Полный текст (5 943 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
قال: وكان ﷺ أبا الرجال والنساء. ويجوز أن يقال أبو المؤمنين في الحرمة.
وفضلت زوجاته ﵊ على النساء، وثوابهن وعقابهن مضاعفان، ولا يحل سؤالهن إلا من وراء حجاب وأفضلهن خديجة وعائشة، وفي
الحواشي
(١) لقرينة، كالخطاب وغيره من الأحكام التي قامت القرائن على أنها ليست خاصة بالرجال، وفي فتح الباري وإنما قيل للواحدة منهن أم المؤمنين للتغليب، ولا مانع من أن يقال لها أم المؤمنات على الراجح انتهى.
قال المصنف: وحاصله أن النساء يدخلن في جميع المذكر السالم تغليبا، لكن صح عن عائشة أنها قالت أنا أم رجالكم لا أم نسائكم.
قال ابن كثير: وهذا أصح الوجهين انتهى، فعلم من هذا إنهما قولان مرجحان.
"قال" البغوي: "وكان ﷺ أبا الرجال والنساء" أي كالأب في الشفقة عليهم واحترامهم له، فلا ينافي قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ، كما بين ذلك بقوله: "ويجوز أن يقال أبو المؤمنين في الحرمة" وفي حرف أبي، وهو أب لهم، وخص المؤمنين بالذكر لئلا يرد أنه كالأب للنساء، لجواز نكاحه منهن، ولو قال أبا للرجال والنساء في الاحترام والتعظيم كان أوضح، "وفضلت زوجاته ﵊ على" سائر "النساء".
قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ الآية، وهذه عبارة الروضة وعبارة القاضي حسين نساؤه أفضل نساء العالمين، وعبارة المتولي خير نساء هذه الأمة وعبارة الروضة تحتملهما، ويلزم من كونهن خير نساء هذه الأمة أن يكن خير نساء الأمم؛ لأن هذه الأمة خير الأمم، والتفضيل على الأفضل تفضيل على من هو دونه إلا أنه لا يلزم من تفضيل الجملة على الجملة تفضيل كل فرد على كل فرد، وقد قيل بنبوة مريم وآسية وأم موسى، فإن ثبت خصت من العموم.
ذكره التقي السبكي في الحلبيات زاد غيره وحواء وهاجر، "وثوابهن وعقابهن مضاعفان" كما أنزل الله في القرآن، أي مثلي ثواب غيرهن من النساء ومثلي عذابه، كما جزم به البغوي وغيره، وهو ظاهر اللفظ وعمومه شامل لجميع الطاعات والمعاصي، فثوابهن على نحو الصلاة مضاعف بالنسبة لغيرهن، وعقابهن على المعاصي، وإن قلت كذلك خلافا لا يوهمه البيضاوي، "ولا يحل سؤالهن إلا من وراء حجاب،" أي ستر.
قال عياض فلا يجوز إظهار شخوصهن وإن كن مستترات، إلا ما دعت إليه ضرورة من براز، ورده الحافظ بأنهن كن بعده ﷺ يحججن ويطفن، وسمع الصحابة ومن بعدهم الحديث: منهن مستترات الأبدان لا الأشخاص انتهى.
ويمكن أن ذلك من جملة الضرورة، وأن قوله من براز أي مثلا فلا يرد عليه ذلك،стр. 1997
أفضلهما خلاف يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى قريبا.
واختلف في عدة أزواجه ﵊ وترتيبهن، وعدة من مات منهن قبله، ومن مات عنهن ومن دخل بها ومن لم يدخل بها، ومن خطبها ولم ينكحها، ومن عرضت نفسها عليه.
والمتفق عليه: أنهن إحدى عشرة امرأة، ستة من قريش:
خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزي بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.
وعائشة بنت أبي بكر بن أبي قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة بن كعب بن لؤي.
وحفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن عبد الله بن قرط.
الحواشي
(١) "وأفضلهن خديجة وعائشة، وفي أفضلهما خلاف يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى قريبا" والصواب كما قال السيوطي القطع بتفضيل فاطمة عليها، وصححه السبكي وقال: وأما بقية الأزواج فلا يبلغن هذه الرتبة وإن كن خير نساء الأمة بعد هؤلاء الثلاث، وهن متقاربان في الفضل لا يعلم حقيقة ذلك إلا الله، لكنا نعلم لحفصة بنت عمر من الفضائل كثيرا فما أشبه أن تكون هي بعد عائشة.
"واختلف في عدة أزواجه ﵊ وترتيبهن" أي ترتيب تزويجهن "وعدة من مات منهن قبله، ومن مات عليهن، ومن دخل بها، ومن لم يدخل بها، ومن خطبها ولم ينكحها، ومن عرضت نفسها عليه" هذه ترجمة سيفصلها بعد ذلك "والمتفق عليه أنهن إحدى عشرة" قال الشامي لم يختلف فيهن اثنان "ستة من قريش خديجة بنت خويلد" بضم الخاء المعجمة، وفتح الواو، وسكون التحتية، وكسر اللام، وبالدال المهملة "ابن أسد بن عبد العزي بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي"، فتجتمع معه ﷺ في جده قصي.
"وعائشة بنت أبي بكر بن أبي قحافة" عبد الله بن عثمان "بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم"، بفوقية مفتوحة، فتحتية "ابن مرة بن كعب بن لؤي"، فاجتمعت معه في جده مرة.
"وحفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل" بضم النون "ابن عبد العزيز بن رباح" بكسر الراء، وفتح التحتية، فألف، فحاء مهملة، قال العسكري: ولا يعرف في العرب في الجاهلية رباح بموحدة "ابن عبد الله بن قرط" بضم القاف وفتح الراء، وبالطاء المهملتين، كما في الجامع وغيره، ويقع في بعض النسخ تأخير رباح عنه وهو غلط، فالذي عليه أهل النسب وهو الذي في الفتح، وشرحстр. 1998
بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي.
وأم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.
وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي.
وسودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدودبن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي.
وأربع عربيات:
زينب بنت جحش
الحواشي
(١) المصنف والشامي وغيرهم، أن رباحا والد عبد العزي وأن أباه عبد الله بن قرط "بن رزاح" بفتح الراء والزاي، فألف، فمهملة "ابن عدي" بالدال المهملة "ابن كعب بن لؤي" فاجتمعت معه في كعب وعدد ما بينهما من الآباء متفاوت، فبينة ﷺ وبين كعب سبعة آباء، وبين حفصة وبينه تسعة.
"وأم حبيبة بنت أبي سفيان" صخر "بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي" فاجتمعت معه في عبد مناف.
"وأم سلمة بنت أبي أمية" واسمه حذيفة أو زهير أو سهل ويعرف بزاد الراكب، كان إذا سافر لم يحمل أحد من رفقته، زاد بل يكفيهم، وهو أحد أجود العرب المشهورين بالكرم، "ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم" بفتح الميم، وسكون المعجمة، وبالزاي "ابن يقظة" بفتح التحتية والقاف والظاء المعجمة، "ابن مرة بن كعب بن لؤي" فاجتمعت معه في مرة.
"وسودة بنت زمعة،" بفتح الزاي، وسكون الميم، وتفتح على ما في القاموس، وبه يرد قول المصباح لم أظفر بسكونها في كلام لغوي، "ابن قيس" بفتح القاف، وسكون التحتية، "ابن عبد شمس بن عبدود" بفتح الواو وشد الدال، كذا اقتصر عليه الشامي لأنه الأكثر كما في القاموس، وإلا ففيه بضم الواو أيضا، وبهما قرئ "ابن نصر بن مالك بن حسل" بكسر الحاء، وسكون السين المهملتين، وباللام "ابن عامر بن لؤي" بن غالب، فاجتمعت معه في لؤي "وأربع عربيات" من غير قريش من خلفاء قريش، كما في الشامي، فأراد بعربيات المغايرات للقرشيات، وإلا فمعلوم أن قريشا صميم العرب.
"زينب بنت جحش" قال في الروض: كان اسمه بره بضم الباء، أي وشد الراء، فقالت زينب يا رسول الله لو غيرت اسم أبي فإن البرة صغيرة، فقال ﷺ : "لو كان أبوه مسلما لسميتهстр. 1999
بن رباب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة.
وميمونة بنت الحارث الهلالية.
وزينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين.
وجويرية بنت الحارث الخزاعية المصطلقية.
وواحدة غير عربية من بني إسرائيل وهى صفية بنت حيي من بني النضير.
فمات عنده ﷺ منهن اثنتان: خديجة
الحواشي
(١) باسم من أسمائنا أهل البيت، ولكني قد سميته جحشا، والجحش أكبر من البرة" رواه الدارقطني في كتاب المؤلف والمختلف انتهى.
"ابن رياب" بكسر الراء وخفة التحتية وتبدل همزة فألف فموحدة.
"ابن يعمر" بفتح الصاد المهملة، وكسر الموحدة.
"ابن مرة بن كبير" ضد صغير "ابن غنم" بفتح الغين المعجمة وسكون النون.
"ابن دودان" بضم الدال المهملة، وسكون الواو، فدال أخرى، فألف فنون.
"ابن أسد بن خزيمة" بن مدركة بن إلياس بن مضر، فاجتمعت معه في جده الأعلى خزيمة، فهي عربية وتلتقي معه فيما فوق قريش.
"وميمونة بنت الحارث" بن حزن بن بجير بموحدة وجيم وتحتية مصغر ابن هزم بضم الهاء، وفتح الزاي ابن رؤبة، بضم الراء بعدها همزة مفتوحة تبدل واوا ابن عبد الله بن هلال بن عامر "الهلالية" نسبة إلى جدها الأعلى هلال المذكور، فهي قريبة ميمونة وعامر هو ابن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بفتح المعجمة والمهملة والفاء ابن قيس عيلان بفتح المهملة وسكون التحتية "أم المساكين".
"وجويرية بنت الحارث" بن أبي ضرار بن حبيب بن أبي عائذ بهمزة فذال معجمة بن مالك بن جذيمة بفتح الجيم وكسر المعجمة، وهو المصطلق بن سعد بن كعب بن عمرو، وهو خزاعة "الخزاعية نسبة إلى جدها هذا "المصطلقية" بضم الميم، وسكون الصاد، وفتح الطاء المهملتين، وكسر اللام، وبالقاف إلى جدها المذكور.
"وواحدة غير عربية من بني إسرائيل" يعقوب، فهي من بنات عمه إسحاق بن إبراهيم ﷺ ، "وهي صفة بنت حيي" بن أخطب "من بني النضير، فمات عنده ﷺ منهن اثنتان خديجةстр. 2000
وزينب أم المساكين، ومات ﷺ عن تسع، ذكر أسماؤهن الحافظ أبو الحسن بن الفضل المقدسي نظما فقال:
توفي رسول الله عن تسع نسوة ... إليهن تعزى المكرمات وتنسب
فعائشة ميمونة وصفية ... وحفصة تتلوهن هند وزينب
جويرية مع رملة ثم سودة ... ثلاث وست ذكرهن مهذب
ولا خلاف في أن أول امرأة تزوج بها منهن خديجة بنت خويلد، وأنه ﷺ لم يتزوج عليها حتى ماتت.
وهذا حين الشروع في ذكرهن على الترتيب:
الحواشي
(١) وزينب أم المساكين" احترازا عن زينب بنت جحش، "ومات ﷺ عن تسع ذكر أسماءهن الحافظ أبو الحسن" علي "بن الفضل" بن علي العلامة شرف الدين بن العاصي أبا المكارم "المقدسي" ثم السكندري المالكي ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وسمع السلفي فأكثر عنه وانقطع إليه، وتخرج به وكان من أئمة المذهب العارفين به، وحفاظ الحديث مع ورع ودين وأخلاق رضية ومشاركة في الفضائل.
أخذ عنه المنذري وخلائق، وله تصانيف مفيدة، مات بالقاهرة، في مستهل شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة "نظما، فقال:
"توفي رسول الله عن تسع نسوة ... إليهن تعزى المكرمات وتنسب"
"عطف تفسير لتعزى":
"فعائشة ميمونة وصفية ... وحفصة تتلوهن هند وزينب"
هند هي أم سلمة، وهو أحد قولين والثاني رملة كما يأتي:
"جويرية مع رملة ثم سودة ... ثلاث وست ذكرهن مهذب"
رملة هي أم حبيبة على أصح قولين والآخر هند كما يأتي، "ولا خلاف في أن أول امرأة تزوج بها منهن خديجة بنت خويلد وأنه" كما رواه مسلم من طريق الزهري، عن عروة عن عائشة قالت: أنه " ﷺ لم يتزوج عليها" واستمر ذلك "حتى ماتت" بمكة ﵂ "وهذا حين،" أي أوان "الشروع في ذكرهن على الترتيب" في تزوجه بهن لا باعتبار الفضل لأنه قدم سودة على عائشة وهي أفضل منها بلا خلاف. وجرى المصنف في ترتيبهن على ما رواه يونس عن الزهري أنه ﷺ تزوج بعد خديجة سودة، ثم عائشة، ثم حفصة، ثم أم سلمة، ثم أم حبيبة، ثم زينب بنت جحش، ثم أم المساكين، ثم ميمونة، ثم جويرية، ثم صفية، وفي رواية عقيل عنه خديجة، ثم سودة، ثم عائشة، ثم أم حبيبة ثم حفصة، ثم أم سلمة، ثم ابنة جحش، ثم جويرية ثم ميمونة، ثم صفية، ثم أم المساكين، وقيل في ترتيبهن غير ذلك.
أخرج ابن أبي خيثمة عن هند بن أبي هالة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله أبى لي أن أزوج أو أتزوج إلا أهل الجنة" وأخرج عبد الملك بن محمد النيسابوري عن أبي سعيد الخدري قال: قال ﷺ : "ما تزوجت شيئا من نسائي ولا زوجت شيئا من بناتي إلا بوحي جاءني به جبريل عن ربي ".стр. 2001
" خديجة أم المؤمنين ":
فأما أم المؤمنين خديجة ﵂ وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم فكانت تدعى في الجاهلية "الطاهرة" وكانت تحت أبي هالة النباش بن زرارة، فولدت له هندا
الحواشي
(١) خديجة أم المؤمنين:
"فأما أم المؤمنين خديجة ﵂" أول خلق الله تعالى أسلم بإجماع المسلمين، لم يتقدمها رجل ولا امرأة.
قاله الحافظ أبو الحسن عز الدين بن الأثير، وأقره الإمام الذهبي، وسبقهما لحكاية الإجماع الثعلبي، وابن عبد البر، فسنت أحسن السنن، فلها أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، "وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم" لقب لجندب بن حجر بن بغيض بن عامر بن لؤي، وفي نسخة بنت زائدة، بنت أبن الأصم، وهي وصف ثان لفاطمة لا لزائدة لئلا يوهم أن زائدة اسم لأمها مع أنه أبو هالة وأمها هالة بنت عبد مناف بن الحارث بن منقذ بن بغيض بن عامر بن لؤي، وأم هالة قلابة بنت سعيد من بني كعب بن لؤي فكيفما دار نسبها دار في قريش، "فكانت تدعى" توصف أو تنادى "في الجاهلية الطاهرة" لتركها ما كانت تفعله نساء الجاهلية، "وكان تحت أبي هالة" واسمه فيما جزم به أبو عبيد، وقدمه مغلطاي "النباش"، بفتح النون، فموحدة ثقيلة، فألف فشين معجمة، وقيل مالك.
حكاه الزبير بن بكار والدارقطني وصدر به في الفتح، وقيل زرارة حكاه ابن منده والسهيلي، وقيل هند جزم به العسكري، وتبعه اليعمري "ابن زرارة" بن النباش بن عدي التميمي بميمين من بني تميم "فولدت له هندا" الصحابي، راوي حديث الصفة النبوية، البدري الفصيح البليغ الوصاف، وله ولد اسمه أيضا هند، فعلى قول العسكري أن اسم أبي هالة هند يكون ممنстр. 2002
وهالة وهما ذكران.
ثم تزوجها عتيق ابن عابد المخزومي، فولدت له جارية اسمها هند، وبعضهم يقدم عتيقا على أبي هالة.
ثم تزوجها رسول الله ﷺ ، ولها يومئذ أربعون سنة وبعض أخرى، وكان سنه ﵊ إحدى وعشرين سنة، وقيل خمسا وعشرين، وعليه الأكثر، وقيل ثلاثين.
وكانت قد عرضت نفسها عليه،
الحواشي
(١) اشترك مع أبيه وجده في الاسم، "وهالة" التميمي قال أبو عمر له صحبة.
وروى المستغفري عن عائشة قدم ابن لخديجة يقال له هالة والنبي ﷺ فسمعه فقال: هالة هالة هالة، وروى الطبراني عن هالة بن أبي هالة أنه دخل على النبي ﷺ ، وهو راقد، فاستيقظ، فضم هالة إلى صدره، وقال هالة ثلاثة، "وهما ذكران" خلافا لمن وهم، فزعم هالة أنثى وإن مشى عليه الشامي هنا، ويرده قول عائشة ابن لخديجة، ومن ثم أورده في الإصابة في الرجال لا في النساء "ثم" بعد موت أبي هالة في الجاهلية "تزوجها عتيق بن عابد" بالموحدة والدال المهملة ابن عبد البر بن عمر بن مخزوم "المخزومي" القرشي، "فولدت له جارية اسمها هند" أسلمت وصحبت ولم ترو شيئا، قاله الدارقطني.
وقال الزهري: وهي أم محمد بن صيفي المخزومي، وهو ابن عمها.
قال ابن سعد: ويقال لولد محمد بنو الطاهرة لمكان خديجة، وقال بعضهم ولدت لعتيق عبد الله، وقيل عبد مناف وهندا، ثم كونه بعد أبي هالة هو قول الأكثر، وصححه ابن عبد البر، "وبعضهم يقدم عتيقا"، في تزويج خديجة "على أبي هالة" وهو قتادة وابن شهاب وابن إسحاق في رواية يونس قالوا: تزوجها وهي بكر عتيق، ثم هلك عنها، فتزوجها أبو هالة واقتصر عليه في معيون والفتح وحكى القولين في الإصابة "ثم" بعد موتهما معا عنها "تزوجها رسول الله ﷺ ، ولها يومئذ أربعون سنة" كما رواه ابن سعيد، واقتصر عليه اليعمري، وقدمه مغلطاي والبرهان وصحح، وقيل خمس وأربعون، وقيل ثلاثون وقيل ثمانية وعشرون.
حكاها مغلطاي وغيره: أما قوله "وبعض أخرى" فينظر قائله وبها قدر البعض، "وكان سنه ﵊ إحدى وعشرين سنة" في قول الزهري، "وقيل خمسا وعشرين" سنة "وعليه الأكثر" من العلماء، "وقيل ثلاثين" حكاه ابن عبد البر، وقيل غير ذلك، "وكانت قد عرضت نفسها عليه" بلا واسطة، كما عند ابن إسحاق أو بواسطة نفيسة بنت منية، كما رواهстр. 2003
فذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه منهم حمزة،
الحواشي
(١) الواقدي عنها، وقد قدمت ذلك ولا تنافي فإنها أرسلت له نفيسة أولا، فلما حضر كلمته بنفسها، وسبب العرض ما حدثها به غلامها ميسرة حين سافر معه في تجارتها وما رأته هي أيضا فيه من الآيات، وما رواه المدائني، عن ابن عباس أن نساء مكة اجتمعن في عيد لهن، فجاء رجل، فنادى بأعلى صوته أنه سيكون في بلدكن نبي يقال له أحمد، فمن استطاعت منكن أن تكون زوجا له فلتفعل فحصبنه إلا خديجة فأعرضت عن قوله ولم تعرض عنه "فذكر ذلك لأعمامه" فيه أن الله جبله على الاستشارة من قبل النبوة، "فخرج معه منهم حمزة"، كما عند ابن إسحاق، ونقل السهيلي عن المبرد أن أبا طالب هو الذي نهض معه، وهو الذي خطب، وجمع بأنهما خرجا معا، والخاطب أبو طالب؛ لأنه أسن من حمزة.
وروى أحمد والطبراني برجال الصحيح عن ابن عباس والبزار والطبراني برجال ثقات عن جابر بن سمرة أو رجل من الصحابة والطبراني بسند ضعيف عن عمران، وهو والبزار بسند ضعيف عن عمار دخل حديث بعضهم في بعض أنه ﷺ كان يرعى وهو شريك له إبلا لأخت خديجة مدة، فلما انقضت جعل شريكه يأتي يتقاضاها ما بقي لهما عليها فقالت له مرة أين محمد، قال قلت له فزعم أنه يستحيي، فقالت: ما رأيت رجلا أشد حياء منه، لا أعف، ولا ولا فوقع في نفس خديجة، فبعثت إليه، فقالت: ائت أبي فاخطبني، قال: "إن أباك رجل كثير المال وهو لا يفعل".
وفي حديث عمار مررت معه ﷺ على أخت خديجة، فنادتني فانصرفت إليها ووقف ﵇، فقالت: أما لصاحبك في تزويج خديجة حاجة فأخبرته فقال: "بلى لعمري"، فرجعت إليها، فأخبرتها انتهى، فقالت له ﷺ : كلم أبي وأنا أكفيك، وائت عند سكره، فأتاه ﷺ ، فكلمه، وكان أبوها يرغب أن يزوجه، فذبحت خديجة بقرة، وصنعت طعاما وشرابا، ودعت أباها ونفرا من قريش فطعموا وشربوا حتى ثملوا، فقالت: إن محمد بن عبد الله يخطبني، فزوجني إياه، ففعل فخلفته وألبسته حلة وضربت عليه قبة، وكذا كانوا يفعلون بالآباء، فلما سرى عنه سكره نظر ذلك، فقال ما شأني ما هذا، قالت: زوجتني محمد بن عبد الله، فلما أصبح قيل له أحسنت زوجت محمدا، قال أو قد فعلت؟ قالوا: نعم فدخل عليها، فقال: إن الناس يقولون إني زوجت محمدا وما فعلت، قالت: بلى، قال: أنا أزوج يتيم أبي طالب لا لعمري، قالت: ألا تستحيي تريد أن تسفه نفسك عند قريش، تخبر الناس أنك كنت سكران، فإن محمدا كذا وكذا، فلم تزل به حتى رضي، ثم بعثت إليه ﷺ بوقيتين فضة أو ذهب، وقالت اشتر حلة واهدها لي وكساء، وكذا وكذا، ففعل، ولا تعارض بين هذه الأسباب لعرضها نفسها عليه، فإنстр. 2004
حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها ﷺ وأصدقها عشرين بكرة. وزاد ابن إسحاق من طريق آخر: وحضر أبو طالب ورؤساء مضر: فخطب أبو طالب وقد قدمت خطبته في المقصد الأول عند ذكر تزويجها له ﷺ . وذكر الدولابي وغيره أن النبي ﷺ أصدق خديجة اثنتي عشرة أوقية ذهبا.
وكانت خديجة -كما قدمته- أول من آمن من الناس،
الحواشي
(١) من جملة أسبابة وصف أختها له، وهي تسمع بشدة الحياء والعفة وغيرهما، فأرسلت له أولا نفيسة لتعلم أله فيها رغبة، فلما علمت ذلك كلمته بنفسها، فكأنه أبطأ عليها بعض أيام، فذكرته لأختها فمر عليها مع عمار، فقالت لعمار ذلك، فوافق ﷺ على ذلك، وكلم أعمامه، فذهب معه اثنان "حتى دخل عليه" أبيها "خويلد بن أسد، فخطبها إليه" أي من خويلد لنفسه ﷺ ، "فتزوجها ﷺ " بعدما تحيلت على أبيها بما ذكر؛ لأنه كان يرغب عن أن يزوجه والله هداها ووفقها، وكون أبيها هو الذي زوجها هو ما جزم به ابن إسحاق أولا، ثم صدر به هنا وهو ظاهر أحاديث المذكورين، وقيل أخوها عمرو بن خويلد، وقيل مها عمرو بن أسد، ورجحه الواقدي وغلط من قال بخلافه؛ لأن أباها مات قبل ذلك.
قال السهيلي وهو الأصح وبالغ المؤملي، فحكى عليه الاتفاق "وأصدقها عشرين بكرة" كما قاله المحب الطبري قائلا ولا تخالف بينه وبين ما يقال أصدقها عنه أبو طالب، لجواز أنه ﷺ زاد في صداقها فكان الكل صداقا.
"وزاد ابن إسحاق من طريق آخر، وحضر أبو طالب ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب، وقد قدمت خطبته في المقصد الأول عند ذكر تزويجها له" مصدر مضاف لمفعوله، أي تزويج أبيها له " ﷺ " فسقط زعم أن الصواب تزوجها، نعم هو أولى فقط ويكون مضافا لفاعله، "وذكر الدولابي وغيره أن النبي ﷺ أصدق خديجة اثنتي عشرة أوقية ذهبا" ونشا، كما هو بقية كلام من نقل عنه، كما أسلفه في المقصد الأول، وقال: إن النش نصف أوقية، وكل أوقية أربعون درهما انتهى، وهو بفتح النون والشين المعجمة، وفي مسلم عن عائشة كان صداق رسول الله ﷺ لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ذهبا ونشا، أتدري ما النش؟ قلت لا، قالت: نصف أوقية، فذلك خمسمائة درهم، فذلك صداقه لأزواجه، وهذا لصحته أولى ما ذكره ابن إسحاق أن صداقه لأكثر أزواجه أربعمائة درهم، ولزيادته فإن من ذكر الزيادة معه زيادة علم، فلعل ما وقع لبعضهم أنه أصدق خديجة أربعمائة دينار أصله درهم، ويكون بناء على كلام ابن إسحاق.
"وكانت خديجة، كما قدمته أول من آمن من الناس" على الإطلاق، كما حكى عليه الثعلبي وابن عبد البر وابن الأثير الاتفاق، وإنما الخلاف في أول من آمن بعدها، وتقدم الجمع ثمة.стр. 2005
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: "أن جبريل قال للنبي ﷺ : يا محمد، هذه خديجة قد أتتك بإناء فيه طعام -أو إدام أو شراب- فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني،
الحواشي
(١) قال في الإصابة: وأصرح ما وقفت عليه في سبقها إلى الإسلام ما رواه أبو نعيم في الدلائل بسند ضعيف عن عائشة كان ﷺ جالسا مع خديجة إذ رأى شخصا بين السماء والأرض فقالت له خديجة: ادن فدنا منها، فقالت: تراه قال: "نعم"، قالت: أدخل رأسك تحت درعي ففعل فقالت: تراه قال: "لا"، قالت: أبشر هذا ملك لو كان شيطانا لما استحي ثم رآه بأجياد فنزل إليه وبسط له بساطا، وبحث في الأرض، فنبع الماء، فعلمه جبريل كيف يتوضأ فتوضأ، وصلى ركعتين نحو الكعبة، وبشره بنبوته، وعلمه اقرأ باسم ربك ثم انصرف فلم يمر على شجر ولا حجر إلا قال: سلام عليك يا رسول الله، فجاء إلى خديجة فأخبرها، فقالت: أرني كيف أراك فأراها، فتوضأت كما توضأ ثم صلت معه، وقالت: أشهد أنك رسول الله انتهى.
"وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن جبريل قال للنبي ﷺ " لفظ الرواية، وفي الصحيحين أتى جبريل النبي ﷺ ، زاد الطبراني بحراء "يا محمد " لفظ البخاري في باب تزويجها وفضلها، فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك هو لفظ مسلم.
قال الحافظ: أي توجهت إليك، وقوله ثانيا، فإذا هي أتتك، أي وصلت إليك، ولفظ البخاري قد أتت بلا كاف "بإناء فيه طعام" أو" قال "إدام" بكسر الهمزة "أو" قال "شراب" كذا رواية الصحيحين بالشك من الراوي ثلاثا وللإسماعيلي فيه إدام أو طعام وشراب بالشك مرتين.
وفي رواية الطبراني أنه كان حيسا، "فإذا هي أتتك" أي وصلت إليك، "فاقرأ" بهمزة وصل وفتح الراء "﵍ من ربها" إضافة تشريف لها "ومني".
قال المصنف، وهذه لعمر الله خاصة لم تكن لسواها، وسبقه إلى هذا ابن القيم في الهدى، فقال: وهذه فضيلة لا تعرف لامرأة سواها انتهى.
زاد الطبراني، فقالت: هو السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام، وللنسائي عن أنس قال: قال جبريل للنبي ﷺ : إن الله يقرئ خديجة السلام يعني فأخبرها، فقالت: إن الله هو السلام وعلى جبريل السلام وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، زاد ابن السني وعلى من سمع السلام إلا الشيطان.
قال في فتح الباري: قال العلماء في هذه القصة دليل على وفور فقهها لأنها لم تقل وعليه السلام كما وقع لبعض الصحابة حيث كانوا يقولون في التشهد السلام على الله، فنهاهم ﷺ وقال: "إن الله هو السلام، فقولوا التحيات لله"، فعرفت خديجة لصحة فهمها أن الله لاстр. 2006
وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب" والقصب: اللؤلؤ المجوف.
الحواشي
(١) يرد ﵇، كما يرد على المخلوقين لأن السلام من أسمائه، وهو أيضا دعاء بالسلامة، وكلاهما لا يصلح أن يرد به على الله، فكأنها قالت: كيف أقول ﵇، والسلام اسمه، ومنه يطلب، ومنه يحصل فيستفاد منه أنه لا يليق بالله إلا الثناء عليه، فجعلت مكان رد السلام عليه الثناء عليه، ثم غايرت بين ما يليق بالله وما يليق بغيره فقالت: وعلى جبريل السلام ثم قالت: وعليك السلام، ويستفاد منه رد السلام على من أرسله وعلى من بلغه، والذي يظهر أن جبريل كان حاضرا عند جوابها فردت عليه وعلى النبي مرتين مرة بالتخصيص ومرة بالتعميم، ثم أخرجت الشيطان ممن سمع؛ لأنه لا يستحق الدعاء بذلك، وإنما بلغها جبريل بواسطة المصطفى، ولم يواجهها بالخطاب، كمريم قيل أنها نبية، وقيل لأنها لم يكن معها زوج محترم، فخاطبها.
"وبشرها ببيت في الجنة من قصب" بفتح القاف والصاد المهملة وبالموحدة "لا صخب فيه" بفتح المهملة والمعجمة بعدها موحدة الصياح والمنازعة برفع الصوت "ولا نصب" بفتح النون والمهملة فموحدة التعب فبشرها ﷺ لأنه لا يتخلف عن امتثال ما أمر به.
وقد روى أحمد والطبراني وأبو يعلى برجال ثقات وابن حبان عن عبد الله بن جعفر رفعه أمرت أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
وروى الشيخان عن عائشة أنه ﷺ بشر خديجة ببيت في الجنة الحديث.
وروى الطبراني برجال الصحيح عن جابر سئل ﷺ عن خديجة، فقال: أبصرتها على نهر من أنهار الجنة في بيت قصب لا لغو فيه ولا نصب.
قال السهيلي: مناسبة نفي هاتين الصفتين أعنى المنازعة والتعب أنه ﷺ لما دعا إلى الإيمان أجابت خديجة وعا فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب في ذلك، بل أزالت عنه كل نصب، وآنسته من كل وحشة، وهونت عليه كل عسير، فناسب أن يكون منزلها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها، "والقصب اللؤلؤ المجوف" كما ورد مفسرا في كبير الطبراني، من حديث أبي هريرة، ولفظه بيت من لؤلؤة مجوفة، وأصله في مسلم وعنده في الأوسط، عن فاطمة قلت: يا رسول الله أين أمي خديجة؟ قال: "في بيت من قصب"، قلت: أمن هذا القصب؟ قال: "لا من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت".
قال السهيلي: النكتة في قوله من قصب ولم يقل من لؤلؤ إن في لفظ القصب مناسبة لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها، وكذا وقعت في هذه المناسبة فيстр. 2007
قال ابن إسحاق: كان ﷺ لا يسمع شيئا يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بخديجة إذا رجع إليها تثبته وتخفف عنه، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس حتى ماتت ﵂.
وعن عبد الرحمن بن زيد قال: قال آدم ﵇: إني لسيد البشر يوم القيامة،
الحواشي
(١) جميع ألفاظ هذا الحديث انتهى.
قال الحافظ: وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها إذ كانت حريصة على رضاه بكل ممكن ولم تغضبه قط كما وقع لغيرها.
والمراد بالبيت، كما قال أبو بكر الإسكاف في فؤائد الأخبار بيت زائد على ما أعد الله لها من ثواب عملها، ولذا قال لا نصب، أي لم تتعب بسببه، وقال السهيلي: لذكر البيت معنى لطيف لأنها كانت ربة بيت في الإسلام منفردة به، فلم يكن على وجه الأرض في أول يوم بعث ﷺ ببيت إسلام إلا بيتها، وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضا غيرها، قال: وجزاء الفعل يذكر غالبا بلفظه وإن كان غيره أشرف منه، فلهذا جاء الحديث بلفظ بيت دون قصر انتهى.
قال الحافظ وفيه معنى آخر لأن مرجع أهل بيت النبي ﷺ إليها لما ثبت في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] .
قالت أم سلمة: لما نزلت دعا النبي ﷺ فاطمة وعليا والحسن والحسين، فجللهم بكساء فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي الحديث أخرجه الترمذي وغيره، ويرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة؛ لأن الحسنين من فاطمة وفاطمة بنتها، وعلى نشأ في بيتها وهو صغير، ثم تزوج بنتها بعدها، فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها انتهى
"قال ابن إسحاق" في إسلام خديجة فآمنت بما جاء به من الله ووازرته على أمره فكانت أول من آمن بالله ورسوله، فخفف الله بذلك عن رسوله، "فكان ﷺ لا يسمع شيئا يكرهه من رد عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بخديجة، إذا رجع" إليها "تثبته وتخفف عنه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس"، تسهل عليه أذاهم، كأن تقول هم وإن قالوا فيك ما لا يليق، فهم يعلمون أنك بريء منه، وإنما قالوه حسدا، واستمر ذلك "حتى ماتت ﵂،" ومر حديث الصحيح في تقويتها له لتلقي ما نزل عليه، وذكرها خصاله الحميدة وذهابها به إلى ورقة. "وعن عبد الرحمن بن زيد" بن أسلم العدوي، مولاهم المدني "قال: قال آدم ﵇ إني لسيد البشر يوم القيامة" من حيث الأبوة أو السيادة، لا تقتضي الأفضلية، فقد قالстр. 2008
إلا رجلا من ذريتي نبيا من الأنبياء، يقال له أحمد، فضل على باثنتين، زوجته عاونته فكانت له عونا، وكانت زوجتي على عونا، وأعانه الله على شيطانه فأسلم، وكفر شيطاني، خرجه الدولابي، كما ذكره الطبري.
وخرج الإمام أحمد من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال: "أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنة محمد، ومريم بنة عمران، وآسية امرأة فرعون".
الحواشي
(١) ابن عمر ما رأيت أسود من معاوية، وقد رأى العمرين "إلا رجلا من ذريتي، نبيا من الأنبياء، يقال له أحمد، فضل علي باثنتين، زوجته عاونته، فكانت له عونا" قبل البعثة وبعدها، "وكانت زوجتي علي عونا" حيث زينت له الأكل من الشجرة، "وأعانه الله على شيطانه" قرينه الموكل به، "فأسلم" آمن بالله ورسوله، "وكفر شيطاني" إبليس لعنه الله.
"خرجه الدولابي، كما ذكره الطبري" الحافظ محب الدين في السمط الثمين في أزواج الأمين هذا الحديث وإن كان مقطوعا فلبعضه شواهد، فعند البزار عن ابن عباس، رفعه "فضلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني كافرا فأعانني الله عليه، فأسلم"، قال: ونسيت الأخرى.
وروى مسلم مرفوعا "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن"، قالوا: وإياك يا رسول الله، قال: "وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير".
روى بفتح الميم، ورجحه عياض والنووي، وهو المختار وبضمها، وصححه الخطابي، "وخرج الإمام أحمد" وأبو داود والنسائي، والحاكم، وصححاه "من حديث ابن عبس أنه ﷺ قال: "أفضل نساء أهل الجنة" في ذكرها الإيذان بأنهن أفضل حتى من الحور العين، ولو قال النساء لتوهم أن المراد نساء الدنيا فقط "خديجة بنت خويلد" لسبقها إلى الإسلام ومواساتها وتعظيمها خير الأنام، وقال: "إني رزقت حبها" رواه مسلم، فتأمل قوله: "رزقت"، ولم يقل أحبها نجد فيه ما فيه من غاية التعظيم ونهاية التفخيم.
"وفاطمة بنة محمد" قال السهيلي: تكلم الناس في المعنى الذي سادت به فاطمة أخواتها فقيل لأنها ولدت الحسن الذي قال فيه جده: إن ابني هذا سيد، وهو خليفة، وبعلها خليفة، وأحسن من هذا قول من قال: سادت أخوتها وأمها؛ لأنهن متن في حياته ﷺ فكن في صحيفته، ومات هو في حياتها، فكان في صحيفتها وميزاتها، وقد روى البزار عن عائشة أنه ﵇ قال لفاطمة: "هي خير بناتي لأنها أصيبت في"، وهذا قول حسن انتهى.
"ومريم بنة عمران" لأن الله ذكرها في القرآن وشهد بصديقتيها، وأخبر أنه طهرها واصطفاها على نساء العالمين، وقيل بنبوتها.
"وآسية" بنت مزاحم "امرأة فرعون" المذكورة في القرآن، وهما من زوجاته ﷺ فيстр. 2009
قال الشيخ ولي الدين العراقي: خديجة أفضل أمهات المؤمنين على الصحيح المختار، وقيل: عائشة، انتهى.
وقال شيخ الإسلام، زكريا الأنصاري في شرح بهجة الحاوي، عند ذكر أزواجه ﷺ : وأفضلهن خديجة وعائشة وفي أفضلهما خلاف، صحح ابن العماد تفضيل خديجة لما ثبت.
الحواشي
(١) الجنة، كما عند ابن عساكر بسند ضعيف.
"قال الشيخ ولي الدين العراقي، خديجة أفضل أمهات المؤمنين على الصحيح المختار" عند العلماء بدليل هذا الحديث، والذي قبله من إقراء السلام عليها من الله تعالى، ولقوله ﷺ : "خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة".
رواه البخاري، أي مريم خير نساء الأمة الماضية، وخديجة خير نساء هذه الأمة، كما قال الحافظ جاء ما يفسر المراد صريحا، فروى البزار والطبراني عن عمار رفعه: "لقد فضلت خديجة على نساء أمتي، كما فضلت مريم على نساء العالمين" إسناده حسن انتهى، وقال في الإصابة: يفسره ما أخرجه ابن عبد البر عن عمران أنه ﷺ قال لفاطمة: "ألا ترضين أنك سيدة نساء العالمين" قالت: يا أبت فأين مريم، قال: "تلك سيدة نساء عالمها" انتهى، ولأنه ﷺ اثنى على خديجة ما لم يثن على غيرها، قالت عائشة: كان ﷺ لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها.
رواه الدولابي وابن عبد البر وللطبراني، وكان إذا ذكر خديجة لم يسأم من ثناء عليها، واستغفار لها، "وقيل عائشة" وضعف بحيث بالغ ابن العربي فقال: لا خلاف أن خديجة أفضل من عائشة، قالت في الفتح: ورد بأن الخلاف ثابت قديما، وإن كان الراجح أفضلية خديجة بما تقدم "انتهى" كلام الوليد.
"وقال شيخ الإسلام زكريا" بن أحمد "الأنصاري" العلامة، المحدث، الفقيه، الإمام الصوفي، مجاب الدعوة، صاحب التصانيف شهرته تغني عن تعريفه، وعمر نحو مائة حتى انقرض جميع أقرانه، وألحق الأصاغر بالأكابر، وصار كل من بمصر من أتباعه أو أتباع أتباعه، وتوفي سنة نيف وعشرين وتسعمائة "في شرح بهجة الحاوي" الذي قرئ عليه سبعا وخمسين مرة حتى كان تلميذه الشمس الرملي يقول: هذا شرح أهل بلد لا شرح بل واحد "عند ذكر أزواجه ﷺ وأفضلهن خديجة وعائشة، وفي أفضلهما خلاف" زاد في الروضة، ثالثها الوقف، "صحح ابن العماد والسبكي وغيرهما "تفضيل خديجة لما ثبت" عند الطبراني بسند جيد،стр. 2010
أنه ﷺ لقال لعائشة ﵂، حين قالت له: قد رزقك الله خيرا منها فقال: "لا والله ما رزقني الله خيرا منها، آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وأعطتني مالها حين حرمني الناس".
وسئل ابن داود أيهما أفضل؟ فقال: عائشة أقرأها النبي ﷺ السلام من جبريل، وخديجة أقرأها جبريل ﵇ من ربها على لسان محمد، فهي أفضل قيل له: فمن أفضل خديجة أم فاطمة؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "فاطمة بضعة مني" فلا أعدل ببضعة رسول الله ﷺ أحدا.
ويشهد لهذا قوله ﷺ
الحواشي
(١) والدولابي "أنه ﷺ قال لعائشة ﵂ حين قالت له" لما غارت من كثرة ثنائه عليها واستغفاره لها قالت: فاحتملتني الغيرة، فقلت: "قد رزقك الله خيرا منها" ولأحمد والطبراني، فقلت: قد أبدلك الله بكبيرة السن، حديثه السن، فغضب غضبا شديدا، وسقطت في جلدي، وقلت: اللهم أذهب غيظ رسولك لم أعد أذكرها بسوء ما بقيت، ولأحمد أيضا، فغضب حتى قلت: والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بخير، "فقال: "لا والله ما رزقني الله خيرا منها، آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وأعطتني مالها حين حرمني الناس".
زاد الطبري: "وآوتني إذ رفضني الناس، ورزقت مني الولد إذ حرمتوه"، ولأحمد " ورزقني الله أولادها إذ حرمني أولاد النساء"، وأصل الحديث في الصحيحين مختصرا، فخلفه ﷺ على ذلك مع أنه صادق مصدوق بلا قسم، وتعديده مآثرها الحميدة أدل دليل على أنها أفضل من عائشة ﵄.
"وسئل" الإمام أبو بكر "ابن" الإمام المجتهد الحافظ "داود" بن علي الظاهري: "أيهما أفضل" بالتذكير، كقوله تعالى: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت﴾ [لقمان: ٣٤] وتؤنث أيضا وقرئ بأية أرض، "فقال: عائشة أقرأها النبي ﷺ السلام من جبريل" من قبل نفسه، "وخديجة أقرأها جبريل السلام من ربها على لسان محمد، فهي" أي خديجة "أفضل، قيل له فمن أفضل خديجة أم فاطمة؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "فاطمة بضعة" بفتح الموحدة، كما هو الرواية وحكى ضمها وكسرها أي قطعة لحم "مني" فلا أعدل ببضعة رسول الله ﷺ أحدا".
قال السهيلي وهذا استقراء حسن، ويشهد له أن أبا لبابة حين ربط نفسه، وحلف أن لا يحله إلا رسول الله جاءت فاطمة لتحله فأبى لقسمه، فقال ﷺ : "بضعة مني"، فحلته قال: أعني السهيلي: "ويشهد لهذا" أيضا قوله ﷺ لفاطمة في مرض موته لما أخبرها أنه مقبوض،стр. 2011
"أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم".
واحتج من فضل عائشة ﵂ بما احتجت به من أنها في الآخرة مع النبي ﷺ وفاطمة ﵂ مع علي.
وسئل السبكي فقال: والذي نختاره وندين الله به، أن فاطمة بنت محمد أفضل، ثم أمها خديجة ثم عائشة،
الحواشي
(١) فبكت فقال: "أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم"، فضحكت، فهذا دليل على فضلها على أمها، وبهذا استدل السبكي.
قال في الفتح والذي يظهر أن الجمع بين الحديثين أولى، وأن لا نفضل إحداهما على الآخرى انتهى، يعني هذا الحديث وحديث أفضل نساء.
أهل الجنة خديجة وفاطمة، وقال في الإصابة وقد ذكر حديث خير نسائها خديجة، وقوله لفاطمة: "ألا ترضين أنك سيدة نساء العالمين"، يحمل على التفرقة بين السيادة والخيرية، أو على أن ذلك بالنسبة إلى من وجد من النساء حين قاله لفاطمة انتهى، وفيه نظر فإن المراد بالسيادة الخيرية، وهي الفضل كما صرح به في رواية أحمد وغيره وحمله على الموجودات حين الخطاب يأباه قوله: "نساء العالمين"، وهو في الصحيح، كما مر في ترجمتها؛ لأنه تخصيص للعام بلا مخصص، فقد ساوت أمها، وزادت عليها، كونها بضعة المختار، فهي أفضل منها، وقد صرح هو في الفتح في المناقب بما لفظه، قيل انعقد على الإجماع أفضلية فاطمة، وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة انتهى، بل توسع بعض المتأخرين، فقال: فاطمة وأخوها إبراهيم أفضل من سائر الصحابة حتى من الخلفاء الأربعة، فإن أراد من حيث المبضعة، فمحتمل وإن كان الخلفاء أفضل من حيث العلوم الجمة، وكثرة المعارف ونصر الدين والأمة، "واحتج من فضل عائشة ضي الله عنها" على فاطمة، وهو أبو محمد بن حزم "بما احتجت" هي "به من أنها في الأخرة" في الجنة "مع النبي ﷺ " التي هي أعلى الدرجات، "وفاطمة ﵂ مع علي" ولا حجة في هذا وإلا لزم أنها وبقية أزواجه أفضل من سائر الأنبياء والمرسلين؛ لأنه ﷺ أعلى درجة في الجنة من الجميع، وهو خلاف المعلوم من الدين بالضرورة، ومن ثم قال في الفتح وفساده ظاهر، "و" قد "سئل السبكي" الكبير، والسائل له الإمام الأذرعي نزيل حلب ومفتيها عن جملة مسائل منها، هل قال أحد أن أحدا من نسائه ﷺ غير خديجة وعائشة أفضل من فاطمة؟ "فقال" في الجواب قاله من لا يعتد بقوله، وهو من فضل نسائه على جميع الصحابة؛ لأنهن في درجته في الجنة، وهو قول ساقط مردود ضعيف لا مستند له من نظر ولا نقل، "والذي نختاره وندين الله به أن فاطمة بنت محمد أفضل، ثم أمها خديجة، ثم عائشة".стр. 2012
ثم استدل لذلك بما تقدم بعضه.
وأما خبر الطبراني: "خير نساء العالمين مريم بنت عمران ثم خديجة بنت خويلد، ثم فاطمة بنت محمد، ثم آسية امرأة فرعون". فأجاب عنه ابن العماد: بأن خديجة إنما فضلت فاطمة باعتبار الأمومة، لا باعتبار السيادة.
واختار السبكي: أن مريم أفضل من خديجة لهذا الخبر، وللاختلاف في نبوتها، انتهى.
وقال أبو أمامة بن النقاش: إن سبق خديجة، وتأثيرها في أول الإسلام ومؤازرتها
الحواشي
(١) قال: والخلاف شهير ولكن الحق أحق أن يتبع، "ثم استدل لذلك بما تقدم بعضه" فقال والحجة في ذلك حديث الصحيح: أما ترضين، فذكره وما رواه النسائي مرفوعا "أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة".
"وأما خبر الطبراني" عن ابن عباس رفعه: "خبر نساء العالمين مريم بنت عمران، ثم خديجة بنت خويلد، ثم فاطمة بنت محمد، ثم آسية امرأة فرعون"، فأتى بثم المرتبة، فقدم خديجة المقتضى لفضلها على ابنتها، "فأجاب عنه ابن العماد، بأن خديجة إنما فضلت فاطمة باعتبار الأمومة، لا باعتبار السيادة" فلا شاهد فيه على أنها أفضل منها، على أن ابن عبد البر قد روى هذا الحديث عن ابن عباس سيدة نساء العالمين مريم، ثم فاطمة، ثم خديجة ثم آسية.
قال ابن عبد البر: وهذا حديث حسن يرفع الإشكال، ونقله الفتح، وأقره، فقدم فاطمة، "واختار السبكي" أن مريم أفضل من خديجة لهذا الخبر وللاختلاف في نبوتها انتهى" ولم يتعرض للتفضيل بين مريم وفاطمة، واختار السيوطي تفضيل فاطمة على مريم بمقتضى الأدلة ففي مسند الحارث بسند صحيح لكنه مرسل مريم خير نساء عالمها، وفاطمة خير نساء عالمها، وأخرجه الترمذي موصولا من حديث علي بلفظ خير نسائها مريم وخير نسائها فاطمة.
قال الحافظ بن حجر والمرسل يعتضد بالمتصل، وسبقه إلى اختيار ذلك الزركشي والخيضري والمقريزي كما مر، لكن يرد عليهم هذا الحديث المرتب بثم، وقوله في حديث الصحيح لفاطمة في مرض وفاته: "أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم"، نعم يعارضه حديث عمران أنه ﷺ قال لفاطمة: "ألا ترضين أنك سيدة نساء العالمين"، قالت: يا أبت فأين مريم، قال: "تلك سيدة نساء عالمها"، أخرجه ابن عبد البر، ولم ينقدح لي وجه الجمع.
"وقاله أبو أمامة بن النقاش أن سبق خديجة وتأثيرها في أول الإسلام وموازرتها" مستعارстр. 2013
ونصرها وقيامها في الدين بنفسها ومالها لم يشركها فيه أحد، لا عائشة ولا غيرها من أمهات المؤمنين. وتأثيرها عائشة ﵂ في آخر الإسلام، وحمل الدين وتبليغه إلى الأمة وإدراكها من الأحاديث ما لم تشركها فيه خديجة ولا غيرها، مما تميزت به عن غيرها، انتهى.
الحواشي
(١) من الجبل واشتقاقه من الوزر وهو الثقل، "ونصرها" عطف تفسير، "وقيامها في الدين بنفسها ومالها، لم يشركها فيه أحد، لا عائشة، ولا غيرها من أمهات المؤمنين" فقد تكون أفضل من هذه الحيثية، "وتأثير عائشة ﵂ في آخر الإسلام وحمل الدين وتبليغه إلى الأمة وإدراكها من الأحاديث" وفي نسخة من الأدلة "ما لم تشركها فيه خديجة، ولا غيرها مما تميزت به عن غيرها" فقد تكون أفضل منها بهذا الاعتبار "انتهى" كلام أبي أمامة، وكأنه أشار إلى أن جهات الفضل بينهما متفاوتة، كما قاله ابن تيمية.
قال في الفتح: وكأنه رأى التوقف، وقال ابن القيم: إن أريد بالفضل كثرة الثواب عند الله، فذلك أمر لا يطلع عليه، فإن عمل القلوب أفضل من عمل الجوارح، وإن أريد كثرة العلم، فعائشة لا محالة أو شرف الأصل، ففاطمة لا محالة، وهي فضيلة لا يشاركها فيها غير أخواتها أو شرف السيادة، فقد ثبت النص لفاطمة وحدها، قلت: أمتازت فاطمة عن أخواتها، بأنه متن في حياته ﷺ ، ومات هو في حياتها، وأما ما امتازت به عائشة من فضل العلم، فإن لخديجة ما يقابله، وهي أنها أول من أجاب إلى الإسلام، ودعا إليه، وأعان على ثبوته بالنفس والمال والتوجه التام، فلها مثل أجر من جاء بعدها، ولا يقدر قدر ذلك إلا الله تعالى انتهى.
وقال في الإصابة: ومن طواعيتها له قبل البعثة، أنها رأت ميله إلى زيد بن حارثة بعد أن صار في ملكها فوهبته له ﷺ فكانت هي السبب فيما امتاز به زيد من السبق إلى الإسلام حتى قيل إنه أول من أسلم مطلقا انتهى.
وفي الصحيح عن عائشة كان ﷺ إذ ذبح الشاة يقول: أرسلوا إلى اصدقاء خديجة، قالت عائشة: فأغضبته يوما، فقلت: خديجة، فقال إني رزقت حبها.
وروى الشيخان عن عائشة ما غرت على أحد ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، فيقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له، كأنه لم يكن في الدنيا إلا خديجة، فيقول: إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد.
وروى ابن حبان عن أنس كان ﷺ إذا أتى بالشيء يقول اذهبوا به إلى بيت فلانة، فإنها كانت صديقة لخديجة، ولنمسك عنان القلم رغبة عن التطويل.стр. 2014
وماتت خديجة ﵂ بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل بأربع، وقيل خمس، ودفنت بالحجون، وهي ابنة خمس وستين سنة، ولم يكن يومئذ يصلي على الجنازة، وكانت مدة مقامها مع النبي ﷺ خمسا وعشرين سنة، وقيل أربعا وعشرين سنة.
الحواشي
(١) "وماتت خديجة ﵂ بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين" على الصحيح، كما في الفتح والإصابة، زاد عن الواقدي لعشر خلون من شهر رمضان. "وقيل" قبلها "بأربع" سنين، "وقيل خمس" حكاهما في الإصابة، وقيل بست سنين.
حكاه في الفتح، وروى ابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عباس، أنه ﷺ دخل على خديجة وهي في الموت، فقال: يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فاقرئيهن، مني السلام، فقالت: يا رسول الله وهل تزوجت قبلي؟ قال لا ولكن الله زوجني مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وكلثم أخت موسى، ورواه الزبير بن بكار بلفظ أنه دخل على خديجة وهي في الموت، فقال: تكرهين ما أرى منك يا خديجة، وقد يجعل الله في الكره خيرا، أشعرت أن الله أعلمني أنه سيزوجني معك في الجنة مريم وآسية وكلثم، فقالت: الله أعلمك بهذا يا رسول الله؟ قال: نعم. وروى هو والطبراني بسند فيه من لا يعرف عن عائشة، أنه ﷺ أطعم خديجة من عنب الجنة.
أورده السهيلي بعد حديث الأخبار بالضرائر، فظاهره أنه أطعمها حينئذ، فكأنه لما أخبرها بهن والمقصود منها إخبارها في هذه الحالة بأنها زوجته في الجنة من جملة الزوجات الفاضلات، أكد الله إخباره، الصادق، وآتاه من عنب الجنة، فأطعمها إكراما لها وله ﷺ .
"ودفنت" كما أسنده الواقدي عن حكيم بن حزام "بالحجون" قال: ونزل ﷺ في حفرتها، "وهي ابنة خمس وستين سنة" كما في رواية الواقدي هذه وفي السمط أربع وستين وستة أشهر "ولم يكن يومئذ يصلي على الجنازة" لأنها لم تكن شرعت، "وكانت مدة مقامها مع النبي ﷺ خمسا وعشرين سنة" على الصحيح، كما في الفتح، وهو المطابق الصحيح، وقول الأكثر أنه تزوجها، وهو ابن خمس وعشرين سنة، "وقيل أربعا وعشرين سنة" وأربعة أشهر قاله ابن عبد البر، وهو مطابق له أيضا بإلغاء الكسر في عامي الزواج والوفاة.
أما على أن سنة إحدى وعشرون، أو ثلاثون فلا يتأتى أن قالا إن موتها سنة عشر من البعثة، وفي مسلم عن عائشة إنه ﷺ لم يتزوج على خديجة حتى ماتت.
قال الحافظ: ولا خلاف فيه بين أهل الأخبار، وفيه دليل على عظيم قدرها عنده، وعلى مزيد من فضلها؛ لأنها أغنته عن غيره، واختصت به بقدر ما اشتراك فيه غيرها مرتين؛ لأنه ﷺ عاشстр. 2015
...............................
الحواشي
(١) بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عاما، انفردت منها خديجة بخمسة وعشرين وهي نحو الثلاثين ومع طول المدة، فصان الله قلبها فيها من الغيرة، ومن نكد الضرائر الذي ربما حصل منه ما يشوش عليه بذلك، وهو فضيلة لم يشركها فيها غيرها.
وروى ابن سعد بسند قوي مرسل جاءت خولة بنت حكيم، فقالت: يا رسول الله كأني أراك قد دخلتك خلة لفقد خديجة، قال: "أجل كانت أم العيال وربة البيت" وعنده أيضا من مرسل عبيد بن عمير قال: وجد ﷺ على خديجة حتى خشي عليه حتى زوج عائشة.
قال ابن إسحاق: وكانت خديجة له وزيرة صدق، وكان يسكن إليها، وماتت هي وأبو طالب في عام واحد، قيل فسماه عام الحزن والله أعلم.стр. 2016
[سودة أم المؤمنين] :
وأما أم المؤمنين سودة بنت زمعة -وأمها الشموس بنت قيس- فأسلمت قديما وبايعت، وكانت تحت ابن عم يقال له السكران بن عمرو، أخو سهيل بن عمرو، أسلم معها قديما، وهاجرا جميعا إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، فلما قدما مكة مات زوجها،
الحواشي
(١) سودة أم المؤمنين:
"وأما أم المؤمنين سودة" بفتح السين المهملة، علم منقول من صفة دالة على المدح، وهو السفح المستقيم تفاؤلا أن تكون بعد كبرها بهذه الصفة وقد كانت ﵂ طويلة جسيمة، "بنت زمعة" بزاي، فميم، فمهملة مفتوحات قال ابن الأثير: وأكثر ما سمعنا أهل الحديث والفقهاء يقولونه بسكون الميم، وقول المصباح لم أظفر بالسكون في كتب اللغة قصور، فقد قدمه القاموس، ثم حكى الفتح، فظاهره أن السكون أكثر لغة، وتقدم إنهاء نسبها إلى عامر بن لؤي بن غالب، "وأمها الشمول" بشين معجمة، وميم، فواو، فمهملة "بنت قيس" بن عمرو بن زيد الأنصارية من بني عدي بن النجار بنت أخي سلمي بنت عمرو بن زيد أم عبد المطلب، "فأسلمت قديما، وبايعت" على الإسلام قديما، "وكانت تحت ابن عم" لأبيها "يقال له السكران بن عمرو" بن عبد شمس بن عبدود وأبوها زمعة بن قيس بن عبد شمس المذكور، فعمرو وقيس أخوان، فالسكران ابن عم أبيها، "أخو سهيل" بالتصغير "ابن عمرو" وسهيل بالتكبير، وسليط، وحاطب بنو عمرو، وكلهم صحابة ﵃، وإنما اقتصر تبعا للإصابة على سهيل لشهرته "أسلم معها قديما، وهاجرا جميعا إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، فلما قدما مكة مات زوجها" وولدت له ابنا اسمه عبد الرحمن، قتل في حرب جلولاء قرية منстр. 2017
وقيل إنه مات بالحبشة.
وتزوجها ﷺ بمكة بعد موت خديجة قبل أن يعقد على عائشة، هذا قول قتادة وأبي عبيدة، ولم يذكر ابن قتيبة غيره، ويقال تزوجها بعد عائشة، ويجمع بين القولين: بأنه ﷺ على عائشة قبل سودة، ودخل بسودة قبل عائشة، والتزويج يطلق على كل منهما، وإن كان المتبادر إلى الفهم العقد دون الدخول.
الحواشي
(١) قرى فارس، "وقيل إنه مات بالحبشة"، وعن ابن عباس أنها رأت في المنام كأن النبي ﷺ أقبل يمشي حتى وطئ عنقها فأخبرت زوجها بذلك فقال: إن صدقت رؤياك لأموتن وليتزوجنك، ثم رأت في المنام ليلة أخرى إن قمرا انقض عليها، وهي مضطجعة، فأخبرت زوجها، فقال: لئن صدقت رؤياك لم ألبث إلا يسيرا حتى أموت وتتزوجين من بعدي، فاشتكى السكران من يومه ذلك، فلم يلبث إلا قليلا حتى مات، "وتزوجها ﷺ " عقد، ودخل عليها "بمكة" ويروى بالمدينة.
قال الشامي: وهي رواية شاذة وقع فيها، وهم "بعد موت خديجة" سنة عشر من النبوة، وقيل سنة ثمان بناء على المشهور، ومقابلة في وفاة خديجة "قبل أن يعقد على عائشة" على الصحيح، وأصدقها أربعمائة درهم في قول ابن إسحاق.
وأخرج ابن سعد برجال ثقات وابن أبي عاصم وغيرهما، أن خولة بنت حكيم قالت: ألا أخطب عليك؟ قال: بلى، فإنكن معشر النساء أرفق بذلك، فخطبت عليه سودة وعائشة، فتزوجهما، فبنى بسودة بمكة وعائشة بعد الهجرة.
"هذا قول قتادة وأبي عبيدة" معمر بن المثنى، "ولم يذكر ابن قتيبة غيره" وبه جزم الجمهور.
قال في الإصابة: ورواه ابن إسحاق، فقال: كانت سودة أول امرأة تزوجها بعد خديجة.
قال اليعمري وهو الصحيح، "ويقال تزوجها بعد عائشة".
قال عبد الله بن محمد بن عقيل "ويجمع بين القولين" كما نقله في الفتح عن المارودي، "بأنه ﷺ عقد على عائشة قبل سودة، أي قبل الدخول بسودة لا قبل العقد عليها، كما توهمه من استشكله، بدليل بقية كلام المصنف، فلا ينافي أنه عقد عليها قبل عائشة، ودخل بسودة قبل عائشة" بعد عقده على عائشة، "والتزويج يطلق على كل منهما" من العقد والدخول فيحمل الأول على العقد، والثاني على الدخول، لكونه سببا فيه، فيتفق القولان "وإن كان المتبادر للفهم العقد دون الدخول" وهو الذي جاء منه تباين القولين، وبهذا الجمع سقط قول الخيضري كيف يكون الأول أصح، ومقابله في مسلم، فهو من باب صحيح وأصح، وكلاهما صحيح، فتقدم رواية الأكثر انتهى؛ لأنه بناه على العقد فيهما، وأما ابن كثير، فقال:стр. 2018
ولما كبرت سودة أراد النبي ﷺ طلاقها، فسألته أن لا يفعل وجعلت يومها لعائشة فأمسكها.
الحواشي
(١) الصحيح أنه عقد على عائشة قبل سودة، ولم يدخل بها إلا في ثانية الهجرة، ودخل بسودة بمكة وسقه إلى ذلك أبو نعيم، وفيه نظر، فإن جزمه بدخوله في الثانية يخالف ما ثبت أنه دخل بعائشة بعد خديجة بثلاث سنين، كما في فتح الباري، وتصحيحه أنه عقد عليها قبل سودة معارض بتصحيح اليعمري، وجزم الدمياطي أنه عقد على عائشة بعد عقده على سودة.
روى الإمام أحمد بسند جيد والطبراني برجال ثقات، عن عائشة وابن سعد والبيهقي بسند حسن من مرسل أبي سلمة بن عبد الرحمن بن حاطب، ووصله ابن أبي عاصم أن خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: ألا تتزوج؟ قال: "من"؟، قالت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبا، أما البكر فابنة أحب الخلق إليك عائشة وأما الثيب فسودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك، قال: "اذهبي فاذكريهما علي" الحديث، وفيه فذهبت إلى سودة، فقلت: ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قلت: "إن رسول الله أرسلني إليك لأخطبك عليه"، قالت: وددت ذلك لكن ادخلي على أبي فاذكري له ذلك، وكان شيخا كبيرا قد جلس على المواسم، فحييه بتحية الجاهلية، فقلت: أنعم صباحا، فقال: ومن أنت؟ فقلت: خولة، فرحب بي، وقال ما شاء أن يقول: فقلت: إن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يذكر ابنتك، قال: هو كفء كريم، فما تقول صاحبتك؟ قلت: تحب ذلك، قال: فقولي له فليأت، فجاء ﷺ فملكها وقدم عبد الله بن زمعة، فوجد أخته قد تزوجها رسول الله فحثا التراب على رأسه، فلما أسلم كان يجد في نفسه من ذلك شيئا ويقول: إني لسفيه يوم أحثوا التراب على رأسي أن تزوج ﷺ أختي، وأفاد الحديث أن أباها هو الذي زوجها للمصطفى، وقال ابن إسحاق: زوجه إياها سليط بن عمرو، ويقال أبو حاطب بن عمرو، وتعقبه ابن هشام، بأن ابن إسحاق نفسه يخالف هذا؛ لأنه ذكر أنهما كانا غائبين بالحبشة في هذا الوقت، "ولما كبرت سودة" بكسر الباء مضارعه بالفتح لا غير، أي أسنت وبضمها فيهما في الأجسام والمعاني، وكلاهما في القرآن أنشدنا شيخنا بالمجلس عن شيخه العلامة عبد الله الدنوشري لنفسه:
كبرت بكسر الباء في السن وارد ... مضارعه بالفتح لا غير يا صاح
وفي الجسم والمعنى كبرت بضمها ... مضارعه بالضم جاء بإيضاح
قال: وقوله وارد هو المناسب لقوله جاء بإيضاح، وهو الذي سمعته من لفظه "أراد النبي ﷺ طلاقها، فسألته أن لا يفعل، وجعلت يومها لعائشة فأمسكها" كما رواه ابن عبد البرстр. 2019
وتوفيت بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين. وروى البخاري في تاريخه بإسناد صحيح إلى سعيد بن أبي هلال.
الحواشي
(١) عن عائشة لما أسنت سودة هم ﷺ بطلاقها، فقالت: لا تطلقني وأنت في حل مني، فأنا أريد أن أحشر في أزواجك، وإني قد وهبت يومي لعائشة، وإني لا أريد ما تريد النساء، فأمسكها حتى توفي.
وأخرج الترمذي بسند حسن عن ابن عباس، وأبو داود والحاكم عن عائشة أن سودة خشيت أن يطلقها ﷺ ، فقالت: لا تطلقني وأمسكني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، ففعلت، فأنزل الله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨] .
قال في الإصابة: وأخرجه ابن سعد عن عائشة من طرق في بعضها، أنه بعث إليها بطلاقها، وفي بعضها أنه قال لها: "اعتدي" والطريقان مرسلان، وفيهما أنها قعدت له على طريقه، فناشدته أن يراجعها، وجعلت يومها وليلتها لعائشة، ففعل، ومن طريق معمر بلغي أنها قالت ما بي على الأزواج من حرص ولكني أحب أن يبعثني الله يوم القيامة زوجا لك انتهى.
ولو صحا لأمكن الجمع لكن صحح الدمياطي وتلميذه اليعمري، أنه لم يطلقها، وكانت شديدة الإتباع لأمره ﷺ .
روى أحمد عن أبي هريرة ﷺ قال لنسائه عام حجة الوداع هذا ثم ظهور الحصر، قال: فكن كلهن يحججن إلا زينب وسودة، فقالتا: والله لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا ذلك منه ﷺ ، وصح عن عائشة عند أبي يعلى وغيره، أنها قالت: ما من الناس أحد أحب إلي أن أكون في مسلاخه من سودة بها الأحدة فيها كانت تسرع منها الفيئة، مسلاخ بكسر الميم، وسكون المهملة، وخفة اللام والخاء المعجمة هديها وطريقتها.
وفي الصحيح عن عائشة: استأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أن تدفع قبل الناس، وكانت امرأة بطيئة يعني ثقيلة، فأذن لها، ولأن أكون استأذنته أحب إلي من مفروح به,
وعن إبراهيم النخعي قال: قالت سودة لرسول الله ﷺ صليت خلفك الليل، فركعت بي حتى أمسكن ما بقي مخافة أن يقطر الدم فضحك وكانت تضحكه بالشيء أحيانا.
رواه ابن سعد برجال الصحيح وعنده أيضا عن محمد بن سيرين أن عمر بعث إلى سودة بغرارة من دراهم، فقالت: ما هذه؟ قالوا: دراهم، قالت: في غرارة مثل التمر ففرقتها، "وتوفيت بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين" في خلافة معاوية، كما رجحه الواقدي.
وقال الحافظ في تقريبه سنة خمس وخمسين على الصحيح.
"وروى البخاري في تاريخه بإسناد صحيح إلى سعيد بن أبي هلال" الليثي، مولاهمстр. 2020
أنها ماتت في خلافة عمر، وجزم الذهبي في التاريخ الكبير بأنها ماتت في آخر خلافة عمر، وقال ابن سيد الناس: إنه المشهور.
الحواشي
(١) أبي العلاء المصري صدوق.
روى له الجماعة "إنها ماتت في خلافة عمر" بن الخطاب "و" لذا "جزم الذهبي في التاريخ الكبير، بأنها ماتت في آخر خلافة عمر" وهو قد توفي في آخر ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين "وقال ابن سيد الناس أنه المشهور" وتبعه الشامي، وقال الخميس أنه الأصح فهذا تباين كبير، وروى عنها ابن عباس، ويحيى بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة وروت عنه ﷺ في الكتب المتداولة خمس أحاديث للبخاري منها حديث واحد والله أعلم.стр. 2021
[عائشة أم المؤمنين] :
وأما أم المؤمنين عائشة ﵂ -وأمها أم رومان ابنة عامر بن عويمر بن عبد شمس، من بني مالك بن كنانة- فكانت مسماة على جبير بن مطعم، فخطبها النبي ﷺ
الحواشي
(١) عائشة أم المؤمنين:
"وأما أم المؤمنين عائشة ﵂" قال المصنف: بالهمز وعوام المحدثين يبدلونها ياء وقال البرهان في لغة عيشة، حكاها علي بن حمزة وغيره وهي فصيحة، وعائشة أفصح، وكانت بيضاء وزاعم أنها سوداء كذبه ابن معين وغيره، "وأمها أم رومان" بضم الراء وفتحها، واسمها زينب، وقيل دعد "ابنة عامر بن عويمر" بالتصغير "ابن عبد شمس".
هكذا نسبها مصعب قال في الإصابة، وخالفه غيره، فذكر ابن إسحاق أنها بنت عبد بن دهمان أحد بني فراس، والخلاف في نسبها من عامر إلى كنانة لكن اتفقوا على أنها "من بني غنم بن "مالك بن كنانة" أسلمت، وبايعت وهاجرت، ماتت في حياته ﷺ .
روى ابن سعد والبخاري في تاريخه، وابن منده، وأبو نعيم، عن القاسم بن محمد، قال: لما دليت أم رومان في قبرها، قال ﷺ : "من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين، فلينظر إلى أم رومان" ولكن في موتها في حياته ﷺ نزاع طويل ليس هذا موضعه، "فكانت مسماة على جبير" الصحابي "ابن مطعم" أي أنه كان خطبها لأبنه من أبيها، "فخطبها النبي ﷺ " لأنه لم يعلم بالخطبة أو كان قبل النهي.
روى أحمد بن أبي عاصم، والطبراني وغيرهم عن عائشة لما ماتت خديجة، جاءت خولة بنت حكيم، فقالت: يا رسول الله ألا تتزوج، قال: "من"؟ قالت: إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا، فأماстр. 2022
وأصدقها فيما قاله ابن إسحاق أربعمائة درهم، وتزوجها بمكة في شوال سنة عشر من النبوة، قبل الهجرة بثلاث سنين، ولها ست سنين، وأعرس بها بالمدينة في شوال سنة اثنتين من الهجرة على رأس ثمانية عشر شهرا، ولها تسع سنين. وقيل بعد سبعة أشهر من مقدمه ﵊.
الحواشي
(١) البكر فابنه أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر وأما الثيب فسودة بنت زمعة، قد آمنت بك، قال: "فاذكريهما علي" فأتيت أم رومان، فقلت: ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة، قالت: وما ذلك؟ قلت: رسول الله يذكر عائشة، قالت: وددت انتظري أبا بكر، فجاء فذكرت ذلك له، فقال: أوتصلح له، وهي ابنة أخيه، فرجعت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "قولي له أنت أخي، وأنا أخوك في الإسلام، وابنتك تصلح لي"، فرجعت وأخبرته بذلك، فقال أبو بكر لأم رومان: إن المطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه والله ما أخلف أبو بكر وعدا قط، فأتى لمطعم وعنده امرأته أم الفتى، فقال: ما تقول في أمر هذه الجارية، فأقبل على امرأته فقال: ما تقولين: فأقبلت على أبي بكر فقالت: لعلنا إن أنكحنا هذا الصبي إليك تصبئه وتدخله في دينك والذي أنت عليه فقال أبو بكر: ما تقول أنت؟ فقال: إنها تقول ما تسمع فقام أبو بكر ليس في نفسه شيء من الموعد، فقال لخولة: قولي لرسول الله فليأت، فدعته فجاء، فملكها، أي تزوجها "وأصدقها فيما قاله ابن إسحاق أربعمائة درهم" تبرأ منه؛ لأنه خلاف ما في مسلم عنها أن صداقه ﷺ لأزواجه كان خمسمائة درهم، وهي زيادة صحيحة، فيجب قبولها وتزوجها بمكة في شوال سنة عشر من النبوة قبل الهجرة بثلاث سنين" زيادة إيضاح لسنة عشر، "ولها ست سنين" لأنها ولدت في الإسلام سنة أربع من النبوة، كما في العيون والإصابة، "وأعرس بها بالمدينة في شوال سنة اثنتين من الهجرة على رأس ثمانية عشر شهرا" فيما قاله بعضهم، وآخره في الإصابة والفتح، وصدر بأنه بني بها في السنة الأولى، وهو الذي يأتي عليه قوله، "ولها تسع سنين" كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عنها.
أما على هذا القول الضعيف الذي قدمه المصنف وما كان ينبغي تقديمه فيكون لها عشر سنين ونصف سنة والظاهر أنه مقدم عن محله وأنه بعد قوله، "وقيل بعد سبعة أشهر من مقدمه، ﵊".
وروى ابن سعد وغيره، عنها قالت: أعرس بي على رأس ثمانية أشهر، وبهذا صدر في الإصابة، والعيون وفي مسلم، عنها تزوجني ﷺ في شوال وبني بي في شوال.
قال في الفتح: وإذا ثبت أنه بنى بها في شوال من السنة الأولى قوى قول من قال: دخلстр. 2023
وخرج الشيخان عن عائشة أنها قالت: تزوجني رسول الله ﷺ وأنا ابنة ست سنين فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج، فوعكت فتمزق شعري، فأتتني أمي -أم رومان- وإني لفي أرجوحة مع صواحب لي فصرخت بي فأتيتها ما أدري ما تريد مني، فأخذت بيدي فأوقفتني على باب الدار، وأنا أنهج،
الحواشي
(١) بها بعد الهجرة بسبعة أشهر، وقد وهاه النووي في تهذيبه، وليس بواه إذا عددنا من ربيع وجزمه بأن دخوله بها كان في الثانية يخالف ما ثبت أنه دخل بها بعد خديجة بثلاث سنين، وقال الدمياطي في سيرته، ماتت خديجة في رمضان، وعقد على سودة في شوال ثم على عائشة، ودخل بسودة قبل عائشة انتهى.
وكان المصنف قلد النووي دون مراجعة الفتح وهو عجيب مع كثرة اعترافه في ذا الكتاب منه بعزو ودونه، "وخرج الشيخان" عن عروة، "عن عائشة" الصديقة صاحبة الترجمة بنت الصديق، "إنها قالت تزوجني رسول الله ﷺ وأنا ابنة ست سنين" وفي رواية الأسود عنها: وأنا بنت سبع سنين، رواه مسلم والنسائي، وجمع الإصابة بأنها أكملت السادسة، ودخلت في السابعة، "فقدمنا المدينة"، وذلك كما رواه الطبراني من وجه آخر عنها بعد استقر بها النبي ﷺ وأبو بكر، وبعث عبد الله بن أريقط، وكتب إلى عبد الله بن أبي بكر أن يحمل معه أم رومان، وأم أبي بكر، وأنا وأسماء، وبعث ﷺ زيد بن حارثة، وأبا رافع، فخرجا بفاطمة وأم كلثوم وسودة وأما أيمن وأسامة وأيمن، فاصطحبنا حتى قدمنا المدينة، فنزل آل النبي عنده وهو يومئذ يبني مسجده وبيوته، فادخل سودة أحد تلك البيوت، وكان يكون عندها، ونزلنا في عيال أبي بكر "فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج فوعكت" بضم الواو، وسكون الكاف، أحممت "فتمزق" بزاي مشددة تقطع شعري، للكشميهني فتمرق بالراء أي انتتف وأسقط المصنف من الحديث قولها: فوفى جميمه بتخفيف الفاء كثر وفيه حذف تقديره ثم نصلت من الوعك فتربى شعري فكثرت جميمه بالجيم مصغر جمة بالضم مجمع شعر الناصية، كما في الفتح وللطبراني فقال أبو بكر: يا رسول الله ما يمنعك أن تبني بأهلك؟ وعند أحمد: فجاء ﷺ فدخل بيتنا "فأنتتني أمي أم رومان، وإني لفي أرجوحة".
قال المصنف: بضم الهمزة وسكون الراء وضم الجيم فواو فمهملة، حبل يشد في كل من طرفيه خشبه فيجلس واحد على طرف وآخر على آخر ويحركان، فيميل أحدهما بالآخر نوع من لعب الصغار "مع صواحب لي" بغير تنوين "فصرخت بي" نادتني، "فأتيتها ما" وفي رواية لا "أدري ما تريد مني، فأخذت بيدي، فاوقفتني على باب الدار وأنا أنهج: بالنون، أي النفس نفسا عاليا، كما في الفتح.стр. 2024
حتى سكن بعض نفسي ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي ثم أدخلتني الدار فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلت على الخير والبركة، فأسلمتني إليها فأصلحن من شأني فلم يرعني إلا رسول الله ﷺ ضحى، فأسلمتني إليه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين.
الحواشي
(١) وقال المصنف بالنون والجيم مع فتح الهمزة، والهاء بضم الهمزة وكسر الهاء، أي أتنفس نفسا عليا من الإعياء "حتى سكن بعض نفسي" بفتح الفاء، "ثم أخذت شيئا من ماء، فمسحت به وجهي ورأسي".
زادت في رواية أحمد وفرقت جميمتي، "ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت".
قال المصنف: لم أعرف أسماءهن، "فقلت على الخير والبركة" وعلى خير طائر، هذا أسقطه من رواية الشيخين.
قال الحافظ وغيره، أي على خير حظ ونصيب، "فأسلمتني إليهن، فأصلحن من شأني، فلم يرعني" بضم الراء وسكون العين، أي لم يفزعني شيء "إلا رسول الله ﷺ " قد دخل علي "ضحى" وكنت بذلك عن المفاجأة بالدخول على غير علم، فإنه يفزع غالبا.
قال الحافظ: وتبعه المصنف وهو صريح في أنه ضحى بالضم منونا اسم للوقت، لا بالفتح فعل ماض بمعنى ظهر؛ لأنه خلاف الرواية، وقد ترجم البخاري في النكاح باب البناء في النهار، ثم روى الحديث مختصرا عن عائشة بلفظ تزوجني ﷺ فأتتني أمي، فأدخلتني الدار، فلم يرعني إلا رسول الله ﷺ ضحى.
قال المصنف: كغيره أي وقت الضحى، ففيه ما ترجم له أن دخوله كان نهارا انتهى.
فليت من لم يقف على شيء لا يتجاسر على ضبط الحديث برأيه، "فأسلمتني" أمي "إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين".
زاد في رواية لمسلم ولعبتها معها، وروى أحمد من وجه آخر هذه القصة مطولة، وفيها بعد مجيء المصطفى ودخوله بيتهم، وصراخ أمها بها ومسحها بالماء، ثم أقبلت بي تقودني، ثم دخلت بي على رسول الله ﷺ فإذا رسول الله ﷺ جالس على سرير عنده رجال ونساء من الأنصار، فأجلستني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك يا رسول الله، بارك الله لك فيهن، وبارك لهن فيك، فوثب الرجال والنساء وبنى بي ﷺ .
ذكره في الفتح، ولم ينزل للجمع بينه وبين حديث الشيخين الصريح في أنه لم يرعها إلا دخوله عليها، وحديث أحمد المصرح بأن أمها أدخلتها، عليه فاجلستها في حجره فوق السرير،стр. 2025
وأخرجه أبو حاتم بتغيير بعض ألفاظه.
قال ابو عمر: كان نكاحه ﵊ في شوال، وابتنى بها في شوال، وكانت تحب أن تدخل النساء من أهلها وأحبتها في شوال على أزواجهن، وكانت أحب نساء رسول الله ﷺ إليه،
الحواشي
(١) فيحتمل أنه ﷺ استبطأهن لاشتغالهن بتسكين نفسها وإصلاح شأنها فجاء من البيت الذي كان جالسا فيه مع الأنصار، فدخل عليها جبرا لهن، فأعظمن مجيئه ﷺ ، وقلن هي تأتي إليك، فعاد إلى مجلسه، فأتت بها أمها في النسوة وأسلمتها من بينهن إليه، ودعت لهما، وأما كون قضيته أنه كان الرجال والنساء، في البيت مع النبي حين دخلت بها أمها، وقضية رواية الصحيحين خلافه، فهذا سهل، فغايته أن في الرواية اختصارا، وحاصله أنه لما جاء ﷺ حين قال له أبو بكر: ألا تبني بأهلك؟ كانت عائشة تلعب، فنادتها أمها ثم أصلحت من شأنها، ثم أسلمتها للنسوة، كذلك هو ﷺ في بيت آخر على سرير في جماعة من الأنصار رجال ونساء، "وأخرجه أبو حاتم" بن حبان "بتغيير بعض ألفاظه".
وفي رواية أحمد وبنى بي رسول الله ﷺ في بيتنا، ولا والله ما نحرت علي جزور ولا ذبحت من شاة، ولكن جفنه كان يبعث بها سعد بن عبادة إليه ﷺ وعنده عن أسماء بنت يزيد بن السكن كانت صاحبة عائشة التي هيأتها وأدخلتها عليه ﷺ ، ومعي نسوة فوالله ما وجدنا عنده قرى إلا قدحا من لبن، فشرب منه ثم ناوله عائشة، فاستحيت، فقلت: لا تردي يد رسول الله خذي منه، فأخذته على حياء، فشربت، ثم قال: "ناولي صواحبك" فقلن: لا نشتهيه، فقال: "لا تجمعن جوعا وكذبا"، فقلت: يا رسول الله إنا إذا قلنا لشيء نشتهيه لا نشتهيه يعد ذلك كذبا، قال: "إن الكذب يكتب كذبا حتى تكتب الكذيبة كذبة".
قال أبو عمر كان نكاحه ﵊ لها "في شوال وابنتى بها في شوال" كما في مسلم وغيره.
عنها قال الجوهري: تقول العامة بنى بأهله وهو خطأ، وإنما يقال بنى على أهله والأصل فيه أن الداخل على أهله يضرب عليه قبة ليلة الدخول ثم قيل لكل داخل بأهله بأن قال الحافظ: ولا معنى لهذا التغليط لكثرة استعمال الفصحاء له وحسبك بقول عائشة: بنى بي وبقول عروة بنى بها، "وكانت تحب أن تدخل النساء من أهلها وأحبتها في شوال على أزواجهن"، لذلك قال أبو عاصم: إنما كره الناس الدخول في شوال لطاعون وقع فيه قديما، "وكانت أحب نساء رسول الله ﷺ " اللاتي أجتمعن معها "إليه" كما قال ﷺ حين سأله عمرو بن العاص أي الناس أحب إليك؟، قال: "عائشة"، قال: من الرجال، قال: "أبوها"، وقال عمر لحفصة: لا يغرنكстр. 2026
وكانت إذا هويت الشيء تابعها عليه، وفقدها في بعض أسفاره فقال: "واعروساه" خرجه أحمد.
وقال لها ﵊ -كما في الصحيحين: "رأيتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير، فيقول: هذه
الحواشي
(١) هذه التي أعجبها حسنها وحب رسول الله ﷺ إياها، وقص ذلك عمر عليه، فتبسم ﷺ ، ومن حبه لها إنه كان يدور على نسائه ويختم بها وأمر السيدة فاطمة بحبها، ولما نزلت عليه آية التخيير بدأ بها، واختياره الإقامة عندها أيام مرضه، وكلها في الصحيح، وقام لها ووضعت خدها على منكبه حتى تنظر إلى لعب الحبشة بحرابهم في المسجد.
رواه الترمذي وغيره، وأصله في الصحيح وأنه كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها.
رواه ابن عدي وقوله لها: "إني لأعلم إذا كنت عليَّ راضية، وإذا كنت عليَّ غضبى"، قالت: بم؟ قال: "إذا كنت راضية، قلت: لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى، قلت: لا ورب إبراهيم" قال: صدقت ما أهجر إلا اسمك.
رواه البخاري ومسلم والنسائي ومسابقته لها في سفر فسبقته، فلما حصلت من اللحم سابقته، فسبقها، فقال: "يا عائشة هذه بتلك"، رواه أبو داود والنسائي، ودعاه جار له فارسي لطعام، فقال: "وهذا معي لعائشة" فقال الرجل: لا وأشار له، فقال: "وهذه معي"، فقال: لا، فأشار إليه الثالثة، فقال: "وهذه معيط"، قال: نعم، رواه مسلم، ومن حبه لها أن الله أنزل في براءتها وحيا يتلى في محاريب المسلمين إلى يوم الدين وإنه كان يعذرها ويبدي عذرها كقوله لما كسرت الصحف: "غارت أمكم" إلى غير ذلك مما يطول ذكره، وأخرجه الترمذي وصححه وابن سعد أن رجلا نال من عائشة عند عمار بن ياسر، فقال: غرب مقبوحا منبوحا أنؤذي حبيبة رسول الله ﷺ .
وروى ابن سعد أن عمر زادها على الأزواج ألفين، وقال: إنها حبيبة رسول الله، "و" من حبه لها أنها "كانت إذا هويت الشيء" بفتح الهاء وكسر الواو أحببته، "تابعها عليه" وافقها "وفقدها في بعض أسفاره، فقال: "واعروساه".
"خرجه أحمد" عن النعمان بن بشير، "وقال لها ﵊، كما في الصحيحين"، من حديثها "رأيتك".
وفي رواية "أريتك" بضم الهمزة مقدمة على الراء "في المنام ثلاث ليال جاءني بك" أي بصورتك "الملك" جبريل "في سرقه" بفتح المهملة والراء، والقاف قطعة "من حرير يقول هذهстр. 2027
امرأتك فأكشف عن وجهك فأقول: إن بك من عند الله يمضه والسرقة شقة الحرير البيضاء".
وفي الترمذي أن جبريل جاءه ﵊ بصورتها في خرقة حرير خضراء وقال هذه زوجتك في الدنيا والآخرة وفي رواية عنده. قال جبريل إن الله قد زوجك بابنة أبي بكر، ومعه صورتها.
الحواشي
(١) امرأتك، فأكشف عن وجهك".
زاد في رواية "فإذا هي أنت" وفي لفظ، "فإذا أنت هي"، "فأقول إن بك" هذا "من عند الله يمضه" بضم أوله.
قال الطيبي: هذا الشرط مما يقوله المتحقق لثبوت الأمر، المدلى بصحته تقريرا لوقوع الجزاء وتحققه قول السلطان لمن يجب قهره، إن كنت سلطانا انتقمت منك، أي أن السلطنة مقتضية للانتقام.
وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون قال ذلك قبل البعثة، فلا إشكال فيه، وإن كان بعدها، ففيه احتمالات التردد هل هي زوجته في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط، أو أنه لفظ شك لا يراد به ظاهره، وهو نوع من البديع عند أهل البلاغة يسمونه تجاهل العارف، وسماه بعضهم مزج الشك باليقين، أو وجه التردد هل هي رؤيا وحي على ظاهرها وحقيقتها، أو رؤيا وحي لها تعبير، كلا الأمرين جائز في حق الأنبياء انتهى.
قال الحافظ: الأخير هو المعتمد، وبه جزم السهيلي عن ابن العربي، قال: وتعبيره باحتمال غيره لا أرضاه والأول يرده أن السياق يقتضي أنها كانت قد وجدت، فإن ظاهر قوله فإذا هي أنت يشعر بأنه كان قد رآها وعرفها قبل ذلك، والواقع أنها ولدت بعد البعثة، ويرد الاحتمالات رواية ابن حبان، في آخر الحديث هي زوجتك في الدنيا والآخرة، والثاني بعيد.
"والسرقة" بفتحات "شقة الحرير البيضاء" في أحد القولين لغة، والآخر أنه الحرير عامة والجمع سرق بفتحات، كما في القاموس، والمراد هنا الثاني؛ لأنها خضراء، ومن ثم لم يقيدها المصنف في الشرح تبعا للفتح بالبيضاء، "وفي الترمذي" وحسنه من حديثها "إن جبريل جاءه ﵊ بصورتها في خرقة حرير خضراء، وقال هذه زوجتك في الدنيا والآخرة"، فبينت هذه الرواية لون الشقة، وأن الزوجية في الدارين.
"وفي رواية عنده" عن ابن عمر قال: "قال" رسول الله ﷺ أتاني "جبريل" فقال: "إن الله" "قد زوجك بابن أبي بكر ومعه صورتها" لفظ الرواية صورة عائشة وعند ابن حبان أنهстр. 2028
وكانت مدة مقامه معها ﵊ تسع سنين، ومات عنها ولها ثماني عشرة سنة، ولم يتزوج بكرا غيرها،
الحواشي
(١) لما سار فاطمة في مرضه تكلمت عائشة، فقال ﷺ : "أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة"، وأنها قالت: من أزواجك في الجنة، قال: "أما إنك منهن".
وروى أبو الحسن الخلعي منها رفعته: "يا عائشة إنه ليهون علي الموت، أني قد رأيتك زوجتي في الجنة".
ورواه ابن عساكر بلفظ "ما أبالي بالموت مذ علمت أنك زوجتي في الجنة"، والسلفي بلفظ "هون علي الموت أني رأيت عائشة في الجنة".
وروى أحمد عنها رفعته "لقد رأيت عائشة في الجنة، كأني أنظر إلى بياض كفيها ليهون بذلك علي عند موتي"، ومن ثم خطب عمار بن ياسر، فقال: والله إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، رواه البخاري.
وروى ابن سعد عنها فضلت على نساء النبي ﷺ بعشر لم ينكح بكرا قط غيري، ولا امرأة أبواها مهاجران غيري، وأنزل الله براءتي من السماء، وجاء جبريل بصورتي من السماء في حريرة، وكنت أغتسل أنا، وهو في إناء واحد، ولم يكن يصنع ذلك بأحد من نسائه غيري، وكان يصلي وأنا معترضه بين يديه دون غيري، وكان ينزل عليه الوحي، وهو معي، ولم ينزل وهو مع غيري، وقبض وهو بين نحري وسحري، وفي الليلة التي كان يدور علي فيها، ودفن في بيتي وفيه عيسى بن ميمون واهي الحديث، كما في الإصابة، لكن شواهده كثيرة، وقد رواه ابن سعد أيضا والطبراني، برجال الصحيح، وابن أبي شيبة أنها قالت أعطيت تسع خلال ما أعطيتها امرأة، ولله ما أقول هذا فخر، أنزل الملك بصورتي، وتزوجني لسبع واهديت إليه لتسع، وتزوجني بكرا، وكان الوحي يأتيه، وأنا هو في لحاف واحد، وكنت أحب الناس إليه، وبنت أحب الناس إليه، ولقد نزلت في آيات من القرآن، وقد كادت الأمة تهلك في، ورأيت جبريل ولم يره أحد من نسائه غيري، وقبض في بيتي، لم يله أحد غيره وغير الملك.
وفي رواية أبي يعلى، لقد اعطيت تسعا ما أعطيتهن امرأة إلا مريم. نزل جبريل بصورتي في راحته، وتزوجني بكرا، وقبض ورأسه في حجري، وقبرته في بيتي، وحفت الملائكة بيتي، ونزل عليه الوحي في لحافي، وأنا ابنة خليفته وصديقه، ونزل عذري من السماء، وخلقت طيبة، وعند طيب ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما، ومن مجموع هذا ينتظم أكثر من عشر خلال، "وكانت مدة مقامه معها ﵊ تسع سنين، ومات عنها ولها ثماني عشرة سنة" كما في مسلم وغيره عنها، "ولم يتزوج بكرا غيرها" كما في الصحيح.стр. 2029
وكانت فقيهة عالمة فصيحة، كثيرة الحديث عن رسول الله ﷺ ، عارفة بأيام العرب وأشعارها،
الحواشي
(١) قال الحافظ: وهو متفق عليه بين أهل النقل، "وكانت فقيهة" جدا حتى قيل إن ربع الأحكام الشرعية منقول عنها كما في الفتح، وأما حديث خذوا شطر دينكم عن الحميراء المذكور في النهاية بلا عزو، وحديث خذوا ثلث دينكم من بين الحميراء المذكور في الفردوس بلا إسناد وبيض ولده لسنده، فذكر الحافظ ابن كثير أنه سأل عنه المزي والذهبي، فلا يعرفاه، وكذا قال الحافظ في تخريج ابن الحاجب: لا أعرف له سندا "عالمة" بكل العلوم.
قال أبو موسى الأشعري: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله ﷺ حديث قط، فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علما رواه الترمذي وصححه، وقال عروة: ما رأيت أحدا أعلم بالقرآن ولا بفريضة، ولا بحرام، ولا بحلال، ولا بفقه، ولا بشعر، ولا بطب، ولا بحديث العرب، ولا نسب من عائشة، رواه الحاكم والطبراني وغيرهما بسند حسن.
وقال مسروق: والله لقد رأيت الأكابر من الصحابة، وفي لفظ مشيخة أصحاب رسول الله: الأكابر يسألون عائشة عن الفرائض، رواه الطبراني والحاكم، وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس وأحسن الناس رأيا في العامة رواه الحاكم وغيره، "فصيحة" قال معاوية: والله ما رأيت خطيبا قط أبلغ، ولا أفصح، ولا أفطن من عائشة.
رواه الطبراني وعنده برجال الصحيح عن موسى بن طلحة: ما رأيت أحدا كان أفصح من عائشة.
وروى أحمد في الزهد والحاكم عن الأحنف بن قيس قال: سمعت خطبة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي والخلفاء هلم جرا، فما سمعت من فم أحد منهم كلاما أفخم، ولا أحسن منه من في عائشة.
"كثيرة الحديث عن رسول الله ﷺ " روي لها ألفان بالتثنية، ومائتا حديث وعشرة، اتفق الشيخان على مائة وأربعة وسبعين، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين ومسلم بثماني وستين.
"عارفة بأيام العرب" وقائعها "وأشعارها" فما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرا، أسند الزبير بن بكار عن أبي الزناد قال: ما رأيت أحدا أروى لشعر من عروة، فقلت له: ما أرواك؟ فقال: ما روايتي في رواية عائشة، ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرا.
وروى أحمد عن عروة أنه قال لها: يا أمتاه لا أعجب من فقهك، أقول زوجة رسول الله ﷺ وابنة أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر، وأيام الناس أقول ابنة أبي بكر، وكان أعلم أو من أعلم الناس به، ولكن أعجب من علمك بالطب كيف هو، وأين هو فضربتстр. 2030
روى عنها جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، وكان ﷺ يقسم لها ليلتين، ليلتها وليلة سودة بنت زمعة؛ لأنها وهبت ليلتها لما كبرت لها -كما تقدم- ولنسائه ليلة ليلة، وكان يدور على كل نسائه ويختم بعائشة.
الحواشي
(١) على منكبه، وقالت أي عرية إن رسول الله ﷺ كان يسقم، وفي لفظ كثرت أسقامه عند آخر عمره، فكانت تقدم عليه وفود العرب، من كل وجه، فتنعت له الأنعات، وفي لفظ: وكانت أطباء العرب والعجم ينعتونه، وكنت أعالجها، فمن ثم وروى أنها مدحت النبي ﷺ بقولها:
فلو سمعوا في مصر أوصاف خده ... لما بذلوا في سوم يوسف من نقد
لواحي زليخا لو رأين جبينه ... لآثرن بالقطع القلوب على الأيدي
وكانت زاهدة، كثيرة الكرم والصدقة.
روى ابن سعد عن أم درة قالت: أتيت عائشة بمائة ألف ففرقتها، وهي يومئذ صائمة، فقلت لها: أما استطعت فيما أنفقت أن تشتري بدرهم لحما تفطرين عليه؟ فقالت: لو أدركتيني لفعلت.
روت عائشة عنه ﷺ الكثير الطيب، وروت أيضا عن أبيها، وعن عمر وفاطمة، وسعد بن أبي وقاص، وأسيد بن حضير وحذامة بن وهب وضمرة بن عمرو.
و"روى عنها جماعة كثيرة من الصحابة" كعمر وابنة عبد الله وأبي هريرة وأبي موسى، وزيد بن خالد وابن عباس، وربيعة بن عمرو، والسائب بن يزيد، وصفية بنت شيبة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة بن الحارث بن نوفل، "والتابعين"، فمن كبارهم ابن المسيب، وعمرو بن ميمون، وعلقمة بن قيس، ومسروق وعبد الله بن عليم، والأسود بن يزيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو وائل، ومن آل بيتها أختها أم كلثوم، وبنتها عائشة بنت طلحة، وأخوها من الرضاعة عوف بن الحارث وابنا أخيها محمد القاسم، وعبد الله وبنتا آخيها الآخر عبد الرحمن حفصة، وأسماء، وحفيده عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن، وابنا أختها أسماء عبد الله، وعروة، وحفيد عبد الله عباد بن حمزة وآخرون كثيرون.
"وكان ﷺ يقسم لها ليلتين ليلتها وليلة سودة بنت زمعة؛ لأنها وهبت ليلتها لما كبرت" وأرد المصطفى طلاقها "لها، كما تقدم" وهو في الصحيحين عن عائشة: أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سودة، فالتي كان لا يقسم لها سودة على الصواب، وفي مسلم عن ابن جريج قال عطاء: التي لا يقسم لها صفية بنت حيي بن أخطب.
قال الطحاوي وعياض وغيرهما وهو غلط من ابن جريج، وهو أن سودة إذ وهبت يومها لعائشة "ولنسائه ليلة ليلة" أي كل واحدة ليلة واحدة، "وكان يدور على كل نسائه، ويختم بعائشة" احتجстр. 2031
...........................................
الحواشي
(١) به من قال لم يكن القسم واجبا عليه، وإنما كان يفعله تفضلا، والأكثر وجوبه عليه، وأجابوا باحتمال أنه قبل وجوب القسم عليه، أو كان يرضى صابحة النوبة، كما استأذنهن أن يمرض في بيت عائشة، أو كان يقع ذلك عند استيفاء القسمة، ثم يستأنفها، أو عند إقباله من سفر، أو بغير ذلك مما فيه لين.
قال الحافظ: وأغرب ابن العربي، فقال: خص الله نبيه فأعطاه ساعة في كل يوم لا يكون لإزواجه فيها حق يدخل فيها على جميعهن، فيفعل ما يريد، ثم يستقر عند من لها النوبة، وكانت تلك الساعة بعد العصر، فإن اشتغل عنها كانت بعد المغرب. قال أعني الحافظ: ويحتاج إلى ثبوت ما ذكر مفصلا انتهى.
ففي ختمه بها مزيد حبه لها، لجعلها المنتهى فلا تتأذى بأنه يذهب لغيرها بعدها، وليكون آخر عهده بها، ولا سيما إن كانت الليلة لها، فلا يكون بينها وبين ساعة الدوران فاصل بأحد من النساء، وكفى بذلك حبا وحسبها فضلا قول ﷺ : "فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على الطعام"، وقوله ﷺ : "يا عائشة هذا جبريل يقرئك السلام"، فقلت: ﵇ ورحمة الله وبركاته، وقوله: "لله يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل عليَّ الوحي، وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها"، وكلها في الصحيح قال في الفتح: مما يسأل عنه اختصاصها بذلك فقيل لمكان أبيها، وأنه لم يكن يفارقه ﷺ في أغلب أحواله فسرى سره لابنته مع ما كان لها من مزيد حبه ﷺ ، وقيل كانت تبالغ في تنظيف ثيابها التي تنام فيها معه ﷺ ، واستدل به على فضلها على خديجة، وليس ذلك بلازم لاحتمال أن لا يكون أراد إدخال خديجة في ذلك، والمراد بقوله "منكن" المخاطبة، وهي أم سلمة ومن أرسلها، أو من كان موجودا حينئذ من النساء، وعلى تقدير إرادة الدخول، فلا يلزم من ثبوت خصوصية شيء من الفضائل ثبوت الفضل المطلق، كحديث أقرأكم أبي وأفرضكم زيد، ونحوهما، كما أن قوله "فضل عائشة على النساء" لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وقد أشار ابن حبان إلى أن فضلها الذي دل عليه هذا الحديث وغيره مقيد بنسائه حتى لا يدخل مثل فاطمة جمعا بينه وبين حديث "أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة" انتهى.
وروى الطبراني والبزار برجال ثقات وابن حبان عنها: رأيت رسول الله ﷺ طيب النفس، فقلت: يا رسول الله ادع لي، قال: "اللهم اغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخر، وما أسرت، وما أعلنت" فضحكت عائشة حتى سقط رأسها في حجرها من الضحك، فقال ﷺ : "أسرك دعائي"، فقالت: ما لي لا يسرني دعاؤك، قال: "فوالله إنها لدعوتي لأمتي في كل صلاة".стр. 2032
وماتت بالمدينة سنة سبع وخمسين. وقال الواقدي: ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة ثمان وخمسين، وهي ابنة ست وستين سنة، وأوصت أن تدفن بالبقيع ليلا، وصلى عليها أبو هريرة ﵂، وكان يومئذ خليفة مروان على المدينة في أيام معاوية بن أبي سفيان.
وكانت عائشة تكنى أم عبد الله، يروى أنها أسقطت من النبي ﷺ سقطا، ولم يثبت والصحيح أنها كانت تكنى بعبد الله بن الزبير، ابن أختها، فإنه ﵊ تفل في فيه لما ولد،
الحواشي
(١) وفي الصحيح عن القاسم بن محمد، أن عائشة مرضت، فعادها ابن عباس، فقال: يا أم المؤمنين تقدمين على فرط صدق على رسول الله ﷺ وعلى أبي بكر، "وماتت بالمدينة سنة سبع وخمسين" فيما ذكره علي بن المديني عن سفيان عن هشام بن عروة، قال في التقريب وهو الصحيح، "وقال الواقدي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة ثمان وخمسين، وعليه اقتصر المصنف في الشرح، وصدر به في الفتح كالإصابة وعزاه فيها للأكثرين وتبعه الشامي، وزاد أنه الصحيح، وقيل سنة ست وخمسين، حكاه في العيون، وقيل تسع وخمسين، حكاه في الفتح "وهي ابنة ست وستين سنة" على القول الأول؛ لأنها ولدت سنة أربع من النبوة، فتضم تسع لسبع وخمسين تبلغ ذلك، وعلى الثاني بإسقاط عام الولادة أو الموت، وعلى الثالث بإسقاطهما معا فعاشت بعده ﷺ ، كما في فتح الباري قريبا من خمسين سنة انتهى؛ لأنه توفي ولها ثمان عشرة، فنفع الله بها الأمة في نشر العلوم وقد روى البلاذري عن القاسم بن محمد قال: استفعلت عائشة بالفتوى زمن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وهلم جرا إلى أن ماتت, "وأوصت" ابن أختها عروة "أن تدفن بالبقيع"، فقال له: إذا أنا مت فادفني مع صواحبي بالبقيع رواه ابن أبي خيثمة، فدفنت به "ليلا" ونزل في قبرها القاسم بن محمد وابن عمه عبد الله بن عبد الرحمن، وعبد الله بن أبي عتيق، وعروة، وعبد الله بن الزبير، كما في العيون، وحضر جنازتها أكثر أهل المدنية، "وصلى عليها أبو هريرة ﵁، وكان يومئذ خليفة مروان" بن الحكم أمير المدينة حينئذ من جهة معاوية "على المدينة" لأنه حج، فاستخلف أبو هريرة كذا في الشامية "في أيام معاوية بن أبي سفيان" ﵄ "وكانت عائشة تكنى أم عبد الله"، فقيل إن ذلك لما يروى عند ابن الأعرابي في معجمه "أنها أسقطت من النبي ﷺ سقطا فسماه عبد الله ولم يثبت ذلك.
قال السهيلي لأنه يدور على داود بن المحبر، وهو ضعيف "والصحيح أنها كانت تكنى بعبد الله بن الزبير ابن أختها" أسماء، "فإنه ﵊ تفل في فيه لما ولد" وأتتهстр. 2033
وقال لعائشة: هو عبد الله وأنت أم عبد الله، قالت: فما زلت أكنى بها وما ولدت قط. خرجه أبو حاتم.
الحواشي
(١) به، قالت عائشة: فكان أول شيء دخل جوفة، "وقال لعائشة: هو عبد الله وأنت أم عبد الله، قالت: فما زلت أكنى بها وما ولدت قط".
"خرجه أبو حاتم" بن حبان في صحيحه وابن سعد، وله طرق كثيرة عنها، وروى ابن أبي خيثمة عنها، قلت: يا رسول الله ألا تكنيني إن لكل صواحبي كنى، فلو كنيتني، قال: "اكتني بابنك عبد الله بن الزبير"، فكانت تكنى بأم عبد الله حتى ماتت فكأنه لما قال لها أنت أم عبد الله لما حنك ابن الزبير، احتمل عندها أنه أراد أنه من المؤمنين التي هي من أمهاتهم، فسألته أن يكنيها، فقال لها ذلك، وفي الروض بعد تضعيف حديث السقط، وأصح منه حديث أبي داود أنه ﷺ قال لها: "تكني بابن أختك عبد الله بن الزبير"، ويروى "بابنك عبد الله"، لأنها كانت قد استوهبته من أبويه، فكان في حجرها يدعوها، أما ذكره ابن إسحاق وغيره انتهى. والله تعالى أعلم.стр. 2034
[حفصة أم المؤمنين] :
أما أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄ -وأمها زينب بنت مظعون- فأسلمت وهاجرت. وكانت قبل رسول الله ﷺ تحت خنيس -بضم المعجمة وفتح النون وبالسين المهملة- ابن حذافة السهي، هاجرت معه، ومات عنها بعد غزوة بدر.
الحواشي
(١) حفصة أم المؤمنين:
"وأما أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄" التالية لعائشة في الفضل على ما استقر به الإمام السبكي، الكبير، المولودة قبل البعثة بخمس سنين، وقريش تبني الكعبة، وأمها زينب بنت مظعون، بالظاء المعجمة، وهذا ظاهر عند أهله، لكني سمعت بعض طلبة الفقه يهملها، فقلت له ذلك.
قاله البرهان الجمحية، الصحابية، أم عبد الله أيضا من المهاجرات، كما ذكر الزبير، والقول بموتها قبل الهجرة، وهم لما في البخاري أن عمر قال في ولده عبد الله، هاجر به أبواه، وقول العيون، وأمها قدامة بنت مظعون وهم؛ لأن قدامة خالها لا أمها، نبه عليه البرهان، "فأسلمت وهاجرت، وكانت قبل رسول الله ﷺ تحت" الصحابي، الجليل، البدري، "خنيس بضم" الخاء "المعجمة، وفتح النون" وسكون التحتية، "وبالسين المهملة ابن حذافة" بضم المهملة، وبالذال المعجمة، فألف ففاء القرشي "السهمي هاجرت معه ومات عنها بعد غزوة بدر"стр. 2035
فلما تأيمت ذكرها عمر على أبي بكر وعثمان فلم يجبه واحد منهما إلى زواجها، فخطبها رسول الله ﷺ فأنكحه إياها في سنة ثلاث من الهجرة،
الحواشي
(١) من جراحات أصابته ببدر، وقيل بأحد.
قال اليعمري والأول أشهر، وفي الإصابة، الراجح أنه قتل بأحد سنة ثلاث، وفي الشامية رجح كلام جحون، والأول أشهر، "فلما تأيمت" تعزبت، والأيم يقال للعزب ذكرا كان أو أنثى، بكرا أو ثيبا قال الشاعر:
فإن تنكحي انكح وإن تتايمي ... وإن كنت أفتى منكم أتايم
"ذكرها" عرضها "عمر على أبي بكر" الصديق وعثمان" بن عفان قبله "فلم يحبه واحد منهما إلى زواجها"، وهذا أصح مما قدمه المصنف في ترجمة السيدة رقية، أن عثمان خطب ابنة عمر، فرده، فبلغ النبي، فذكر الحديث، وعزاه لتخريج الخجندي؛ لأن ما هنا رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر قال: تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة، السهمي وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قد شهد بدرا وتوفي بالمدينة.
قال عمر: فلقيت عثمان، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة، قال: سأنظر في أمري فلبث ليالي، ثم لقيني، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج في يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة، فصمت، فلم يرجع إلي شيئا فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها ﷺ فانكحتها إياه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفة، فلم أرجع إليك شيئا فقلت نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني قد علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها فلم أكن لأفشي سره ولو تركها لقبلتها، وهذا أيضا أصح مما في العيون أنه عرضها على الصديق قبل عثمان لكونه في أرفع الصحيح، ولأبي يعلى أن عمر قال: يا رسول الله ألا تعجب من عثمان، عرضت عليه حفصة فاعرض عني، فقال ﷺ : "قد زوج الله عثمان خيرا، من حفصة، وزوج حفصة خيرا من عثمان"، "فخطبها رسول الله ﷺ فانكحه" عمر "إياها في سنة ثلاث من الهجرة" كما رواه ابن أبي خيثمة، عن الزهري، عن رجل من بني سهم، وعنده أيضا عن أبي عبيدة أنه تزوجها سنة اثنتين من الهجرة، وبه جزم ابن عبد البر قال في الإصابة، والراجح الأول لأن زوجها قتل بأحد سنة ثلاث، لكن قال في الفتح: الثاني أولى لأنهم قالوا تزوجها ﷺ بعد خمسة وعشرين شهرا من الهجرة، وفي رواية بعد ثلاثين، وفي أخرى بعد عشرين، وكانت أحد بعد الهجرة بأكثر من ثلاثين شهرا، أو قد جزم ابن سعد بأن زوجها مات بعد قدومه ﷺ من بدر انتهى.
وقال ابن سيد الناس تزوجها في شعبان على رأس ثلاثين شهرا من مهاجره على القولследующие страницы →