← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

كان في أول البدء في عالم الذر أول مجيب، إذ هو أول من قال: بلى، إذ أخذ ربه الميثاق على الذرية الآدمية، فأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم. فهو ﷺ الأول في ذلك كله على الإطلاق. وأما "الآخر" فلأنه آخر الأنبياء في البعث كما في الحديث. وأما "الظاهر" فلأنه ظهر على جميع الظاهرات ظهوره، وظهر على الأديان دينه، فهو الظاهر في وجود الظهور كلها. أما "الباطن" فهو المطلع على بواطن الأمور بواسطة ما يوحيه الله تعالى إليه.

стр. 1892

وأما "الفاتح الخاتم" ففي حديث الإسراء عن أبي هريرة من طريق الربيع بن أنس قول الله تعالى له: "وجعلتك فاتحا وخاتما، وفي حديث أبي هريرة أيضا في الإسراء: قوله ﷺ : "وجعلني فاتحا وخاتما"، فهو الذي فتح الله به باب الهدى بعد أن كان مرتجا، وفتح أمصار الكفر، وفتح به أبواب الجنة، وفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، وفتح به طرق العلم النافع والعمل الصالح والدنيا

стр. 1893

والآخرة، والقلوب والأسماع والأبصار والإبصار. وقد يكون المراد: المبدأ المقدم في الأنبياء، والخاتم لهم، كما قال ﵊: كنت أول النبيين في الخق وآخرهم في البعث. وأما "الرءوف الرحيم" ففي القرءان ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] .

стр. 1894

والرحيم فعيل من الرحمة وقيل رءوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين. وأما "الحق المبين" فقال الله تعالى: ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩] ، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِين﴾ [الحجر: ٨٩] . وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ١٠٨] ، وقال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [الأنعام: ٥] ، قيل المراد: محمد ﵊، وقيل القرآن، ومعناه هنا ضد الباطل، والمتحقق صدقه وأمره،

стр. 1895

والمبين البين أمره ورسالته، أو المبين عن الله ما بعثه به، كما قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] . وأما "المؤمن" فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] ، أي يصدق، وقال ﵊: "أنا أمنة لأصحابي" فهذا بمعنى المؤمن. وأما "المهيمن"

стр. 1896

فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] قال ابن الجوزي -في زاد المنير- إن ابن أبي نجيح روى عن مجاهد ومهيمنا عليه قال: محمد مؤتمن على القرآن، قال: فعلى قوله في الكلام تقدير محذوف، كأنه قال: وجعلناك يا محمد مهيمنا عليه، وسماه العباس بن عبد المطلب في شعره مهيمنا في قوله: حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندق علياء تحتها النطق وروى: ثم اغتدى بيتك المهيمن، قيل أراد: يا أيها المهيمن، قاله القتبي والإمام أبو القاسم القشيري.

стр. 1897

وأما "العزيز" فمعناه: جلالة القدر، أو الذي لا نظير له، أو المعز لغيره، وقد استدل القاضي عياض لهذا الاسم بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨] أي فجائز أن يوصف النبي ﷺ بالعزيز والمعز، لحصول العز به. ولقائل أن يقول: هذا الوصف للمؤمنين أيضا لشمول العطف إياهم، فلا اختصاص للنبي ﷺ ، والغرض اختصاصه، قال اليمني: وعجيب من القاضي عياض كيف خفي عليه مثل هذا. ويجاب: باختصاصه ﵊ برتبة من العز ليست لغيره والله أعلم. وأما "العالم"

стр. 1898

و"العليم" و"المعلم" و"معلم أمته" فقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] ، وقال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١] . وأما "الخبير" فمعناه: المطلع على كنه الشيء، العالم بحقيقته، وقيل: المخبر، فقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] . قال القاضي بكر بن العلاء -فيما ذكره في الشفاء: المأمور بالسؤال غير النبي ﷺ ، والمسئول الخبير هو النبي ﷺ . وقال غيره: بل السائل النبي ﷺ

стр. 1899

والمسئول الله ، فالنبي ﷺ خبير بالوجهين المذكورين، قيل لأنه ﷺ على غاية من العلم بما علمه الله من مكنون علمه، وعظيم معرفته، مخبر لأمته بما أذن له في إعلامهم به. وأما "العظيم" فقال الله تعالى في شأنه. ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾ [القلم: ٤] ووقع في أول سفر من التوراة عن إسماعيل: وسيلد عظيما لأمه عظيمة.

стр. 1900

فهو ﷺ عظيم وعلى خلق عظيم. وأما "الشاكر" و"المشكور" فقد وصف ﷺ نفسه بذلك فقال: "أفلا أكون عبدا شكورا" أي: أترك تهجدي فلا أكون عبدا شكورا؟! والمعنى: أن المغفرة سبب لكون التهجد شكرا، فكيف أتركه؟ وعلى هذا فتكون "الفاء" للسببية، وقال القاضي عياض: شكورا أي: معترفا بنعم ربي، عالما بقدر ذلك مثنيا عليه، مجهدا نفسي في الزيادة من ذلك، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] . وأما "الشكار" فهو أبلغ من شاكر، وفي حديث ابن ماجه أنه ﷺ كان من دعائه: "رب اجعلني لك شكارا".

стр. 1901

وأما "الكريم" و"الأكرم" و"أكرم ولد آدم" فسماه الله به في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [سورة الحاقة: ٤٠] أي محمد ﷺ ، وليس المراد به جبريل ﵇؛ لأنه تعالى لما قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر ولا كاهن، والمشركون لم يكونوا يصفوا جبريل ﵇ بذلك، فتعين أن يكون المراد بالرسول الكريم هنا محمدا ﷺ ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه في مقصد أي التنزيل. وقال ﵊: "أنا أكرم ولد آدم". وأما "الولي" و"المولى".

стр. 1902

فقال ﵊: "أنا ولي كل مؤمن". وأما "الأمين" فقد كان ﵊ يعرف به، وشهر به قبل النبوة وبعدها، وأحق العالمين بهذا الاسم، فهو أمين الله على وحيه ودينه، وهو أمين من في السماء والأرض. وأما "الصادق" و"المصدوق" فقد ورد في الحديث تسميته بهما، ومعناهما غير خفي،.

стр. 1903

وكذلك "الأصدق". وروي أنه ﵊ لما كذبه قومه حزن فقال له جبريل: إنهم يعلمون أنه صادق. وأما "الطيب" و "ماذ ماذ" -بميم ثم ألف ثم ذال معجمة منونة، ثم ميم ثم ألف ثم ذال معجمة- كذا رأيته لبعض العلماء، ونقل العلامة الحجازي في حاشيته على الشفاء عن السهيلي: ضم الميم وإشمام الهمزة ضمة بين الواو والألف ممدود، وقال: نقلت عن رجل أسلم من علماء بني إسرائيل، وقال معناه: طيب طيب،

стр. 1904

ولا ريب أنه ﷺ طيب الطيبين، وحسبك أنه كان يؤخذ من عرفه ليتطيب به، فهو ﷺ طيب الله الذي نفحه في الوجود فتعطرت به الكائنات وسمت، واعتذت به القلوب فطابت، وتنسمت به الأرواح فنمت. وأما "الطاهر" و"المطهر" و"المقدس" أي المطهر من الذنوب، كما قال الله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] أو الذي يتطهر به من الذنوب، ويتنزه بأتباعه عنها، كما قال الله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وقال: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [المائدة: ١٦] أو يكون مقدسا بمعنى مطهرا من الأخلاق الذميمة والأوصاف الدنية. وأما "العفو".

стр. 1905

و"الصفوح" فمعناهما واحد، وقد وصفه الله بهما في القرآن والتوراة والإنجيل، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند البخاري ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح وأمره تعالى بالعفو كما قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وقال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] . وأما "العطوف".

стр. 1906

فهو الشفوق، وسمي به ﵊ لكثرة شفقته على أمته، ورأفته بهم. وأما "النور" فقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ [المائدة: ١٥] قيل: محمد ﷺ وقيل القرآن، فهو نور الله الذي لا يطفأ. وأما "السراج" فسماه تعالى به في قوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] لوضوح أمره، وبيان نبوته، وتنوير قلوب المؤمنين والعارفين بما جاء به، فهو نير في ذاته.

стр. 1907

منير لغيره، فهو السراج الكامل في الإضاءة، ولم يوصف بالوهاج كالشمس؛ لأن المنير الذي ينير من غير إحراق بخلاف الوهاج. وأما "الهادي" فبمعنى الدلالة والدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ [الشورى: ٥٢] وقال تعالى فيه: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] .

стр. 1908

وأما "البرهان" فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤] قيل: محمد ﷺ ، وقيل معجزاته وقيل القرآن. وأما "النقيب" فروي أنه ﷺ لما مات نقيب بني النجار أبو أمامة أسعد بن زرارة وجد عليه ﷺ ولم يجعل عليهم نقيبا بعده، وقال: "أنا نقيبكم" فكانت من مفاخرهم، والنقيب هو شاهد القوم وناظرهم وضمينهم. وأما "الجبار" فسمي به في مزامير داود، في قوله من مزمور أربعة وأربعين. تقلد أيها الجبار سيفك، فإن ناموسك وشرائعك.

стр. 1909

مقرونة بهيبه يمينك؛ لأنه الجبار الذي جبر الخلق بالسيف على الحق، وصرفهم عن الكفر جبرا، قال القاضي عياض: وقد نفي الله عنه في القرآن جبرية التكبر التي لا تليق به فقال: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥] . وأما "الشاهد" و"الشهيد" فسماه الله تعالى بهما في قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] أي على من بعث إليهم بتصديقهم وتكذيبهم، ونجاتهم وضلالهم. وفي قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ، روي أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ أنبيائهم،

стр. 1910

فيطالبهم الله ببينة التبليغ -وهو أعلم بهم- إقامة للحجة على المنكرين، فيؤتي بأمة محمد ﷺ فيشهدون، فتقول الأمم، بم عرفتم؟ فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتي محمد ﷺ فيسأل عن حال أمته، فيشهد بعدالتهم، وهذه الشهادة وإن كانت لهم لكن لما كان الرسول كالرقيب المهيمن على أمته عدي بعلي" وقدمت الصلة للدلالة على اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم. قاله البيضاوي. وأما "الناشر" فسمي بذلك لأنه نشر الإسلام وأظهر شرائع الأحكام. وأما "المزمل" فأصله المتزمل، فأدغمت التاء في الزاي وسمي به، لما روي أنه ﵊ كان يفرق من جبريل ﵇ ويتزمل بالثياب أو ما جاءه،

стр. 1911

وقيل: أتاه وهو في قطيفة، وقال السدي، معناه: يا أيها النائم، وكان متلففا في ثياب نومه، وعن ابن عباس: يعني المتزمل بالقرآن وعن عكرمة بالنبوة. وقيل من الزمل، بمعنى الحمل، ومنه الزاملة، أي: المتحمل بأعباء النبوة، وعلى هذا يكون التزمل مجازا. قال السهيل: ليس "المزمل" باسم من أسمائه يعرف به، وإنما هو مشتق من حالته التي كان التبس بها حالة الخطاب، والعرب إذا قصدت الملاطفة بالمخاطب بترك المعاتبة نادوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها، كقول النبي ﷺ لعلي ﵁ -وقد نام ولصق جنبه بالتراب: "قم أبا

стр. 1912

تراب" إشعارا بأنه ملاطف له، فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] فيه تأنيس وملاطفة. وأما ما روي عن عائشة ﵂، أنها قالت: كان متزملا مرطا طوله أربعة عشرة ذراعا، نصفه علي وأنا نائمة ونصفه عليه، فكذب صراح؛ لأن نزول يا أيها المزمل بمكة في أول مبعثه، ودخوله بعائشة كان بالمدينة. وأما "المدثر" فأصله: المتدثر، فأدغمت التاء في الدال. روي أنه ﵊ قال: "كنت بحراء فنوديت فنظرت عن يميني وشمالي. فلم أر شيئا، فنظرت فوقي فإذا هو على عرش بين السماء والأرض -يعني الملك الذي ناداه- فرعبت

стр. 1913

ورجعت إلى خديجة فقلت: دثروني دثروني، فنزل جبريل وقال: يا أيها المدثر". وعن عكرمة: يا أيها المدثر بالنبوة وأثقالها قد تدثرت هذا الأمر فقم به. وقيل: ناداه بالمزمل والمدثر في أول أمره، فلما شرع خاطبه الله تعالى بالنبوة والرسالة. وأما "طه" فروى النقاش عنه ﵊: "لي في القرآن سبعة أسماء" فذكر.

стр. 1914

منها طه: قيل: هو اسم الله تعالى، وقيل معناه: يا رجل، وقيل: يا إنسان، وقيل: يا طاهر يا هادي يعني النبي ﷺ ، وهو مروي عن الواسطي، وقيل معناه: يا مطمع الشفاعة للأمة، ويا هادي الخلق إلى الملة، وقيل: الطاء في الحساب بتسعة والهاء بخمسة وذلك أربعة عشر فكأنه قال: يا بدر، وهذا من محاسن التأويل، لكن المعتمد أنهما من أسماء الحروف. وأما "يس" فحكى أبو محمد مكي.

стр. 1915

أنه روى عنه ﵊ أنه قال: "لي عند ربي عشرة أسماء" ذكر منها "يس" وقد قيل معناه" يا إنسان بلغة طيء، وقيل بالحبشية، وقيل بالسريانية، وأصله كما قاله البيضاوي، وابن الخطيب وغيرهما: يا أنيسين: فاقتصر على شطره لكثرة النداء به وقيل يس. لكن تعقب بأنه لا يعلم أن العرب قالوا في تصغيره أنيسين، وأن الذي نقل عنهم في تصغيره أنيسيان، بياء بعدها ألف،.

стр. 1916

وبأن التصغير من التحقير الممتنع في حق النبوة لنصهم على أن التصغير لا يدخل في الأسماء العظيمة شرعا، ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في الفصل الرابع من النوع الخامس من أنواع المقصد السادس. وعن ابن الحنفية: معناه يا محمد، وعن أبي العالية: يا رجل، وعن أبي بكر الوراق: يا سيد البشر، وعن جعفر الصادق: يا سيد مخاطبة له ﵊ وفيه من تعظيم على تفسير أنه يا سيد ما فيه.

стр. 1917

وأما "الفجر" فقال ابن عطاء في قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١، ٢] ، الفجر محمد ﷺ ؛ لأن منه تفجر الإيمان. وهو تأويل غريب

стр. 1918

لم ير لغيره، والصواب أنه الفجر المفسر بالصبح في قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّس﴾ [التكوير: ١٨] . وأما "القوي" فقال تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] قيل محمد، وقيل جبريل عليهما الصلاة والسلام، وسيأتي في المقصد الثالث ما في ذلك. وأما ما قاله ابن عطاء في قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] أقسم بقوة قلب حبيبه محمد ﷺ حيث حمل الخطاب والمشاهدة ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله،

стр. 1919

فلا يخفى ما فيه. وأما "النجم" فعن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] أنه محمد ﷺ ﴿إِذَا هَوَى﴾ إذا نزل من السماء ليلة المعراج، وحكى السلمي قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ١-٣] أن النجم هنا محمد صلى الله عليه.

стр. 1920

والصحيح: أن المراد به النجم على ظاهره، وسمي به لأنه يهتدى به في طرق الهدى كما يهتدي بالنجم. وأما "الشمس" فسمي بها ﵊ لكثرة نفعه، وعلو رفعته، وظهور شريعته، وجلالة قدره وعظم منزلته؛ لأنه لا يحاط بكماله، حتى لا يسع الرائي له أن ينظر إليه ملء عينيه إجلالا له، كما أن الشمس في الرتبة أرفع من غالب الكواكب لأنها في السماء السادسة، والانتفاع بها أكثر من غيرها كما لا يخفى، ولا يدركها البصر لكبر جرمها،

стр. 1921

فلما كان سائر الكواكب يستمد من نورها ناسب تسميته ﵊ بها. وأما "النبي" والرسول فمن خصائصه ﷺ أنه خاطبه تعالى بهما من القرآن دون سائر أنبيائه. ثم إن النبوءة بالهمزة مأخوذة من النبأ، وهو الخبر، وقد لا تهمز تسهيلا. أي أن الله أطلعه على غيبه وأعلمه أنه نبيه، فيكون نبيا منبأ، أو يكون مخبرا عما بعثه الله به ومنبأ بما أطلعه الله تعالى عليه. وبغير الهمز يكون مشتقا من النبوة

стр. 1922

وهو ما ارتفع من الأرض، أي أنه لا له رتبة شريفة ومكانة عند الله منيفة. قال الشيخ بدر الدين الزركشي في شرح البردة: وكان نافع يقرأ، النبيء -بالهمزة- في جميع القرآن والاختيار تركه. وهو لغة النبي ﷺ وقد جاء في الحديث أن رجلا قال: يا نبيء الله -يعني بالهمزة- فقال: "لست نبيء الله، ولكني نبي الله"، فأنكر الهمز لأنه لم يكن من لغته ﵊. وقال الجوهري والصغاني: إنما أنكره لأن الأعرابي أراد: يا من خرج من مكة إلى المدينة، يقال: نبأت من أرض إلى أرض، إذا خرجت منها إلى أخرى. وتكلم جماعة.

стр. 1923

من القراء في هذا الحديث: وقد رواه الحاكم في المستدرك عن أبي الأسود عن أبي ذر، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وفيما قاله نظر، فإن فيه الحسين الجعفي، كذا قاله بعضهم وليس من شرطهما، ورواه أبو عبيد: حدثنا أبو محمد بن سعد عن حمزة الزيات عن حمران بن أعين الكوفي أن رجلا.... الحديث، وهذا منقطع، انتهى. والرسول: إنسان بعثه الله إلى الخلق بشريعة مجددة يدعو الناس إليها. واختلف هل هما بمعنى أو بمعنيين؟

стр. 1924

فقال بالأول قوم مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِي﴾ [الحج: ٥٢] فأثبت لهما معا الإرسال. وعلى هذا فلا يكون النبي إلا رسولا، ولا يكون الرسول إلا نبيا. وقال آخرون بالثاني، وأنهما يجتمعان في النبوة التي هي الاطلاع على الغيب والإعلام بخواص النبوة أو الرفعة بمعرفة ذلك وحوز درجتها، وافترقا في زيادة الإرسال. وحجتهم من الآية نفسها التفريق بين الاسمين؛ إذ لو كان شيئا واحدا لما حسن تكرارهما في الكلام البليغ، ويكون المعنى: ما أرسلنا من نبي إلى أمة، أو نبي ليس بمرسل إلى أحد. وذهب آخرون: إلى أن الرسول: من جاء بشرع مبتدأ، ومن لم يأت به نبي غير رسول وإن أمر.

стр. 1925

بالإبلاغ والإنذار. والصحيح: أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا. نعم نوزع في هذا بأنه كلام يطلقه، من لا تحقيق عنده، فإن جبريل ﵇ وغيره من الملائكة المكرمين بالإرسال رسل لا أنبياء. فالانفصال عنه: بأن يقيد الفرق بين الرسول والنبي، بالرسول البشري. ثم إن النبوة والرسالة ليستا ذاتا للنبي، ولا وصف ذات بل تخصيص الله إياه بذلك خلافا للكرامية.

стр. 1926

وقال القرافي، كما نقله عنه ابن مرزوق، يعتقد كثير أن النبوة مجرد الوحي، وهو باطل، لحصوله لمن ليس بنبي كمريم وليست نبية على الصحيح، مع أن الله تعالى يقول: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ الآية [مريم: ١٧] و ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ [آل عمران: ٤٥] . وفي مسلم: بعث الله ملكا لرجل على مدرجته وكان قد خرج في زيارة أخ له في الله، وقال له: إن الله يعلمك أنه يحبك لحبك لأخيك في الله، وليست بنبوة؛ لأنها عند المحققين، إيحاء الله لبعض بحكم إنساني يخص به كقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فهذا تكليف يختص به في الوقت، فهذه نبوة لا رسالة، فلما نزل: ﴿قُمْ فَأَنْذِر﴾ [المدثر: ٢] كانت رسالة لتعلق هذا التكليف بغيره أيضا،.

стр. 1927

فالنبي١ كلف بما يخصه، والرسول بذلك، وتبليغ غيره، فالرسول أخص مطلقا، انتهى. وهل نبينا ﷺ رسول الآن؟ قال أبو الحسن الأشعري: هو ﷺ في حكم الرسالة، وحكم الشيء يقوم مقام أصل الشيء، ألا ترى أن العدة تدل على ما كان من أحكام النكاح، ويأتي لذلك مزيد بيان إن شاء الله تعالى. وأما "المذكر" فقال تعالى:

стр. 1928

﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّر﴾ [الغاشية: ٢١] . وأما "البشير" و"المبشر" و"النذير" و"المنذر" فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] أي مبشرا لأهل طاعته بالثواب، وقيل بالمغفرة، ونذيرا لأهل معصيته بالعذاب، وقيل: محذرا من الضلالات. وأما "المبلغ" فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] . وأما "الحنيف".

стр. 1929

فقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠] . وأما "نبي التوبة" فإن الأمم رجعت بهدايته ﵊ بعدما تفرقت بها الطرق إلى الصراط المستقيم. وأما "رسول الرحمة" و"نبي الرحمة" و"نبي الرحمة" فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ [الأنبياء: ١٧] .

стр. 1930

وقال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيم﴾ [التوبة: ١٢٨] فبعثه الله تعالى رحمة لأمته، ورحمة للعالمين وروى البيهقي مرفوعا: "إنما أنا رحمة مهداة" فرحم الله به الخلق مؤمنهم وكافرهم، وهذا الاسم من أخص أسمائه. وقد كان حظ آدم من رحمته سجود الملائكة له تعظيما له إذ كان في صلبه، ونوح: خروجه من السفينة سالما، وإبراهيم: كانت النار عليه بردا وسلاما إذ
следующие страницы →