Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
...........................................
الحواشي
(١) به من قال لم يكن القسم واجبا عليه، وإنما كان يفعله تفضلا، والأكثر وجوبه عليه، وأجابوا باحتمال أنه قبل وجوب القسم عليه، أو كان يرضى صابحة النوبة، كما استأذنهن أن يمرض في بيت عائشة، أو كان يقع ذلك عند استيفاء القسمة، ثم يستأنفها، أو عند إقباله من سفر، أو بغير ذلك مما فيه لين.
قال الحافظ: وأغرب ابن العربي، فقال: خص الله نبيه فأعطاه ساعة في كل يوم لا يكون لإزواجه فيها حق يدخل فيها على جميعهن، فيفعل ما يريد، ثم يستقر عند من لها النوبة، وكانت تلك الساعة بعد العصر، فإن اشتغل عنها كانت بعد المغرب. قال أعني الحافظ: ويحتاج إلى ثبوت ما ذكر مفصلا انتهى.
ففي ختمه بها مزيد حبه لها، لجعلها المنتهى فلا تتأذى بأنه يذهب لغيرها بعدها، وليكون آخر عهده بها، ولا سيما إن كانت الليلة لها، فلا يكون بينها وبين ساعة الدوران فاصل بأحد من النساء، وكفى بذلك حبا وحسبها فضلا قول ﷺ : "فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على الطعام"، وقوله ﷺ : "يا عائشة هذا جبريل يقرئك السلام"، فقلت: ﵇ ورحمة الله وبركاته، وقوله: "لله يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل عليَّ الوحي، وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها"، وكلها في الصحيح قال في الفتح: مما يسأل عنه اختصاصها بذلك فقيل لمكان أبيها، وأنه لم يكن يفارقه ﷺ في أغلب أحواله فسرى سره لابنته مع ما كان لها من مزيد حبه ﷺ ، وقيل كانت تبالغ في تنظيف ثيابها التي تنام فيها معه ﷺ ، واستدل به على فضلها على خديجة، وليس ذلك بلازم لاحتمال أن لا يكون أراد إدخال خديجة في ذلك، والمراد بقوله "منكن" المخاطبة، وهي أم سلمة ومن أرسلها، أو من كان موجودا حينئذ من النساء، وعلى تقدير إرادة الدخول، فلا يلزم من ثبوت خصوصية شيء من الفضائل ثبوت الفضل المطلق، كحديث أقرأكم أبي وأفرضكم زيد، ونحوهما، كما أن قوله "فضل عائشة على النساء" لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وقد أشار ابن حبان إلى أن فضلها الذي دل عليه هذا الحديث وغيره مقيد بنسائه حتى لا يدخل مثل فاطمة جمعا بينه وبين حديث "أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة" انتهى.
وروى الطبراني والبزار برجال ثقات وابن حبان عنها: رأيت رسول الله ﷺ طيب النفس، فقلت: يا رسول الله ادع لي، قال: "اللهم اغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخر، وما أسرت، وما أعلنت" فضحكت عائشة حتى سقط رأسها في حجرها من الضحك، فقال ﷺ : "أسرك دعائي"، فقالت: ما لي لا يسرني دعاؤك، قال: "فوالله إنها لدعوتي لأمتي في كل صلاة".стр. 2032
وماتت بالمدينة سنة سبع وخمسين. وقال الواقدي: ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة ثمان وخمسين، وهي ابنة ست وستين سنة، وأوصت أن تدفن بالبقيع ليلا، وصلى عليها أبو هريرة ﵂، وكان يومئذ خليفة مروان على المدينة في أيام معاوية بن أبي سفيان.
وكانت عائشة تكنى أم عبد الله، يروى أنها أسقطت من النبي ﷺ سقطا، ولم يثبت والصحيح أنها كانت تكنى بعبد الله بن الزبير، ابن أختها، فإنه ﵊ تفل في فيه لما ولد،
الحواشي
(١) وفي الصحيح عن القاسم بن محمد، أن عائشة مرضت، فعادها ابن عباس، فقال: يا أم المؤمنين تقدمين على فرط صدق على رسول الله ﷺ وعلى أبي بكر، "وماتت بالمدينة سنة سبع وخمسين" فيما ذكره علي بن المديني عن سفيان عن هشام بن عروة، قال في التقريب وهو الصحيح، "وقال الواقدي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة ثمان وخمسين، وعليه اقتصر المصنف في الشرح، وصدر به في الفتح كالإصابة وعزاه فيها للأكثرين وتبعه الشامي، وزاد أنه الصحيح، وقيل سنة ست وخمسين، حكاه في العيون، وقيل تسع وخمسين، حكاه في الفتح "وهي ابنة ست وستين سنة" على القول الأول؛ لأنها ولدت سنة أربع من النبوة، فتضم تسع لسبع وخمسين تبلغ ذلك، وعلى الثاني بإسقاط عام الولادة أو الموت، وعلى الثالث بإسقاطهما معا فعاشت بعده ﷺ ، كما في فتح الباري قريبا من خمسين سنة انتهى؛ لأنه توفي ولها ثمان عشرة، فنفع الله بها الأمة في نشر العلوم وقد روى البلاذري عن القاسم بن محمد قال: استفعلت عائشة بالفتوى زمن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وهلم جرا إلى أن ماتت, "وأوصت" ابن أختها عروة "أن تدفن بالبقيع"، فقال له: إذا أنا مت فادفني مع صواحبي بالبقيع رواه ابن أبي خيثمة، فدفنت به "ليلا" ونزل في قبرها القاسم بن محمد وابن عمه عبد الله بن عبد الرحمن، وعبد الله بن أبي عتيق، وعروة، وعبد الله بن الزبير، كما في العيون، وحضر جنازتها أكثر أهل المدنية، "وصلى عليها أبو هريرة ﵁، وكان يومئذ خليفة مروان" بن الحكم أمير المدينة حينئذ من جهة معاوية "على المدينة" لأنه حج، فاستخلف أبو هريرة كذا في الشامية "في أيام معاوية بن أبي سفيان" ﵄ "وكانت عائشة تكنى أم عبد الله"، فقيل إن ذلك لما يروى عند ابن الأعرابي في معجمه "أنها أسقطت من النبي ﷺ سقطا فسماه عبد الله ولم يثبت ذلك.
قال السهيلي لأنه يدور على داود بن المحبر، وهو ضعيف "والصحيح أنها كانت تكنى بعبد الله بن الزبير ابن أختها" أسماء، "فإنه ﵊ تفل في فيه لما ولد" وأتتهстр. 2033
وقال لعائشة: هو عبد الله وأنت أم عبد الله، قالت: فما زلت أكنى بها وما ولدت قط. خرجه أبو حاتم.
الحواشي
(١) به، قالت عائشة: فكان أول شيء دخل جوفة، "وقال لعائشة: هو عبد الله وأنت أم عبد الله، قالت: فما زلت أكنى بها وما ولدت قط".
"خرجه أبو حاتم" بن حبان في صحيحه وابن سعد، وله طرق كثيرة عنها، وروى ابن أبي خيثمة عنها، قلت: يا رسول الله ألا تكنيني إن لكل صواحبي كنى، فلو كنيتني، قال: "اكتني بابنك عبد الله بن الزبير"، فكانت تكنى بأم عبد الله حتى ماتت فكأنه لما قال لها أنت أم عبد الله لما حنك ابن الزبير، احتمل عندها أنه أراد أنه من المؤمنين التي هي من أمهاتهم، فسألته أن يكنيها، فقال لها ذلك، وفي الروض بعد تضعيف حديث السقط، وأصح منه حديث أبي داود أنه ﷺ قال لها: "تكني بابن أختك عبد الله بن الزبير"، ويروى "بابنك عبد الله"، لأنها كانت قد استوهبته من أبويه، فكان في حجرها يدعوها، أما ذكره ابن إسحاق وغيره انتهى. والله تعالى أعلم.стр. 2034
[حفصة أم المؤمنين] :
أما أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄ -وأمها زينب بنت مظعون- فأسلمت وهاجرت. وكانت قبل رسول الله ﷺ تحت خنيس -بضم المعجمة وفتح النون وبالسين المهملة- ابن حذافة السهي، هاجرت معه، ومات عنها بعد غزوة بدر.
الحواشي
(١) حفصة أم المؤمنين:
"وأما أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄" التالية لعائشة في الفضل على ما استقر به الإمام السبكي، الكبير، المولودة قبل البعثة بخمس سنين، وقريش تبني الكعبة، وأمها زينب بنت مظعون، بالظاء المعجمة، وهذا ظاهر عند أهله، لكني سمعت بعض طلبة الفقه يهملها، فقلت له ذلك.
قاله البرهان الجمحية، الصحابية، أم عبد الله أيضا من المهاجرات، كما ذكر الزبير، والقول بموتها قبل الهجرة، وهم لما في البخاري أن عمر قال في ولده عبد الله، هاجر به أبواه، وقول العيون، وأمها قدامة بنت مظعون وهم؛ لأن قدامة خالها لا أمها، نبه عليه البرهان، "فأسلمت وهاجرت، وكانت قبل رسول الله ﷺ تحت" الصحابي، الجليل، البدري، "خنيس بضم" الخاء "المعجمة، وفتح النون" وسكون التحتية، "وبالسين المهملة ابن حذافة" بضم المهملة، وبالذال المعجمة، فألف ففاء القرشي "السهمي هاجرت معه ومات عنها بعد غزوة بدر"стр. 2035
فلما تأيمت ذكرها عمر على أبي بكر وعثمان فلم يجبه واحد منهما إلى زواجها، فخطبها رسول الله ﷺ فأنكحه إياها في سنة ثلاث من الهجرة،
الحواشي
(١) من جراحات أصابته ببدر، وقيل بأحد.
قال اليعمري والأول أشهر، وفي الإصابة، الراجح أنه قتل بأحد سنة ثلاث، وفي الشامية رجح كلام جحون، والأول أشهر، "فلما تأيمت" تعزبت، والأيم يقال للعزب ذكرا كان أو أنثى، بكرا أو ثيبا قال الشاعر:
فإن تنكحي انكح وإن تتايمي ... وإن كنت أفتى منكم أتايم
"ذكرها" عرضها "عمر على أبي بكر" الصديق وعثمان" بن عفان قبله "فلم يحبه واحد منهما إلى زواجها"، وهذا أصح مما قدمه المصنف في ترجمة السيدة رقية، أن عثمان خطب ابنة عمر، فرده، فبلغ النبي، فذكر الحديث، وعزاه لتخريج الخجندي؛ لأن ما هنا رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر قال: تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة، السهمي وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قد شهد بدرا وتوفي بالمدينة.
قال عمر: فلقيت عثمان، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة، قال: سأنظر في أمري فلبث ليالي، ثم لقيني، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج في يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة، فصمت، فلم يرجع إلي شيئا فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها ﷺ فانكحتها إياه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفة، فلم أرجع إليك شيئا فقلت نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني قد علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها فلم أكن لأفشي سره ولو تركها لقبلتها، وهذا أيضا أصح مما في العيون أنه عرضها على الصديق قبل عثمان لكونه في أرفع الصحيح، ولأبي يعلى أن عمر قال: يا رسول الله ألا تعجب من عثمان، عرضت عليه حفصة فاعرض عني، فقال ﷺ : "قد زوج الله عثمان خيرا، من حفصة، وزوج حفصة خيرا من عثمان"، "فخطبها رسول الله ﷺ فانكحه" عمر "إياها في سنة ثلاث من الهجرة" كما رواه ابن أبي خيثمة، عن الزهري، عن رجل من بني سهم، وعنده أيضا عن أبي عبيدة أنه تزوجها سنة اثنتين من الهجرة، وبه جزم ابن عبد البر قال في الإصابة، والراجح الأول لأن زوجها قتل بأحد سنة ثلاث، لكن قال في الفتح: الثاني أولى لأنهم قالوا تزوجها ﷺ بعد خمسة وعشرين شهرا من الهجرة، وفي رواية بعد ثلاثين، وفي أخرى بعد عشرين، وكانت أحد بعد الهجرة بأكثر من ثلاثين شهرا، أو قد جزم ابن سعد بأن زوجها مات بعد قدومه ﷺ من بدر انتهى.
وقال ابن سيد الناس تزوجها في شعبان على رأس ثلاثين شهرا من مهاجره على القولстр. 2036
وطلقها تطليقة واحدة، ثم راجعها، نزل عليه الوحي: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة.
وروى عنها جماعة من الصحابة والتابعين. وماتت في شعبان سنة خمس وأربعين في خلافة معاوية، وقيل.
الحواشي
(١) الأول، أي موت زوجها بعد بدر وبعد أحد على الثاني، "وطلقها تطليقة واحدة، ثم راجعها" رحمة لأبيها، ولأنه "نزل" جبريل "عليه" فقال له: "راجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وأنها زوجتك في الجنة".
أخرجه ابن سعد والطبراني برجال الصحيح من مرسل قيس بن سعد، أنه ﷺ طلق حفصة، فدخل عليها خالاها قدامة، وعثمان ابنا مظعون، فبكت وقالت: والله ما طلقني عن شيء فجاء ﷺ ، فتخليت فقال: قال لي: جبريل راجع حفصة فذكره.
وروى ابن أبي خيثمة عن أنس أنه ﷺ طلق حفصة تطليقة، فأتاه جبريل، فقال: طلقت حفصة وهي صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة.
وعن عقبة بن عامر أنه ﷺ طلق حفصة، فبلغ ذلك عمر، فحثا على رأسه التراب، وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها، فنزل جبريل من الغد، وقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر، ثم أراد أن يطلقها ثانية، فقال له جبريل: لا تطلقها فإنها صوامة قوامة، أخرجه.
وروى أبو يعلى عن ابن عمر قال: دخل عمر على حفصة، وهي تبكي: فقال: لعل رسول الله ﷺ قد طلقك أنه كان قد طلقك، ثم راجعك من أجلي، فإن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدا، وفي هذه الأحاديث تنبيه من الله على فضلها، والثناء عليها بكثرة الصيام والقيام، والإخبار بأنها زوجة في الجنة للمختار، وقالت عائشة في حقها: إنها ابنت أبيها تنبيها على فضلها، رواه أبو داود عن الزهري، واسترضاها ﷺ لما عتبت عليه بوطء مارية في بيتها، فحرمها وشهد بدرا من أهلها سبعة: أبوها، وعمها زيد، وزوجها وأخوالها: عثمان، وعبد الله، وقدامة، والسائب بن عثمان خالها، وروى لها عنه ﷺ ستون حديثا في البخاري منها خمسة.
و"روى عنها جماعة من الصحابة والتابعين" كأخيها عبد الله، وابنه حمزة، وزوجته صفية بنت أبي عبيد، وحارثة بن وهب، والمطلب بن أبي وادعة، وأم مبشر الأنصارية، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن صفوان بن أمية وغيرهم "وماتت في شعبان سنة خمسة وأربعين" بالمدينة "في خلافة معاوية" وبه جزم في التقريب، وصلى عليها مروان بن الحكم أمير المدينة وحمل سريرها بعض الطريق، ثم حمله أبو هريرة إلى قبرها، ونزل فيها أخوها عبد الله، وعاصم، وسالم، وعبد الله، وحمزة بنو عبد الله بن عمر، كما ذكر ابن سعد، "وقيل" ماتت في جمادىстр. 2037
سنة إحدى وأربعين وهي ابنة ستين سنة، وقيل إنها ماتت في خلافة عثمان.
الحواشي
(١) الأولى "سنة إحدى وأربعين"، حين بايع الحسن معاوية، "وهي ابنة ستين سنة"، على القول الثاني؛ لأنها ولدت قبل النبوة بخمس سنين، فتضم إلى ثلاث عشرة قبل الهجرة، ثم إلى إحدى وأربعين بعدها تبلغ ذلك، أما على الأول فتكون ابنة ثلاث وستين، وقد أحسن اليعمري حيث قال بعد الأول، وقد بلغت ثلاثا وستين سنة، "وقيل إنها ماتت في خلافة عثمان" سنة سبع وعشرين، قال في الإصابة حكاه الدولابي، وهو غلط، وكان قائله استند إلى ما رواه ابن وهب عن مالك أنه قال: ماتت حفصة عام فتحت أفريقية، ومراده فتحها الثاني الذي كان على يد معاوية بن خديج، وهو في سنة خمسين، وأما الأول الذي كان في عهد عثمان سنة سبع وعشرين فلا، انتهى، وقيل ماتت سنة خمسين، وقيل سنة سبع وأربعين، حكاها البرهان، وأوصت إلى أخيها عبد الله بما أوصى إليها عمرو بصدقة تصدقت بها، بمال وقفته بالغاية، ذكره أبو عمر والله أعلم.стр. 2038
[أم سلمة أم المؤمنين] :
أما أم المؤمنين أم سلمة هند، وقيل رملة الأول أصح -وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة، وليست عاتكة بنت عبد المطلب- فكانت قبل رسول الله ﷺ تحت أبي سلمة بن عبد الأسد، وكانت هي وزوجها أول من هاجر إلى أرض الحبشة، فولدت له بها زينب،
الحواشي
(١) أم سلمة أم المؤمنين:
"وأما المؤمنين أم سلمة" الموصوفة بالجمال البارع، والعقل البالغ والرأي الصائب، وإشارتها عليه ﷺ يوم الحديبية تدل على وفور عقلها وصواب رأيها، حتى قال إمام الحرمين لا نعلم امرأة أشارت برأي فأصابت إلا أم سلمة "هند، وقيل رملة الأول أصح" بل قال أبو عمرو: يقال رملة وليس بشيء وتقدم اسم أبيها ونسبه، "وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة" بن مالك، لكنانية، وليست عاتكة بنت عبد المطلب" خلافا لمن أخطأ فظنها بنت عمته ﷺ وإنما هي بنت زوجها، وأخواها عبد الله وزهير ابنا عمته ﵇، "فكانت قبل رسول الله ﷺ تحت" ابن عمها عبد الله "أبي سلمة بن عبد الأسد" بن المغيرة المخزومي "وكانت هي وزوجها" ممن أسلم قديما، و"أول من هاجر إلى أرض الحبشة"، في أحد الأقوال، وقيل عثمان، وقيل سليط وقيل حاطب كما مر "فولدت له بها زينب" فيما يقال، لكن في مسند البزار ما يدل على أنها وضعتها بعد موت أبي سلمة، فحلت، فخطبها صلى الله فتزوجها، وكان اسمها برة، فغيره ﷺ زينب.стр. 2039
وولدت له بعد ذلك سلمة وعمر ودرة وقيل هي أولى ظعينة دخلت المدينة مهاجرة،
الحواشي
(١) أسنده ابن أبي خيثمة عنها، حفظت عنه ﷺ ، وروت عنه وعن أزواجه، ذكره في الإصابة في ترجمة زينب، "وولدت له بعد ذلك سلمة" الذي زوجه ﷺ أمامه بنت حمزة عمه، وعاش إلى خلافة عبد الملك ولم يحفظ له رواية.
"وعمر" الصحابي الصغير، وله رواية في الكتب الستة، واستعمله على فارس والبحرين، ومات بالمدينة سنة ثلاث وثمانين على الصحيح، "ودرة" التي قالت أم حبيبة: يا رسول الله إنا قد تحدثنا أنك ناكح درة بنت أبي سلمة، فقال: إنها لو لم تكن ربيبة في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة رواه البخاري، وقد علمت أن كون زينب أكبر أولادها إنما هو قول ضعيف، ولذا جزم في الإصابة في ترجمة أم سلمة بقوله، فولدت له سلمة بالحبشة، ثم قدما مكة، وهاجر إلى المدينة، فولدت له عمر ودرة وزينب، وأما الشامي، فتناقض كلامه، فقال: أولا سلمة أكبرهم، وعمر، وزينب أصغرهم، ثم بعده بقليل جزم بأن عمر ولد بالحبشة في السنة الثمانية من الهجرة ولدت زينب بأرض الحبشة، وتركة ذكرة درة رأسا، وكأنه أراد أن يحكي ذلك قولا مقابلا لما صدر به فنسي، لكن الشفاء في الإصابة، فإنه قال في زينب ما علمت، وفي عمر ولد في الحبشة في السنة الثانية، وقيل قبل ذلك وقبل الهجرة، ويدل عليه قول ابن الزبير كان أكبر مني بسنتين، "وقيل هي أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة" كما رواه البغوي عن قبيصة بن ذؤيب.
وروى ابن إسحاق عنها: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل بعيرا له، وحملني، وحمل معي ابن سلمة، ثم خرج يقود بعيره، فلما رآه بنو المغيرة قالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد، ونزعوا خطام البعير ن يدي وأخذوني، فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، وأهووا إلى سلمة، وقالوا: والله لا نترك ابنتنا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، فتجاذبوا سلمة حتى خلعوا يده، وانطلق به عبد الأسد ورهط أبي سلمة، وحبسني بنو المغيرة عندهم، فكنت أنطلق غداة، وأجلس أبكي بالأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي سبعا، أو قربها حتى مر بي رجل من بني عمي، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة، فرقتم بينها وبين زوجها وابنها فقالوا: الحقي بزوجك إن شئت.
ورد على عبد الأسد عند ذلك ابني، فرحلت بعيري، ووضعت ابني في حجري، ثم خرجت أريد المدينة وما معي أحد من خلق الله حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة، فقال: أين يا بنت أبي أمية، قلت: أريد زوجي بالمدينة، فقال: هل معك أحد، قلت: لا واللهстр. 2040
وقيل غيرها، ومات أبو سلمة سنة أربع وقيل سنة ثلاث من الهجرة.
وكانت أم سلمة سمعته ﵊ يقول: "ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلفني خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها" قالت: فلما مات أبو سلمة
الحواشي
(١) إلا الله وبني هذا، فقال: والله ما مثلك يترك فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يقودني، فوالله ما صحبت رجلا من العرب كان أكرم منه، إذا نزل المنزل أناخ بي، ثم تنحى إلى شجرة، فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح، قام إلى بعيري، فقدمه ورحله، ثم تأخر عني وقال: اركبي فإذا استويت أتى فأخذ بخطامه فقادني، فلم يزل يصنع ذلك حتى قدم بي المدينة، فلما نظر إلى قباء قال: زوجك في هذه القرية، وكان أبو سلمة بها، "وقيل غيرها" قال في الإصابة، ويقال: إن ليلى امراة عامر بن ربيعة شاركتها في هذه الأولية، وقال الشامي: ويقال بل ليلى، "ومات أبو سلمة" البدري المسلم بعد عشرة أنفس، كما قال ابن إسحاق: بجرح أصابه بأحد، فعالجه شهرا حتى برئ، ثم بعثه ﷺ في سرية، فغاب شهرا ثم عاد فانتقض جرحه، فمات لثمان خلون من جمادى الآخرة "سنة أربع" عند الجمهور، منهم ابن جرير، ويعقوب بن سفيان، وابن البرقي، وابن أبي خيثمة، "وقيل" في جمادى الآخرة أيضا، لكن "سنة ثلاث من الهجرة" قاله ابن عبد البر، قال في الإصابة، والراجح الأول انتهى، "وكانت أم سلمة سمعته ﵊" وفي رواية أن زوجها حدثها عنه بذلك ولا منافاة فحدثها أولا، ثم سمعته ﷺ "يقول" كما في أبي داود والنسائي عن أم سلمة، ولم يذكوا عن أبي سلمة "ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول: اللهم أجرني".
قال السيوطي: بهمزة قطع ممدودة، وكسر الجيم بوزن أكرمني، وبسكون الهمزة، وضم الجيم بوزن انصرني، أي أثبني وأعطني "في مصيبتي وأخلفني" بضم اللام "خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها" ولمسلم والنسائي، وغيرهما أن أبا سلمة جاء إلى أم سلمة، فقال: سمعت من رسول الله صلى الله حديثا هو أعجب إلي من كذا، وكذا، ما أدري ما أعدل به، سمعته يقول: "لا تصيب أحدا مصيبة، فيسترجع عند ذلك ثم يقول: اللهم عندك احتسب مصيبتي هذه، اللهم اخلفني فيها بخير منها إلا أعطاه الله ذلك" والترمذي.
وقال حسن غريب، والنسائي، وابن ماجه، عن أم سلمة، عن أبي سلمة مرفوعا "إذا أصاب أحدكم مصيبة فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم عندك احتسب مصيبتي" الحديث.
"قالت: فلما مات أبو سلمة" استرجعت، وقلت: اللهم عندك احتسب مصيبتي، هذه كما في رواية الجماعة عنها زاد في رواية البغوي وغيره ولم تطب نفسي أن أقول اللهم اخلفنيстр. 2041
قلت أي المسلمين خير من أبي سلمة، ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ فأرسل إلي رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له.
وفي رواية: فخطبها أبو بكر فأبت، وخطبها عمر فأبت، ثم أرسل إليها رسول الله ﷺ فقالت: مرحبا برسول الله، إن فيَّ خلالا ثلاثا: أنا امرأة شديدة الغيرة، وأنا امرأة مصبية وأنا امرأة ليس لي هنا أحد من أوليائي فيزوجني. فغضب عمر ﵁ أشد مما غضب لنفسه حين ردته، فأتاها رسول الله ﷺ فقال لها: "أما ما ذكرت
الحواشي
(١) خيرا منها و"قلت أي المسلمين خير من أبي سلمة" في قيامه بأمري على الوجه الذي أريده وبعيد أن يكون غيره مثله في حقي، فلم ترد إنكار خيرية أحد من المسلمين على الإطلاق، وهذا أولى من قول صاحب فتح الإله، كأنها أرادت غير نحو العشرة ممن لم تعرف لهم أفضلية على غيرهم حينئذ، وظنها أفضلية أبي سلمة على الكل بعيد من كمال عقلها وفقهها انتهى.
وفي رواية فكنت إذا أردت أن أقول وأبدلني خيرا منها، أقول ومن خير من أي سلمة، وفي رواية لابن ماجه، فلما أردت أن أقول: اللهم عضني خيرا منها، قلت في نفسي: أعاض خيرا من أبي سلمة، "ثم إني قلتها" أي المقالة التي هي "اللهم ... إلخ" "فاخلف الله لي رسول الله ﷺ فأرسل إلي رسول الله ﷺ " بعد انقضاء عدتها بوضع زينب، كما في رواية النسائي "حاطب بن أبي بلتعة يخطبني" بضم الطاء "له" كما في مسلم وغيره، والنسائي وغيره أنه أرسل عمر بن الخطاب يخطبها له، وللطبراني برجل الصحيح والنسائي أيضا من وجه آخر، والدارقطني أنه ﷺ خطبها بنفسه، وجمع بأنه بعثهما أولا، ثم خطب بنفسه ثانيا، "وفي رواية عند النسائي وغيره بسند صحيح من حديثهما "فخطبها أبو بكر" وفي رواية، فلما انقضت عدتها، أرسل أبو بكر يخطبها، "فأبت وخطبها عمر" وفي رواية فأرسل إليها عمر يخطبها "فأبت ثم أرسل إليها رسول الله ﷺ يخطبها فقالت: مرحبا برسول الله، إن فيَّ خلالا ثلاثا" أخافهن على رسول الله ﷺ ، "أنا امرأة شديدة الغيرة، وأنا امرأة مصبية"، بضم الميم، وسكون المهملة، وكسر الموحدة، وخفة التحتية، أي ذات صبية ذكور وأناث "وأنا امرأة ليس لي هنا أحد من أوليائي فيزوجني" وللنسائي فقالت: ما مثلي ينكح أنا لا يولد لي وغيور، وذات عيال، "فغضب عمر ﵁ أشد مما غضب لنفسه حين ردته".
زاد في رواية، فقال: أنت التي تردين رسول الله ﷺ ، فقالت: يابن الخطاب إن في كذا وكذا، "فأتاها رسول الله ﷺ ، فقال لها" زاد في رواية النسائي أنا أكبر منك و "أما ما ذكرت"стр. 2042
من غيرتك فإني أرجو الله أن يذهبها عنك، وأما ما ذكرت من صبيتك فإن الله سيكفيهم، وأما ما ذكرت من أوليائك فليس أحد من أوليائك يكرهني". فقالت لابنها: زوج رسول الله ﷺ فزوجه. قال صاحب "السمط الثمين" رواه بهذا السياق هدبة بن خالد و"صاحب الصفوة" وخرج أحمد والنسائي طرفا منه، ومعناه في الصحيح.
ومنه دلالة على أن الابن يلي العقد على أمه، وعندنا أنه إنما زوجها بالعصوبة لأنه ابن عمها؛ لأن أبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله، وأم سلمة هند بنت سهيل بن المغيرة بن عبد الله، ولم يكن من عصبتها
الحواشي
(١) من غيرتك فإني أرجو الله أن يذهبها عنك".
وفي رواية "فسأدعو الله، فيذهب غيرتك"، فدعا ﷺ فكانت في النساء كأنها ليست منهن، لا تجد من الغيرة شيئا، "وأما ما ذكرت من صبيتك فإن الله سيكفيهم".
وفي رواية النسائي: "وأما العيال فإلى الله ورسوله"، "وأما ما ذكرت من أوليائك فليس أحد من أوليائك يكرهني".
وفي رواية "شاهد ولا غائب إلا سيرضاني" "فقالت لابنها" عمر، كما في رواية أحمد والنسائي.
وروى ابن إسحاق أنه سلمة أخوه، وعليه الأكثر، قال البلاذري، وهو أثبت، وأقره في الإصابة "زوج رسول الله ﷺ " أمك، "فزوجه" إياها.
"قال" المحب الطبري "صاحب السمط" بكسر السين العقد "الثمين" أي الغالي في أزواج الأمين "رواه بهذا السياق هدبة" بضم الهاء، وسكون الدال، بعدها موحدة "ابن خالد" بن الأسود العنسي أبو خالد البصري، ويقال له هداب، بفتح الهاء والتثقيل، ثقة عابد، لقيه البخاري، ومسلم، وأبو داود، ورووا عنه، ومات سنة بضع وثلاثين ومائتين، "وصاحب الصفوة" ابن الجوزي، "وخرج أحمد والنسائي طرفا منه، ومعناه في الصحيح" لمسلم، "وفيه دلالة على أن الابن يلي العقد على أمه"، كما ذهب إليه أبو حنيفة، ومالك، وجماعة، "وعندنا" يعني الشافعية "أن إنما زوجها بالعصوبة لأنه اب عمها؛ لأن أبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد" بسين ودال مهملتين "ابن هلال بن عبد الله" بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي.
"وأم سلمة هند بنت" أبي أمية، واسمه "سهيل" في أحد الأقوال، وقيل هشام وقيل حذافة، وصدوا في الإصابة "ابن المغيرة بن عبد الله" بن عمر بن مخزوم المذكور، "ولم يكن من عصبتهاстр. 2043
أحد حاضرا غيره.
وكانت أم سلمة من
الحواشي
(١) أحد حاضرا غيره" من المستوين في الدرجة، لا إنه إذا غاب أقرب العصبة زوج الأبعد؛ لأنه إنما يزوجها حينئذ القاضي، كما هو مذهب الشافعية، ثم استشكل استدلال كل من الفريقين بصغر سن ابنيها سلمة وعمر عن أن يتولى واحد منهما النكاح؛ إذ لم يبلغ واحد منهما حتى أقدم بعضهم على الرواية، فقال: هي وهم أو هو عمر بن الخطاب، وقالت له زوج أمك مجازا باعتبار الأول؛ لأنها تصير أم المؤمنين وبعض أقدم بالظن، وتكلم بلا علم، فظن الأنثى ذكرا، فقال قد كان لها ابن سلمة ودرة ولم ينقل أن واحدا منهما زوجها وقد علمت أن درة أنثى، وإن قول الأكثر أن المزوج لها سلمة، وأنه أثبت والحق أنه ﷺ تزوجها من نفسه بلا ولي، كما هو من خصوصياته، وقبله من ابنها صورة تطييبا لخاطرهما، وبذلك جزم السيوطي في خصائصه، فقال: وقال لأم سلمة "مري ابنك أن يزوجك"، فزوجها وهو يومئذ صغير لم يبلغ انتهى.
وروى الطبراني برجال الصحيح عنها: أنه ﷺ أتاها فلف رداءه، ووضعه على أسكفة الباب، واتكأ عليه، وقال: "هل لك يا أم سلمة"؟ قلت: إني امرأة شديدة الغيرة، وأخاف أن يبدو للنبي ﷺ ما يكره، فانصرف، ثم عاد، فقال: "هل لك يا أم سلمة؟ إن كان لزيادة في صداقك زدنا"، فعادت لقولهها، فقالت أم عبد: يا أم سلمة تدرين ما يتحدث به نساء قريش، يقلن إنما ردت محمدا لأنها تريد من قريش أحدث منه وأكثر مالا، فأتت رسول الله ﷺ فتزوجها.
وروى ابن سعد عنها قالت: قلت لأبي سلمة بلغني أنه ليس امرأة يموت زوها، وهما من أهل الجنة، ثم لم تتزوج بعده إلا جمع الله بينهما في الجنة، وكذلك إذا ماتت المرأة وبقي الرجل بعدها فتعال أعاهدك أن لا تتزوج بعد، ولا أتزوج بعدك، قال: أتعطيني؟ قالت: ما سألتك إلا لأعطيك، قال: فإذا أنا مت فتزوجي، ثم قال: "اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلا خيرا مني، لا يحزنها ولا يؤذيها" فلما مات قلت: من هذا الذي هو خير لي من أبي سلمة؟ فلبثت ما لبثت، فجاء رسول الله ﷺ ، فوقف على الباب، فذكر نحو ما سبق.
قال ابن إسحاق: وأصدقها فراشا حشوة ليف، وقدحا، وصحفة ومجشة انتهى.
قال في الروض: وهي الرحى، ومنه سمي الحشيش، وذكر معها أشياء لا تعرف قيمتها، منها جفنة وفراش.
وفي مسند البزار قال أنس: أصدقها متاعا قيمته عشرة دراهم قال البزار، ويروى أربعون درهما انتهى.
وفي الحديث أنه بنى بها، فبات، فلما أصبح قال: "إن لك على أهلك كرامة، فإن شئت سبعت لك وسبعت لنسائي، وإن شئت ثلثت ودرت"، فقالت: بل ثلث، "وكانت أم سلمة منстр. 2044
أجمل الناس، وتزوجها رسول الله ﷺ في ليال بقين من شوال من السنة التي مات فيها أبو سلمة.
وماتت سنة تسع وخمسين وقيل سنة اثنتين وستين، والأول أصح،
الحواشي
(١) أجمل الناس" قالت عائشة: لما تزوجها حزنت حزنا شديدا لما ذكر لنا من جمالها، فذكرت ذلك لحفصة، فقالت: ما هي، كما يقال، فتلطفت حتى رأيتها، فرأيت والله أضعاف ما وصفت، فذكرت لحفصة، فقالت: نعم ولكني كنت غيرى.
رواه ابن سعد وروى أحمد أنه ﷺ لما تزوجها قال: "يا أم سلمة إني أهديت إلى النجاشي حلة، وأواقي مسك، ولا أراه إلا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودة فهي لك فكان كما" قال، فأعطى كل واحدة من نسائه أوقية، وأعطى أم سلمة المسك والحلة.
وروى أبو الحسن الخلعي عن زينب بنت أبي سلمة أنه ﷺ كان عند أمها، فجعل حسنا في شق، وحسينا في شق وفاطمة في حجره، وقال: "رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد"، فبكت أم سلمة، فقال: "ما يبكيك"؟ قالت: يا رسول الله خصصتهم، وتركتني وابنتي، فقال: "إنك من أهل البيت".
وروى عمر الملاء عن عائشة، كان ﷺ إذا صلى العصر، دخل على نسائه واحدة واحدة، يبدأ بأم سلمة؛ لأنها أكبرهن ويختم بي.
وروى الشيخان عن أم سلمة قلت: يا رسول الله هل لي أجر في بني أبي سلمة، أنفق عليه، ولست بتاركتهم هكذا وهكذا إنما همي بني؟ فقال: "نعم لك أجر ما أنفقت عليه"، "وتزوجها رسول الله ﷺ في ليال بقين من شوال من السنة التي مات فيها أبو سلمة" وهي الرابعة على الصحيح أو الثالثة، وأما قول أبي عبيدة وابن عبد البر تزوجها بعد وقعة بدر في شوال سنة اثنتين، فقال اليعمري، ليس بشيء؛ لأن أبا عمر قال في وفاة أبي سلمة، أنها في جمادى الآخرة سنة ثلاث، وهو لم يتزوجها لا بعد انقضاء عدتها من وفاته انتهى، "وماتت سنة تسع وخمسين، في شوال، قاله الواقدي وتبعه ابن عساكر، وقيل سنة اثنتين وستين، قاله إبراهيم الحربي، قال في التقريب وهو الأصح.
وقال البخاري في التاريخ الكبير سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة إحدى وستين بعدما جاءها خبر قتل الحسين.
قال ابن عبد البر هذا هو الصحيح، وقيل سنة ستين، قال اليعمري وهو الصحيح، فقول المصنف، "والأول أصح" فيما قاله بعضهم معارض بهذه التصحيحات، قال في الإصابة: وهي آخر أمهات المؤمنين موتا، فقد ثبت في مسلم أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعبد الله بنстр. 2045
ودفنت بالبقيع وصلى عليها أبو هريرة، وقيل سعيد بن زيد، وكان عمرها أربعا وثمانين سنة
الحواشي
(١) صفوان دخلا على أم سلمة في خلافة يزيد بن معاوية، فسألاها عن الجيش، وكان ذلك حين جهز يزيد مسلم بن عقبة بعسكر الشام إلى المدينة، فكانت وقعة الحرة سنة ثلاث وستين، وهذا كله يدفع قول الواقدي.
وحكاه ابن عبد البر: أن أم سلمة أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد فإن سعيدا مات سنة خمسة أو إحدى أو اثنتين وخمسين، فيلزم منه أن تكون ماتت قبل ذلك، "ودفنت بالبقيع" وليس كذلك اتفاقا، ويمكن تأويله بأنها مرضت، فأوصت بذلك، ثم عوفيت، فمات سعيد قبلها انتهى، وهو تأويل حسن، ويؤيده أن الواقدي نفسه قال: "وصلى عليها أبو هريرة" إذ لو كان من أوصت له حيا ما صلى أبو هريرة، وقيل سعيد بن زيد، حكاه عبد الغني في الكمال وابن الأثير، وهو مشكل؛ لأنه مات قبلها باتفاق كما ترى، "وكان عمرها أربعا وثمانين سنة" على الصواب، وروت عنه ﷺ وعن أبي سلمة، وفاطمة الزهراء، وعنها ابناها عمر وزينب وابن أخيها مصعب بن عبد الله، ومكاتبها نبهان ومواليها عبد الله بن رافع، ونافع وشعبة، وابنه، وأبو بكير، وخيرة والدة الحسن وممن يعد في الصحابة صفية بنت شيبة، وهند بنت الحارث الفراسية، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ومن كبار التابعين أبو عثمان النهدي، وأبو وائل، وابن المسيب وأبو سلمة، وحميد، ولدا عبد الرحمن بن عوف، وعروة، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وآخرون كما في الإصابة.стр. 2046
[أم حبيبة أم المؤمنين] :
وأما أم المؤمنين أم حبيبة ﵂، رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب، وقيل اسمها هند، والأول أصح -وأمها صفية بنت أبي العاصي بن أمية عمة عثمان بن عفان-
الحواشي
(١) أم حبيبة أم المؤمنين:
"وأما أم المؤمنين أم حبيبة" بفتح الحاء المهملة "﵂ رملة" بفتح الراء "بنت أبي سفيان صخر بن حرب، وقيل اسمها هند والأول أصح" وبه جزم الزهري وابن إسحاق وخلق. اشتهرت بكنيتها بابنتها من عبيد الله حبيبة ولدت بمكة وهاجرت معها إلى الحبشة، ورجعت معها إلى المدينة، قاله ابن إسحاق، وابن عقبة، وحكى ابن إسحاق قولا أنها ولدت بالحبشة صحابية ربيبة المصطفى، وأمها صفية بنت أبي العاصي بن أمية عمة عثمان بن عفان،стр. 2047
فكانت تحت عبيد الله بن جحش، وهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، ثم تنصر وارتد عن الإسلام ومات هناك، وثبتت أم حبيبة على الإسلام.
واختلف في وقت نكاح رسول الله ﷺ إياها، وموضع العقد، فقيل: إنه عقد عليها بأرض الحبشة سنة ست، فروي أنه ﷺ بعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ليخطبها عليه، فزوجها إياه، وأصدقها عنه أربعمائة دينار، وبعث بها إليه مع.
الحواشي
(١) فكانت تحت عبيد الله" بتصغير العبد "ابن جحش" فأما أخوه عبد الله بالتكبير، فاستشهد بأحد، ووهم، زاعم أنه زوجها؛ لأنه لم يتنصر، "وهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، ثم تنصر وارتد عن الإسلام" عطف تفسير؛ إذ التنصر بعد الإسلام ردة، "ومات هناك وثبتت أم حبيبة على الإسلام" فأتم لها الله الإسلام والهجرة.
وروى ابن سعد عنها، رأيت في المنام كأن زوجي عبيد الله بأسوأ صورة، ففزعت، فأصبحت، فإذا به قد تنصر، فأخبرته بالمنام، فلم يحفل به، وأكب على الخمر حتى مات، فأتاني آت في نومي، فقال: يا أم المؤمنين، ففزعت، فما هو إلا أن انقضت عدتي، فما شعرت إلا برسول النجاشي يستأذن، فإذا هي جارية يقال لها أبرهة، فقالت: إن الملك يقول لك وكلي من يزوجك الحديث.
"واختلف في وقت نكاح رسول الله ﷺ إياها، وموضع العقد" وفي العاقد، "فقيل إنه عقد عليها بأرض الحبشة سنة ست".
قال أبو عبيدة، قال اليعمري: وليس بشيء.
وفي الإصابة روى ابن سعد أنه سنة سبع، وقيل ست والأول أشهر، "فروي أنه ﷺ بعث عمرو بن أمية الضمري" بفتح، فسكون الصحابي المشهور، المتوفى في خلافة معاوية نسبة إلى ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة "إلى النجاشي ليخطبها" النجاشي لا عمر، ولأنه رسول فقط، وضمنه معنى حبس ومنع، فقال "عليه" دون إليه أوله المتبادر من تعدية خطب، أي ليلتمس له نكاحها ويقبله له، "فزوجها إياه" النجاشي، أي تول عقدها على ظاهر هذه الرواية، وهو أحد الأقوال المحكية، في العيون وغيرها، "وأصدقها عنه أربعمائة دينار" كما في المستدرك وغيره.
قال في العيون وهو أثبت، وفي نسخة من العيون تسعمائة دينار، قال في النور وهو غلط، وفي المستدرك أيضا وأمهرها عنه أربعة آلاف دينار، وسكت عليه الذهبي في تلخيصه.
وفي أبي داود أربعة آلاف درهم، وعند ابن أبي خيثمة عن الزهري، زعموا أنه ساق عنه أربعين أوقية، فإن كانت من الفضة، فيكون ألفا وستمائة درهم، "وبعث بها إليه" ﷺ "معстр. 2048
شرحيبل بن حسنة.
وروي أن النجاشي أرسل إليها جاريته "أبرهة" فقالت: إن الملك يقول لك إن رسول الله ﷺ كتب إلي أن أزوجك منه، وأنها أرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاصي فوكلته وأعطت أبرهة سوارين خواتم من فضة سرورا بما بشرتها بها، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين فحضروا فخطب النجاشي فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أما بعد: فإني أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وقد أصدقتها عنه أربعمائة دينار ذهبا،
الحواشي
(١) شرحبيل" بضم المعجمة، وفتح الراء وسكون المهملة، "ابن حسنة" هي أمه التي ربته، وأبوه عبد الله بن المطاع الكندي كان أميرا في فتح الشام، وبها مات سنة ثماني عشرة.
"وروي" عن ابن سعيد من طريق إسماعيل بن عمرو بن سعيد الأموي، عن أم حبيبة رأيت في النوم، فذكرت الحديث، كما مر، وفيه "أن النجاشي أرسل إليها جاريته أبرهة" التي قدمت معها وصحبت، "فقالت: إن الملك يقول لك إن رسول الله ﷺ كتب إلي أن أزوجك منه" فوكلي من يزوجك "وإنها أرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاصي" بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف من السابقين الأولين، قيل كان رابعا أو خامسا استشهد بمرج الصفراء أو بأجنادين "فوكلته وأعطت أبرهة سوارين وخواتم من فضة سرورا بما بشرتها به، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب"، الأمير المستشهد بمؤتة، "ومن هناك من المسلمين فحضروا، فخطب النجاشي فقال: الحمد لله الملك القدوس" الطاهر عما لا يليق به "السلام" ذي السلامة من النقائص، "المؤمن" المصدق رسله بخلق المعجزة لهم "المهيمن" الشهيد على عباده بأعمالهم، "العزيز" القوي "الجبار" الذي جبر خلقه على ما أراد "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره" يعليه "على الدين كله"، جميع الأديان المالفة له، "ولو كره المشركون" ذلك، "أما بعد، فإني أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ ".
وفي رواية ابن سعد، فإن رسول الله كتب إلى أن أزوجه أم حبيبة، فأجبت، "وقد أصدقتها عنه أربعمائة دينار ذهبا".
قال الحاكم: إنما أصدقها ذلك استعمالا لأخلاق الملوك في المبالغة في الصنائع، لاستعانةстр. 2049
ثم سكب الدنانير بين يدي القوم. فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله أحمده، وأستعينه واستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أما بعد: فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسوله ﷺ فيها. ودفع الدنانير إلى خالد بن سعيد بن العاص فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا فقال: "اجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج"، فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا. خرجه صاحب الصفوة كما قاله الطبري. وكان ذلك سنة سبع من الهجرة.
قال أبو عمر: واختلف فيمن زوجها فروي أنه سعيد بن العاصي،
الحواشي
(١) النبي ﷺ به في ذلك انتهى، وعند ابن أبي خيثمة عن أم حبيبة وما بعث إليه ﷺ بشيء، "ثم سكب الدنانير بين يدي القوم، فتكلم خالد بن سعيد، فقال: الحمد لله، أحمده وأستعينه، واستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون أما بعد فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان فبارك الله لرسول الله صل الله عليه وسلم فيها، ودفع" النجاشي "الدنانير إلى خالد بن سعيد بن العاصي فقبضها ثم أرادوا أن يقوموا".
وفي رواية أراد بالإفراد، أي هو ومن معه، وخصه بالإرادة لأنه لما كان أمر العقد منوطا به، وثم أراد الانصراف لانتهاء الحاجة، "فقال: "اجلسوا فإن سنة الأنبياء"، طريقتهم وسيرتهم الحميدة، "إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام، فأكلوا ثم تفرقوا".
زاد ابن سعد قالت أم حبيبة: فلما وصل إلى المال أعطيت أبرهة منه خمسين دينارا، فردتها علي، وردت على ما كنت أعطيتها أولا، وقالت: إن الملك عزم على بذلك، ثم جاءتني من العد بعود، وورس، وعنبر وزباد كثير، فقدمت به معي على رسول الله ﷺ .
"خرجه صاحب الصفوة" ابن جوزي "كما قاله الطبري" الحافظ محب الدين وأخرجه ابن سعد بأبسط منه، كما علم، "وكان ذلك في سنة سبع من الهجرة" كما رواه ابن سعد، وقيل سنة ست، والأول أشهر، كما في الإصابة، بل في العيون أن الثاني ليس بشيء كما مر، وعلى فرض ثبوته يحتمل أن البعث سنة ست, والعقد سنة سبع، فلا منافاة بينهما.
"قال أبو عمر" بن عبد البر، "واختلف فيمن زوجها، فروي أنه سعيد بن العاصي" أخو خالد، كما في الإصابة، فنسب لجده، وفيه نظر، فقد ذكر ابن شاهين أن إسلامه كان قبل الفتح.стр. 2050
وروي عثمان بن عفان وهي ابن عمته. وذكره البيهقي أن الذي زوجها خالد بن سعيد بن العاصي وهو ابن عم أبيها، لكن إن صح التاريخ المذكور فلا يصح أن يكون عثمان هو الذي زوجها، فإنه كان مقدمه من الحبشة قبل وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة.
وكان أبو سفيان أبوها حال نكاحها بمكة مشركا محاربا لرسول الله ﷺ .
الحواشي
(١) بيسير، كما نقله في الإصابة فلم يكن من مهاجرة الحبشة.
"وروي" عن الطبراني عن الزهري: "عثمان بن عفان، وهي ابنة عمته" لأن أمها صفية أخت عفان لأمه وأبيه، وذكر البيهقي" وهو الذي رواه ابن سعد عنها، "إن الذي زوجها خالد بن سعد بن العاصي" وبه جزم ابن القيم.
قال اليعمري: وهو أثبت انتهى، "وهو ابن عم أبيها" لأن العاصي ابن أمية وأبو سفيان بن حرب ابن أمية، وقيل عقد عليها النجاشي، وكان قد أسلم، حكاه اليعمري وغيره وفيه نظر؛ لأنه وكيل عنه ﷺ فهو الذي قبل له.
قال الشامي: ويحتمل أن يكون النجاشي هو الخاطب والعاقد أما عثمان أو خالد على ما تضمنه الحديث، "لكن إن صاح التاريخ المذكور" من القولين في وقته، "فلا يصح أن يكون عثمان هو الذي زوجها فإنه كان مقدمه من الحبشة قبل وقعدة بدر في السنة الثانية من الهجرة" وأما سعيد أو خالد، فكلاهما محتمل على ما يعطيه ظاهر المصنف، وقد علمت ما في سعيد من نظر، "وكان أبو سفيان أبوها حال نكاحها بمكة، مشركا، محاربا لرسول الله ﷺ "، فقيل له: إن محمدا قد نكح ابنتك فقال: هو الفحل لا يقدع أنفه.
رواه أبو سعد وغيره وهو بضم التحتية، وسكون القاف، وفتح الدال وبالعين المهملتين، قال الجوهري: أي لا يضرب أنفه، وذلك إذا كان كريما، وليس ذكره مجرد فائدة لا تعلق لها بالتزويج، بل لرد القول بأن أباها هو الذي زوجها عملا بما في مسلم من طريق عكرمة بن عمار، عن أبي زميل عن ابن عباس: أن أبا سفيان قال للنبي صلى لله عليه وسلم: أسألك ثلاثا، فأعطاه إياهن الحديث، وفيه عندي أجمل العرب أم حبيبة، أزوجك إياها، فقيل: الصحيح أنه تزوجها بعد الفتح لهذا الحديث، ولا يرد بنقل المؤرخين، وهذه طريقة باطلة عند أدنى من لم علم بالسير والتواريخ، وما قد كان وقيل هو غلط لا خفاء به.
قال ابن حزم: هو موضوع بلا شك كذبه عكرمة بن عمار، وقال ابن الجوزي: فيه وهم من بعض الرواة لا شك فيه ولا تردد، اتهموا به عكرمة للإجماع على أنه ﷺ تزوجها وهيстр. 2051
وقد قيل إن عقد النكاح عليها كان بالمدينة بعد رجوعها من أرض الحبشة
الحواشي
(١) بالحبشة وإن أباها جاء زمن الهدنة، فدخل عليها فثنت فراشه ﷺ حتى لا يجلس عليه، وتبعه على ذلك جماعة آخرهم أبو الحسن بن الأثير في أسد الغابة، وتعقب بالقول بأنه تزوجها بالمدينة، كما يأتي نعم لا خلاف أنه دخل عليها قبل إسلام أبي سفيان، وأنكر ابن الصلاح هذا على ابن حزم، وبالغ في الشناعة عليه، وقال: لا نعلم أحدا من أئمة الحديث نسب عكرمة إلى الوضع، وقد وثقه وكيع وابن معين وغيرهما، وقالت طائفة: بل سأله أن يجدد العقد تطييبا لقلبه، فإنه كان تزوجها بغير اختياره، وخفي علية صحح العقد بغير رضاه في تلك الحالة.
قال بعض الحفاظ: وهذا أيضا باطل لا يظن به ﷺ ولا يعقل أبي سفيان، ولم يكن شيء من ذلك، وقالت طائفة، منهم البيهقي والمنذر، يحتمل أن هذه المسألة وقعت من أبي سفيان في بعض خرجاته إلى المدينة، وهو كافر حين سمع نعي زوج بنته بالحبشة والتعسف والتكلف الذي في هذا الكلام يغني عنه رده، وقالت طائفة، للحديث محمل صحيح، وهو أن المعنى أرضى الآن أن تكون زوجك، فإني لم أكن قبل ذلك راضيا به، وهذا من زبد الصدور، لا من زبدها، وقيل لما سمعه أبو سفيان أنه ﷺ طلق نساءه حين حلف لا يدخل عليهن شهرا قدم المدينة، وقال ذلك ظنا منها أنه طلقها وهذا من جنس ما قبله، وقالت طائفة: الحديث صحيح، لكن الغلط والوهم من أحد رواته في تسمية أم حبيبة، وإنما سأله أن يزوجه أختها عزة وخفاءالتحريم عليه غير مستبعد، فقد حفي على ابنته وهي أفقه منه، واعلم حيث قالت له ﷺ هل لك في أختي فهذه التي عرضها أبو سفيان، فسماها الراوي من عنده أم حبيبة وهما، وقيل كانت كنيتها أيضا أم حبيبة، وهذا جواب حسن لولا قوله، فأعطاه ما سأل فيقال حينئذ هذه اللفظة من الراوي، وإنما أعطاه بعض ما سأل أو أطلق اتكالا على فهم المخاطب أنه أعطاه ما يجوز إعطاؤه مما سأل.
وقال المنذري أيضا ظن أبو سفيان بإسلامة تجدد ولايته عليها، فأراد تجديد العقد يوم ذلك لا غير، قال اليعمري: وهذا جواب يتساوك هزلا انتهى، بضم الهاء مفعول له، أي يتمايل لأجل الضعف والهزل، وقد ظهر لي الجواب، بأن المعنى يديم التزويج ولا يطلق كما فعل بغيرها، ولا ينافيه قوله عندي؛ لأن الإضافة لأدنى ملابسة، ولا بأس به فإنه قريب.
"وقد قيل إن عقد النكاح عليها كان بالمدينة بعد رجوعها من أرض الحبشة"، وعمل له عثمان وليمة لحم.
روي ذلك عن قتادة والزهري، وهو يرد دعوى ابن حزم وغيره الإجماع على أنه إنما تزوجهاстр. 2052
والمشهور الأول:
وماتت بالمدينة سنة أربع وقيل: سنة اثنتين وأربعين.
الحواشي
(١) وهي بالحبشة، ويحمل على أن عثمان جدد له العقد بعد قدومها، كذا في الإصابة "والمشهور الأول" ولشهرته حكى عليه غير واحد الإجماع، وقضوا بالوهم على ما في الصحيح كما رأيت، وفي الإصابة قيل نزل في ذلك عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة، وهذا بعيد انتهى.
وفي الروض قال مجاهد في الآية: هي مصاهرة النبي ﷺ لأبي سفيان، وروى ابن أبي خيثمة، والزبير بن بكار بإسناد يرفعه إلى من سمع النبي ﷺ يمازح أبا سفيان في بيت أم حبيبة، وأبو سفيان يقول له: تركتك فتركتك العرب، ولم ينتطح بعدها جماء، ولا قرناء، وهو ﷺ يضحك ويقول: "أنت تقول هذا يا أبا حنظلة"؟ وماتت بالمدينة سنة أربع وأربعين، جزم به ابن سعد وأبو عبيد، ورجحه البلاذري، وقيل سنة اثنتين وأربعين، قال ابن حبان، وابن قانع، وابن منده.
وقال ابن أبي خيثمة، سنة تسع وخمسين قال في الإصابة، وهو بعيد وقال في النور: هو غريب ضعيف، قيل قبرت بدمشق والصحيح بالمدينة انتهى، وقيل مات سنة خمسين، وقيل سنة خمس وخمسين، وأخرج ابن سعد، عن عائشة: دعتني أم حبيبة عند موتها، فقالت، قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فحلليني من ذلك فحللتها، واستغفرت لي، واستغفرت لها، فقالت لي: سررتني سرك الله، وأرسلت إلى أم سلمة بمثل ذلك، روت أم حبيبة عنه ﷺ عدة أحاديث في الكتب الستة، وعن ضرتها زينب بنت جحش، وعنها بنتها حبيبة وأخواها معاوية، وعتبة وابن عبد الله، وأبو سفيان بن سعيد بن المغيرة الثقفي، وهو ابن أختها ومولياها سالم، وأبو الجراح، وصفية بنت شيبة، وزينب بنت أم سلمة، وعروة بن الزبير، وأبو صالح السمان، وآخرون والله أعلم.стр. 2053
[زينب بنت جحش أم المؤمنين] :
وأما أم المؤمنين زينبت بنت جحش -وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم-
الحواشي
(١) زينب بنت جحش أم المؤمنين:
"وأما أم المؤمنين زينب بنت جحش" الأسدية، تقدم نسب أبيها "وأمها أميمة" بالتصغير "بنت عبد المطلب بن هاشم" عمته ﷺ ، المختلف في إسلامها، واثبته ابن سعد، وقال:стр. 2054
فكان رسول الله ﷺ زوجها من زيد بن حارثة، فمكثت عنده مدة ثم طلقها -كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الخصائص- فلما انقضت عدتها منه قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: "اذهب فاذكرني لها"، قال: فذهبت إليها، فجعلت ظهري إلى الباب فقلت يا زينب بعث رسول الله ﷺ يذكرك فقالت: ما كنت لأحدث شيئا حتى أوامر ربي ، فقامت إلى مسجد لها، فأنزل الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] .
الحواشي
(١) أطعمها ﷺ أربعين وسقا من خيبر، فعليه، كانت موجودة لما تزوج بنتها، "فكان رسول الله صلى الله عليه زوجها من" حبه، ومولاه "زيد بن حارثة"، باشر تزويجها له لأن من خصائصه أن يزوج من شاء ممن شاء، أو سعى له في ذلك.
وقد روى الطبراني بسند صحيح، عن قتادة وابن جرير، عن ابن عباس، قالا: خطب النبي ﷺ زينب، وهو يريدها لزيد، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت واستنكفت، وقالت: أنا خير منه حسبا، فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ كلها، فرضيت، وسلمت "فمكثت عنده مدة" ألقى الله في قلبه كراهتها، فجاء يشكوها إليه ﷺ ، فقال له: "أمسك عليك زوجك، واتق الله"، فنزلت ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ، أي علمك بالوحي بأنه سيطلقها وأنك تتزوجها، كما قاله علي بن الحسين والزهري وغيرهما، وعليه أهل التحقيق، "ثم طلقها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الخصائص" لكراهته لها، لتعاظمها عليه بشرفها، لا لرغبة المصطفى في نكاحها، كما زعمه من وهم، "فلما انقضت عدتها منه قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة" إظهارا لمزيد حبه له وقوة إيمانه، حيث اطمأنت نفسه إلى خطبة من فارقها ﵇.
قال البيضاوي: وذلك ابتلاء عظيم، وشاهد بين على قوة إيمانه، "اذهب فاذكرني لها" ويروى أنه قال له: "ما أجد في نفسي أوثق منك، فاخطب زينب عليَّ".
"قال: فذهبت إليها، فجعلت ظهري إلى الباب" من مزيد ورعه حتى لا يراها، وإلا فهو كان قبل زوال الحجاب "فقلت: يا زينب بعث رسول الله ﷺ يذكرك" يخطبك "فقالت: ما كنت لأحدث شيئا حتى أوامر"، بضم الهمزة وفتح الواو أو بهمزتين مضارع آمر، أي استخير "ربي فقامت إلى مسجد لها فأنزل الله" تعالى على رسوله " ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ "، أي جعلناها لك زوجة بلا واسطة، عقد على الصواب الذي لا يجوز غيره، فإنها كانت تفخر بأن الله هو الذي زوجها، وقال ابن إسحاق زوجها أخوها أبو أحمد يمكن تأويله، بأنه لما رآه أتى في منزلها، رضيه وفرح به؛ إذ لا كلام له ولا لغيره مع الله،стр. 2055
فجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن. أخرجه مسلم.
وقال المنافقون: حرم محمد نساء الولد، وقد تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] الآية.
وكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن آباؤكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات،
الحواشي
(١) "فجاء رسول الله ﷺ ، فدخل عليها بغير إذن".
"أخرجه مسلم" وأحمد، والنسائي من حديث أنس قال: لما انقضت عدة زينب، فذكره، وعند ابن سعد بسند مرسل بينا رسول الله ﷺ يتحدث عند عائشة إذ أخذته عشبة فسري عنه.
وهو يتبسم ويقول: "من يذهب إلى زينب فيبشرها" وتلا ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] قالت عائشة: فأخذني ما قرب وما بعد لها يبلغنا من جمالها، وأخرى هي أعظم وأشرف ما صنع لها زوجها الله من السماء، وعنده بسند ضعيف، عن ابن عباس لما أخبرت زينب بتزويج رسول الله ﷺ لها سجدت، "وقال المنافقون: حرم محمد نساء الولد، وقد تزوج امرأة ابنه" لأنه كان تبناه، "فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] الآية".
قال ابن عطية اذهب الله سبحانه بهذه الآية ما وقع في نفوس منافقين وغيرهم من تزوجه زوجة دعيه فنفى تلك البنوة، واعلم أنه في حقيقة أمره لم يكن أبا أحد من المعاصرين له، ولم يقصد بالآي أنه ﷺ لم يكن له ولد، فيحتاج في أمر بنيه، أنهم كانوا ماتوا، ولا في أمر الحسن والحسين، بأنهما ابنا بنته، ومن قال ذلك تأول معنى البنوة على غير ما قصد بها انتهى، وهو حسن نفيس، وقد صرح بأن القول ليس من المنافقين فقط، وأخرج الترمذي عن عائشة لما تزوج ﷺ زينب، قالوا: تزوج حليلة ابنه فنزل ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ الآية، "وكانت زينب تفخر" بفتح المعجمة، وفي نسخة تفتخر "على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن آباؤكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات".
"رواه الترمذي وصححه" من حديث أنس، وفي رواية غيره أنها كانت تقول: إن آباءكن أنكحوكن، وإن الله أنكحني إياه من فوق إلخ..... وليس هذا من الفخر المنهي عنه، بل من التحدث بالنعمة، وقد سمعها ﷺ وأقرها، فروى ابن سعد عن عبد الواحد بن أبي عون، قالت زينب: يا رسول الله إني والله ما أنا كأحد من نسائك ليس امرأة من نسائك إلا زوجها أبوها، أو أخوها أو أهلها غيري زوجنيك الله من السماء، وعن الشعبي كانت زينب تقول لرسول الله ﷺ :стр. 2056
رواه الترمذي وصححه.
وكان اسمها "برة" فسماها النبي ﷺ زينب.
وعن أنس: لما تزوج ﷺ زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون فإذا هو صلى الله عليه كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام وقام من قام، وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي ﷺ ليدخل فإذا القوم جلوس،
الحواشي
(١) لأني لأدل عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل بهن، إن جدي وجدك واحد، وإن الله أنكحك إياي من السماء، وإن الساعي في ذلك جبريل تريد عبد المطلب؛ لأنه أبو أمها فهو نحو رواية أنا بنت عمتك: "وكان اسمها برة" بفتح الموحدة، والراء المشددة كما في النور أما أبوها جحش، فكان اسمه برة بضم الموحدة كما في التبصير والروض "فسماها النبي ﷺ زينب" لما دخلت عليه.
ذكره ابن عبد البر، أي كراهة أن يقال خرج من عند برة، أو ما هنا برة مثلا لحبه الفال الحسن، لا لأنها كانت تزكي نفسها، كما زعم لأنه سوء ظن.
"و" روى البخاري ومسلم "عن أنس لما تزوج ﷺ زينب بنت جحش دعا القوم، فطعموا" الخبز واللحم، كما في الرواية وفي الصحيح أيضا ما رأيت النبي ﷺ أولم على أحد من نسائه ما أولم على زينب بنت جحش. أولم عليها بشاة، أي شكر الله حيث زوجه إياها بالوحي، كما قال الكرماني أو وقع اتفاقا لا قصدا، كما قال ابن بطال أو لبيان الجواز، كما قال غيرهما، وفي الصحيح أيضا بنى بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت داعيا، فيجيء قوم، فيأكلون ويخرجون، ثم قوم فيأكلون ويخرجون فدعوت حتى ما أجد أحدا، قلت يا نبي الله ما أجد أحدا أدعوه، قال: "ارفعوا طعامكم" "ثم جلسوا يتحدثون" فأطالوا الجلوس، "فإذا هو صلى الله علي وسلم كأنه يتهيأ للقيام" ليتفطنوا لمراده فيقوموا لقيامه، "فلم يقوموا" وكان يستحيي أن يقول لهم قوموا "فلما رأى ذلك قام"، لكن يقوموا ويخرجوا، "وقام من قام، وقعد ثلاثة نفر" لم يسموا، والإضافة بيانية، أي ثلاثة هم نفر لا حقيقة، وإلا لكان المعنى أنهم تسعة، أو أكثر إذ أقل النفر ثلاثة وليس بمراد وفي رواية للبخاري رجلان وأجاب الكرماني بأن مفهوم العدد لا اعتبار له، أو المحادثة كانت بينهما، والثالث ساكت، وقال الحافظ: كأن أحد الثلاثة فطن لمراد الرسول، فخرج وبقي الاثنان "فجاء النبي ﷺ ليدخل" على زينب، "فإذا القوم جلوس" في بيتها فرجع زاد في رواية أخرى في الصحيح، فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: "السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله"، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك يا رسول الله وبعض حجرстр. 2057
ثم إنهم قاموا، فانطلقت فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا فجاء ﷺ حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآية.
وكان تزويجها له ﷺ في سنة خمس من الهجرة، وقيل سنة ثلاث.
الحواشي
(١) نسائه يقول لهن، كما يقول لعائشة ويقلن له كما قالت: "ثم إنهم قاموا، فخرجوا، فانطلقت فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا فجاء" ﷺ "حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب"، أي الستر "بيني وبينه، فأنزل الله تعالى" بعد خروج القوم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾ .
وفي البخاري عن أنس أيضا، أنا أعلم الناس بآية الحجاب لما أهديت زينب بنت جحش إلى رسول الله كانت معه في البيت فدعا القوم فذكر نحوه، وروى البخاري أيضا عن أنس قال عمر: قلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب.
وأخرج الطبراني بسند صحيح عن عائشة: كنت آكل مع النبي ﷺ في قعب، فمر عمر، فدعاه، فأكل، فأصاب أصبعه، فقال: أوه لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، فنزلت آية الحجاب.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس: دخل رجل على النبي ﷺ فأطال الجلوس، فخرج ﷺ ثلاث مرات ليخرج فلم يفعل، فدخل عمر فرأى الكراهية في وجهه، فقال عمر: لعلك آذيت النبي ﷺ فقال ﷺ : "لقد قمت ثلاثا لكي يتبعني، فلم يفعل"، فقال عمر: يا رسول الله لو اتخذت حجابا فإن نساءك لسن كسائر النساء وذلك أطهر لقولهم، فنزلت آية الحجاب.
قال الحافظ يمكن الجمع بأن ذلك وقع قبيل قصة زينب فلقربه منها أطلق نزول آية الحجاب بهذا السبب ولا مانع من تعدد الأسباب انتهى. "وكان تزويجها له ﷺ في سنة خمس من الهجرة" كلامه صريح في ترجيحه ولم أجده، "وقيل سنة ثلاث" ذكره ابن أبي خيثمة عن أبي عبيدة، وصدر به في الإصابة والسبل وقيل سنة أربع وقدمه في العيون، قالت أم سلمة كانت زينب معجبة لرسول الله، وكان يستكثر منها، وكانت صالحة صوامة قوامه صنعاء تصدق بذلك كله على المساكين، رواه ابن سعد، وقالت عائشة، وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ ، كما في الصحيح، أي تضاهيني وتفاخرني بجمالها ومكانتها عنده ﵇.
وعن راشد بن سعد قال: دخل ﷺ منزله ومعه عمر، فإذا هو بزينب تصلي، وهي تدعو في صلاتها، فقال ﷺ : "إنها لأواهة"، رواه الطبراني، وعن ميمونة كان ﷺ يقسم ما أفاء الله على رهط من المهاجرين، فتكلمت زينب بنت جحش، فانتهرها عمر، فقال ﷺ : "خل عنها يا عمرстр. 2058
وهي أول من مات من أزواجه بعده. وقالت عائشة في شأنها: ولم تكن امرأة خيرا منها في الدين، وأتقى لله وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة.
الحواشي
(١) فإنها أواهة"، فقال رجل: يا رسول الله ما الأواه، قال: الخاشع المتضرع، وإن إبراهيم لحليم أواه، منيب، رواه ابن عبد البر وغيره، وتفسيرة ﷺ لا معدل عنه، فمن فسره بكثير التأوه والتأسف على الناس من ذنوبهم فقد فسره باللازم، وفي حديث الإفك قالت عائشة: وكان ﷺ يسأل زينب عن أمري، فقال: "ماذا علمت أو رأيت"، فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله بالورع، "وهي أول من مات من أزواجه بعده".
روى الشيخان واللفظ لمسلم عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ أسرعكن لحاقا بي، أطولكن يدا، فكن يتطاولن أيهن أطول يدا، قالت: وكانت أطولنا يدا زينب؛ لأنها كانت تعمل بيديها وتتصدق.
وفي رواية قالت عائشة، فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاته ﷺ نمد أيدينا في الجدار، نتطاول فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة ولم تكن بأطولنا، فعرفنا حينئذ أنه ﷺ إنما أراد طول اليد بالصدقة، وكانت زينب صناع اليدين، فكانت تدبع وتخرز وتتصدق به في سبل الله، وصناع بفتح الصاد المهملة، أي لها صنعة تعملها بيديها، "وقالت عائشة في شأنها" كانت زينب هي التي تساميني من أزواج النبي ﷺ في المنزلة عنده، "ولم تكن امرأة" وفي رواية وما رأيت امرأة قط "خيرا منها في الدين" فعلى الرواية الثانية تحمل الأولى، فلا ترد خديجة، لأنها لم ترها، وعائشة؛ لأنها لا تزكي نفسها في مقام الثناء على غيرها وإن ذكرت فضائلها تحدثا بالنعمة كما مر في ترجمتها ثم المراد من أمهات المؤمنين فلا ترد السيدة فاطمة فإن عائشة نفسها صح عنها قولها: ما رأيت أحدا قط أفضل من فاطمة غير أبيها، كما مر "وأتقى الله وأصدق حديثا" ومن ذلك حلفها في حديث الإفك بأنها ما علمت إلا خيرا مع كونها ضرتها وعلمها بأنها أحب إليه منها، فلم تأخذها الغيرة على السكوت وعلى الإخبار بنفي العلم فقط، بل حصرت العلم في الخيرة ثم لم تكتف بذلك حتى أقسمت عليه قبل ذكره "وأوصل للرحم وأعظم صدقه".
روى ابن سعد وابن الجوزي عن برزة بنت رافع قالت: لما خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها فلما أدخل عليها، قالت: غفر الله لعمر غيري من إخواني كان أقوى على قسم هذا مني قالوا: هذا كله لك، قالت: سبحان الله، واستترت منه بثوب، وقالت: صبوه واطرحوه عليه ثوبا، ثم قالت: أدخلي يدك وأقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان،стр. 2059
وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تتصدق به يقرب إلى الله، رواه مسلم وماتت بالمدينة سنة عشرين وقيل إحدى وعشرين ولها ثلاث وخمسون سنة، وصلى عليها عمر بن الخطاب، وهي أول من جعل على جنازتها نعش.
الحواشي
(١) وبني فلان من أهل رحمها، وأيتامها ففرقته حتى بقيت منه بقية تحت الثوب، فقالت لها برزة غفر الله لك يا أم المؤمنين، والله لقد كان لنا في هذا حق، قالت: فلكم ما تحت الثوب، فوجدنا تحته خمسة وثمانين درهما ثم رفعت يدها إلى السماء فقالت: اللهم لا يدركني عطاء عمر بعد عامي هذا، فماتت وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب، كان عطاء زينب اثني عشر ألفا، لم تأخذه إلا عاما واحدا، فجعلت تقول: اللهم لا يدركني هذا المال قابل، فإنه فتنة، ثم قسمته في أهل رحمها في أهل الحاجة، فبلغ عمر فقال: هذه امرأة يراد بها خير، فوقف عليها وأرسل بالسلام، وقال: بلغني ما فرقت فأرسل بألف درهم تستبقيها فسلكت به ذلك المسلك, "وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تتصدق به ويقرب إلى الله"، ومر قريبا قول عائشة في الصحيح: كانت تدبغ وتخرز وتتصدق به في سبيل الله، "ورواه مسلم" وأوله فيه:كانت زينب، كما ذكرته وروى ابن سعد عن القاسم بن محمد، قالت زينب: حين حضرتها الوفاة أني قد أعددت كفني وإن عمر سيبعث إلي بكفن، فتصدقوا بأحدهما، وإن استطعتم أن تتصدقوا بحقوي فافعلوا وماتت بالمدينة سنة عشرين، جزم به الواقدي، وابن إسحاق "وقيل سنة إحدى وعشرين" حكاه اليعمري وغيره، "ولها ثلاث وخمسون سنة".
وفي الإصابة قال الواقدي: تزوجها ﷺ وهي بنت خمس وثلاثين سنة، واتت سنة عشرين، وهي بنت خمسين، ونقل عن عمر بن عثمان الحجبي، أنها عاشت ثلاثا وخمسين انتهى.
وروى ابن سعد عن عمرة أن عمر بعث بخمسة أثواب، فكفنت فيها، وتصدقت عنها أختها حمنة بكفنها الذي كانت أعدته، قال عمرة: فسمعت عائشة تقول: لقد ذهبت حميدة سعيدة مفزع اليتامي والأرامل "وصلى عليها عمر بن الخطاب" روى البزار برجال ثقات، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزي، أنه صلى مع عمر على زينب، فكبر أربع تكبيرات، وكانت أول نساء النبي ﷺ موتا، وكان يعجب عمر أن يدخلها قبرها فأرسل إلى أزواجه ﷺ من يدخل هذه قبرها، فقلن من كان يدخل عليها في حياتها، "وهي أول من جعل على جنازتها نعش"، أي من الأزواج وأما الأولية الحقيقية، فالسيدة فاطمة، كما قدمه عن ابن عبد البر، حيث قال: فاطمة أول من غطى نعشها، ثم زينب بعدها.
روت زينب عنه ﷺ في الكتاب السنة أحاديث وعنها ابن أخيها محمد بن عبد الله بن جحش، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وزينب بنت أبي سلمة، وهي صحابة، وكلثوم بن المصطلق، ومذكور مولاها وغيرهم والله أعلم.стр. 2060
[زينب أم المساكين والمؤمنين] :
وأما أم المؤمنين زينب بنت خزيمة بن الحارث الهلالية، وكانت تدعى في الجاهلية أم المساكين لإطعامها إياهم فكانت تحت عبد الله بن جحش في قول ابن شهاب، قتل عنها يوم أحد فتزوجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث، ولم تلبث عنده إلا شهرين، أو ثلاثة وتوفيت في حياته ﷺ وقيل مكثت عنده ثمانية أشهر، ذكره الفضائلي.
وقيل
الحواشي
(١) زينب أم المساكين والمؤمنين:
"وأما أم المؤمنين زينب بنت خزيمة بن الحارث" بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة بن بكر بن هوازن "الهلالية" نسبة إلى جدها هلال المذكور، فهي قريبة ميمونة، تجتمع معها في هلال، ولم يذكروا أمها إلا أن علي بن عبد العزيز الجرجاني النسابة ذكر أنها أخت ميمونة لأمها، فتكون أمها هند بنت عوف.
لكن قال ابن عبد البر: لم أر ذلك لغيره، وأقره اليعمري هنا، وحكاه في ميمونة عن بعضهم، ولم يتعقبهم اتكالا على ما قدمه، "وكانت تدعى في الجاهلية أم المساكين لإطعامها إياهم".
قال الزهري: سميت بذلك لكثرة إطعامها المساكين رواه الطبراني، وقال ابن إسحاق لرحمتها إياهم ورقتها عليهم، ولم يقيداه بالجاهلية، وكذا في الإصابة والعيون لكن ذكره ابن أبي خيثمة أي وأولى في الإسلام "فكانت تحت عبد الله بن جحش في قول ابن شهاب قتل عنها يوم أحد فتزوجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث" كذا حكاه أبو عمر عن الزهري، ورواه عنه ابن أبي خيثمة، ولعلها كانت حاملا منه، فأسقطت بعد موته، فانقضت عدتها في السنة المذكورة، وهذا متعين، وإن لم يذكروه؛ إذ وقعة أحد كانت في شوال سنة ثلاث باتفاق، فلا يمكن انقضاء عدتها بالأشهر في السنة المذكورة "ولم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة، وتوفيت في حياته ﷺ وقيل مكثت عنده ثمانية أشهر، ذكره الفضائلي" "وقيل" قائله قتادة بن دعامة رواه ابن أبي خيثمة.стр. 2061
كانت قبله ﵊ تحت الطفيل بن الحارث، ثم خلف عليها أخواه عبيدة بن الحارث وقتل عنها يوم أحد شهيدا فخلف عليها رسول الله ﷺ والأول أصح.
وتوفيت في ربيع الآخر سنة أربع ودفنت بالبقيع، على الطريق، قال الطبري: كذا ذكره الفضائلي، وإنما يكون هذا على ما حكاه من أنها مكثت عنده، ﵊ ثمانية أشهر،
الحواشي
(١) "كانت قبله ﵊ تحت الطفيل بن الحارث" بن المطلب بن عبد مناف القرشي، المطلبي.
ذكره ابن عقبة وابن إسحاق في البدريين، وقال أبو عمر: شهد أحدا وما بعدها، ومات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثلاثين انتهى، وبهذا جزم ابن الكلبي، وزاد فطلقها، "ثم خلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث" المطلبي، "وقتل عنها يوم أحد" سبق قلم صوابه بدر "شهيدا" في المبارزة، كما مر تفصيله، وقال ابن إسحاق: كانت أولا عند ابن عمها جهنم بن عمرو بن الحارث، ثم بعده عند عبيدة، فاستشهد، "فخلف عليها رسول الله ﷺ " في شهر رمضان سنة ثلاث.
هذا بقية قول ابن الكلبي، "والأول أصح" وهو كونها كانت تحت عبد الله بن جحش.
قال إبن إسحاق: زوجه إياها قبيصة بن عمر والهلالي، وأصدقها أربعمائة درهم وفي العيون اثنتي عشرة أوقية ونشا أي نصف أوقية. وقال ابن الكلبي خطبها ﷺ إلى نفسها، فجعلت أمرها إليه فتزوجها، وهذا ذكره ابن سعد بسند منقطع عن أم سلمة، وأخرج ابن سعد في ترجمة زينب هذه عن عطاء بن يسار عن الهلالية التي كانت عند النبي ﷺ أنها كانت لها خادمة سوداء، فقالت: يا رسول الله أردت أن أعتق هذه، فقال لها: "ألا تفيدين بها بني أخيك أو بني أختك من رعاية الغنم" قال في الإصابة: وهذا خطأ، فإن صاحبة هذه القصة هي ميمونة بنت الحارث، وهي هلالية، وفي الصحيح نحو هذا من حديثها، وقد ذكر ابن سعد نحوه في ترجمة ميمونة من وجه آخر، وأورد ابن منده في ترجمتها حديث "أولكن لحوقا بي أطولكن يدا"، وتعقبه ابن الأثير وغيره، بأن المراد بها زينب بنت جحش؛ لأن المراد بلحوقهن به موتهن بعده، وهذه ماتت في حياته، وهو تعقب قوي انتهى، "وتوفيت" وهي ابنة ثلاثين سنة، كما ذكره الواقدي "في ربيع الآخر سنة أربع ودفنت" وفي العيون، وصلى عليها ﷺ ، ودفنها "بالبقيع على الطريق".
"قال" المحب "الطبري، كذا ذكره الفضائلي: وإنما يكون هذا على ما حكاه"، هو "من أنها مكثت عنده ﵊ ثمانية أشهر" وأنه تزوجها في رمضان.стр. 2062
أما على ما حكاه أبو عمر فلا يصح؛ إذ العقد كان في سنة ثلاث، ومدتها عنده ﷺ شهران أو ثلاثة فلا يصح أن تكون وفاتها في ربيع الآخر، انتهى، فليتأمل.
الحواشي
(١) "أما على ما حكاه أبو عمر" بن عبد البر، "فلا يصح إذ العقد كان في سنة ثلاث" بعد شوال، "ومدتها عنده ﷺ شهران، أو ثلاثة، فلا يصح أن تكون وفاتها في ربيع الآخر، والذي أوقعه في ذلك التلفيق بين القولين وعدم حكايتهما على وجههما، وإلا فالمحكي عند ابن عبد البر أنها لم تقم عنده إلا شهرين أو ثلاثة بدون ذكر شهر الوفاة، وقول ابن الكلبي: تزوجها في رمضان سنة ثلاث، فأقامت عنده ثمانية أشهر، وماتت في ربيع الآخر سنة أربع "انتهى" كلام الطبري، "فليتأمل" كان وجه أنه يمكن إجراؤه على قول أبي عمر أيضا بأن يكون التزوج في آخر سنة ثلاث، ومكثت ثلاثة أشهر وماتت في أول ربيع الآخر، فلم يحسب شهر النكاح والوفاة، وهذا تعسفه لا يخفى، وفي الشامية مكثت عنده ثمانية أشهر، وقيل شهرين، وقيل ثلاثة، والصحيح أنها ماتت في ربيع الأول، وقيل الآخر سنة أربع، وقد بلغت ثلاثين سنة أو نحوها انتهى، ولم يمت عنده إلا هي وخديجة على القول بأن ريحانة كانت سرية ولا زوجة والله أعلم.стр. 2063
[ميمونة أم المؤمنين] :
وأما أم المؤمنين ميمونة ﵂ بنت الحارث الهلالية -وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة بن حمير- فتزوجها رسول الله ﷺ لما كان بمكة معتمرا سنة سبع بعد غزوة خيبر،
الحواشي
(١) ميمونة أم المؤمنين:
"وأما أم المؤمنين ميمونة ﵂، بنت الحارث" بن حزن، بفتح المهملة، وإسكان الزاي، ونون ابن بجير بموحدة، وجيم وراء مصغر ابن هزم، بضم الهاء، وفتح الزاي، وميم ابن رؤبة، بضم الراء، وفتح الهمزة، وتبدل واوا ابن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة "الهلالية" نسبة إلى جدها هلال المذكور، "وأمها هند".
قال البرهان: لا أعلم لها إسلاما، وفي الإصابة أمها خولة، ووقع عند أبي عمر هند بدل خولة "بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة بن حمير" الحميرية، "فتزوجها رسول الله ﷺ لما كان بمكة معتمرا" عمرة القضية في ذي القعدة "سنة سبع بعد غزوة خيبر" فيقال أرسل جعفر بن أبي طالب يخطبها، فأذنت للعباس فزوجها منه، ويقال إن العباس وصفها له، وقال: قد تأيمت من أبي رهم، فتزوجها وعند ابن سعد بسند له أنه تزوجها في شوال سنة سبع، فإن ثبت صح أنه تزوجها وهو حلال؛ لأنه إنما أحرم في ذي القعدة.стр. 2064
وكانت أختها أم الفضل لبابة الكبرى تحت العباس بن عبد المطلب، وأختها لأمها أسماء بنت عميس تحت جعفر، وسلمى بنت عميس تحت حمزة، وكانت جعلت أمرها إلى العباس.
الحواشي
(١) ذكره في الإصابة ولا منافاة بحمله شوال على الخطبة والقعدة على العقد.
وقد روى مالك في الموطأ، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، أنه ﷺ بعث أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار، فزوجاه ميمونة بنت الحارث ورسول الله ﷺ بالمدينة قبل أن يخرج مرسل، وصله الترمذي وحسنه، والنسائي عن سليمان عن أبي رافع، ورواه ابن سعد بسند الواقدي، وسمي الأنصاري أوس بن خولى، وعلى هذا، فيكون وكلهما في قبول النكاح له على ظاهر قوله فزوجاه، وحكى أنه وكل عمرو بن أمية الضمري، لكن سيأتي التصريح بأن العباس زوجها له بمكة بعدما حل، فيحمل قوله فزوجاه على معنى خطباها له فقط مجازا، "وكانت أختها أم الفضل لبابة" بضم اللام، وخفة الموحدتين "الكبرى" من السابقين الأولين حتى قال ابن سعد، إنها أول من أسلم بعد خديجة، لكن تعقب بأنه سبقتها سمية أم عمار وغيرها.
كان ﷺ يزورها وماتت في خلافة عثمان "تحت العباس بن عبد المطلب" وأنجبت له الستة النجباء، وهم: الفضل، وعبد الله، وعبيد الله، ومعبد، وقثم وعبد الرحمن، وأختها لبابة الصغرى أم خالد بن الوليد، تلقب عصماء صحابية، كما في الإصابة وعزة صحابية أيضا، وهزيلة بزاي مصغرة أم حفيد بالفاء مصغر صحابية أيضا، كا في الإصابة، وذكر اليعمري: أن عصماء غير لبابة الصغرى، وتبعه الشامي وزاد أنها كانت تحت أبي بن خلف وجرى عليه البرهان، فقال: لم يعرف لعصماء إسلام، لكن جزم في الإصابة بأنها لبابة الصغرى، ونقله في حرف العين عن ابن الكلبي، وهو مقدم على غيره في علم النسب، كما أن غيره مقدم عليه في الحديث، وكونها زوجة أبي بن خلف لا يمنع كونها كانت تحت الوليد، وأنجبت منه سيف الله، فما المانع من أنه طلقها، فنكحها أبي، وهؤلاء إخوة ميمونة لأبويها "وأختها لأمها أسماء بنت عميس تحت جعفر" فولدت له عبد الله ومحمدا وعونا، ثم مات فخلف عليها الصديق، فولدت له محمدا، ثم مات فخلف عليها علي، فولدت له يحيى وعونا، "و" أختها لأمها أيضا "سلمى بنت عميس" الصحابية "تحت حمزة" سيد الشهداء، فولدت له أمة الله، ثم خلف عليها شداد بن الهاد الليثي، فولدت له عبد الله وعبد الرحمن، ومن أخواتها لأمها سلامة بالتخفيف بنت عميس، ولم يعرف لها إسلام كما قال البرهان: ومر أن الجرجاني النسابة حكى أن أم المساكين أختها لأمها أيضا، ولذا كان يقال أكرم عجوز في الأرض أصهارا ابنة عوف، أصهارها: رسول الله، والصديق، وحمزة، والعباس، وعلي، وجعفر وشداد بن الهاد، "وكانت" كما رواه أحمد والنسائي عن ابن عباس لما خطبها ﷺ "جعلت أمرها إلى العباس".стр. 2065
فأنكحها النبي ﷺ وهو محرم، فلما رجع بنى بها بسرف، ذكره أبو عمر.
وفي الصحيح من أفراد مسلم، عنها
الحواشي
(١) وفي رواية ابن أبي خيثمة عن ابن عباس أنها جعلته إلى أم الفضل، فردته أم الفضل إلى العباس، "فأنكحها النبي ﷺ " واقتصر ابن إسحاق على الرواية الأولى، ولم يحفظها ابن هشام، وحفظ الثانية، فتعقبه بها، مع أنهما روايتان مسندتان عن ابن عباس، كما رأيت ولا معارضة بينهما؛ لأنها جعلته لأختها، لتفوضه لزوجها، فنسبه ابن عباس لأمه، باعتبار الابتداء، ولأبيه لانتهاء الأمر إليه، ويقربه أن المخدرات يستحين من ذكر النكاح، ففوضته لأختها، لتفوضه لزوجها، "وهو محرم" جزم به ابن عباس في هذه الرواية، وقد رواه عنه مالك والأئمة الستة أيضا، وزاد في رواية للبخاري في عمرة القضاء، وبه احتج الحنفية وموافقوهم على جواز نكاح المحرم، وإنكاحه غيره، وأجاب الجمهور بأن قول ابن عباس وهم وإن كانت خالته، كما قاله ابن المسيب.
قال ابن عبد البر: الرواية أنه تزوجها وهو حلال، متواترة عن ميمونة نفسها، وعن أبي رافع وسليمان بن يسار مولاها، ويزيد بن الأصم ابن أختها، وهو قول جمهور علماء المدينة، وما أعلم أحدا من الصحابة، روى أنه تزوجها وهو محرم سوى ابن عباس، والقلب إلى رواية الجماعة أميل؛ لأن الواحد إلى الغلط أقرب انتهى، وسبقه إلى نحوه الإمام الشافعي، كما سلف ي عمرة القضية لكن في دعوى انفراد ابن عباس به تقصير، فقد روى البزار عن عائشة نحوه، وكذا الدارقطني بسند ضعيف عن أبي هريرة: اللهم إلا أن يكون نفي العلم بقيد الصحة، وعلى أنه ليس بوهم، فمن خصائصه عند الجمهور النكاح حال الإحرام، فلا يعارض قوله ﷺ المحرم: "لا يَنْكِح ولا يُنْكَح"، رواه مسلم، وقيل هو مؤول كما يأتي، "فلما رجع بنى بها بسرف" بفتح المهملة، وكسر الراء، وبالفاء بعد ما أقام بمكة ثلاثا، فأتاه حويطب بن عبد العزى، وسهيل بن عمرو، وأسلما بعد في نفر من قريش في اليوم الثالث، فقالوا له: قد انقضى أجلك فاخرج عنا، فقال: وما عليكم لو تركتموني فاعرست بين أظهركم، وصنعت لكم طعاما، فحضرتموه، فقالوا: لا حاجة لنا بك ولا بطعامك، فغضب سعد بن عبادة، وقال لسهيل: كذبت لا أم لك، ليست بأرضك، ولا أرض أبيك، والله لا يبرح إلا طائعا راضيا، فتبسم ﷺ ، وقال: "يا سعد لا تؤذ قومنا، زارونا في رحالنا" فخرج وخلف أبا رافع على ميمونة، فأقام حتى أمسى، فخرج بها، فلقيت من سفهاء مكة عناء، فأتاه بها بسرف، كما أورده ابن إسحاق والواقدي.
وروى بعضه ابن أبي خيثمة عن ابن عباس، "ذكره أبو عمر" بن عبد البر، الحافظ الشهير تلخيصا للمروي عن ابن عباس، وإن لم يقل أبو عمر به كما رأيت.
"وفي" الحديث "الصحيح من أفراد مسلم" أي مما انفرد به عن البخاري "عنها" أيстр. 2066
أنه ﷺ تزوجها وهو حلال، زاد البرقاني بعد قوله تزوجها حلالا: وبنى بها حلالا وماتت بسرف.
فيحمل قوله: وهو محرم، أي داخل الحرم،
الحواشي
(١) ميمونة صاحبة الترجمة "أنه ﷺ تزوجها وهو حلال" ولفظ مسلم من طريق يزيد بن الأصم عن ميمونة: تزوجني ﷺ ونحن حلالان بسرف.
قال يزيد: وكانت خالتي وخالة ابن عباس، "زاد" الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب، "البرقاني" بفتح الموحدة، نسبة إلى برقان من قرى خوارزم، سمع الإسماعيلي وغيره، وصنف، وخرج على الصحيحين، وروى عنه البيهقي والخطيب، وقال: كان ثقة ثبتا ورعا لم نر في شيوخنا أثبت منه عارفا بالفقه، كثير الحديث، حريصا على العلم، له حظ من العربية، ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ومات في رجب سنة خمس وعشرين وأربعمائة "بعد قوله تزوجها حلالا وبنى بها حلالا، فأفادت هذه الزيادة، أنه عقد عليها حلالا أيضا فسقط جمع بعضهم، بأنه لا تنافي بين رواية ابن عباس، لحملها على العقد، وبين روايتها لحملها على البناء، "وماتت بسرف" من قول يزيد لا من قولها، كما هو واضح، وقد رجحت روايتها على رواية ابن عباس، بأنها أعلم بنفسها وامرأة كاملة، وهو ابن عشر سنين وأشهر، فبين الضبطين فرق لا يخفى، وقد تواتر عن أبي رافع موافقتها، وكان السفير بينهما وبأن رواية من باشر الوقعة أرجح ممن لم يباشرها، وقد أخرج الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان عن أبي رافع قال: تزوج ﷺ ميمونة، وهو حلال، وبنى بها، وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما.
وأخرج ابن سعد عن ميمون بن مهران: دخلت على صفية بنت شيبة، وهي عجوز كبيرة، فسألتها أتزوج ﷺ ميمونة وهو محرم، فقالت: لا والله لقد تزوجها وإنهما لحلالان.
وروى يونس بن بكير وغيره عن يزيد بن الأصم: تزوج رسول الله ميمونة، وهو حلال، وبنى بها بسرف في قبة لها، وماتت بعد ذلك فيها.
وروى ابن سعد عن ابن المسيب: أنه ﷺ قدم وهو محرم، فلما دخل تزوجها، وعلى هذا، "فيحمل قوله،" أي ابن عباس "وهو محرم، أي داخل الحرم" أو في الشهر الحرام؛ لأنه عربي فصيح يتكلم بكلام العرب، وهم يقولون: أحرم إذا دخل الحرم، وأنجد إذا دخل نجدا كما قال الشاعر:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ... قدعا فلم أر مثله مجدولا
وهذا ذكره الباجي في شرح الموطأ، ونقله السهيلي عن بعض شيوخه، وقال: فالله أعلمстр. 2067
ويكون العقد وقع بعد انقضاء العمرة، ثم خرج بها إلى سرف وابتنى بها فيه، وهو على عشرة أميال من مكة، كذا قاله الطبري. وسيأتي إن شاء الله تعالى، في مقصد المعجزات في ذكر الخصائص مزيد بيان لذلك.
وكانت ميمونة قبل عند أبي رهم بن عبد العزيز، ويقال: بل عبد الله بن أبي رهم، وقيل: بل عند حويطب بن عبد العزي، وقيل: عند فروة بن عبد العزى.
الحواشي
(١) أراد ذلك ابن عباس أم لا، "ويكون العقد وقع" في الحرم "بعد انقضاء العمرة. ثم خرج منه" أي الحرم "إلى سرف وابتنى بها فيه، وهو على عشرة أميال من مكة،" وقيل ستة أو سبعة أو تسعة أو اثني عشر، وهو ما بين التنعيم وبطن مرو، وإلى التنعيم أقرب، "كذا قاله" المحب "الطبري" تبرأ منه لأنه خلاف المتبادر، ومن ثم توقف الإمام السهيلي، في كونه مراد لابن عباس قال: الباجي أيضا: ويحتمل أن ابن عباس أخذ في ذلك بمذهبه، أن من قلد هديه فقد صار محرما بالتقليد، فلعله علم بنكاحه بعد أن قلده، "وسيأتي إن شاء الله تعالى في مقصد المعجزات في ذكر الخصائص مزيد بيان" قليل "لذلك".
وقد أسلف في عمرة القضية من ذلك شيئا، وفي الإصابة قيل عقد له عليها قبل أن يحرم، وانتشر أمر تزويجها بعد أن أحرم، واشتبه الأمر.
قال ابن سعد: كانت آخر امرأة تزوجها يعني ممن دخل بها، "وكانت ميمونة قبل" أي قبله ﷺ بلا واسطة "عند أبي رهم" بضم الراء، وسكون الهاء "ابن عبد العزى" بن أبي قيس بن عبدود من بني عامر بن لؤي.
قال البرهان: لا أعلم له إسلاما فمات عنها، وكانت قبل أبي رهم عند مسعود بن عمرو بن عمير الثقفي، ففارقها.
قال البرهان: لا أعرف له إسلاما، وفي الصحابة من هو مسمى بهذا الاسم، قلت: ما هذا التشكيك، وفي الإصابة مسعود بن عمرو بن عمير الثقفي.
ذكر الثعلبي عن مقاتل أنه نزل فيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٨] ، "ويقال: بل عبد الله" الذي في النور والإصابة، وقيل عند سخبرة "ابن أبي رهم" المذكور، وضبطه في التبصير، بفتح السين المهملة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الموحدة والراء، ولم يذكره في الإصابة، فليس بصحابي، "وقيل: بل عند" أخي أبي رهم، كما قال ابن حزم: "حويطب بن عبد العزى" الصحابي، القرشي، العامري أسلم يوم الفتح، وعاش مائة وعشرين سنة، ومات سنة أربع وخمسين، "وقيل عند فروة بن عبد العزى" أخي حويطب، كما في الإصابة ولم يترجم له فيها، فليس بصحابي.стр. 2068
قال ابن إسحاق: ويقال: إنها وهبت نفسها للنبي ﷺ وذلك أن خطبته ﵊ انتهت إليها وهي على بعيرها وقالت: البعير وما عليه لله ولرسوله. وقيل: الواهبة نفسها غيرها.
وتوفيت ميمونة بسرف في الموضع الذي بنى بها فيه رسول الله ﷺ ، وذلك سنة إحدى وخمسين،
الحواشي
(١) وذكر ابن أبي خيثمة عن قتادة أنها كانت عند فروة بن عبد العزى بن أسد بن غثم بن دودان، وهذا ليس بأخ لحويطب.
"قال ابن إسحاق" بعد قوله تزوج ﷺ ميمونة، زوجه إياها العباس، وأصدقها عنه أربعمائة درهم، "ويقال إنها وهبت نفسها للنبي ﷺ " وقد رواه ابن أبي خيثمة عن الزهري وقتادة فنزلت فيها الآية.
ورواه ابن سعد عن عكرمة، "وذلك أن خطبته ﵊ انتهت" وصلت "إليها وهي على بعيرها" لم يبين ذلك المحل الذي بلغتها فيه الخطبة.
وذكر السهيلي أنها رمت بنفسها من على البعير، "وقالت: البعير وما عليه لله ولرسوله"، ذكرت الله تبركا، والمراد أن البعير، وما عليه هبة لله ﷺ ، "وقيل: الواهبة نفسها غيرها" فقيل: زينب بنت جحش، وقيل أم شريك، وقيل امرأة من بني أسامة بن لؤي، حكاها ابن إسحاق هنا، ويأتي بسطه للمصنف قريبا، وقيل إنهن تعددن.
قال في الإصابة وهو الأقرب: روى ابن سعد عن عمرة، أنه قيل لها، أن ميمونة وهبت نفسها، فقالت: تزوجها ﷺ على مهر خمسمائة درهم وأنكحه إياها العباس، وعنده أيضا عن علي بن عبد الله بن عباس لما أراد ﷺ الخروج إلى مكة للعمرة، بعث أوس بن خولي، وأبا رافع إلى العباس، ليزوجه ميمونة فاضلا بعيريهما، فأقاما أياما ببطن رابغ إلى أن قدم ﷺ ، فوجدا بعيريهما فسارا معه حتى قدم مكة، فأرسل إلى العباس يذكر ذلك له، فجعلت أمرها إليه، فجاء ﷺ إلى منزل العباس فخطها إلى العباس، فزوجه إياها، ويقال: إن الذي زوجها عبد الله بن عباس، حكاه في النور، وهو غريب ضعيف، فعبد الله يومئذ غلام ابن عشر وأشهر، كما مر.
"وتوفيت ميمونة بسرف في الموضع الذي بنى بها فيه رسول الله ﷺ " باتفاق، ودفنت في موضع قبتها، "وذلك سنة إحدى وخمسين" على الصحيح، كما في التقريب، وقال في الإصابة: إنه الأثبت، ونقل ابن سعد عن الواقدي أنها ماتت سنة إحدى وستين، قال: وهي آخر من مات من أزواجه ﷺ ، ولولا كلامه الأخير لاحتمل أن قوله وستين، وهم من بعض الرواة، وقدстр. 2069
وقيل ست وستين وقيل ثلاث وستين، وصلى عليها ابن عباس ودخل قبرها.
الحواشي
(١) أخرج ابن سعد عن يزيد بن الأصم، قال: تلقيت عائشة من مكة أنا وابن لطلحة من أختها، وقد كنا وقعنا في حائط من حيطان المدينة، فأصبنا منه، فبلغها ذلك فلامت ابن أختها، ثم وعظتني موعظة بليغة، ثم قالت: أما علمت أن الله ساقك حتى جعلك في بيت من بيوت نبيه. ذهبت والله ميمونة، ورمى بحبلك على غاربك، أما أنها كانت من أتقانا لله، وأوصلنا للرحم فدل هذا الأثر أن عائشة عاشت بعدها، وعائشة ماتت قبل الستين، بلا خلاف، وسنده صحيح، فهو أولى من قول الواقدي وقد جزم يعقوب بن سفيان، بأنها ماتت سنة تسع وأربعين انتهى، "وقيل" ماتت سنة "ست وستين" حكاه السهيلي وغيره، قال في الإصابة: وليس بثابت، وقال البرهان: هو شاذ باطل، "وقيل ثلاث وستين".
قاله ابن إسحاق فيما أسنده عنه الطبراني في الأوسط برجال ثقات، قال في الإصابة: ولا يثبت، أي لما صح أنها ماتت في حياة عائشة، وقول بعضهم للاتفاق على أنها ماتت قبلها فاسد؛ إذ أصحاب هذه الأقوال لا يقولون بذلك، فأين الاتفاق. "وصلى عليها ابن عباس ودخل قبرها".
وروى الشيخان عن عطاء قال: حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة بسرف، فقال ابن عباس: هذه زوجة النبي ﷺ ، فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها، ولا تزلزلوها وارفقوا.
وروى ابن سعد عن يزيد الأصم، قال: دفنا ميمونة بسرف في الظلة التي بنى فيها ﷺ .стр. 2070
[جويرية أم المؤمنين] :
وأما أم المؤمنين جويرية ﵂ بنت الحارث بن أبي ضرار -بكسر الضاد المعجمة وتخفيف الراء- فكانت تحت مسافع -بالسين المهملة والفاء- ابن صفوان المصطلقى، وكانت قد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس
الحواشي
(١) جويرية أم المؤمنين:
"وأما أم المؤمنين جويرية" بضم الجيم مصغر "﵂ بنت الحارث بن أبي ضرار، بكسر الضاد المعجمة، وتخفيف الراء" فألف، فراء ابن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة، بجيم ومعجمة، مصغر، وهو المصطلق بطن من خزاعة الخزاعية، ثم المصطلقية، "فكانت تحت مسافع" بضم الميم، و"بالسين المهملة، والفاء" المكسورة "ابن صفوان المصطلقي"، المقتول كافرا يوم المريسيع، كما جزم به ابن أبي خيثمة والواقدي، فقصر البرهان في قوله لا أعلم له إسلاما، والظاهر هلاكه على شركه، "وكانت" كما أخرجه ابن إسحاق عن عائشة "قد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس" بمعجمة مفتوحة وميم مشددة، فألف فمهملةследующие страницы →