخلق كافة وعداه لتضمينه معنى المبلغ، أو هو حال بتقدير ناقلا "كما قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ " من شرائعه وأحكامه وهذا على أنه من أبان المتعدي، وقد أفاد المصنف تبعا للقاضي بسوق الآيات أنه يطلق عليه المين بالتخفيف والتشديد، وهو بالتخفيف كالحق مما سماه الله به من أسمائه كما قال عياض وغيره أي الموجود المتحقق أمره والهيته، أو الموجد للشيء على حسب مقتضى حكمته والمبين البين أمره والهيته، أو المبين لعباده أمر دينهم ومعادهم "وأما المؤمن" وهو من أسمائه تعالى التي سماه بها، ومعناه في حقه المصدق وعده وقوله ولعباده المؤمنين ورسله، أو الموحد نفسه شهد الله أنه لا إله إلا هو، أو المؤمن عباده في الدنيا الظلم والمؤمنين في الآخرة من العذاب، وفي حقه ﷺ المتصف بالإيمان والمصدق وعدا وقولا والمؤمن أمته الظلم "فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُم﴾ ، أي المنافقين ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ بعيبه ونقل حديثه ﴿وَيَقُولُونَ﴾ ، إذا نهو عن ذلك لئلا يبلغه ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ أي سمع كل، قيل ويقبله، فإذا خلفنا له إنا لم نقل صدقنا ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ هو مستمع ﴿خَيْرٍ لَكُمْ﴾ ، لا مستمع شر ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فيما أخبروه به، لا لغيرهم، "أي يصدق" لعلمه بخلوصهم، واللام لتضمينه معنى يذعن، أو مزيدة للفرق بين إيمان التسليم وغيره، "وقال ﵊" في حديث عند البيهقي "أنا منة" بفتح الهمزة وضمها مصدر بمعنى الأمان، أو بزنة المبالغة كرجل عدل، فيقع على الواحد وغيره "لأصحابي"، أي مؤمن لهم ومحصل لهم الطمأنينة، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، ومر الكلام على هذا الحديث، "فهذا بمعنى المؤمن" أشار إلى أنه يكفي في صحة إطلاق الأسماء عليه ورود ما يدل عليها، ولو بلفظ الفعل، "وأما المهيمن" وهو من الأسماء الحسنى أيضا بمعنى المؤمن أو الشاهد أو الشهيد، أو الحافظ، أو المتعالي، أوстр. 1896
فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] قال ابن الجوزي -في زاد المنير- إن ابن أبي نجيح روى عن مجاهد ومهيمنا عليه قال: محمد مؤتمن على القرآن، قال: فعلى قوله في الكلام تقدير محذوف، كأنه قال: وجعلناك يا محمد مهيمنا عليه، وسماه العباس بن عبد المطلب في شعره مهيمنا في قوله:
حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندق علياء تحتها النطق
وروى: ثم اغتدى بيتك المهيمن، قيل أراد: يا أيها المهيمن، قاله القتبي والإمام أبو القاسم القشيري.
الحواشي
(١) الشريف أو المصدق، أو الوالي، أو القاضي، أو الرقيب فتلك عشرة "فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ القرآن "بالحق" متعلق بأنزلنا "مصدقا لما بين يديه" قبله "من الكتاب" بمعنى الكتب "ومهيمنا عليه، قال ابن الجوزي" عبد الرحمن بن علي أبو الفرج الحافظ المشهور "في زاد المنير" في علم التفسير "إن ابن أبي نجيح" عبد الله بن يسار المكي الثقفي مولاهم الثقة "روى عن مجاهد" كما أخرجه ابن جرير في قوله تعالى: " ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْه﴾ قال" مجاهد، وقد قرأها بفتح الميم الثانية مبني للمفعول "محمد" ﷺ "مؤتمن على القرآن قال" ابن الجوزي: "فعلى قوله" أي مجاهد "في الكلام تقدير محذوف كأنه قال وجعلناك يا محمد مهيمنا عليه" بناء على أن المصدر وهو مصدقا حال من الكتاب، لا من المجرور بالحرف في إليك وإلا لقيل لما بين يديك وزعم أنه التفات من الخطاب إلى الغيبة بعيد من نظم القرآن كما قال أبو حيان: لكن جوز ابن عطية أن يكون مصدقا ومهيمنا حالين من الكاف فلا حاجة للتقدير؛ لأن الحال إذا تعددت لمتعدد عطفت بالواو، بلا تقدير محذوف، ولا يختص هذا بقراءة مجاهد كما ادعى ابن الجوزي تبعا لابن جرير بل يأتي على قراءة الجمهور بكسر الميم الثانية، "وسماه" عمه "العباس بن عبد المطلب في شعره" المتقدم في غزوة تبوك "مهيمنا في قوله:
"حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندق علياء تحتها النطق
وروى ثم اغتدى بيتك المهيمن، قيل أراد" العباس "يا أيها المهيمن" ولولا هذا لم يكن اسما "قاله" عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، البغدادي الإمام المشهور "القتبي" بضم القاف وفتح الفوقية، بعدها موحدة نسبة إلى جده قتيبة المذكور، "والإمام أبو القاسم" عبد الكريم بن هوازن "القشيري" نسبة لقشير قبيلة مرضه المصنف، وتبرأ منه فعزاه لقائليه تبعاстр. 1897
وأما "العزيز" فمعناه: جلالة القدر، أو الذي لا نظير له، أو المعز لغيره، وقد استدل القاضي عياض لهذا الاسم بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨] أي فجائز أن يوصف النبي ﷺ بالعزيز والمعز، لحصول العز به. ولقائل أن يقول: هذا الوصف للمؤمنين أيضا لشمول العطف إياهم، فلا اختصاص للنبي ﷺ ، والغرض اختصاصه، قال اليمني: وعجيب من القاضي عياض كيف خفي عليه مثل هذا. ويجاب: باختصاصه ﵊ برتبة من العز ليست لغيره والله أعلم.
وأما "العالم"
الحواشي
(١) لعياض؛ لأنه تكلف ضعيف لأن المعرف بال، لا ينادى، وتقدير، أيها مع تقدير حرف النداء، لا يرتضيه نحوي، ومر للمصنف في تبوك أنه أراد ببيته شرفه، والمهيمن نعته، أي احتوى شرفك الشاهد على فضلك أعلى مكان انتهى، ولا ثقل في هذا، كما ادعاه من زعم أنه أثقل من جعله منادى، فقد استعمل الفصحاء البيت بمعنى العز، والشرف كقوله:
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز، وأطول
"وأما العزيز" وهو مما سماه الله به من أسمائه، "فمعناه" في حقه تعالى الممتنع الي لا يدرك، ولا ينال، أو الغالب، وفي حقه وحق عبده ورسوله "جلالة القدر" كان الظاهر جليل، لكنه لاحظ أنه مأخوذ من جلالة وحرف الجر يحذف إذا لوحظ ذكره "أو الذي لا نظير" لا مثل "له" ولا يعادله شيء "أو المعز لغيره" فعيل بمعنى مفعل، وهو عزيز عربية، ولذا أخره المصنف، "وقد استدل القاضي عياض" في الشفاء "لهذا الاسم بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ ، وفسره بقوله، أي الامتناع وجلالة القدر، ومن هنا دخل لفظ جلالة على المصنف، فجعلها تفسيرا بقوله، أي الامتناع وجلالة القدر، ومن هنا دخل لفظ جلالة على المصنف، فجعلها تفسيرا للعزيز مع أن عياضا، كما ترى جعلها للعزة، "أي فجائز" بمعنى يجوز "أن يوصف النبي ﷺ بالعزيز والمعز لحصول العز به" لغيره ولم يقل وله؛ لأن هذا هو الذي يخفى أخذه من الآية، وأما وصفه بالعزيز فظاهر فيه فهذه أظهر من نسخة له "ولقائل أن يقول هذا الوصف للمؤمنين أيضا لشمول العطف إياهم، تصريحا بقوله وللمؤمنين، "فلا اختصاص للنبي ﷺ " بهذا الوصف، "والغرض اختصاصه".
"قال اليمني" محشي الشفاء "وعجيب من القاضي عياض كيف خفي عليه مثل هذا" مع ظهوره، "ويجاب باختصاصه ﵊ برتبة من العز ليست لغيره" وأيضا فإن المؤمنين ذكروا بطريق التبع، فعزتهم ليست إلا من عزته، "والله أعلم" على أنه لم يقل، لا بد في أسمائه من اختصاص معانيها به، "وأما العالم" اسم فاعل من علم أي المدرك للحقائقстр. 1898
و"العليم" و"المعلم" و"معلم أمته" فقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] ، وقال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١] .
وأما "الخبير" فمعناه: المطلع على كنه الشيء، العالم بحقيقته، وقيل: المخبر، فقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] . قال القاضي بكر بن العلاء -فيما ذكره في الشفاء: المأمور بالسؤال غير النبي ﷺ ، والمسئول الخبير هو النبي ﷺ . وقال غيره: بل السائل النبي ﷺ
الحواشي
(١) الدنيوية والأخروية، "والعليم" اسم فاعل للمبالغة الذي له كمال العلم وثباته، وهما مما سماه به تعالى من أسمائه، "والمعلم" اسم مفعول من التعليم، أو اسم فاعل، وهما اسمان، كما مر في السرد "ومعلم أمته" بكسر اللام المرشد لهم للخير، والدال عليه، واستدل للأولين ولثالث على أنه اسم مفعول بقوله: "فقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَم﴾ " أرشدك وهداك إلى ما لم يكن لك به علم، ولا سبق لك فيه معرفة من حوادث الأمور وضمائر القلوب وأسرار الغيوب، وأمر الدين، والأحكام وشرائع الإسلام، وعلى الأخيرين، أو الأخير بقوله، "وقال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ﴾ الآية القراءن، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ ما فيه من الأحكام ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون﴾ من المواعظ، وأخبار من مضى، وأحوال القيامة ومقدماتها، وغير ذلك مما لا طريق له سوى الوحي غير المتلو ولذا أعيد الفعل لتغايرهما، "وأما الخبير" وهو مما سماه الله تعالى به من أسمائه، "فمعناه" في حق الله ورسوله "المطلع" الواقف على كنه" بضم فسكون، أي حقيقة "الشيء العالم بحقيقته" وهي ذاته، لا غايته، كما قيل، وهو في حق الله واضح وفي حق رسوله كذلك، باطلاع الله تعالى له بوحيه، "وقيل" بمعناه "المخبر" بكسر الباء، أي أنبياءه ورسله بكلامه المنزل عليهم وعباده يوم القيامة بأعمالهم فإنه لا يغرب عن علمه شيء وفي حق رسوله بما نزل عليه من القرآن وغيره "فقال" الفاء للتعليل، أي لقوله "تعالى:" ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ، عالما أي عنه، والضمير، لما قبله من خلق السماوات والأرض والاستواء، "قال القاضي بكر" بفتح الموحدة ابن محمد "بن العلاء" بن زياد القشيري، وأمه من ولد عمران بن حصين أبو الفضل البصري، ثم المصري أحد كبار الفقهاء المالكية وعلماء الحديث صاحب التصانيف مات بمصر سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وقد جاوز الثمانين بأشهر. "فيما ذكره في الشفاء" عياض "المأمور بالسؤال" في الآية "غير النبي ﷺ " من كل من يتأتى منه السؤال، لا النبي؛ لأنه المخاطب، "والمسئول الخبير هو النبي ﷺ " لأنه العالم بحقيقة ما ذكره دون غيره فدل على تسميته خبيرا. "وقال غيره" غير القاضي بكر، "بل السائل النبي ﷺ "стр. 1899
والمسئول الله ، فالنبي ﷺ خبير بالوجهين المذكورين، قيل لأنه ﷺ على غاية من العلم بما علمه الله من مكنون علمه، وعظيم معرفته، مخبر لأمته بما أذن له في إعلامهم به.
وأما "العظيم" فقال الله تعالى في شأنه. ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾ [القلم: ٤] ووقع في أول سفر من التوراة عن إسماعيل: وسيلد عظيما لأمه عظيمة.
الحواشي
(١) لأنه المخاطب به، "والمسئول الله ، فالنبي ﷺ خبير بالوجهين المذكورين"، أي على التفسيرين فالباء بمعنى على، أو ظرفية أما الأول فظاهر لإطلاقه عليه، ولأنه لو لم يكن خبيرا لم يؤمر بسؤاله، وأما الثاني، فأذن له في السؤال دال على إعلامه به.
"قيل" في تعليل تسميته خبيرا على تفسيره بالعالم بالحقيقة، أو بالمخبر؛ "لأنه ﷺ على غاية من العلم بما علمه الله من مكنون علمه وعظيم معرفته" أي سمي بذلك لما أعلمه به من الخفيات، والمغيبات التي أطلعه عليها بوحيه وما جبله عليه من المعرفة العظيمة، "مخبر لأمته بما أذن له في إعلامهم به" دون ما لم يأذن من الأسرار الإلهية، وهذا باعتبار أنه عالم قبل السؤال وما قبله باعتبار ما أجاب به بعد سؤاله، فافترقا، "وأما العظيم" وهو من أسمائه تعالى، أي الجليل الشأن، أو الذي كل شيء دونه، أو البالغ أقصى مراتب العظمة، فلا تتصوره الأفهام، ولا تحيط بعظمته الأوهام، أو الذي ليس لعظمته غاية، ولا لكبريائه نهاية سبحانه، "فقال الله تعالى في شأنه" بهمزة وإبدالها ألفا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾ فجمع الله تعالى له من محاسن الأخلاق ما لا يتصور في سواه وإذا وصف خلقه بالعظيم فقد وصفه به، فهو من أسمائه، فلا يرد أنه صفة للخلق، لا له، وإن العظمة مختصة بالله، أو هو توطئة لقومه، "ووقع في أول سفر" بكسر، فسكون كتاب "من التوراة عن إسماعيل" نبي الله ابن خليله، وكان الظاهر أن يقال في حق إسماعيل فكأنه صفة سفر، أي فيه ما يصدر عن إسماعيل، "وسيلد عظيما" من الولادة، وهو المصطفى ﷺ ؛ لأنه العظيم الذي ولده إسماعيل "لأمه عظيمة" وفيه مبالغة في وصفه بالعظمة؛ إذ جعل أتباعه عظماء فيما بالك به، وهذا هو الذي في الشفاء، والنسخ الصحيحة من الشامية نقلا عنها وعن ابن دحية بلام بعدها دال من الولادة، وعظيما مفعول، فلا عليك مما يقع في نسخ سيدا وعظيما، أو وسيلة عظيمة، أو سيرد براء بدل اللام عظيما فإنه كله من تحريف النساخ، وإن تكلف توجيه الأولتين بأن المعنى بعثناه سيدا فإنه فاسد؛ لأن الضمير لإسماعيل ولي القصدي الإخبار عنه، وإلا كان لا معنى لذكره احتجاجا على تسمية المصطفى بعظيم، والثالثة بأن المعنى سيرد على الحوض فإنه فاسد كذلك فإنما هو مجرد خيالات تقوم في العقول دونстр. 1900
فهو ﷺ عظيم وعلى خلق عظيم.
وأما "الشاكر" و"المشكور" فقد وصف ﷺ نفسه بذلك فقال: "أفلا أكون عبدا شكورا" أي: أترك تهجدي فلا أكون عبدا شكورا؟! والمعنى: أن المغفرة سبب لكون التهجد شكرا، فكيف أتركه؟ وعلى هذا فتكون "الفاء" للسببية، وقال القاضي عياض: شكورا أي: معترفا بنعم ربي، عالما بقدر ذلك مثنيا عليه، مجهدا نفسي في الزيادة من ذلك، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] .
وأما "الشكار" فهو أبلغ من شاكر، وفي حديث ابن ماجه أنه ﷺ كان من دعائه: "رب اجعلني لك شكارا".
الحواشي
(١) مراجعة النقول، "فهو ﷺ عظيم" كما وصف به في التوراة أي جليل شأنه كامل في ذاته وصفاته، وعلى خلق عظيم" كما وصف به في القرآن، "وأما "الشاكر" اسم فاعل، "والشكور" كثير الشكر، وهو من أسمائه تعالى إن ربنا لغفور شكور، أي المعطي الثواب الجزيل على العمل القليل، أو المثني على المطيعين، "فقد وصف ﷺ نفسه بذلك"، لما صلى حتى تورمت قدماه فقيل له، أتتكلف هذا، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ "فقال: "أفلا أكون عبدا شكورا"؟ رواه الشيخان، "أي أأترك تهجدي فلا أكون عبدا شكورا" فالاستفهام الإنكاري يدل على أنه وصف ثابت له، "والمعنى أن المغفرة سبب لكون التهجد شكرا فكيف أتركه، وعلى هذا فتكون الفاء للسببية، وقال القاضي عياض في الشفاء تفسيرا لقوله "شكورا، أي معترفا" مقرا "بنعم ربي عالما بقدر ذلك"، أي قدر عظمها، لا عددها لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ الآية، "مثنيا عليه" بلساني، وأركاني، "مجهدا" بزنة متعبا، أي باذلا جهدي وطاقاتي ومتعبا "نفسي في الزيادة من ذلك"، الاعتراف والثناء "لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ " من النعم التي شكرتموها وعدا ممن لا يخلف الميعاد، "وأما "الشكار" فهو أبلغ من شاكر" ومن شكور؛ لأنه ينبيء عن وجود الشكر وكماله. وشكار ينبئ عن تكرار الشكر وكثرته وصيرورته كالطبيعة له، وصرح أبو بكر بن طلحة النحوي بتفاوت صيغ المبالغة، كما مر، "وفي حديث ابن ماجه" عن ابن عباس أنه ﷺ كان من دعائه "رب اجعلني لك شكارا" قيل الشاكر الذي يشكر على العطاء، أو على الموجود والشكور الذي يشكر على البلاء، أو على المفقود، وحكي أن شقيقا البلخي سأل جعفر الصادق عن الفتوة، فقال: ما تقول أنت، فقال: إن أعطينا شكرنا وإن منعنا صبرنا، فقال جعفر: هكذا تفعل كلاب المدينة، فقال شقيق: يابن رسول اللهстр. 1901
وأما "الكريم" و"الأكرم" و"أكرم ولد آدم" فسماه الله به في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [سورة الحاقة: ٤٠] أي محمد ﷺ ، وليس المراد به جبريل ﵇؛ لأنه تعالى لما قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر ولا كاهن، والمشركون لم يكونوا يصفوا جبريل ﵇ بذلك، فتعين أن يكون المراد بالرسول الكريم هنا محمدا ﷺ ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه في مقصد أي التنزيل. وقال ﵊: "أنا أكرم ولد آدم".
وأما "الولي" و"المولى".
الحواشي
(١) فما الفتوة عندكم؟ فقال: إن أعطينا شكرنا وإن منعنا صبرنا، "وأما الكريم" وهو من أسمائه تعالى، أي الكثير الخير، أو المتفضل، أو العفو، أو العلي، وهي صحيحة في حقه ﷺ ، "والأكرم" من الأسماء الحسنى. كما في رواية ابن ماجه وفي التنزيل ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ أي الزائد في صفة الكرم على غيره، وقد قال ﷺ : "أنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر". رواه الدرامي، "وأكرم ولد آدم فسماه الله به" بالكريم في قوله تعالى في سورة الحاقة: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨، ٣٩] أنه، أي القرآن "لقول رسول كريم، أي محمد ﷺ أضيف إليه لنزوله عليه وتلقي الأمة له عنه، "وليس المراد به جبريل ﵇؛ لأنه تعالى، لما قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر، ولا كاهن"؛ إذ قال سبحانه: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ ، ولا بقول كاهن، ولو قال المصنف لأنه تعالى قال بعده، وذكر اللفظ إلى هنا لأغناه عن التكرار وحكاية القرآن بالمعنى، "والمشركون لم يكونوا يصفوا" بحذف النون للتخفيف، وفي نسخ بالنون، وهو أولى [أي:] "جبريل ﵇ بذلك" الشعر، والكهانة "فتعين أن يكون المراد بالرسول الكريم هنا محمدا ﷺ كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه في مقصد أي التنزيل" السادس، وأما في سورة التكوير، فذكر المصنف في المقصد المذكور ترجيح أنه جبريل، ونسب عياض لأكثر المفسرين أنه محمد ﷺ .
قيل ولا حاجة لإثباته بهاتين الآيتين المختلف فيهما لاتصافه ﷺ بالكريم وبمعناه في الأحاديث الصحيحة، "وقال ﵊: "أنا أكرم ولد آدم" أي أشرف من الأنبياء وغيرهم دليل تسميته بهذا الاسم وبالأكرم وقدمت له دليلا آخر، "وأما الوالي، والمولى" بفتح الميم، واللام وهما من أسمائه تعالى، وهو الولي الحميد، الله ولي الذين آمنوا ذلك بأن الله مولىстр. 1902
فقال ﵊: "أنا ولي كل مؤمن".
وأما "الأمين" فقد كان ﵊ يعرف به، وشهر به قبل النبوة وبعدها، وأحق العالمين بهذا الاسم، فهو أمين الله على وحيه ودينه، وهو أمين من في السماء والأرض.
وأما "الصادق" و"المصدوق" فقد ورد في الحديث تسميته بهما، ومعناهما غير خفي،.
الحواشي
(١) الذين آمنوا ومعناهما الناصر، أي الذي ينصرهم على أعدائهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥] ، أي ناصركم ولم يقل أولياؤكم؛ لأن نصرتهم واحدة، أو لأن الناصر إنما هو الله وغيره بتبعيته وإعانته، كما قال: وما النصر إلا من عند الله، "فقال ﵊" كما رواه البخاري عن أبي هريرة "أنا ولي كل مؤمن"، ناصره ومتوليه، والقائم بمصالحه.
وفي البخاري أيضا مرفوعا "ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا، والآخرة، فمن ترك مالا فلعصبته من كانوا، فإن ترك دينا، أو ضياعا فليأتني، فأنا مولاه"، وقال ﷺ : "من كنت مولاه فعلي مولاه"، رواه الترمذي وحسنه "وأما الأمين" فعيل بمعنى مفعول مبالغة، أو بمعنى فاعل من أمن ككرم، فهو أمين "فقد كان ﵊ يعرف به" من صغره، "وشهر به قبل النبوة وبعدها" فكانت توضع عنده الودائع، والأمانات، ومن ثم لما هاجر خلف عليا ليؤدي عنه الودائع وبه سماه الله في قوله مطاع، ثم أمين في أحد القولين. وسماه به كعب بن مالك في شعره، "وهو أحق العالمين بهذا الاسم" لوقاره وصدق لهجته، واجتنابه الأدناس، والقاذورات، وقوته على الطاعات، ولأنه الحافظ للوحي، كما قال: "فهو أمين الله على وحيه ودينه، وهو أمين من في السماء والأرض" أمره وحكمه، وقد مر شرح هذا الاسم مبسوطا، "وأما الصادق" اسم فاعل من الصادق، "والمصدوق" اسم مفعول من صدق المتعدي كقوله صادق وعده، "فقد ورد في الحديث" الصحيح "تسميته بهما" فقال ابن مسعود، حدثنا رسول الله، وهو الصادق المصدوق أخرجه البخاري وغيره، وكذا ورد في عدة أحاديث، ولا يضر كونها موقوفة؛ لأن الموقوف يقال له حديث.
قال ابن دحية: كان الصادق المصدوق علما، واضحا له إذ جرى مجرى الأسماء، "ومعناهما غير خفي" وهو أنه صادق في نفسه وصدق الأنبياء، والكتب التي قبله، وليس بمكذب عند الناس.стр. 1903
وكذلك "الأصدق". وروي أنه ﵊ لما كذبه قومه حزن فقال له جبريل: إنهم يعلمون أنه صادق.
وأما "الطيب" و "ماذ ماذ" -بميم ثم ألف ثم ذال معجمة منونة، ثم ميم ثم ألف ثم ذال معجمة- كذا رأيته لبعض العلماء، ونقل العلامة الحجازي في حاشيته على الشفاء عن السهيلي: ضم الميم وإشمام الهمزة ضمة بين الواو والألف ممدود، وقال: نقلت عن رجل أسلم من علماء بني إسرائيل، وقال معناه: طيب طيب،
الحواشي
(١) وقد روى الترمذي، والحاكم عن علي أن أبا جهل، قال للنبي ﷺ : إنا، لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به، فأنزل الله ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ، "وكذلك الأصدق"، ورد في الحديث، ومعناه غير خفي، وهو أفعل تفضيل للمبالغة إذ لا أحد أقوى ولا أثبت على الحق منه، فهو الأصدق، "وروى" على ما ذكره عياض في أوائل الشفاء، وقال السيوطي في تخريجه لم أجده "إنه ﵊، لما كذبه قومه حزن، فقال له جبريل ﵇ إنهم يعلمون أنك صادق"، والفضل ما شهدت به الأعداء أتى به دليلا على أنه يسمى الصادق، كما قال جبريل، وأنه كان معروفا به عند أعدائه، كما هو ظاهر.
"وأما الطيب" بوزن سيد الطاهر، أو الزكي؛ لأنه لا أطيب منه قلبا وقالبا، وقد روى الترمذي في الشمائل عن أنس ما شممت مسكا قط، ولا عطرا كان أطيب عن عرقه وريحه ﷺ "وماذ ماذ بميم" مفتوحة "ثم ألف" غير مهموز فيهما، كما اقتصر عليه عياض، فتبعه المصنف وروى موذموذ بواو وبدلها عزاه العزفي لصحف إبراهيم وميذميذ بتحتية فيهما عزاه أيضا العزفي للتوراة، "ثم ذال معجمة منونة" وقال البرهان في المقتفى ساكنة، "ثم ميم، ثم ألف، ثم ذال معجمة" كذلك منونة، أو ساكنة "كذا رأيته لبعض العلماء" وبه ضبطه الحافظ برهان الدين الحلبي في شرح الشفاء، إلا أنه أبدل منونة بساكنة، وقال عقب ضبطه بذلك المفيد إنه الرواية ما نصه لكن ينبغي ضم ذاله؛ لأنه اسم غير منصرف للعلمية والعجمة، وتقديره أنت ماذ ماذ، أو يا ماذ، "ونقل العلامة" أحمد بن محمد بن علي بن حسن بن إبراهيم الشهاب، "الحجازي" الأنصاري، الخزرجي، الفاضل، الأديب، الشاعر، البارع، صاحب التصانيف، أجاز له العراقي، والهيثمي مات في رمضان سنة خمس وسبعين وثمانمائة "في حاشيته على الشفاء عن السهيلي ضم الميم وإشمام الهمزة ضمة بين الواو، والألف ممدودة، وقال" السهيلي: "نقلته عن رجل أسلم من علماء بني إسرائيل، وقال" هذا المسلم العالم: "معناه طيب طيب" والتكرار للتأكيد، أو المراد طيب في نفسه، أو دنياه وطيب في صفاته وآخرته، وكونه اسما واحدا مثل مرمر، أوстр. 1904
ولا ريب أنه ﷺ طيب الطيبين، وحسبك أنه كان يؤخذ من عرفه ليتطيب به، فهو ﷺ طيب الله الذي نفحه في الوجود فتعطرت به الكائنات وسمت، واعتذت به القلوب فطابت، وتنسمت به الأرواح فنمت.
وأما "الطاهر" و"المطهر" و"المقدس" أي المطهر من الذنوب، كما قال الله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] أو الذي يتطهر به من الذنوب، ويتنزه بأتباعه عنها، كما قال الله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وقال: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [المائدة: ١٦] أو يكون مقدسا بمعنى مطهرا من الأخلاق الذميمة والأوصاف الدنية.
وأما "العفو".
الحواشي
(١) مركب خلاف الأصل، وزعم أن داله مهملة لم يقله أحد، وقول التلمساني يحتمل أنه مأخوذ من الماذ وهو العسل الأبيض لحلاوته في ذاته وصفاته، أو من الماذ بمعنى الدرع اللينة السهلة؛ لأنه حصن حصين للعالمين رد بأنه يقتضي أنه عربي، ولم يقل أحد ط، "ولا ريب" لا شك "أنه ﷺ طيب الطيبين وحسبك" كافيك "إنه كان يؤخذ من عرقه ليتطيب به، فهو ﷺ طيب الله الذي نفحه" بالفاء، والحاء المهملة، نشره "في الوجود فتعطرت به الكائنات" أي الموجودات "وسمت" علت، وارتفعت "واغتذت" بذال معجمة، "به القلوب فطابت وتنسمت" بسين مهملة من النسيم ومعجمة من النشم، وهو كما في القاموس طيب الرائحة "به الأرواح فنمت" زادت "وأما الطاهر" بالطاء المهملة النقي من النقائص، والأدناس الحسية، والمعنوية حتى قال قوم بطهارة فضلاته، وهو المعتمد، "والمطهر" بفتح الهاء وكسرها على ما يأتي، "والمقدس" بفتح الدال وكسرها فسره تبعا لعياض بقوله، "أي المطهر من الذنوب" تفسيرا للأسماء الثلاثة بناء على أن الأخيرين بفتح الهاء والدال: "كما قال الله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] منه، ويأتي الكلام على هذه الآية، "أو الذي يتطهر به" بالبناء للمفعول من الذنوب ويتنزه بأتباعه" يتباعد بسببه "عنها" بناء على أنهما بكسر الهاء، والدال، أي الطهر من اتبعه وهما احتمالان، كما قال السيوطي ومر كلامه ونحوه تفسير المصنف هذا، كما قال تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] يطهرهم من الذنوب، "وقال" تعالى: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ الكفر، والمعاصي ﴿إِلَى النُّورِ﴾ الإيمان والتقوى والطاعة، بإرشادهم وتوفيق الله ببركته ﷺ ، "أو يكون مقدسا بمعنى مطهرا من الأخلاق الذميمة" بالمعجمة، أي المذمومة، "والأوصاف الدنية" الحقيرة التي لا تليق بجنابه ﷺ من التقديس، وهو التطهير، وقيل: معناه المفضل على غيره وقيل تقديسه الصلاة عليه ﷺ ، "وأما العفو"стр. 1905
و"الصفوح" فمعناهما واحد، وقد وصفه الله بهما في القرآن والتوراة والإنجيل، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند البخاري ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح وأمره تعالى بالعفو كما قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وقال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] .
وأما "العطوف".
الحواشي
(١) المبالغ في العفو عن السئيات وهو محوها وإزالتها، ولذا قيل إنه أبلغ من الغفور؛ لأنه من الغفر، وهو الستر، ولا يلزم منه الإزالة، "والصفوح" صيغة مبالغة من الصفح، وهو الإعراض عن الذنب، كما في الصحيح، "فمعناهما واحد" كما قال عياض: من حيث إن حاصل معنى كل الإعراض عن السيئات، وإن قيل الصفوح أبلغ؛ لأن الإنسان، قد يعفو، ولا يصفح، وقيل العفو أبلغ؛ لأن الصفح إعراض عن المؤاخذة، والعفو محو الذنب ومن لازمه الإعراض، ولا عكس، "وقد وصفه الله بهما في القرآن" إذ أمره بهما فيه فقال: فاعف عنهم واصفح، كما سيقول، فامتثل ﷺ للأمر وتخلق به، فيقتضي الاتصاف به على أبلغ وجه، وأتمه إذ كان جبلة له؛ لأنه لا يعصي له أمرا، فلا يرد أنه لم يصفه في القرآن إنما أمر ولو سلم اتصافه به، لا يقتضي كونه على وجه المبالغة التي دل عليها فعول، والأمر لا يقتضي التكرار على الأصح "والتوراة ولإنجيل، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي" الصحابي ابن الصحابي.
"عند البخاري" عن عطاء بن يسار، قال لقيت عبد الله بن عمرو، فقلت أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ ، قال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن الحديث وفيه، "ولا يجزي بالسيئة السيئة" فلا يسيء لمن أساء إليه "ولكن يعفو ويصفح" فقد وصفه بهما في الكتابين، "و" أما في القرآن، فقط "أمره تعالى بالعفو، كما قال تعالى خذ العفو" بناء على أن المراد به الصفح، لما روي أنه سأل جبريل: "ما هذا"؟ قال: لا أدرى حتى أسأل ربي فسأله، ثم رجع، فقال: إن ربك أمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك، وتحسن إلى من أساء إليك.
ذكره البغوي، والقرطبي، والذي عليه الأكثر أن العفو المال الفاضل عن نفقة العيال، كما في قوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ، ثم نسخت بآية الزكاة فلا شاهد فيها، ولذا أتى بدليل ثان بقوله: وقال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] ، فامتثل الأمر حتى صار جبلة له، فأفاد الوصف بهما، ومواطن العفو، والصفح منه، لا تحصى، والمصنف تابع لعياض، ولم يذكر شيئا عن الإنجيل؛ لأن الراوي الصحابي صرح بأن ذلك في التوراة، "وأما العطوف، فهو الشفوق" حقيقة على مقتضى المصباح، والقاموس لكن صرح الشامي بأنه مجاز، فقال صفةстр. 1906
فهو الشفوق، وسمي به ﵊ لكثرة شفقته على أمته، ورأفته بهم.
وأما "النور" فقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ [المائدة: ١٥] قيل: محمد ﷺ وقيل القرآن، فهو نور الله الذي لا يطفأ.
وأما "السراج" فسماه تعالى به في قوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] لوضوح أمره، وبيان نبوته، وتنوير قلوب المؤمنين والعارفين بما جاء به، فهو نير في ذاته.
الحواشي
(١) مشبهة من العطف، وهو الإنشاء، يقال عطف الغصن إذا أماله، ثم استعير للميل، والشفقة إذا عدي بعلى، وإذا عدي بعن كان على الضد من ذلك "وسمي به ﵊ لكثرة شفقته على أمته ورأفته بهم" كما قال حسان:
عطوف عليهم لا يثني جناحه ... إلى كنف يحنو عليهم وبمهد
"وأما النور" وهو من أسمائه تعالى، أي ذو النور وخالقه، أو منور السماوات والأرض بالأنوار، أو قلوب المؤمنين بالهداية، قاله عياض كغيره، وهو المشهور، وذهب الغزالي، والحكماء إلى أنه حقيقة في ذات الله؛ لأن معناه الظاهر بنفسه المظهر لغيره، وقال الأشعري نور ليس كالأنوار، "فقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ الآية، "قيل النور هنا محمد ﷺ لظهور آياته، وقيل القرآن لإزالته ظلمة الكفر، والجهل "فهو" أي المذكور من كل منهما "نور الله الذي لا يطفأ" حكاهما عياض وغيره على حد سواء، فتبعهم المصنف، ولكن الأصح الأول، فقد انتصر عليه الجلال، وقد التزم الاقتصار على الأصح، ولا يشكل عليه إفراد الضمير في قوله يهدي به الله من اتبع رضوانه مع تغايرهما وعطفهما بالواو لرجوعه إليهما معا باعتبار المذكور، أو لأنهما معا كالشيء الواحد، وهداية أحدهما عين هداية الآخر، وقد صرح الفراء بجواز مثله جوزا مطردا، وبه وردت آيات كثيرة، وأنشد عليه:
رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريا ومن هول الطوى رماني
وقال ابن عباس عند ابن مردويه، وابن عمر عند الطبري وسعيد بن جبير وكعب الأحبار في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة﴾ ، المراد بالنور هنا محمد ﷺ ، "وأما السراج" المنير، "فسماه تعالى به في قوله وسراجا منيرا"، مفعلا من أنار إنارة، وهو راجع إلى النور.
سمي بذلك على نهج الاستعارة، أو التشبيه البليغ، كما قال "لوضوح أمره" كالسراج المنير الذي لا يخفى "وبيان نبوته" أي كونها ظاهرة تضيء ضوء السراج في الليلة الظلماء، "وتنوير قلوب المؤمنين" والعارفين" به "بما جاء به" فاستضاءوا به من ظلمات الجهالة، واقتبسوا من نوره أنوار البصائر؛ لأن الله أمدها بنور نبوته، كما أمد بنور السراج أنوار الأبصار، "فهو نير في ذاته"стр. 1907
منير لغيره، فهو السراج الكامل في الإضاءة، ولم يوصف بالوهاج كالشمس؛ لأن المنير الذي ينير من غير إحراق بخلاف الوهاج.
وأما "الهادي" فبمعنى الدلالة والدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ [الشورى: ٥٢] وقال تعالى فيه: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] .
الحواشي
(١) ناظر لاسمه النور "منير لغيره" ناظر للسراج، "فهو السراج الكامل في الإضاءة" الذي أضاءت الدنيا بنوره ومحا ظلام الكفر بظهوره، "ولم يوصف بالوهاج كالشمس" حيث وصفت به في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ لأن المنير هو الذي ينير من غير إحراق بخلاف الوهاج، أي الوقاد فقد يكون مع إحراق أو لأن المراد بالسراج الشمس؛ لأن الغاية في النيرات أو لأنه بعث في زمان يشبه الليل من ظلمات الكفر، والجهل، فكشفه بنور اليقين والهداية.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي، قال علماؤنا: سمي سراجا؛ لأن السراج الواحد يؤخذ منه السرج الكثيرة، ولا ينقص من ضوئه شيء، وكذلك سرج الطاعات أخذت من سراجه ﷺ ولم ينقص من أجره شيء وفسر السراج أيضا بالحجة، والهادي؛ لأنه حجة الله الظاهرة، كالسراج على الخلائق وهاديهم إلى الدين القويم، "وأما الهادي" وهو من أسمائه تعالى كما مر فبمعنى الدلالة، أي ذو الدلالة؛ لأنه اسم فاعل من هدى هداية، وهي الدلالة إن تعدت بحرف الجر، والوصول إن تعدت بنفسها.
قال الراغب: أصل معنى الهداية الدلالة بلطف، لما يوصف، أو الموصلة على الخلاف المشهور، وهي أنواع ما يعم كل مكلف من العقل والعلوم الضرورية، ودعاؤه إياهم على ألسنة رسله، والتوفيق الذي يختص به من اهتدى.
والتي في الآخرة في قوله الحمد لله الذي هدانا لهذا، ولا يقدر الإنسان بهدى إلا بالدعاء، ولذا بقيت تارة، وأثبتت أخرى انتهى، "والدعاء" أي الدعوة، ومنه قوله: ولكل قوم هاد، أي داع، وتطلق على خلق الاهتداء، وهو التوفيق وذلك مختص بالله، ولذا، قال: لا تهدي من أحببت وبمعنى الدلالة والدعاء على غيره، كما "قال الله تعالى له: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ [الشورى: ٥٢] ، تدل وتدعو ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] لا عوج فيه، طريق الإسلام الموصلة إلى سعادة الدارين على القراءة المشهورة بالبناء للفاعل، وقرئ شاذا للمفعول، فهو الله، وقال تعالى فيه: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِه﴾ أي إرادته وتيسيره، والإذن يستعمل مجازا مشهورا في ذلك، وعبر أولا بله؛ لأنه خطاب، يقال: قال له كذا إذا خاطبه، وثانيا بفيه لعدم الخطاب؛ لأنه في حقه ووصفه فسقط زعم أنه لا وجه لتغاير المتعلقين.стр. 1908
وأما "البرهان" فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤] قيل: محمد ﷺ ، وقيل معجزاته وقيل القرآن.
وأما "النقيب" فروي أنه ﷺ لما مات نقيب بني النجار أبو أمامة أسعد بن زرارة وجد عليه ﷺ ولم يجعل عليهم نقيبا بعده، وقال: "أنا نقيبكم" فكانت من مفاخرهم، والنقيب هو شاهد القوم وناظرهم وضمينهم.
وأما "الجبار" فسمي به في مزامير داود، في قوله من مزمور أربعة وأربعين.
تقلد أيها الجبار سيفك، فإن ناموسك وشرائعك.
الحواشي
(١) "وأما البرهان" الحجة الواضحة النيرة التي تعطي اليقين، وهو من أسمائه تعالى، كما في رواية ابن ماجه، "فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤] "قيل محمد ﷺ " كما فسره به سفيان بن عيينة، وجزم به ابن عطية، والنسفي، والجلال، فهو المعتمد، "وقيل معجزاته، وقيل القرآن" وهو أجل معجزاته وعلى كل منها يصح تسميته بالبرهان، كما لا يخفى، "وأما النقيب فروي" عند الحاكم في المستدرك من طريق الواقدي عن ابن أبي الرجال، "أنه ﷺ " لما مات نقيب بني النجار أبو أمامة أسعد بن زرارة،، الخزرجي النجاري، شهد العقبتين، ويقال إنه أول من بايع ليلة العقبة، مات على رأس تسعة أشهر من الهجرة في شوال، كما في نفس هذه الرواية المذكورة "وجد" بفتح الجيم، والمهملة حزن "عليه ﷺ " فجاء بنور النجار، فقالوا: يا رسول الله مات نقيبا فنقب علينا، فقال: "أنتم أخوالي" "ولم يجعل عليهم نقيبا بعده، وقال: "أنا نقيبكم"، فكانت من مفاخرهم" الجليلة، "والنقيب هو شاهد القوم وناظرهم وضمينهم" وأمينهم؛ لأنه ﷺ شهيد على أمته، وناظر، لما عملوا وضمين لهم الجزاء الأوفى على العمل الصالح والتجاوز عن السيئات والشفاعة حتى يدخلهم الجنة، ولو بعد تعذيب، وفي الشامية أصله لغة النقب الواسع، فنقيب القوم هو الذي ينقب عن أحوالهم، فيعلم ما خفي منها.
"وأما الجبار" وهو من أسمائه تعالى، كما مر بمعناه، "فسمي به" بالبناء للمجهول، أي سماه الله في "مزامير داود" أي الصحف الإلهية المنزلة عليه "في قوله من مزمور أربعة وأربعين" مخاطبا له ﷺ لتنزيله منزلة الموجود لتحققه عنده، "تقلد" أمر "أيها الجبار سيفك" أي اجعل حمائله على عاتقك، واحمله كالقلادة، وفيه إشارة إلى أنه سيؤمر بالجهاد، "فإن ناموسك" الوحي النازل عليك، أو عظمتك في قلوب الناس، "وشرائعك" جمع شريعة، ونسخة سراياك تحريف، فالذي ذكره عياض، وابن دحية شرائعك وقال في شرح الشفاء يحتمل أنه عطف تفسير، ولذاстр. 1909
مقرونة بهيبه يمينك؛ لأنه الجبار الذي جبر الخلق بالسيف على الحق، وصرفهم عن الكفر جبرا، قال القاضي عياض: وقد نفي الله عنه في القرآن جبرية التكبر التي لا تليق به فقال: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥] .
وأما "الشاهد" و"الشهيد" فسماه الله تعالى بهما في قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] أي على من بعث إليهم بتصديقهم وتكذيبهم، ونجاتهم وضلالهم. وفي قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ، روي أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ أنبيائهم،
الحواشي
(١) وحد الخبر في قوله: "مقرونة بهيبة يمينك" أي بالخوف من سيفك فكني بما ذكر عنه، أو تجوز باليمين عما فيه.
سمي بذلك "لأنه الجبار"، أي المجاهد القتال "الذي جبر الخلق بالسيف على الحق وصرفهم عن الكفر جبرا" أو لإصلاحه أمته بالهداية والتعليم، أو لقهر أعدائه، أو لعلو منزلته على الخلق، وعظم خطره، وهو من أسمائه تعالى.
بهذه المعاني الثلاثة، كما في الشفاء وبمعنى المتكبر.
"قال القاضي عياض: وقد نفى الله عنه في القرآن جبرية" بفتح الباء وسكونها وصوب.
قال أبو عبيد أنه مولد، وأضافها إلى "التكبر" احترازا عن الجبرية بمعنى الجبر خلاف القدرية التي لا تليق به؛ لأنها من صفات الله التي لا تناسب غيره، "فقال وما أنت عليهم بجبار" لا بمتكبر، ولا متعاظم، بل أنت لين هين، تدعوهم بفق وتهديهم بناء على أن الآية محكمة، وقيل معناها بمسلط، وبه فسرها ابن عباس وغيره، وهي منسوخة آية القتال؛ لأنها مكية وآيته مدنية.
قال السيوطي فيكون حينئذ جبارا، بمعنى المسلط بعد أمره بالقتال، وهو المناسب لسياق الزور، "وأما الشاهد" العالم، أو المطلع الحاضر، "والشهيد" العليم، أو العدل المزكي، وهو من أسمائه تعالى، أي الذي لا يغيب عنه شيء أو الشهيد يوم القيامة بما علم.
قال ابن الأثير فعيل من أبنية المبالغة، في فاعل، فإذا اعتبر العلم مطلقا، فهو العليم، فإذا أضيف إلى الأمور الباطنة، فهو الخبير، أو إلى الظاهر، فهو الشهيد انتهى. "فسماه الله تعالى بهما" فسماه بالشاهد في قوله ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ حال مقدرة، أي مقبولا شهادتك "على من بعثت إليهم" ولهم "بتصديقهم وتكذيبهم ونجاتهم وضلالهم، و" بالشهيد في قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ معدلا مزكيا.
قال البيضاوي "روى" عند مسلم بمعناه "إن الأمم يوم القيامة يجحدون" ينكرون "تبليغ أنبيائهم" لعل المراد أكثر الأمم، وقد روى الشيخان عن أبي سعيد رفعه يدعى نوح يوم القيامة،стр. 1910
فيطالبهم الله ببينة التبليغ -وهو أعلم بهم- إقامة للحجة على المنكرين، فيؤتي بأمة محمد ﷺ فيشهدون، فتقول الأمم، بم عرفتم؟ فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتي محمد ﷺ فيسأل عن حال أمته، فيشهد بعدالتهم، وهذه الشهادة وإن كانت لهم لكن لما كان الرسول كالرقيب المهيمن على أمته عدي بعلي" وقدمت الصلة للدلالة على اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم. قاله البيضاوي.
وأما "الناشر" فسمي بذلك لأنه نشر الإسلام وأظهر شرائع الأحكام.
وأما "المزمل" فأصله المتزمل، فأدغمت التاء في الزاي وسمي به، لما روي أنه ﵊ كان يفرق من جبريل ﵇ ويتزمل بالثياب أو ما جاءه،
الحواشي
(١) فيقال له هل بلغت فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقال: من يشهد لك فيقول: محمد وأمته فيشهدون أنه قد بلغ، ولأحمد والنسائي، يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان، وأكثر من ذلك فيقال لهم هل بلغتم الحديث "فيطالبهم الله ببينة التبليغ، وهو أعلم بهم" إذ لا يغيب عنه شيء "إقامة للحجة على المنكرين، فيؤتى بأمة محمد ﷺ فيشهدون" للأنبياء أنهم قد بلغوا "فتقول الأمم بم عرفتم" فإنكم لا تدركوا عصرنا، "فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد ﷺ فيسأل عن حال أمته" أهم عدول فتقبل شهادتهم، "فيشهد بعدالتهم" وفي فضيلة له ﷺ لأن الأنبياء يسألون ولا يسأل، هو ولا أمته؛ إذ لم ينكروا تبليغه، بل شهدوا للأنبياء، "وهذه الشهادة وإن كانت لهم" للأمة المحمدية بالعدالة، "لكن، لما كان الرسول كالرقيب" الحافظ "المهيمن" المراقب، كذا في النسخ، والذي عند البيضاوي المؤتمن "على أمته عدي بعلي" لتضمينه معنى رقيبا، كما قال بعضهم، لكن ظاهر الكلام أن مجرد كون اللفظ بمعنى آخر يعدى بما يعدى به ما هو بمعناه وليس من التضمين، "وقدمت الصلة" أي قوله عليكم "للدلالة على اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم".
"قال البيضاوي" في سورة البقرة، "وأما الناشر" المظهر للشيء بعد طيه اسم فاعل من النشر، وهو البسط ومنه نشر الصحيفة، والحديث، والسحاب، "فسمي به؛ لأنه نشر الإسلام، وأظهر شرائع الأحكام" وقيل إنه بمعنى الحاشر، "وأما المزمل، فأصله المتزمل" لأنه من تزمل، "فأدغمت التاء" بعد قلبها "في الزاي وسمي به لما روى أنه ﵊ كان يفرق" بفتح الراء، يخاف من جبريل ﵇، ويتزمل بالثياب أول ما جاءه" لأنه خشي الموتстр. 1911
وقيل: أتاه وهو في قطيفة، وقال السدي، معناه: يا أيها النائم، وكان متلففا في ثياب نومه، وعن ابن عباس: يعني المتزمل بالقرآن وعن عكرمة بالنبوة.
وقيل من الزمل، بمعنى الحمل، ومنه الزاملة، أي: المتحمل بأعباء النبوة، وعلى هذا يكون التزمل مجازا.
قال السهيل: ليس "المزمل" باسم من أسمائه يعرف به، وإنما هو مشتق من حالته التي كان التبس بها حالة الخطاب، والعرب إذا قصدت الملاطفة بالمخاطب بترك المعاتبة نادوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها، كقول النبي ﷺ لعلي ﵁ -وقد نام ولصق جنبه بالتراب: "قم أبا
الحواشي
(١) من شدة الرعب، أو تعيير الكفار له، أو أن يقتلوه، أو عدم الصبر على أذاهم، أو تكذيبهم إياه، أو المرض، أو دوامه، أو العجز عن رؤية الملك، أو مفارقة الوطن، كما تقدم مبسوطا في بدء الوحي، وقيل سمي به؛ لأن جبريل "أتاه، وهو" ﷺ متزمل "في قطيفة" كساء له خمل، "وقال السدي" بالضم وشد الدال إسماعيل بن عبد الرحمن، والمفسر المشهور "معناه" أي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ الآية، "يا أيها النائم وكان متلففا في ثياب نومه" لما جاءه.
"وعن ابن عباس، يعني المتزمل بالقرآن" على الاستعارة، "وعن عكرمة بالنبوة وقيل" أنه "من الزمل بفتح الزاي وسكون الميم، "بمعنى الحمل" مصدر زمل الشيء حمله "ومنه" قيل للبعير "لزاملة" لأنه يحمل متاع المسافر، والهاء للمبالغة، كما في المصباح، "أي المتحمل بأعباء" بالفتح أثقال "لنبوة. وعلى هذا" المذكور من تفسير ابن عباس وعكرمة وما بعده "يكون التزمل مجازا" لأن حقيقته التلفف بالثياب.
"قال السهيلي" الإمام الحافظ الشهير عبد الرحمن "ليس المزمل باسم من أسمائه" ﷺ "يعرف به، وإنما هو مشتق من حالته التي كان التلبس" حاصلا "بها حالة الخطاب، والعرب إذا قصدت الملاطفة بالمخاطب" بالفتح "بترك المعاتبة، نادوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها" حال النداء، "كقول النبي ﷺ ، لما جاء بيت فاطمة فلم يجد عليا، فقال: "أين ابن عمك"؟، قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني، فخرج فلم يقل عندي، فقال ﷺ لإنسان: "انظر أين هو"، فقال هو في المسجد راقد، فجاء ﷺ ، فقال "لعلي ﵁، وقد نام ولصق" بكسر الصاد "جنبه بالتراب".
وفي رواية فخلص ظهره إلى التراب قال الحافظ وكأنه نام أولا على مكان، لا تراب فيه، ثم انقلب فصار ظهره على التراب، أو سفي عليه التراب، فجعل ﷺ يمسحه عنه ويقول "قم" يا "أباстр. 1912
تراب" إشعارا بأنه ملاطف له، فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] فيه تأنيس وملاطفة. وأما ما روي عن عائشة ﵂، أنها قالت: كان متزملا مرطا طوله أربعة عشرة ذراعا، نصفه علي وأنا نائمة ونصفه عليه، فكذب صراح؛ لأن نزول يا أيها المزمل بمكة في أول مبعثه، ودخوله بعائشة كان بالمدينة.
وأما "المدثر" فأصله: المتدثر، فأدغمت التاء في الدال. روي أنه ﵊ قال: "كنت بحراء فنوديت فنظرت عن يميني وشمالي. فلم أر شيئا، فنظرت فوقي فإذا هو على عرش بين السماء والأرض -يعني الملك الذي ناداه- فرعبت
الحواشي
(١) تراب" وفي رواية "اجلس يا أبا تراب" مرتين والحديث في الصحيحين وغيرهما عن سهل بن سعد.
قال سهل: وما كان لعلي اسم أحب إليه منه "إشعارا بأنه ملاطف له، لما كان بينه وبين الزهراء من المغاضبة "فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ فيه تأنيس وملاطفة، وأما ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان متزملا مرطا" بكسر فسكون، كساء "طوله أربعة عشر ذراعا نصفه علي، وأنا نائمة ونصفه عليه فكذب صراح" خالص "لأن نزول يا أيها المزمل" كان "بمكة في أول مبعثه ودخوله بعائشة كان بالمدينة" وإنما الوارد عن عائشة لما نزلت يا أيها المزمل، قم الليل إلا قليلا، قاموا نة حتى ورمت أقدامهم فنزلت: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ . أخرجه الحاكم، وروى ابن جرير مثله عن ابن عباس وغيره، وهو مرسل؛ لأنهما لما يدركا ذلك، لكنه موصول حكما.
"وأما المدثر، فأصله المتدثر" لأنه من تداثر إذا تلفف في الدثار، وهو الثياب، "فأدغمت التاء في الدال" بعد القلب، "وروي" في الصحيحين من حديث جابر، ولا يقال في مثله.
روى "أنه ﵊، قال: "كنت بحراء" بكسر الحاء وخفة الراء، والمد، والتذكير والصرف على الصحيح جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال، ولفظ الشيخين "جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت جواري هبطت" "فنوديت فنظرت، عن يميني" فلم أر شيئا، "و" نظرت عن "شمالي فلم أر شيئا" ونظرت خلفي فلم أر شيئا "فنظرت فوقي فإذا هو" أي المنادي المستفاد من نوديت ولفظ الصحيحين "فإذا الملك الذي جاءني بحراء" "على عرش" أي سرير كرواية على كرسي "بين السماء والأرض" وأتى بقوله "يعني الملك الذي ناداه" لذكره الرواية بالمعنى "فرعبت" منه، بضم الراء، وكسر العين مبني للمفعول، واقتصر عليه النووي، وللأصيلي.стр. 1913
ورجعت إلى خديجة فقلت: دثروني دثروني، فنزل جبريل وقال: يا أيها المدثر". وعن عكرمة: يا أيها المدثر بالنبوة وأثقالها قد تدثرت هذا الأمر فقم به.
وقيل: ناداه بالمزمل والمدثر في أول أمره، فلما شرع خاطبه الله تعالى بالنبوة والرسالة.
وأما "طه" فروى النقاش عنه ﵊: "لي في القرآن سبعة أسماء" فذكر.
الحواشي
(١) بفتح الراء وضم العين، أي نزعت.
قال الحافظ: وهذا يدل على بقية بقيت معه من الفزع الأول ثم زالت بالتدريج، "ورجعت إلى خديجة فقلت: دثروني دثروني" مرتين، هكذا في الصحيحين في التفسير وللبخاري "زملوني زملوني"، ورجحت الأولى باتفاقهما، وبأنها كما قال الزركشي أنسب بقوله، "فنزل جبريل وقال يا أيها المدثر"، إيناسا له وتلطفا والمعنى يا أيها المدثر بثيابه على الصواب الذي عليه الجمهور، كما قال النووي، وعن عكرمة يا أيها المدثر بالنبوة، وأثقالها، وقد تدثرت هذا الأمر" كالمدثر بالثياب "فقم به" مقام تصميم، فهو مجاز، وروى الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس، أن الوليد بن المغيرة صنع طعاما لقريش، فلما أكلوا، قال: ما تقولون في هذا الرجل، فقال بعضهم ساحر، وبعضهم كاهن، وبعضهم شاعر، وبعضهم سحر يؤثر فحزن ﷺ وقنع رأسه، وتدثر، فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدثر﴾ إلى قوله ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ ، "وقيل ناداه بالزمل، والمدثر في أول أمره" بالتبليغ بعد ثلاث سنين، لا في أول ما أوحى إليه كما توهمه من جعلها أول ما نزل، كما مر بسطه، "فلما شرع" في الإنذار والتبليغ "خاطبه الله تعالى بالنبوة والرسالة" أي يا أيها النبي، يا أيها الرسول، إجلالا له وتبجيلا ولم يناده باسمه في القرآن ويرحم الله القائل:
ودعا جميع الرسل كلا باسمه ... ودعاك وحدك بالرسول وبالنبي
وذكر السهيلي أيضا نحو ما مر في المزمل من أنه ملاطفة وتأنيس على عادة العرب، كقوله ﵇ لحذيفة: "قم يا نومان"، فلو ناداه تعالى باسمه، أو بالأمر المجرد من الملاطفة وهو في تلك الحالة لهاله ذلك، فلما بدأه بالمدثر علم رضاه عليه وهو مطلوبه وبه كانت تهون عليه الشدائد، فإن قيل كيف ينتظم يا أيها المدثر مع قم فانذر، وما الرابط بينهما في البلاغة، قلنا من صفته ما قاله ﷺ : "أنا النذير العريان والنذير المجد بجرد ثوبه"، والتدثر ضده، ففيه أطباق بين والتئام بديع وسمانة في المعنى، وجزالة في اللفظ انتهى.
"وأماطه فروي النقاش عنه ﵊ لي في القرآن سبعة أسماء، فذكرстр. 1914
منها طه: قيل: هو اسم الله تعالى، وقيل معناه: يا رجل، وقيل: يا إنسان، وقيل: يا طاهر يا هادي يعني النبي ﷺ ، وهو مروي عن الواسطي، وقيل معناه: يا مطمع الشفاعة للأمة، ويا هادي الخلق إلى الملة، وقيل: الطاء في الحساب بتسعة والهاء بخمسة وذلك أربعة عشر فكأنه قال: يا بدر، وهذا من محاسن التأويل، لكن المعتمد أنهما من أسماء الحروف.
وأما "يس" فحكى أبو محمد مكي.
الحواشي
(١) منها طه، كما تقدم لفظه قبل سرد الأسماء، "قيل هو اسم الله تعالى" حكاه عياض وغيره ونقل عن ابن عباس، فيكون ما سمي به من أسمائه تعالى، وقيل "معناه يا رجل" أي رجل وحرف النداء مقدر معه. ورواه البيهقي عن ابن عباس: وقال به جماعة وهل بالنبطية، وهي لغة سواد العراق أو السريانية أو الحبشية أو عك أو عكل خلاف بسطه المصنف في المقصد السادس، وقال فيه إن الزمخشري، قال: كان أصله يا هذا فقلبوا الياء طاء واقتصروا عليه وإن أبا حيان رده بأنه لا يوجد في لسان العرب قلب ياء النداء طاء، ولا حذف اسم الإشارة وإبقائها التنبيه "وقيل" معناه " يا إنسان نقله البغوي عن الكلبي وقال إنه لغة عك وغاير يا رجل من حيث شموله لغة للأنثى لفظا وإن كان المراد الذكر ﷺ ، "وقيل" معناه "يا طاهر" من كل ذنب وعيب و"يا هادي" إلى كل خير، فكل حرف منه بعض اسم فهو اسم مركب من أسمى حرفين، كما قيل في الم "يعني النبي ﷺ " وهو مروي عن الواسطي" أبي بكر محمد بن موسى، الإمام العارف من كبار أتباع الجنيد له، تكلم في أصول التصوف حسن وكرامات، توفي بمرو بعد العشرين وثلاثمائة، وهذا المروي عنه نقله عياض في الباب الأول ولفظه.
قال الواسطي أراد يا طاهر يا هادي، فقول الشامي بعد أن حكاه بقيل ذكره الواسطي، أي القيل استنباطا من عند نفسه، لا حكاية عن بعضهم بلفظ، قيل، كما توهم، "وقيل معناه" يا مطمع" بضم الميم، وسكون الطاء اسم فاعل من أطمع "الشفاعة للأمة" ويا هادي الخلق إلى الملة" وهذا من نمط ما قبله من أن كل حرف بعض اسم، "وقيل الطاء في الحساب بتسعة، والهاء بخمسة وذلك أربعة عشر فكأنه، قال يا بدر"، فإن الباء باثنين والدال بأربعة، والراء بثمانية، وهذه الأقوال الثلاثة التي بعد يا إنسان "من محاسن التأويل" وصرح في المقصد السادس، وقد ذكر الأقوال الثلاثة بأن هذه الأقوال، لا يعتمد عليها؛ إذ هي كما قال المحققون من بدع التفسير، ويحتمل هنا عود اسم الإشارة، لما قبل الثلاثة أيضا لقوله "لكن المعتمد أنها من أسماء الحروف" التي رجح جماعة أنها مما استأثر الله بعلمه.
"وأما يس، فحكى أبو محمد مكي" بن أبي طالب بن محمد القيسي، الفقيه المالكي،стр. 1915
أنه روى عنه ﵊ أنه قال: "لي عند ربي عشرة أسماء" ذكر منها "يس" وقد قيل معناه" يا إنسان بلغة طيء، وقيل بالحبشية، وقيل بالسريانية، وأصله كما قاله البيضاوي، وابن الخطيب وغيرهما: يا أنيسين: فاقتصر على شطره لكثرة النداء به وقيل يس. لكن تعقب بأنه لا يعلم أن العرب قالوا في تصغيره أنيسين، وأن الذي نقل عنهم في تصغيره أنيسيان، بياء بعدها ألف،.
الحواشي
(١) الأديب المقرئ غلب عليه علم القرآن وكان راسخا فيه، أخذ عن ابن أبي زيد والقابسي بالقيروان ورحل وحج، فأخذ عن ابن فارس وإبراهيم المروزي وجماعة، ثم عاد إلى قرطبة فعلا ذكره، ورحل الناس إليه من كل قطر، وله تصانيف كثيرة روى عنه ابن عتاب وغيره مات سنة سبع وثلاثين وأربعمائة "أنه روى" بالبناء للمفعول "عنه ﵊ أنه، قال: "لي عند ربي" أي في علمه يعني أن الذي سماه اعتناء وتكريما "عشرة أسماء" ذكر منها يس" ولفظه أنا محمد وأحمد، والفاتح والخاتم، وأبو القاسم والحاشر والعاقب والماحي ويس وطه، أخرجه ابن مردويه، وأبو نعيم عن أبي الطفيل، وضعفه ابن دحية، وتبعه السيوطي بأن فيه أبا يحيى وضاع، وسيف بن وهب ضعيف.
قال الشامي: وليس كذلك، فإن أبا يحيى التيمي اثنان إسماعيل بن يحيى الوضاع المجمع على تركه وليس هو الذي في سند هذا الحديث. وإسماعيل بن إبراهيم التيمي، كذا سمي هو، وأبوه، في رواية ابن عساكر، وهو كما قال الحافظ في التقريب ضعيف انتهى، أي لا وضاع فيكون في سنده ضعيفان، فهو ضعيف فقط، ورواه البيهقي عن محمد بن الحنفية مرسلا فيعتضد وقول السهيلي لو كان من أسمائه، لقيل يس بالضم رده تلميذه ابن دحية بأنه غير لازم مع أنه قرئ بالضم أيضا "وقد قيل معناه" يا "إنسان" بلغة طيء" قاله ابن عباس والحسن وغيرهما، "وقيل بـ" اللغة "الحبشية" قاله مقاتل، "وقيل بالسريانية" حكاه الكلبي، وقيل بلغة كلب، "وأصله، كما قال البيضاوي وابن الخطيب"، الإمام فخر الدين الرازي "وغيرهما" كالزمخشري "يا أنيسين فاقتصر على شطره" بعضه "لكثرة النداء به"، كما، قيل م الله في ايمن الله، "وقيل" حين اقتصر "يس" وهذا لفظ الزمخشري وتبعه البيضاوي بادئا له بلفظ، قيل ولفظ الرازي وتقريره أن تصغير إنسان أنيسين وكأنه أخذ الصدر وحذف العجز، وقيل يس فعلى هذا يكون الخطاب معه ﷺ ، ويدل عليه إنك لمن المرسلين، "لكن تعقب" المتعقب أبو حيان، "بأنه لا يعلم" بالبناء للمفعول "أن العرب، قالوا في تصغيره أنيسين" كما ادعاه الزمخشري وموافقوه "وأن الذي نقل عنهم في تصغيره أنيسيان بياء بعدها ألف" قال أعني أبا حيان، فدل على أن أصله أنسيان؛ لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها ونحوه في المصباح وظاهرهما أنه لمстр. 1916
وبأن التصغير من التحقير الممتنع في حق النبوة لنصهم على أن التصغير لا يدخل في الأسماء العظيمة شرعا، ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في الفصل الرابع من النوع الخامس من أنواع المقصد السادس. وعن ابن الحنفية: معناه يا محمد، وعن أبي العالية: يا رجل، وعن أبي بكر الوراق: يا سيد البشر، وعن جعفر الصادق: يا سيد مخاطبة له ﵊ وفيه من تعظيم على تفسير أنه يا سيد ما فيه.
الحواشي
(١) يسمع في تصغيره إلا هذا.
لكن قال شيخنا في التقرير هو معارض بنقل الرازي والزمخشري وغيرهما؛ لأنهم مثبتون، وأبو حيان ناف فيقدم المثبت؛ لأن النافي لم يصحبه دليل نفيه، وأما قوله الذي نقل عنهم فباعتبار ما بلغه، "وبأن التصغير من التحقير الممتنع في حق النبوة لنصهم" أي العلماء، "على أن التصغير، لا يدخل في الأسماء العظيمة شرعا" كأسماء الله، وأنبيائه لإبهامه التحقير، وإن جاء للتعظيم في قوله دويهة؛ لأنه إنما جاء فيما يجوز تصغيره، فصغروه تلطفا منهم، كما قيل:
ما قلت حبيبي من التحقير ... بل يعذب اسم الشيء بالتصغير
وأجاب شيخنا في التقرير باحتمال جواز دخوله فيها، لا بقصد التحقير، لكنه مجرد احتمال صادمه النص.
قال المصنف في المقصد السادس نصوا على أن التصغير لا يدخل في الأسماء المعظمة شرعا، ولذا حكي أن ابن قتيبة، لما قال المهيمن مصغره مؤمن، وأصله مؤيمن، فأبدلت الهمزة هاء، قيل له هذا يقرب من الكفر فليتق الله قائله انتهى، وهذا صريح في صحة قوله هنا لنصهم من النص، ويقع في بعض النسخ لنصبهم بزيادة ميم وموحدة على أنه تعليل لامتناعه في حق النبوة، أي لمنصبهم العظيم، ثم ما بعده علاوة مفيدة للترقي، والمعنى فإذا كان كذلك في حق كل عظيم فالمصطفى أولى، "ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في الفصل الرابع من النوع الخامس من أنواع المقصد السادس، وعن ابن الحنفية" محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، الثقة العالم المدني، المتوفى بعد الثمانين من رجال الستة اشتهر بأمه، "معناه يا محمد وعن أبي العالية" رفيع براء، ففاء مصغر ابن مهران بكسر الميم الرياحي، بكسر الراء، وتحتية التابعي الثقة معناه "يا رجل" والمراد به محمد ﷺ ، "وعن أبي بكر الوراق" معناه "يا سيد البشر" ويلزم منه سيادته على غيرهم لشرف نوع الإنسان حتى على الملك على الأصح المرتضى، وعن جعفر الصادق، لصدقه في مقاله ابن محمد الباقر بن علي بن الحسين، "يا سيد مخاطبة له ﵊" بفتح الطاء، والنصب بفعل مقدر، أي خاطبه به مخاطبة مخصوصة به، والتوجيه من جعفر، كما في الشفاء قائلا، "وفيه من تعظيمه" وتمجيده "على تفسير يا سيد ما فيه" قالстр. 1917
وأما "الفجر" فقال ابن عطاء في قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١، ٢] ، الفجر محمد ﷺ ؛ لأن منه تفجر الإيمان.
وهو تأويل غريب
الحواشي
(١) شارحه فيه إيجاز ومبالغة، أي فيه أمر عظيم، لا يمكن الوقوف عليه، كقوله الحاقة، ما الحاقة لوصفه بالسيادة المطلقة المفيدة للعموم في المقام الخطابي فيفيد تفوقه على من سواه؛ لأنه واسطة كل خير، وهو اكتفاء ببعض الكلمة عن باقيها، وسمع من العرب حكاه سيبويه وغيره فيقولون: ألاتا، بمعنى ألا تفعل، فيقول: بلى، فا أي أفعل وفي الحديث كفى بالسيف شا أي شاهدا وقال التجاني التحقيق إنهم يكتفون ببعض حروف الكلمة معبرين باسم بعض حروفها كقوله:
قلت لها قفي فقالت قاف
أي وقفت، فيحتمل أن يس عبر عنه باسمين من أسماء حروفه، لا بمسماه، كما، قاله الرازي، وإن كانت العرب قد تكتفي ببعض الكلمة كقوله:
كانت مناها بأرض لا يبلغها
أي منايها وقوله:
درس المنا بمتالع فابان
أي المنازل ونظائره كثيرة، وليس من ترخيم غير المنادى، بل من ذكر حرف من كلمة إشارة إلى بقيتها انتهى ملخصا.
"وأما الفجر، فقال" الإمام أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل "بن عطاء" الزاهد البغدادي المعروف بالآدمي، قيل: كان يختم كل ليلة ختمة، وصحب الجنيد، مات سنة تسع، أو إحدى عشرة وثلاثمائة فـ "في قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ الفجر محمد ﷺ ؛ لأنه منه تفجر الإيمان" بفتح التاء وضم الجيم الثقيلة مصدر، وبفتح الجيم فعل، فالإيمان بالجر والرفع من تفجر الصبح طلع، قاله ابن رسلان أما على تشبيه الإيمان بالنور المشرف من أفق الوحي الماحي لظلمة الكفر، أو استعارة مكنية لتشبيهه بالماء، وإثبات التفجر له تخييل، قاله الدلجي، وقال غيره الأحسن أن يشبه الصبح، وأنواره بماء تفجر، ثم يستعار ذلك لشهرته، لما ظهر منه ﷺ من الدين والتوحيد كما قال ابن تميم:
انظر إلى الصبح المنير، وقد بدا ... يغشى الظلام بمائه المتدفق
غرقت به زهر النجوم، وإنما ... سلم الهلال لأنه كالزورق
"وهو تأويل غريب" لأنه خلاف الظاهر، والقرآن والأحاديث لا يعدل عن ظاهرها إلاстр. 1918
لم ير لغيره، والصواب أنه الفجر المفسر بالصبح في قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّس﴾ [التكوير: ١٨] .
وأما "القوي" فقال تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] قيل محمد، وقيل جبريل عليهما الصلاة والسلام، وسيأتي في المقصد الثالث ما في ذلك.
وأما ما قاله ابن عطاء في قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] أقسم بقوة قلب حبيبه محمد ﷺ حيث حمل الخطاب والمشاهدة ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله،
الحواشي
(١) بدليل "لم ير لغيره" وقد اعترضوه بأنه مع غرابته بعيد مخل بالانتظام، فإن عطف ليال عشر عليه بالواو، ومن غير جهة جامعة، كقولك الشمس ومرارة الأرنب والبازنجان محدثة مخل بالبلاغة، وأجيب بأن من فسر الفجر به يفسر الليالي بعشر رمضان، وقد كان ﷺ يجتهد فيها في العبادة والخيرات التي لا تحصى، فيصير المعنى على هذا أقسم بمحمد ﷺ في حالته التي جد في عبادتي والتقرب إلي فيها، وأي مناسبة أتم من هذه "و" لكن "الصواب" وهو قول المحققين من المفسرين "أنه" على حقيقته، وهو الفجر المفسر بالصبح"، أو فلقه "في قوله تعالى ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّس﴾ امتد حتى يصير نهارا بينا، أو هو بتقدير مضاف، أي صلاة الفجر والليالي العشر عشر ذي الحجة فلا شاهد في الآية على أنه من أسمائه ﷺ "وأما القوي" من الصفات المشبهة، أي الشديد المتمكن، وهو من أسمائه تعالى، ومعناه القادر، كما قال الخطابي وعياض، "فقال تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ على تبليغ ما حمله من الوحي، أي القرآن ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ أي مكين رفيع المحل عند ربه.
"قيل محمد، وقيل جبريل عليهما الصلاة والسلام، وسيأتي في المقصد الثالث ما في ذلك" وهو ترجيح أنه جبريل" وأما ما قاله ابن عطاء" نسبه إلى جده، كما علم في قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ، أقسم بقوة قلب حبيبه محمد ﷺ فق بمعنى قوة على نهج الأكتفاء كقوله:
قلت لها قفي، فقالت قاف
"حيث حمل" تجمل وأطاق "الخطاب" من الله، "والمشاهدة" له سبحانه ليلة الإسراء، أو مشاهدة الملكوت ومهابته مما تنهد له الجبال، أو مشاهدة التجليات القلبية، "ولم يؤثر ذلك فيه" أي لم يصعب ويشق عليه حتى يمنعه من تحمل مثله "لعلو حاله" تعليل لما قبله، أي إنстр. 1919
فلا يخفى ما فيه.
وأما "النجم" فعن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] أنه محمد ﷺ ﴿إِذَا هَوَى﴾ إذا نزل من السماء ليلة المعراج، وحكى السلمي قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ١-٣] أن النجم هنا محمد صلى الله عليه.
الحواشي
(١) له حالا في ثبات الجنان ورفعة الشأن، لما رسخ في قلبه من اليقين، "فلا يخفى ما فيه" إذ لا إشعار له بذلك، بل صرح فيه أنه أقسم بالقرآن ولفظ ق يحتمل أن أقسم به أيضا، وأنه اسم للسورة، أو الجبل، أو الأمر، أو غير ذلك فاستنباط مثل ذلك من مجرد لفظ، لا يدل عليه، لا ينبغي في القرآن، وقد عورض بالمثل، فقيل: لم لا يجوز أن يكون من قدرة الله؟، "وأما النجم فعن جعفر" الصادق "بن محمد" الباقر "بن علي" زين العابدين "بن الحسين" السبط ابن علي ﵃ أن جعفرا قال "في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ أنه محمد ﷺ " وإن معنى قوله: " ﴿إِذَا هَوَى﴾ إذا نزل من السماء ليلة المعراج" من الهوى بفتح الهاء وشد الياء وهو الذهاب في انحدار، لا بضمها؛ لأنه الذهاب في ارتفاع، وقال جعفر أيضا النجم قلب محمد هوى انشرح من الأنوار.
وقال أيضا في هوى انقطع عن غير الله، كما في الشفاء.
"وحكى" أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين الأزدي "السلمي" بضم، ففتح نسبة إلى جد له اسمه سليم النيسابوري، الحافظ، المحدث، الورع، الزاهد، الصوفي، صاحب التصانيف نحو المائة سمع الأصم وغيره، وعنه الحاكم وغيره، وهو ثقة، كما قال الخطيب.
قال السبكي، وهو الصحيح، ولا عبرة بقول القطان أنه كان يضع للصوفية، وله كرامات وتوفي سنة اثنتي عشرة وأربعمائة "في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ ، أعلمك "ما الطارق" مبتدأ وخبر في محل المفعول الثاني لأدري وما بعد ما الأولى خبرها، وفيه تفخيم لشأن الطارق، هو "النجم الثاقب" المضيء كأنه يثقب الظلام لشدة إضاءته أبهمة ثم فسره للتعظيم.
"إن النجم هنا محمد ﷺ " فسماه النجم، وأقسم به قال النعماني في الآية الأولى: ويعجبني هذا التفسير لوجوه فإنه ﷺ نجم هداية، خصوصا لما هدى إليه من فرض الصلاة تلك الليلة، وقد علمت منزلتها من الدين، ولأنه أضاء في السماء والأرض، وللتشبيه بسرعة السير، ولأنه كان ليلا، وهو وقت ظهور النجم، فلا يخفى على ذي بصر، وأما أرباب البصائر،стр. 1920
والصحيح: أن المراد به النجم على ظاهره، وسمي به لأنه يهتدى به في طرق الهدى كما يهتدي بالنجم.
وأما "الشمس" فسمي بها ﵊ لكثرة نفعه، وعلو رفعته، وظهور شريعته، وجلالة قدره وعظم منزلته؛ لأنه لا يحاط بكماله، حتى لا يسع الرائي له أن ينظر إليه ملء عينيه إجلالا له، كما أن الشمس في الرتبة أرفع من غالب الكواكب لأنها في السماء السادسة، والانتفاع بها أكثر من غيرها كما لا يخفى، ولا يدركها البصر لكبر جرمها،
الحواشي
(١) فلا يمترون كالصديق، "و" لكن "الصحيح" في الآيتين "إن المراد به النجم على ظاهره" أي الثريا، كما اختاره ابن جرير والزمخشري، وصححه السمين؛ لأنه علم لها بالغلبة، قال عمر بن أبي ربيعة:
أحسن النجم
في السماء الثريا ... والثريا في الارض زين السماء
أو الزهرة أو كل نجم، وقيل غير ذلك في الآية الأولى، وفي الثانية أيضا الثريا، أو كل نجم، أو زحل "و" إنما "سمي به" ﷺ على التشبيه البليغ، أو الاستعارة من مطلق النجم، أو من نجم مخصوص "لأنه يهتدى به في طريق الهدى، كما يهتدى بالنجم" أو لأنه استنارت به ظلمات الجهل، فإن خص بزحل فوجه الشبه الإضاءة مع الرفعة، وأما الشمس، وهي في الأصل كوكب النهاري، "فسمي بها عليه الصلاة واللام" لما لم ير في الكاتب، ولا السنة تسميته بها وجه التسمية، بقوله: "لكثرة نفعه وعلو رفعته وظهور شريعته" كالشمس، فإنها ظاهرة مرتفعة كثيرة النفع، "وجلالة" قدره وعظم منزلته لأنه لا يحاط بكماله" تعليل للذين قبله، "حتى، لا يسع الرائي له أن ينظر إليه ملء عينيه إجلالا له، كما أن الشمس في الرتبة أرفع من غالب الكواكب" أتى بغالب لأن زحل أرفع منها لأنه في السابعة، وعليه قول الطغرائي:
فإن علاني من دوني، فلا أسف ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
"لأنها في السماء السادسة" عند المحققين من متأخري أهل الهيئة، وقيل في الرابعة.
حكاه القرطبي، وجزم به ابن كثير وصحح ابن العماد أنها في السماء الدنيا، "والانتفاع بها أكثر من غيرها، كما لا يخفى" لأنها تنضج الزرع وتشد الحب وترطب البدن، ولا يدركها البصر، بل تكاد تخطفه وتعميه "لكبر جرمها" حتى قيل إنها قدر الأرض مائة وستين مرة، وقيل وخمسين، وقيل وعشرين أو لأن نور الأنبياء مستمد من نوره، كما قال البوصيري:
وكل آي آتى الرسل الكرام بها ... فإنما اتصلت من نوره بهمстр. 1921
فلما كان سائر الكواكب يستمد من نورها ناسب تسميته ﵊ بها. وأما "النبي" والرسول فمن خصائصه ﷺ أنه خاطبه تعالى بهما من القرآن دون سائر أنبيائه.
ثم إن النبوءة بالهمزة مأخوذة من النبأ، وهو الخبر، وقد لا تهمز تسهيلا. أي أن الله أطلعه على غيبه وأعلمه أنه نبيه، فيكون نبيا منبأ، أو يكون مخبرا عما بعثه الله به ومنبأ بما أطلعه الله تعالى عليه. وبغير الهمز يكون مشتقا من النبوة
الحواشي
(١) كما أن سائر الكواكب مستمد من نور الشمس، وعلى هذا يتفرع قوله: "فلما كان سائر الكواكب يستمد من نورها".
قال الشامي بمعنى أن نورها، لما كان مغمرا في نور الشمس فكأنه مستمد منه، وإلا فهي جوهر شفاف، لا لون لها مضيئة بذواتها، أو بكواكب أخرى مستترة عنا، لا نشاهدها إلا القمر، فإنه كمل في نفسه انتهى.
"ناسب تسميته ﵊ بها" وقال أبو بكر بن العربي في وجه الشبه بالشمس أوجه منها: "إنها لا تطلع حتى يتقدمها الفجر الأول، والثاني مبشرين بها، وكذلك لم يبعث ﷺ حتى بشر به الأنبياء، والمرسلون ووصفته الكتب المنزلة، ومنها إن للشمس إحراقا وإشراقا، وكذلك كان ﷺ لبعثته نور يشرق في قلوب أوليائه ولسيوفه نار تحرق قلوب أعدائه، ومنها أن فيها هداية ودلالة، وكذلك ﷺ هدى من الضلالة، ودل على الرشاد، ومنها أنها سيدة الأنوار الفلكية، وهو ﷺ سيد الأنبياء، "وأما النبي، والرسول فمن" أي وجه تسميته بهما.
إن من "خصائصه ﷺ " كا جزم به عياض وغيره "أنه خاطبه تعالى بهما في القرآن" ولم يخاطبه فيه باسمه في النداء، وذكر في الخبر لأنه ورد مورد التعيين، كقوله محمد رسول الله، وما محمد إلا رسول؛ لأن صاحب هذا الاسم هو الرسول، ونحو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ لما لم يرد هذا المورد لم يذكر اسمه "دون سائر أنبيائه"، فإنه خاطبهم بأسمائهم يا آدم يا نوح يا إبراهيم يا داود يا زكريا يا عيسى يا يحيى، "ثم إن النبوءة بالهمز مأخوذة من النبأ، وهو الخبر، وقد لا تهمز تسهيلا" بإبدال الهمزة واو وإدغامها فيما بعدها، أي" سمي بالنبي المأخوذ من النبا لأجل "إن الله أطلعه على غيبه، واعلمه أنه نبيه، فيكون" معنى "نبيا منبأ" بفتح الباء، فهو فعيل بمعنى مفعول، "أو يكون" بمعنى "مخبرا عما بعثه الله به، ومنبأ بكسر الباء للناس "بما أطلعه تعالى عليه" فهو فيعل بمعنى فاعل "وبغير الهمز" وهو الأكثر قيل مخفف المهموز بقلب همزته وقيل إنه الأصل، فـ"يكون مشتقا منстр. 1922
وهو ما ارتفع من الأرض، أي أنه لا له رتبة شريفة ومكانة عند الله منيفة. قال الشيخ بدر الدين الزركشي في شرح البردة: وكان نافع يقرأ، النبيء -بالهمزة- في جميع القرآن والاختيار تركه.
وهو لغة النبي ﷺ وقد جاء في الحديث أن رجلا قال: يا نبيء الله -يعني بالهمزة- فقال: "لست نبيء الله، ولكني نبي الله"، فأنكر الهمز لأنه لم يكن من لغته ﵊.
وقال الجوهري والصغاني: إنما أنكره لأن الأعرابي أراد: يا من خرج من مكة إلى المدينة، يقال: نبأت من أرض إلى أرض، إذا خرجت منها إلى أخرى.
وتكلم جماعة.
الحواشي
(١) النبوة" بفتح النون وسكون الباء، "وهو ما ارتفع من الأرض" لأن رتبته مرفوعة على سائر الخلق، كما قال: "أي إن له رتبة شريفة ومكانة عند الله منيفة" زائدة في الارتفاع عطف تفسير لرتبة.
"قال الشيخ بدر الدين الزركشي في شرح البردة، وكان نافع" بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، القاري، المدني، الأصبهاني الأصل، صدوق، ثبت في القراءة، توفي سنة تسع وتسعين ومائة، "يقرأ النبي بالهمزة في جمع القرآن، والاختيار" من حيث اللغة، أو العربية، لا النقل لتواتره، "تركه" للحديث الآتي، "وهو لغة" عطف علة على معلولها، أي أنه لغة النبي ﷺ التي هي سجية له، فلا ينافي نطقه بغيرها لتواتر الهمز عنه أيضا "وقد جاء في الحديث أن رجلا، قال: يا نبيء الله يعني بالهمزة، فقال" ﷺ "لست نبيء الله" بالهمزة، "ولكن نبي الله" بلا همز.
قال الزركشي: "فأنكر الهمز لأنه لم يكن من لغته ﵊، وقال الجوهري" الإمام المشهور أبو نصر إسماعيل بن حماد "والصغاني" الحسن بن محمد العلامة الشهير، ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة ومات سنة خمسين وستمائة، وفي اللب الصغاني بمهملة ومعجمة نسبة إلى الصغانيات بلاد وراء نهر جيحون، وإلى صاغان قرية بمرو "إنما أنكره لأن الأعرابي أراد يا من خرج من مكة إلى المدينة" فيحتمل إنه أراد يا طريدا من بلده إلى غيرها لأنه "يقال" كما حكاه أبو زيد عن العرب "نبأت" بالهمز "من أرض إلى أرض إذا خرجت منها إلى أخرى". فلذا نهاه، لا لكونه ليس من لغته، وهذا هو الأحسن، فإنه صلى الله صلى عليه وسلم كان يخاطب كل ذي لغة بليغة بلغته اتساعا في الفصاحة، كما يأتي للمصنف، ولم ينكر على أحد لغته، ولا نهاه عنها، فكيف ينكر الهمز الذي نزل عليه بمجرد كونه ليس لغته السجية له، "وتكلم جماعة من القراء في هذاстр. 1923
من القراء في هذا الحديث: وقد رواه الحاكم في المستدرك عن أبي الأسود عن أبي ذر، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وفيما قاله نظر، فإن فيه الحسين الجعفي، كذا قاله بعضهم وليس من شرطهما، ورواه أبو عبيد: حدثنا أبو محمد بن سعد عن حمزة الزيات عن حمران بن أعين الكوفي أن رجلا.... الحديث، وهذا منقطع، انتهى.
والرسول: إنسان بعثه الله إلى الخلق بشريعة مجددة يدعو الناس إليها.
واختلف هل هما بمعنى أو بمعنيين؟
الحواشي
(١) الحديث، وقد رواه الحاكم في المستدرك عن أبي الأسود، عن أبي ذر، وقال صحيح على شرط الشيخين، وفيما قاله" الحاكم "نظر، فإن فيه الحسين" بن علي بن الوليد "الجعفي، كذا قاله بعضهم" تبرأ منه لأنه ثقة عابد أخرج له الستة، كما في التقريب، فلا يصح قوله "وليس من شرطهما" ولعله تصحف عليه، فإن الإمام الذهبي، قال: إنه حديث منكر وفي سنده حمران بن أعين وليس بثقة، "ورواه أبو عبيد" القاسم بن سلام بالتشديد البغدادي، الإمام المشهور الحافظ، الثقة، الفاضل، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين، فقال: "حدثنا أبو محمد بن سعد" الأنصاري، الأشهلي، أبو سعد المدني، نزيل بغداد صدوق مات على رأس المائتين.
روى له النسائي عن حمزة بن حبيب الزيات" القارئ الكوفي التميمي، مولاهم صدوق زاهد.
روى له مسلم والأربعة، ولد سنة ثمانية، ومات سنة ست، أو ثمان وخمسين ومائة، "عن حمران" بضم الحاء المهملة "ابن أعين الكوفي" مولى بين شيبان ضعيف رمي بالرفض، "أن رجلا الحديث، وهذا منقطع" وقد وصله الحاكم، عنه عن أبي الأسود عن أبي ذر "انتهى" كلام الزركشي، وعطف على قوله، ثم إن النبوءة على سبيل اللف، والنشر المرتب قوله: "والرسول إنسان" ذكر حر أكمل معاصريه إلا الأنبياء "بعثه الله إلى الخلق بشريعة مجددة يدعو الناس إليها" فخرج من دعا إلى شريعة من قبله كأنبياء بني إسرائيل، فإنهم كانوا يدعون إلى شريعة موسى، فهم أنبياء لا رسل لكن نوقض بإسماعيل فإنه أرسل بشريعة أبيه، وقد قال تعالى ﴿وَكَانَ رَسُولًا﴾ فإن صح إرساله بشرع أبيه، ففي الآية مجاز، "اختلف هل هما" النبي والرسول، "بمعنى، أبو بمعنيين" ذكره بعد التعيف بوهم جريانه على كل قول وليس بمراد، فالأولىстр. 1924
فقال بالأول قوم مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِي﴾ [الحج: ٥٢] فأثبت لهما معا الإرسال. وعلى هذا فلا يكون النبي إلا رسولا، ولا يكون الرسول إلا نبيا.
وقال آخرون بالثاني، وأنهما يجتمعان في النبوة التي هي الاطلاع على الغيب والإعلام بخواص النبوة أو الرفعة بمعرفة ذلك وحوز درجتها، وافترقا في زيادة الإرسال. وحجتهم من الآية نفسها التفريق بين الاسمين؛ إذ لو كان شيئا واحدا لما حسن تكرارهما في الكلام البليغ، ويكون المعنى: ما أرسلنا من نبي إلى أمة، أو نبي ليس بمرسل إلى أحد.
وذهب آخرون: إلى أن الرسول: من جاء بشرع مبتدأ، ومن لم يأت به نبي غير رسول وإن أمر.
الحواشي
(١) تأخيره عن الأقوال، وأن يقول يعرف على الأول، "فقال بالأول قوم مستدلين، بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ فاثبت لهما معا الإرسال" بقوله أرسلنا، "وعلى هذا، فلا يكون النبي إلا رسولا، ولا يكون الرسول إلا نبيا"، فيشترط في النبي على هذا أن يؤمر بتبليغ ما أوحى إليه، "وقال آخرون بالثاني" وهو التغاير، وأن الرسول أخص من النبي، "وأنهما يجتمعان في النبوة التي هي الاطلاع على الغيب" بناء على أنها من النبا، فهو منبئ بالكسر "والإعلام بخواص النبوة" على أنه منبأ بالفتح على ما مر، "أو الرفعة بمعرفة ذلك" عطف على الاطلاع بناء على أن النبوة أصل مستقل، "وحوز درجتها" وفي نسخة مدحتها، "وافترقا" الأنسب بسابقة ويفترقان "في زيادة الإرسال، وحجتهم من الآية نفسها"، وهي "التفريق بين الاسمين؛ إذ لو كان شيئا واحدا" كما ادعى الأولون "لما حسن تكرارهما في الكلام البليغ" إذ التكرار، بلا فائدة مخل بالبلاغة، "ويكون المعنى" على رأي الآخرين، "وما أرسلنا من نبي إلى أمة، أو نبي ليس بمرسل إلى أحد"، لا ينافي قوله أرسلنا لجواز أنه بمعنى أوحينا أعم من كونه أمر بالتبليغ أم لا ومن رسول، ولا نبي بيان لقدر هو وما أوحينا إلى أحد، وهذا في غاية القلاقة ومثله، لا يعبأ به الخصم في المناظرة، والذي قال غيره في هذا المقام، أن في الآية اضمارا، أي ولا نبانا من نبي كقوله:
ورأيت روحك في الوغي ... متقلدا سيفا ورمحا
أي وحاملا رمحا، "وذهب أخرون إلى أن الرسول من جاء بشرع مبتدأ" بأن كان له كتاب، أو نسخ لبعض شرع من قبله، "ومن لم يأت به" بأن لم يكن له ذلك "نبي غير رسول، وإن أمرстр. 1925
بالإبلاغ والإنذار.
والصحيح: أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا.
نعم نوزع في هذا بأنه كلام يطلقه، من لا تحقيق عنده، فإن جبريل ﵇ وغيره من الملائكة المكرمين بالإرسال رسل لا أنبياء. فالانفصال عنه: بأن يقيد الفرق بين الرسول والنبي، بالرسول البشري.
ثم إن النبوة والرسالة ليستا ذاتا للنبي، ولا وصف ذات بل تخصيص الله إياه بذلك خلافا للكرامية.
الحواشي
(١) بالبلاغ" لشرع من قبله "والإنذار" به وقيل لرسول من يأتيه الملك بالوحي، والنبي، يقال له ولمن يوحى إليه في المنام، والنسبة بينهما على هذا كهي على الثاني، لكن اختلفا في جهة الافتراق، فهي على هذا عدم مجيء الملك وكون الوحي مناما وعلى الثاني عدم الأمر بالتبليغ، "والصحيح" القول الثاني "أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا"، فهو اخص.
"نعم نوزع في هذا بأنه كلام يطلقه من لا تحقيق عنده، فإن جبريل ﵇ وغيره من الملائكة المكرمين بالإرسال رسل" لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيم﴾ ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّك﴾ الآية، الله يصطفي من الملائكة رسلا "لا أنبياء" لأنه لم يرد إطلاق الأنبياء عليهم فلا يصح أن الرسول أخص "فالانفصال" أي التخلص "عنه" عن هذا الذي نوزع به "بأن يقيد الفرق بين الرسول والنبي بالرسول البشري" لا الملكي إذ ليس الكلام فيه وجزم بهذا أي أنه لا يسمى الملك نبيا عياض والنووي والحافظ وغيرهم ولا يرد أنهم مخبرون عن الله، ولهم عنده رتبة فيصح تسميتهم أنبياء لأن علة التسمية، لا تطرد، والإلزام أن تسمى الصحابة أنبياء لأنهم أخبروا بالقرآن والأحكام ولهم عند الله شرف ومكانة وهذا باطل أجماعا، والعلماء إنما أخذوا وجه التسمية لوروده: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ وكان صديقا نبيا، وفي إسماعيل وموسى، وكان رسولا نبيا، ولم يرد تسمية الملائكة إلا بالرسل، فلا يقاس عليه ما لم يرد لمجرد صحة المعنى؛ إذ المسألة نقلية لا عقلية، وإما استدلال بعضهم بأن الله أوحى إليهم، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وهذه حقيقة النبوة البشرية يوحى إلى الواحد منهم بشرع يخصه، لا يتعداه إلى غيره، فمدفوع بأن النبوة ليست مجرد الوحي، كما يأتي عن القرافي، "ثم إن النبوة، والرسالة ليستا ذاتا للنبي" أي لازما لماهيته، لا ينفك عنه "ولا وصف ذات" أي، وصفا لازما للذات، لا ينفك عنها حتى كان الماهية مركبة منه ومن غيره من الذاتيات.
زاد الآمدي وليستا عرضا من الأعراض المكتسبة له، "بل" كل منهما "تخصيص الله إياهстр. 1926
وقال القرافي، كما نقله عنه ابن مرزوق، يعتقد كثير أن النبوة مجرد الوحي، وهو باطل، لحصوله لمن ليس بنبي كمريم وليست نبية على الصحيح، مع أن الله تعالى يقول: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ الآية [مريم: ١٧] و ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ [آل عمران: ٤٥] . وفي مسلم: بعث الله ملكا لرجل على مدرجته وكان قد خرج في زيارة أخ له في الله، وقال له: إن الله يعلمك أنه يحبك لحبك لأخيك في الله، وليست بنبوة؛ لأنها عند المحققين، إيحاء الله لبعض بحكم إنساني يخص به كقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فهذا تكليف يختص به في الوقت، فهذه نبوة لا رسالة، فلما نزل: ﴿قُمْ فَأَنْذِر﴾ [المدثر: ٢] كانت رسالة لتعلق هذا التكليف بغيره أيضا،.
الحواشي
(١) بذلك" موهبة منه، وحاصلها يرجع إلى قول الله لمن اصطفاه، أرسلتك، أو بعثتك فبلغ عني، فهي من الصفات الاعتبارية، كالولاية للوالي، والإمامة للسلطان "خلافا للكرامية" إذ القول، لا يوجب لمتعلقه صفة، كما صرح به القاضي عضد الدين.
"قال القرافي" الشهاب العلامة أحمد بن داود "كما نقله عنه ابن مرزوق" محمد يعتقد كثيرا أن النبوة مجرد الوحي دون اطلاع وإعلام أنه نبي، وهو باطل لحصوله لمن ليس بنبي كمريم بنة عمران، وليبست نبية على الصحيح لاشتراط الذكورة وغيرها حتى بالغ صاحب الأنوار، فحكى الإجماع على أنه لم ينبأ أمرأة "مع أن الله تعالى يقول: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ جبريل "الآية" وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ وقبله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ فلو كانت النبوة مجرد الوحي ما توقف أحد من نبوتها، "وفي مسلم" عن أبي هريرة رفعه "بعث الله ملكا لرجل على مدرجته" بفتح الميم، وسكون الدال، وفتح الراء والجيم أي طريقه التي يمر عليها "وكان قد خرج في زياة أخ له في الله، وقال له إن الله يعلمك أنه يحبك لحبك لأخيك في الله" ولفظ مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكا، فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال هل لك عليه من نعمة تربها، قال: لا غير أني أحبه في الله تعالى: قال: فإني رسول الله إليك، إن الله قد أحبك كما أحببته فيه"، وقوله تربها أي تسعى في إصلاحها فهذه المذكورات وحي مجرد وليست بنبوة لأنها عند المحققين إيحاء الله لبعض بحكم إنساني يخص به كقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك﴾ فهذا تكليف يختص به في الوقت، أي وقت الإيحاء، "فهذه نبوة لا رسالة" لأنه لم يؤمر بتبليغ الغير حينئذ "فلما نزل ﴿قُمْ فَأَنْذِر﴾ كانت رسالة لتعلق هذا التلكيف بغيره أيضا" والتمثيل بنبينا صلى الله عليه وسلمстр. 1927
فالنبي١ كلف بما يخصه، والرسول بذلك، وتبليغ غيره، فالرسول أخص مطلقا، انتهى. وهل نبينا ﷺ رسول الآن؟
قال أبو الحسن الأشعري: هو ﷺ في حكم الرسالة، وحكم الشيء يقوم مقام أصل الشيء، ألا ترى أن العدة تدل على ما كان من أحكام النكاح، ويأتي لذلك مزيد بيان إن شاء الله تعالى.
وأما "المذكر" فقال تعالى:
الحواشي
(١) مبني على تأخر رسالته عن نبوته، وهو ما عليه ابن عبد البر وغيره، وقيل هما متقارنان، وصحح، كما مر في الأوائل، "فالنبي كلف بما يخصه، والرسول بذلك، وبتبليغ غيره، فالرسول أخص مطلقا انتهى" كلام القرفي، وعلى هذا اختلف في أن الرسالة أفضل من النبوة، وهو رأي الأكثر لأنها تثمر هداية الأمة، والنبوة قاصرة على النبي، كالعلم، والعبادة، وقال العز بن عبد السلام النبوة أفضل لأنها الوحي بمعرفته تعالى وصفاته، فهي متعلقة به من طرفيها، والرسالة الأمر بالتبليغ، فهي متعلقة به من أحد الطرفين، وأجيب بأنها تستلزم النبوة، فهي مشتملة عليها؛ لأنها كالرسول، وأخص من النبوة التي هي أعم كالنبي "وهل نبينا ﷺ رسول الآن" أي بعد وفاته.
"قال الشيخ أبو الحسن" علي بن إسماعيل بن أبي بشر بن إسحاق بن أبي سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى "الأشعري" صاحب رسول الله ﷺ أمام أهل السنة، وكان مالكي المذهب "هو ﷺ في حكم الرسالة" لأنه اتصف بها وولم تسلب عنه كبقاء وصف الإيمان للمؤمن بعد الموت، وإن لم يكن مأمورا بالبلاغة بعد موته ﵇، "وحكم الشيء يقوم مقام أصل الشيء، ألا ترى أن العدة تدل على ما كان من أحكام النكاح؟ ويأتي لذلك مزيد بيان إن شاء الله تعالى" في المقصد السادس، ومن جملته قول ابن فورك أنه ﷺ حي في قبره، رسول الله أبد الآباد على الحقيقة، لا المجاز، وقول القشيري هو ﷺ رسول قبل أن يوجد، وفي حالة وجوده وإلى الأبد لاستحالة البطلان على الإرسال الذي هو قول الله أرسلتك، أو بلغ عني، "وأما المذكر" المبلغ الواعظ اسم فاعل من التذكرة الموعظة، والتبليغ، كما في الشامي، ولم يقل من التذكير مع أنه المصدر الذي يؤخذ منه الوصف لأنها أظهر في الوعظ من التذكير، فإنه يستعمل للتنبيه، "فقال تعالى" أي فدليله ما،
_________
١ تنبيه وقع خطأ عند كثير من المؤلفين قولهم: إن النبي إنسان أوحي إليه بشرع، وإن لم يؤمر بتبليغه، فإن أمر بتليغه فرسول. والصحيح: أنه يجتمع النبي والرسول في أن كلا منهما أوحي إليه بشرع، ويفترق الرسول عن النبي بأنه أوحي إليه بشرع جديد، والنبي يتبع شرع الرسول الذي قبله وكلاهما مأموران بالتبليغ.стр. 1928
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّر﴾ [الغاشية: ٢١] .
وأما "البشير" و"المبشر" و"النذير" و"المنذر" فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] أي مبشرا لأهل طاعته بالثواب، وقيل بالمغفرة، ونذيرا لأهل معصيته بالعذاب، وقيل: محذرا من الضلالات.
وأما "المبلغ" فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] .
وأما "الحنيف".
الحواشي
(١) قال تعالى، وكذا نظائره رأي الكوفيين من إجازة حذف الموصول الاسمي، ولا يجعل مصدر العدم سابك للفعل، "فذكر" عبادي بآياتي، وعظهم بحجتي، وبلغهم رسالاتي ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّر﴾ [الغاشية: ٢١] . ليس عليهم بمصيطر﴾ ، أي مسلط، وهذا قبل الأمر بالجهاد، كما، قال الجلال، "وأما البشر" اسم فاعل، "والمبشر" اسم فاعل من البشارة الخبر السار، و"النذير" فعيل بمعنى فاعل المخوف، "والمنذر" المبلغ مع التخويف، "فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على من أرسلت إليهم ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ، أحوال مقدرة، فدل مبشرا على اسمين وكذ نذير، واقتصر المصنف المسافة، فاكتفى بهذه الآية لأنها دلت على المادة، وإلا ففي سورة البقرة وفاطر ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر: ٢٤] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ ، "أي مبشرا لأهل طاعته بالثواب" ومنه الجنة ونعيمها، "وقيل" مبشرا "بالمغفرة" وهي عدم المؤاخذة بالذنب، ففارقت الثواب لأنه مقدار من جزاء العمل يعلمه الله، "ونذيرا لأهل معصيته بالعذاب"، ومنه النار، "وقيل محذرا من الضلالات"، جمع ضلالة وهي عدم الاهتداء أي محذرا، لما هو سبب لعدم معرفة الحق من الباطل، ففارق الأول لأنه تخويف بالعذاب المستحق على المعصية، فمعناها مختلف وإن كان مقصودهما واحدا؛ لأن قصد الثاني التباعد عن العصيان الحاصل بسبب الضلال.
"وأما المبلغ" الذي أدى الرسالة كما أمر اسم فاعل، "فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ، ولا تكتم منه شيئا خوفا أن تنال بمكروه، والاستدلال بها من الاكتفاء بصيغة الفعل، واعرض بأن وصفه بأنه مبلغ يستدعي وقوعه لأن اسم الفاعل حقيقة في المتلبس به، والأمر لا يستدعي وقوع المأمور به، وأجيب بأنه لما علم من حال ﷺ امتثال ما أمر به، وقد تحقق تبليغه على أبلغ وجه صح وصفه به، وقد ثبت قوله في آخر عمره: "ألا قد بلغت".
"وأما الحنيف" المائل إلى دين الإسلام الثابت عليه من الحنف محركا، أو المائل عماстр. 1929
فقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠] .
وأما "نبي التوبة" فإن الأمم رجعت بهدايته ﵊ بعدما تفرقت بها الطرق إلى الصراط المستقيم.
وأما "رسول الرحمة" و"نبي الرحمة" و"نبي الرحمة" فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ [الأنبياء: ١٧] .
الحواشي
(١) عليه العامة إلى طريق الحق والاستقامة، أو المستقيم، فقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ مائلا إليه، أي اخلص دينك لله.
ذكر هذه الآية لكونها نصافي المصطفى، بخلاف قم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا، فاختلف في أنه حال من إبراهيم، أو من الضمير العائد عليه ﷺ ، وهو الظاهر، وأظل الحنف مطلق الميل، كما في مقدمة الفتح، ومثله قول القاموس الحنف محركة الميل، ثم يطلق على الأعوجاج في الرجل وعلى غيره بحسب المقام، وفي الحديث: "بعثت بالحنيفية السمحة"، وفي النهاية حديث خلق وأما بادي حنفاء، أي طاهرين من المعاصي، لا أنهم كلهم مسلمون لقوله: فمنكم كافر ومنكم مؤمن، "وأنا نبي التوبة" الوارد في مسلم عن أبي موسى.
قال سمى لنا ﷺ نفسه أسماء منها ما حفظناه، ومنها ما لم نحفظ.
قال: "أنا محمد، وأنا أحمد، والمقفى، والحاشر ونبي التوبة ونبي الملحمة"، "فإن الأمم رجعت بهدايته ﵊ بعد ما تفرقت بها الطرق"، أي طرق الضلال الكثية المتنوعة "إلى الصراط المستقيم" صلة رجعت والتوبة الرجوع، والإنابة، فلكونه سببا في توبتهم أضيف إليها، وقيل لإخباره عن الله لقبول التوبة، أو لأمره بها، أو لأنه كثير التوبة، وقال سهل هي ترك التسويف وإمام الحرمين إذا أضيفت إلى العباد أريد بها الرجوع عن الزلات إلى الندم عليها، وإذا أضيفت إلى الرب أريد بها رجوع نعمه وآلائه انتهى، جمع نعمة بعين مهملة فعطف آلائه للتفسير وتصحف على من قرأه بالقاف، وتكلف توجيهها بأنها، لما لم يؤاخذ بها كأنها رجعت على المتلبس بمقتضيها.
"وأما رسول الرحمة" الوارد عند ابن عدي من حديث عائشة وغيرها، "ونبي الرحمة" المروي عند أحمد وغيره في حديث حذيفة، وأبي نعيم في حديث أبي موسى، "ونبي المرحمة" بالميم المروي في مسلم، وهي الراحة فيما، قال عياض، أي لأن من رحمة الله تعالى، فقد أراحه من العقاب، وإذا علمه بذلك أراحه من القلق والضجر، "فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ دليل للثلاثة لأنه لما وصف بكونه رحمة وجعل عينها وعمم بهاстр. 1930
وقال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيم﴾ [التوبة: ١٢٨] فبعثه الله تعالى رحمة لأمته، ورحمة للعالمين وروى البيهقي مرفوعا: "إنما أنا رحمة مهداة" فرحم الله به الخلق مؤمنهم وكافرهم، وهذا الاسم من أخص أسمائه.
وقد كان حظ آدم من رحمته سجود الملائكة له تعظيما له إذ كان في صلبه، ونوح: خروجه من السفينة سالما، وإبراهيم: كانت النار عليه بردا وسلاما إذ
الحواشي
(١) العالمين صحت إضافته إلى كل من الرحمة والمرحمة سواء وصف برسول، أو نبي، "وقال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيم﴾ . قدم متعلقة للتخصيص، أو للاهتمام، والتشريف مع رعاية الفاصلة، وقدم الرءوف لأنه الشفقة، والتلطف بالمنعم عليه، "فبعثه الله تعالى رحمة لأمته" مفعول له، أو حال من الله، أو من ضمير النبي بمعنى راحما لهم "ورحمة للعالمين" عام على خاص، أي جعله الله عين الرحمة لإرشاده لهم ولطفه بهم، وحمله لهم على ذلك.
"وروى البيهقي" وشيخه الحاكم، وقال على شرطهما، وأقره الذهبي عن أبي هريرة "مرفوعا" بمعنى، قال ﷺ : "إنما أنا رحمة" أي ذو رحمة أو بالغ في الرحمة حتى كأني عينها لأن الرحمة ما يترتب عليه النفع ونحوه وذاته، كذلك فصفاته التابعة لها كذلك "مهداة" بضم الميم وللطبراني بعثت رحمة مهداة، قال ابن دحية معناه أن الله بعثني رحمة للعباد، لا يريد لها عوضا؛ لأن المهدي إذا كانت هديته عن رحمة، لا يريد لها عوضا، وقال غيره: أي ما أنا إلا رحمة أهداها الله للعالمين، فمن قبلها أفلح ونجا، ومن أبي خاب وخسر، ولا يشكل الحصر بوقوع الغضب منه كثيرا لأنه لم يقصد من بعثته، بل المقصود بالذات الرحمة، والغضب بالتبعية، بل في حكم العدم، فالحصر فيها مبالغة، والمعنى أنه رحمة على كل فرد لأن غضبه الله كانتقامه كقوله ولكم في القصاص حياة، أو أنه رحمة في الجملة، فلا ينافي الغضب في الجملة، "فرحم الله به الخلق مؤمنهم" بالهداية، "وكافرهم" بالأمن من الخسف، والمسخ وعذاب الاستئصال، والمنافقين بالأمن من القتل، وتأخير عذابهم، "وهذا الاسم من أخص أسمائه".
قال أبو بكر بن طاهر زين الله تعالى محمدا ﷺ بزينة الرحمة فكان كونه رحمة، وجميع شمائله رحمة وصفاته رحمة على الخلق، وحياته رحمة وموته رحمة، كما قال ﷺ : "حياتي خير لكم ومماتي خير لكم"، وكما قال ﷺ : "إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطا وسلفا"، "وقد كان حظ آدم من رحمته سجود الملائكة له تعظيما له إذا كان في صلبه" وقبول توبته إذ توسل به "و" حظ "نوح خروجه من السفينة سالما" إذ كان في صلب ابنه سام، "وإبراهيم كانت النار عليه بردا وسلاما؛ إذ كان في صلبه" كما أفاده العباس بقوله:следующие страницы →